التي تمتد من الوجه البحري إلى الأشمونين تتقاتل فيما بينها بصورة تشبه إلى حد كبير ما كان يحدث في عصور ما قبل الأسرات، وقد وصلنا نحو ثمانية عشر اسمًا لأمراء من هؤلاء المتنازعين، وفي خضم هذه الاضطرابات التي كانت تعاني منها البلاد والتي جعلت من ملكها أشبه بحاكم على إقليم العاصمة "بوبسطة" ولا يتعدى نفوذه كثيرًا حدود هذا الإقليم, كانت إسرائيل في صراع مع دولة أشور؛ فلم تتمكن مصر من تقديم المساعدة لها، بل كانت مصر بالنسبة لظروفها الخاصة تعد فريسة سهلة لكل من يطمع فيها من جيرانها, ولكن لم يغامر أحد بالإغارة عليها في ذلك الوقت، واستمر بعض خلفاء "أسركون الثالث" يحكمون فترة وجيزة إلى أن ظهر أمير قوي في "سايس" "في غرب الدلتا" هو "تفنخت" الذي حاول أن يخضع كل أمراء الدلتا لسلطانه. وفي نفس الوقت كانت أسرة حاكمة قد تكونت في نباتا, واستطاعت أن تبسط سلطانها على كل السودان الشمالي وبلاد النوبة ومصر العليا حتى طيبة.
وأول من سمعنا عنه من ملوك هذه الأسرة النبتاوية في النصوص المصرية هو "كاشتا" ثم تلاه "بمنخى" الذي أخضع البلاد كلها لسلطانه؛ ولذا يعتبره بعض المؤرخين مؤسس الأسرة الخامسة والعشرين، كما يطلق فريق من المؤرخين على هؤلاء النبتاويين اسم "الأسرة الأثيوبية"؛ لكن نظرًا لاختلاف مدلولات أثيوبيا والنوبة باختلاف العصور، وعدم دلالة أيهما على كل الأجزاء التي ارتبطت بمصر أيام الفراعنة، ولعدم تأكدنا من أصل هذه الأسرة حتى الآن؛ فإننا نفضل الإشارة إلى هذه بالاسم المشتق من اسم عاصمتها نبتة أو نباتا أي: "الأسرة النبتاوية".
الأسرتان الرابعة والعشرون والخامسة والعشرون:
ما زال المؤرخون يختلفون في أصل الأسرة النباتية, وما زلنا نجهل كيف استطاع أحد ملوك هذه الأسرة وهو "كاشتا" أن يفرض سلطانه على مصر العليا
стр. 247
حتى طيبة، وبذلك أصبح يحكم مملكة تمتد -على الأقل- من الشلال الرابع جنوبًا إلى طيبة شمالًا أي: إنه يحكم في إقليم النوبة الغنية فضلًا عما كانت مملكته تنعم به من وحدة متماسكة، على عكس الحال في مصر التي فقدت أملاكها في آسيا كما تنازع فيها الأمراء ورجال الدين على السلطة؛ إذ وجدوا في ضعف الملوك خير مشجع لهم على التمادي في محاولة الاستئثار بها، وقد تطورت الأمور بعد ذلك سريعًا في مصر لأن "تفنخت" أخذ يمد نفوذه على بقية الأمراء في الدلتا محاولًا أن يعيد الوحدة إلى البلاد؛ فبعد أن قهر أمراء غرب الدلتا سار جنوبًا حيث استولى على شمال الوجه القبلي ثم عاد فبسط نفوذه على شرق الدلتا ووسطها أي أنه أصبح ملكًا بالفعل على الوجه البحري وشمال الوجه القبلي إلى بني حسن ولم تقاومه إلا إهناسيا عاصمة إقليم الأشمونين، وفي تلك الأثناء كان "بعنخي" قد تولى الملك في النوبة بعد "كاشتا"، ولم يهتم بادئ الأمر لنجاح تفنخت في بسط نفوذه على بقية أمراء الدلتا؛ ولكنه شعر بالخطر الذي يهدد نفوذه عندما عاد تفنخت إلى التقدم في الصعيد وانزعج حينما علم بأن "نمرود" أمير الأشمونيين استسلم له في النهاية بل وانضم إليه أيضًا، وعلى ذلك أمر بعنخي قواته بالتقدم شمالًا نحو تفنخت لوقف تقدمه إلى الجنوب، ومن المحتمل أن القوات النبتاوية لم تصادف نجاحًا كبيرًا في أول الأمر فاضطر بعنخي أن يتقدم بنفسه نحو الشمال، وما أن وصل إلى طيبة حتى استراح بها وقدم الهدايا لآمون, ثم واصل سيره شمالًا مخضعًا كل الأقاليم التي كانت في طريقه إلى أن وصل الأشمونين حيث دارت معركة بين أسطوله وبين الأسطول المصري هزم فيها هذا الأخير، وفر تفنخت شمالًا ليعيد تنظيم قواته ويقوي من تحصيناته.
أما نمرود فقد تحصن في الأشمونين ودافع عنها, ولكنه -إزاء حصار بعنخي- أجبر على التسليم وأرسل زوجته للتوسط له عند حريم بعنخي،
стр. 248
جدول يبين معاصرة الأسرات ٢٥,٢٣,٢٢ بعضها البعض
стр. 249
وقد استولى بعنخي على كثير من نفائس المدينة ثم تقدم شمالًا نحو منف التي احتمى بها تفنخت، وفي أثناء حصار بعنخي لها فر تفنخت قبل أن تسقط في يده، وما أن استولى عليها حتى ذهب إلى معبد عين شمس حيث اعترف به ملكًا على مصر، وهنا وفد عليه "أوسركون الثالث" الذي كان يحكم في بوبسطة وقدم له الخضوع والولاء، وبعدئذٍ توجه يعنخي إلى "أتريب"؛ حيث أقبل عليه أمراء الدلتا معلنين ولاءهم كذلك، وفي تلك الأثناء كانت تفنخت قد وصل في فراره إلى بلدة صغيرة مجهولة تعرف باسم "مسد"؛ فأرسل بعنخي قوة فتكت بحاميتها واضطر تفنخت أن يلجأ إلى جزيرة صغيرة في شمال الدلتا تحيط بها المستنقعات, ومن هناك أرسل الهدايا إلى بعنخي راجيًا منه أن يرسل من قبله رسولًا إلى معبد مجاور كي يقسم أمامه يمين الطاعة والولاء له، وقد تم ذلك فعلًا، وعندئذ قدم بقية الأمراء ولاءهم له أيضًا؛ فأصبح بعنخي حاكم مصر المطلق، أي: إن ملكه امتد من نباتا "أو أبعد منها قليلًا إلى الجنوب" إلى أقصى شمال الدلتا، ومعنى هذا أنه كان يحكم مملكة لا تقل عن الإمبراطورية المصرية في أوج عظمتها باستثناء الأجزاء الشمالية الشرقية في سورية وفلسطين.
وٍيدهشنا أن بعنخي لم يستمر طويلًا في مصر؛ بل عاد مسرعًا إلى نباتا وما زلنا نجهل الأسباب التي دعته إلى ذلك؛ إذ إن عودته السريعة جعلت بعض المؤرخين يشبهون حملته بمغامرة ليس لها غد إذ لم تكن ذات نتائج حاسمة، ومما هو جدير بالذكر أيضًا أن الفترة التي غزا فيها بعنخي مصر هي الفترة الوحيدة التي أمسك فيها تفنخت عن ادعاء حكم مصر؛ حيث يبدو أنه ما أن رجع بعنخي إلى عاصمة ملكه في النوبة إلا وعاد نفنخت إلى ادعاء حكمه لمصر بأكملها، وإن كنا نرجح أن ملكه لم يكن ليتجاوز "منف" جنوبًا؛ بل وكانت بقايا الأسرة الثالثة والعشرين تحكم في بوبسطة في نفس الوقت أيضًا، ويبين الجدول بالصفحة التالية كيف حكم مصر ملوك يمثلون أسرات مختلفة في نفس العصر.
стр. 250
فإذا اعتبرنا أن ملوك نباتا هم ملوك الأسرة الخامسة والعشرين في مصر؛ فإننا في هذه الفترة نجد مثالًا آخر لمعاصرة بعض الأسرات المصرية١ للبعض الآخر؛ فبينما تحكم الأسرة الثالثة والعشرون في بوبسطة يسيطر ملوك الأسرة الخامسة والعشرين على مصر بالفعل أو على الأقل يتحكمون في الصعيد ويسيطر تفنخت الذي يعتبر مؤسسًا للأسرة الرابعة والعشرين على معظم الدلتا وكانت عاصمته سايس؛ هذا وقد ظلت نبتة تسيطر على الصعيد حتى بعد أن عاد تفنخت إلى اتخاذ الألقاب الملكية وربما كان السبب في خروج أمراء الوجه البحري على نفوذ نبتة يرجع إلى أنهم كانوا أقرب إلى الاتفاق مع تفنخت من أمراء الصعيد، وفي نفس الوقت كان نفوذ "كبيرة محظيات آمون في طيبة"٢ عاملًا أساسيًّا في نفوذ مملكة نباتا في الصعيد؛ لأننا نعرف أن ابنة أسركون الثالث التي كانت كبيرة محظيات هذا الإله قد تبنت شقيقة بعنخي.
