← История

История · id 7320

معالم تاريخ الشرق الأدني القديم

محمد أبو المحاسن عصفور

Полный текст (525 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الفيضان؛ فكانت على الأرجح تجمع بين اختصاص المحلفين واختصاص أعضاء مجالس المدن أو المحافظات. ولا شك أن المصري عرف طريقه إلى بعض البلدان المجاورة منذ أقدم العصور وتبادل معها التجارة، وقد زاد نشاطه في هذا المضمار خلال عصر هاتين الأسرتين, ولم يكن هذا التبادل ليتم طوعًا في كل الأحيان؛ بل ربما كان الحصول على سلع الجيران يتم أحيانًا عن طريق الإغارة عليهم أيضًا. ويصف بعض المؤرخين الأسرتين الأولى والثانية بأنهما ثينيتان ويضعهما في عهد قائم بذاته أطلقوا عليه اسم "العصر الثيني أو الطيني" نسبة إلى طينه "Thinis" القريبة من أبيدوس؛ وذلك لأنهم شاهدوا اختلافًا واضحًا بين حضارة هاتين الأسرتين وحضارة الأسرة الثالثة, ولأن الاعتقاد كان سائدًا بأن ملوك هاتين الأسرتين قد دفنوا في أبيدوس واحتمال أن عاصمتهم كانت طينه؛ ولكن نظرًا لأن التطور الذي حدث في الأسرة الثالثة وإن كان عظيمًا؛ بحيث يبدو الفرق واضحا بين حضارتها وحضارة الأسرتين السابقتين فإن هذا التطور يعد نتيجة حتمية لحياة الاستقرار التي سادت عصر هاتين الأسرتين ولا داعي لتمييزهما عن العهد التالي الذي يرتبط بهما ارتباطًا وثيقًا. كذلك أصبح من المشكوك فيه الآن أن ملوك الأسرتين الأولى والثانية قد دفنوا في أبيدوس، وعلى هذا فإن وصفهما بالأسرتين الثينيتين أصبح لا مبرر له, أما إذا دعت الحاجة إلى تمييز عهد هاتين الأسرتين عن العهد التالي له لما شهده هذا الأخير من تطور ضخم في ميدان الحضارة؛ فلا بأس من أن نطلق عليه الاسم الذي اختاره نفر قليل من المؤرخين وهو اسم "عصر الأسرات الباكر" أو "باكورة عصر الأسرات". ومهما يكن من أمر؛ فإننا سنعتبر عهد الدولة القديمة يبدأ من عهد الأسرة الأولى وينتهي بعهد الأسرة السادسة, وسنتناوله بالدراسة على حسب الأسرات كما يلي:

стр. 107

الأسرة الأولى: مينا: اختلف المؤرخون كثيرًا حول شخصية هذا الملك, ومهما كان أمر هذا الاختلاف فإن غالبية الباحثين تنسب إليه توحيد مصر, وأنه حول مجرى النيل وأنشأ في المكان المتخلف عن مجراه الأصلي عاصمة جديدة عرفت باسم منف أي: الحائط الأبيض. ومن المرجح أنه قام بحروب ضد الليبيين والنوبيين واحتفل ببعض الاحتفالات الدينية وخاصة تلك التي تتعلق بمراسيم التتويج، وينسب إليه كذلك تشييد بعض المعابد, ومن المحتمل أنه تزوج أميرة من الوجه البحري تدعى "نيت حتب". وربما كانت الإشارة إلى بناء العاصمة الجديدة منف؛ مما يؤيد أن ملوك الأسرتين الأولى والثانية قد حكموا في هذه العاصمة وليس في طينه كما كان الاعتقاد سائدًا من قبل؛ وبالتالي يؤيد ما ذهبنا إليه من عدم وجود ما يبرر تسمية عهد هاتين الأسرتين باسم العهد الطيني١. جر: لم يكن هذا الملك أقل نشاطًا من سلفه؛ فقد عثر على اسمه منقوشًا على صخور جبل الشيخ سليمان٢ بالقرب من وادي حلفا, ويبدو أنه انتصر على أهل النوبة مما يوحي بأن ملوك الأسرة الأولى بدءوا فعلًا في الاحتكاك ببلاد النوبة بقصد تأمين حدودهم الجنوبية أو رغبة في الاستيلاء على بعض حاصلات الجنوب.

стр. 108

جيت "وادجيت": وصلت مصر في عهد هذا الملك إلى درجة لا بأس بها من الرقي؛ فقد عثر على آثار من عهده يتجلى فيها الإتقان والروح الفنية العالية, كما وجد اسمه مكتوبًا على صخور أحد الوديان التي تربط بين إدفو وساحل البحر الأحمر؛ مما يدل على النشاط في إرسال البعثات التجارية أو بعثات استغلال المحاجر والمناجم من منطقة الصحراء الشرقية. دن: ظل هذا الملك يعرف باسم "دن" أو "أودمو"؛ ولكن النطق الأول لاسمه يفضل على النطق الثاني١، وقد استدل من الآثار التي ترجع إلى عهد هذا الملك على أنه كان عظيم النشاط؛ إذ حارب البدو في شرق مصر, واحتفل بعيد جلوسه على العرش، وقد اتخذ لقبًا يرمز إلى اتحاد الوجهين برمزين جديدين هما نبات البوص "الغاب" للدلالة على الصعيد والنحلة "اليعسوب" للدلالة على الدلتا، وربما كان في ذلك ما يدل على حدوث اضطرابات تهدف إلى انفصال المملكتين؛ فاستطاع أن يقضي عليها واتخذ هذا اللقب الجديد لتأكيد تمكنه من حكم البلاد بأجمعها وإعادة الوحدة إليها. عدج إيب: يبدو أنه حارب البدو كما يشير إلى ذلك حجر بارمو، وقد قام برحلة إلى مكان لم يتمكن المؤرخون من تحديده بعدُ, وانتصر على سكان هذا المكان. كذلك احتفل بعيد جلوسه على العرش وأمر بعمل أول إحصاء معروف

стр. 109

في التاريخ كما قام ببعض الاحتفالات الدينية وتأسيس بعض المدن. وقد تبع هذا الملك ملكان لا تشير آثارهما إلى ما يستحق الذكر وإن كانت الدلائل تشير إلى حدوث نزاع بين أفراد الأسرة المالكة انتهى بالإطاحة بها.

стр. 110

الأسرة الثانية: لا ندري هل كانت هذه الأسرة تمت بصلة القرابة إلى الأسرة السابقة أم لا؟ والمهم أن مانيثون بدأ أسرة جديدة يحتمل أنها نشأت على إثر حدوث نزاع عائلي في الأسرة الأولى أدى إلى زوال حكمها, وما زال تاريخ الأسرة الثانية يشوبه بعض الغموض؛ فجداول الملوك تشير إلى ثمانية ملوك على الأقل حكموا في هذه الأسرة. ومما تجدر ملاحظته أن ملوك هذه الأسرة لم ينتسبوا جميعًا إلى إله رئيسي واحد؛ فبعض الملوك لم ينتسب للإله حور الذي اعتاد الملوك أن ينسبوا إليه؛ مما يوحي بحدوث بعض المتاعب أو الثورة على المعبود الرسمي أثناء حكم هذه الأسرة؛ فمن المعروف أن الإله حور كان صاحب النفوذ في المملكة الموحدة, وأن الإله ست كان صاحب النفوذ الأول في الصعيد، وقد درج الملوك على عادة انتمائهم للإله حور إذ كانوا ينقشون رمز هذا الإله قبل أسمائهم للدلالة على أنهم ينتسبون إليه, وبدءوا يهتمون بالعاصمة الشمالية منف ويستقرون فيها، وربما كان ذلك سببًا في إثارة كهنة الإله ست الذين شعروا بتضاؤل نفوذهم القديم فبذروا بذور الفتنة وأشعلوا نيران الثورة ضد هذه الاتجاهات الجديدة؛ مما جعل أحد ملوكها وهو "بر إيب سن" يحذف رمز الإله حور قبل اسمه ويضع رمز الإله ست في مكانه أي: أنه أعلنها صريحة بأنه ينتمي إلى الإله ست وليس للإله حور، وربما كان هذا هو السبب الذي من أجله حذف اسم هذا الملك من بعض قوائم الملوك

стр. 111

باعتباره خارجًا على عبادة حور وهو المعبود التقليدي الذي ظل الفراعنة في غالبية العهود يدينون له بالولاء. ومع أن عهد الأسرة الثانية قد حفل بالاختلافات السياسية، وربما بحدوث منافسات على العرش أيضًا؛ إلا أن التقدم في مرافق الدولة لم يقف عند حد؛ فقد استقرت جذور الحضارة المصرية منذ عصر ما قبل الأسرات وأخذ الصناع والفنانون ينهضون بما تخصصوا فيه وبلغوا في ذلك درجة كبيرة من الإتقان والرقي، وقد بدأت صناعة التماثيل الملكية في عهد أحد ملوكها ويدعى خع سخم.

