← История

История · id 7320

معالم تاريخ الشرق الأدني القديم

محمد أبو المحاسن عصفور

Полный текст (525 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقد أشارت بعض المصادر التاريخية إلى أن أميرة مصرية أرسلت إلى ملك الحيثيين رسالة تذكر له فيها أنها ترملت ولم يترك زوجها وريثًا للعرش, وأبدت رغبتها في أن يرسل إليها أحد أبنائه؛ لكي تتزوجه ويعتلي معها العرش١؛ ولكن حور محب استطاع مقابلة الأمير الذي أرسل إليها قبل وصوله إلى مصر وقتله. آي: كان كبيرًا للكهنة ومن الألقاب التي أطلقت عليه لقب "الأب المقدس"، وقد تبع توت عنخ آمون على العرش رغم ما يبدو من تفوق نفوذ حور محب عليه، والظاهر أنه كان يمت بصلة للملكة "تي"٢ زوجة أمنحتب الثالث, و"نفرتيتي" زوجة إخناتون أي أنه كان أقرب الأشخاص لسلفه الملك الشاب. ولم يحكم آي أكثر من ثلاث سنوات أقام فيها بعض المباني، ولا نعرف كثيرًا عن حكمه، ومن المرجح أنه تزوج إحدى أميرات البيت المالك التي يرى بعض المؤرخين أنها أرملة توت عنخ آمون؛ ولكن هذا غير مؤكد، ولعل زواجه بالملكة "تي" أكثر احتمالًا، وربما كانت المقبرة التي هيئت على عجل لكي يدفن فيها "توت عنخ آمون" هي التي كانت أصلًا معده للملك "آي" الذي شيد لنفسه مقبرة أخرى.

стр. 212

الأسرة التاسعة عشرة: حور محب: سبق أن أشرنا إلى أنه كان قائد الجيش وأنه وصل إلى مكانة ممتازة، وكانت تؤهله لأن يكون أنسب رجال عصره لاعتلاء العرش بعد "توت عنخ آمون" لولا أن "آي" كان فيما يبدو ممن يمتون بصلة القرابة للبيت المالك. والظاهر أن حور محب قضى معظم حياته قبل اعتلاء العرش في مدينة منف, وفي أثناء الفترة التي كان فيها قائدًا للجيش بنى لنفسه مقبرة فيها، ولم يعثر من هذه المقبرة إلا على بعض أحجار قليلة. وقد شاهد الفوضى التي سادت عهد إخناتون وظلت آثارها عقب وفاته؛ ولكنه أظهر ولاءه وإخلاصه للعرش في أكثر من مناسبة, وخاصة في عهد "توت عنخ آمون" ونال لديه حظوة كبيرة، وحينما مات الملك "آي" لم يكن هناك من هو أكفأ منه، وأراد أن يكتسب شرعية اعتلائه للعرش, فتزوج من الأميرة "موت نزم" التي يظن أنها كانت أخت نفرتيتي. ولما تولى الملك كانت الفوضى ما زالت ضاربة أطنابها والفساد منتشرًا في كافة الشئون؛ ولذا حرص كل الحرص على إزالة أسبابها؛ فسَنَّ القوانين ووضع من التشريعات ما ينص على محاربة الرشوة ومنع الظلم والقسوة وخاصة فيما يتعلق بمعاملة الرقيق وصغار المواطنين, وحرم تعطيل أي أمر من الأمور التي تتعلق باقتصاديات الدولة, كما حرم السرقة واستغلال العمال أو الفلاحين في العمل دون موافقة سادتهم، وقد فرض أقسى أنواع العقوبات على كل من يرتكب إحدى الجرائم، كذلك أصدر أمره بعمل كثير من الإصلاحات الإدارية وأصلح المحاكم وتشدد في عقوبة القضاة الذين يحيدون عن العدالة ونظم أمور الجيش ووضع نظامًا دقيقًا للبروتوكول.

стр. 213

وربما كان في استطاعته أن يوجه نشاطه نحو الشئون العسكرية وأن يقوم ببعض الحملات الحربية؛ ولكنه آثر أن يتفرغ للإصلاح الداخلي؛ فعقد معاهدة بينه وبين ملك الحيثيين حتى يتجه بكليته إلى محاربة الفساد الداخلي الذي كان منتشرًا في كافة الميادين, حتى إن بعض السرقات حدثت في المقابر الملكية ولذا أمر بالتفتيش عليها، وكان من نتيجة ذلك أن أعيدت محتويات مقبرة "توت عنخ آمون" بعد اكتشاف سرقتها, وكدست محتويات المقبرة فيها على عجل, ثم ختمت بختم الجبانة بعد إغلاقها للمرة الأخيرة إلى أن تم الكشف عنها, كذلك أمر حور محب بإصلاح المعابد وترميمها، وبنى لنفسه مقبرة في وادي الملوك تعد من أكبر مقابر طيبة. ولا بد أنه نجح فيما كان يهدف إليه من استتباب الأمن والقضاء على الفساد؛ لأن مصر تمكنت بعد ذلك من العودة إلى نشاطها الخارجي, واستطاعت أن تحصل على انتصارات باهرة. وقد حكم حور محب نحوًا من ثلاثين عامًا ولم يترك وريثًا للعرش، والظاهر أن رجال الجيش كانوا قد سيطروا على البلاد؛ لأننا نجد أن الذي يخلفه على العرش وهو رعمسيس الأول كان هو الآخر من قواد الجيش قبل أن يتولى الملك. رعمسيس الأول: كان هذا الملك من مدينة صان الحجر التي كانت مقرًّا لعباده الإله "ست" وكان قائدًا من قواد الجيش كما سبق أن أشرنا، وكذلك كان ولده الذي تلاه في الحكم من القواد أيضًا, وكان كل منهما يشغل مركز الوزير. ومع أن حكم رعمسيس الأول لم يتجاوز العامين؛ إلا أنه امتاز بالنشاط في تشييد المباني وبالحزم في إدارة البلاد, وقد بنى معبدًا في بوهن, ويحتمل

стр. 214

أن ذلك كان على إثر حملة قام بها إلى السودان في السنة الثانية من حكمه. سيتي الأول: كان سيتي عند موت أبيه قد تجاوز سن الشباب، وقد تقلد عدة وظائف في عهد حور محب كما أصبح ساعد والده الأيمن في أثناء حكمه؛ ولذا سار في سياسته على نهجه وأمر بإتمام ما لم يتمه من المباني وبإصلاح الآثار المخربة التي لم يتم إصلاحها. وقد حدثت ثورة في بداية عهده على حدود مصر الشرقية استطاع أن يخمدها ونقش تفاصيل انتصاراته على جدران معبد الكرنك؛ حيث بين فيها أنه هزم بدو سيناء وجنوب فلسطين، والظاهر أن بعض الولايات قد أصابتها عدوى الثورة بعد ذلك بتحريض من مملكة الحيثيين، وتجمعت جموع الثائرين في مدن مختلفة تمهيدًا للاجتماع في مكان سري يقومون منه بثورتهم الجماعية؛ إلا أن سيتي أحبط محاولتهم, إذ أرسل لكل مدينة فرقة من فرق الجيش وتم له النصر؛ فخضعت له فلسطين وفينيقيا وجنوب سورية، ثم حدثت ثورة في ليبيا أسرع بتأديبها على حدود مصر الغربية، ومن المرجح أن ذلك كان في السنة الثانية من حكمه. والظاهر أن سيتي تكهن بأن الحالة ستظل سيئة في آسيا طالما استمرت دولة الحيثيين في دسائسها ضد مصر؛ ولذا سار للقاء الجيوش الحيثية ودارت بينه وبينهم معركة في شمال قادش عاد منها إلى مصر منتصرًا؛ ولكن يبدو أن هذا الانتصار لم يكن حاسمًا ولم يقضِ على قوة الحيثيين وإن كان قد أوقف مؤامراتهم ضد مصر في الولايات السورية.

стр. 215

وتشير النقوش التي نقشت على بعض آثاره إلى أنه أخضع نارهارينا "أي: أعالي الفرات" والمملكة الحيثية وألاسيا "قبرص"؛ ولكن يبدو أنه نقل هذه الأسماء من النقوش القديمة وخاصة تلك التي تبين انتصارات تحتمس الثالث وعلاقاته مع تلك الجهات. ويشير نص مؤرخ بالسنة الرابعة أو الثامنة إلى أنه قام بحملة إلى النوبة أخضع فيها بعض أجزائها ولكن يشك في ذلك أيضًا١، وحتى مع فرض قيامه بهذه الحملة إلى النوبة؛ فإنها كانت قليلة الأهمية بالنسبة لحملاته الأولى في آسيا, ولتلك التي وجهها ضد الليبيين. ومن المحتمل أنه عقد معاهدة مع ملك الحيثيين احترم فيها كل فريق حدود الفريق الآخر, وساد السلام بينهما, وبذلك تمكن سيتي من التفرغ للإصلاحات الداخلية, فشيد الكثير من المباني٢ التي امتازت بالروعة وجمال النقوش وبعضها يعد من أجمل ما تركه الفراعنة من آثار، وقد اهتم سيتي باستغلال المناجم والمحاجر وخاصة مناجم الذهب، وإلى عهده ترجع أقدم وثيقة جغرافية في التاريخ؛ حيث توجد بردية في متحف تورين مبين عليها موقع منجم الذهب القريب من معبد الراديسية, وقد بينت في هذه الخريطة الطرق المختلفة وبعض المعلومات التي تساعد على التعرف على الطريق المؤدية إلى تلك المناجم، كذلك أمر سيتي بحفر كثير من الآبار في الصحراء لمساعدة المسافرين إلى مناطق استغلال المعادن والمحاجر. هذا وقد حكم سيتي الأول سبعة عشر عامًا مات في أثنائها ولي عهده؛ ولذا اعتلى العرش من بعده ولده الثاني رعمسيس الثاني.