ولما توفي تفنخت تبعه ولده "بخورس" في الحكم في سايس، وقد رأى
стр. 251
هذا الأخير أن نفوذ أشور قد ازداد إلى درجة كبيرة؛ فلم يجد بدًّا من إرسال هدية إلى "سرجون الثاني" ملك أشور "٧٢١-٧٠٥ ق. م"، وربما كان بخورس يرمي من وراء ذلك إلى توطيد علاقاته مع ملك أشور أو أنه كان يهدف إلى اكتساب عطفه إذا ما أراد أن يعارض نفوذ نباتا، وقد اعتبر سرجون الثاني هذه الهدية بمثابة الجزية وادعى خضوع مصر لسلطانه.
стр. 252
الصراع الأشوري النبتاوي على مصر:
كان لما وصلت إليه مصر من ضعف ولوجود قوتين عظيمتين في أشور ونبتة واتساع ملكهما وزيادة أطماعهما أكبر الأثر على الحالة الدولية؛ إذ كان لا بد لهاتين القوتين من أن تصطدم إحداهما بالأخرى، وقد تعود ملوك مصر منذ بداية الأسرة الثالثة والعشرين على إرسال الهدايا إلى ملوك أشور حتى يصرفوهم عن غزو مصر، ولا نكاد نعلم شيئًا عن الحالة في نبتة بعد عودة بعنخي سوى أنه توفي بعد نحو عشرة أعوام "حوالي سنة٧٣٠ ق. م" وتبعه "شبكا" على العرش.
وقد بسط شبكا سلطانه على مصر ونقل عاصمته إلى الدلتا؛ ولكننا لا ندري هل تم له ذلك عن طريق الاستيلاء على مصر عنوة أم أنه وفق إلى فرض سلطانه عليها دون حاجة إلى جهد عسكري؟ وما ينسب مانيثون إلى هذا الملك أنه أحرق بخورس حيًّا كما يعتبره مؤسس الأسرة الخامسة والعشرين، كذلك يذكر بعض المؤرخين أنه لم يحكم في النوبة؛ وإنما حكم في مصر فقط. وبما أن بعنخي أخضع البلاد كلها لسلطانه بل وكان كاشتا يحكم الصعيد من قبل؛ فإنه لا يمكن اعتبار شبكا مؤسسًا للأسرة الخامسة والعشرين؛ وخاصة أنه ثبت بالدليل القاطع أن شبكا حكم مملكة مترامية الأطراف, كانت تمتد جنوبًا إلى ما وراء الشلال الرابع, كما كانت الواحات تخضع له أيضًا١.
стр. 253
ولما وقفت القوتان "أشور ونباتا" وجهًا لوجه بدأ ملوك نبتة سياسة جس النبض، بل ومن المرجح أنهم أرادوا أن تكون علاقتهم بآشور ودية بدليل وجود أختام من الصلصال في أرشيف نينوى تحمل اسمي شبكا وسرجون الثاني جنبًا إلى جنب، كذلك وجد ختم لشبكا في كيونجك يحتمل أنه كان ختمًا لرسالة أرسلت منه إلى الملك الأشوري؛ فلما أرسل الأخير رده إلى شبكا اعتبره هذا دليلًا على خضوع الملك الأشوري له؛ إذ إننا نجد أحد نقوش شبكا يمثله وهو يخضع الشعوب الآسيوية والإفريقية بالطريقة التقليدية المعروفة في مصر الفرعونية.
وحينما أخضع سرجون الثاني سماريا ونقل أهل إسرائيل إلى بلاد النهرين لم يبق من فاصل بين أشور ومصر "منطقة نفوذ نبتة" إلا مملكة يهودا الصغيرة التي كانت تتأرجح بين الخضوع للملك الأشوري أو لملك مصر، ثم ما لبثت كل الممالك الصغيرة في فلسطين ومن بينها يهودا أن خضعت لأشور. وقد ذاقت هذه الممالك الأمرين من حكمها؛ فثارت ضدها وبعدئذٍ لم يكن هناك بد من غزو الأشوريين مصر؛ لأن شبكا كان يثير قواتها المتحالفة ويشجعها؛ إلا أن سرجون استطاع أن يقضي على تلك القوات وأن يوطد مركزه في هذه الإمارات.
وبعد أن حكم شبكا اثني عشر عامًا مات وتبعه في الحكم "شبتكو" الذي لم يحكم إلا فترة وجيزة, حدث خلالها أن توفي سرجون الثاني هو الآخر وتولى بعده "سنخريب" الذي ضاق ذرعًا بمؤامرات مصر وثورات الدويلات الصغيرة في غرب آسيا، فحاصر أورشليم إلى أن أخضعها واضطر ملكها "حزقيا" إلى دفع ضريبة ضخمة كان من جرائها أن جردت المعابد من كنوزها ونفائسها, وبعدئذ عاد الأشوريون إلى بلادهم؛ حيث يبدو أن وباء انتشر في صفوف جيشهم، كما أن الأحوال الداخلية في بلادهم لم تكن لتشجع على التقدم إلى مصر. ويشير الكتاب المقدس إلى ذلك فيذكر أن الأشوريين رجعوا من فلسطين
стр. 254
"نتيجة لوصول طهرقة, ولوصول ملاك الرب"١.
ولا يعرف إلا القليل عن حكم شبتكو؛ إلا أنه في الغالب لم يهتم بالشئون الخارجية أو على الأرجح لم يجد في نفسه القدرة على المغامرة فيها فكرس جهوده للبناء، وقد ذكر مانيثون أن "طهرقة" قتل شبتكو واعتلى العرش من بعده واتخذ تانيس عاصمة له, ولكن هذه الرواية لا يمكن مقابلتها إلا بالشك٢.
وكان طهرقة قائد الجيش منذ عهد شبكا, وما أن اعتلى العرش حتى أخذ ينظم المقاومة ضد الأشوريين؛ ولكنه أهمل في السياسة الداخلية بل ولم ينجح في سياسته الخارجية أيضًا؛ لأنه لم يقدر الظروف حق قدرها؛ إذ إنه لم يقم بأي جهد في سبيل تنظيم الإدارة الداخلية التي ساءت إلى أبعد حد, كما أنه لم يستعد الاستعداد الحربي الكافي لمواجهة خطر أشور بالرغم من أنه كان يدبر المؤامرات ضدها, ويتعاون مع الولاة الذين كانوا يناوئونها وخاصة أمراء صور وصيدا.
ويبدو أن نهاية سنخريب لم تكن سارة؛ إذ اغتاله أحد أبنائه٣ وتولى بعده "أسرحدون" الذي أخضع الولايات التي ناوأته بمنتهى العنف، فما أن امتنع والي صيدا عن دفع الجزية حتى دفع حياته ثمنًا لذلك، وحينما أصغى ملك صور إلى رسالة طهرقة التي كانت تدعوه لمناوأة أشور, وجه أسرحدون
стр. 255
ضرباته للقوتين معًا فحاصر صور وأرسل في نفس الوقت حملة إلى طهرقة في مصر؛ لكن حصار صور استمر خمسة أعوام واضطر الجيش الذي أرسله إلى مصر أن يتقهقر؛ مما أحنق أسرحدون وأثار غضبه على طهرقة، فتقدم بجيشه نحو مصر وهزم النبتاويين عند الحدود المصرية، وحينما تراجع طهرقة إلى منف تبعه الأشوريون واستولوا عليها وخربوها ولكن طهرقة فَرَّ إلى الجنوب. أما أمراء الدلتا فقد قدموا ولاءهم لآشور وأبقاهم أسرحدون في مناصبهم كولاة من قبل الآشوريين، وما إن ترك أسرحدون مصر عائدًا إلى بلاده حتى رجع طهرقة إلى الدلتا بجيش آخر جمعه من مصر العليا ومن السودان, واحتل منف ثانية وقام ببعض الإصلاحات فيها, كما استأنف علاقاته مع ملك صور.
وإذا ما نظرنا إلى حالة الدلتا في ذلك الوقت نجد أن معظم أمرائها كانوا موالين لملوك نبتة الذين كانوا ينتمون إلى أصل مماثل لأصلهم بينما كان الأشوريون يمثلون عنصرًا آخر، ولم يكن المصريون ليرتاحوا كثيرًا إلى العناصر الآسيوية وخاصة إذا دخلت هذه العناصر إلى البلاد غازية أو ذات نفوذ، ومع هذا فلا شك في أن بعض الأمراء كانوا يترددون بين الولاء لملوك نباتا والخضوع لأمراء أشور, ومن المؤكد أن طهرقة لم يعد إلى الدلتا إلا بعد أن وجد تشجيعًا من معظم أمرائها؛ حيث كتب له هؤلاء على أثر عودة أسرحدون إلى بلاده يطلبون إليه القدوم إلى مصر, واقتسام السلطة فيما بينهم١.
