← История

История · id 7320

معالم تاريخ الشرق الأدني القديم

محمد أبو المحاسن عصفور

Полный текст (525 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بدء الاختلاف الحضاري: أخذت ملكات الإنسان العقلية والفنية تنمو ابتداءً من أواخر الدور الحجري القديم؛ ولكنه ظل كغيره من الكائنات التي عاشت معه يعتمد كلية على ما تجود به الطبيعة من مأوى ولباس وطعام، ونظرًا لأنه كان لا يضمن الحصول عليها بصفة دائمة فقد ظل في حركة دائبة وكان كل ما يقتنيه وما يمتلكه عائقًَا له, ولا يستثنى من ذلك ابناؤه؛ إذ لا شك في أنه كان يحدد من يتبعه منهم؛ ولذا فإن أهم تغيير طرأ على الإنسانية بدأ عندما أخذ الإنسان يتحكم في بيئته الطبيعية، وبعد أن تمكن من الاستقرار فيها حيث أصبح في الإمكان اقتناء الكثير من الأشياء والمنشآت وأصبحت الآثار الثابتة تستحق التجديد في البناء, وأمكن للأطفال أن يعيشوا في الأماكن التي يعيش فيها آباؤهم ويرثونهم ولا يحول حائل دون زيادة عددهم. ومن العلامات المميزة لأولى مراحل الاقتصاد الزراعي: إقامة القرى المستقرة

стр. 37

كما أن فكرتي بذر البذور بقصد إنتاج المحاصيل وتربية صغار الحيوانات التي من أصل بري لا بد وأنهما تحققتا في أوقات مختلفة في الأماكن المختلفة خلال التاريخ، ويرجح كثير من الباحثين أن المشاريع والاكتشافات التي أدت إلى جعل الزراعة موردًا لمعيشة جماعة قروية مستقرة تعتمد عليها اعتمادًا كليًا قد نشأت في منطقة معينة من العالم القديم ومن ثم انتقلت هذه الأفكار الجديدة وهي بذر البذور الصالحة للزراعة والحيوانات الداجنة إلى مناطق أخرى١ عن طريق الاقتباس وانتقال الثقافة وعن طريق التحركات البشرية, وما زال الباحثون يحاولون التعرف على هذه المنطقة؛ ولكنهم لم يتوصلوا بعد إلى رأي قاطع فيما يختص بذلك, وربما كانت هذه الاكتشافات قد أخذت في الظهور في جهات مختلفة, وفي وقت واحد أو أوقات متقاربة. ويبدو أن هذه الثورة الجديدة التي تعرف باسم ثورة الدور الحجري الحديث قد استمرت فترة طويلة، كما أنها لم تصل من موطنها أو مواطنها إلى الأماكن البعيدة في غرب أوروبا وفي شرق آسيا؛ إلا بعد فترة تقرب من ثلاثة أو أربعة آلاف سنة. والواقع أن غرب أوروبا شهد عصر البرونز ونشأة المدن الصغيرة قبل أن تصل إليه هذه الأفكار الجديدة، ولا يقصد بهذا الدور فترة زمنية محددة تقع بين تواريخ ثابتة؛ وإنما يقصد به الفترة التي تقع بين الوقت الذي كان الأفراد فيه يعتمدون على حياة الصيد والوقت الذي بدأ فيه اقتصاد يقوم على استخدام كامل للمعادن, أي: إنه يدل على الفترة التي نشأت فيها الزراعة وانتشرت ببطء في كثير من جهات أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا. واقتصاد الدور الحجري الحديث يعتمد بصفة عامة على زراعة مختلطة بالرعي؛ فأقدم المواقع الأثرية التي عثر عليها من هذا العصر كانت تعتمد على كل من استئناس الحيوان وزراعة الحبوب ولم يعثر على موقع يستدل منه على

стр. 38

وجود أيهما مستقلًّا عن الآخر, أو أن أهل هذا الموقع اعتمدوا في حياتهم على أحدهما فقط. ومع أن الجماعات التي تعتمد على الرعي وحده تنتشر في العالم الآن؛ إلا أنه لا شك في أن حياة الرعي لم تستقر كنظام يتبع إلا في فترة متأخرة نسبيًّا، أي: بعد مرور بضعة آلاف من السنين على وجود أول مجتمع اعتمد في حياته على الزراعة المختلطة بالرعي. ومع أن ممارسة الزراعة والمعيشة في قرى مستقرة تعد أولى علامات ثورة الدور الحجري الحديث إلا أن مظاهر حضارية أخرى غالبًا ما تشترك معها ولا بد من الإشارة إليها كمميزات عامة لحضارة الدور الحجري الحديث، ومن هذه: الفئوس المصقولة المصنوعة من الصخور النارية أو الصوان والمنجل المستقيم أحيانًا؛ على أن صناعة الفخار والنسيج سرعان ما برزت أهميتها، وأصبحت أهم ما أوجدته حضارة الدور الحجري الحديث؛ ولكنها مع ذلك من المميزات الثانوية التي تعد من مقتضيات حياة الزراعة بما فيها من جديد. وكان لا بد لإنسان الدور الحجري الحديث بعد أن يبذر بذوره من أن تتعلق آماله بما تجود به الطبيعة؛ ولذا كان من السهل أن يعتقد أن الأرض ما هي إلا إلهة للخصب والنماء، وتطلع إلى ما حوله من كائنات بحثًا عمن يحاكي هذه الأرض الطيبة؛ فلم يجد خيرًا من الأم الرءوم تحنو على أبنائها، وهكذا شبه الأرض بالأم وتعبد إليها؛ حيث رمز إليها بتماثيل في هيئة آدمية على شكل امرأة في غالب الأحيان, أو في هيئة الحمام أحيانًا١. وبالطبع لم يقف التطور الحضاري عند الدور الحجري الحديث؛ بل أخذ الإنسان ابتداء من هذا الدور يسرع الخطا نسبيًّا في تطوره الحضاري؛ لأن حياة الزراعة هيأت للإنسان الطمأنينة والأمن أكثر من ذي قبل, إذ كفلت له الرزق

стр. 39

بصورة أكثر دوامًا وانتظامًا؛ فأتاح له ذلك فرصة التأمل والتفكير والترقي, وهكذا انتقل الإنسان إلى دور بدء استخدام المعادن ثم إلى الدور الكتابي أو العصر التاريخي.

