← История

История · id 7320

معالم تاريخ الشرق الأدني القديم

محمد أبو المحاسن عصفور

Полный текст (525 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

في الصيد نوعًا من الشص المصنوع من قرن الحيوان وهو أكثر استواء من خطاطيف الفيوم، ويبدو أنهم اتخذوا الملابس؛ إذ وجدت لديهم فلكات مغازل ومسلات وإبر، وكانوا يتزينون بحلي في هيئة أساور من العاج وخواتم وخرز حلقي أو أسطواني من الأصداف وبلط صغيرة تعلق على شكل تمائم واستعملوا صلايات من المرمر والبازلت لصحن المساحيق "انظر شكل ١٤". وكان الميت يدفن على جنبه بين المساكن، مقرفصًا في وضع يشبه الجنين ووجهه إلى الشرق ومعظم الهياكل العظمية التي عثر عليها كانت لنساء وكُنَّ أطول قامةً من نساء الوجه القبلي، ولم توضع مع الموتى قرابين في العادة، وربما كان ذلك لاعتقادهم أنه كان يشارك أهله طعامهم؛ إلا أن بعض الحبوب وجدت في أحوال قليلة ملقاة أمام فم الميت؛ ولكن ربما كان ذلك شيئًا رمزيًّا فقط. ومع أن مظاهر قليلة من حضارة مرمدة كانت تشبه بعض نواحى حضارتي شكل "١٤" أدوات وأوانٍ من مرمدة الفيوم والبداري إلا أن من المرجح أن مرمدة قد ورثت هذه المظاهر؛ لأنها في أغلب الظن متأخرة عنهما في الزمن.

стр. 72

الفيوم: يستدل من الآثار التي اكتشفت فيها على وجود مرحلتين حضاريتين؛ الفيوم "أ" والفيوم "ب" ويؤرخهما غالبية الأثريين بـ"الدور الحجري الحديث" وعصر ما قبل الأسرات على التوالي؛ ولكن الفروق بينهما ليست من الضخامة؛ بحيث توحي بأن الفارق الزمني بينهما كان كبيرًا، وبإعادة النظر في آثار الفيوم ودراسة الصناعات التي سادت فيها أصبح الاعتقاد سائدًا بأنها لا تسبق حضارة نقادة الثانية "التي ترجع إلى ما قبل الأسرات" كثيرًا في الزمن١, وعلى ذلك يمكن أن ندخل حضارتي الفيوم ضمن عصر ما قبل الأسرات وأن ندرسهما كوحدة قائمة بذاتها, وخاصة لأنها تأثرت بكل من حضارات الوجه القبلي والوجه البحري وإن كان تأثرها بحضارات الأخير أكثر منه بحضارات الوجه القبلي. ولم يكشف في منطقة الفيوم إلا عن منطقة السكن؛ إذ لم يعثر على قبر واحد فيها, وتدل الآثار المكتشفة على أن أهلها عرفوا الزراعة؛ غير أن جل اعتمادهم كان على الصيد, أي: إنهم كانوا في ظروف تشبه ظروف الزراع البدائيين، وكانت لديهم مجموعتان من المطامير لخزن الحبوب بالقرب من المساكن، وهذه كانت عبارة عن حفر قطر معظمها من قدم إلى أربعة أقدام وعمقها من قدم إلى ثلاثة, ومعظمها مكسوٌّ من الداخل بغشاء من قش القمح المضفور يكسو جوانبها وقاعها، واستخدموا مناجل من الصوان ورحى لطحن الحبوب من أحجار مختلفة؛ ولكن يبدو أن تربية الحيوان لم تلعب دورًا كبيرًا في حياتهم. وفي هذه المنطقة عثر على رءوس سهام مثلثة ذات قاعدة مستقيمة أو مستديرة

стр. 73

أو ذات سنخ "مثل سهام مرمدة" كما وجدت سكاكين من الصوان وهي طويلة مقوسة من طرفها الأعلى وبعضها محزز عند القاعدة, أما رءوس دبابيس القتال؛ فمنها المخروطي ومنها القرصي والبعض الآخر كروي الشكل تقريبًا؛ غير أن هذه الأخيرة صغيرة الحجم إلى درجة تدعو إلى الظن بأنها كانت فلكات مغازل, ولم يعثر على شص من النوع الذي عرف في مرمدة؛ ولذا يحتمل أن الأسماك كانت تصاد بخطاف من العظام. وفخار الفيوم كان يصنع باليد، من صلصال خشن مخلوط بنسبة كبيرة من التبن؛ ولذا كان من النادر إخراجه في شكل متناسق, وهو إما أحمر مصقول أو أسود مصقول أو بني أملس أو خشن وهذا الأخير هو الشائع. ولا يخرج فخار الفيوم عن كونه طواجن وقدورًا كبيرة للطبخ أو طواجن وأقداحًا صغيرة ذات قاعدة بارزة للخارج قليلًا أو مفصصة، ومنه كذلك ما هو في هيئة صحاف مستطيلة حوافها مرتفعة عند الأركان، وبعض أواني الفخار مثقوبة عند الحافة وجميعه خالٍ من الرسوم أو النقش, أي: أنه يخلو من علامة الصانع أو المالك, وقد تميزت آنية واحدة ببروزات قرب حافتها. ولا شك في أن أهل الفيوم عرفوا صناعة السلال والنسيج؛ حيث عثر في آثارهم على بعض سلال "على شكل قارب أو على شكل برميل" وعلى بعض أطباق مسطحة من الحشائش المضفورة، كما وجدت قطعة من قماش الكتان داخل قدر من الفخار, وعثر على دبابيس ومخارز من العظام. أما فيما يختص بأدوات الزينة؛ فقد تحلى القوم بدلايات من الخرز الذي كان على شكل القرص أو على شكل برميل أو من الأصداف التي تعلق مفردة أو تنظم في عقود؛ كذلك عثر على سوار صغير وتميمة على شكل بلطة صغيرة من الصدف، وكانت لديهم صلايات بسيطة بيضية الشكل لصحن المغرة "شكل١٥".