وقد علم الأشوريون بأمر هذه الرسائل وكان أسرحدون يستعد لإعادة فتح مصر ولكنه توفي وتبعه "أشور بانيبال" وقد تقدم هذا الأخير على رأس جيش كبير وأعاد فتح مصر؛ ففر طهرقة إلى منف ومنها إلى طيبة إلا أن جيش آشور تبعه إليها وخربها, ففر طهرقة إلى نباتا؛ بينما قبض على المتآمرين من أمراء
стр. 256
الدلتا وأرسلوا إلى نينوى لمحاكمتهم، وكان من بين هؤلاء "نكاو" أمير صالحجر الذي -بدلًا من معاقبته- أعيد إلى وظيفته مكرمًا كما عين ولده "بسماتيك"١ أميرًا في أتريب, ولا ندري سببًا لذلك كما لا ندري كيف استطاع "منتوام حات" أمير طيبة ورئيس كهنتها أن يقنع الأشوريين بالرجوع عن طيبة بعد تدمير طفيف لها؟ ومع أن طهرقة فر إلى نباتا وبقي بها حتى وفاته؛ إلا أنه ظل يتمتع بسلطة اسمية على مصر؛ حيث اعترف به كملك في طيبة إلى ما بعد هذه الغزوة الآشورية، ورغم كثرة حروبه فإن ما خلفه من آثار يجعلنا نعتقد أنه كان من أكثر ملوك نبتة ثراءً.
ولما توفي طهرقة تبعه في الحكم "تانويت أماني" الذي ادعى في لوحة له تعرف باسم لوحة الرؤيا بأن الإله آمون جاءه في المنام وأمره بالتقدم إلى مصر والاستيلاء عليها، ومع أنه يشير إلى ترحاب المصريين به؛ إلا أننا نفهم من بين سطور هذه اللوحة أن الظروف لم تكن مواتية له تمامًا، كذلك لم يستمر في مصر طويلًا؛ لأن آشور بانيبال عاد إليها ثانية وأخضعها من جديد ودمر طيبة للمرة الثانية, ففر تانويت أماني إلى نباتا، ومنذ ذلك الحين لم تشاهد مصر بعد ذلك أحدًا من ملوك النوبة كما أن الأشوريين رجعوا إلى نينوى، ولم تبق مملكتهم بعد ذلك طويلًا بل تحطمت عاصمتها نينوى بعد غزوة أشور بانيبال الأخيرة بنحو خمسين عامًا.
ومهما كان من أمر الأحداث التي مرت بمصر بعد الغزوة المشار إليها؛ فإن السلطة الفعلية فيها كانت في يد "بسماتيك" الذي أشرنا إلى تعيينه أميرًا لأتريب؛ فقد تولى إمارة سايس بعد والده، ويبدو أنه أعلن نفسه ملكًا
стр. 257
على البلاد على أثر عودة أشور بانيبال من حملته الأولى١, أي: قبل غزوة أشور الثانية لطيبة, وفي نفس الوقت كانت سلطة تانويت أماني معترفًا بها في مصر العليا لمدة تزيد على ستة أعوام بعد فراره من مصر٢, ومن الغريب أننا لا نجد نصًا واحدًا من النصوص المصرية يشير إلى خروج الأشوريين من مصر؛ وعلى ذلك لم يستطع المؤرخون أن يجدوا سببًا مباشرًا لتركهم للبلاد.
ويعد عصر بسماتيك بداية عهد جديد؛ فقد استطاع أن يؤسس أسرة جديدة, هي الأسرة السادسة والعشرون, ولا نعلم كيف تخلص من النفوذ الأشوري؟ وكيف زال النفوذ الاسمي لملوك نبتة نهائيًا من طيبة؟.
стр. 258
عصر النهضة المؤقتة
الأسرة السادسة والعشرون
...
٧- عصر النهضة المؤقتة في مصر:
الأسرة السادسة والعشرون:
تمتعت مصر خلال عهد الأسرة السادسة والعشرين بشيء من الرخاء والنهوض كانت قد حرمت منهما منذ وقت طويل، كما أنها بدأت عهدًا جديدًا في علاقاتها الخارجية وإن كانت هذه العلاقات قد سلكت اتجاهًا مغايرًا لما اعتادته مصر من قبل؛ حيث أخذت تستعين بالمرتزقة اليونانيين، وبدأت توطد علاقاتها مع جزر البحر المتوسط، ومن المحتمل أن بسماتيك الأول طلب المعونة من ملك ليديا لتدعيم سلطانه؛ فأرسل هذا جنودًا من الأيونيين والكاريين. وهكذا نجد أن بسماتيك يقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه الرعامسة مع فارق بسيط هو أن المرتزقة في عهد الرعامسة كانوا من عناصر ليبية ونوبية ومن شعوب البحر؛ بينما كانت العناصر
стр. 259
الإغريقية وعناصر جزر البحر المتوسط تمثل الغالبية في عهد بسماتيك، ومن ثم بدأ النفوذ اليوناني يدخل إلى مصر وتأثرت الثقافة المصرية بتأثيرات يونانية مختلفة، وقد عمل المصريون من جانبهم على تيسير إقامة اليونانيين في بلادهم فبنوا لهم بعض المدن الخاصة, وشيدوا لهم مستعمرات أقاموا فيها وتزايد عددهم حتى دب الحسد في نفوس الجنود الآخرين من مصريين وليبيين وغيرهم، وفر بعضهم إلى النوبة؛ لأن هؤلاء لم ينظروا بعين الارتياح لتشجيع بسماتيك للمرتزقة اليونانيين، وقد أطلق هيرودوت على هؤلاء الفارين اسم "أسماخ"١؛ ولكن وجود المرتزقة اليونانيين في أعداد كبيرة كان من جهة أخرى سببًا في إنعاش الأحوال الاقتصادية نوعًا ما؛ لأن بسماتيك وجد أنه لا بد من الإنفاق على هذا الجيش الكبير؛ فشجع التجارة مع الدول المجاورة وفي نفس الوقت فرض الضرائب على البضائع الواردة إلى مصر ونظم الإدارة وعاد بها إلى التقاليد القديمة؛ حيث أخذ المصريون في ذلك الوقت يشعرون بأن عظمة مصر في عهد الدولة القديمة كانت أعلى ما وصلت إليه في تاريخها؛ ولذلك اصطبغ عهد الأسرة السادسة والعشرين بصبغة الدولة القديمة في كل شيء, وعاد الناس إلى أسلوب الكتابة القديمة وإلى المعبودات القديمة والفنون القديمة مع شيء بسيط من التحرر, وربما كان هذا من الأسباب التي تحبذ إطلاق اسم عصر النهضة على هذه الفترة من تاريخ مصر القديم.
وتتميز هذه الفترة من تاريخ مصر أيضًا بنهج جديد في السياسة المصرية؛ إذ إن مصر -مع تركيز اهتمامها في علاقاتها الخارجية بالأقطار الشمالية- كانت أكثر ارتباطًا باليونان منها بأي قطر آخر، وفي نفس الوقت لم تحاول مملكة نباتا من جانبها أن تعيد علاقاتها بمصر؛ بل اتجهت بدورها إلى الأقطار التي تقع
стр. 260
إلى الجنوب منها حيث وجدت أن لا فائدة ترجى لها من الاتجاه شمالًا. وهكذا نجد أن الوضع السياسي في مصر أصبح يتركز في الوجه البحري؛ حيث أدى هذا إلى ظهور مدن جديدة، ونظرًا لكثرة وجود اليونانيين في مصر بدأ اهتمام العالم اليوناني بأحوال مصر وحضارتها؛ فإلى ذلك العهد ترجع معظم الكتابات اليونانية عنها, ومنها نتبين أن اليونانيين ذهلوا حينما وجدوا أن أمة أخرى غيرهم لها حضارة لا تقل عن حضارتهم إن لم تكن أرقى منها, واعتبروا المصريين شعبًا غاية في الغرابة, ووصفوا أحوالهم وأطوارهم بكل دقة وإن كانوا قد أخطئوا في تفسير بعض مشاهداتهم عن مظاهر الحضارة المصرية.
وقد وجد بسماتيك أن في مقدوره محاولة إعادة السيطرة المصرية على فلسطين وسورية؛ ولكنه اضطر لوقف أعماله لظهور السيثيين١ على المسرح الدولي؛ إذ استطاع هؤلاء الزحف على أشور وأصبح خطرهم يتهدد مصر؛ ولكن بسماتيك تمكن من إرجاعهم عنها ولا نعرف كيف تم له ذلك؟ وهل لجأ إلى رشوتهم أم أنه استطاع التغلب عليهم؟ هذا وقد حكم بسماتيك حوالي أربعة وخمسين عامًا عادت البلاد أثناءها إلى حالة من النهوض والرخاء, لم تشهدها منذ أيام رعمسيس الثاني وتولى بعده ولده "نكاو".