стр. 216

رعمسيس الثاني: حظي رعمسيس الثاني بشهرة لم يحظ بمثلها أي فرعون آخر؛ نظرًا لأن حكمه الطويل -الذي بلغ نحوًا من ٦٧عامًا- هيأ له الفرصة لتشييد عدد ضخم من المباني التي خلدت اسمه في التاريخ. وفي أول عهده أمر بإتمام المباني التي كان والده قد بدأها، ومن أهم هذه معبد أبيدوس الذي نقشت به لوحة الأجداد المشار إليها عند الكلام على المصادر التاريخية١ ومعبد القرنة٢, كذلك أقام بعض المباني المختلفة مثل الرامسيوم ومعبده في الأقصر فضلًا عما شيده في الكرنك وفي جهات أخرى من مصر والنوبة, كما نجح في حفر بئر في الطريق المؤدية إلى مناجم الذهب بالنوبة. ومن المحتمل أن مملكة الحيثيين عملت على نقض المعاهدة التي سبق أن أبرمتها مع مصر في عهد والده, حيث أخذت هذه المملكة في تشجيع أمراء سورية على الثورة؛ مما جعل رعمسيس الثاني يذهب إلى آسيا في السنة الرابعة٣ من حكمه ويوطد مركزه هناك ويطمئن على خطوط مواصلاته وعلى حاميات الموانئ, ثم رجع مصر؛ حيث أخذ يعد العدة لمقابلة الجيوش الحيثية التي توقع الاصطدام بها في سورية. وبالمثل أخد ماتيلا -ملك الحيثيين- يستعد لملاقاته فضم إلى قواته كثيرًا من قوات أمراء وملوك المنطقة, الذين أرادوا التخلص من سلطان

стр. 217

مصر، كما استعان بكثير من الجنود المرتزقة, وجمع كل هذه القوات في قادش استعدادًا للقاء رعمسيس الثاني الذي استعان هو الآخر بالجنود المرتزقة، وتقدم في السنة الخامسة من عهده نحو عدوه وكان يجهل الموقع الذي تجمعت فيه الجنود الآسيوية؛ فلما وصل إلى وادي نهر العاصي قبض رجاله على جاسوسين زعما أن ملك الحيثيين قد تقهقر بجيوشه نحو حلب, وكان جيش رعمسيس الثاني مقسمًا إلى أربع فرق يقود إحداها بنفسه؛ فلما علم رعمسيس بما زعمه الجاسوسان أسرع في تقدمه خلف عدوه إلى الموقع المزعوم دون أن ينتظر أن تلحق به بقية الفرق؛ فلما عبر نهر الأورنت "العاصي" عسكر بجيشه أمام قادش بينما كان ملك الحيثيين وحلفاؤه يختفون وراء التلال المجاورة لها, وسرعان ما علم هؤلاء بوصول رعمسيس الثاني فقاموا بحركة التفاف حول المدينة إلى الجهة الأخرى من النهر، وما إن أخذت الفرقة الثانية من فرق الجيش المصري في عبور النهر إلا وعبر من خلفها هؤلاء المتحالفون وهاجموها على غرة؛ فأصاب الذعر رجالها وجعلوا يفرون إلى المعسكر المصري طلبًا للنجاة وتتبعهم رجال الحيثيين؛ حيث أذهلت المفاجأة رجال الفرقة المصرية المعسكرة التي كان يقودها رعمسيس بنفسه، ولم يجد رعمسيس بدًّا من الاندفاع في الهجوم بفلول فرقتيه دفاعًا عن نفسه، ومع أن كثيرًا من رجال الفرقتين تخلوا عن الدفاع عنه إلا أن البقية الباقية التفت حوله كحرس خاص حينما شاهدوا شجاعته الفائقة وثبتت قلوبهم والتحموا مع العدو، وفي تلك الأثناء وصلت نجدة من شباب فلسطين المجندين تحت إمرة بعض الضباط المصريين, وبذلك أنقذ الملك ورجاله من كارثة محققة وخاصة لأن جيوش المتحالفين كانت قد أخذت في الانشغال عن القتال الصحيح, واتجهت للسلب والنهب في معسكر المصريين. ومع أن القتال انتهى في ذلك اليوم بنجاة الفرعون ورجاله إلا أن النصر

стр. 218

لم يكن حاسمًا لأي من الفريقين, وقد وصلت الفرقتان الأخيرتان من جيش رعمسيس بعدئذٍ إلى ميدان المعركة وتحفز الجميع لمعركة فاصلة في اليوم التالي؛ ولكن ملك الحيثيين عرض الصلح واتفق الطرفان على عقد معاهدة يحترم فيها كل منهما حدود الآخر, ولا يتدخل في شئون رعاياه. وقد عاد رعمسيس بجيوشه إلى مصر ولم يستول على قادش كما كان يأمل، أي أن الإمبراطورية المصرية أصبحت قاصرة على فلسطين ولبنان والجزء الجنوبي من سورية وبعض الموانئ، ومع ذلك فقد أذاع في طول البلاد وعرضها بأنه انتصر على أعدائه وأباد منهم عشرات الألوف, ووضعت قصيدة نقشت على كثير من آثاره وهي تصف معركة قادش وشجاعة رعمسيس في قتاله وحيدًا ضد جيش المتحالفين وانتصاره عليهم بفضل مساعدة الإله آمون له. ويجب ألا يغيب عن الذهن أن ادعاء رعمسيس الثاني الانتصار يتنافى مع الواقع، ومن المعقول أنه إذا كان هناك انتصار مصري على الإطلاق؛ فإنما يتمثل ذلك في نجاة الملك فحسب, ومما يؤيد ذلك أن المصادر الحيثية تشير -على العكس من ذلك- إلى انتصار خاتوسيل "ملك الحيثيين" وإلى هزيمة المصريين, ولا شك في أن شواهد الأحوال تدل على أن المصادر الحيثية أصدق من المصادر المصرية فيما يختص بهذه الموقعة, وخاصة لأن الحيثيين كانوا يحاولون السيطرة على مملكة الأموريين؛ ولكن ملكها بنتشينا وقف إلى جانب مصر ولم يخضع لتهديد الحيثيين وحلفائهم؛ فلما نشبت المعركة اختفى اسم بنتشينا كملك على الأموريين وحل محله سابيلي الذي اعترف بسيادة الحيثيين, وهذا يؤكد أن النصر كان حليفهم. ولا بد أن هذه المعركة كانت ذات أثر كبير؛ لأنها هزت النفوذ المصري في آسيا هزًّا عنيفًا؛ فلم يكد يمضي عامان حتى كانت فلسطين قد ثارت على مصر, وامتدت الثورة حتى وصلت الحدود المصرية نفسها؛ فسارع رعمسيس إلى إخماد

стр. 219

الثورة وأخضع فلسطين كلها من جديد, كما أخضع بلاد الأموريين لسلطانه واستولى على حصن دابور وعلى مدينة تونيب وامتد سلطان مصر إلى فينيقيا، وربما فرض رعمسيس سيادته كذلك على جزر البحر المتوسط حيث أشار إليها على جدران معبد الرامسيوم ضمن البلاد التي أخضعها, وإن كان يبدو أنه تغالى كثيرًا؛ إذ دون أسماء بعض الأقطار التي يحتمل أنها خطبت وده بالهدايا, على أنها أصبحت خاضعة له. وقد استقرت الأمور في آسيا بعض الوقت؛ ولكن حدث أن نشب نزاع عائلي على العرش في البيت المالك الحيثي, وكان هذا النزاع حافزًا لرعمسيس على التدخل لمصلحة أحد المتنازعين؛ ولكن منافسه فاز بالعرش, وفي نفس الوقت أخذت مملكة آشور تظهر على مسرح السياسة الدولية في هذا الجزء من آسيا, وبدأت تبسط سلطانها على مسرح السياسة الدولية في هذا الجزء من آسيا, وبدأت تبسط سلطانها على ما جاورها؛ وعندئذٍ رأى خاتوسيل "الملك الحيثي الذي تمكن من الوصول إلى العرش" أن يكتسب صداقة مصر حتى يتفرغ للصراع ضد آشور؛ فعقد معاهدة صلح مع رعمسيس الثاني في السنة الحادية والعشرين من حكم هذا الأخير، وقد كتبت هذه المعاهدة على لوح من الفضة بالخط المسماري، وترجمت إلى اللغة المصرية في نسختين وجدت إحداهما بالكرنك والثانية بالرامسيوم، كما عثر على الأصل الحيثي في بوغاز كوى، وهي تنص على تأكيد الصداقة بين مصر وخيتا وألا تعتدي إحداهما على الأخرى وأن تسلمها المجرمين الفارين من بلادها, واستشهدت كل من المملكتين على التمسك بنصوص هذه المعاهدة بآلهة بلادها العظمى، وقد ظلت تلك المعاهدة قائمة يحترمها الجانبان وزاد من توثيقها فيما بعد أن رعمسيس تزوج في السنة الرابعة والثلاثين من حكمه بابنة ملك الحيثيين التي جاءت إلى مصر في حاشية ضخمة من الوصيفات الآسيويات، وانتهز والدها والكثيرون من رجاله فرصة هذه المناسبة وقدموا لزيارة مصر, وبذلك حل السلام بين البلدين إلا أنهما تعرضا لمتاعب أخرى فيما بعد