стр. 74

هذا وقد عثر على آلات صوانية تشبه آلات الفيوم والبداري في الواحات ٠ "شكل ١٥" أدوات وأوانٍ من الفيوم وفي غرب وادي النيل وخاصة بالواحة الخارجة وجنوب تونس؛ مما يوحي بأن الفيوم والمناطق الجنوبية من مصر كانت منبعًا استمد منه شمال غربي أفريقيا بعض مظاهر حضارته وإن كانت هناك بعض الآراء التي تناقض ذلك.

стр. 75

عصر ما قبل الاسرات مدخل ... د- عصر ما قبل الأسرات: يطلق اسم "عصر الأسرات" أو "عصر السلالات" على العصر التاريخي لكل من مصر والعراق ابتداءً من الزمن الذي نشأت فيه أول سلالة حاكمة في كل منهما إلى وقت انهيار الإمبراطورية الفارسية على يد الإسكندر الأكبر تقريبًا؛ وذلك لأن كلًّا منهما حكمتها أسرات أو سلالات حاكمة خلال هذه الفترة, وقد اصطلح الباحثون على تسمية الفترة التي سبقت قيام الأسرات الحاكمة في مصر -وتقابل عصر بداية استخدام المعادن في الأقطار الأخرى- باسم عصر ما قبل الأسرات نظرًا لما تميزت به من مظاهر حضارية مهدت لقيام الحضارات العظيمة التي شهدتها مصر في عصورها الفرعونية؛ ففي هذه الفترة ترقى صناعة الفخار وتتأصل المعتقدات الدينية ويكثر استعمال المعادن نسبيًا ويأخذ فن الرسم والنقش طابعه الذي تميز به طوال العصور الفرعونية ومنه نشأت الكتابة،

стр. 76

وفي هذه الفترة أيضًا نشأت وحدة سياسية في كل من الوجه القبلي والدلتا مهدت لاتحادهما الطويل الذي بدأه مينا مؤسس الأسرة الأولى. وتمثل حضارات هذا العصر في الوجه القبلي: العمرة، جرزة، سماينة, أما في الوجه البحري فتمثلها: حلوان "ب" والمعادي. وقد وجدت آثار هذا العصر في نقادة, وهي تمثل حضارات الوجه القبلي في مراتبها المختلفة؛ ونظرًا لأنها خلت من الكتابة "إذ إن هذه لم تكن قد عرفت بعد"؛ فقد اتبع في ترتيب آثار هذه الحضارات طريقة المقارنة والنسبية, أي: أنها أرخت بالنسبة إلى بعضها البعض، وقد عرفت هذه الطريقة باسم "التوقيت المتتابع" أو "التأريخ التتابعي".

стр. 77

التوقيت المتتابع أو التأريخ التتابعي: كان الأثري الإنجليزي السير فلندرز بترى "Sir Flindrs Petrie" يشترك في التنقيب عن الآثار فيما بين بلاص ونقادة؛ حيث وجدت منطقة غنية بالآثار التي تنتمي إلى عصر ما قبل الأسرات فأطلق على الحضارة التي تمثلها هذه الآثار اسم حضارة نقادة، ولما شاهد أن هذه الآثار تختلف فيما بينها؛ بحيث يبدو أنها لا تنتمي إلى فترة قصيرة محدودة, رتب الأواني الفخارية والآثار التي كانت موجودة معها حسب تدرج التطور في صناعة هذه الأواني الفخارية؛ فتمكن بذلك من ترتيب الآثار حسب ترتيب ظهورها محاولًا إيجاد علاقة تاريخية بينها. وقد لجأ أولًا إلى تقسيم الأواني الفخارية إلى أنواع يمثل كل منها مرحلة حضارية خاصة عاشت في مرحلة زمنية من عصر ما قبل الأسرات الذي رمز لمدته بأرقام تشمل الأعداد من ١ إلى ١٠٠, وبدأ أقدم أنواع الفخار والآثار التي اكتشفها معه بالرقم ٣٠ تاركًا الأرقام من ١ إلى ٢٩ خاليًا عساه يجد من الاكتشافات، كما ترك أيضا الأرقام من ٨٠ إلى ١٠٠ لنفس الغرض، وقد أعد بتري بطاقة

стр. 78

خاصة لكل مقبرة وقسم كل بطاقة إلى تسعة أنهر أو أقسام خصص كلًّا منها لنوع معين من الفخار. وحينما أدرج الآثار التي اكتشفها مع الفخار المصاحب لها في الأقسام الخاصة به أمكنه أن يقسم تلك الآثار في أول الأمر إلى قسمين, يمثل كل منهما مرحلة حضارية نقادة "١" ونقادة "٢" على الترتيب، ثم وجد أن حضارة نقادة "٢" بدورها تمثل حضارتين هما: نقادة ٢أ، نقادة ٢ب, أي: أنه انتهى إلى تقسيم الحضارات التي تمثلها هذه الآثار إلى ثلاث مراحل هي نقادة "١" ونقادة "٢أ" ونقادة "٢ب" على التوالي. وقد كشف الأثريون عن ثلاث حضارات بالصعيد تماثل آثارها تلك التي وجدها بتري أي: أنها تتفق والأقسام التي توصل إليها؛ فالأولى وهي حضارة العمرة تمثل المرحلة من ٣٠ إلى ٣٧ والثانية وهي جزرة تمثل المرحلة من ٣٨ إلى ٦٠ أما الثالثة وهي سماينة فتمثل المرحلة من ٦١ إلى ٧٥+. ويجب ألا يفهم من هذا التوقيت المتتابع أن الأرقام أو الفترات التي اتبعها بتري تدل على تاريخ محدد أو أن المدة بين فترة وأخرى تعدل في الزمن المدة بين فترتين أخريين؛ حيث لا يدل الرقم الواحد على قدر ثابت من السنين, وكل ما في الأمر أن هذا التقسيم يسمح بترتيب كل من هذه الحضارات بعضها بالنسبة إلى البعض الآخر.

