← История

История · id 7320

معالم تاريخ الشرق الأدني القديم

محمد أبو المحاسن عصفور

Полный текст (525 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الأسرة السابعة: يغلب على الظن أن هذه الأسرة أسطورية أي: لم تكن هناك أسرة حاكمة على الإطلاق؛ فقد ذكر مانيثون أن عدد ملوكها سبعين ملكًا حكموا سبعين يومًا فقط, وربما كان يقصد أن سبعين حاكمًا من الحكام في الأقاليم المختلفة كانوا يتقاسمون السلطة وكونوا ما يشبه هيئة حاكمة ولكنهم اختلفوا فيما بينهم فزال

стр. 142

سلطانهم وانفضت هيئتهم الحاكمة سريعًا، وقد يرجع زوال سلطانهم إلى عدم تقبل المصريين هذا النظام من الحكم؛ فقاوموه بشدة إلى أن قضي عليه.

стр. 143

الأسرة الثامنة: معلوماتنا عن هذه الأسرة ضئيلة تختلف المصادر القديمة في عدد ملوكها، وعلى أي حال فإن أرجح الآراء تدل على أن الأسرة الثامنة لم تحكم أكثر من ثمانية وثلاثين عامًا وكان مقرها منف, ولا نعرف عن حكمها إلا أسماء بعض ملوكها وبعض الإشارات العابرة عن إرسال بعثات لاستغلال المحاجر أو إلى شمال بلاد النوبة. وبداية الأسرة الثامنة ونهايتها غير معروفتين, ومن المرجح أن ملوكها أخذوا في الضعف إلى درجة أن سلطانهم لم يكن ليتجاوز حدود إقليم عاصمتهم إلا اسميًّا، وقد نازعتهم في نهاية الأمر أسرة قوية في إهناسيا وأسرة أخرى في طيبة، وقدر لأمراء إهناسيا أن يدعوا الملكية واعتبرهم المؤرخون مكونين للأسرة التاسعة ثم للأسرة العاشرة وكان يعاصرهم حكام طيبة الذين أسسوا الأسرة الحادية عشرة فيما بعد. ملوك إهناسيا "الأسرتان التاسعة والعاشرة"

стр. 144

ملوك إهناسيا "الأسرتان التاسعة والعاشرة ": أ- الأسرة التاسعة: من المرجح أن أمراء إهناسيا كانوا على صلة بالبيت المالك في منف أي: بملوك الأسرة الثامنة؛ فلما وجدوا أن ملوك هذه الأسرة قد ازدادوا ضعفًا؛ في حين أنهم أصبحوا من القوة بحيث يمكنهم الوقوف أمامهم نازعهم هؤلاء سلطانهم, ولما استفحل الأمر بين هذين البيتين الكبيرين انتهز الفرصة "خيتي الأول" وأعلن نفسه ملكًا في إهناسيا مؤسسًا بذلك الأسرة التاسعة، ويروي مانيثون عن هذا

стр. 145

الملك أنه كان ظالمًا طاغية, أصيب في أواخر أيامه بالجنون, وانتثت حياته بأن فتك به أحد التماسيح. ولا نعرف شيئًا عن ملوك الأسرة التاسعة ولا كيف بدأ النزاع بينها وبين الأسرة الثامنة في منف، وكل ما يمكن أن نذكره هو أن عدد ملوك الأسرة التاسعة -كما ورد في بردية تورين- هو ثلاثة عشر ملكًا حكموا ما يقرب من ١٠٩ سنة. والظاهر أن هؤلاء الملوك استعانوا بحكام بعض الأقاليم لمؤازرتهم ولا شك في أنهم كانوا يخطبون ودهم ويزيدون في امتيازاتهم؛ ولذلك نجد أن الحالة تظل كما كانت في عهد الأسرة الثامنة، أي أن حكام الأقاليم كانوا شبه مستقلين يعتمدون على أنفسهم في حماية أقاليمهم، وظلت الدلتا خارج النفوذ المصري, ولم يتمتع الملوك في واقع الأمر بسلطان خارج عاصمتهم إهناسيا؛ اللهم إلا مجرد نفوذ اسمي فقط، وظل الملوك على هذا الضعف إلى أن زال حكم هذه الأسرة وتلتها الأسرة العاشرة. ب- الأسرة العاشرة: من المرجح أن ملوك هذه الأسرة كانوا خمسة فقط حكموا ما يقرب من ٨١ سنة, وأنها وجدت -منذ ظهورها- منافسة قوية من أمراء طيبة, ودارت بينهم وبين هؤلاء الأمراء حروب طاحنة أطاحت بسلطانهم وانفرد أمراء طيبة بالملك. ومما تجدر الإشارة إليه أن المؤرخين ما زالو يختلفون في عدد وترتيب الملوك الذين كانوا يحملون اسم خيتي؛ بل ولم يجمعوا على ترتيب الملك "خيتي" الذي أسدى نصائحه المعروفة "باسم تعليمات الملك خيتي" لولده

стр. 146

"مري كارع"١؛ ولكن يبدو أنه كان مؤسس الأسرة العاشرة، وكان ملكًا نشيطًا أخذ يطهر الدلتا من عصابات البدو ومن النفوذ الآسيوي إلى أن استتبَّ له الأمر ثم أراد أن يتخلص من أمراء طيبة في الجنوب ونشبت الحرب بين الفريقين، وكان أمراء أسيوط يعاونونه فانتصر على الطيبيين في موقعة بالقرب من أبيدوس؛ إلا أن هؤلاء تمكنوا من أن يسترجعوا ما فقدوه وتقدموا شمالًا حتى بلغوا حدود أسيوط. وفي عهد "مري كارع" خليفة "خيتي" كان يحكم في طيبة حاكم قوي هو "منتوحتب الأول", استأنف الحرب وقضى على أمراء أسيوط ثم تقدم شمالًا واستولى على الأشمونين. وفي عهد آخر ملوك الأسرة، وكان يدعى خيتي أيضًا، عاودت طيبة هجومها على مملكة إهناسيا إلى أن قضت عليها وأخضعت مصر كلها لسلطانها؛ فعادت الوحدة القديمة إلى البلاد، وقد تم ذلك في عهد منتوحتب الأول ملك طيبة؛ ولذا يمكن اعتباره المؤسس الحقيقي للدولة الوسطى. ومن الملاحظ أنه لم يعثر على مقابر لملوك الأسرتين التاسعة والعاشرة في إهناسيا, ومن المرجح أن "منف" ظلت العاصمة الإدارية للبلاد؛ بينما كانت إهناسيا تمثل مقر الملك فقط؛ ولذلك دفن كثير من الملوك ورجال البلاط في جبانة منف، أما أمراء الأقاليم فقد ظلوا يدفنون بالقرب من عواصم أقاليمهم في مقابر منحوتة في الصخر.