وفي تلك الأثناء وصلت أشور إلى منتهى الضعف وكانت سورية وفلسطين أضعف من أن تقفا أمام أي غزو أجنبي, وعلى ذلك تقدم نكاو نحوهما للاستيلاء عليهما، ولما تأهب اليهود لمقاومته أسرع بإخضاعهم كما أخضع سورية, وتقدم إلى الفرات خشية أن تسترد آشور ملكها مفضلًا أن يبدأ بمهاجمتها، ولما لم يجدها مستعدة لذلك عاد إلى مصر مفضلًا عدم الاستيلاء على نينوى، وقد نسب نكاو
стр. 261
نصره إلى الجنود الميليزيين وهذه هي المرة الأولى التي ينسب فيها الفرعون نصره لغير الإله، ومع أنه كون إمبراطورية على إثر الحملة التي قام بها إلا أن هذه كانت مؤقتة ولم تدم طويلًا؛ لأن الأحداث في غربي آسيا تطورت سريعًا؛ فلم تكد تمضي سنتان حتى اتحد ملك ميديا مع ملك بابل, واستطاعا معًا أن يحطما أشور وأن يقتسما ملكها، وقد وقعت سورية ضمن نصيب بابل, وبذلك أصبحت بابل خطرًا جديدًا يتهدد مصر.
ولما تولى "نبوخذ نصر" -الذي كان وليًّا للعهد في مملكة بابل الجديدة "أي: الإمبراطورية الكلدانية"- قيادة جيوشها ذهب نكاو لملاقاته؛ ولكن نبوخذ نصر انتصر عليه وتعقبه بعض الوقت؛ غير أنه رجع إلى بابل بعد أن اتفق مع نكاو؛ لأن والده كان توفي في ذلك الوقت.
ولم تطمع مصر بعد ذلك في آسيا؛ حتى إنها لم تتدخل حينما حاصرت بابل بيت المقدس, واكتفى نكاو بترقية التجارة وتشجيع الملاحة وقد أمر بعثة فينيقية بالدوران حول إفريقيا فأتمت ذلك في ثلاث سنوات "وربما كانت هذه أول رحلة من نوعها في التاريخ" كما أمر بشق القناة التي تربط بين النيل والبحر الأحمر؛ ولكنه تخلى عن إتمامها لوفاة عدد كبير من العمال؛ ولأن الكهنة تنبئوا بأن فائدتها سوف لا تعود إلا على الأجانب.
ولما توفي تبعه "بسماتيك الثاني" الذي ذهب إلى ببلوس لزيارة معبد آمون هناك وربما كان ينوي الاحتكاك مع بابل, ولكنه اضطر للعودة إلى مصر لعلمه بوجود تكتلات في جنوبها؛ ولذا أرسل حملة إلى الجنوب توغلت إلى الشلال الخامس والسادس١، وقد ظلت علاقة بسماتيك طيبة مع اليونانيين وزاد
стр. 262
من تشجيعهم واستعان بهم في تكوين أسطول ضخم.
وعندما توفي بسماتيك الثاني تبعه "أبريس" على العرش، وقد استغل هذا الأخير الأسطول الذي كونه سلفه في غزو فينيقيا ونجح في ذلك بسبب انشغال نبوخذ نصر في حروبه مع ميديا وانسلاخ بعض المدن السورية والفلسطينية عن حكمه وثورة بعض المدن الأخرى عليه, وفي أثناء ذلك هاجر كثير من اليهود إلى مصر وكونوا بها جاليات كبيرة، وهكذا نجد أن القلاقل عادت من جديد إلى شرق البحر المتوسط، ووجد أبريس الفرصة؛ فتقدم بجيشه شمالًا واستولى على صيدا؛ ولكن هذه قاومت طويلًا, ولم ينجح أبريس في الاستيلاء على جنوب فلسطين, وأقبلت الجيوش الآسيوية لطرده, فاتجه بأسطوله نحو قبرص واستولى عليها، ومع أن بعض قوى غربي آسيا تحالفت مع مصر ضد نبوخذ نصر إلا أن هذا الأخير هزم هذا التحالف الذي تكون ضده في ربلة وحاصر أورشليم, وبعد عام أسر ملكها صدقيا وقتل أولاده ونهب المعبد وحرق المدينة، ومع ذلك لم تدم مملكة بابل فقد تمزقت بعد موت نبوخذ نصر.
ولم تكن الحالة سيئة في منطقة غرب آسيا وحدها؛ وإنما ساءت الحالة كذلك في مصر؛ حيث حدثت ثورة في صفوف الجيش في عهد أبريس فرت بعض الوحدات على إثرها إلى النوبة؛ ولكن حاكم الشلال استطاع أن يعيد بعض أفرادها، كما حدث عصيان آخر في صفوف الجيش أيضًا؛ لأن أبريس أرسل قوة معظم أفرادها من المصريين إلى قرطاجة, وقد منيت هذه القوة بالهزيمة وبخسائر فادحة؛ فاعتقد هؤلاء أن الملك أرسلهم إلى هناك للتخلص منهم محاباة منه لليونانيين الذين لم يشركهم في هذه الحرب، وحينما ثاروا ضده أرسل أحد أقربائه ويدعى "أمازيس" لتهدئتهم, ولكن هذا الأخير استمال إليه الجنود العاصون فنصبوه ملكًا عليهم مما أحنق أبريس عليه ودارت الحرب بينهما, ولكن النصر كان حليف أمازيس، ورغم ذلك أشركه في الحكم إلا أن أبريس ما لبث أن ثار فقتله أمازيس وانفرد بالحكم.
стр. 263
وظل أمازيس على تشجيع اليونانيين؛ بينما تظاهر بإيقاظ الشعور الوطني، وقد تغالى في تشجيع اليونانيين ومنحهم كثيرًا من الامتيازات, بل وتبرع للمعابد في اليونان نفسها وأهدى لبعض حكامها الهدايا، ومع أن مظاهر النهضة كانت واضحة في عهده؛ إلا أن زيادة عدد الجيش وقوة الأسطول تطلبت كثيرًا من النفقات التي اضطرته إلى الاستيلاء على بعض دخل المعابد فأفادت من ذلك السلطة المركزية بطريق غير مباشر؛ لأنه أضعف نفوذ الكهنة, ومع أنه تمكن من بسط نفوذه على بعض سواحل البحر المتوسط؛ فإنه لم يكن أكبر قوة في الشرق واستمر خطر بابل يتهدده، كما ظهرت قوة جديدة هي مملكة فارس التي تحركت جيوشها وعبرت الفرات لتهاجم ليديا في غربي آسيا الصغرى, وكانت مصر وبابل وإسبرطة قد وعدت بمساعدة هذه المملكة, ولكن مصر كانت هي الوحيدة التي احترمت كلمتها، وبعد أن هزم الفرس مملكة ليديا أخضعوا كلًّا من سورية وفينيقيا أيضًا ولم يبق أمامهم سوى بابل ومصر، وما لبثت بابل أن هزمت وسقطت عاصمتها نينوى على يد كورش ملك الفرس, وبذلك ازداد الخطر على مصر؛ حيث أصبحت وحدها أمام قوة الفرس الهائلة.
стр. 264
عهد الفوضي الأخير
الأسرات السابعة والعشرون إلى الحادية والثلاثون
...
٨- عهد الفوضى الأخير: "سيادة الفرس وحكمهم في مصر":
الأسرات السابعة والعشرون إلى الحادية والثلاثون:
توفي أمازيس فتبعه "بسماتيك الثالث" على عرش مصر, كما توفي "كورش" وتبعه "قمبيز" على عرش فارس، ولما أراد هذا الأخير الاستيلاء على مصر خان أحد القواد اليونانيين بسماتيك الثالث وأرشد الفرس بنفسه إلى الطريق المؤدية إليها, وبذلك تمكنوا من الاستيلاء على الفرما ووصلوا إلى منف,
стр. 265
وفي تلك الأثناء أقبل رسل من الإغريق الذين يعيشون في ليبيا وأحضروا معهم الهدايا إلى قمبيز، ولما تم لهذا الأخير الاستيلاء على مصر عامل بسماتيك معاملة حسنة في أول الأمر؛ ولكن هذا الأخير حاول إثارة المصريين ضد قمبيز؛ فاشتط هذا في معاملته حتى أدى به إلى الانتحار، وقد غزا قمبيز مصر العليا وأرسل حملة إلى النوبة, ويقال: إنه جن في آخر أيامه بسبب فشل حملته على النوبة.
ويعد قمبيز مؤسس الأسرة السابعة والعشرين في مصر، ومع أنه تمكن من إقامة إمبراطورية واسعة؛ إلا أن الأحوال ساءت في فارس نفسها بعد وفاته؛ إذ حدثت ثورة في سورية وكاد خليفته "دارا" -الذي تولى العرش في فارس من بعده- أن يفقد ملكه؛ ولكنه استطاع أن يثبته بعد أن خاض تسع عشرة معركة, وأسر تسعة من الأمراء, ووصل إلى مصر حوالي سنة ٥١٧ ق. م.، وحينما قامت ثورة ليبية ولم ينجح الوالي الفارسي في إخمادها قتله دارا, ومع ظاهر هذه القسوة؛ إلا أنه كان معروفًا بالعدل وقد احترم ديانة المصريين وشجع التجارة؛ إذ المعروف أنه كان يهودي عصره, تاجر في كل شيء ومع كل الأقطار، وقد نجح في حفر قناة وادي الطميلات التي تربط بين النيل والبحر الأحمر١ ولكن سلطانه أخذ يضعف في فارس, فانصرف عن شئون مصر وخاصة بعد أن هزمه اليونانيون في معركة ماراثون حيث ركز كل اهتمامه في الانتقام من الأثينيين حتى إنه كلف شخصًا ليذكره بذلك كل صباح بقوله: "مولاي لا تنسَ الأثينيين" وبعد تلك المعركة بأربع سنوات حدثت ثورة في مصر بقيادة "خباش"٢ الذي احتل منف وسايس؛ فبدأ دارا يعد العدة للانتقام من مصر واليونان
стр. 266
على السواء؛ ولكنه مات وتبعه "أكزركسيس" الذي استطاع القضاء على ثورة خباش وعين أخاه واليًا على مصر، وقد تغالى هذا الوالي في قسوته وشدته حتى أذل المصريين.