стр. 79

حضارات ما قبل الأسرات في الوجه القبلي: ١- حضارة العمرة ٣٠-٣٧ "نقادة١": تقع العمرة جنوب شرقي أبيدوس, وقد عثر فيها على آثار تشبه أقدم ما وجد في نقادة؛ إلا أن هذه الحضارة تمثل عهدين مختلفين: أوائل العمرة وأواخر العمرة

стр. 80

وفي الفترة الأولى ظهر الفخار الأحمر المصقول المحلى برسوم باللون الأبيض أو الأصفر، وهذه الرسوم عبارة عن أشكال تحددها خطوط مستقيمة وتعلوها خطوط متقاطعة تمثل في مجموعها أشكالًا هندسية مختلفة كالمثلث والمعين والنجوم, أو تمثل أشكالًا مختلفة من النبات والحيوان ومناظر الصيد والقتال رسمت باختصار وفي أسلوب بسيط, وإلى جانب هذا النوع من الفخار عُثِر على فخار أحمر مصقول أو أحمر مصقول ذي شفة سوداء خلت سطوحه الخارجية من التموجات التي تميز فخار البداري؛ كذلك بدأت علامة الصانع أو علامة الملكية تميز أواني هذه الفترة في هيئة صور حيوانات أو نباتات أو خطوط, وقد وجدت بعض الأواني الحجرية من البازلت والحجر الجيري، وكانت الصلايات من الاردواز على شكل معين أو في أشكال حيوانات مختلفة كفرس النهر والسلحفاة، أما رءوس الدبابيس؛ فكانت مخروطية الشكل, مقوسة قليلًا إلى الداخل. وفي الفترة الثانية من هذه الحضارة اختفى الفخار المحلى برسوم باللون الأبيض واستمر الأحمر المصقول ذو الشفة السوداء, كما عثر على أوانٍ محلاة برسوم باللون الأحمر تشبه فخار جرزة، ومن بين العلامات المميزة لفخار تلك الفترة علامة تمثل تاج الوجه البحري وعلامة تمثل صورة صقر -وهو الطائر الذي اعتبره المصري رمزًا للإله حورس- على واجهة قصر, وهذه العلامة كانت تتخذ كخانة يكتب فيها اسم الملك في زمن الفراعنة. ومن هذا يتضح أن علامات الملك أخذت تستقر, وقد تطورت صناعة الأواني الحجرية التي من البازلت كثيرًا وأصبحت أشكال الصلايات أقل تعددًا؛ إذ انحصرت تلك الأشكال في الشكل المعين الذي ينتهي عند أحد طرفيه بما يشبه الهلال أو شكل السمكة، ومن الصلايات أيضًا ما كانت تنتهي في أعلاها بشكل يمثل رأسي طائرين, أما دبابيس القتال فكانت تشبه نظائرها في الفترة الأولى لهذه الحضارة, وقد أتقنت

стр. 81

صناعة الظران، ومن الأدوات المصنوعة منه وجدت سكاكين طويلة ذات حدين وسهام ذات شوكتين "شكل ١٦". وقد اعتقد أهل هذه الحضارة في الحياة بعد الموت بدليل ما عثر عليه من أدوات وضعت إلى جوار الموتى، ولم يكشف حتى الآن عن حضارة من هذا العهد في الدلتا. "شكل ١٦" أدوات وأوانٍ من العمرة ٢- حضارة جرزة ٣٨-٦٠ "نقادة ٢أ": تقع جرزة شمال ميدوم التي تبعد نحوًا من ٤٠ ميلًا إلى جنوب سقارة, وتمثل آثارها حضارة مستقلة تمامًا عن حضارة العمرة؛ إذ وجدت في همامية قرب البداري آثار تمثل حضارة جرزة في طبقات منفصلة تمامًا عن الطبقات التي وجدت بها آثار حضارة العمرة، وآثار هذه الحضارة أوسع انتشارًا من آثار سابقتها في مصر الوسطى. وتتميز هذه الحضارة بفخار ذي لون أصفر برتقالي وعليه رسوم وأشكال باللون الأحمر، وهذه الرسوم عبارة عن خطوط منحنية غالبًا ما تكون حلزونية وصور مثلثات متتالية وبعض المراكب والحيوانات التي تظهر بصورة منفردة وهذه الصور لا تملؤها خطوط متقاطعة, كما تتميز بالفخار ذي الأيدي المتموجة،

стр. 82

وكل من هذين النوعين من الفخار على صلة بالآخر؛ إذ قد يحلى ذو الأيدي المتموجة برسوم حمراء. هذا وقد استمر الفخار الأحمر المصقول وذو الشفة السوداء "وهما من فخار العمرة" في هذه الحضارة أيضًا، وفي بدء هذه الحضارة بدأ ظهور الفخار المتأخر ويمتاز بصلابته وملاسته وهو رمادي فاتح أو بني أحمر أو أصفر يخلو من أية حلية؛ إلا أنه لم ينتشر إلا في أواخر عهد ما قبل الأسرات وفي الأسرتين الأولى والثانية. وتكثر في هذه الحضارة الأواني الحجرية المختلفة ذات الألوان الجميلة التي كانت بعض أواني الفخار تصنع على غرارها، وقد أخذ دبوس القتال الذي كان شائعًا في العمرة "ذو الرأس المخروطي المضغوط الجوانب" يقل تدريجيًّا ابتداء "شكل ١٧" أوانٍ وأدوات من جرزة