стр. 112

الأسرة الثالثة: يعد عصر الأسرة الثالثة بداية عصر بناة الأهرام, ومن المحتمل أن زوسر وضع على رأس هذه الأسرة الجديدة "مع أنه كان ابنًا لآخر ملوك الأسرة الثانية"؛ نظرًا لما اشتهر به من همة ونشاط من جهة، ولأن عصره يعد بداية تطور حضاري ضخم وخاصة في فن المعمار الذي تمثل في بناء أول هرم مدرج في التاريخ من جهة أخرى، وكان الفضل في هذا البناء لوزيره إيمحتب الذي يحتمل أنه بدأ تقلده للوظائف منذ أواخر الأسرة الثانية، وقد خلد اسمه في التاريخ إلى درجة أنه أُلِّه ابتداء من القرن السادس قبل الميلاد على الأقل إلى نهاية عهد البطالمة؛ فقد كان إلى جانب شهرته في ميدان الهندسة كبيرًا لكهنة الشمس ورئيسًا للمثالين ومشرفًا على القصر ونابغة في الطب, حتى إن اليونان وحدوه مع إله الطب عندهم "إسكاليبوس". وتتجلى عبقرية إيمحتب في إشرافه على بناء هرم سقارة المدرج الذي شيده لمليكه زوسر, وهو يعد عملًا فريدًا من حيث إنه أول بناء ضخم من الحجر، ويكفي للتدليل على عظمة مهندسه وعلو كعبه في فنه أن نتصور الوسائل البدائية التي كانت تستخدم في البناء وقطع الأحجار ونقلها في هذا العهد السحيق؛ فلا شك أن قدرة إيمحتب على حشد العدد الهائل

стр. 113

من العمال اللازمين للعمل وتنظيمهم قد بلغت أقصى حد، والهرم عبارة عن ست مصاطب بعضها فوق بعض, وارتفاعه ستون مترًا تقريبًا والسور المحيط به وبالمباني الملحقة به يبلغ طوله ٥٤٤ مترًا وعرضه ٢٧٠ مترًا، وقد عثر في دهاليزه على أوانٍ من الأحجار مختلفة, معظمها مهشم عن قصد وقد قدر عددها بنحو ٣٠.٠٠٠ آنية. شكل "٢٣" منظر تخيلي لما كان عليه هرم زوسر المدرج بسقارة وملحقاته ولا يقتصر نشاط زوسر المعماري على سقارة؛ بل وجدت له آثار في جهات أخرى، كما يبدو أنه عمل على تأمين البلاد من غارات البدو وأرسل حملة لتأديب بدو سيناء, ومما ينسب إلى عهده أن مجاعة حدثت في البلاد بسبب توقف الفيضان عن الوصول إلى منسوبه المعتاد، وبعد استشارة حاكم الإقليم الجنوبي من مصر أمر زوسر بأن توقف الأراضي الواقعة على جانبي النيل من جزيرة سهيل إلى قرب الدكة في بلاد النوبة للإله خنوم؛ وبذلك عاد الفيضان -كما تشير القصة التي تحدثنا عن هذه المجاعة- إلى سابق عهده, ولكننا لا نستطيع أن نؤكد ما جاء في هذه القصة التي نقشت على صخور جزيرة سهيل؛ لأن كهنة

стр. 114

خنوم هم الذين دونوها في عهد البطالمة١, وربما كان للإشادة بفضل إلههم والدعاية له. سخم خت "زوسر الثاني": وجدت لهذا الملك ثلاثة نقوش في وادي مغارة بسيناء, ظل الأثريون إلى عهد قريب ينسبونها خطأً إلى ملك من الأسرة الأولى هو "سمرخت" كما أن اسم سخم خت كان ينطق سانخت؛ ولكن بعد اكتشاف الهرم المدرج لهذا الأخير في سقارة "بالقرب من هرم زوسر" سنة ١٩٥٤ تمكن الباحثون من قراءة اسمه على سدادات أوانٍ فخارية عثر عليها بالهرم, وعرف أن صحة قراءة اسمه هي "سخم خت"٢. وتاريخ هذه الأسرة يشوبه بعض الغموض, وما زال عدد ملوكها موضع خلاف، وقد قام حوني وهو آخر ملوك الأسرة بتحصين إليفانتين؛ إذ يبدو أن الحالة على الحدود الجنوبية لم تكن مطمئنة في عهده. ومن الشخصيات المهمة التي عاشت في أيام الأسرة الثالثة أحد كبار الموظفين ويدعى "متن" تدرج في عدد كبير من الوظائف, وكان من المعمرين؛ حيث بدأ حياته الوظيفية في عهد زوسر وامتد به العمر إلى أوائل الأسرة الرابعة، وقد نقلت مقبرته بأكملها إلى متحف برلين ومن نقوشها عرف الشيء الكثير عن التنظيم الإداري للبلاد في ذلك العهد.

стр. 115

الأسرة الرابعة: تكاد المصادر التاريخية تتفق جميعها على عدد ملوك هذه الأسرة, ويبدو أن العرش انتقل إليها من الأسرة الثالثة عن طريق المصاهرة؛ فمؤسسها "سنفرو" تزوج على الأرجح من ابنة حوني؛ وبذلك أصبح صاحب حق شرعي في اعتلاء العرش. سنفرو: امتاز هذا الملك بالنشاط؛ إذ إنه قام بحملة إلى النوبة وأخرى إلى ليبيا جلب منهما عددًا كبيرًا من الأسرى والماشية, كما قام بحملة أو بضع حملات على سيناء؛ إذ تمثله النقوش الصخرية في وادي مغارة وهو يقضي على أحد البدو -وربما كان الغرض من الإغارة على سيناء هو استغلال مناجم النحاس فيها- ويشير حجر بارمو إلى أنه أرسل، كذلك أربعين سفينة لإحضار كل من خشب الأرز من لبنان. ومما يؤيد ذلك أن كثيرًا من تلك الأخشاب قد عثر عليها في هرمه القبلي في دهشور، ومن المرجح أن أعماله الحربية وإرساله السفن إلى لبنان قد جعله حاكمًا مرهوب الجانب، ومع هذا فقد كان ملكًا عطوفًا رحيمًا، كما يستدل على ذلك من كثير من النصوص التي أشارت إليه؛ ولذلك أله بعد موته بنحو ستمائة عام. وقد جرت العادة على أن ينسب إلى هذا الملك هرمان في دهشور: أحدهما الهرم المنحنى الذي يعرف لدى العامة باسم الهرم الكاذب "شكل ٢٤"، كما ينسب إليه هرم ثالث هو الهرم الناقص في ميدوم "شكل ٢٥" الذي كان

стр. 116

شكل "٢٤" الهرم الكاذب أو المنحنى في دهشور ينسب أصلًا إلى حوني آخر ملوك الأسرة الثالثة١. وقد اشتهر عهد الأسرة الرابعة عامة وعهد سنفرو خاصة بتقدم الفن، ومن بين القطع الرائعة المجردة في المتحف المصري، وتنتمي إلى هذا العهد تمثال "رع نفرت" وزوجها "رع حتب" الذي يرجح أنه أحد أبناء سنفرو, كما تدل رسوم مقبرة الأميرة "نفر معات" وخاصة رسم مجموعة الإوز المعروفة باسم أوزميدوم على مبلغ ما وصل إليه الفن من رقي؛ كذلك كان الأثاث الجنزي للملكة حتب حرس "زوجة سنفرو" الذي وجد مكدسًا في بئر قريبة من هرم ولدها خوفو من أروع ما عثر عليه من آثار الفراعنة, ومن المحتمل أن هذه الملكة كانت قد دفنت أولًا في دهشور بالقرب من زوجها سنفرو؛ ولكن لصوصًا سطوا على مقبرتها واكتشف أمر هذه السرقة فنقلت المحتويات الباقية في المقبرة إلى تلك البئر المشار إليها بما في ذلك تابوتها الذي عثر عليه الأثريون خاليًا رغم أن غطاءه كان محكمًا فوقه؛ ولذا يرجح أن أمر سرقة جثة الملكة قد أُخْفِيَ عن ولدها خوفو.