ولم يحكم أكزركسيس طويلًا؛ حيث اغتِيلَ بعد فترة وجيزة وتولى بعده "أرتكزركسيس" الذي وجد إمبراطورية واسعة أرهقتها كثرة الحروب والثورات في مختلف الميادين, ومن بينها ثورة قامت في مصر بقيادة "إناروس" الليبي الذي كان في مريوط, و"أميرتايوس" الذي كان مركزه سايس؛ فلما التقى إناروس بالوالي الفارسي كانت الحرب سجالًا بينهما وتراجع الوالي إلى برقة، وطلب كل من الفريقين المدد واتجه إناروس في ذلك إلى أثينا, ولكن النجدة التي أرسلها أرتكزركسيس إلى واليه وصلت قبل النجدة التي طلبها إناروس؛ مما كان له أثره في انتصار الفرس وأسر إناروس وأرسل إلى سوسة حيث قتل هناك؛ وبذلك ظل أميرتايوس الزعيم الوطني الوحيد فعاود العصيان محاولًا الاستنجاد بالأثينيين ولكن النجدة لم تصل إليه، وفي نفس الوقت تهادن الفرس واليونان فلم تجد الثورات المصرية تأييدًا من اليونانيين بل اكتفى هؤلاء بإقناع الفرس بتعيين ولدي إناروس وأميرتايوس ولاة على مصر١, وفي هذه الأثناء زار مصر كثير من أعلام اليونان ومن بينهم هيرودوت.
ولما توفي أرتكزركسيس تبعه "دارا الثاني" الذي استبد هو وولاته في حكم البلاد, وحاولوا فرض عقائد الفرس على المصريين؛ فثار هؤلاء ضدهم كما ثاروا على اليهود في اليفانتين٢؛ لأنهم كانوا يعاونون الفرس.
стр. 267
ونجحت الثورة مؤقتًا؛ لأن دارا الثاني توفي وخلفه أرتكزركيس الثاني, ولم يكن حكم هذا الأخير مقبولًا تمامًا في أنحاء الإمبراطورية؛ ولذا هزمت فارس في ميادين مختلفة ونجحت حركة التحرير التي قادها "إمرتي" حفيد "أميرتايوس" السابق١ الذي يعتبر مؤسس الأسرة الثامنة والعشرين والملك الوحيد فيها.
وبعد أن حكم هذا الأخير نحو ستة أعوام قتل على إثر ثورة قام بها "نفريتس" أمير منديس مكونًا أسرة جديدة هي الأسرة التاسعة والعشرون التي لم تستمر طويلًا هي الأخرى؛ لأن الفرس بدءوا يهتمون بمصر من جديد، وقد حاول نفريتس جهده أن يتلافى خطرهم فتودد إلى الإغريق للاستعانة بهم عند الحاجة, وتحالف مع الإسبرطيين؛ حيث أرسل إليهم مددًا في حربهم ضد الفرس، وفي نفس الوقت تقدمت القوات المصرية إلى الحدود السورية واحتلت بها بعض المواقع؛ ولكن نظرًا لهزيمة أسطول إسبرطة في حربها ضد أثينا انسحبت قوات إسبرطة من الأقاليم الآسيوية، كذلك اضطرت القوات المصرية إلى التراجع نظرًا لحلول الشتاء.
ويمكن أن يقال: إن الأسرة التاسعة والعشرين بدأت بداية طيبة ولكن سوء الحالة الداخلية ظل على ما هو عليه, ولم يقدر لانتفاضة مصر في عهدها طول البقاء؛ فحينما توفي نفريتس وتبعه "أخورس" على العرش تحالف هذا الأخير مع أمراء ليبيا واليونان وقبرص ضد فارس, ومع أن مصر لم تكن لديها فرصة لتدعيم قواها فإن أخورس أرسل إلى ملك قبرص الذي كان يحارب الفرس مددًا من السفن الحربية والمؤن والمال، واستمر هذا الصراع ثلاثة أعوام؛ ولكنه لم يؤدِّ إلى نتيجة, وبعدئذ رأى قائد الأسطول الفارسي أن يتحالف مع أخورس فاستطاع هذا الأخير أن يتفرغ للإصلاحات الداخلية, ولم تلبث الحال أن تبدلت
стр. 268
في نهاية عهده؛ حيث حدثت ثورة في سمنود بزعامة أميرها "نختنبو" الذي استطاع أن يؤسس الأسرة الثلاثين بعد أن توفي أخورس وخليفته "بساموتس" و"نفريتس الثاني"١.
ولا تذكر النصوص المصرية الكثير عن حكم "نختنبو الأول"؛ ولكن بعض مؤرخي اليونان وخاصة ديودور يسيرون إلى أن نختنبو الأول حارب الفرس وهزمهم، ولكن حروبه هذه لم تكن خارج مصر بل داخل الحدود المصرية, رغم أن نختنبو ذكر في نقوشه التذكارية قائمة ببلدان أجنبية أخضعها؛ غير أن هذه النقوش لا يمكن الأخذ بها؛ وخاصة لأننا نعلم أن الفرس بعد أن هزموا ملك قبرص وجدوا الفرصة سانحة للانتقام من مصر فتقدموا إليها, وعمد نختنبو إلى إقفال مصبات النيل السبعة وحصن كلًّا منها, كما حصن بلوزيوم إلى أقصى حد، ومع ذلك تمكن الفرس من الانتصار على المصريين في الفرع المنديسي؛ ولكنهم أرجئوا الهجوم على منف، وفي هذا الوقت حل الفيضان فساعد المصريين على المقاومة وانتصروا على الفرس الذين تراجعوا إلى بلادهم, وقد أوجد هذا الانتصار حالة من الاستقرار مكنت نختنبو من القيام ببعض الإصلاحات, وأشرك ولده "تيوس" في الحكم.
وحينما اعتلى هذا الأخير على العرش حاول تجديد التحالف مع اليونان؛ فأرسل نقودا إلى ملك إسبرطة وإلى ملك أثينا ليرسلا له جنودًا مرتزقة وتمكن بذلك من تجهيز جيش ضخم يعد أعظم ما عرفته مصر منذ أيام الدولة الحديثة، وسار على رأس جيشه إلى آسيا محرزًا انتصارات ساحقة في سورية حتى ظن أنه سيعيد الإمبراطورية إلى ما كانت عليه في عهد "نكاو", ولكن أخاه الذي تركه في مصر خانه, وألب عليه المصريين وخاصة الكهنة الذين أحنقهم
стр. 269
استيلاء تيوس على أموالهم باستمرار لكي يدفع نفقات جيشه, ثم تمكن هذا الأخ من اغتصاب العرش، ولم يكتفِ بهذا بل استدعى ولده الذي كان يحارب مع عمه؛ فعاد إلى مصر بمعظم الجيش, كما استدعت أثينا قائدها اليوناني "كابريوس" "الذي كان معه" فوجد تيوس نفسه وحيدًا واضطر إلى الفرار إلى صيدا حيث احتمى بملك الفرس.
ولما اعتلى العرش في مصر "نختنبو الثاني" الذي كان يحارب مع عمه تيوس في سورية, لم يلبث طويلًا في الحكم حتى حدثت ثورة في منديس "التي كانت مقرًّا للأسرة التاسعة والعشرين" ولولا مقدرة المرتزقة اليونانيين لضاعت الفرصة من نختنبو الثاني، ومع هذا لم يكد يبدأ تنظيم مملكته حتى تولى عرش فارس "أرتكزركسيس الثالث" الذي أراد الاستيلاء على مصر؛ ولكنه فشل في محاولاته الأولى؛ لأن نختنبو الثاني استعان بمرتزقة من الأثينيين والإسبرطيين، وقد أثر هذا النصر على سلطان أرتكزركسيس وحدثت سلسلة من الثورات في فينيقيا ربما كان يشجعها "نختنبو الثاني" مما أثار أرتكزركسيس وجعله -بعد أن يقضي على الثورات- ينظم هجومًا مخيفًا على مصر من البر والبحر، وتقدم في الدلتا سريعا ووصل أسطوله عبر مصب النيل إلى منف؛ ففر نختنبو إلى مصر العليا حيث احتفظ بملكه هناك عامين.
ولا ندري كيف انتهى عهده ولا كيف بسط الفرس سلطانهم على مصر كلها؟ وإن كان من المرجح أن إتمام فتح مصر كان عن طريق حملة ثانوية متممة للحملة السابقة، وعلى أي حال يعد أرتكزركسيس الثالث أول ملوك الأسرة الحادية والثلاثين.