стр. 83

من عهد جرزة؛ حيث أخذ الدبوس ذو الرأس الكمثري يحل محله، ومع هذا فقد بطل استعمال هذين النوعين من الدبابيس في القتال منذ الأسرة الأولى؛ ولكنهما ظلا يستعملان في العصور التاريخية لأغراض دينية وجنائزية. وأخذت الصلايات التي على شكل معين في الاختفاء لتحل مكانها صلايات ذات أشكال هندسية أخرى كالمستطيل والبيضي والمربع, واستمرت بعض الصلايات في شكل بعض الحيوانات كالفيل والسمك والطيور, وبعض الصلايات البيضاوية كانت تعلوها صورة طائرين أيضًا, وقد أخذت هذه الصلايات تدق في سمكها وكسيت سطوحها بالنقوش وصنع بعضها من مواد لا تصلح للصحن منذ أواخر ما قبل الأسرات؛ ولذا يمكن القول بأنها أصبحت شيئًا رمزيًَا يوضع في المقبرة لتذكر بتقليد قديم متوارث. هذا وقد ظهرت في عهد جرزة بعض التمائم على شكل حورس وبعضها على شكل ثور وهي رموز تدل على مقاطعات بالوجه البحري "شكل ١٧"؛ مما دعا إلى الظن بأن حضارة جرزة ترجع أصلًا إلى الوجه البحري وإن لم يعثر على حصارة تماثلها فيه، كما يستدل من ذلك أيضًا على حدوث توحيد لشطري الوادي قبل عهد مينا مؤسس الأسرة الأولى. ٣- حضارة سمانية ٦٠-٧٥+: "نقادة ٢ب": تمثل آخر الحضارات المصرية في عهد ما قبل الأسرات, وأهم الآثار التي تمثلها وجدت في سمانية وهي إحدى القرى القريبة من نجع حمادي. وتتميز هذه الحضارة بزيادة استخدام النحاس وقلة الفخار ذي الشفة السوداء والفخار الأحمر المصقول تدريجيًا إلى أن اختفيا، أما الفخار ذو الرسوم الحمراء؛ فقد اختفت منه الأشكال التي كانت سائدة في عهد جرزة وحلت محلها أشكال جديدة عليها رسوم مختلفة، ومن هذه الأشكال أوانٍ على شكل البرميل لها حافة داخلية يستقر عليها الغطاء وقدور عالية رسمت عليها خطوط قصيرة

стр. 84

في أشكال ومجموعات مختلفة, أما الأواني المتموجة الأيدي؛ فقد أخذت تضيق في السعة ويتلاشى مقبضها حتى أصبح كشريط على حافة الإناء بالقرب من الشفة، وأكثر فخار هذه الحضارة من النوع المتأخر وقد ظهر فيه المصب "البزبوز"، وله أحيانًا رقبة واضحة، وأهم ما صنعت منه أواني التخزين "قدور عالية ذات فوهات واسعة" "شكل١٨". ومع كلٍّ, فإن الفخار في عهد سمانية على اختلاف أنواعه كان أقل إتقانًا وجودةً منه في العصور السابقة، وربما كان سبب ذلك أن الأغنياء أقبلوا على صناعة الأواني من النحاس والأحجار كما أن زيادة الإقبال على حياة المدن التي اتسعت وانتشرت هي التي جعلت صانع الفخار يتوخى سرعة الإنتاج وكثرته فبعد عن الإتقان. وقد استمرت صناعة الأواني من الأحجار، وكثيرًا ما استخدم المرمر "Alabaster" في صنعها وينتشر استخدامه بعد ذلك في العصور التاريخية. أما الصلايات؛ فمنها ما كان على شكل الحيوان ومنها ما كان يحلي جزأه العلوي رأسا طائرين ومنها ما كان بيضي الشكل تحلي حافته خطوط متقاطعة ومنها ما كان على شكل مستطيل تحلي حوافيه خطوط مستقيمة أو متقاطعة وبعض هذه الصلايات كان فاخرًا تحليه نقوش مختلفة. "شكل١٨" أدوات وأوانٍ من سمانية

стр. 85

حضارات ما قبل الأسرات في الوجه البحري: ١- حضارة حلوان "ب": تضم منطقة العمري١ مجموعتين من المقابر ومجموعة من المساكن وهي على بعد ٣كم شرق حلوان، ومن التنقيب في منطقة المساكن؛ تبين أن مساحة القرية كانت كبيرة مثل مدن الدلتا التي عثر عليها في مرمدة والمعادي بعكس مدن الوجه القبلي المحدودة المساحة، وكانت مساكنها إما أن تبنى؛ بحيث يكون جزء منها تحت مستوى سطح الأرض وهي بيضية الشكل تحيطها جدران من الحصير المغطى بالطين, أو أن تقوم بأكملها فوق سطح الأرض، كما يستدل على ذلك من وجود بقايا أعمدة خشبية مغروسة في الأرض, وربما كان النوع الأول من المساكن يستخدم كمخازن أما النوع الثاني؛ فكان للسكنى، وقد حفرت بعض مساكن النوع الأول في الأرض الصخرية؛ مما دعا إلى الظن بأن أهل حلوان عرفوا استغلال المحاجر في ذلك الوقت إلا أن هذا بعيد الاحتمال. والأواني الفخارية في هذه الحضارة إما رقيقة الجدران مصقولة حمراء وسوداء وسمراء أو خشنة ذات جدران سميكة، وكان لبعضها مقابض، ومنها ما يشبه أواني مرمدة ومنها ما يشبه أواني المعادي، كما وجدت أشكال جديدة اختصت بها هذه الحضارة "شكل١٩". "شكل١٩" أوانٍ من حلوان "ب"