стр. 117

شكل ٢٥- هرم ميدوم

стр. 118

وحكم سنفرو نحو أربعة وعشرين عامًا سادت البلاد فيها مظاهر الغنى والرفاهية, وأصبحت مملكة وطيدة الأركان يديرها موظفون مدربون، ومن بين هؤلاء "متن" الموظف الذي سبقت الإشارة إلى أنه تدرج في وظائف الدولة في عهد الأسرة الثالثة؛ فقد عاصر هذا الموظف ملوكها ابتداء من عهد زوسر ولم يمت إلا في عهد سنفرو. خوفو: تلا والده سنفرو على العرش وأفاد من الاستقرار والنظام اللذين وضع أسسهما والده؛ فنعم بحكم وطيد هيأ له الفرصة للقيام بأعمال ضخمة؛ حيث عثر على اسمه في كثير من الجهات بسيناء. ويبدو أن التجارة بين مصر وفينيقيا كانت مزدهرة منذ عهد الأسرة الثانية؛ ولكنها نشطت في عهد الأسرة الرابعة؛ حيث وجدت أحجار من معبد أقيم في ببلوس "جبيل" تحمل اسم خوفو؛ مما يوحي بوجود جالية مصرية أقامت في هذه المدينة للتجارة. ويشتهر خوفو ببناء هرم الجيزة الأكبر الذي خلد اسمه في التاريخ؛ إذ إنه كان إحدى عجائب الدنيا١، وقد فاق هذه العجائب جميعًا في أنه الوحيد الذي ظل قائمًا حتى الآن، ومن ضخامة هذا الهرم يتضح لنا أن تشييده تطلب عددًا هائلًا من العمال والمهندسين، وأنه استغرق عدة سنوات، ويذكر هيرودوت أنه سمع من الكهنة أن العمال الذين استخدموا في البناء كانوا مائة ألف عامل يعملون ثلاثة

стр. 119

أشهر في العام, وأن عملية البناء استغرقت نحو ثلاثين عامًا، وهو يصف خوفو بالقسوة ونسب إليه أنه سخَّر شعبه في بناء مقبرته، وقد وجدت هذه الفكرة صداها لدى الكثيرين من المحدثين؛ ولكننا لو تأملنا ظروف مصر في ذلك العهد؛ لوجدنا أن بناء الهرم بهذا الوصف كان -على النقيض مما ذكره هؤلاء- عملًا إنسانيًّا؛ حيث إن الزراعة في مصر كانت تتعطل مدة الفيضان، وفي هذه الفترة من كل عام كان الفلاح يعيش في شظف من العيش، ويتعذر عليه الحصول على القوت؛ فكان قيامه بالعمل في بناء مقبرة الفرعون لقاء غذائه وكسائه مما يساعده على تحمل أعباء الحياة في تلك الفترة من السنة، كما أنه لا شك كان يرحب باشتراكه في عمل من أجل مليكه الذي يعتبره إلهًا ويغتبط لذلك مهما كلفه من جهد ووقت، وما زلنا نرى حتى الآن أن المصري المعاصر يتحمس لدينه ويتفانى في العمل من أجل رفعته. والهرم الأكبر وقت بنائه كان يرتفع ١٤٦ مترًا؛ ولكن جزءًا منه تهدم فأصبح ارتفاعه الآن حوالي ١٣٧مترًا وهو يشغل مساحة قدرها ١٢ فدانًا تقريبًا واستعملت في بنائه نحو ٢.٣٠٠.٠٠٠ كتلة من الحجر متفاوتة الوزن، ولقد قدر بعض الرياضيين أن هذه الأحجار لو قطعت إلى قطع صغيرة حجم كل منها قدم مكعب ووضعت متلاصقة لأمكن أن تغطي خطًّا يبلغ طوله نحو ثلثي محيط الكرة الأرضية عند خط الاستواء، هذا ولم يتم بناء الهرم على أساس تصميم واحد؛ بل غير التصميم الأصلي أثناء العمل, ولفرط ضخامته ودقة بنائه والإحساس بإعجازه كثيرًا ما يربط بعض الناس بين الأحداث العالمية التي حدثت فيما سبق والتي يتكهنون بأنها ستحل بالعالم وبين أطوال الهرم وزواياه ويؤكدون وجود علاقة وثيقة فيما بينها وأن هذا الهرم مستودع عجيب للأسرار؛ ولكن كل ما يذكر في هذا الصدد عبارة عن وهم خاطئ مبني على الخرافة وليس له أي أساس علمي صحيح.

стр. 120

ولا شك أن خوفو قد وفق إلى أبعد حد في المحافظة على هيبة الملكية ومراعاة النظام؛ إذ لم يعثر من عهده على تماثيل للأفراد؛ بل ولم يعثر له هو شخصيًّا إلا على تمثال صغير لا يتجاوز ارتفاعه عشرة سنتيمترات تقريبًا، وربما كانت إقامة التماثيل في نظره قاصرة على الآلهة فقط وعلى الملوك باعتبارهم ممثلين لهم في الأرض أو أكبر كهنتهم. وتتجلى مراعاة النظام والدقة في عهده فيما نراه من انتظام مقابر المقربين من أهله ورجال بلاطه وكبار الموظفين حول هرمه في صفوف متراصة تفصلها طرقات مستقيمة, وكلما كان صاحب المقبرة أقرب إلى الملك كلما كانت هذه المقبرة أقرب إلى الهرم وهكذا، وقد عثر على مقابر كثيرة لم يتم بناؤها ولم تنقش جدرانها، كما أن بعضها محيت من نقوشها أسماء أصحابها؛ مما يوحي بأن خوفو تزوج بأكثر من زوجة, وأن الأبناء اختلفوا فيما بينهم وحدثت مؤامرات حول العرش. ولا بد أن عنصرًا من دم شمالي أو ليبي وفد إلى مصر في ذلك الحين أو أن البيت المالك المصري تصاهر مع أفراد من هذا العنصر على الأقل؛ لأننا نجد مقبرة من مقابر جبانة الجيزة في عهد خوفو حوت رسومًا وتماثيل لصاحبتها "مرسعنخ" ووالدتها, وهما تلبسان ملابس تختلف عن ملابس المصريات ولون شعرهما أشقر مشوب بالحمرة كما أن عيونهما زرقاء. كذلك لا بد وأن نفوذ كهنة رع أخذ يزداد ابتداء من عهد خوفو على الأقل، كما يستدل على ذلك من دخول اسم رع في تركيب أسماء أبناء خوفو ومن الإشارة في القصة المعروفة في الأدب المصري باسم قصة خوفو والساحر "ددي" إلى زيادة نفوذ الكهنة؛ حيث تذكر القصة أن الساحر أخبره بأن أبناء أحد كهنة رع سيتولون العرش بعد أن يحكم ابنه ثم حفيده من بعده, وهذه القصة وردت في بردية تعرف باسم بردية تعرف باسم بردية وستكار. ولا شك أن خوفو قد وفق إلى أبعد حد في المحافظة على هيبة الملكية ومراعاة النظام؛ إذ لم يعثر من عهده على تماثيل للأفراد بل ولم يعثر له هو شخصيًّا؛ إلا على تمثال صغير لا يتجاوز ارتفاعه عشرة سنتيمترات تقريبًا، وربما كانت إقامة التماثيل في نظره قاصرة على الآلهة فقط وعلى الملوك باعتبارهم ممثلين لهم في الأرض أو أكبر كهنتهم. وتتجلى مراعاة النظام والدقة في عهده فيما نراه من انتظام مقابر المقربين من أهله ورجال بلاطه وكبار الموظفين حول هرمه في صفوف متراصة تفصلها طرقات مستقيمة, وكلما كان صاحب المقبرة أقرب إلى الملك كلما كانت هذه المقبرة أقرب إلى الهرم وهكذا، وقد عثر على مقابر كثيرة لم يتم بناؤها، ولم تنقش جدرانها كما أن بعضها محيت من نقوشها أسماء أصحابها؛ مما يوحي بأن خوفو تزوج بأكثر من زوجة, وأن الأبناء اختلفوا فيما بينهم وحدثت مؤامرات حول العرش. ولا بد أن عنصرًا من دم شمالي أو ليبي وفد إلى مصر في ذلك الحين، أو أن البيت المالك المصري تصاهر مع أفراد من هذا العنصر على الأقل؛ لأننا نجد مقبرة من مقابر جبانة الجيزة في عهد خوفو حوت رسومًا وتماثيل لصاحبتها "مرسعنخ" ووالدتها, وهما تلبسان ملابس تختلف عن ملابس المصريات ولون شعرهما أشقر مشوب بالحمرة كما أن عيونهما زرقاء. كذلك لا بد وأن نفوذ كهنة رع أخذ يزداد ابتداء من عهد خوفو على الأقل، كما يستدل على ذلك من دخول اسم رع في تركيب أسماء أبناء خوفو ومن الإشارة في القصة المعروفة في الأدب المصري باسم قصة خوفو والساحر "ددي" إلى زيادة نفوذ الكهنة؛ حيث تذكر القصة أن الساحر أخبره بأن أبناء أحد كهنة رع سيتولون العرش بعد أن يحكم ابنه ثم حفيده من بعده, وهذه القصة وردت في بردية تعرف باسم بردية تعرف باسم بردية وستكار.