стр. 220

حيث نشب النزاع العائلي من جديد في البيت المالك الحيثي, ثم انهارت دولتهم أمام ضغط عناصر هندو أوروبية تدفقت من أواسط آسيا في عربات ضخمة تجرها الثيران، وقد توفي رعمسيس الثاني قبل أن تهدد هذه العناصر مصر تهديدًا مباشرًا؛ فكان الدفاع عنها من نصيب ولي عهده مرنبتاح, على أن خطرها على مصر لم ينتهِ بعد ذلك تمامًا بل تجدد في عهد رعمسيس الثالث الذي تمكن من كفاحهم ودحرهم. ومما تجدر ملاحظته أن رعمسيس الثاني مات بعد أن بلغ من العمر أكثر من تسعين عامًا، ولما كان مولعًا بتخليد أعماله؛ فقد أتاح له حكمه الطويل فرصة تشييد عدد من الآثار المعمارية يفوق ما شيده أي فرعون آخر, وكان بعض المؤرخين يرى أنه لم يكن صاحب الفضل في إقامة كل هذه العمائر؛ إلا أننا نلاحظ أنه رغم اغتصابه لآثار بعض من سبقه من الملوك، قد أقام من الآثار عددًا أكبر مما أقامه أي فرعون آخر, وكان نشاطه في ذلك لا يقف عند حد؛ فلا نكاد نجد منطقة أثرية في مصر دون أن يرد فيها اسمه كما أنه أكثر الملوك نشاطًا في إقامة المعابد في النوبة, التي تميزت في معظمها بالموقع الفريد وروعة التصميم وتتجلى عظمتها بصفة خاصة في معبدي "أبو سمبل". والظاهر أن كثرة مشاغله في آسيا قد جعلته يؤمن بأن طيبة كعاصمة ذات موقع لا يتناسب مع الظروف الدولية القائمة فهي شاسعة البعد عن مجريات الأحداث العالمية؛ ولذا أنشأ عاصمة جديدة في شرق الدلتا أطلق عليها اسم "بررعمسيس" وما زال المؤرخون مختلفين في تحديد موقعها على وجه الدقة، كذلك نجد أنه أنشأ مدينة عسكرية في هربيط أدخل فيها عبادة شخصه وهو حي. وكان رعمسيس الثاني مزواجًا تزوج بالكثيرات, ومنهن بعض بناته

стр. 221

وقد أنجب كثيرًا من الذكور والإناث لم يجمع المؤرخون على عددهم، وقد مات كثير من أبنائه الذكور أثناء حياته ومنهم أكبر أبنائه؛ فلم يخلفه على العرش إلا ولده الخامس عشر وهو مرنبتاح الذي كان -مع ذلك- يقرب من الستين من عمره حينما تولى العرش. ولا شك في أن رعمسيس الثاني يعد مسئولًا إلى حد كبير عن كثير من عوامل الضعف التي انتابت البلاد وكانت لها آثارها فيما بعد؛ فتورطه في الاستعانة بالجنود المرتزقة الأجانب كان ذا أثر بعيد؛ إذ إن خلفاءه تغالوا في استخدامهم فضعفت الروح العسكرية لدى المصريين, حتى إن فرقة من الجيش المصري في نهاية الدولة الحديثة كانت لا تضم سوى خمسمائة من المصريين من مجموع أفرادها الذين يبلغون الألفين, في حين أن بقية أفرادها كانوا من الليبيين والنوبيين ومن شعوب البحر المتوسط, وقد زاد زواجه بابنة ملك الحيثيين التي جاءت إلى مصر في حاشية ضخمة من امتزاج الدماء المصرية بالدماء الآسيوية وخاصة في القصر الملكي بين كبار رجالات الدولة وأضعف الروح المصرية الخالصة، كذلك كان لتشييده عاصمة جديدة في الدلتا -مع بقاء طيبة متمتعة بالسيادة الدينية كمقر للإله الرسمي في الإمبراطورية- أثره في ابتعاد السلطة الدينية عن الإشراف الفعلي للسلطة الزمنية؛ مما أتاح الفرصة للكهنة كي يستغلوا نفوذهم بعيدين عن الرقابة الإدارية، كما كان في قرب بررعمسيس -العاصمة السياسية- من مواطن الصراع في الشرق الأدنى "مع ظهور قوة فتية في غربي آسيا" تهديد دائم لأمن الدولة وسلامتها، ومما زاد الحالة سوءًا شدة ولع رعمسيس الثاني بإقامة المباني الضخمة ومغالاته في الإكثار منها؛ حيث أدى هذا إلى إنهاك موارد الدولة واستنفادها، وفوق ذلك كله كان امتداد أجل رعمسيس الثاني نفسه إلى أن أصبح شخصًا مسنًّا للغابة سببًا في عجزه عن القيام بأعباء دولته على الوجه الأكمل؛ ولذا يمكن أن يقال: إن رعمسيس الثاني ترك لخلفائه إمبراطورية قد أصابها الوهن وأصبحت في طريقها إلى الانهيار.

стр. 222

مرنبتاح: سبق أن ذكرنا أن مرنبتاح كان يقرب من الستين من عمره حينما اعتلى العرش ومع هذا فقد كان ملكًا عالي الهمة, لم تحل شيخوخته دون قيامه بجهود مشكورة في سبل المحافظة على إمبراطوريته؛ فلما قامت ثورة في آسيا في السنة الثالثة من حكمه لم يتوانَ في إخمادها وسجل ذلك على لوحة ورد بها اسم إسرائيل لأول مرة؛ مما دعا إلى الزعم بأنه هو الفرعون المقصود في قصة موسى الواردة في الكتب السماوية, ولكن لا يمكن تأييد هذا الزعم لعدم وجود وثائق تاريخية كافية لتأكيده١, وسواء قام بإخماد هذه الثورة بنفسه أو أرسل أحد قواده فإن اهتمامه بالقضاء عليها يدلنا على أنه لم يشأ التهاون في حق مصر أو التفريط فيه. وقد أنقذ مرنبتاح مصر من الهجوم الشامل الذي شنه عليها الليبيون وحلفاؤهم في السنة الخامسة من حكمه، وكان الهجوم على ما يبدو نتيجةً لهجرات

стр. 223

بعض الشعوب الهندو أوروبية التي تجمعت على ساحل إفريقيا الشمالي، ثم اتجهت مع القبائل الليبية إلى أن وصلوا إلى منطقة في غرب الدلتا وتوغلوا فيها حتى اقتربوا من كفر الزيات؛ إلا أن مرنبتاح تمكن من هزيمتهم هزيمة ساحقة حتى فروا على أثرها, ووقع منهم آلاف الأسرى في أيدي المصريين، والظاهر أن فلول الليبيين اتجهت نحو الجنوب بغية الوصول إلى وادي النيل في منطقة النوبة؛ ولكن المصريين استطاعوا أن يردوهم كذلك. ولم يطل حكم مرنبتاح أكثر من ثماني سنوات مات بعدها, وترك العرش فريسة للاختلافات العائلية التي نشبت بسبب كثرة عدد الأمراء الذين أنجبهم رعمسيس الثاني، وقد أدى هذا إلى اغتصاب البعض للعرش ولم يحدث في عهدهم ما يستحق الذكر سوى أن أحدهم وهو مرنبتاح سابتاح ذهب في حملة إلى النوبة لتثبيت حاكمها في منصبه عندما قامت هناك ثورة ضده، ومن هذا نستنتج أن النوبة ظلت على صلتها بمصر, وأنها كانت من الأهمية؛ بحيث انتقل إليها الفرعون بنفسه لكي يثبت حاكمها في منصبه، كما يدل ذلك من جهة أخرى على أن الحكم المصري لم يكن ليقابل فيها دائمًا بالرضا؛ وإنما كان أحيانًا يجد معارضة شديدة إما من النوبيين أنفسهم أو من رجال الإدارة المصريين الذين كان يرأسهم ذلك الحاكم. وأواخر عهد هذه الأسرة يمثل فترة غامضة لا نعلم عنها إلا أسماء بعض الملوك ومدة حكم كل منهم, ومنها نتبين أن غالبيتهم لم يحكموا سوى فترة قصيرة جدًّا وما زال ترتيب حكمهم مشكوكًا فيه، بل ولا نعرف كذلك كيف انتهت هذه الأسرة؛ وإنما يبدو أن الفساد قد عم أنحاء البلاد وتفاقمت الحالة بسبب وجود عدد كبير من المرتزقة الذين كانوا يتقاضون أجورا باهظة ويتطلعون دائمًا إلى الاشتراك في الحروب جريًا وراء الأسلاب والغنائم، ولما فقدت مصر مستعمراتها في آسيا نقصت إيراداتها وعجزت عن إرضائهم, وخاصة بعد أن زال

стр. 224

خطر غزو مصر وهدأت الحالة على الحدود؛ فلم تجد الدولة بدًّا من أن تقطع بعض هؤلاء المرتزقة شيئًا من الإقطاعيات، وتركت الباقين وشأنهم؛ حيث أخذوا يعيثون في الأرض فسادًا باغتصاب ما وقع تحت أيديهم من أموال وممتلكات ونشروا الذعر بين الناس، ولم تنتهِ الأسرة التاسعة عشرة؛ إلا وكانت الثورة قد نشبت في طول البلاد وعرضها, وتمكن شخص من أصل سوري يدعى "إرسو" من أن يعتلي العرش١ واستبدَّ بالبلاد كما تشير إلى ذاك بردية "هاريس" التي تصف على لسان رعمسيس الثالث "ثاني ملوك الأسرة العشرين" سوء حالة البلاد, وتبين أن والده "ست نخت" تمكن من اعتلاء العرش بعد أن طرد الغاصب السوري ونجح في إعادة الاستقرار وبدأ عهدًا جديدًا؛ حيث أصلح الإدارة الحكومية وأعاد تنظيم الجيش٢؛ ولذا يعد "ست نخت" في نظر المحدثين من المؤرخين مؤسس الأسرة العشرين.