стр. 86

أما السهام التي عثر عليها في حلوان؛ فإنها كانت إما مقعرة القاعدة كسهام الفيوم أو على شكل مثلث متساوي الضلعين، وقد عثر على بعض السكاكين والمناجل والمناشير من الصوان وأحجار للرحى وأوعية من قشر بيض النعام وآلات من العظام من بينها شص من قرن الحيوان، كما عثر على جلود وحصير وحبال وسلال تدل على معرفة النساجة، واستخدم أهل حلوان أصداف البحر وعظام السمك وأنواعًا من الأحجار البراقة في الحلي وعرفوا صناعة العقود والدلايات وزراعة الحبوب كالقمح والشعير، وكانوا على علاقات مع الخارج؛ حيث وجدت في آثارهم أصداف من البحر وبعض المواد الأخرى التي لا توجد في وادي النيل. وقد دفنوا موتاهم في أماكن السكنى في وضع مقرفص, ومعظم رءوسهم إلى الجنوب والوجه متجه إلى الغرب، وفي أغلب الأحيان كانت توضع آنية فخارية بجانب الميت، وكانت الجثة تكفن بجلد حيوان أو حصير أو قماش، وعثر مع إحدى الجثث على صولجان من الخشب. وربما كانت هذه الحضارة تتوسط في الزمن بين حضارتي مرمدة والمعادي؛ إذ إنها تشبه حضارة مرمدة في طقوسها الجنزية وفي بعض صناعاتها الحجرية وبعض أوانيها الفخارية كما تشبه حضارة المعادي في نصالها الحجرية وبعض أوانيها الفخارية أيضًا. ٢- حضارة المعادي: عثر على آثار هذه الحضارة في شرق المعادي الحالية, وهي ذات موقع فريد؛ إذ إنها تتوسط بين الصعيد والدلتا وتربطهما بشبه جزيرة سيناء وغرب آسيا؛ مما أثر في حضارتها وجعلها ذات صفات خاصة تميزها عن الحضارات السابقة,

стр. 87

وكان يظن أنها أقدم من حضارة نقادة الثانية؛ ولكنها ما زالت تحتاج إلى كثير من الدراسة وخاصة؛ لأن الشك بدأ يساورنا في أنها ترجع إلى عصر بداية الأسرات١. وفخار المعادي "شكل٢٠" متعدد الأشكال والألوان؛ إلا أن أهمه نوعان: أحمر اللون غير مصقول؛ لكنه أملس وقاعدته حلقية وجسمة بيضي مستطيل، "شكل ٢٠" أدوات وأوانٍ من المعادي وأسود مصقول ذو جسم كروي، ومن بين الأواني التي عثر عليها آنية كبيرة أسطوانية وبحافتها العليا مقابض عدة، كما وجدت بعض الأواني التي يميل لونها إلى البياض وبسطحها بروزات كالحبوب أو مزودة بمقابض تشبه الأواني السورية، كذلك وجدت أيضًا بعض أوانٍ تشبه أواني العمرة "ذات حافة سوداء"، وأوانٍ تشبه أواني مرمدة "توءمية" أما الأواني المزدانة بالرسوم؛ فقد أصبحت قليلة. ومن هذا نتبين صلة المعادي بحضارات كل من الوجه البحري "مرمدة" وسوريا والوجه القبلي "العمرة" ويرجع هذا إلى مركزها الجغرافي؛ حيث يسهل الاتصال بينها وبين تلك الجهات.

стр. 88

وقد عثر في المعادي على عدة أوانٍ حجرية كبيرة متقنة الصنع ولوحات من الاردواز والحجر الجيري وفلكات مغازل ودبابيس ومصاحن، وعلى الكثير من المكاشط ورءوس السهام والحراب والمناشير الصوانية وبعض الآلات من الصخر البلّوري والكوارتز والجرانيت، كما وجدت فيها مجموعة من الأدوات الخشبية مثل عصا الرماية "Boomeranga" وعصا قصيرة وبعض المثاقيب والأطباق والجفنات والملاعق يندر وجود مثلها في الحضارات المصرية المعاصرة، إلى جانب آلات كثيرة من العظام وخاصة المثاقيب، أما فيما يختص بأدوات الزينة؛ فإن أهل المعادي عرفوا صناعة الخرز من الأحجار المختلفة وقد عثر على عقد كامل من ٥٤ حبة من الخرز كلها بيضاء ما عدا ٨ منها سوداء، كما وجدت أصداف مثقوبة وأمشاط من عظام الحيوان ومواد التلوين من المغرة والملاخيت والمنجنيز الأسود. وعرف أهل المعادي استغلال المعادن؛ حيث عثر على عدد من الأدوات المعدنية كالسنانير والمثاقيب والأزاميل ورأسي فاس وكلها من النحاس الذي عثر على سبائك منه أيضًا كما وجدت بعض مقادير من المنجنيز ومن القار الذي كان يجلب من منطقة البحر الميت. وأخذت النزعة الفنية ترقى، كما يستدل على ذلك من وجود قطعة من الصلصال المحروق يظن أنها تمثل رأس جمل١, وقطعة أخرى تمثل رأس