стр. 121

ددف رع: يبدو أن ولي العهد الشرعي مات في عهد والده خوفو؛ فتولي ددف رع الذي يحتمل أنه كان ضحية لمؤامرة من المؤامرات؛ إذ إنه لم يستمر في الحكم أكثر من ثمانية أعوام, ويبدو أنه خرج على بعض التقاليد المألوفة؛ لأنه لم يشيد هرمه بالقرب من هرم والده وخلفائه بل بناه في أبو رواش. خفرع: تولى العرش بعد أخيه ددف رع وبنى هرمه خلف هرم أبيه في الجيزة, وهو يبدو أعلى من الهرم الأكبر؛ ولكنه في الواقع مشيد على ربوة أكثر ارتفاعًا من تلك التي بني عليها هرم خوفو، ويعد هذا الهرم ومجموعة المباني الجنزية المحيطة به أكمل ما عثر عليه من مجموعات جنزية, كما أن التماثيل التي عثر عليها وخاصة تمثاله المصنوع من حجر الديوريت تعد آية من آيات الفن المصري التي وصل فيها فن النحت إلى القمة. وينسب تمثال "أبو الهول" إلى خفرع, ويرجح أنه كان عبارة عن صخرة كبيرة كانت تعترض الطريق الموصل بين المعبد الجنزي القائم في شرق الهرم وبين معبد الوادي المقام على حافة الهضبة؛ فاستغلت هذه الصخرة في تجميل المنطقة ونحتت في شكل تمثال هائل على هيئة أسد رابض رأسه في صورة رأس خفرع، وقد عبد هذا التمثال فيما بعد على اعتبار أنه رمز لمعبود آسيوي كان يدعى "حورون" وعرف المكان الذي أقيم فيه باسم "بوحول"، وهو الذي حرف إلى الاسم الحالي "أبو الهول" ومن بين الأسماء التي عرف بها "شسب عنخ" أي "الصورة الحية" أو "التمثال الحي" وهذا الاسم هو الذي حرفه اليونان إلى كلمة "إسفنكس" "Sphinix" التي ما زالت تستعمل في اللغات الأجنبية إلى الآن.

стр. 122

منقرع "منكاورع": ما زال الاختلاف قائمًا بين المؤرخين حول تتابع ملوك الأسرة الرابعة؛ فمنهم من يرى وضع "ددف رع" سالف الذكر في نهاية الأسرة بدلًا من أن يكون تاليًا لخوفو، وبالمثل يظن فريق من المؤرخين أن منكاورع لم يخلف والده خفرع في اعتلاء العرش مباشرة؛ وإنما سبقته مدة لم يستقر فيها الحكم تمكن فيها واحد أو اثنان من إخوة خفرع من تولي العرش فيها. ومهما كان الأمر فإن منكاورع حكم نحو ٢١ عامًا أو أكثر ومع هذا لم يتمكن من إتمام هرمه الصغير ومجموعته الجنزية, فأتمها ابنه شبسكاف، ويبدو أن مباني أسلافه كانت عبئًا كبيرًا على الخزانة، وكذلك كانت المنازعات الداخلية؛ ولذا تأثرت حالة البلاد الاقتصادية في عهده. وحينما فتح هرمه سنة ١٨٣٩ عثر فيه على تابوت الملك، ومنه نقل إلى سفينة تسمى أوريجون لتحمله إلى إنجلترا ولكن هذه السفينة غرقت بما فيها أمام شواطئ إسبانيا. شبسكاف: تولى بعد والده منكاورع؛ ولكنه لم يعش بعد ذلك أكثر من أربع سنوات، ويظهر أنه واجه خلال حكمه القصير نفوذ كهنة رع الذي أخذ يشتد منذ عهد خوفو على الأرجح١، وربما أراد شبسكاف أن يتخلص من نفوذ هؤلاء الكهنة بدليل عدم تشييده لمقبرته "التي بناها في سقارة" على هيئة هرم؛ لأنه الشكل الذي يرتبط بعبادة الشمس "رع" بل جعل مقبرته في هيئة تابوت كبير

стр. 123

وهي تعرف حاليًا باسم مصطبة فرعون، ومن المرجح أن محاولته هذه لم يكن لها نتيجة سوى التعجيل بنهاية الأسرة. خنت كاو إس: يحتمل أنها كانت زوجة شبسكاف وشهدت محاولته في الحد من نفوذ الكهنة؛ ولكن من المرجح أنها كانت ذات أثر كبير في نهاية حكم الأسرة الرابعة؛ لأنها بعد وفاة شبسكاف لم تستطع القبض على زمام الأمور؛ حيث يبدو أن نزاعًا حدث حول العرش، وتمكن أحد أفراد الأسرة المالكة ويدعى "بتاح ددف" من الاستيلاء على الحكم؛ ولكنه لم يستمر سوى عامين تمكن بعدها "وسر كاف" من اعتلاء العرش مؤسسًا الأسرة الخامسة، وهذا الأخير يرجح أنه لم يكن من البيت المالك، وتشير قصة "خوفو" والساحر "ددي" إلى أنه كان رئيسًا لكهنة رع "إله الشمس" قبل أن يعتلي العرش، وقد تزوج "خنت كاو إس" التي أنجبت منه "ساحورع"، "نفر إير كارع" اللذين خلفاه على العرش ولو أن القصة المشار إليها تذكر أنهما أخواه وليسا ولديه.