стр. 40

التطور الحضاري والشرق الأدنى: من العسير تحديد مكان وزمان نشأة القرى المستقرة التي اعتمدت في حياتها على الزراعة واستئناس الحيوان "أى: ثورة الدور الحجري الحديث" التي تعد الجذور الأولى التي اعتمدت عليها الحضارات الإنسانية في تطورها إلى وقتنا الحاضر؛ وذلك لأن هذه النشأة كانت حقيرة غير واضحة المعالم، كما يتعذر تحديد موطنها الأصلي بدقة تامة؛ لأن أفكارًا مثل بذر البذور وتربية الحيوان يمكن انتشارها بسهولة ويسر إلى درجة يصعب معها تحديد مصدرها؛ إذ إنها في الواقع أيسر انتشارًا من انتشار المظاهر الحضارية الأخرى وخاصة المادية منها, مثل الأخذ باستخدام نوع من الآلات أو تغيير الأدوات المألوفة فسرعان ما تتقبل الشعوب -وإن اختلفت تقاليدها- ثورة مثل هذه "ثورة الدور الحجري الحديث" إذا ما كانت البيئة التي تعيش فيها ملائمة والمناخ مناسبًا، ويصبح من اليسير عليها أن تكيف حضارتها تبعًا لذلك. وعلى هذا فقد اختلف الباحثون في أي الأماكن تعد أقدم مراكز الزراعة المصحوبة باستئناس الحيوان، ومنهم من ذهب إلى أنها الحبشة، ومنهم من رأى أنها جنوب غربي آسيا، وتحمست غالبيتها لهذا الرأي الأخير؛ حيث اكتشفت في هذه المنطقة آثار أنواع برية من النباتات والحيوانات التي تعد أسلافًا للحبوب والحيوانات التي تعيش فيها الآن؛ بينما لم يعثر في أفريقيا على ما يناظر هذه الأنواع البرية؛ غير أن العثور على هذه الآثار في منطقة دون غيرها لا يكفي لحل المشكلة؛ إذ إن الأبحاث الأثرية ما زالت غير كافية في كثير من بقاع العالم بصفة عامة.

стр. 41

ومع هذا فإننا إذا ما تأملنا ظروف العالم القديم في الأزمان السحيقة؛ لوجدنا أن العروض المدارية كانت أحسن جهاته ملاءمةً في مناخها وبيئاتها لنمو هذه الحبوب والحيوانات وخاصة في الأدوار الحجرية؛ حيث إنها لم تتعرض لذبذبات مناخية شديدة التطرف؛ ولذا فإن أقدم مراكز ثورة الدور الحجري الحديث لا تخرج عن نطاق هذه العروض, ولا تتمثل جنوب خط الاستواء في العالم القديم إلا في بعض جهات أفريقيا وأستراليا؛ لأن هذه الجهات بحكم تضاريسها وموقعها أبعد من أن تكون أقدم مراكز تلك الثورة، كما أن توصل هذه الجهات إلى أي مظهر حضاري لا يحتم انتقاله منها إلى غيرها أو أن يؤثر فيها بالضرورة. أما في شمال خط الاستواء فإن الجهات التي تقع في العروض المدارية أكثر احتمالًا لأن تكون أقدم مراكز هذه الثورة، وهذه الجهات تتمثل في النطاق الممتد عبر شمال أفريقيا وشبه جزيرة العرب وشمال الهند والهند الصينية أي: بين المحيط الأطلنطي غربًا والمحيط الهادي شرقًا بما في ذلك من صحارَى واسعة ووديان أنهار؛ إذ إن هذا النطاق لم يكن على حالته الراهنة من الجفاف والجدب؛ بل كان ينعم في العصور السحيقة بكمية من الرطوبة والتساقط هيأت للجماعات البشرية التي انتشرت فيه حياة نباتية وحيوانية ملائمة؛ لأن عصور تقدم الجليد إلى العروض المعتدلة والفترات الدفيئة التي تخللتها كانت تقابلها أدوار مطيرة في العروض المدارية, وأن فترات تراجع الجليد الباردة كانت تقابلها قلة في التساقط في هذه العروض كما سبق أن أشرنا١. ومع أن بوادر الجفاف أخذت تحل فيه ابتداء من نهاية الدور الحجري القديم؛ إلا أن هذا الجفاف لم يصل إلى ذروته من الشدة إلا في العصر الروماني، وعلى هذا يمكن القول بأن صحارَى هذا النطاق ظلت تنعم بمناخ ملائم إلى أوائل العصر التاريخي على الأقل، وبالرغم من انتشار الإنسان في أرجاء هذا النطاق الواسعة إلا أنه كان يحرص على أن

стр. 42

يظل قريبًا من مجاري المياه التي كانت تتمثل في الأنهار العظيمة الحالية وكثير من أودية الصحراء التي أصبحت جافة الآن، وحينما أخذ التساقط في القلة وبدأ الإنسان يشعر بوطأة الجفاف صار لا يبعد كثيرًا في إقامته عن المجاري المائية الدائمة والأنهار العظيمة مثل نهر النيل ونهري دجلة والفرات وأنهار سورية وآسيا الصغرى وغيرها. ونظرًا لأن تلك الأنهار لم تعمق مجاريها إلا بعد وقت طويل, ولأن كمية التساقط كانت أكبر منها الآن؛ فإن السهول الفيضية لتلك الأنهار كانت أكثر ارتفاعًا وأكثر امتدادًا على الجانبين، وكلما عمق النهر مجراه وقل التساقط كلما أخذت سهوله الفيضية تنخفض ويقل امتدادها أي: أن مياهه كانت تنحسر عن جانبيه تدريجيًا, وكان الإنسان بالطبع يتتبعها دائمًا؛ حيث يظل يهبط من الأماكن المرتفعة أو الهضاب التي عاش فيها ليقيم على جانبي النهر تاركًا وراءه مخلفاته وبعض آثاره. وهكذا نجد أن أقدم ما عثر عليه من الآثار في مثل هذه الحالة وجدت في مناطق أبعد في قلب الصحراء ومنسوب طبقاتها أكثر ارتفاعًا من تلك التي وجدت بها الآثار الأحدث منها، أي: أن أقرب الآثار في تاريخها إلى عصرنا الحالي تكون في طبقات أقرب إلى الوادي وهي في منسوبها أقل ارتفاعًا من تلك التي ترجع إلى عهود أقدم، وعلى ذلك تكون آثار الحضارات المختلفة في مدرجات على جانبي النهر، ويكون ترتيبها عكسيًا بالنسبة لترتيب الطبقات التي توجد بها آثار في أماكن بعيدة عن وديان الأنهار؛ إذ إن أقدم الآثار في هذه الأماكن توجد في أسفل الطبقات وتعلوها الأحدث منها, وهكذا وفق ترتيبها الزمني، ومن خير الأمثلة للمدرجات النهرية التي توجد بها آثار الحضارات المختلفة في ترتيبها العكسي مدرجات النيل "شكل ٥". ومن البديهي أن مناطق العروض المدارية شمال خط الاستواء في العالم القديم لم تتطور في حضارتها بسرعة واحدة ولم تؤثر جميعها في حضارت غيرها أو تتأثر

стр. 43

بها بدرجة واحدة؛ بل كان بعضها أسرع في تطورها وأكثر تأثيرًا في غيرها وتأثرًا بهم من البعض الآخر، ولا شك في أن المناطق المتطرفة والبعيدة مثل الهند الصينية والهند وشمال غرب أفريقيا كانت أقل شأنًا من بقية المناطق في هذه الميادين. شكل "٥" رسم يبين مدرجات النيل ولو نظرنا إلى إقليم الشرق الأدنى بصفة عامة؛ لوجدناه يتميز بعوامل هيأت له سرعة التطور, وجعلته أسبق مناطق ذلك النطاق المداري وأبعدها أثرًا في مضمار الحضارة والرقي, وهذه العوامل تتلخص فيما يلى: ١- وقوعه في مركز متوسط من العالم القديم؛ مما سهل اتصاله بغيره من الأقاليم؛ فأمكن انتقال المؤثرات الحضارية منه وإليه بسهولة. ٢- وجود أنهار عظيمة ومجارٍ مائية دائمة في مختلف أقطاره؛ مما أدى إلى استقرار الجماعات البشرية التي سكنت قريبًا منها, وأتاح لها ذلك فرصة النهوض والرقي "انظر خريطة رقم١".