стр. 147

وظائفهم تورث لأبنائهم, وقد اشتهرت من بيوت هؤلاء الحكام أسر في مناطق مختلفة, منها أسرة نشأت في طيبة كان مؤسسها يدعى أنتف. أنتف الأول١: لا يعرف الكثير عن هذا الملك قبل أن يعلن نفسه ملكًا ويتخذ الألقاب الملكية؛ ولكن من المرجح أنه حينما كان مجرد حاكم لإقليم طيبة على صلات طيبة مع ملوك الشمال، وكان إلى جانب إمارته للإقليم كبيرًا للكهنة كما كان مسئولًا عن حماية الحدود الجنوبية لمصر؛ لأنه كان يلقب "حارس الحدود الجنوبية"؛ حيث يبدو أن الأقاليم الجنوبية من مصر كانت تكوِّن اتحادًا فيما بينها بزعامة طيبة، وربما كان هذا هو السبب الذي من أجله منح هذا اللقب، ولا شك في أن انتقال الملك من الأسرة التاسعة إلى الأسرة العاشرة وضعف هذه الأخيرة جعلا أنتف يرى أنه لا يقل قوة وأحقية في الملك عن ملوك الشمال؛ فادعى الملك ووضع اسمه في خانة ملكية وأحاط نفسه بحاشية ملكية ودفن في مقبرة كبيرة نحتت في الصخر بجهة الطارف في البر الغربي للأقصر، ولا بد أنه حظي بمكانة عظيمة بين معاصريه؛ مما كان له أثر كبير في تبجيله وتقديس ذكراه فيما بعد؛ حتى إن سنوسرت الأول٢ أقام تمثالًا لتخليده في معبد الكرنك ونسب نفسه إليه على اعتبار أنه سلفه العظيم، ومع أنه أصبح يعرف في التاريخ باسم "أنتف الأول" فإن اسمه ورد في قائمة الكرنك دون أن يوضع في خانة ملكية؛ ولكن أشير إلى أنه "الحاكم والأمير الوراثي أنتف المبجل" أي: إنه في هذه الحالة ذكر على اعتبار أنه مؤسس الأسرة الحادية عشرة فحسب.

стр. 148

أنتف الثاني: تولى الحكم بعد والده، وكانت الأقاليم الخمسة الجنوبية من مصر خاضعة لسلطانه، وظل في الحكم نحو خمسين عامًا حاول خلالها أن يتوسع شمالًا؛ ولكن بيت إهناسيا استطاع أن يحدَّ من جهوده وخاصة لأن أمراء أسيوط كانوا حلفاء لهذا البيت, ولا شك أنهم اشتركوا فيما نشب من حروب بين الفريقين كما نستدل على ذلك من نقوش أمير أسيوط "خيتي" الذي افتخر في مقبرته بأنه جمع الجنود وأعد فرق الرماة وأشاد بالأسطول, ومع هذا لا نجد في العبارات المنقوشة بالمقبرة؛ ما يدل على حرب صريحة أو وقائع معينة بين صاحبها "خيتي" والطيبيين. ويمكن تلخيص الحالة في مصر في تلك الأثناء بأن السيادة فيها كانت تتنازعها مملكتان: شمالية يحكمها بيت إهناسيا وجنوبية يحكمها بيت طيبة؛ بينما كان بعض الأمراء الذين يحكمون أقاليم داخل نطاق المملكة "وقد أحسوا بضعف ملوك إهناسيا" يؤرخون الحوادث بتاريخ حكمهم لأقاليمهم أي: إنهم كانوا يعتبرون أنفسهم مستقلين في أقاليمهم, ومن هؤلاء أمراء بني حسن وأمراء البرشة. ويبدو أن أطماع بيت طيبة في التوسع شمالًا ظلت قائمة وتوالت محاولاتها في هذا السبيل؛ حيث نجد أن "تف إيب" الذي أعقب والده "خيتي" في إمارة أسيوط قد نقش في مقبرته؛ ما يدل على حروبه مع الطيبيين أعداء الملك بالقرب من أبيدوس, وادعى بأن زعيم الطيبيين وقع في الماء وتفرقت سفنه؛ إلا أن معلوماتنا من مصادر أخرى كثيرة تدل على أن طيبة قد انتصرت في هذه الحرب واستولت على الإقليم السادس١؛ وبذلك وسعت رقعتها شمالًا.

стр. 149

ومن المرجح أن أنتف الثاني كان من الحكام الذين امتازوا بالدراية وحسن الإدارة, نشيطًا؛ إذ أقام بعض المباني ورمم بعض الهياكل المتداعية وبنى لنفسه قبرًا كان يعلوه هرم من الطوب وأقام أمامه لوحة نقش عليها منظر يمثله وأمامه خمسة من كلابه, وهي الآن بالمتحف المصري. أنتف الثالث: طال حكم أنتف الثاني إلى خمسين عامًا كما ذكرنا فيما سبق١؛ فلما تبعه ابنه "أنتف الثالث" كان هذا قد تقدم في السن فلم يبق إلا زمنًا قصيرًا, ولا نعلم عن عهده شيئًا يذكر وربما كان تقدمه في السن سببًا في عدم إقباله على الكفاح؛ فلم تتجدد المناوشات بين بيتي إهناسيا وطيبة في عهده.