стр. 89

حيوان غير واضح، وعثر على بيضة نعام ازدان سطحها بأشكال هندسية محفورة بإتقان وملونة باللون الأسود، كذلك عثر على هيكل قارب من الفخار ورأس تمثال صغير من الفخار الأحمر يمثل شخصًا من غرب آسيا ويتضح ذلك من شكل رأسه وذقنه. أما مساكن المعادي؛ فإنها تركزت حول وسط القرية وكانت متعددة الأشكال؛ فمنها ما كان يبنى من قوائم من جذوع أشجار تلف حولها أغصان رفيعة ثم تطلى بالطين وأبوابها نحو الجنوب للحماية من الرياح الشمالية السائدة, ومنها ما كان على شكل كلمة pr الهيروغليفية التي تعني "منزل"؛ مما يدل على أن رسم هذه الكلمة منقول عن الشكل الغالب في مساكن عصر ما قبل الأسرات، وقد وجدت عدة كهوف عثر فيها على آثار تدل على أنها كانت للسكنى. وكانت المواقد إما صغيرة تقام داخل المنازل أو كبيرة تقام أمام المنازل، وكان الموقد عبارة عن أحجار متراصة تحصر بينها الوقود. أما المخازن؛ فكانت على شكل حفر يتراوح عمقها بين متر أو مترين وكان بعضها يزود بسياج يحيط بالحفرة وله سقف يقوم على قوائم من الخشب، وإلى جانب هذه المخازن كان القوم يخزنون المؤن أحيانًا في قدور كبيرة أو سلال. وكان البالغون من أهل المعادي يدفنون في جبانة تقع في بقعة منخفضة إلى جنوب القرية, أما الأجنة؛ فكانت تدفن في قدور كبيرة أو حفر غير عميقة في المساكن نفسها، وكان الميت يوضع مقرفصًا إلا في حالات قليلة وجدت فيها الهياكل ممددة، ولم يكن للرأس أو الوجه اتجاه ثابت. كما لم يعثر على شئ سوى بقايا حصير أو جلد أو قماش مما كانت تغطى به، وفي بعض المقابر عثر بجوار المتوفى على إناء واحد من الفخار, وكان لكل عائلة قسم خاص من الجبانة، كما عثر على حيوان يشبه ابن آوى, مدفون بعناية مما يوحي بعبادة هذا الحيوان

стр. 90

الذي عبده فراعنة العصور التاريخية كإله حارس للجبانة، ويدل وجود آنية الفخار على اعتقادهم بالحياة الثانية، كما يدل وجود الجبانة بعيدة عن المساكن على أنهم كانوا في مرتبة حضارية أرقى من مرتبة أهل مرمدة وحلوان الثانية. ومن كل ما سبق يتبين لنا أن أهل هذه الحضارة عرفوا الزراعة والرعي والنسيج, وكانوا على علاقات تجارية وثقافية مع الحضارات الشرقية والجنوبية, ولا شك في أنهم وصلوا إلى مرتبة حضارية لا بأس بها.

стр. 91

العصر التاريخى مدخل ... ثانيًا- العصر التاريخي: كانت معلومات العالم المتحضر عن تاريخ مصر الفرعونية ضئيلة, مشوهة, تعتمد في أساسها على ما دونه كتاب اليونان وغيرهم من الرحالة والمغامرين, الذين اعتمدوا في كتاباتهم على ما قصه عليهم الرواة من أنباء فيها الطرافة, ولا تخلو من الخطأ والخرافة أحيانًا. وقد حاول كثير من العلماء التعرف على تاريخ مصر الفرعونية من مصادره الأصلية أي: من الكتابات والنقوش التي تركها الفراعنة؛ وذلك عن طريق حل رموز اللغة المصرية التي شاهدوها على الآثار ولكنهم ذهبوا في ذلك مذاهب خيالية ولم تسفر جهودهم عن نجاح يستحق الذكر. وكان مجيء الحملة الفرنسية إلى مصر "١٧٩٨-١٨٠١م" بقيادة نابليون بونابرت فاتحة عهد جديد؛ إذ عثر أحد ضباط الحملة على حجر بالقرب من رشيد نُقِشت عليه نقوش ثلاثة: أحدها باليونانية, والآخران باللغة المصرية, كتبت بخطين مختلفين -الهيروغليفي والديموطيقي- وقد انكب العالم الفرنسي شامبليون على محاولة حل رموز الخط الهيروغليفي وكللت جهوده بالنجاح بعد عمل مضنٍ ومقارنة كثير من النقوش المختلفة، ومما يسر له السبيل أن الفراعنة اعتادوا كتابة

стр. 92

أسماء الملوك والملكات داخل إهليج "إطار" بيضي مستطيل الشكل يعرف بالخرطوش، وقد بدأ شامبليون بقراءة أسماء الملوك في النقش اليوناني بحجر رشيد وعرف أنها لبطليموس وكليوباترا واتضح له اشتراك الاسمين في بعض الحروف كما هي مدونة بالهجائية اليونانية في خراطيشهما بالنص اليوناني؛ فطبق ذلك على ما شاهده من تشابه في الرموز الدالة عليهما في الخراطيش الموجودة في النص الهيروغليفي وأمكنه التوصل إلى معرفة بعض الحروف والعلامات الهيروغليفية١، وبمحاولة كل خرطوش ملكي يقع تحت بصره على أساس ما يعرفه من أسماء الملوك التي وردت في كتابات اليونان وغيرهم استطاع معرفة حروف ورموز أخرى وتوصل إلى الأصوات والمعاني التي تدل عليها وهكذا، ثم توالت بعدئذٍ جهود العلماء؛ إلى أن أصبح في الإمكان قراءة اللغة المصرية ووضع معاجم وقواعد لها. اللغة المصرية: ما زال الاختلاف قائمًا بين العلماء حول أصل اللغة المصرية؛ إذ إن صلتها باللغات الحامية واضحة، كما أن علاقاتها باللغات السامية لا يمكن إنكارها أو تجاهلها. وإذا ما تتبعنا كتابتها نجد أن أقدم المحاولات في كتابتها تتمثل في زخارف الأواني والأدوات المستعملة؛ حيث صورت فيها أشكال أشخاص وحيوانات وسفن وما أشبه؛ فالكتابة بدأت حينما بدأت الرغبة في التعبير بالرسم عن أشياء يمكن للرائي معرفة ما تدل عليه، وهذه الأشكال كان لا بد للرائي