стр. 225

الأسرة العشرون: ست نخت: أحدث سوء الحالة في نهاية عهد الأسرة السابقة واغتصاب "إرسو" السوري للعرش استياءً عامًّا, وخاصة لانتشار المرتزقة من الأجانب والتدهور الاقتصادي الذي منيت به البلاد، ولا بد أن رجال الدين تعرضوا للمتاعب ولم يأمنوا على أملاكهم ونفوذهم؛ فساهموا بنصيب وافر في تمكين "ست نخت" من اعتلاء

стр. 226

العرش وطرد الغاصب، كما يفهم ذلك من بردية هاريس المشار إليها فيما سبق وإن لم تذكر ذلك صراحة. وبالرغم من أن "ست نخت" بدأ عهدًا جديدًا؛ فإن مانيثون لا يعتبره مؤسس الأسرة العشرين بل يعتبر أن ولده "رعمسيس الثالث" هو المؤسس لها. ومهما كان الأمر فإن "ست نخت" قد أعاد الاستقرار للبلاد بإصلاح الإدارة الحكومية وتنظيم الجيش؛ وبذلك هيأ البلاد لأن تدافع عن نفسها ضد أعدائها وجيرانها الأقوياء الذين كانوا يتربصون بها ويطمعون فيها، وربما كان بعض الغزاة الآسيويين قد تمكنوا من الاستيلاء على الدلتا في عهد "إرسو" فتمكن "ست نخت" من إجلائهم عنها، ومع أنه لم يحكم أكثر من عامين؛ إلا أن حكمه كان بعيد الأثر في الإبقاء على كيان الدولة وتأجيل انهيارها، وقد أشرك معه في الحكم ولده وولي عهده رعمسيس الثالث الذي كان يدير وينفذ الإصلاحات المطلوبة, وبذلك تعود إدارة شئون البلاد وتجلت كفاءته عند اعتلائه العرش. رعمسيس الثالث: ما إن تولى العرش بعد وفاة والده حتى وجد أن الأخطار تحيق بالبلاد من كل جانب؛ فعمل على تقوية جيشه سريعًا بإدخال فرق من المرتزقة من العناصر الليبية والسردينية؛ إذ إن الآسيويين كانوا يهددون الحدود الشمالية الشرقية, والليبيين الذين سبق أن هزمهم مرنبتاح كانوا يتحينون الفرص للإغارة على مصر والاستيطان في وادي النيل. وهكذا كان على رعمسيس الثالث أن يواجه أخطارًا في الشرق والغرب ومع ذلك فقد استطاع في أوائل عهده أن يخمد ثورة في آمور، وفي السنة الخامسة من حكمه استطاع أن يصد هجومًا كبيرًا شنه الليبيون على مصر

стр. 227

وكان يعاونهم فيه حلفاؤهم من شعوب البحر، وقد هزمهم رعمسيس الثالث على حدود الدلتا الغربية, وأسر منهم عددًا كبيرًا من الأسرى. وفي السنة الثامنة من عهده كانت الشعوب الهندو أوروبية التي تمكنت من إسقاط دولة الحيثيين١، واجتاحت آسيا الصغرى قد أصبحت عظيمة الخطر على مصر؛ لأن موجة كبيرة من هجرتهم أخذت تتجه بطريق البر نحو منطقة شرق البحر المتوسط وتؤيدها في نفس الوقت سفنها الحربية؛ فاستعد رعمسيس الثالث لدفع خطرهم وجمع أسطولًا كبيرًا ثم تقدم بجيشه في البر والبحر لملاقاتهم قبل أن يصلوا إلى مصر، وحدثت بين الفريقين معركة فاصلة هزمهم فيها برًّا وبحرًا، ولا نعرف مكان حدوث المعركة؛ ولكن تفصيلاتها منقوشة على جدران معبد مدينة هايو الذي شيده في البر الغربي لطيبة. والظاهر أن هذه المعركة قد قضت على قوة شعوب البحر في آسيا قضاء تامًا وكانت سببًا في نجاة مصر وغربي آسيا من خطرهم؛ ولكن خطرًا جديدًا تهدد مصر مرة أخرى من ناحية الغرب؛ حيث إن الليبيين تحالفوا مع شعوب البحر وكرروا هجومهم عليها في السنة الحادية عشرة من عهد رعمسيس الثالث؛ إلا أنه تمكن من هزيمتهم على حدود الدلتا، وحينما ارتدوا إلى الصحراء تعقبهم مسافة قصيرة وأفنى منهم عددًا كبيرًا وأسر الكثيرين من بينهم قائدهم نفسه، وهكذا استطاع أن يتخلص من الخطر في الشرق والغرب على السواء. ومن المرجح أنه لم يمانع بعد ذلك في هجرة الليبيين إلى مصر؛ فدخلوها مسالمين؛ حيث استقروا في بعض جهاتها وخاصة في الجهات القريبة من موطنهم الأصلي, وانخرط الكثيرون منهم في سلك الجندية كجنود مرتزقة،

стр. 228

وكان هؤلاء الليبيون يتحلون بريشة فوق الرأس, وعرفوا باسم "الماشواش" وكان هذا الاسم يختصر أحيانًا إلى كلمة "الما" فقط. ولما اطمأن رعمسيس الثالث إلى زوال الخطر أراد أن يعيد إلى مصر ممتلكاتها في آسيا؛ فاتجه إليها على رأس جيشه حيث قام بحملة موفقة يغلب على الظن أنه وصل فيها إلى أعالي الفرات، وقد دونت في نقوش هذه الحملة بعض التفصيلات؛ ولكننا نشك كثيرًا في قائمة البلاد التي ذكر بأنه أخضعها؛ إذ يرجح أنه نقل معظمها عن مصادر قديمة، ومع هذا فمما لا شك فيه أنه نجح في إعادة جزء كبير من أملاك مصر السابقة، ويكفي أن الأمن قد استتب في عهده واستقر له الأمر إلى أن مات بعد أن قضى في الحكم أكثر من ثلاثين عامًا لم يصادف خلالها ما يعكر الصفو بعد الحروب والحملات التي أشرنا إليها إلا ثورة صغيرة قام بها بدو منطقة صير, ولكنها أخمدت بسهولة. سقوط الإمبراطورية حاول رعمسيس الثالث أن يتشبه بسلفه العظيم رعمسيس الثاني في كل الأمور؛ ولكنه ارتكب خطأ كبيرًا؛ إذ منح كهنة آمون ومعابده كثيرًا من الثروات الضخمة حتى أصبح الإله آمون رع يملك مناجم الذهب في النوبة وتسعًا من المدن في سورية ونحو العشر من مجموع مساحة الأراضي المزروعة, فضلًا عن الأرقاء والماشية والحدائق مما جعل كهنة هذه الإله هم أصحاب النفوذ الفعلي في البلاد. ولم يتوانَ هؤلاء في استغلال الفرصة, بل تغالوا في إظهار قوة آمون ونسبوا إليه القدرة على حل المعضلات حتى أصبح الملوك وكبار الشخصيات يستلهمون وحيه في معظم شئون الدولة, ويأخذون بما يشير به في تعيين الموظفين ومعاقبة المذنبين، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل استلهموا وحيه كذلك في شئونهم الشخصية؛ ولهذا أصبحت طوائف الكهنة تستغل سذاجة العامة

стр. 229

استغلالًا فاحشًا فتدهورت النواحي الأخلاقية والاجتماعية. هذا وقد جمع رعمسيس الثالث حوله عددًا من الأجانب وخاصة من الفتيات الجميلات والمستشارين الذين تقلدوا أرقى المناصب وتحكموا في شئون القصر والبلاط؛ فأخذوا ينافسون الكهنة في الاستثارة بالسلطة, وأوحوا إلى الفرعون بالإكثار من الجنود المرتزقة؛ مما أرهق الميزانية حتى عجز القصر عن دفع مرتبات عمال المقابر في طيبة، ولم يجد هؤلاء بدًّا من الإضراب عن العمل, وكان الكثيرون من الفقراء يتهالكون جوعًا؛ بينما كانت أكداس الحبوب والذهب تتجمع في مخازن آمون, ولم يرحم رجال الدين هؤلاء الفقراء أو يمدوا لهم يد العون, ومع ذلك فقد ظل رعمسيس الثالث لاهيًا عن شئون الدولة, منغمسًا في ملذاته ولا يدري شيئا عما يجري من حوله؛ حتى قامت في الدلتا ثورة أخرى ضده كانت أتريب "قرب بنها الحالية" مركزها، ومع أن هذه الثورة لم تنجح إلا أن الأحوال الداخلية في القصر توحي بضرورة التخلص من الملك؛ ولذا نجد إحدى زوجاته تنجح في نهاية عهده في الحصول على تأييد بعض موظفي القصر لتدبير مؤامرة لقتل الملك كي تتاح لها الفرصة لإعلان ابنها ملكًا على مصر١؛ ولكن هذه المؤامرة لم تنته بالقضاء على الملك واكتشف أمر الجناة الذين أحيلوا إلى المحاكمة أمام هيئة مكونة من أربعة عشر عضوًا من بينهم أربعة من الأجانب، ومما يدل على انتشار الفساد في البلاد وتفشي الانحلال أن بعض النساء وبعض الضباط استطاعوا إغراء ثلاثة من القضاة لكي يؤثروا في سير التحقيق؛ ولكن هذا الأمر اكتشف كذلك وقدم هؤلاء الثلاثة إلى المحاكمة فبرئ أحدهم وانتحر الثاني, أما الثالث فقد حكم عليه هو ورجال الشرطة بجدع الأنف وصلم الأذنين.