стр. 150

٣- الدولة الوسطى: منتوحتب الأول: اختلف المؤرخون كثيرًا في شأن هذا الملك؛ ولكن لا شك في أنه كان صاحب النصر النهائي على بيت إهناسيا وتوحيد البلاد وبدء عهد الدولة الوسطى. فمن المرجح أن بيت إهناسيا أراد الاستيلاء على إقليم أبيدوس وإعادة تبعيته لمملكتهم، وكان ذلك في عهد مليكهم "خيتي الرابع"؛ ولكن الموقعة التي نشبت بين هذا الأخير وبين "منتوحتب الأول" بالقرب من أبيدوس لم تكن في صالح إهناسيا؛ إذ قتل "هرونفر" أحد أبناء "خيتي الرابع" وانتصر منتوحتب، وربما كان في انتصاره هذا إغراء كافٍ للتقدم شمالًا ومواصلة

стр. 151

الكفاح حتى تمكن في النهاية من القضاء على بيت إهناسيا وتوحيد البلاد تحت سلطانه, ولا بد أنه قد بذل مجهودًا ضخمًا لإخضاع سائر أنحاء مصر، كما يرجح أنه حارب في الدلتا وفي الصحارى المتاخمة لمصر شرقًا وغربًا ضد البدو المقيمين فيها, وأرسل بعض البعثات أو الحملات إلى النوبة وبعثات أخرى إلى وادي حمامات لاستغلال المحاجر أو للقيام منه إلى بونت. وبعد أن استقرت الأمور واستتب الأمن في البلاد تفرغ "منتوحتب الأول" للأعمال العمرانية؛ فبنى معبده الجنزي ومقبرته التي نحتها من تحته في الصخر بمنطقة الدير البحري في البر الغربي للأقصر "شكل ٢٦" وهذه المجموعة الجنزية تعد فريدة في تصميمها، وقد اقتبست عنها حتشبسوت "في الأسرة الثامنة عشرة" فيما بعد؛ حيث شيدت معبدها المعروف باسم "معبد الدير البحري" بجوار هذه المجموعة وهو يشبه في كثير من الوجوه معبد منتوحتب الجنزي, شكل "٢٦" منظر تخيلي لما كانت عليه مجموعة منتوحتب الأول الجنزية

стр. 152

كذلك أصلح هذا الملك بعض الهياكل القديمة، وأقام أخرى جديدة في جهات مختلفة من القطر. ويستدل من الآثار التي اكتشفت من هذا العصر وخاصة مقابر الأشراف وكبار الموظفين وزوجات الملك ومحظياته أن مصر قد تمتعت في عهده بالأمن والرخاء والرفاهية, وارتقت فيها الفنون والآداب, ومن أهم ما اكتشف من هذا العهد رسائل كان قد كتبها أحد الأفراد ويدعى "حقانخت" لولده الأكبر واسمه "مرسو" يفهم منها أن الأب كان كاهنًا لمقبرة الوزير "إيبي" وكان من طبيعة عمله أن يدير الأوقاف التي أوقفها الوزير للإنفاق على مقبرته, ومن بينها ضيعتان بالقرب من منف؛ ولذا كان يضطر للسفر إلى هاتين الضيعتين تاركًا لولده مهمة الإشراف على بيته وأملاكه, وكان يرسل إليه تعليماته عن كل ما يتعلق بهذه الشئون١، وقد ألقت رسائله هذه كثيرًا من الضوء على الحياة الاجتماعية والاقتصادية في هذا العهد. ومن المرجح أن ولي عهد منتوحتب الأول الذي كان يدعى "أنتف" قد توفي في حياة والده؛ فتولى من بعده ولده الثاني "منتوحتب الثاني".

стр. 153

منتوحتب الثاني: اتبع سياسة والده في التعمير؛ فنشطت حركة البناء في الدلتا والصعيد وتقدمت الفنون في عهده، وقد أرسل بعثة إلى وادي حمامات برئاسة مدير البيت الملكي "رئيس الديوان" وكان تعدادها ثلاثة آلاف شخص؛ فلما وصلوا إلى شاطئ البحر الأحمر صنعوا سفنًا ذهبوا بها إلى بونت، وعند عودتهم

стр. 154

أحضروا معهم بعض الأحجار الممتازة في صناعة التماثيل اللازمة للمعابد١. ويبدو أنه لم يعمر طويلًا؛ إذ إنه حينما أراد أن يبني مقبرته ومعبده على غرار ما شيده سلفه لنفسه لم يتمكن إلا من إعداد الأرض للبناء وتمهيد الطريق إليها، والظاهر أن المنية وافته حينما بدأ حفر القبر وبعد أن وضعت بعض الودائع في الأساس، وعلى ذلك دفن في مقبرة بسيطة أعدت على عجل. وقد عثر على مقابر بعض العظماء من عهده, وهي تلقي -بما حوت- كثيرًا من الضوء على نواحي الحياة المختلفة في هذا العصر, ومن أهمها مقبرة "مكتي رع" التي حوت نماذج لسفن ومنازل ومصانع وفرق من الجيش وغير ذلك.

стр. 155

منتوحب الثالث ... منتوحتب الثالث: يبدو أن فترة من عدم الاستقرار حدثت بعد منتوحتب الثاني؛ حيث تمكن بعض الحكام من اغتصاب العرش لمدة سبع سنوات تقريبًا، ثم تولى بعد ذلك منتوحتب الثالث الذي يحتمل أنه كان هو الآخر مغتصبًا للعرش، ولم يعش هذا الأخير طويلًا بعد اعتلائه العرش؛ بل يحتمل أن حكمه لم يزد كثيرًا على عامين، ومع ذلك فقد أرسل خلاله بعثتين, إحداهما إلى وادي حمامات بقيادة وزيره "أمنمحات" "وهو الذي تولى العرش من بعده, وعرف في التاريخ باسم "أمنمحات الأول" مؤسس الأسرة الثانية عشرة"، وكان تعداد رجال هذه البعثة يفوق ثلاثة أمثال عدد أفراد البعثة التي أرسلت إلى تلك الجهة في عهد منتوحتب الثاني, وقد عادت هذه البعثة بعد أن أحضرت الأحجار اللازمة في تشييد بعض المعابد ولصنع تابوت الملك، أما البعثة الثانية فقد أرسلها

стр. 156

منتوحتب الثالث إلى وادي "الهودي" "جنوب شرقي أسوان" لجلب كتل من الأماتيست "وهو حجر نصف كريم"١.