وحينما توفي هذا الأخير تبعه في الملك "أرسيس" الذي استطاع أن يحكم
стр. 270
مصر بأكملها؛ ولكنه لم يستمر سوى ثلاثة أعوام, ثم تبعه "دارا الثالث" الذي كان تاريخه غامضًا لا يعلم عن تاريخ مصر في عهده شيئًا يستحق الذكر، ولكن من المؤكد أن المصريين كانوا في أشد الاستياء من حكم الفرس, كما نتبين ذلك من بردية كتبت في عهد البطالمة, تعرف باسم أخبار الأيام الديمقوطيقية١.
وقد حدثت ثورة في الدلتا بقيادة أحد أمرائها ويدعى "خباش" أو "خباباش" اعترف به كهنة منف ملكًا، وقد وجد في السرابيوم لوحة مؤرخة بالسنة الثانية من حكمه, كما وجدت باسمه بعض الآثار الأخرى من بينها تمثال الوالي٢ وكلها تشير إلى جهوده في سبيل تحرير البلاد، ومع هذا يمكننا القول: إن تلك الجهود ذهبت عبثًا؛ لأن مصر -بالرغم من أن الإمبراطورية الفارسية كانت في طريقها إلى الزوال- لم تستقل طويلًا؛ فبعد أن هزم "دارا الثالث" في إسوس على يد الإسكندر الأكبر فقدت فارس معظم قوتها ولم تحاول الدفاع عن مصر حينما جاء إليها هذا الأخير غازيًا.
وكان الإسكندر الأكبر لبقًا؛ إذ تظاهر بمظهر المخلص لمصر من نير الفرس؛ لأن المصريين أنفسهم كانوا يتطلعون إلى ذلك؛ حيث إننا نعلم أن مصريًّا يدعى "تفنخت" من مدينة إهناسيا ذهب إلى ملك مقدونيا واستنجد
стр. 271
بالإسكندر بعد أن شاهد معركة إسوس ليخلص بلاده من الفرس، وقد أحسن هذا معاملة المصريين وأكرم آلهتهم وزار المعابد المختلفة واعترف به الكهنة ملكًا بمعبد آمون بسيوة، ومنذ ذلك الحين أصبحت مصر جزءًا من العالم الشرقي الذي تأثر بالنفوذ الإغريقي, وإن ظلت تحتفظ ببعض مظاهر حضارتها القديمة التي استهوت في بعض نواحيها كل من وفد إليها من كتاب اليونان فكتبوا عنها الكثير, وإن كانوا قد شوهوا بعض الحقائق عنها؛ لعجزهم عن إدراك بعض مظاهرها وفهمها فهمًا تامًّا.
стр. 272
الفصل الرابع: بلاد العرب
مدخل
...
الفصل الرابع: بلاد العرب:
تقع بلاد العرب فيما بين خطي عرض ٣٠ْ، ٤٠ْ شمالًا, وخطي طول ٦٠o، ٣٥o شرقًا، وهي أشبه ما تكون بشبه جزيرة تنتهي إليها آسيا في طرفها الغربي. وتبلغ مساحتها نحو ربع مساحة أوروبا أو ثلث مساحة أمريكا الشمالية تقريبًا، وهي أبعد ما تكون عن وحدة التضاريس؛ إذ تشمل وحدات إقليمية تفصلها حدود طبيعية؛ مما جعلها تنقسم في العصور القديمة إلى وحدات سياسية, كان لكل منها كيان مستقل في أغلب الأحوال, ولم تنشأ بها وحدة سياسية شاملة ذات تاريخ مشترك إلا بعد انتشار الإسلام.
وعلى هذا يمكن القول -قياسًا على أن الدولة لا تدخل في عصرها التاريخي إلا بمعرفة الكتابة وتكوين وحدة سياسية شاملة- بأن بلاد العرب -ككل- لم تدخل عصرها التاريخي إلا بعد انتشار الإسلام, ومن جهة أخرى يمكن القول بأن أجزاء منها دخلت في عصرها التاريخي؛ بينما ظلت جهات أخرى منها في عصورها قبل التاريخية.
وربما كان ذلك من الأسباب التي دعت جمهرة الباحثين إلى تقسيم تاريخ بلاد العرب
стр. 273
إلى قسمين شاملين: ما قبل الإسلام أو "العصر الجاهلي" والتاريخ الإسلامي، وبما أن عصر ما قبل الإسلام يمتد إلى العصور الوسطى؛ فإن تاريخ بلاد العرب القديم سواء كان في العصور قبل التاريخية أو في العصور التاريخية لبعض أجزائها يدخل ضمنًا في عصر ما قبل الإسلام حتى يصعب على البعض التفرقة بينهما؛ غير أنني أفضل عدم تجاوز نهاية الفترة التي حددتها مجالًا للدراسة في هذا الكتاب، أي: إننا سنكتفي بالتوقف عند التاريخ الذي يعادل ظهور الإسكندر بقدر الإمكان.
ولا شك في أن قسوة الظروف الطبيعية في شبه الجزيرة قد جعلت منها بيئة غير مرغوب فيها, لا يعرف العالم المتحضر من تاريخها إلا القليل؛ إذ إن هذه الظروف كانت سببًا في عدم نشاط الارتحال إليها, وجعلت القيام ببحوث علمية وأثرية فيها أمرًا يكاد يكون مستحيلًا إلا في بعض مناطق محدودة للغاية، وقد يجيء الوقت الذي يمكن للإنسان فيه أن يستعين بوسائل المدنية الحديثة على البقاء في أقسى جهاتها ظروفًا, وأن يقوم بما يريد من أبحاث تزيد معلوماتنا عنها.
رغم قلة ما توصلنا إليه من معلومات عنها, تدل شواهد الأحوال على أن شبه الجزيرة كانت تنعم بظروف مناخية ملائمة لسكنى الإنسان؛ فهي في هذا تماثل نظيراتها في العالم القديم -أي: الصحراء الليبية وصحراء مصر الشرقية- ولذا يرجح أنها ظلت كذلك إلى نهاية العصور الحجرية على الأقل؛ فقد وجد أحد الأمريكيين في الربع الخالي بقايا نهر واسع هو السهل المنخفض المسمى "أبو بحر" كما وجدت آثار أنهار في جنوبي شبه الجزيرة يستدل عليها من وديانها الجافة الآن، وفي هذه الأماكن وبالقرب منها بقايا حيوانات من تلك التي تعيش في مناخ شبيه بما كان سائدًا في شمال إفريقيا في تلك العصور, كذلك عثر على آثار تدل على أن بعض المدن كانت توجد في مناطق مختلفة من جنوب شبه الجزيرة على الأقل.
стр. 274
العصر قبل التاريخي
مدخل
...
العصر قبل التاريخي:
لم يتمكن البحاثة مع الأسف من الوصول إلى المناطق شديدة الجدب والقيام فيها بأبحاث تنير لنا السبيل عن عصورها القديمة, ولكن بعثات قليلة قامت ببعض الأبحاث في جنوب شبه الجزيرة كشفت عن وجود آلات من الصوان في حضرموت تشبه كثيرًا آلات العصر الحجري القديم في شرق إفريقيا, ومع هذا فإن الاختلافات القليلة التي تبدو في آلات كل من المنطقتين قد أدت إلى اختلاف وجهات النظر بين الباحثين؛ فمنهم من يرى أن التقدم الذي طرأ على الآلات الحجرية في أفريقيا يوحي بأن الحضارة التي أنتجت هذه الآلات نشأت في شبه الجزيرة ثم انتقلت منها إلى أفريقيا؛ بينما يرى البعض الآخر أن آلات شبه الجزيرة لا تكاد تختلف عن آلات شرق إفريقيا في أقدم صورها؛ ولذا فإنهم يذهبون إلى أن شرق أفريقيا كان مهدًا لثقافة مركزية تفرعت منها ثقافات متعددة إلى جهات مختلفة من أفريقيا وآسيا, وأن من المحتمل أن الحضارات الآسيوية بصفة خاصة "ومن بينها حضارات شبه الجزيرة" قد انفصلت عن حضارات شرق إفريقيا بعد فترة, وهؤلاء الباحثون جميعًا يستدلون على نشأة هذه الحضارات في مكان ما "من تلك التي أشرنا إليها" تم انتقالها إلى الأماكن الأخرى بما لاحظوه من عدم استقرار تشابه آلاتها بعد تطورها.
ولا يمكن أن نحدد الزمن الذي استمر فيه استعمال آلات العصر الحجري القديم في شبه الجزيرة, بل ولم يعثر حتى الآن على آثار من العصر الحجري الحديث فيها؛ كذلك لا يمكن في حالة معلوماتنا الراهنة أن نحدد الزمن الذي بدأ فيه العصر التاريخي في شبه الجزيرة، وكل ما يمكن أن يقال في هذا الصدد هو أن أجزاءها المختلفة لم تبدأ عصرها التاريخي في وقت واحد, وأن من المرجح أن الركن الجنوبي الغربي منها "اليمن" وإقليم عمان ومنطقة حضرموت كانت أسبق هذه الأجزاء في الوصول إلى عصورها التاريخية.