стр. 44

٣- سهولة اتصال أجزاء هذا الإقليم فيما بينها؛ لعدم وجود فواصل طبيعية مانعة تحول دون ذلك؛ حيث أتيحت لها فرصة الاحتكاك بعضها بالبعض, فانتشرت مظاهر حضارية مختلفة فيما بين دجلة والبحر المتوسط١، ووصلت بعض العناصر الحضارية إلى وسط آسيا الصغرى من مواطن لا يقل بعدها عن ٣٠٠ ميل تقريبًا٢، كما جلب أهل حضارة سيالك في إيران أنواعًا من الأصداف من أماكن تبعد عنهم نحو ٦٠٠ ميل تقريبًا, إلى غير ذلك من المظاهر التي تدل على نشاط احتكاك أهل المناطق المختلفة في هذا الإقليم بعضهم بالبعض الآخر. ٤- بالرغم من وجود التشابه بين البيئات في أحواض الأنهار التي تجرى في هذا الإقليم؛ فإن كلًّا من أقطاره تميز بأنواع معينة من الموارد التي لا تتوافر في بقية أقطار هذا الإقليم؛ مما أدى إلى تشابك مصالحها ودعم الاتصال فيما بينها، والواقع أن هذا الإقليم في مجموعه وجدت به كل الاحتياجات الضرورية لنشأة الحضارة وتطورها، وكانت كل دولة تحصل على ما تريد من موارد طبيعية لدى الدول الأخرى عن طريق التجارة أو عن طريق الحرب إن وجدت لديها القوة الكافية لذلك. وكثيرًا ما يذهب الباحثون إلى أن قطرًا من بين أقطار إقليم الشرق الأدنى كان أسبق من غيره في الوصول إلى ثورة حضارية معينة وخاصة تلك التي حدثت ابتداءً من عصره الحجري الحديث أو إلى مقدمات العصر التاريخي, ويستندون في ذلك إلى احتمال انتقال بعض المظاهر الحضارية من هذا الجزء إلى غيره من أجزاء هذا الإقليم، وكثر الجدل حول أسبقية كل من العراق ومصر في هذا المضمار؛ إلا أن انتقال بعض المظاهر الحضارية -بفرض ثبوته- لا يكفى لتأكيد أسبقية القطر الذي انتقلت منه إلى القطر الآخر ما دامت هناك عناصر حضارية

стр. 45

أخرى أصيلة قد تطورت داخليًّا وتلقائيًّا في القطر الذي وجدت به المظاهر الحضارية التي يفترض أنها منقولة إليه١، وكل ما يمكن قوله بأنه لا يمكن تأكيد أسبقية أحد أقطار إقليم الشرق الأدنى إلى ثورة الدور الحجري الحديث بصفة قاطعة؛ فكلها تنعم بمناخ ملائم وكانت تسكنها شعوب من أصل واحد أو من أجناس متشابهة, ومن المعروف جغرافيًّا أن البيئات المتشابهة التي تسكنها أجناس متشابهة تنتج حضارات متشابهة. وكان من الطبيعي أن يتجه إنسان الدور الحجري الحديث إلى تحسين إنتاجه, وأن يبحث عما يهيئ له شيئًا من الرفاهية واقتصاد بعض الجهد في عمله، وسواء كان توصله إلى استخدام المعادن قد حدث عن طريق الصدفة البحتة أو عن طريق التجربة؛ فإنه أخذ يستغلها في أغراضه وانتقل إلى دور بدء استخدام المعادن. وكان استقراره في القرى لا شك داعيًا إلى تشابك مصالحه مع غيره وتعقد علاقاته الإنسانية؛ فاضطرته الحاجة إلى إيجاد وسيلة يتذكر بها بعض ما يتعلق بشئونه وبعلاقاته مع الآخرين خشية أن تخونه الذاكرة، وعلى هذا حاول تدوين ذلك برسم أو نقش يصور به ما يريد أن يتذكره بقدر الإمكان فابتدع الكتابة التصويرية التي يكاد يكون وقت التوصل إليها واحدًا في كل من العراق ومصر؛ مما دعا الظن بأنها من اختراع جنس جديد دخل إلى كل منهما في نفس الوقت؛ إلا أنه لا شك في خطأ هذا الرأي نظرًا لأن هذه الكتابة لم توجد في أي قطر آخر في تاريخ أسبق لحدوثها في هذين القطرين -وقد بدأ العصر التاريخي في كل منهما بعد فترة وجيزة من التوصل للكتابة- أو قبلها بقليل.

стр. 46

خريطة رقم "١"

стр. 47

وبالرغم مما أشرنا إليه من جدل الباحثين حول أسبقية العراق ومصر في مضمار الحضارة ينبغي ألا يتبادر إلى الذهن أن أقطار الشرق الأدنى القديم الأخرى كانت قليلة الأهمية في المضمار الحضاري، أو لم تكن ذات أثر على التراث الإنساني؛ فربما كانت قلة المعلومات عنها نظرًا لقلة الأبحاث الأثرية التي أجريت فيها نسبيًّا, هي السبب الذي من أجله درج العلماء على تكريس القسط الأكبر من اهتمامهم نحو العراق ومصر؛ نظرًا لزيادة النشاط الأثري فيهما عنه في غيرهما من أقطار الشرق الأدنى القديم؛ فبرزت أهميتهما. ومع كل فإننا سنتتبع حضارات العصور قبل التاريخية والعصر التاريخي في هذا الإقليم حسب ما وصلت إليه معلوماتنا الحالية من الغرب إلى الشرق قدر الإمكان وإن خرجنا على ذلك أحيانًا لتيسير ترابط الموضوع ودراسته على القارئ؛ على أنه يجب ألا يفهم من تقديمنا دراسة قطر على آخر أنه يفوقه أهميةً أو أنه أسبق منه في ميدان الحضارة.