стр. 124

الأسرة الخامسة: تمتاز هذه الأسرة بأن ملوكها كانوا من أتباع "رع" وقد نشروا نفوذ هذا الإله إلى درجة جعلت ديانته ذات أهمية كبرى طوال العصور الفرعونية التالية, بعد أن كانت عبادته قاصرة على منطقة هليوبوليس فقط، وقد سبقت الإشارة١ إلى بردية وستكار التي كتبت في عهد الدولة الوسطى, والتي تذكر قصة الملك خوفو والساحر ددي وهي تشير إلى أن هذا الساحر أخبر الملك بأن كاهنًا لإله الشمس في هليوبوليس واسمه "وسررع" سينجب ثلاثة أبناء, سيكون أكبرهم

стр. 125

رئيسًا لكهنة الشمس ثم يعتلي العرش ويتلوه بعد ذلك أخواه, وأن الملك قد انزعج لذلك؛ ولكن الساحر طمأنه بأنه سيستمر على عرشه وسيتلوه ابنه في الحكم ثم ابن ابنه كذلك, وبعدئذٍ يأتي هؤلاء الذين أشار إليهم الساحر من قبل "أي: أبناء كاهن إله الشمس الثلاثة"، ومن المرجح أن هذه القصة من قبيل الدعاية لكهنة الشمس؛ لأننا لا نجد أي دليل على أن وسر كاف كان قبل اعتلائه للعرش يشغل وظيفة كبير كهنة عين شمس. وسر كاف: كان لورع هذا الملك أثره في نشاطه الديني؛ فقد قام بتشييد المعابد في مختلف أنحاء مصر وبنى هرمًا في سقارة عثر في معبده على تمثال ضخم من الجرانيت لهذا الملك، ومن المرجح أنه أول من بنى معبدًا للشمس في أبو صير، وقد حكم نحو سبعة أعوام ثم تلاه على العرش أخوه ساحورع. ساحورع: هو أول ملوك الأسرة الخامسة الذين بنوا أهرامهم في أبو صير, وكان هرمه صغير الحجم غير متقن البناء نسبيًا؛ بينما كان معبده فخمًا زينه بأعمدة من الجرانيت, تاج كل منها يمثل حزمة من سعف النخيل، وقد صور على جدران هذا المعبد لوحات بها مناظر تمثل انتصاره على الليبيين وعلى الآسيويين ومن بينها ما يشير إلى رحلة بحرية إلى فينيقيا، ومناظر سفر الأسطول وعودته لا تدل على أن هذه الرحلة كانت حملة حربية؛ ولذا لا نستطيع أن نتبين الغرض الذي من أجله أرسل الأسطول في هذه المهمة. ويشير حجر بارمو إلى أن هذا الملك أرسل حملة إلى بونت, وأن هذه الحملة عادت ومعها مقادير كبيرة من البخور والذهب "وأعواد الخشب" التي ربما

стр. 126

كانت عبارة عن قطع من الأبنوس، ومن نقش صخري قرب بلدة توماس "ببلاد النوبة" يمكن أن نستنتج أنه أرسل كذلك حملة إلى الجنوب. وهكذا نجد أن عهد هذا الملك امتاز بنشاط خارجي عظيم خرجت فيه مصر عن عزلتها واحتكت بجيرانها، ومن الأدلة على ذلك ما نشاهده في مقبرة أحد أشراف عهده في دشاشة من مناظر حربية منها ما يمثل كيفية استيلاء المصريين على أحد الحصون في آسيا. نفر إير كارع: بدأ هذا الملك بتشييد هرم له أكبر من هرم أخيه؛ ولكنه مات قبل أن يتم جميع أجزاء المجموعة الجنزية المحيطة به، ويعرف عن هذا الملك أنه كان متدينًا طيب القلب؛ إذ يسجل جحر بارمو الأوقاف التي منحها للآلهة في السنة الأولى من حكمه، كذلك نعلم أنه أصدر مرسومًا يحمي حقوق المعابد ويرعى مصالح رجال الدين؛ مما يوحي بأن سلطان الكهنة أخذ في الازدياد, وربما كان هؤلاء قد استغلوا طيبته وتدينه؛ فعملوا على زيادة نفوذهم وسلطانهم. ومما يدل على شدة عطفه على موظفيه ورجال حاشيته أن وزيره "واش بتاح" كان يشرف على بناء إحدى المنشآت الملكية وسقط مغشيًّا عليه أثناء زيارة الملك للمكان؛ فأمر بنقله حالًا إلى القصر وحاول أن يجد له علاجًا؛ ولكنه مات؛ فأمر بأن يصنع له تابوت من خشب الأبنوس المطعم, كما أمر بأن يحنط أمامه، ولم يقتصر على ذلك بل عين ولده الأكبر في بعض الوظائف الكبرى. كذلك يتبين دماثة خلق هذا الملك وشدة عطفه؛ مما أظهره نحو أحد رجال حاشيته ويدعى "رع ور"؛ ففي أحد الاحتفالات كان "رع ور" هذا يقف إلى جوار الفرعون, وحدث أن لطمت عصا الفرعون ساق "رع ور" دون قصد فذعر الملك لذلك, واعتذر عما بدر منه وأمر بتدوين الحادث ليكون ذلك

стр. 127

"شهيدًا على مكانة هذا الشريف عنده"، وقد تولى بعد هذا الملك ملكان لم يتركا آثارًا مهمة, ومن بعدهما تولى الملك التالي: ني أو سررع: حكم هذا الملك أكثر من ثلاثين عامًا وبنى هرمًا ومعبدًا للشمس في أبو صير تدل نقوشه على أنه قام بحروب في سورية وضد الليبيين وإن كان بعض الأثريين يميل إلى أن هذه المناظر مستوحاة من مناظر معبد ساحورع سالف الذكر. وقد عثر في سقارة على مقابر مهمة كثيرة من عهد هذا الملك, تعطي نقوشها فكرة واضحة عن الحياة الاجتماعية في ذلك العهد. من كاو حور: اعتلى العرش بعد "ني أو سررع" وقد حكم نحو ثمانية أعوام, وتشير بعض النقوش في وادي مغارة إلى أنه أرسل حملة إلى سيناء، وقد شيد هرمًا لنفسه ولكن لم يعثر عليه حتى الآن١. إسيسي "زدكارع": لا يقل حكم هذا الملك عن ثمانية وعشرين عامًا, ويبدو أنه كان نشطًا قويًّا أمن حدود بلاده؛ إذ إن نقوشًا تحمل اسمه وجدت في توماس بالنوبة وفي وادي مغارة بسيناء وفي وادي الحمامات، وتدل نصوص الرحالة حرخوف الذي عاش في عهد الأسرة السادسة على أن أحد رجال هذا الملك ويدعى "باأوردد" استطاع أن يجلب له قزمًا من بلاد بونت فكافأه من أجل إحضاره، وهذا مما يؤيد وجود نشاط مصري تجاري على الأقل مع الأقطار الجنوبية، وقد كشف

стр. 128

عن هرم هذا الملك ومعبده وأهرام بعض أفراد أسرته, ومما عثر عليه في هذا المعبد تماثيل لبعض الحيوانات ولبعض الأسرى الأجانب، ويبدو أن الدولة في عهده حفلت بالكثيرين من مشاهير الرجال ومن بين هؤلاء الحكيم "بتاح حتب" الذي أشرف على تربية هذا الملك, وكان من بين كبار الموظفين في عهده، وحين تقدمت به السن استأذن الملك في اعتزال الخدمة؛ فلما أُجيب إلى طلبه كتب تعاليمه لولده الذي خلفه في وظيفته، وقد أصبحت هذه التعاليم فيما بعد ثروة أدبية عظيمة القيمة, وخاصة لما تحويه من مثل أخلاقية عليا. أوناس: آخر ملوك الأسرة الخامسة وإن كان بعض المؤرخين يرى اعتباره أول ملوك الأسرة السادسة؛ لأن بعض التغيرات الجوهرية قد حدثت في عهده, وكان "تيتي" الذي خلفه على العرش وفيًّا له فأتم ما لم يستطع إتمامه من مبانيه, مما يوحي بوجود صلة قوية بينهما. ومن أهم ما حدث في عهد أوناس ذلك التجديد الذي حدث في نقوش الأهرامات؛ فبعد أن كانت النصوص الدينية لا تكتب على جدران الحجرات الداخلية بدأت هذه النصوص منذ عهد أوناس تكتب على جدران الحجرات الداخلية وحجرة الدفن, وأصبحت هذه النصوص تعرف لدى الأثريين باسم نصوص الأهرام. وقد كشف عن جزء كبير من الطريق الذي كان يصل بين المعبد الجنزي ومعبد الوادي لهرم أوناس, ومنه أمكن أن نستنتج أن هذا الطريق كان مسقوفًا بالأحجار وينفذ إليه الضوء خلال كوات بالسقف الذي زُيِّن؛ بحيث كان يبدو في هيئة السماء المرصعة بالنجوم، أي: إنه طلي بلون أزرق ومثلت فيه أشكال النجوم بلون أبيض، أما الجدران فقد نقشت بمناظر دينية ومدنية مختلفة،

стр. 129

فمن النقوش الدينية مناظر تمثل الملك وهو يؤدي بعض الطقوس, وبعض المناظر الأخرى التي تمثل الزراعة والحصاد والصيد في البر وفي الماء، والبعض يبين بعض خطوات العمل في بناء المعبد ونقل الجرانيت إليه في سفن تسير في النيل، كذلك نجد بعض المناظر التي تشير إلى حدوث مجاعة وإلى وفود بعض الأجانب إلى مصر. وقد حكم أوناس ما يقرب من ثلاثين عامًا؛ مما يوحى باستقرار الأمور؛ ولكن يبدو أن نفوذ ملوك الأسرة الخامسة كان قد أخذ في الاضمحلال، وأدى ذلك إلى انتقال الحكم إلى أسرة جديدة؛ فمن المعروف أن الأسرة الخامسة جاءت من نسل كهنة هليوبوليس أو بإيحائهم؛ ولذا كان من الطبيعي أن يغدقوا الهبات وأن يكثروا من الأوقاف على المعابد، وازداد ثراء الكهنة وسلطانهم؛ وبالتالي أخذت سلطة الملوك المطلقة تقل وبدأت قبضتهم تتراخى عن الشئون الإدارية وخاصة في الأقاليم؛ حيث تمكن أمراؤها من الحصول على كثير من الامتيازات وتطورت أفكار الشعب عامة؛ مما كان له أكبر الأثر في عصر الأسرة السادسة التي لا ندري كيف انتقل الملك إليها, ولا الأسباب التي أدت إلى ذلك.