стр. 157

الأسرة الثانية عشر ة: أشرنا إلى عدم الاستقرار الذي حدث قبل اعتلاء "منتوحتب الثالث" على العرش؛ ولكن يظهر أن هذا الأخير تمكن من إعادة الأمن والهدوء إلى البلاد خلال حكمه القصير؛ فلما انتهت الأسرة الحادية عشرة بموت هذا الملك لم تتأثر وحدة البلاد التي وضع أسسها "منتوحتب الأول" وعلى ذلك أتيحت الفرصة لمصر كي تقوم بنهضة شاملة جنت ثمارها في عهد الأسرة الثانية عشرة، وربما كانت تلك القلاقل التي ظهرت في أواخر عهد الأسرة السابقة من الأسباب التي أدت إلى ظهور طائفة من الرجال الأقوياء الذين تفانوا في العمل على استتباب الأمن وتهيئة الظروف المواتية للرقي والنهوض, وكان على رأس هؤلاء "أمنمحات الأول" مؤسس الأسرة الثانية عشرة الذي كان وزيرًا في عهد الأسرة السابقة.

стр. 158

أمنمحات الأول: سبق أن أشرنا إلى نبوءة "نفرتي" "انظر ص١٢٦"، وهي لا شك تدل على سوء الحالة في أواخر عهد الأسرة الحادية عشرة، وربما بلغت الحالة من السوء حدًّا جعل بعض العناصر الآسيوية تهدد شرق الدلتا، وكان تنظيم الأمور الداخلية في البلاد هو أول ما وجه أمنمحات عنايته إليه؛ فقام بتحديد الحدود بين الأقاليم المختلفة وأبقى كل أمير موالٍ له في منصبه، أما من حاول الوقوف

стр. 159

في سبيله من أمراء؛ فكان ينحيه عن منصبه ويولي بدلًا منه أميرًا آخر ممن يثق بهم، ويبدو أن أمراء الأقاليم قد ارتضوا الوضع الجديد وقبلوا ما فرضه عليهم أمنمحات الأول من شروط؛ فأتيحت الفرصة للحكومة المركزية لأن تشرف على الشئون الداخلية في الأقاليم المختلفة. وما إن استقر الأمر لأمنمحات الأول حتى قام بتحصين شرق الدلتا وغربها بعد أن حارب جماعات البدو التي كانت تغير عليها، ونقل العاصمة من طيبة إلى عاصمة أخرى في مركز متوسط وأطلق عليها اسم "إيثت تاوي" "أو القابضة على الأرضين أي: المهيمنة عليها" وهي قرب اللشت الحالية في شمال الفيوم، ومع ذلك فقد ظل يهتم بطيبة وأقام بها المعابد تمجيدًا للإله آمون إلهها المحلي وهو الذي أصبح الإله الرسمي للإمبراطورية المصرية في عهد الدولة الحديثة، ولم يقتصر نشاطه المعماري على العاصمة وعلى طيبة؛ بل انتشرت آثاره في كثير من جهات مصر وخاصة في الفيوم وشرق الدلتا وسيناء، وقد بنى لنفسه هرما ومجموعة جنزية في اللشت ولكنه -مع الأسف- استعمل في بناء هرمه كثيرًا من الأحجار التي جاء بها من معابد ومقابر قديمة, ومن بينها أحجار منقوشة لمعابد بعض ملوك الأسرتين الرابعة والخامسة١, رغم أنه نشط في استغلال المحاجر وأرسل البعوث لجلب الأحجار من وادي حمامات٢. هذا وقد أرسل بعض الحملات إلى النوبة, واستطاع أن يخضع جزأها الشمالي لسلطانه٣، أما سياسته تجاه أمراء الأقاليم فكانت تختلف باختلاف الأحوال

стр. 160

لأننا نجد أنه من جهة كان يخطب ود الكثيرين من الأمراء "الذين كانوا على الأرجح من الأقوياء" حتى لا يثيروا المتاعب إذا ما غفلت الحكومة المركزية عن نشاطهم بعض الوقت؛ فأبقى على ثرواتهم ونفوذهم بل وربما منحهم بعض الهبات أو المزيد من الامتيازات؛ حيث يبدو أثر هذا واضحًا في المقابر العظيمة التي بنوها لأنفسهم في أقاليمهم, ويتمثل ذلك بصفة خاصة في إقليم بني حسن، ومن جهة أخرى كان لا يتوانى عن استعمال الشدة مع بعض الأمراء الآخرين، والظاهر أن عهده كان لا يخلو من المتاعب وخاصة في الجزء الأخير منه، وربما كان ذلك هو الذي دعا إلى إشراكه ولده "سنوسرت الأول" معه في الحكم ابتداءً من السنة العشرين من عهده بعد أن تقدمت به السن وعجز عن مواصلة نشاطه في الخارج والداخل؛ ولذلك كان ولده هو الذي يتولى أمر الحملات الحربية؛ بينما ظل معظم النفوذ في يد هذا الملك الشيخ، وكان البيت المالك نفسه لا يخلو من وجود بعض الحاقدين على الملك أو الحاسدين لولي العهد كما يستدل على ذلك من النصوص المعروفة باسم "نصائح أمنمحات إلى ولده"؛ إذ إنه يوصيه فيها بما يجب عليه اتباعه في إدارة شئون المملكة ويحذره ممن حوله وألا يثق في أخٍ ولا يعتمد على صديق ويذكره بما تعرض له هو شخصيًّا، ويوضح له كيف أنه على الرغم من عطفه على المحتاجين واليتامى والمساكين لم يسلم من أذى أولئك الذين أحسن إليهم, إذ يقول في هذا الصدد: "الذي أكل طعامي بيده هو نفسه الذي استطاع أن يحدث بواسطتها الفزع"، وتسترسل هذه النصائح في بيان كيفية تدبير مؤامرة اغتياله وهو مستلقٍ على فراشه بعد أن تناول طعام العشاء وكيف تمكن من الدفاع عن نفسه، ولكن يُشْتَمُّ مما ورد في هذه النصوص أن المتآمرين نجحوا في إصابته إصابة قاتلة وإن كان من المرجح أنه لم يمت إلا بعد أن أملى هذه النصائح لكي تبلغ إلى ولده، وفيها نتبين ما كان يساوره من الأسى والألم لعدم تمكنه من القضاء على المتآمرين وهو يعدد ما قام به من جلائل الأعمال التي تتصف