стр. 48

الفصل الثالث: مصر مدخل ... الفصل الثالث: مصر: تحتل مصر الركن الشمالي الشرقي لأفريقيا وتشغل الحوض الأدنى لنهر النيل، وهي عمومًا عبارة عن وادٍ منبسط تحف به الصحارى من الجانبين: الشرقي والغربي, ولولا وجود النهر لأصبحت هي الأخرى جزءًا من الصحارى المحيطة بها؛ ولذا وصفها هيرودوت بعبارته الشهيرة: "مصر هبة النيل". وقد هيأت ظروفها الطبيعية للجماعات التي استقرت بها فرصة للنهوض والرقي؛ ففي الشمال يوجد البحر المتوسط الذي لم يكن من اليسير عبوره إلا بعد أن تمكن الإنسان من ركوب البحر إلى مسافات بعيدة، وفي الشرق والغرب صحاري واسعة يصعب اجتيازها، وفي الجنوب توجد منطقة صحراوية صخرية تعد من أجدب بقاع العالم, وتعترض النهر فيها جنادل وصخور تجعل الملاحة فيه متعذرة غير يسيرة، وهكذا كفلت البيئة المصرية الأمن والهدوء لأهلها، وإذا ما حدث أن وصلت إليها جماعات جديدة فإن هؤلاء الوافدين الجدد لا يغامرون بالخروج منها مرة أخرى, ويندمجون في محيط السكان الأصليين, ويتأقلمون تأقلمًا تامًّا. ومن جهة أخرى تتمتع البيئة المصرية بمناخ معتدل وسماء صحو دائمًا ونادرًا ما تتعرض للأعاصير وتسودها الرياح الشمالية "التجارية"؛ بينما يجري

стр. 49

النهر المنتظم الفيضان كل عام من الجنوب إلى الشمال، وهذه الظروف جميعها أتاحت للجماعات التي عاشت على جانبي النهر سهولة التجوال فيه، شمالًا بمساعدة تياره وجنوبًا بمساعدة الرياح السائدة؛ فاحتكمت بعضها بالبعض ونشأت بينها مصالح مشتركة؛ وخاصة لأن فيضان النهر السنوي المعتاد غالبًا ما كان خيرًا مشتركًا يتعاون الجميع في الإفادة منه, ونادرًا ما كان خطرًا مشتركًا يعمل الجميع على مجابهته سواء في حال انخفاضه أو ارتفاعه عن المستوى الملائم لسد حاجياتهم، وقد يحدث النزاع بين تلك الجماعات أحيانًا فتعمل القوية منها على السيطرة على غيرها من الجماعات, وهكذا إلى أن انتهى الأمر بتوحيدها في مملكتين: إحداهما في الدلتا, والأخرى في الوجه القبلي, ما لبثتا في النهاية أن توحدتا في مملكة واحدة، ومع أن كلًّا من قسمي مصر الجنوبي "الوجه القبلي" والشمالي "الدلتا" انفرد ببعض مظاهر خاصة في حضارات ما قبل العصر التاريخي إلا أن هذه الحضارات كانت تشترك في طابعها العام ومميزاتها الرئيسية. ومن المرجح أن توحيد مصر في مملكة واحدة سبق أي قطر آخر من إقليم الشرق الأدنى, وأنه لم يتم بمساعدة أية قوى خارجية, وقد أدى ذلك لأن تصبح مصر في أقدم عصورها التاريخية أقوى أقطار الشرق الأدنى ومن أكثرها نهوضًا ورقيًّا, وسنتناول فيما يلي تاريخها وحضارتها بصفة عامة.

стр. 50

العصور قبل التاريخية الدور الحجرى القديم الدور الحجرى القديم الأسفل ... أولًا- العصور قبل التاريخية: أ- الدور الحجري القديم: ١- الدور الحجري القديم الأسفل: أ- الحضارة الأبفيلية "الشيلية": وجدت آثار هذه الحضارة في مناطق مختلفة من القطر المصري١ ومعظمها مناطق بعيدة في الصحارى أو في التلال التي تحف بالوادي، وهذه الآثار لا تخرج عن كونها آلات حجرية تشبه تلك التي عثر عليها في أوروبا أي: فئوس حجرية "شكل ٦" وإن كان بعضها يهذب بحيث تصبح الآلة ذات أوجه ثلاثة "كمنشور ثلاثي في جزئها المشغول" بدلًا من أن تكون ذات وجهين كما في الفئوس الشيلية الأخرى، وربما كان اختيار النواة من الحصا المربع هو السبب في إنتاج هذا الشكل؛ لأن الإنسان كان يكتفي بتشظيتها من أعلاها بضربة واحدة أو ببعض الضربات؛ فتصبح ذات شكل هرمي؛ على أنه يجب ألا يعتبر هذا النوع من الأدوات مميزًا للصناعة الشيلية في مصر؛ إذ إن الفئوس اليدوية الأخرى شكل "٦" آلات أيفيلية "شيلية" من مصر.

стр. 51

خريطة "٢" أهم المواقع الأثرية في مصر

стр. 52

لا تختلف عن زميلاتها في سائر أنحاء العالم القديم، وقد وجدت فئوس أقل إتقانًا من تلك التي سادت في هذه الحضارة يرد البعض إرجاعها إلى ما قبل الحضارة الشيلية ويطلقون عليها اسم الصناعة الشالوسية؛ ولكنها لا تخرج عن كونها صناعة شيلية بدائية ولا داعي لاعتبارها صناعة مستقلة. ب- الحضارة الأشولية: ازدادت العناية بالفئوس الهرمية فهذبت حافتها وصغرت في الحجم واستطالت فأصبحت رفيعة خفيفة ولها حد مستقيم مشطوف, كما وجدت فئوس أخرى من الشكل المعتاد في الصناعة الأشولية في أوروبا "شكل ٧" وظهرت بعض الأدوات الأخرى مثل المخارز المدببة الأطراف, والأسلحة الحجرية ذات الحدود المتعرجة أو المستقيمة, وبعض مكاشط قليلة العدد. ولم يكتف بصناعة هذه الآلات من الصوان؛ بل استعملت بعض أنواع أخرى من الأحجار في صناعتها كذلك. شكل "٧" آلات أشولية من مصر هذا ولم يعثر على بقايا عظمية يستدل منها على السلالات التي عاشت

стр. 53

في وادي النيل خلال الدور الحجري القديم الأسفل؛ ولكن وجدت بقايا حيوانية في بعض المناطق يستدل منها؛ على أن المناخ كان يشبه ما كان سائدًا في أوروبا, وإن كان من المرجح أنه كان أكثر ميلًا إلى الدفء وكثرة الرطوبة, بدليل العثور على بقايا تماسيح وفيلة وأفراس النهر.

стр. 54

٢- الدور الحجري القديم الأوسط: سبق أن بينا أن تغير الظروف المناخية قد أدى إلى تنوع الحضارات١؛ فانقسم العالم خلال هذا الدور إلى قسمين كبيرين: أوراسي وأفريقي، وأن الإنسان في أوراسيا آوى إلى الكهوف؛ بينما ظل في أفريقيا يعيش في العراء. ومع كل فإن الأدوات التي اتخذها الإنسان في مصر في أوائل هذا الدور لم تختلف عن مثيلاتها في أوروبا, أي: إنها كانت تمثل الصناعة الموستيرية ومعظمها من الشظايا وهي عبارة عن رقائق من الحجر تمثل نصالًا مدببة ومحتات "Scrapers" وغيرها "شكل ٨". شكل "٨" أسلحة موستيرية مصرية "ماقبل السبيلية"