стр. 230

ومع أن خاتمة رعمسيس الثالث لم تكن مشرفة إلا أنه لا شك في أنه أنقذ البلاد -بل وأنقذ بلادًا أخرى كذلك- من خطر العناصر الهندو أوروبية التي كانت تقضي على مدنيات البلاد التي تجتاحها، وقد ظل نشيطًا عاليَ الهمة في الجزء الأكبر من حياته وأعاد لمصر شيئًا من مجدها السابق, ولم يخلد إلى حياة اللهو والكسل إلا في أواخر عهده, بل يمكن القول بأن مجد الإمبراطورية المصرية انتهى بعد وفاته ولم تقم لها قائمة بعد ذلك إلا لفترة قصيرة في عهد الأسرة السادسة والعشرين. وتوالى من بعده ملوك ضعاف لم يحكموا إلا نحو خمسة وسبعين عامًا انتهى بعدها حكم الأسرة العشرين، وفي خلال تلك الفترة الأخيرة من حكم هذه الأسرة ظلت الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ وأخذ سلطان الملوك يتضاءل "ابتداء من عهد رعمسيس الرابع إلى عهد رعمسيس الحادي عشر آخر ملوك الأسرة"؛ حتى أصبحوا ألعوبة في يد كهنة آمون الذين استطاعوا أن يستأثروا بالسلطة. أما نفوذ مصر خارج حدودها فقد أخذ يزول تدريجيًّا إلى أن صار قاصرًا على بلاد النوبة فقط، ومع كل فإن هذه لم تستمر على اتصالها بمصر طويلًا؛ بل انفصلت بعدئذٍ وتكونت فيها مملكة مستقلة. وقد كثرت في عهد خلفاء رعمسيس الثالث حوادث السرقة والرشوة، ولم يكن لأحد منهم نشاط يذكر، وإن كنا نعرف أن رعمسيس السادس ترك نقوشًا على كثير من الآثار في مصر والسودان, وأن كثيرًا من مقابر الفراعنة قد سرقت واكتشف أمر سرقتها في عهد رعمسيس التاسع وبدأ التحقيق مع اللصوص, ولكن يظهر أن تلك السرقات كانت مستمرة من عهود سابقة، كما يبدو أن الجناة كانوا يطمئنون إلى الموظفين الذين يكشفون أمثال تلك السرقات على أساس إرضائهم بالرشوة, مما يدل على تدهور الحياة الاجتماعية وانحلال الأخلاق عامة,

стр. 231

ولما لم يستطع ولاة الأمور القضاء على حوادث السرقة أمر الملوك بنقل مومياوات أسلافهم خفية من مكان إلى آخر خشية تكرار سرقتها، ومن التحقيقات التي أجريت عن سرقة المقابر في عهد رعمسيس التاسع يتبين لنا أن العداء الشخصي بين رئيس البوليس في طيبة الشرقية وبين محافظ الجبانة "أي: محافظ طيبة الغربية" كان سببًا في اتهام بعض الأبرياء وتبرئة المجرمين, ومن هذا يبدو أن التأثير على المحققين كان أمرًا شائعًا. وما أن تراخت قبضة الملوك حتى استفحل شر أمراء الأقاليم, وأصبح كهنة آمون أصحاب النفوذ الفعلي في مصر العليا، وما لبثت أسرة قوية في الدلتا أن زادت من نفوذها منذ عهد رعمسيس التاسع ثم حدثت ثورة لم يمكن إخمادها إلا بعد أن جاء "بانحسي" حاكم النوبة وقضى عليها؛ إلا أن الثورة تجددت في عهد رعمسيس الحادي عشر١ الذي لم يجد بدًّا من الفرار إلى طيبة؛ حيث استقبله "حريحور" كبير كهنة آمون استقبالًا حسنًا, وبذلك خلا الجو في الدلتا أمام الأسرة القوية التي ظهرت فيها وتمتعت بسلطة فاقت سلطة الملك الشرعي؛ حتى تمكن أحد أفرادها ويدعى "نسوبانبدد" أو "سمندس" من اغتصاب العرش وتكوين أسرة جديدة. ومما سبق نستطيع أن نتبين سرعة تدهور الأحوال في مصر؛ فبينما نجد أحد ملوك الأسرة التاسعة عشرة٢ يذهب لتهدئة الأحوال في النوبة وتثبيت حاكمها في منصبه, نجد أن حاكم النوبة "بانحسي" يأتي في الأسرة العشرين للقضاء على الثورة التي قامت ضد الملك رعمسيس التاسع ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد

стр. 232

فقد اضطر آخر ملوك هذه الأسرة -رعمسيس الحادي عشر- إلى الفرار من مقر مملكته في الشمال والالتجاء إلى كبير الكهنة في طيبة, كما سبق أن ذكرنا.

стр. 233

٦- عصر الاضمحلال الثالث: الأسرة الحادية والعشرون ونفوذ الكهنة: سبقت الإشارة إلى أن رعمسيس الحادي عشر -آخر ملوك الأسرة العشرين- اضطر إلى الفرار إلى طيبة؛ لظهور أسرة قوية في الدلتا تمكن أحد أفرادها ويدعى "نسوبانبدد" "سمندس" من اغتصاب العرش, ومن المحتمل أن زوجة هذا الأخير كانت من أصل ملكي مما يسر له الاستيلاء على الملك؛ بينما رحب حريحور كبير كهنة آمون في طيبة برعمسيس الحادي عشر وأبقاه إلى جانبه, وبذلك أصبح مطلق النفوذ في مصر العليا؛ لأنه كان -حتى قبل أن يلجأ إليه رعمسيس- يجمع السلطات الروحية والزمنية في يده؛ حيث إنه كان يجمع بين وظائف رئيس الكهنة وقائد عام الجيش وحاكم النوبة، أي أنه كان يتحكم في شئون الدولة الروحية والزمنية؛ فلما أصبح الملك الشرعي إلى جانبه لم ينازع سلطانه أحد في الجزء الجنوبي من مصر، ومنذ ذلك الوقت أصبح رؤساء كهنة آمون يهيمون على السلطات الزمنية والروحية في جنوب مصر, وخاصة لأنهم توارثوا في نفس الوقت قيادة الجيش وحكم النوبة، ورغم هذا فإن حالة البلاد الداخلية كانت سيئة على العموم. ولم يعمر "حريحور" طويلًا كما أن ولده "بي عنخ" لم يعمر طويلًا هو الآخر حيث عاصرهما "سمندس"، وحينما توفي هذا الأخير تبعه في الحكم "بسوسنس الأول" الذي لا نعلم عن حكمه شيئًا يذكر، أما في طيبة

стр. 234

فإن "باي نجم" قد خلف والده "بي عنخ" في رئاسة الكهنوت وتزوج من ابنة "بسوسنس الأول". وقد سارت البلاد من سيئ إلى أسوأ وتقلصت مملكة الشمال كما بدأ نفوذ الكهنة في الاضمحلال أيضًا، وكانت مصر قد فقدت مستعمراتها في آسيا ولم يعد لها أي نفوذ فيها منذ زمن، ولعل أصدق ما يصور لنا حالة التدهور التي وصلت إليها البلاد وزوال كل أثر للنفوذ المصري في الأقطار الآسيوية, قصة المبعوث "وينامون" الذي أرسله "حريحور" إلى لبنان لإحضار خشب الأرز اللازم لصنع سفينة آمون المقدسة؛ إذ يبين لنا هذا المبعوث كيف أنه ذهب إلى الملك في الشمال كي يساعده بالمال اللازم ولم يحظَ منه إلا بقدر يسير, كما يبين لما مدى ما تعرض له من صعوبات وكيف نهبت أمواله وأمتعته, وأنه لم يقابل من حكام سورية ولبنان إلا بالازدراء والاحتقار مع أنه كان يذكر لهم بأنه مبعوث من قِبَل فرعون مصر ورئيس كهنتها بعد أن كان مجرد ذكر اسم الفرعون فيما مضى كفيل بأن يبث الرعب في نفوس ملوك آسيا, ويجعل أمراء سورية ولبنان يسارعون بتقديم كل فروض الطاعة والولاء. ومما زاد حالة البلاد المصرية سوءًا وخاصة في الجنوب أن رئيس الكهنة كان يحكم الناس باستلهام وحي آمون الذي كان يستشيره في كل أمر وتسلط السحر والشعوذة على أفهام الناس حتى توهم السذج والبسطاء أن الإرادة الإلهية التي يصدرها آمون كافية لتصريف الأمور كلها، ولم يقم رؤساء الكهنة أو حكام طيبة بأي عمل جليل يذكر سوى مساهمتهم في نقل جثث الملوك السابقين من مخبأ إلى آخر خشية السرقة بعد أن عجزوا تمامًا عن حفظ الأمن، ومع هذا فقد تمتعوا بسلطة روحية كبيرة مكنتهم من التدخل في كثير

стр. 235

من الشئون المدنية بل وأتاحت لهم سلطة زمنية كبيرة؛ إذ كانوا يستطيعون أحيانًا -عن طريق وحي آمون- أن يحدوا من سلطة الملك نفسه. وحينما توفي الملك بسوسنس الأول أصبح "باي نجم" الحاكم الوحيد في مصر كلها, وتولى العرش باسم "باي نجم الأول"؛ لأنه كان صاحب النفوذ المطلق في جنوب مصر, كما أنه اكتسب حق اعتلاء العرش عن طريق زواجه بابنة الملك الراحل، أي: جمع بين شرعية ولايته على العرش وسلطة صاحب النفوذ الأقوى في البلاد, وقد أنجب ولدين هما: "ماحسارتي"، "من خبر رع"، وقد عين أولهما رئيسًا للكهنة؛ ولكنه لم يعمر طويلًا؛ إذ مات في حياه والده وتبعه شقيقه في رئاسة الكهنة حيث ظل يشغل هذه الوظيفة إلى أن توفي والده فتبعه على العرش. وتدل شواهد الأحوال على أن ثورة نشبت في مصر العليا أثناء تولي "ماحسارتي" لرئاسة الكهنوت نفى على أثرها عددًا من الثائرين إلى الواحات؛ ولكن -حينما وصل "من خبر رع" إلى طيبة وتقلد منصب رئيس الكهنة على أثر وفاة أخيه- استصدر وحي آمون بالعفو عن الثائرين؛ مما يوحي بأن مركزه كان حرجًا وأن الحالة كانت سيئة رغم ما تذكره النصوص عن حفاوة استقباله والترحيب به؛ فأغلب الظن أن ذلك لم يكن إلا ستارًا اختفت وراءه مظاهر مناوأة السلطة الحاكمة التي أخذت في الظهور في مختلف المناسبات، ومع كل فقد ظل "من خبر رع" متمتعًا بالسلطان سواء كرئيس للكهنة أو كحاكم مطلق بعد اعتلائه للعرش فترة تقرب من نصف قرن، ثم ظهر بعدئذ حاكم يدعى "امن – ام – اوبت" لا نعرف صلته بالبيت المالك، وربما كان مغتصبًا اعتلى العرش في الشمال ثم بسط سلطانه بعد ذلك على الجنوب، ومن المحتمل أن نوعًا من الصراع نشب بينه وبين "من خبر رع" انتهى بانتصار