стр. 161

بالشجاعة والإقدام ثم يختتمها بتحية ولده وتمنياته له بالتوفيق, ويناشده عمل الخير والنشاط في إقامة المعابد الضخمة. ومما يؤكد ما ورد في هذه النصائح تلك النصوص المعروفة باسم "قصة سنوهي"١؛ لأنها تروي أن سنوهي كان مع ولي العهد "سنوسرت" "الملك سنوسرت الأول فيما بعد" في حملة على ليبيا حينما وصل رسول من القصر وأبلغ الأمير برسالة سرية عاجلة بأن الملك أمنمحات الأول قد مات، وقد أتيحت الفرصة لسنوهي كي ينصت إلى الرسالة "ومن المحتمل أنه كان على علاقة بالمتآمرين" فخشي على حياته وفرَّ هاربًا إلى فلسطين؛ حيث أقام هناك وتزعم إحدى القبائل إلى أن وصل إلى سن الشيخوخة وحينئذٍ صدر أمر من السراي بالعفو عنه فعاد إلى وطنه، ويغلب على الظن أنه كان يمت بصلة القرابة لزوجة الملك أو ينتمي إلى أحد أفراد البيت المالك؛ ولذا صدر أمر العفو عنه بعد أن زال أثر المؤامرة من النفوس وخاصة لأنها لم تنجح تماما؛ حيث يبدو أن المتآمرين كانوا يهدفون إلى القضاء على "أمنمحات الأول" وإجلاس شخص آخر غير ولده سنوسرت على العرش أثناء قيام هذا الأخير بحملة على ليبيا, ولكن أمنمحات رغم إصابته البالغة ظل فترة على قيد الحياة تمكن فيها أعوانه من أن يمهدوا السبيل لعودة سنوسرت وجلوسه على العرش.

стр. 162

سنوسرت الأول: تابع "سنوسرت الأول" سياسة والده وتمكن من أن يحكم البلاد بخبرة ودراية

стр. 163

إذ لم يكن حديث عهد بإدارة شئون البلاد؛ حيث إن والده أشركه معه في الحكم في العشرة الأعوام الأخيرة من عهده. وكان سنوسرت نشيطًا طوال مدة حكمه التي بلغت نحو ٤٥ عامًا؛ فقد أرسل عددًا من البعثات إلى المحاجر والمناجم في الصحارى المصرية والنوبة جلبت الفيروز والنحاس من سيناء والمرمر من حاتنوب والأحجار الصلبة والجرانيت من وادي حمامات وأسوان والذهب من وادي علاقي "في صحراء النوبة السفلى الشرقية"١ والديوريت من محاجر صحراء النوبة الغربية على بعد نحو ٥٠ ميلًا إلى الشمال الغربي من توشكى٢ والأماتيست "الجمشت" من وادي هودي٣, كما أنه شيد كثيرًا من المباني في جهات مختلفة من الدلتا والصعيد وفي الفيوم والنوبة التي كان جزء كبير منها قد خضع للنفوذ المصري حينئذٍ؛ لأن الدولة الوسطى اتبعت تجاه النوبة سياسة تختلف عن تلك التي اتبعتها الدولة القديمة بشأنها؛ فبينما كانت هذه تكتفي بإرسال بعثات تجارية للاتجار مع النوبيين وتعمل على حماية بعثاتها بإرسال بعض القوات العسكرية معها؛ نجد أن الدولة الوسطى بدأت سياسة احتلال فعلي للنوبة حتى تتمكن من استغلال مواردها وفق مشيئتها من جهة, ولكي تؤمن حدودها الجنوبية تأمينًا مؤكدًا من جهة أخرى؛ وذلك لأن مجموعة من العناصر قوية الشكيمة الخليطة بالدماء الزنجية أخذت تتوغل في النوبة شمالًا, وأصبح يخشى من تقدمها نحو مصر نفسها.

стр. 164

ويعد "سنوسرت الأول" بحق أول من اتبع سياسة حاسمة مع النوبة؛ لأنه مد الحدود المصرية إلى وادي حلفا على الأقل, وإليه ينسب تشييد ما لا يقل عن ثلاث قلاع في هذه الجهات. وفي آخر حكمه أشرك معه ولده "أمنمحات الثاني" لمدة ثلاثة أعوام, انفرد بعدها هذا الأخير بالحكم.

стр. 165

أمنمحات الثاني: كان للنشاط الذي بذله "سنوسرت الأول" أثره في استتباب الأمور، وأصبحت الحالة الداخلية في البلاد تمتاز بالأمن والهدوء، كما أن جهوده في بلاد النوبة قد أوقفت المتاعب على الحدود المصرية؛ فأفاد من كل ذلك "أمنمحات" ووطد صلاته بجيران مصر حيث أرسل الهدايا إلى أمراء سورية وتلقى بعض الهدايا في مقابل ذلك, ورغم أنه لم يكن في نشاط والده أو جده فقد أرسل البعثات إلى جهات مختلفة لاستغلال المناجم والمحاجر أو لجلب بعض الحاصلات التي تحتاجها مصر, وفي هذا السبيل وصل رجاله إلى سيناء والنوبة وبلاد بونت. واتبع نفس السياسة التي نهج عليها والده وجده فيما يختص بإشراك ولي العهد في الحكم, فأشرك معه ولده "سنوسرت الثاني" في نهاية حكمه، ومن المرجح أن مدة هذا الحكم المشترك قد طالت إلى نحو ستة أعوام.