стр. 55

ومن المرجح أن هذه الصناعة استمرت في مصر فترة أطول من استمرارها في أوروبا؛ ولكنها أخذت تتطور وتنوعت أدواتها لتفي بأغراض الإنسان المتزايدة وصغرت في حجمها واتخذت أشكالًا هندسية أي: إن الصناعة في مصر في أواخر هذا العهد تميزت بمميزات خاصة؛ ولذا أطلق عليها اسم الصناعة الموستيرية المصرية أو "ما قبل السبيلية"١. والواقع أن هذه الحضارة تمثل مرحلة مبكرة من حضارة الدور الحجري القديم الأعلى في مصر، ويرى البعض أن الحضارة العاطرية "التي ظهرت صناعاتها في الواحات الخارجية والفيوم خلال هذا الدور" ما هي إلا مظهر من مظاهر الحضارة الموستيرية المصرية؛ بينما يرى فريق آخر من الباحثين أن الحضارة السبيلية هي التي تعد مظهرًا من مظاهر الحضارة العاطرية وأنها ظهرت بعدها؛ ولكن لا يمكن تأكيد أي الرأيين بصفة قاطعة. ولم يعثر على بقايا يستدل منها على جنس الإنسان الذي عاش في مصر خلال هذه الفترة وإن كان من المرجح أن الإنسان الحديث كان قد أخذ يعيش في وادي النيل بالفعل، كما يستدل على ذلك من أدواته المتقدمة التي تركها خلافًا لما عرف في أوروبا؛ حيث ظل إنسان نياندرثال يعيش في كهوفها طوال هذا العصر, ولكنه انقرض بعد ذلك وحل محله الإنسان الحديث في العصر التالي أي: الدور الحجري القديم الأعلى.

стр. 56

٣- الدور الحجري القديم الأعلى: ازداد التباين بين أوروبا وأفريقيا؛ فبينما أخذت البرودة تشتد في أوروبا ظل المناخ في إفريقيا ملائمًا لأن يعيش الإنسان في الهواء الطلق؛ ولكنه أصبح أقل

стр. 57

أمطارًا وأكثر جفافًا من فترة الحضارة الموستيرية؛ فانخفض مستوى الماء في الأنهار والمجاري المائية وقلت الحياة النباتية وتبدلت أنواع الحيوانات في مساحات واسعة من العالم القديم وأخذ الإنسان في هجرها؛ إذ رأى أنها تتحول إلى صحارى مجدبة فحصر إقامته في الأماكن القريبة من مجاري المياه، ولم يترك إنسان إفريقيا في هذا الدور آثارًا تعادل في مستواها من الناحية الفنية تلك التي تركها زميله المعاصر له في أوروبا, ولم تتعدد مظاهر حضاراته في المناطق المختلفة التي وجدت بها كما حدث في أوروبا؛ بل سادت كل شمال أفريقيا حضارة واحدة هي الحضارة القفصية "نسبة إلى قفصة في شمال تونس" التي استمرت إلى ما بعد الدور الحجري القديم الأعلى, أي: إلى ما يقابل الدور الحجري المتوسط؛ إلا أن مصر -نظرًا لظروف بيئتها الخاصة- انفردت في حضارتها بمظاهر مميزة؛ مما دعا إلى تسميتها باسم "الحضارة السبيلية" وإن كانت في واقع الأمر متفرعة عن الحضارة القفصية. ويرى البعض أن الحضارة القفصية قد مرت بأربع مراحل تتفق الثلاثة الأولى منها وأقسام الدور الحجري القديم الأعلى, أما المرحلة الرابعة والأخيرة؛ فقد عبروا عنها باسم مرحلة الانتقال إلى الدور الحجري الحديث, أي: أنها تتفق والدور الحجري المتوسط. كما يرى البعض تقسيم الحضارة السبيلية في مصر إلى ثلاث مراحل تقابل حضارات الدور الحجري القديم الأعلى والدور الحجري المتوسط في أوروبا, أي: أن المرحلة الأخيرة منها تمتد إلى ما يقابل الدور الحجري المتوسط، ومهما كان الأمر فإن الآلات التي اتخذت في هذه الحضارة كانت صغيرة على العموم, وتغلب فيها الأشكال الهندسية "شكل٩"، ولدقة هذه الآلات أطلق عليها اسم الآلات الميكروليثية "Microlithie", وقد كشف عن عدة مواقع تنتمي إلى هذه الحضارة في مصر, ومن أهمها قرية السبيل التي نسبت إليها هذه الحضارة كما سبقت الإشارة إلى ذلك١.

стр. 58

ب- الدور الحجري المتوسط: يعد هذا الدور مرحلة الانتقال بين حضارات الدور الحجري القديم الأعلى, والدور الحجري الحديث في أوروبا، ولم تستغرق هذه المرحلة زمنًا طويلًا؛ بل وكثيرًا من نجدها تختفي في كثير من المناطق، ولا نكاد نلمسها في شمال أفريقيا ومصر؛ فالقفصية في الأولى والسبيلية في الثانية تمتدان إلى ما يقابل هذه المرحلة؛ ولذا لا يشار إليها في دراسة الأدوار الحجرية لتلك المناطق. هذا وقد درجت غالبية العلماء على تقسيم الفترة التي تقع بين الحضارة السبيلية شكل "٩" أدوات سبيلية

стр. 59

وبداية العصر الفرعوني "عصر الأسرات" في مصر إلى: دور حجري حديث وعصر ما قبل الأسرات؛ ولكن نظرًا لأن الحضارات التي ترجع إلى ما بعد السبيلية لم تدرس بدقة تامة كما أنها جميعًا عرفت المعادن؛ فإن فريقًا من العلماء يفضل إعادة النظر في دراستها حتى يمكن تأكيد ترتيبها الزمني، وهم يرون كذلك أنها جميعًا تدخل ضمن عصر ما قبل الأسرات؛ لأن وجود المعادن فيها يجعل انتساب بعضها إلى الدور الحجري الحديث غير صحيح، ومع هذا فسوف نتبع في دراستها التقسيم الذي ما زال مألوفًا لدى معظم الباحثين.

стр. 60

العصر الحجرى الحديث مدخل ... ج- العصر الحجري الحديث: ازداد تغير المناخ في العالم القديم فأصبحت الاختلافات بين البيئات المحلية أكثر وضوحًا وازداد الجفاف في الشرق الأدنى؛ وبذلك اضطر الإنسان أن يقترب من الوديان أكثر من ذي قبل، ولم يغامر بالابتعاد عن الأنهار؛ فاستقر في جماعات بالقرب منها وألجأته الحاجة لضمان غذائه إلى استئناس الحيوان ومعرفة الزراعة، وكان من الضروري -وقد عرف الزراعة- أن يختزن محصوله؛ فعرف صناعة الأواني وبذلك أقام حياته على أسس اقتصادية ثابتة. وانتقل أهل مصر من حياة البداوة إلى حياة الاستقرار وأتاحت لهم ظروف بيئتهم الطبيعية فرصة الاتحاد في مملكتين: إحداهما في الوجه القبلي, والأخرى في الوجه البحري كما أشرنا١. ويختلف الوجه القبلي والوجه البحري, كل عن الآخر: فالأول "الوجه القبلي" عبارة عن شريط ضيق من الأراضي الزراعية على جانبي النهر, تحف به هضبتان صخريتان من الشرق والغرب، أما الثاني "الوجه البحري" فتتسع أراضيه الزراعية إلى درجة كبيرة