стр. 236

هذا المغتصب الذي تلاه في الحكم بضعة ملوك ضعاف؛ بينما ظلت عائلة "من خبر رع" تتولى رئاسة الكهنوت. وفي غمرة هذا الضعف الظاهر فقدت مصر هيبتها نهائيًّا في سورية وفلسطين؛ بينما ظلت النوبة على ولائها لها ولكنها أخذت في الانفصال عنها من الناحية الإدارية حتى استقلت عنها تمامًا. وفي تلك الأثناء كانت مملكة العبرانيين قد ازدهرت وعظم شأنها, وإن كنا لا ندري هل تكونت هذه الدولة نتيجة لظهور بعض الأسرات المحلية القوية التي استطاعت أن تستقل بالبلاد أم أنها بدأت أصلًا بمساعدة المصريين -عند ظهور خطر شعوب البحر المتوسط- لكي تسهم في محاربة هذه الشعوب ودرء خطرها؟. ومع ذلك يبدو أن "بسوسنس الثاني" آخر ملوك الأسرة الحادية والعشرين وجد الفرصة للتدخل في شئون فلسطين والاحتكاك بأمرائها؛ إذ يحدثنا الكتاب المقدس بأن أميرًا من إيدوم ويدعى "حداد"١ فر خوفًا من بطش داود الذي كان قد أنشأ دولة قوية في فلسطين، وقد وصل هذا الأمير هو وبعض أخصائه إلى مصر؛ حيث أحسن ملكها استقباله وزوجه من أخت الملكة. وبعد مضي بعض الوقت قام الفرعون إلى كنعان في ظروف لا تعرف على وجه الدقة, واستولى على جزر وخربها وقدمها كصداق لابنته التي زوجها من سليمان٢.

стр. 237

مصر تحت حكم الأجانب: الأسرة الثانية والعشرون: سبق أن أشرنا إلى أن الليبيين كانوا يهددون الحدود المصرية في عهد الدولة الحديثة

стр. 238

وأن آخر من انتصر عليهم كان رعمسيس الثالث الذي سمح لهم بعد ذلك بالهجرة إلى مصر مسالمين١، وقد وفد منهم عدد كبير ودخلوا في خدمة الجيش المصري كجنود مرتزقة، ومن بين هؤلاء الوافدين أسرة قوية كان يتزعمها "يويوواوا" وقد استقرت هذه الأسرة في إهناسيا "هرقليوبوليس" ونعمت بشيء كبير من النفوذ والسلطان؛ إذ تولى بعض أفرادها مناصب مختلفة ومنهم من تولى وظيفة كاهن معبد إهناسيا وقائد حرس المدينة في نفس الوقت, ثم أصبحت هاتان الوظيفتان وراثيتين في أسرته من بعده. وتطور أمر هذه الأسرة وأصبحت من القوة والنفوذ؛ بحيث كانت تتصل بالملك رأسًا٢، وبينما كانت الأسرة الحادية والعشرون تتداعى وفي طريقها إلى الانهيار أخذت هذه الأسرة الليبية تقوى وتشتد حتى تمكن أحدها ويدعى شيشنق من أن يستولي على العرش وجعل مقر ملكه في بوبسطة "تل بسطة الحالية قرب الزقازيق" ومن المرجح أنه لم يجد الفرصة المواتية لاتخاذ هذه الخطوة إلا بعد وفاة آخر ملوك الأسرة الحادية والعشرين وانقراض ذريته, كما يحتمل أنه كان قد زوج ولده من ابنة هذا الملك فاكتسب بذلك شيئًا من الحق في اعتلاء العرش بعد وفاة صهره، ويبدو أن كهنة آمون في طيبة كانوا أقل قبولًا لحكمه من أهل الدلتا وإن لم يستطيعوا إنكار حقه في العرش؛ إذ إنهم لم يعلنوا عن رضاهم ولم يعترفوا له بالملكية مباشرة ودارت بينه وبينهم مفاوضات

стр. 239

حول اعترافهم به، ويخيل إلينا أن هذه المفاوضات تعثرت في أول الأمر؛ لأنهم على الأرجح رغبوا في الحصول على المزيد من السلطة وتجريد الملك من بعض الحقوق التي كان يحتفظ بها، ومما يؤكد هذا الرأي أن لوحة في الكرنك عليها نص مؤرخ في السنة الثانية من عهد رئيس الماشواش١ الأكبر "شيشنق" بينما نجد على نفس اللوحة نصًّا آخر مؤرخًا بالسنة الثالثة عشرة من عهد الملك شيشنق, أي أنه في النص الأول كان يعتبر رئيسًا لليبيين فحسب؛ بينما اعترف به في النص الثاني كملك. ومن المؤرخين من يرى أن طائفة من كهنة آمون لم تقبل الاعتراف بحكمه وفرت إلى بلاد النوبة؛ حيث احتمت في منطقة نباتا وجعلت منها عاصمة للمملكة التي أقاموها هناك؛ ولذا يرجح هؤلاء المؤرخون أن أصل الأسرة النباتية٢ يرجع إلى هؤلاء الكهنة ويستندون في ذلك إلى شدة ورع ملوك نباتا وإخلاصهم وتفانيهم في عبادة آمون وإلى أن بعض هؤلاء الملوك كانوا يحملون أسماء مصرية، كما يستنتجون عدم قبول حكم شيشنق أيضًا من قيام ثورة بالواحات الخارجية في السنة التاسعة عشرة من عهده؛ ولكن لا يمكن الأخذ بهذه الآراء؛ إذ ليس هناك ما يؤكد زيادة سلطان أولئك الكهنة في نباتا أو أنهم تمكنوا من الوصول إلى الحكم وتكوين أسرة مالكة فيها، كما أن تشابه أسماء بعض الملوك في نباتا مع الأسماء المصرية قد يرجع إلى أن بلاد النوبة كانت قد تأثرت بالحضارة المصرية منذ وقت طويل واصطبغت بها، كذلك يغلب على الظن أن ثورة الواحات الخارجية ترجع إلى كثرة وجود العناصر الثائرة بها؛ لأنها كانت تعتبر منفى للمجرمين وهؤلاء كثيرًا ما كانوا يرغبون في التخلص من منفاهم.

стр. 240

ورغم ما يبدو -لأول وهلة- من عدم تحسن الأمور في مصر؛ فإن سياسة شيشنق الأول الخارجية تدل على أنه كان موفقًا إلى حد كبير؛ فحينما تولى العرش كان سليمان ما زال يحكم في فلسطين وكان النبي أشعيا قد تنبأ ليريعام وهو أحد أمراء إسرائيل المناوئين لسليمان بأنه سيحكم إسرائيل، ولما حاول سليمان القضاء على يريعام هرب هذا إلى مصر؛ حيث لجأ إلى شيشنق١، وبالرغم من أن المصريين كانوا يحرصون على علاقات الود مع ملوك العبرانيين الأقوياء؛ إلا أنهم لم يضيعوا أية فرصة تسنح لهم يتمكنون فيها من إضعافهم وأمعنوا في التدخل في شئون فلسطين أملًا في إعادة نفوذهم إليها، وعلى هذا نجد شيشنق يعمل بما نصح له به يريعام -الذي يرجح أنه تزوج بابنة شيشنق- من إعداد العدة لمهاجمة فلسطين، وكان العبرانيون قد ضاقوا ذرعًا بحكم سليمان الذي طعن في السن وأثقل كاهلهم بالضرائب الفادحة؛ فلما مات انقسموا على أنفسهم وانتهز شيشنق فرصة انقسامهم إلى مملكتين٢ متنافستين وتقدم بجيشه حوالي سنة ٩٢٠ ق. م. إلى مملكة يهودا التي كان يحكمها رحبعام بن سليمان, واستولى على خزائن الرب في أورشليم، وربما كان سبب عدم مقاومة رحبعام لشيشنق وحليفه يريعام "ملك إسرائيل" يرجع إلى أن النبي أشعيا كان قد تنبأ بتمزق مملكة العبرانيين, وأن يريعام سيحكم على عشر قبائل من قبائلها الاثنتي عشرة. واستمر شيشنق في غزواته؛ حيث امتلك بعض المدائن في فلسطين لمدة قصيرة ثم رجع إلى مصر، وقد نقش شيشنق أخبار الجزية التي وصلته من فلسطين ومن النوبة على جدران معبد الكرنك، وربما كان الباعث الذي دفع شيشنق