стр. 166

سنوسرت الثاني: أفاد "سنوسرت الثاني"، كما أفاد والده من قبل من الهدوء والسكينة التي نعمت بها البلاد, واتبع نفس السياسة الداخلية التي اتبعها والده؛ ولكنه بذَّه في قيامه بمشروعات ري كبيرة في الفيوم، والظاهر أنه اهتم بهذه المنطقة اهتمامًا بالغًا فبنى هرمه قرب مدخلها، وعثر في جوار هذا الهرم على مجموعة من مقابر

стр. 167

الأميرات, من أهم ما عثر عليه في إحداها مجموعة كاملة من الحلي داخل صندوق موضوع في فجوة بأحد جدران المقبرة, وبذلك غاب عن أعين اللصوص١. ومن الكشوف المهمة التي عثر عليها في عهده تلك القرية التي أقيمت للعمال والموظفين الذين كانوا مكلفين ببناء هرمه؛ حيث إنها تعطينا فكرة واضحة عن تخطيط القرى في عهد الدولة الوسطى وعن عمارة المباني المعدة للسكن. ومما تميز به هذا العهد كذلك وفود بعض الساميين إلى مصر؛ فمن نقوش مقبرة "خنوم حتب" في إقليم "بني حسن" نتبين أن جماعة من الرجال والنساء والأطفال الساميين قدموا إلى مصر بزعامة شخص يدعى إبشا "ى" للاستقرار في شرق الدلتا أو بقصد الاتجار مع المصريين، وربما كان وفود هؤلاء الساميين مقدمة لتغلغل النفوذ السامي في مصر الذي بدا بوضوح في عهد الهكسوس. هذا ولم يستمر سنوسرت الثاني طويلًا في الحكم وتبعه "سنوسرت الثالث".

стр. 168

سنوسرت الثالث: ظفر هذا الفرعون بشهرة كبيرة في التاريخ؛ لأن نشاطه الكبير من جهة وطول مدة حكمه من جهة أخرى أتاحا له فرصة تشييد كثير من الآثار التي خلدت ذكراه، وكان اهتمامه البالغ ببلاد النوبة سببًا في تشييده لعدد كبير من العمائر بها؛ فإليه تنسب أهم المعابد والحصون الحربية التي ترجع إلى عهد الدولة الوسطى ببلاد النوبة.

стр. 169

والظاهر أن بعض العناصر المناوئة كانت قد أخذت تثير المتاعب في تلك الجهات, فما كان منه إلا أن كال لها ضربات متتالية حتى أخضعها خضوعًا تامًّا, وشيد سلسلة من الحصون في مناطقها المختلفة ليضمن استمرارها في قبضته. ولم تقتصر جهوده الحربية على النوبة وحدها؛ بل نجده كذلك يوجه حملة إلى فلسطين، وربما كانت هذه الحملة بسبب إغارة بعض القبائل الآسيوية أو بدو الصحراء المتاخمين لفلسطين إغارة مفاجئة على مصر؛ فوجه إليهم هذه الحملة التي كسرت شوكتهم، ويحتمل أنه وجه كذلك حملة إلى ليبيا، وأصبح سنوسرت بعد هذه الحملات بطلًا أسطوريًّا في نظر الأجيال التالية. أما في داخلية البلاد فيبدو أنه لم يرضَ بالوضع القائم بالنسبة لامتيازات أمراء الأقاليم؛ ولذلك جردهم من الألقاب التقليدية التي كانوا يورثونها لأبنائهم, كما جردهم من الكثير من امتيازاتهم وأصبحوا في عهده كموظفين عاديين. ومع أنه اهتم بالفيوم كأسلافه؛ إلا أنه لم يشيد هرمه هناك بل شيده في منطقة دهشور، وقد عثر على بعض مقابر لأميرات بيته بالقرب من هذا الهرم, عثر فيها على مجموعات عظيمة من الحلي. وقد أشرك معه ابنه أمنمحات الثالث فترة قصيرة توفي بعدها, فانفرد هذا الأخير وحده بالحكم.

стр. 170

أمنمحات الثالث: كان عهده أطول من عهد أي ملك آخر في هذه الأسرة؛ حيث ظل جالسًا على العرش نحو ثمانية وأربعين عامًا, ومع هذا كان عهده عهد رخاء وطمأنينة؛ لأن حروب والده وإصلاحاته قد هيأت له تلك الظروف الملائمة, فانصرف إلى الأعمال الداخلية ونهض بالكثير من المشروعات العمرانية؛ حيث شيد كثيرًا من المباني في مختلف البلاد ونظم شئون الري؛ ولذا وجه عنايته إلى منطقة الفيوم،

стр. 171

وأرسل بعثات متتالية إلى مناطق المناجم في سيناء وإلى المحاجر في وادي حمامات وطره, كما كان يستحضر الذهب من بلاد النوبة. وبلغ من اهتمامه بشئون الزراعة أن سجل ارتفاع الفيضان في معظم سنوات حكمه في قلعتي سمنة وقمة؛ بقصد التصرف في مياه النهر حسب ظروف الفيضان, ووفقًا لما تقتضيه مشروعاته في إصلاح بعض الأراضي وخاصة في منطقة الفيوم. وقد أقام هرمه بالقرب من هوارة وشيد إلى الشرق منه معبده الشهير الذي عرف فيما بعد باسم اللابيرانث١، وقد عثر في سنة ١٩٥٦ على مقبرة لإحدى بناته وتدعى "نفروبتاح" وجد فيها ثلاث أوانٍ كبيرة من الفضة نقش عليها اسمها واسم والدها كما وجدت تابوتها سليمًا, ولكن المومياء تحللت بفعل مياه الرشح وكانت الحلي التي عثر عليها معها قليلة، ويبدو أنها دفنت على عجل, والظاهر أن الأحوال الداخلية أخذت في الاضطراب والتدهور.