стр. 130

الأسرة السادسة: سبق أن أشرنا إلى غموض بداية هذه الأسرة، ولا نعرف صلة "تيتي" الذي يعده غالبية المؤرخين مؤسس الأسرة السادسة بملوك الأسرة الخامسة, وإن كان من المرجح أنه كان يمت لبعض أفرادها بصلة القرابة أو على الأقل تزوج بأميرة تنتمي إلى هذه الأسرة، ويبدو أن ملوك الأسرة الجديدة أرادوا التخلص من نفوذ الإله رع, فانصرفوا إلى "بتاح" إله منف.

стр. 131

تيتي: يظهر أن هذا الملك أسرف في عدائه للإله رع أو أنه كان مغتصبًا للعرش؛ حيث يذكر مانيثون أنه لم يمت ميتة طبيعية بل قتله حراسه بعد حكم دام نحو ستة أعوام على الأرجح, وقد دفن في هرمه الذي شيده في سقارة. وسر كارع: تولى بعد تيتي؛ ولكنه لم يستمر في الحكم إلا مدة قليلة، ويبدو أنه كان مغتصبًا للعرش كذلك؛ لأنه لم يذكر في قائمة سقارة ولم يعترف به مانيثون ومع أنه "كما يتضح من اسمه" كان في الغالب من أتباع "رع"؛ إلا أنه مالأ كهنة بتاح؛ إذ بني هرمه في منف مركز عبادة هذا الإله، ولا بد أن كهنة بتاح استطاعوا أن يثبتوا في الميدان أمام كهنة رع وأخذ نفوذهم يزداد إلى درجة كبيرة؛ فانتشرت الأسطورة التي تنسب إلى بتاح خلق الكون. بيبي الأول: يبدو أن المتاعب التي تعرض لها البيت المالك منذ نهاية عهد الأسرة الخامسة ظلت مستمرة في عهد هذا الملك أيضًا؛ فمع أنه حكم نحو خمسة وعشرين عامًا نعمت فيها مصر بشيء من الرخاء والازدهار وارتفعت فيها الفنون؛ فإن حياته العائلية تعرضت لبعض المؤامرات؛ حيث يشير "أوني" الذي كان من أكبر موظفي الدولة في عهد الأسرة السادسة إلى أن الملك عينه بين المحققين الذين أسند إليهم التحقيق مع زوجة الملك قيما نسب إليها١. وقد سبقت الإشارة إلى أن سلطان الملوك المطلق أخذ يتزعزع وربما شعر

стр. 132

بذلك بيبي الأول، وأراد أن يعمل على توطيد مركزه؛ إذ رأى زيادة نفوذ أمراء الأقاليم وحكام المقاطعات؛ فصاهر إحدى عائلات الصعيد القوية؛ حيث تزوج من ابنة أمير منطقة أبيدوس التي أنجب منها ولده وخليفته على العرش "مري إن رع" ومن المحتمل أن والدة هذا الأمير توفيت وهو صغير فتزوج والده من شقيقتها, وهذه أنجبت ولدًا آخر تولى العرش بعد أخيه. ويبدو أن عهد بيبي الأول شهد نشاطًا من بعض العناصر المجاورة لمصر وخاصة في الشمال, وربما كانت هذه العناصر من بدو سيناء وجنوب فلسطين قد استطاعت أن تهدد الحدود المصرية١، واستطاع بيبي الأول أن يتخلص من تهديد هذه العناصر حيث تمكن قائده "أوني" من جمع جيش كبير من الوجه القبلي ومن النوبة قضى به على المتاعب التي تهددت مصر في الشمال. ولا بد أنه أكثر من تشييد العمائر ونشط في إرسال البعثات لاستغلال المحاجر والمناجم؛ حيث عثر على كثير من نقوشها في مختلف الجهات، ولما مات بيبي الأول كان ولده "مري إن رع" في السابعة من عمره تقريبًا وولده الآخر "بيبي الثاني" في الثانية من عمره تقريبًا. مري إن رع: اعتلى العرش وهو صغير؛ إذ كان في نحو الثامنة عند وفاة والده، ومات بعد أن حكم فترة وجيزة تكاد لا تزيد على أربع سنوات، وأهم ما نعلمه من عهده جاءنا عن طريق نصوص الوزير أوني، ومنها نتبين أن هذا الملك أمره بحفر خمس قنوات في منطقة الشلال الأول لتسهيل مرور السفن، كذلك يشير أوني إلى أنه استغل أخشاب الأشجار في النوبة لعمل سفن كبيرة استغلها

стр. 133

في شحن أحجار الجرانيت اللازمة لبناء هرم الملك، وإلى أنه أحضر تابوت الملك غطاءه من محاجر حاتنوب، وتوحي هذه النصوص بأن الملك أو بالأحرى ديوانه شعر بخطر حكام الأقاليم؛ فعين هذا الموظف النشيط حاكمًا عامًّا على الوجه القبلي، ولم يكن لهذه الوظيفة مثل هذا الدور العملي في مراقبة حكام الأقاليم إلا في عهد هذا الملك؛ لأن لقب حاكم الجنوب أصبح بعد ذلك لقبًا شرفيًا ولم تكن له قيمة عملية. ويدل نصان في منطقة الشلال الأول على أن الملك ذهب إلى هناك بنفسه؛ حيث تقبل خضوع زعماء بعض القبائل النوبية. ولا بد أن الاهتمام بالاتجار مع النوبة قد ازداد في عهد الأسرة السادسة؛ إذ لا شك في أن مصر كانت تحصل على منتجات النوبة في أول الأمر عن طريق الرحالة والمغامرين, ثم بدأت هذه التجارة تنتظم وأخذ ملوك الأسرة السادسة يعهدون بها إلى بعثات تجارية يرأسها أحد كبار الموظفين أو يكلف بها أمير الإقليم الجنوبي من مصر١, وهؤلاء كان الواحد منهم يلقب عادة بلقب يدل على رئاسة فرق من المرتزقة٢؛ حيث يبدو أن عددًا من هؤلاء، ومن الجنود النظاميين كانوا يرافقون تلك البعثات لحمايتها. ومن أشهر رؤساء البعثات في ذلك العهد "حرخوف" الذي يعد أعظم رحالة الدولة القديمة؛ حيث وصل في أسفاره إلى منطقة بعيدة تدعى يام٣، وقد بدأ أولى رحلاته في عهد هذا الملك, وكان فيها يصاحب والده "إري".