стр. 61

وتكثر بها المستنقعات وتتخللها البحيرات والقنوات، وهذه المساحات الواسعة من الأراضي الزراعية بعيدة في معظمها عن الصحارى. وكذلك يتميز الوجه البحري عن الوجه القبلي بأنه أقرب منه نسبيًّا إلى آسيا وأوروبا؛ ولذا كانت الحضارات التي نشأت في كل من هذين الإقليمين تتسم بمظاهر خاصة تجعلنا نميز فيما بينهما، وتعد الفيوم أشبه بواحة في الصحراء بين هذين القسمين من مصر؛ ولكن نظرًا لأنها أقرب إلى الوجه البحري فقد اشتركت حضارتها "في صفاتها" مع حضاراته أكثر من اشتراكها مع حضارات الوجه القبلي؛ ولذا ألحقناها به وإن كنا نميل إلى جعلها حضارة قائمة بذاتها. وتمثل هذا الدور "العصر الحجري الحديث" في الوجه القبلي حضارتا ديرتاسا "التاسية" والبداري، وفي الوجه البحري حضارات حلوان الأولى "العمري" ومرمدة بني سلامة, ومع أن كلًّا منها تنفرد بمميزات خاصة إلا أنها جميعًا تشترك في تقدم صناعة الفخار وصقل الآلات الحجرية، ومن المخلفات التي عثر عليها أمكن التوصل إلى أن المستنقعات كانت تسود الدلتا والأحراش كانت منتشرة في الوجه القبلي, وأن الحيوانات الكبيرة الحجم كالزراف والضباع وأفراس النهر كانت مألوفة لدى المصريين, وسنتكلم بإيجاز عن كل حضارة على حدة.

стр. 62

حضارات الوجه القبلي: ١- الحضارة التاسية: ١ هي أفدم حضارات العصر الحجري الحديث في الصعيد، وتنسب إلى

стр. 63

ديرتاسا التي تقع إلى شمال البداري، ويستدل من آثارها على أن أهل هذه الحضارة عرفوا زراعة الحبوب؛ ولكنهم لم يعيشوا معيشة استقرار تامة؛ فكانوا يمارسون الصيد إلى جانب الزراعة البدائية, وعرفوا النسيج واتخذوا الحلي من أصداف البحر المثقوبة والخرز الأسطواني المصنوع من العظم أو العاج تحليه خطوط متقاطعة واستعملوا الأساور، وفي مخلفاتهم عُثِر على صلايات من المرمر والحجر الجيري والأردواز لصحن الدهنج والمغرة وعلى مراخٍ وبعض الحبوب وعدد من السنانير " الشصوص" وطبق من الخوص ودبابيس وإبر من العظام، ومن المرجح أنهم استعملوا الوسائد؛ إذ وجد تحت رءوس عدد من الموتى بعض التبن أو القش الذي كان لا ريب داخل كيس "جلد أو كتان"؛ ولكنه فني مع الزمن, كما يرجح أن الأشجار الكبيرة والمستنقعات كانت منتشرة في ذلك العهد؛ إذ وجدت فئوس من أحجار مختلفة لا بد وأنها استخدمت من أجلها، أما فخار ديرتاسا فيمكن تقسيمه إلى نوعين: أولًا: بني ذو سطح خشن عادة, وهو خالٍ من التموجات إلا في بعض القدور النادرة التي نجد بها تموجات مائلة أو عمودية. ثانيًا: أسود رمادي أملس عادة, ذو تموجات عمودية والبعض القليل مصقول، ومن أواني هذا النوع أقداح ذات شفة مقلوبة على شكل البوق, وهي سوداء مصقولة تحلي سطحها الخارجي وشفاهها من الداخل خطوط محفورة مليئة بعجينة بيضاء تمثل خطوطًا أفقية, بينها مثلثات مخططة لتثبيت المادة البيضاء فيها. وفخار هذه الحضارة خلو من علامة الصانع أو صاحب الإناء، ومن بين هذا الفخار بعض المغارف غير العميقة, ذوات لسان مسطح بارز من الحافة بمثابة مقبض "شكل١٠".

стр. 64

"شكل١٠" أدوات وأوانٍ فخارية من تاسا وكانت مقابر القوم عبارة عن حفر كبيرة بيضية في الغالب والقليل منها ذو جوانب مستقيمة بزوايا مستديرة وفي جانبها الغربي دخلة "طاقة" تتسع لآنية، وكان الميت يدفن في وضع مقرفص أشبه بالجنين ورأسه إلى الجنوب ووجهه إلى الغرب, ويوضع معه بعض الفخار إلى جانب يديه أو ركبتيه, وجثته تغطى بجلد حيوان؛ بحيث يكون الشعر أو الصوف إلى الداخل، ويلف بعد ذلك في حصير وتوضع الرأس فوق ما يشبه الوسادة من القش, ثم يحاط الميت بتقفيصة من الأغصان. وهذه المقابر كانت بعيدة عن المساكن وقد وجد بعضها مختلطًا بمقابر البداريين؛ ولذا يمكن القول بأن التاسيين كانوا أقرباء أو أسلاف البداريين, وهذا هو ما دعا بعض الأثريين إلى أن يلحقوا هذه الحضارة بحضارة البداريين ويعتبرونها جزءًا منها١. ٢- البداري: كان البداريون أرقى من أي جماعة عاشت في الدور الحجري الحديث؛ إذ استقروا في قرى منتظمة يزرعون الحبوب ويستأنسون الماشية وأنواعًا من الأغنام والماعز فضلًا عن صيد البر والبحر, وكانوا مهرة في كل صناعات هذا

стр. 65

الدور، ومع أن بعض حيواناتهم يظن أنها تنتمي إلى غربي آسيا؛ إلا أن من المرجح أنهم وفدوا إلى مصر من منطقة تبعد عن البداري كثيرًا إلى الجنوب. واستعمل البداريون طريقة التشظية بالضغط في صناعة آلاتهم الحجرية، وقد امتازوا عن أسلافهم بمعرفة النحاس, فاستعاضوا الفأس النحاسية عن الفأس الحجرية التي سادت في الحضارات السابقة, كذلك يتمثل رقيهم عمن سبقهم في أنهم استخدموا السهام والقسي وعصي الرماية "Boomerang" "شكل ١١" ودبابيس القتال ذات الرءوس التي على شكل القرص, وعرفوا السنانير وتفوقوا في صناعة اللوحات الاردوازية وبعض لوحات من المرمر، وقد عثر بين آثارهم على ثلاثة تماثيل صغيرة لسيدات؛ أحدها من الطين والثاني من الطين المحروق والثالث من العاج وليست هذه التماثيل دقيقة الصنع وبعض أجزائها مفقود. واتخذوا حليًّا من أحجار مختلفة ومن الأصداف والنحاس, كان أهمها الخرز والأساور والأحزمة والأمشاط الطويلة الأسنان من العاج، ومن المرجح أنهم عرفوا صناعة السلال والحصر؛ حيث عثر على أجزاء منها في مقابرهم، كما يبدو أنهم كانوا على دراية بنسيج الكتان؛ لأن بعضًا من الإبر المصنوعة من العظام وجدت بين آثارهم ومن بينها مجموعة وجدت في جعبة صغيرة صنعت من ساق فرس النهر، ولم يقتصر البداريون في صناعة أوانيهم على الفخار؛ بل كانت لديهم أوانٍ عاجية منها إناء على شكل فرس النهر وأوانٍ حجرية من البازلت أيضًا. وفخار البداري أرقى من فخار الحضارات السابقة إن لم يكن أرقى أنواع الفخار في مصر القديمة على الإطلاق، وهو يمتاز بما يحلي جدرانه من تموجات تشغل السطح الخارجي بأكمله أو نصفه الأعلى أو تكون شريطًا يحيط بحافة الإناء، كذلك قد توجد هذه التموجات بالسطوح الداخلية لبعض الأواني الواسعة ومع أنه مصنوع باليد -إذ لم تكن عجلة الفخار قد عرفت بعد-