стр. 275
ومن المسلم به أن شبه الجزيرة تعد بيئة طرد لا يرغب الإنسان في البقاء بها إذا ما ساءت الظروف -وكثيرًا ما كان يحدث ذلك- فهناك من الأدلة ما يشير إلى خروج عدة هجرات منها إلى المناطق المجاورة في العراق وسورية وغيرهما، وهي المسئولة عن تحركات العناصر السامية التي كان لها أكبر الأثر في تاريخ إقليم الشرق الأدنى من أقدم العصور؛ فمن المرجح أن هجرة سامية خرجت منها في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد إلى الشمال الشرقي واختلطت بالسومريين ونشأت عن ذلك الدولة الأكدية التي أسسها سرجون الأكدي في بلاد النهرين "حوالي سنة ٢٣٧١ ق. م" بعد زوال سلالة أور الثالثة التي كانت آخر دولة للسومريين في العراق؛ حيث انفرد الساميون بالزعامة السياسية فيه، وفي منتصف الألف الثالثة ق. م. خرجت منها هجرة أخرى جاءت بالأموريين إلى سهول سورية الشمالية وبالكنعانيين إلى السهل الساحلي فيها، وقد أطلق اليونان على هؤلاء اسم الفينيقيين. وفيما بين عامي ١٥٠٠، و١٢٠٠ ق. م. خرجت منها جماعات الآراميين الذين انتشروا في الجزء الشمالي من سورية والعبرانيين الذين استقروا في جنوبها، وفي حوالي سنة ٥٠٠ ق. م. خرج منها الأنباط إلي شمال شرقي شبه جزيرة سيناء وأسسوا دولة كانت تدمر عاصمتها في أيام الرومان.
ورغم صعوبة التعرف على تاريخ شبه الجزيرة قبل الكتابة؛ فإن وجود بعض مصنوعات في العراق وبعض الجهات الأخرى من المواد التي جلبت من شبه الجزيرة, يدل على وجود صلات بينها وبين تلك الجهات من أقدم العصور، ومن أمثلة ذلك أن سكان بلاد النهرين جلبوا من بعض أجزاء الجزيرة أحجارًا ومعادن منذ عصور ما قبل التاريخ؛ فقد جلبوا النحاس الخام من عمان وحجر الأبسديان من شرق شبه الجزيرة، ومن المحتمل كذلك أن المصريين في عصورهم
стр. 276
التاريخية قد اتصلوا بجنوب شبه الجزيرة وجلبوا منها العطور١.
стр. 277
مصادر تاريخ بلاد العرب
مدخل
...
مصادر تاريخ بلاد العرب
اعتمد المؤرخون فيما توصلوا إليه من تاريخ بلاد العرب قبل الإسلام بصفة عامة على المصادر الآتية:
١- القرآن الكريم: فمع أنه نُزِّل للعظة والعبرة إلا أنه أشار إلى حياة العرب قبل الإسلام, وذكر بعض الشعوب العربية القديمة وما تعرضت لها من أحداث مثل: عاد وثمود وأصحاب الفيل "الغزو الحبشي" وأصحاب الأخدود "أهل نجران الذين أبادهم ذو نواس الحميري" وسيل العرم "سد مأرب" وغير ذلك, ولكنه لم يلتزم في سردها نفس الترتيب دائما, بل ذكرها حسب المناسبات التي يوردها بقصد العظة والعبرة.
٢- الحديث الشريف, وهو المصدر الثاني للشريعة الإسلامية: فقد تعرض لذكر بعض ما كان قائمًا قبل الإسلام من نظم دينية وفكرية وسياسية واجتماعية.
٣- كتب المفسرين: تناول المفسرون ما ورد في القرآن من أخبار مختصرة أو تشبيهات واستعارات أغلق فهمها بالشرح والإيضاح, وكان النبي ﵊ أول من قام بذلك وتبعه الصحابة ثم التابعون وتابعو التابعين, ومن أشهرهم: الطبري والرازي وابن كثير والبيضاوي وغيرهم.
٤- كتب السير والمغازي: التي تعرضت لأخبار الجاهلية قبيل الإسلام
стр. 278
أو المتصلة بحياة الرسول, ومن أهم كتَّابها: عبد الملك بن هشام وعروة بن الزبير وأبان بن عثمان بن عفان وشرحبيل بن سعد وغيرهم.
٥- كتب أخبار الجاهلية: التي كتبها المسلمون بعد انتشار الإسلام, وهذه لم يبدأ الاهتمام بتدوينها إلا في العصر الأموي, وكان أهم ما يُعنى به كتابها رواية أنساب القبائل العربية, والرجوع بأصولها إلى عدنان وقحطان وإسماعيل وأبناء نوح, والخروج من ذلك إلى تقسيم العرب إلى طبقات، وقد تأثروا في ذلك بما جاء في التوراة وما ورد في الأساطير والقصص الشعبية الحافلة بالخرافات, وخاصة عن أزمان الجاهلية التي تسبق الإسلام بزمن بعيد, ومن أهم الكتاب في هذا المضمار: عبيد بن شرية الجرهمي اليمني ووهب بن منبه وهشام بن محمد السائب الكلبي وولده أبو المنذر والهمداني المعروف بابن الحائك وغيرهم.
٦- الشعر الجاهلي: وهو من المصادر المهمة لما تضمنه من إشارات عن أحوال العرب في الجاهلية وتقاليدهم وعاداتهم وأنسابهم وحروبهم, ومن أشهر شعرائهم: امرؤ القيس وعبيد بن الأبرص وطرفة بن العبد وعمرو بن كلثوم والنابغة الذبياني وعنترة بن شداد وغيرهم.
٧- الأمثال العربية: ومن أهمها كتاب مجمع الأمثال للميداني.
стр. 279
د- المصادر غير العربية:
١- التوراة: وهي أقدم المصادر وبها إشارات متعددة عن العرب, قصد منها تفسير الصلات بين العبرانيين والعرب.
٢- التلمود: المكمل للتوراة وشارح أسفارها, ويشير إلى العرب في مواضع مختلفة.
٣- ما كتبه العبريون: ومن أهم كتابهم يوسيفوس فلافيوس "٣٧-١٠٠م".
стр. 280
وقد ألف كتابًا في تاريخ حروب اليهود فيما بين استيلاء أنطيوخس أبيفانوس على القدس سنة ١٧٠ ق. م. واستيلاء الإمبراطور تيتوس سنة ٧٠م, عليها وهو يتضمن أنباء مهمة عن العرب وخاصة عن الأنباط.
٤- ما كتبه اليونان والرومان والسريان: كتب هؤلاء بعض المعلومات التاريخية والجغرافية المهمة عن بلاد العرب, وإن كانت لا تخلو من أخطاء أحيانًا؛ نظرًا لأنهم اعتمدوا على ما زودهم به المحاربون اليونان والرومان والرحالة والتجار من أخبار, ومن أقدم الكتاب اليونان أخيلس أو أيسكيلوس"٥٢٥-٥٤٦ ق. م" وهيرودوت "٤٨٠-٤٢٥ ق. م." وتيوفراست"٣٧١-٢٨٧ ق. م." وإيراتوستينس "٢٧٦-١٩٤ ق. م" وديودور الصقلي "توفي ٤٠ ق. م." وسترابو "توفي ٧٩ ق. م" وأحد الكتاب المجهولين الذي كتب عن رحلة "الطواف في بحر أريتريا" ويعرف باسم "صاحب الطواف" ويرجح أنه "توفي ٨٠ ق. م" ويوزيبيوس "٢٦٥-٣٤٠م" وأثناسيوس "توفي ٢٧٣م" وزينوفون "توفي ٣٥٦م" وبروكوبيوس "توفي ٥٦٥م" وغيرهم.
стр. 281
جـ- أهم الجهود الأثرية:
أولًا- في جنوب بلاد العرب:
بدأ الاهتمام منذ أواسط القرن الثامن عشر, ويرجع سبب ذلك إلى أن الأوروبيين في أسفارهم إلى الهند سمعوا ما يتناقله أهل شواطئ اليمن، وحضرموت عن آثار الأبنية المدفونة في رمال تلك البقاع, وما عليها من كتابات عجز العرب واليهود عن قراءتها؛ فخطر لعالم ألماني اسمه "مخايلس" أن يبحث في تلك الآثار وقراءتها واقترح على فريدريك الخامس
стр. 282
ملك الدانمارك تشكيل لجنة تذهب لارتياد تلك البقاع؛ فأجابه لطلبه وأمر بتشكيل لجنة من خمسة أعضاء١, من بينهم "كارستن نيبور" وجعل تحقيق بعض ما ورد في التوراة عن جغرافية وعادات وحاصلات الشرق؛ ولكن أعضاء الرحلة ماتوا جميعًا فيما عدا نيبور الذي أصدر كتابًا بعد عودته لم يأت بنتائج مهمة، ومع كل فإن هذه الرحلة كانت تمهيدًا لرحلات أوروبية أخرى كما أن الكتاب الذي صدر عنها يعد أول كتاب علمي عن اليمن, حوى نقوشًا مكتوبة بخط المسند وخرائط لأماكن يمنية كانت مجهولة للأوروبين من قبل.