стр. 93

من ترجمتها إلى أصوات معبرة في اللغة، وقد حدث ذلك في مصر حينما تمكن المصري من رسم صور مصغرة ومختصرة للأشياء المادية والكائنات يمكن أن تعبر عن الصور الكاملة التي تدل على نفس هذه الأشياء والكائنات المعروفة مثل الأسلحة والنباتات والحيوانات والبشر بل والآلهة كذلك، ويمكن القول أيضًا بأن الظروف اقتضت ظهور الكتابة وتطورها حينما وجدت الرغبة لدى الناس للتعبير عما لا يمكن التعبير عنه بكيانه مثل الأعداد وأسماء الأشخاص والكائنات وغير ذلك, وأخذت في النمو كلما وجد أن الرسوم والمناظر في حاجة للتفسير، وقد ظل هذا الاتجاه طوال العصور الفرعونية؛ حيث ظل الفراعنة يدونون على المناظر التي يمثلونها ما يوضحها بعبارات مكتوبة، وهكذا حتى أصبح في الإمكان التعبير بالكتابة عن كل ما يرغب الإنسان التعبير عنه. واللغة المصرية كانت تكتب في أول الأمر برموز تمثل كائنات أو أجزاءً من كائنات في صورة قريبة من الواقع, وقد أطلق عليها اليونانيون اسم الهيروغليفية أي: الكتابة المقدسة؛ وذلك لأنهم شاهدوها مدونة على جدران المعابد والنصب التذكارية المختلفة؛ فهي في الواقع كتابة إعلام أو كتابة زخرفية، وقد ظلت مستعملة في النصب المختلفة حتى نهاية العصور الفرعونية وإن كانت رموزها قد اختلفت في مدلولاتها أحيانًا، ولم تستعمل هذه الكتابة وحدها؛ بل صاحبتها منذ نشأتها تقريبًا كتابة أخرى مختصرة عنها عرفها اليونانيون باسم الهيراطيقية أي: الكتابة الكهنوتية نظرًا لأنهم اعتقدوا أن الكهنة وحدهم هم الذين كانوا يعرفونها، وربما كان سبب ذلك أن المدارس في مصر القديمة كانت عادة تلحق بالمعابد، ويرجع أقدم ما عثر عليه من نصوص كتبت بالهيراطيقية إلى عهد الأسرة الثانية تقريبًا. ولما تعددت مطالب الحياة وازداد نشاط التعامل بين الأفراد ظهرت كتابة ثالثة أشد اختصارًا هي الكتابة الديموطيقية "أي: الكتابة الشعبية".

стр. 94

ويمكننا أن نشبه -مع الفارق- هذه الكتابة بخطوط اللغة العربية فالهيروغليفية تقابل الخط المثلث، وغيره من خطوط الزخرفة والأعلام والهيراطيقية تقابل خط النسخ والديموطيقية تقابل خط الرقعة. وحوالي الوقت الذي طغت فيه المسيحية على الديانة المصرية الوثنية في مصر استعملت الحروف الهجائية اليونانية في كتابة اللغة المصرية؛ ولكن نظرًا لأن هذه تميزت بأصوات ليست لها مقابل أو شبيه في اللغة اليونانية -وخاصة الأصوات الحلقية "مثل: الحاء والعين وغيرهما"- فقد أضيفت إلى هذه الهجائية سبعة أحرف من أصل مصرى لاستكمال هذه الكتابة الجديدة التي عرفت خطأ باسم اللغة القبطية, والأحرى أن يطلق عليها الكتابة المسيحية للغة المصرية؛ لأنها وإن استعملت فيها بعض ألفاظ غير مصرية؛ إلا أنها في مجموعها لا تخرج عن كونها اللغة المصرية كتبت في هيئة جديدة. ومما سبق يتضح لنا أن الكتابة المصرية في نشأتها تشبه نشأة الكتابة في بلاد النهرين ولا يستبعد وجود علاقة فعلية بينهما، وربما يؤيد ذلك اشتراكهما في بعض مدلولات الصور التي تعبر عن كائنات واحدة في كل من الكتابتين؛ إلا أن الفرق شاسع بينهما في مراحل تطورهما؛ فالكتابة في بلاد النهرين -نظرًا لاستخدام قلم مدبب في كتابتها- أخذت تبتعد سريعًا عن أن تبين صورًا يمكن التعرف عليها؛ بينما ظلت الكتابة المصرية في هيئة صور لكائنات معروفة ولم تفقد هذه الخاصية إلا جزئيًا في الخطين الهيراطيقي والديموطيقي؛ ولهذا ظلت رموز كثيرة تستخدم في الدلالة على ما تمثله، أي: أن بعض الرموز ظلت مستعملة للدلالة على معانٍ قائمة بذاتها. المصادر التي اعتمد عليها المؤرخون: كانت عقيدة المصري في البعث والتمتع في العالم الآخر بحياة مماثلة للحياة