стр. 66

إلا أنه يمتاز برقة الجدران, وهو على سبعة أنواع يمكن حصرها بصفة عامة فيما يلي: ١- أوانٍ ذات لون بني أو أحمر مصقول ولها حافة سوداء غالبًا. ٢- أوانٍ ذات سطح أملس مصقول, لونها بني أو أسود. ٣- أوانٍ ذات سطح خشن, لونها بني أو أسود كذلك. وأشكال هذا الفخار متشابهة ومحدودة وذلك باستثناء عدد قليل من الأواني ذات الأشكال العجيبة كانت تُغطَّى أحيانًا بقطع من الخوص المضفور، وقد عثر على قدح ملفوف بقماش الكتان. وفخار البداري على العموم خلو من علامة الصانع أو المالك وكان يوضع غالبا عند رأس الميت أو قرب يديه أو مرفقيه أو عند ركبتيه، وفي أحيان نادرة كان يوضع خلف الميت. شكل "١١" أوانٍ وأدوات من البداري عصا رماية من البداري ومقابر البداري تقع في شرق منطقة المساكن في جهة يسهل حفرها بالآلات البسيطة، وهي غالبًا بيضية الشكل أو مستديرة ونادرًا ما تكون جوانبها مستقيمة وأركانها مستديرة وكانت تغطى بالحصير كما استعملت العصي في تسقيفها

стр. 67

أحيانًا، وكان الميت يوضع على ما يشبه الأريكة أو "تقفيصة" ويحيط بالجثة حصير يعتمد على عصا على شكل خيمة تحمي الميت من انهيار الرمال عليه, وكان يدفن عادة على جانبه الأيسر, ورأسه إلى الجنوب, وهو متجه إلى الغرب, ويداه بالقرب من رأسه وتوضع إلى جانبه الأدوات التي كان يستعملها في حياته الدنيا وأدوات زينته وبعض التمائم، وقد عني بدفن الثور والكلب والشاة وغيرها؛ مما يدل على تقديس تلك الحيوانات, والاعتقاد بوجود حياة أخرى وبالبعث.

стр. 68

حضارات الوجه البحري: ١- العمري "حلوان أ": عثر على آثار هذه الحضارة في منطقة تقع في شمال حلوان, وقد سميت كذلك؛ لأن شخصًا يدعى أمين العمري هو الذي أرشد إلى موقعها الأثري، وفيها تم الكشف عن آثار مساكن مستديرة في وسط كل منها موقد ووجدت بها مقابر مستقلة عن المساكن؛ فهي في هذا تشبه حضارة ديرتاسا؛ ولكنها تتميز بما وضع فوقها من أحجار وهي ظاهرة لم تتمثل في الحضارات الأخرى التي ترجع إلى هذا الدور، وكان الميت يوضع في وضع الجنين وإلى جانبه توضع قرابين قليلة لا تعدو إناءً من الفخار عبارة عن قدر أو طاجن. وفخار العمري على العموم يشبه فخار مرمدة في أنه من لون واحد أسود "شكل ١٢"، وقد عثر على ما يشبهه في طرة وقرب الأهرام؛ مما يوحي بأنه انتشر في الدلتا؛ إلا أن مدى انتشاره ليس واضحًا. ٢- مرمدة بني سلامة: تقع مرمدة بني سلامة على بعد نحو ٥٠كم إلى شمال غربي القاهرة، وقد عثر فيها على آثار ترجع إلى أواخر الدور الحجري الحديث وجدت نظائر لها عند

стр. 69

"شكل ١٢" أوانٍ من العمري الحافة الشمالية للفيوم وخاصة في منطقة قصر الصاغة، وهي التي عرفت باسم حضارة الفيوم "ب"، وكان المعتقد أنها ترجع إلى أواخر الحجري الحديث وأوائل ما قبل الأسرات؛ ولكن يبدو أنها ترجع إلى عهد أحدث من ذلك كثيرًا١. وفي مرمدة بني سلامة وجدت آثار ثقوب محفورة في الأرض في مجموعات غير منتظمة, يستدل منها على أنها كانت موضع أعمدة لأشجار تقام عليها أكواخ من البوص أو ستائر من الحصير تحمي من الرياح الشديدة، كما عثر على آثار مساكن بيضاوية يعلو نصفها سطح الأرض، ولكل منها مدخل خاص به وهو عبارة عن قطعة من ساق فرس النهر مثبتة داخل الجدار لتساعد على الهبوط إلى داخل المسكن "شكل١٣" الذي تنحدر أرضيته إلى مكان منخفض ثبت فيه إناء ليتسرب فيه ما يدخله من ماء، وبأسفل الإناء ثقب لتصريفه في باطن الأرض

стр. 70

أما الجدران فكانت تبنى من كتل من الطين يوضع بعضها فوق بعض، كما كشف عن أهراء للحبوب في هيئة حفر قليلة الغور, مسورة بسور من الطين, تختزن الحبوب فيها بوضعها في سلال تطمر في داخلها. شكل "١٣" منظر لما كان عليه مسكن بيضاوي من مرمدة وطريقة الهبوط إليه ومن الآثار التي عثر عليها يمكن استنتاج أن أهل مرمدة كانوا يربون الماشية والخنازير ويطحنون الغلال على الرحى, وفخارهم كان أسود غالبًا والقليل منه بني أحمر، وهو إما مصقول أو ناعم أو خشن, وأوانيهم منها القدور الكبيرة التي يحتمل أنها كانت للطبخ ولبعضها بروزات لإمساكها بها أو تعليقها، ولبعضها ثقوب، ولبعضها قواعد تستقر عليها ومنها ما يشبه القارب, ومنها المغارف ذات المقابض العريضة أو السميكة المستديرة، وهذا الفخار خال من النقوش والرسوم على العموم؛ ولو أن بعض الأواني تحليها خطوط بارزة أو عدد من البروزات عند الحافة، وإلى جانب الأواني الفخارية صنع أهل مرمدة أواني حجرية من البازلت. وقد اتخذوا رءوسًا للسهام مثلثة الشكل أو مقوسة القاعدة, بعضها له سنخ ودبابيس قتال كمثرية الشكل "طراز البحر الأبيض" أو شبه كروية، واستعملوا

стр. 71

في الصيد نوعًا من الشص المصنوع من قرن الحيوان وهو أكثر استواء من خطاطيف الفيوم، ويبدو أنهم اتخذوا الملابس؛ إذ وجدت لديهم فلكات مغازل ومسلات وإبر، وكانوا يتزينون بحلي في هيئة أساور من العاج وخواتم وخرز حلقي أو أسطواني من الأصداف وبلط صغيرة تعلق على شكل تمائم واستعملوا صلايات من المرمر والبازلت لصحن المساحيق "انظر شكل ١٤". وكان الميت يدفن على جنبه بين المساكن، مقرفصًا في وضع يشبه الجنين ووجهه إلى الشرق ومعظم الهياكل العظمية التي عثر عليها كانت لنساء وكُنَّ أطول قامةً من نساء الوجه القبلي، ولم توضع مع الموتى قرابين في العادة، وربما كان ذلك لاعتقادهم أنه كان يشارك أهله طعامهم؛ إلا أن بعض الحبوب وجدت في أحوال قليلة ملقاة أمام فم الميت؛ ولكن ربما كان ذلك شيئًا رمزيًّا فقط. ومع أن مظاهر قليلة من حضارة مرمدة كانت تشبه بعض نواحى حضارتي شكل "١٤" أدوات وأوانٍ من مرمدة الفيوم والبداري إلا أن من المرجح أن مرمدة قد ورثت هذه المظاهر؛ لأنها في أغلب الظن متأخرة عنهما في الزمن.