стр. 134

بيبي الثاني: تولى العرش وهو في السادسة من عمره وكانت والدته أشبه بوصية على العرش في أثناء السنوات الأولى من حكمه، ومن المرجح أن قوة الأمير "جعو" "خال الملك" وعظم مركزه هما السبب في رعاية مصالحه كملك طفل ومصالح أمه الملكة الوالدة، وقد عاش هذا الملك إلى أن بلغ من العمر أرذله ويكاد يجمع المؤرخون على أنه ظل يحكم نحو أربعة وتسعين عامًا. وأهم ما حدث في عهده توالي الرحلات التي كان يقوم بها أمراء الإقليم الجنوبي إلى النوبة ووصلوا فيها إلى مناطق لم يسبق للمصريين أن وصلوها من قبل, ورغم النجاح الباهر الذي صادفوه في أول الأمر؛ فإن بعض الرحالة قد لقوا حتفهم في تلك البلاد فيما بعد؛ مما يدل على أن هيبة مصر في أواخر عهد هذا الملك تعرضت إلى الاستهانة بها؛ لأن ما أصاب البلاد من ضعف كان النوبيون يشعرون به دون ريب؛ فبعض النصوص المتأخرة من عهده تشير إلى ذلك؛ إذ يفهم منها أن النوبيين بدءوا يظهرون روح العداء نحو مصر, ولذا أخذ قواد القوافل يستميلونهم بالهدايا١. وربما كان وصول هذا الملك إلى سن الشيخوخة واستمراره مدة طويلة كحاكم ضعيف واهن؛ مما أدى إلى ضعف سلطان الملك وانهيار الإدارة المركزية، ولم يقدر لمصر أن يجلس على عرشها ملك قوي إلا بعد نحو مائتي عام حينما تأسست الدولة الوسطى؛ إذ لم يتبع هذا الملك في الحكم من ملوك الأسرة السادسة إلا "مري إن رع الثاني" الذي لم يحكم إلا سنة واحدة ثم تبعته على العرش "نيت إقرت" التي ذكرها مانيثون باسم "نيتوكريس" ولم تبقَ هي الأخرى

стр. 135

إلا نحو عامين ثم اندلعت نيران الثورة في البلاد، وانتهت بذلك الدولة القديمة. ولم يكن النوبيون وحدهم هم الذين يشعرون بما ينتاب مصر من ضعف؛ بل إن بعض العناصر الآسيوية المجاورة كانت هي الأخرى تشعر بالحالة الداخلية في مصر، ومن المرجح أنها كانت ترقبها دائمًا وتتحين الفرص للإغارة على الدلتا أو على الأقل تحاول الهبوط إلى أراضي الوادي الغنية للاستقرار فيها.

стр. 136

عصر الاضمحلال الأول مدخل ... ٢- عصر الاضمحلال الأول: ما إن دبت عوامل الضعف في كيان الدولة المصرية في عهد الأسرة السادسة حتى أخذت بعض العناصر الآسيوية المجاورة تنشر نفوذها في بعض أجزاء الدلتا، وما أن وافى عصر هيراكليوبوليس "الأسرتان التاسعة والعاشرة"؛ إلا وأصبحت الدلتا خارج نطاق النفوذ المصري وخاضعة للآسيويين. وقد سبق أن أشرنا إلى الثورة التي نشبت في عهد الأسرة السادسة، فما أن انتهت هذه الأسرة حتى عمت الفوضى، وبدأ العصر الذي يعرف باسم "عصر الاضمحلال الأول" أو "عهد الفوضى الأول"؛ وذلك لما أصاب مصر أثناء ذلك العهد من فوضى واضطراب؛ حيث يبدو ذلك واضحًا في نصوص بعض البرديات التي تصف ذلك العصر، ومن هذه بردية ترجع إلى بداية هذه الفترة عرفت لدى الأثريين باسم "تحذيرات حكيم١" وهي على لسان شخص يدعى "إيبوور" وفيها يصف ما آلت إليه حالة البلاد من قلب في الأوضاع الاجتماعية؛ ومما ورد فيها: إن أغنيات العازفين تحولت إلى أناشيد حزن, وقتل الرجل أخاه, وسلب اللصوص المارة, وصار الفقراء يروحون ويغدون في القصور دون

стр. 137

استحياء أو خجل بعد أن ذبحوا الموظفين. وهكذا تشرد الأغنياء, وساد الفقراء, وأصبح الناس في ذعر, ولم يعد هناك راعٍ مسئول ... إلخ" وتشير بردية أخرى -من عهد الأسرة العاشرة وتعرف باسم قصة الفلاح الفصيح١- إلى ظلم صغار الموظفين للناس؛ ولكنها من جهة أخرى تدل على تطور اجتماعي كبير؛ إذ نجد فيها أن الفلاح في شكواه لرئيس الديوان يحذره من عدم العدالة مذكرًا إياه بأنه سيحاسب على ذلك في آخرته، ولم يعثر في وثائق الدولة القديمة على ما يدل على أن أحدًا من العامة كان يجرؤ على مخاطبة نبيل أو عظيم بمثل هذا الأسلوب والوعي، ولا بد أن ذلك قد نتج عن الثورة التي حدثت في أعقاب الأسرة السادسة. ولا شك أن أثر هذه الثورة كان عميقًا من الناحية الفكرية؛ فقد حفل الأدب بموضوعات شتى تبدو فيها النزعة الفلسفية من جهة وروح القلق التي سادت في أعقابها من جهة أخرى, ونتبين من هذه الموضوعات أن المجتمع نفسه لم يكن غافلًا عما كان يسوده من مساوئ؛ بل كان هناك شعور عام بها، ومن المرجح أن أهل هذا العصر أو عقلاءهم على الأقل كانوا يحاولون التخلص من تلك المساوئ ويعملون على إصلاح ما فسد من الأمور؛ إذ تصور لنا إحدى البرديات٢ حوارًا شيقًا دار بين شخص كان يرغب في الانتحار وبين روحه التي كانت تحاول إقناعه بالتخلي عن هذه الفكرة؛ بينما يرد عليها بما يفيد أنه ضاق بحياته وبرم بها، ويمكن أن نستشف من هذا الحوار صورة ما أحاط

стр. 138

هذا الشخص من ظروف فاسدة جعلته لا يقبل على الحياة بالرضا والتفاؤل، كذلك نجد في مقبرة أحد ملوك الأسرة الثانية عشرة منظرًا١ لحفل يغني فيه ضارب العود للمدعوين أغنية تحض على الاستمتاع بالحياة قدر الإمكان، ولا بد أن هذه الأغنية ترجع إلى عصر سبق للأسرة الحادية عشرة أي أنها من صميم الفترة التي نحن بصددها وخاصة لأنها تشترك مع البردية التي تصور حوار الشخص "الذي سئم الحياة" مع روحه في التعريض بما وراء الموت, كما أنهما يثيران الشك فيما سيلقاه الموتى من مصير. ولم يقتصر التطور الفكري على الناحية الأدبية؛ وإنما نلاحظ أثر ذلك في المعتقدات الدينية أيضًا؛ فقد كان الملك المتوفى يمثل الإله أوزير الذي جعلت منه الأساطير حاكمًا على عالم الموتى، وكانت النصوص الدينية والتعاويذ التي تيسر للمتوفى مصاحبة إله الشمس في رحلته في العالم السفلي وتهيئ له حياة خالدة مع الآلهة في العالم الآخر قاصرة على الملوك وحدهم وقد أخذوا يدونونها في أهرامهم ابتداء من نهاية الأسرة الخامسة، ولكن هذا الحق انتقل بعد ذلك إلى النبلاء والأشراف، ثم أصبح كل ميت في عهد الدولة الوسطى يوحد مع الإله أوزير وأصبحت التعاويذ الدينية تنقش على توابيت الأفراد وعرفت هذه باسم نصوص التوابيت، ولا بد أن هذا التطور قد حدث نتيجة للثورة الاجتماعية؛ حيث أخذت الفوارق الاجتماعية بين الطبقات تخف حدتها، وكل طائفة كانت تحاول الحصول على المزيد من الحقوق التي اكتسبتها؛ ولذلك لا يدهشنا أن نجد مقابر أفراد الطبقة الوسطى بل ومقابر الفقراء أيضًا تفوق مثيلاتها في عهد الدولة القديمة من حيث الفخامة والتجهيز؛ إذ إنها حوت من الأشياء الثمينة وخاصة من المصنوعات الذهبية نسبة أعلى بكثير مما كان مألوفًا قبل ذلك، أي: إن توزيع الثروة أصبح يختلف عن ذي قبل, ولم تعد الحياة كلها تتركز حول البيت المالك كما كان الشأن قديمًا.