стр. 172

أمنمحات الرابع: اشترك مع والده في العام الأخير من حكمه ثم انفرد بعد ذلك بالعرش؛ ولكنه لم يستمر إلا نحو تسعة أعوام، والظاهر أنه لم يكن في نشاط أسلافه أو في مهارتهم السياسية والإدارية. ومعلوماتنا عن عهده قليلة وإن كانت آثاره تدل على أنه أرسل بعثات إلى المحاجر والمناجم في وادي الهودى وسيناء, وأنه شيد بعض العمائر في الفيوم وطيبة وغيرهما. ويبدو أن نجم الأسرة الثانية عشرة قد أخذ في الأفول، ومع هذا ظلت

стр. 173

بلاد النوبة في قبضة مصر كما يتضح ذلك من وجود نقوش في قلعة قمة تسجل ارتفاع الفيضان في عهده، والظاهر أنه لم يترك وريثًا حيث خلفته ملكة تدعى "سبك نفروع". سبك نفروع: لا ندري هل كانت هذه الملكة شقيقة لأمنمحات الثالث وزوجة له في نفس الوقت أم أنها كانت أخته فقط؟ وكل ما نعلمه عن هذه الملكة أن حكمها كان قصيرًا لم يزد عن ثلاثة أعوام إلا قليلًا, وأنها شيدت هرمها بالقرب من هرم أمنمحات الثالث في هوارة، وقد عثر على بعض آثار أخرى لها بالقرب منه أيضًا. وبانتهاء عهد هذه الملكة انتقل الملك إلى الأسرة الثالثة عشرة ولا ندري شيئًا عن الأسباب التي أدت إلى ذلك، وربما كان هذا الانتقال نتيجة لحدوث اضطرابات داخلية أو منازعات بين أفراد البيت المالك, أو أن آخر ملك في الأسرة الثانية عشرة لم يترك وريثًا للعرش كما لم تترك "سبك نفروع" التي تلته في حكم البلاد وريثًا هي الأخرى. وكانت الفترة التي أعقبت عهد الأسرة الثانية عشرة فترة ضعف, حكمت فيها الأسرتان الثالثة عشرة والرابعة عشرة, وبعدئذٍ تولى حكم مصر ملوك أجانب يعرفون باسم الهكسوس تعاقبوا في أسرات ثلاث هي: الخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة، وهذه الأخيرة كانت تعاصرها أسرة سابعة عشرة أخرى مصرية مقرها في طيبة. ومع كل فقد ظلت أصول الحضارة التي تميزت بها الدولة الوسطى ثابتة خلال تلك الفترة ولم يتناولها تغيير يذكر؛ مما مكن الدولة الحديثة أن تبلغ القمة في مضمار المدنية والرقي.

стр. 174

شكل "٢٧" دمية فخارية دونت عليها نصوص سحرية معينة واسم أحد أعداء الملك حطمت بقصد القضاء عليه

стр. 175

عصر الاضمحلال الثاني مدخل ... ٤- عصر الاضمحلال الثاني: سبق أن أشرنا إلى احتمال حدوث بعض الاضطرابات الداخلية أو المنازعات بين أفراد البيت المالك في نهاية عهد الأسرة الثانية عشرة, ويبدو أن هذه الحالة ظلت سيئة بعد ذلك ولم يكن الملوك من القوة؛ بحيث يستطيعون القضاء على أعدائهم والتفرغ للنهوض بالبلاد؛ إذ عثر على كثير من الدمى والأواني كتبت عليها أسماء بعض الذين يريد الملك أن يقضي عليهم بواسطة السحر "شكل ٢٧". ومما تجدر ملاحظته أن هذه الأسماء تضمنت أسماء لأمراء ساميين ونوبيين إلى جانب أسماء الأمراء المصريين؛ مما يدل على أن أعداء الملك الذين لم يكن ليستطيع القضاء عليهم بالقوة كانوا ينتمون إلى طوائف مختلفة، ومما لا شك فيه أن الحالة كانت سيئة بالنسبة لهؤلاء الملوك في داخل وخارج البلاد على السواء١.

стр. 176

الأسرة الثالثة عشرة: ربما كانت هذه الأسرة تمتُّ إلى الأسرة الثانية عشرة بصلة، وقد حكمت فترة لا تزيد كثيرًا على خمس وخمسين سنة، ولم نعثر على آثار لبعض ملوكها؛ ولكننا عرفنا أسماء الكثيرين من هؤلاء من بردية تورين، ومما ذكره مانيثون؛ إلا أن هذين المصدرين فيما يبدو لم تكن لهما دراية كافية عن هذا العصر. ومن المحتمل أن ملوك هذه الأسرة كانوا يحكمون في منف, وقد ترك بعضهم آثارًا في مناطق أخرى بل وامتد نفوذهم إلى بلاد النوبة, ووجدت آثار لهم في خارج حدود المملكة منها بعض جهات لبنان؛ إلا أن غالبية ملوك هذه الأسرة كانوا ضعافًا، ومما يؤيد ذلك أن بردية من هذا العهد تبين

стр. 177

أن حاكم إقليم الكاب تنازل عن منصبه إلى أحد أقاربه في نظير مبلغ معين١, ويدلنا هذا بالطبع على أن الأحوال كانت سيئة بصفة عامة وعلى أن الملوك لم يكن في مقدورهم الاحتفاظ بسلطانهم على أمراء الأقاليم؛ حتى أصبح في إمكان هؤلاء أن يبيعوا مناصبهم. كذلك ينسب إلى الأسرة الثالثة عشرة ملك يدعى نحسى وصف في بعض النصوص بأنه "حبيب الإله ست معبود أواريس"، ولما كان ست هو المعبود الرسمي للهكسوس وأواريس عاصمة ملكهم؛ فإنه لا شك في أن نفوذ هؤلاء قد أخذ في الظهور منذ عهد هذا الملك على الأقل، كما يوحي اسم هذا الملك أيضًا بأنه كان في نفس الوقت يمت بصلة إلى النوبة وربما كانت أمه نوبية٢. ومن المرجح أن أسرة قوية في غرب الدلتا ادعت الملك أثناء حكم الأسرة الثالثة عشرة، وهذه الأسرة القوية هي الأسرة الرابعة عشرة التي كانت عاصمتها سخا. ومما تجدر ملاحظته أن بعضًا من الأسماء الغريبة غير المصرية وردت بين الأسماء الكثيرة التي ذكرت كملوك حكموا في هذه الفترة، ومن هذه ما هو ذو طابع سامي مما يؤيد فكرة أن حكم الهكسوس جاء نتيجة لغلبة هذه العناصر في مصر وتغلغل نفوذها, أي أنه كان على الأرجح نتيجة لتغير الحكام أو القادة وليس نتيجة لغزوة ساحقة٣. هذا وما زال ترتيب ملوك الأسرة الثالثة عشرة ومدى نفوذهم موضع خلاف حتى الآن.