стр. 72

الفيوم: يستدل من الآثار التي اكتشفت فيها على وجود مرحلتين حضاريتين؛ الفيوم "أ" والفيوم "ب" ويؤرخهما غالبية الأثريين بـ"الدور الحجري الحديث" وعصر ما قبل الأسرات على التوالي؛ ولكن الفروق بينهما ليست من الضخامة؛ بحيث توحي بأن الفارق الزمني بينهما كان كبيرًا، وبإعادة النظر في آثار الفيوم ودراسة الصناعات التي سادت فيها أصبح الاعتقاد سائدًا بأنها لا تسبق حضارة نقادة الثانية "التي ترجع إلى ما قبل الأسرات" كثيرًا في الزمن١, وعلى ذلك يمكن أن ندخل حضارتي الفيوم ضمن عصر ما قبل الأسرات وأن ندرسهما كوحدة قائمة بذاتها, وخاصة لأنها تأثرت بكل من حضارات الوجه القبلي والوجه البحري وإن كان تأثرها بحضارات الأخير أكثر منه بحضارات الوجه القبلي. ولم يكشف في منطقة الفيوم إلا عن منطقة السكن؛ إذ لم يعثر على قبر واحد فيها, وتدل الآثار المكتشفة على أن أهلها عرفوا الزراعة؛ غير أن جل اعتمادهم كان على الصيد, أي: إنهم كانوا في ظروف تشبه ظروف الزراع البدائيين، وكانت لديهم مجموعتان من المطامير لخزن الحبوب بالقرب من المساكن، وهذه كانت عبارة عن حفر قطر معظمها من قدم إلى أربعة أقدام وعمقها من قدم إلى ثلاثة, ومعظمها مكسوٌّ من الداخل بغشاء من قش القمح المضفور يكسو جوانبها وقاعها، واستخدموا مناجل من الصوان ورحى لطحن الحبوب من أحجار مختلفة؛ ولكن يبدو أن تربية الحيوان لم تلعب دورًا كبيرًا في حياتهم. وفي هذه المنطقة عثر على رءوس سهام مثلثة ذات قاعدة مستقيمة أو مستديرة

стр. 73

أو ذات سنخ "مثل سهام مرمدة" كما وجدت سكاكين من الصوان وهي طويلة مقوسة من طرفها الأعلى وبعضها محزز عند القاعدة, أما رءوس دبابيس القتال؛ فمنها المخروطي ومنها القرصي والبعض الآخر كروي الشكل تقريبًا؛ غير أن هذه الأخيرة صغيرة الحجم إلى درجة تدعو إلى الظن بأنها كانت فلكات مغازل, ولم يعثر على شص من النوع الذي عرف في مرمدة؛ ولذا يحتمل أن الأسماك كانت تصاد بخطاف من العظام. وفخار الفيوم كان يصنع باليد، من صلصال خشن مخلوط بنسبة كبيرة من التبن؛ ولذا كان من النادر إخراجه في شكل متناسق, وهو إما أحمر مصقول أو أسود مصقول أو بني أملس أو خشن وهذا الأخير هو الشائع. ولا يخرج فخار الفيوم عن كونه طواجن وقدورًا كبيرة للطبخ أو طواجن وأقداحًا صغيرة ذات قاعدة بارزة للخارج قليلًا أو مفصصة، ومنه كذلك ما هو في هيئة صحاف مستطيلة حوافها مرتفعة عند الأركان، وبعض أواني الفخار مثقوبة عند الحافة وجميعه خالٍ من الرسوم أو النقش, أي: أنه يخلو من علامة الصانع أو المالك, وقد تميزت آنية واحدة ببروزات قرب حافتها. ولا شك في أن أهل الفيوم عرفوا صناعة السلال والنسيج؛ حيث عثر في آثارهم على بعض سلال "على شكل قارب أو على شكل برميل" وعلى بعض أطباق مسطحة من الحشائش المضفورة، كما وجدت قطعة من قماش الكتان داخل قدر من الفخار, وعثر على دبابيس ومخارز من العظام. أما فيما يختص بأدوات الزينة؛ فقد تحلى القوم بدلايات من الخرز الذي كان على شكل القرص أو على شكل برميل أو من الأصداف التي تعلق مفردة أو تنظم في عقود؛ كذلك عثر على سوار صغير وتميمة على شكل بلطة صغيرة من الصدف، وكانت لديهم صلايات بسيطة بيضية الشكل لصحن المغرة "شكل١٥".

стр. 74

هذا وقد عثر على آلات صوانية تشبه آلات الفيوم والبداري في الواحات ٠ "شكل ١٥" أدوات وأوانٍ من الفيوم وفي غرب وادي النيل وخاصة بالواحة الخارجة وجنوب تونس؛ مما يوحي بأن الفيوم والمناطق الجنوبية من مصر كانت منبعًا استمد منه شمال غربي أفريقيا بعض مظاهر حضارته وإن كانت هناك بعض الآراء التي تناقض ذلك.

стр. 75

عصر ما قبل الاسرات مدخل ... د- عصر ما قبل الأسرات: يطلق اسم "عصر الأسرات" أو "عصر السلالات" على العصر التاريخي لكل من مصر والعراق ابتداءً من الزمن الذي نشأت فيه أول سلالة حاكمة في كل منهما إلى وقت انهيار الإمبراطورية الفارسية على يد الإسكندر الأكبر تقريبًا؛ وذلك لأن كلًّا منهما حكمتها أسرات أو سلالات حاكمة خلال هذه الفترة, وقد اصطلح الباحثون على تسمية الفترة التي سبقت قيام الأسرات الحاكمة في مصر -وتقابل عصر بداية استخدام المعادن في الأقطار الأخرى- باسم عصر ما قبل الأسرات نظرًا لما تميزت به من مظاهر حضارية مهدت لقيام الحضارات العظيمة التي شهدتها مصر في عصورها الفرعونية؛ ففي هذه الفترة ترقى صناعة الفخار وتتأصل المعتقدات الدينية ويكثر استعمال المعادن نسبيًا ويأخذ فن الرسم والنقش طابعه الذي تميز به طوال العصور الفرعونية ومنه نشأت الكتابة،
следующие страницы →