стр. 139

ومن نصوص الأسرة العاشرة تطالعنا نصائح الملك "خيتي" لولده "مري كارع"١, بما يشعرنا بأن الظلم والمحاباة كانا متفشيين وأن المجتمع كان سقيمًا فاسدًا، وتذكر بردية تعرف ببردية "نفرتي"٢ أن الملك سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة طلب إلى أحد الكهنة أن يخبره عما سيحدث في المستقبل؛ فعرفه بسوء حالة ما تصير إليه مصر وأن الذي سينقذها من هذه الحالة بعدئذٍ ملك يأتي من الجنوب أمه نوبية وهو يدعى "إميني"، ولكن من المرجح أن هذه البردية كتبت في أوائل عهد الأسرة الثانية عشرة وأنها كانت من قبيل الدعاية السياسية؛ إذ إن اختصار اسم "أمنمحات الأول" مؤسس هذه الأسرة هو "إميني". ولا شك في أن أمراء الأقاليم أخذوا في زيادة نفوذهم منذ عهد الأسرة الخامسة, وقد أحس ملوك الأسرة السادسة بهذا الخطر وحاول بعضهم العمل على تلافيه ولكن دون جدوى، وقد تغالى حكام الأقاليم في إظهار سلطانهم ونزعتهم الانفصالية عن البيت المالك حتى أصبح حاكم كل إقليم يؤرخ الحوادث بالنسبة لتاريخ توليه زمام السلطة في إقليمه أو مقاطعته، ويبدو أن البيت المالك نفسه أصبح عاجزًا إزاء هؤلاء الحكام إلى درجة أنه لم يستطع عزلهم أو نقلهم، كما أن معظم هؤلاء كانوا يتولون حكم أقاليمهم عن طريق الوراثة؛ مما زاد من تمكنهم من السلطة، وفي أغلب الأحيان كان الملوك يعملون على مرضاتهم بإغداق الهبات عليهم, كما كانوا يضطرون إلى معاملة كبار الموظفين بالمثل حتى يضمنوا ولاءهم جميعًا، وقد أدى ذلك بالطبع إلى زيادة ضعف الملوك وأصبح

стр. 140

حاكم كل إقليم هو صاحب السلطان المطلق فيه وله جيشه الخاص وكذلك أسطوله أحيانًا، وكثيرًا ما كانوا يستعينون بالمرتزقة وخاصة من النوبيين, وتتمثل في نقوش مقابرهم مظاهر الترف والبذخ التي كانوا ينعمون بها، ورغم أن كلًّا منهم كان يدعي بأنه أقام العدل وأصلح من شأن إقليمه؛ بحيث كفل لمواطنيه السعادة والرفاهية وينفي وجود شيء من سوء النظام أو الاضطراب؛ إلا أن شواهد الأحوال لا توحي باستتباب الأمور؛ حيث إنه لا شك في أن هؤلاء الحكام -وقد بهرهم السلطان- تنافسوا فيما بينهم وأصبح كل منهم يحاول أن يوسع من رقعة إقليمه على حساب الآخرين, وأخذ هذا التنافس يشتدُّ وتحالف بعضهم ضد البعض الآخر, وقد رأى البعض أن أسرة شبه ملكية في قفط عاصرت الأسرة الثامنة المنفية١؛ ولكن أصبح هذا الرأي لا يؤخذ به إلى أن انحصر النزاع بين بيتين كبيرين "بيت إهناسيا"، "بيت طيبة" وقد انتهى النزاع آخر الأمر بتفوق بيت طيبة وبدأ عصر جديد من النهوض هو عصر الدولة الوسطى، كما سنشير إلى ذلك فيما بعد.

стр. 141

الأسرة السابعة: يغلب على الظن أن هذه الأسرة أسطورية أي: لم تكن هناك أسرة حاكمة على الإطلاق؛ فقد ذكر مانيثون أن عدد ملوكها سبعين ملكًا حكموا سبعين يومًا فقط, وربما كان يقصد أن سبعين حاكمًا من الحكام في الأقاليم المختلفة كانوا يتقاسمون السلطة وكونوا ما يشبه هيئة حاكمة ولكنهم اختلفوا فيما بينهم فزال

стр. 142

سلطانهم وانفضت هيئتهم الحاكمة سريعًا، وقد يرجع زوال سلطانهم إلى عدم تقبل المصريين هذا النظام من الحكم؛ فقاوموه بشدة إلى أن قضي عليه.

стр. 143

الأسرة الثامنة: معلوماتنا عن هذه الأسرة ضئيلة تختلف المصادر القديمة في عدد ملوكها، وعلى أي حال فإن أرجح الآراء تدل على أن الأسرة الثامنة لم تحكم أكثر من ثمانية وثلاثين عامًا وكان مقرها منف, ولا نعرف عن حكمها إلا أسماء بعض ملوكها وبعض الإشارات العابرة عن إرسال بعثات لاستغلال المحاجر أو إلى شمال بلاد النوبة. وبداية الأسرة الثامنة ونهايتها غير معروفتين, ومن المرجح أن ملوكها أخذوا في الضعف إلى درجة أن سلطانهم لم يكن ليتجاوز حدود إقليم عاصمتهم إلا اسميًّا، وقد نازعتهم في نهاية الأمر أسرة قوية في إهناسيا وأسرة أخرى في طيبة، وقدر لأمراء إهناسيا أن يدعوا الملكية واعتبرهم المؤرخون مكونين للأسرة التاسعة ثم للأسرة العاشرة وكان يعاصرهم حكام طيبة الذين أسسوا الأسرة الحادية عشرة فيما بعد. ملوك إهناسيا "الأسرتان التاسعة والعاشرة"

стр. 144

ملوك إهناسيا "الأسرتان التاسعة والعاشرة ": أ- الأسرة التاسعة: من المرجح أن أمراء إهناسيا كانوا على صلة بالبيت المالك في منف أي: بملوك الأسرة الثامنة؛ فلما وجدوا أن ملوك هذه الأسرة قد ازدادوا ضعفًا؛ في حين أنهم أصبحوا من القوة بحيث يمكنهم الوقوف أمامهم نازعهم هؤلاء سلطانهم, ولما استفحل الأمر بين هذين البيتين الكبيرين انتهز الفرصة "خيتي الأول" وأعلن نفسه ملكًا في إهناسيا مؤسسًا بذلك الأسرة التاسعة، ويروي مانيثون عن هذا

стр. 145

الملك أنه كان ظالمًا طاغية, أصيب في أواخر أيامه بالجنون, وانتثت حياته بأن فتك به أحد التماسيح. ولا نعرف شيئًا عن ملوك الأسرة التاسعة ولا كيف بدأ النزاع بينها وبين الأسرة الثامنة في منف، وكل ما يمكن أن نذكره هو أن عدد ملوك الأسرة التاسعة -كما ورد في بردية تورين- هو ثلاثة عشر ملكًا حكموا ما يقرب من ١٠٩ سنة. والظاهر أن هؤلاء الملوك استعانوا بحكام بعض الأقاليم لمؤازرتهم ولا شك في أنهم كانوا يخطبون ودهم ويزيدون في امتيازاتهم؛ ولذلك نجد أن الحالة تظل كما كانت في عهد الأسرة الثامنة، أي أن حكام الأقاليم كانوا شبه مستقلين يعتمدون على أنفسهم في حماية أقاليمهم، وظلت الدلتا خارج النفوذ المصري, ولم يتمتع الملوك في واقع الأمر بسلطان خارج عاصمتهم إهناسيا؛ اللهم إلا مجرد نفوذ اسمي فقط، وظل الملوك على هذا الضعف إلى أن زال حكم هذه الأسرة وتلتها الأسرة العاشرة. ب- الأسرة العاشرة: من المرجح أن ملوك هذه الأسرة كانوا خمسة فقط حكموا ما يقرب من ٨١ سنة, وأنها وجدت -منذ ظهورها- منافسة قوية من أمراء طيبة, ودارت بينهم وبين هؤلاء الأمراء حروب طاحنة أطاحت بسلطانهم وانفرد أمراء طيبة بالملك. ومما تجدر الإشارة إليه أن المؤرخين ما زالو يختلفون في عدد وترتيب الملوك الذين كانوا يحملون اسم خيتي؛ بل ولم يجمعوا على ترتيب الملك "خيتي" الذي أسدى نصائحه المعروفة "باسم تعليمات الملك خيتي" لولده
следующие страницы →