وفي سنة ١٨١٠ تمكن العالم الألماني "سيتزن" من الاهتداء إلى نقوش في ظفار "جنوبي صنعاء" كان نيبور قد أشار إليها في كتابه، كما استطاع أن ينسخ بعض النقوش التي أرسلها إلى أوروبا, ثم اختفى داخل اليمن في ظروف غامضة واختلفت الآراء حول مصيره. وفي سنة ١٨٣٦ تمكن جروتفند الألماني من نشر خمسة نقوش سبئية عثر عليها في صنعاء, كما تمكن الضابط الإنجليزي ولستد ١٨٣٨ من اكتشاف حصن الغراب ونسخ نقشًا على جدرانه يرجع تاريخه إلى ٥٢٥م ثم قام برحلة في غرب وادي ميفعة؛ حيث عثر على آثار حصن كان في منطقة خصبة تعرف حاليًا باسم نقب الهجر.
ويعتبر عام ١٨٤٣ من الأعوام التي شهدت نشاطًا ملحوظًا في ارتياد اليمن؛ حيث ارتاد الرحالة الألماني أدولف فون فريده صحراء الأحقاف شمال حضرموت واكتشف آثار سور قديم في وادي أوبنة بسهل ميفعة الشرقي نقش عليه بكتابة حضرمية. وفي نفس العام قام الصيدلي الفرنسي توماس أرنو
стр. 283
برحلة إلى اليمن أدت إلى اكتشاف سد مأرب وآثار أخرى من عصر سبأ, منها معبد ألمقه "إله القمر" الذي أطلق عليه العرب اسم محرم بلقيس, وتمكن في عودته أن ينسخ عددًا من النقوش السبئية في صنعاء ومأرب وصرواح بلغ عددها ٥٦ نقشًا, قام بترجمتها قنصل فرنسا في جدة وكان مهتما بدراسة اللهجات العربية الجنوبية.
وفي سنة ١٨٧٠ أرسلت أكاديمية النقوش والفنون الجميلة في باريس بعثة إلى اليمن برئاسة المستشرق اليهودي جوزيف هاليفي, الذي تمكن من اختراق الجوف اليمني والوصول إلى نجران وطاف حول مأرب وصرواح, وعاد إلى فرنسا بعد أن جمع ٦٨٦ نقشًا جديدًا, وهو أول من اكتشف آثارًا معينية ومن أهمها خرائب "قرناو" عاصمة الدولة المعينية.
وفي سنة ١٨٨٢ قام المستشرق النمسوي "لانجر" برحلة إلى اليمن وتنكر في زي الأعراب؛ حيث اخترق بلاد حمير القديمة وعثر على نقش حميري مهم بالقرب من ظران, كما نسخ عددًا من النقوش في صنعاء وعدن, ثم حاول التوغل إلى داخل البلاد ولكنه قتل.
وتبعه في الذهاب إلى اليمن المستشرق النمسوي إدوارد جلازر الذي قام بأربع رحلات إليها, استطاع أن يقنع المسئولين الأتراك في صنعاء بمساعدته وتذليل الصعاب له, وكانت أولى رحلاته فيما بين عامي ١٨٨٢ وفيها درس الآثار السبئية بالمنطقة المحيطة بهمدان، ورحلته الثانية كانت ١٨٨٥ وفيها زار "ظفار" العاصمة القديمة للدولة الحميرية, ونسخ عددًا كبيرًا من النقوش المعينية، أما رحلته الثالثة؛ فكانت فيما بين عامي ١٨٨٧، ١٨٨٨ وفيها درس آثار مأرب, وتمكن من رسم تخطيطات لآثار القنوات والسدود, ونسخ الكتابات المسجلة على السدود, وتعتبر هذه الرحلة أهم رحلاته فقد قضى بعدها أربع سنوات في أوروبا؛ حيث عكف على دراسة النقوش التي عثر عليها في مأرب وهي أهم نقوش
стр. 284
عثر عليها, كما رسم خرائط للبقاع التي زارها ووصف آثارها، وحينما عاد إلى اليمن للمرة الرابعة ١٨٩٢ نسخ نقوشًا بعضها قتبانية وبعضها الآخر سبئية من مناطق الجوف, واستعان في ذلك ببعض الأعراب بأخذ طبعات لهذه النقوش على ورق من نوع معين, كذلك حصل جلازر على بعض العملات العربية القديمة.
ومع أن الإمام يحيى أغلق اليمن في وجه الرواد والرحالة لشدة الصراع بينه وبين الإنجليز بشأن عدن والمحميات؛ إلا أنه كان حريصًا على الكشف عن آثار بلاده؛ حيث قام بالتنقيب في قرية حجة شمال صنعاء ورحب ببعثة أوروبية كان على رأسها كارل راتجنز "Rath jens" وفون فيسمان ١٩٢٨ اللذان قاما برحلات إلى الحبشة وحضرموت واليمن في عامي ١٩٣١، ١٩٣٢.
وفي سنة ١٩٣٦ قامت بعثة أثرية من جامعة القاهرة برئاسة الدكتور سليمان حزين إلى ناعط بالقرب من صنعاء, ونسخ الدكتور خليل يحيى تامي أحد أعضاء البعثة بعض النقوش السبئية, وفي أثناء ذلك كان الصحفي السوري نزيه مؤيد العظم يزور اليمن وأقام في صرواح ومأرب ونشر نتائج رحلته في كتاب "رحلة في البلاد العربية السعيدة من مصر إلى صنعاء" وطبع في القاهرة سنة ١٩٣٨, وفي سنة ١٩٣٧ قامت ثلاث رحالات أوروبيات برحلة إلى حضرموت وكشفْنَ عن معبد لإله القمر وعثرن على عدد من النقوش, وقد نشر كاتون تومسون نتائج هذه الرحلة في كتاب طبع في أكسفورد ١٩٤٢, وفي نفس الوقت قام بعض العلماء الأوروبيين برحلات أخرى إلى اليمن أهمهم فيلبي الذي ارتاد "عسير" و"نجران" و"شبوة" و"تريم" على أن هذه الرحلات وجهت اهتمامًا خاصًّا إلى جغرافية حضرموت، وفي سنة ١٩٤٥ قام الأستاذ محمد توفيق برحلة إلى اليمن لدراسة هجرات الجراد وانتهز فرصة وجوده هناك فزار الجوف تمكن من تصوير عدد كبير من الآثار ونسخ كثيرًا من النقوش ونشر جزءًا من أبحاثه ١٩٥١ كما نشر "نقوش خربة معين" سنة ١٩٥٢، كذلك قام الدكتور خليل يحيى تامي بنشر نقوش خربة براقش على ضوء مجموعة الأستاذ محمد توفيق، وقام الأثري المرحوم
стр. 285
الدكتور أحمد فخري بزيارة مناطق كثيرة لم يزرها رحالة آخر بعد جوزيف هاليفي, ونشر تفصيلات رحلته في كتاب أصدره ١٩٥٢ وعدة مقالات وبحوث علمية.
وفي سنة ١٩٥٢ قامت بعثة أثرية أمريكية برئاسة "وندل فيلبس" بالتنقيب في تمنع عاصمة الدولة القتبانية, كما نقبت في الساحة الأمامية لمحرم بلقيس وفي سد مأرب, وكشف عن الكثير من الآثار البرونزية والرخامية وبعض النقوش السبئية ولكن توقفت أعمال هذه البعثة سريعًا لخلاف نشب بينها وبين الحكومة اليمنية؛ إلا أن النتائج التي أسفرت عنها تنقيباتها مهمة للغاية.
ثانيًا- في شمال بلاد العرب ووسطها:
اهتم عدد كبير من العلماء والمستشرقين الأوروبيين بآثار البتراء وجنوب سورية, وكان في طليعة الرواد الذين زاروها لودفيج بورخاردت السويسري الذي تنكر في زي عربي وأطلق على نفسه اسم إبراهيم بن عبد الله, وبهذه الوسيلة تمكن من أداء فريضة الحج وزيارة مسجد الرسول كأحد الحجاج ووصف موسم الحج وصفا دقيقا, ثم زار آثار الأنباط في البتراء وسورية الجنوبية.
وفي سنة ١٨٤٥ زار المستشرق جورج والين بلاد نجد كما زار "سير ريتشارد بيرتون" بلاد الحجاز متنكرًا باسم الحاج عبد الله في منتصف القرن ١٩. وتوالت بعد ذلك رحلات العلماء أمثال جراهام ويلجراف ورنكير وغيرهم، ويرجع الفضل في الكشف عن النقوش العربية الشمالية إلى داوتي وهوبر وأوتينج الذين ارتادوا المنطقة الشمالية الغربية والوسطى من بلاد العرب فيما بين عامي ١٨٧٦، ١٨٨٤, ومن المستشرقين الذين وصلوا إلى أطلال مدينة الحجر "مدينة صالح" وتيماء والعلا جيوسن وسافنياك, بينما اهتم آخرون أمثال برينوف ودوماسفسكي وموسل ودلمان بدراسة آثار الأنباط في بلاد العربية الصخرية وتدمر في بادية الشام، ومن أهم العلماء الذين قاموا برحلات في باديتي