стр. 241

إلى هذا النشاط هو رغبته في البحث عن مورد للثروة؛ لأن البلاد كانت في حالة اقتصادية سيئة, ووجد أنه من المتعذر فرض ضرائب جديدة؛ لأن حكمه لم يكن مقبولًا تمامًا، وعلى ذلك اتبع سياسة ملوك مصر التقليدية في القيام بحملات خارجية لزيادة دخلهم، ولا شك في أنه أفاد من ذلك أيضًا في شغل أذهان الناس عن ولايته للعرش والشئون الداخلية؛ ليتمكن من تثبيت أقدامه في الحكم. وقد تفرغ شيشنق بعد عودته من حروبه في فلسطين للشئون العمرانية في داخل البلاد؛ حيث شيد وأصلح كثيرًا من المباني، ولما مات خلفه ولده "أسركون الأول" الذي كان والده قد زوجه من ابنة بسوسنس الثاني في حين كان ابنه الثاني "يوبت" كاهنًا في طيبة، ولم ينجب هذا الأخير أبناء فاتفق مع شقيقه "أسركون الأول"؛ على أن يكون ابن هذا الأخير خليفة لعمه في رئاسة كهنوت طيبة؛ إلا أن هذا الابن مات وخلفه ابنه "حرسا إيسي" حفيد "أسركون"، وقد مات هذا الأخير أيضًا فتبعه ولدان من أبناء أسركون ثم تبعهما الابن الرابع لأسركون ويدعى شيشنق، وفي تلك الأثناء توفي أسركون وتبعه على العرش "تكلوت الأول" "ثكرتي" ومن ذلك نتبين أن أربعة من أبناء أسركون الأول تتابعوا في رئاسة كهنوت طيبة واعتلى ابنه الخامس العرش من بعده. والظاهر أن طول مدة حكم أسركون الأول نسبيًّا وتتابع أفراد أسرته في رئاسة الكهنوت في طيبة مما زاد الحالة تعقيدًا في البلاد؛ إذ من المحتمل أن ما تمتع به هؤلاء من نفوذ وسلطان كان يدفعهم دائمًا إلى إثارة المتاعب أو محاولة الاستحواذ على مزيد من السلطة، وربما دأب أسركون على تغييرهم

стр. 242

من أجل ذلك؛ لأننا لا ندري كيف انتهت خدمات بعض أبنائه في رئاسة الكهنة. ومهما يكن من أمر؛ فقد بدأ الصراع واضحًا بين الشمال والجنوب في نهاية عصر أسركون الأول وبداية عصر "تكلوت الأول" ثم اشتد النزاع بين هذا الأخير وشقيقه الكاهن شيشنق؛ لأن هذا الأخير حينما شعر بقوة نفوذه في طيبة انتحل الألقاب الملكية، وحينما تولى أسركون الثاني بعد والده تكلوت الأول وجد أن نفوذ عمه يهدد سلطانه وخاصة في أجزاء مصر الجنوبية؛ ولذا عمد إلى الاحتفاظ بهيبة الملكية في تلك الجهات وقام بإصلاح بعض التلف الذي أصاب معابد طيبة باسمه وخاصة في معبد الأقصر الذي أثر فيه الفيضان، ومع هذا يبدو أن الخطر ظل يتهدد نفوذ الملك من نواحٍ متعددة كما يتبين ذلك من تمثال للملك "أسركون الثاني" عثر عليه في تانيس؛ إذ نقشت عليه دعوات يطلب فيها الملك من المعبود أن يخلد أبناءه في الحكم, وأن يمنحهم السلطة على رؤساء الكهنة وعلى رؤساء "ماشواش" العظام وعلى كهنة هرقليوبوليس، ومما جاء في هذه الدعوات أيضًا: "اجعل أولادي في الوظائف التي عينتهم بها, ولا تجعل قلب أحدهم يكبر أو يعظم على قلب أخيه"١. فمن هذه الدعوات يمكن أن نتبين سوء الحالة في البلاد في عهد هذه الأسرة بصفة عامة؛ إذ كانت هناك بضع قوى متنافرة كل منها تعارض سلطان الملك, وهذه القوى تتمثل في الكهنة ورؤساء الماشواش "المرتزقة الليبيين" الذين أصبحت لهم سطوة كبيرة باعتبارهم يمتون بصلة للبيت المالك، وربما أصبح معظم أمراء الأقاليم من هؤلاء الليبيين، ولا شك أن كل طائفة من هذه الطوائف

стр. 243

كانت تعمل لمصلحتها الخاصة؛ مما أضعف سلطان الملوك وتراخت قبضتهم عن الأقاليم؛ فحظي أمراؤها بشيء من الاستقلال والسيادة وإن لم يتعد نفوذهم عواصم أقاليمهم إلا قليلًا. والخلاصة التي يمكن أن نستنتجها هي أن البلاد كانت سائرة في طريقها إلى الانحلال, وأن تنازع السلطات بلغ من الخطورة حدًّا جعل الملوك لا يأمنون على عروشهم؛ فهناك ما يشير إلى أن "أسركون الثاني" قبل أن يعتلي العرش كان مشتركًا في الحكم مع والده الذي اتخذ هذه الخطوة لكي يضمن لولده ولاية العهد، وقد اتبع "أسركون الثاني" نفس هذه السياسة مع ولده "شيشنق الثاني" الذي مات في حياته, فأشرك معه ابنه الآخر "تكلوت الثاني" الذي استمر معه في الحكم سبعة أعوام ثم انفرد بالعرش بعد وفاته. وأخذت هذه بعد ذلك تنحدر نحو الاضمحلال حتى إن ابن تكلوت الثاني -وكان يدعى أسركون- قد جرؤ في السنة الحادية عشرة من حكم والده على تقديم بعض الهدايا إلى معبد آمون باسمه الخاص مع أنه لم يكن إلا رئيسًا للكهنة، وبالرغم من تقديمه لتلك الهدايا فإن رئاسته للكهنة كانت في أغلب الظن غير مقبولة؛ إذ إن أهالي طيبة قاموا بثورة ضده فاضطر إلى الهرب، وبعد نحو عشرة أعوام عاد إلى طيبة بمعاونة بعض أعوان والده، ويبدو أنه استلهم وحي الإله آمون حينئذٍ فأصدر هذا عفوه عن الثائرين؛ ولكن ذلك العفو كان مؤقتًا في نظر أهل طيبة على الأقل؛ لأنهم أعادوا الثورة فاضطر أسركون للهرب ثانية بعد نحو ستة أعوام من عودته، وظل مختفيًا في هذه المرة نحو ثلاثة عشر عامًا، وفي كل مرة كان يختفي فيها تولى رئاسة الكهنوت في مكانه أحد أفراد الأسرة ويدعى "حرسا إيسي".

стр. 244

ومن النقوش التي ترجع إلى أواخر عصر هذه الأسرة يتبين لنا أن عهود آخر ثلاثة ملوك فيها كانت تسودها الاضطرابات وقد تلفت فيها آثار كثيرة ولم تنجُ عاصمتهم "بوبسطة" من التخريب, كما أنها تعرضت بعد ذلك للنهب والتدمير؛ ولذلك كانت معلوماتنا عن هذه الأسرة بصفة عامة ضئيلة للغاية، ولا نجد فيما لدينا من نصوص بعد عهد مؤسسها شيشنق ما يشير إلى فلسطين؛ مما يدل على أن نفوذ مصر قد انعدم فيها من بعده. ويحتمل أن ظهور مملكة آشور في ذلك الحين جعل بعض الدويلات الآسيوية في شرق حوض البحر المتوسط تتجمع في شكل اتحاد ضدها، ووجد "تكلوت الثاني" أن في ظهور هذه المملكة الفتية خطرًا يهدد مصر؛ فأرسل عددًا من المقاتلين كمدد لذلك الاتحاد الذي هزمه شلمنصر الثالث ملك أشور حينئذ، وأثار ذلك انتباه هذه الدولة الفتية إلى الدور الذي تقوم به مصر فتحفزت للاصطدام معها. وفي أواخر عهد "شيشنق الثالث" أي: في أثناء تولي "حرسا إيسي" لرئاسة الكهنوت من جديد, نشأت أسرة ملكية "بدأها "بادي باست"" في طيبة هي الأسرة الثالثة والعشرون، أي أنها كانت تعاصر الأسرة الثانية والعشرين وخاصة في الفترة الأخيرة منها؛ ولكننا لا نعرف كيف نشأت هذه الأسرة؟ وما هي العلاقة بينها وبين الأسرة السابقة؟ بل ولا نعرف شيئًا عن الدور الذي قام به "حرسا إيسي" عند تعاصر الأسرتين، وكل ما يمكن أن نقوله هو أن الأحوال الخارجية والداخلية بصفة عامة لم تكن واضحة تمامًا. ومما تجدر ملاحظته أن الأسرة الثالثة والعشرين قد مرت في نهايتها بنفس التجربة؛ إذ ظهرت في الشمال أسرة جديدة "وإن لم تعمر هذه الأسرة طويلًا" كما شاهدت كذلك دخول النبتاويين إلى مصر؛ حيث أسسوا الأسرة الخامسة والعشرين.

стр. 245

الأسرة الثالثة والعشرون: تمكن ثلاثة الملوك الأخيرون في الأسرة الثانية والعشرين من الاحتفاظ بسلطتهم على قسمي المملكة الشمالي والجنوبي فيما عدا الفترة التي حكم فيها "يادي باست" في طيبة "كما أشرنا" حيث انتزع السلطة من ملوك بوبسطة، ويرى مانيثون أنه مؤسس الأسرة الثالثة والعشرين؛ ولكن يبدو -حسب ما يفهم من بردية في فينا- أن بعض الاضطرابات حدثت في السنة الرابعة عشرة من حكمه, وأنه اضطر إلى أن يقتسم السلطة مع أحد أمراء شرق الدلتا. ولا ندري على وجه التحديد هل كان "بادي باست" من سلالة كهنة طيبة وتمكن من أن ينتزع السلطان من أمراء بوبسطة ثم تمكن أحد هؤلاء من أن يقتسم معه السلطة على أثر ثورة قام بها، أم أن "بادي باست" كان مغتصبًا لا علاقة له ببيت الكهنة ولا بالبيت المالك في الشمال، وحينما سنحت الفرصة ثار عليه أحد أمراء الشمال واضطره إلى اقتسام السلطة معه؟. وعندما اعتلى العرش شيشنق الرابع خليفة بادي باست نجح في توحيد البلاد من جديد؛ ولكن يبدو أن ذلك لم يكن إلا ظاهريًّا فقط؛ لأن منافسات شديدة قامت بين أمراء الأقاليم الذين كانوا يشعرون بأنهم من القوة بحيث يستطيعون الخروج على سلطان الملك وعلى ذلك حدثت اضطرابات مختلفة؛ فمن ذلك مثلًا ما حدث عند اشتداد المنافسات بين أمير تمي الأمديد وأمير عين شمس إذ انضم إلى كل منهما فريق من الأمراء ونشبت بسبب ذلك حروب عجز فيها "بادي باست" وخليفته "شيشنق الرابع" عن حقن الدماء. وما أن تولى "أسركون الثالث" بن "شيشنق الرابع" حتى كانت البلاد قد انقسمت إلى إمارات صغيرة تتشاحن فيما بينها، وكانت الإمارات