стр. 178

الأسرة الرابعة عشرة: تعطينا بردية تورين قائمة طويلة بأسماء ملوك هذه الأسرة, كما يذكر مانيثون عددًا ضخمًا لهؤلاء الملوك ويذكر مدة حكم لهم عددًا كبيرًا من السنين؛ ولكن يبدو أن هذه الأعداد جميعها مبالغ فيها كثيرًا؛ بل ومن المرجح كذلك أن هؤلاء الملوك لم يتمتعوا بنفوذ يذكر خارج حدود إقليمهم الذي كانت عاصمته سخا، وكانت الأسرة الثالثة عشرة تتدهور هي الأخرى إلى أن اضمحلت قوتها؛ مما أدى في النهاية إلى خضوع مصر للحكام الأجانب المعروفين باسم الهكسوس. الهكسوس بالرغم من أن حدود الدلتا الشرقية كانت محصنة في عهد الدولة الوسطى, فإن بعض العناصر السامية كانت تدخل إلى مصر من حين إلى حين, إما للتجارة وإما للاستقرار, ويبدو أن الأمر لم يكن ليثير ريبة المصريين ما دام هؤلاء القادمون مسالمين, وقد سبق أن أشرنا إلى الجماعة الآسيوية التي قدمت إلى مصر في عهد سنوسرت الثاني ومثلت على جدران مقبرة "خنوم حتب"١، والجدير بالذكر أن إبشا "ي" زعيم هذه الجماعة كان يلقب بلقب "حقا خاسوت" أي "حاكم البلاد الأجنبية" وهذا اللقب هو الذي أصبح بعد تحريفه اسمًا يدل على الهكسوس. وتدل ظواهر الأحوال على أن منطقة الشرق الأدنى القديم تعرضت لأحداث كثيرة متتالية في الوقت الذي أشرفت فيه الدولة الوسطى على النهاية، فقد قضت بابل على الممالك المجاورة لها كما أن المملكة "الكاشية" قد أخذت هي الأخرى

стр. 179

تتطلع إلى غزو الأقطار المجاورة لها؛ بينما أخذ "الحوريون" أو "الميتانيون" يستولون على بعض البلاد السورية. ولا شك في أن هذه التحركات كانت ذات أثر في هجرة وتسلل الكثير من العناصر الآسيوية إلى مصر التي استقرت جموعها في المنطقة الأقرب إلى مواطنها الأصلية، أي: في شرق الدلتا على الأرجح، ولم يمض على استقرارهم وقت طويل إلا وأصبحوا قوة يخشاها المصريون واستفحل خطرهم وزاد إلى أن تمكنوا من فرض سلطانهم على مصر وجعلوا عاصمتهم أواريس. ومع أن عهدهم كان موضع أبحاث كثيرة إلا أن الغموض ما زال يكتنفه، وما زلنا لا نستطيع أن نجزم بأصلهم أو أن نؤكد كيفية إخضاعهم مصر لسلطانهم, وخاصة لأن النصوص المصرية تحاشت ذكرهم إلا في أحوال نادرة كانت تنعتهم فيها بصفات تدل على كراهية المصريين لهم ولعهدهم، ومن ذلك مثلًا ما تذكره حتشبسوت عنهم في نقوش معبدها المنحوت في الصخر بالقرب من بني حسن وهو المعروف باسم "إصطبل عنتر Speos Artemidos"؛ حيث تقول: "إن الآسيويين كانوا يحكمون في أواريس في الشمال وكانوا بجحافلهم المتجولة يعيثون بين الناس فسادًا, محطمين ما كان قائمًا. إنهم كانوا يحكمون دون اعتراف بسلطان "رع" بل ولم تكن إرادته الإلهية تنفذ إلى أن جاء عهدي العظيم"١. أما مانيثون فيقول في هذا الصدد: "في عهد الملك توتيمايوس أصابتنا ضربة من الإله -ولا أدري سبب ذلك- دون أن نتوقع ذلك؛ حيث جاءنا غزاة من الشرق من أصل مجهول, ساروا تملؤهم الثقة في النصر ضد بلادنا, وتمكنوا بقوتهم من الاستيلاء عليها بسهولة دون ضربة واحدة, وبعد أن تغلبوا على البلاد حرقوا مدننا دون رأفة وهدموا معابد الآلهة من أساسها وعاملوا جميع الأهالي بعداء قاسٍ, فذبحوا البعض وأخذوا نساء وأطفال البعض الآخر

стр. 180

ليكونوا إماءً وعبيدًا لهم، وأخيرًا عينوا واحدًا منهم يدعى ساليتيس "Salitis" ملكًا عليهم؛ فأقام في منف وفرض الضرائب شمال مصر وجنوبها, وكان يترك حاميات في المواقع المناسبة, وبنى حصنًا في أواريس في شرق الدلتا ترك فيه حامية من ٣٤٠.٠٠٠ رجل مزودين بالأسلحة, وكان يذهب لزيارة هذا الحصن ويتفقد رجاله في شهور الصيف من كل عام"١. ومن هذه النصوص نتبين أن هؤلاء جاءوا من آسيا وأنهم كانوا يسيئون إلى المصريين؛ فكرههم هؤلاء وعملوا على التخلص منهم، ومن المرجح أن جاليات كبيرة من الهكسوس كانت تستقر في أماكن مختلفة من سورية وفلسطين وربما كانت أقرب مراكز استقرارهم هذه في بلدة "شاروهن"؛ حيث إننا نعلم أنهم حينما طردوا من مصر لجئوا إلى هذه البلدة وتحصنوا فيها ثلاث سنوات٢. ويقسم حكام الهكسوس عادة إلى ثلاث مجموعات على النحو الآتي: الأولى: وتشمل ستة ملوك ويعتبرهم المؤرخون الأسرة الخامسة عشرة, وقد حكموا نحو ١٠٨ سنوات. والثانية: وهي أقل أهمية, وتكون الأسرة السادسة عشرة. أما الثالثة: فهي الأسرة السابعة عشرة, وكانت معاصرة للأسرة السابعة عشرة المصرية في طيبة. ويبدو أن الثلاثة الملوك الأخيرين في المجموعة الأولى وهم أبو فيس، خيان، شيشي أو إسيسي قد حكموا مصر كلها والنوبة السفلى؛ لأن آثارهم وجدت
следующие страницы →