стр. 246

التي تمتد من الوجه البحري إلى الأشمونين تتقاتل فيما بينها بصورة تشبه إلى حد كبير ما كان يحدث في عصور ما قبل الأسرات، وقد وصلنا نحو ثمانية عشر اسمًا لأمراء من هؤلاء المتنازعين، وفي خضم هذه الاضطرابات التي كانت تعاني منها البلاد والتي جعلت من ملكها أشبه بحاكم على إقليم العاصمة "بوبسطة" ولا يتعدى نفوذه كثيرًا حدود هذا الإقليم, كانت إسرائيل في صراع مع دولة أشور؛ فلم تتمكن مصر من تقديم المساعدة لها، بل كانت مصر بالنسبة لظروفها الخاصة تعد فريسة سهلة لكل من يطمع فيها من جيرانها, ولكن لم يغامر أحد بالإغارة عليها في ذلك الوقت، واستمر بعض خلفاء "أسركون الثالث" يحكمون فترة وجيزة إلى أن ظهر أمير قوي في "سايس" "في غرب الدلتا" هو "تفنخت" الذي حاول أن يخضع كل أمراء الدلتا لسلطانه. وفي نفس الوقت كانت أسرة حاكمة قد تكونت في نباتا, واستطاعت أن تبسط سلطانها على كل السودان الشمالي وبلاد النوبة ومصر العليا حتى طيبة. وأول من سمعنا عنه من ملوك هذه الأسرة النبتاوية في النصوص المصرية هو "كاشتا" ثم تلاه "بمنخى" الذي أخضع البلاد كلها لسلطانه؛ ولذا يعتبره بعض المؤرخين مؤسس الأسرة الخامسة والعشرين، كما يطلق فريق من المؤرخين على هؤلاء النبتاويين اسم "الأسرة الأثيوبية"؛ لكن نظرًا لاختلاف مدلولات أثيوبيا والنوبة باختلاف العصور، وعدم دلالة أيهما على كل الأجزاء التي ارتبطت بمصر أيام الفراعنة، ولعدم تأكدنا من أصل هذه الأسرة حتى الآن؛ فإننا نفضل الإشارة إلى هذه بالاسم المشتق من اسم عاصمتها نبتة أو نباتا أي: "الأسرة النبتاوية". الأسرتان الرابعة والعشرون والخامسة والعشرون: ما زال المؤرخون يختلفون في أصل الأسرة النباتية, وما زلنا نجهل كيف استطاع أحد ملوك هذه الأسرة وهو "كاشتا" أن يفرض سلطانه على مصر العليا

стр. 247

حتى طيبة، وبذلك أصبح يحكم مملكة تمتد -على الأقل- من الشلال الرابع جنوبًا إلى طيبة شمالًا أي: إنه يحكم في إقليم النوبة الغنية فضلًا عما كانت مملكته تنعم به من وحدة متماسكة، على عكس الحال في مصر التي فقدت أملاكها في آسيا كما تنازع فيها الأمراء ورجال الدين على السلطة؛ إذ وجدوا في ضعف الملوك خير مشجع لهم على التمادي في محاولة الاستئثار بها، وقد تطورت الأمور بعد ذلك سريعًا في مصر لأن "تفنخت" أخذ يمد نفوذه على بقية الأمراء في الدلتا محاولًا أن يعيد الوحدة إلى البلاد؛ فبعد أن قهر أمراء غرب الدلتا سار جنوبًا حيث استولى على شمال الوجه القبلي ثم عاد فبسط نفوذه على شرق الدلتا ووسطها أي أنه أصبح ملكًا بالفعل على الوجه البحري وشمال الوجه القبلي إلى بني حسن ولم تقاومه إلا إهناسيا عاصمة إقليم الأشمونين، وفي تلك الأثناء كان "بعنخي" قد تولى الملك في النوبة بعد "كاشتا"، ولم يهتم بادئ الأمر لنجاح تفنخت في بسط نفوذه على بقية أمراء الدلتا؛ ولكنه شعر بالخطر الذي يهدد نفوذه عندما عاد تفنخت إلى التقدم في الصعيد وانزعج حينما علم بأن "نمرود" أمير الأشمونيين استسلم له في النهاية بل وانضم إليه أيضًا، وعلى ذلك أمر بعنخي قواته بالتقدم شمالًا نحو تفنخت لوقف تقدمه إلى الجنوب، ومن المحتمل أن القوات النبتاوية لم تصادف نجاحًا كبيرًا في أول الأمر فاضطر بعنخي أن يتقدم بنفسه نحو الشمال، وما أن وصل إلى طيبة حتى استراح بها وقدم الهدايا لآمون, ثم واصل سيره شمالًا مخضعًا كل الأقاليم التي كانت في طريقه إلى أن وصل الأشمونين حيث دارت معركة بين أسطوله وبين الأسطول المصري هزم فيها هذا الأخير، وفر تفنخت شمالًا ليعيد تنظيم قواته ويقوي من تحصيناته. أما نمرود فقد تحصن في الأشمونين ودافع عنها, ولكنه -إزاء حصار بعنخي- أجبر على التسليم وأرسل زوجته للتوسط له عند حريم بعنخي،

стр. 248

جدول يبين معاصرة الأسرات ٢٥,٢٣,٢٢ بعضها البعض

стр. 249

وقد استولى بعنخي على كثير من نفائس المدينة ثم تقدم شمالًا نحو منف التي احتمى بها تفنخت، وفي أثناء حصار بعنخي لها فر تفنخت قبل أن تسقط في يده، وما أن استولى عليها حتى ذهب إلى معبد عين شمس حيث اعترف به ملكًا على مصر، وهنا وفد عليه "أوسركون الثالث" الذي كان يحكم في بوبسطة وقدم له الخضوع والولاء، وبعدئذٍ توجه يعنخي إلى "أتريب"؛ حيث أقبل عليه أمراء الدلتا معلنين ولاءهم كذلك، وفي تلك الأثناء كانت تفنخت قد وصل في فراره إلى بلدة صغيرة مجهولة تعرف باسم "مسد"؛ فأرسل بعنخي قوة فتكت بحاميتها واضطر تفنخت أن يلجأ إلى جزيرة صغيرة في شمال الدلتا تحيط بها المستنقعات, ومن هناك أرسل الهدايا إلى بعنخي راجيًا منه أن يرسل من قبله رسولًا إلى معبد مجاور كي يقسم أمامه يمين الطاعة والولاء له، وقد تم ذلك فعلًا، وعندئذ قدم بقية الأمراء ولاءهم له أيضًا؛ فأصبح بعنخي حاكم مصر المطلق، أي: إن ملكه امتد من نباتا "أو أبعد منها قليلًا إلى الجنوب" إلى أقصى شمال الدلتا، ومعنى هذا أنه كان يحكم مملكة لا تقل عن الإمبراطورية المصرية في أوج عظمتها باستثناء الأجزاء الشمالية الشرقية في سورية وفلسطين. وٍيدهشنا أن بعنخي لم يستمر طويلًا في مصر؛ بل عاد مسرعًا إلى نباتا وما زلنا نجهل الأسباب التي دعته إلى ذلك؛ إذ إن عودته السريعة جعلت بعض المؤرخين يشبهون حملته بمغامرة ليس لها غد إذ لم تكن ذات نتائج حاسمة، ومما هو جدير بالذكر أيضًا أن الفترة التي غزا فيها بعنخي مصر هي الفترة الوحيدة التي أمسك فيها تفنخت عن ادعاء حكم مصر؛ حيث يبدو أنه ما أن رجع بعنخي إلى عاصمة ملكه في النوبة إلا وعاد نفنخت إلى ادعاء حكمه لمصر بأكملها، وإن كنا نرجح أن ملكه لم يكن ليتجاوز "منف" جنوبًا؛ بل وكانت بقايا الأسرة الثالثة والعشرين تحكم في بوبسطة في نفس الوقت أيضًا، ويبين الجدول بالصفحة التالية كيف حكم مصر ملوك يمثلون أسرات مختلفة في نفس العصر.

стр. 250

فإذا اعتبرنا أن ملوك نباتا هم ملوك الأسرة الخامسة والعشرين في مصر؛ فإننا في هذه الفترة نجد مثالًا آخر لمعاصرة بعض الأسرات المصرية١ للبعض الآخر؛ فبينما تحكم الأسرة الثالثة والعشرون في بوبسطة يسيطر ملوك الأسرة الخامسة والعشرين على مصر بالفعل أو على الأقل يتحكمون في الصعيد ويسيطر تفنخت الذي يعتبر مؤسسًا للأسرة الرابعة والعشرين على معظم الدلتا وكانت عاصمته سايس؛ هذا وقد ظلت نبتة تسيطر على الصعيد حتى بعد أن عاد تفنخت إلى اتخاذ الألقاب الملكية وربما كان السبب في خروج أمراء الوجه البحري على نفوذ نبتة يرجع إلى أنهم كانوا أقرب إلى الاتفاق مع تفنخت من أمراء الصعيد، وفي نفس الوقت كان نفوذ "كبيرة محظيات آمون في طيبة"٢ عاملًا أساسيًّا في نفوذ مملكة نباتا في الصعيد؛ لأننا نعرف أن ابنة أسركون الثالث التي كانت كبيرة محظيات هذا الإله قد تبنت شقيقة بعنخي. ولما توفي تفنخت تبعه ولده "بخورس" في الحكم في سايس، وقد رأى
следующие страницы →