стр. 95

الدنيا خير معين للمؤرخين؛ لأن هؤلاء أفادوا من النقوش التي تركها المصريون في مقابرهم وعلى نصبهم وآثارهم المختلفة حرصًا منهم على تسجيل أعمالهم الجيدة ومظاهر نشاطهم في حياتهم العادية أملًا في أن يقوموا في آخرتهم بنفس الأدوار التي قاموا بها في حياتهم الدنيا؛ فجاءت هذه تراجم لأصحابها، وقد استقى منها المؤرخون معظم معلوماتهم التي ألقت كثيرًا من الضوء على مختلف نواحي الحياة المصرية من حربية واقتصادية واجتماعية ودينية وسياسية, وأوضحت صلات القربى بين بعض الأفراد ممن كانت لهم أهمية تاريخية خاصة, وغير ذلك من المعلومات التي لا غنى عنها لكل مؤرخ. ومن المصادر المهمة التي استقى منها المؤرخون بعض معلوماتهم التاريخية أيضًا ما سجله بعض الموظفين في نقوش على صخور المناطق التي ارتادوها في بعثات للتعدين أو في حملات عسكرية أو جولات تفتيشية وغيرها؛ مما يعد سجلًا حافلًا يفيد منه كل باحث؛ هذا فضلًا عما عثر عليه من وثائق ومحفوظات مختلفة كالبرديات التي دون عليها ما يشير إلى بعض الأحداث التاريخية أو بعض القضايا والمنازعات أو فصول في الأدب والعلوم والفنون المختلفة؛ مما أفاد في التعرف على نواحٍ أخرى من نواحي الحياة المصرية. أضف إلى ذلك ما عثر عليه من محفوظات كتبت بلغات أجنبية مثل الألواح التي عثر عليها في تل العمارنة والتي كتبت بالخط المسماري وكان لها أكبر الفضل في إماطة اللثام عن كثير من الشئون الخارجية والعلاقات الدولية في عهد الدولة الحديثة. وقد سبق أن أشرنا إلى أن ما كتبه اليونان عن مصر كان يعتمد على ما ذكره الرواة لهؤلاء؛ فجاءت كتاباتهم مليئة بالأخطاء، ومع ذلك فقد أفاد منها الباحثون قدر الإمكان وخاصة فيما يتعلق بالشطر الأخير من تاريخ الفراعنة؛ إذ إنه كان أقرب العهود لهؤلاء الكتاب ولم تكن روايات الرواة قد تناولته بكثير

стр. 96

من التشويه. وفي عهد بطليموس الثاني دون كاهن مصري يدعى مانيثون تاريخًا لمصر قسم فيه الملوك الفراعنة إلى ٣١ أسرة حاكمة؛ إلا أن ما وصلنا من هذا التاريخ لا يزيد على بعض الفقرات التي نقلها عنه بعض مؤرخي اليونان. ولا شك في أن تسلسل الملوك وتتابعهم كان من أكبر العقبات التي صادفت الباحثين؛ وذلك نظرًا لأن المصري كان يؤرخ الأحداث المهمة على حسب السنين التي حكمها الملك المعاصر ولا يشير إلى من سبقه أو لحقه من الملوك إلا في أحوال نادرة، ولم يشذ عن ذلك إلا ملوك الأسرة الثانية عشرة والملوك القلائل الذين أشركوا معهم أولياء عهودهم في الحكم؛ ولكن لحسن الحظ ترك لنا المصري بعض الآثار المهمة التي بينت لنا ترتيب حكم الملوك في كثير من العهود. وهذه الآثار عبارة عن قوائم كتبت في عهد بعض الملوك وهي تروي أسماء الملوك الذين سبقوهم على عرش مصر على حسب ترتيبهم المعروف وقتئذٍ وبعض الأحداث المهمة التي حدثت في عهودهم, وهذه القوائم هي: ١- حجر بارمو: عرف بهذا الاسم نسبة إلى متحف بارمو المحفوظ فيه، وهو عبارة عن جزء من قطعة الديوريت دُوِّنت عليها حوليات الملوك من أقدم العصور حتى منتصف الأسرة الخامسة تقريبًا, ويشير هذا الأثر كذلك إلى بعض ملوك سبقوا مينا ممن كانوا يحكمون في الدلتا وأطلق عليهم اسم أتباع الإله حور, وقد وجدت بعض القطع المماثلة لهذا الأثر؛ ولكن ليس من المؤكد أنها تنتمي لنفس الأثر الأصلي الذي منه القطعة السابقة، ومن بين هذه القطع الأخيرة قطعة دونت عليها أسماء خمسة ملوك من أتباع حور "السابقين للملك مينا" حكموا في جنوب مصر. ويذكر حجر بارمو والقطع المماثلة اسم كل ملك والحوادث المهمة في كل سنة من سنوات حكمه وارتفاع الفيضان فيها.

стр. 97

٢- قائمة الكرنك: وترجع إلى عهد تحتمس الثالث "الأسرة الثامنة عشرة" وكانت في حجرة من معبد أقامه في منطقة الكرنك، وهي تذكر أسماء بعض الملوك الذين لم يذكروا في قوائم أخرى, وقد نقلت هذه القائمة إلى متحف اللوفر. ٣- قائمة أبيدوس: وهي عبارة عن نقش يشكل معظم جدار إحدى حجرات معبد سيتي الأول في أبيدوس "العرابة المدفونة" وتعرف باسم لوحة الأجداد؛ لأنها تمثل سيتي الأول يقدم ولده رعمسيس الثاني "الأسرة ١٩" إلى أسماء أجداده ملوك مصر وهي تشمل ستة وسبعين اسمًا تبدأ بالملك مينا؛ فهي تغفل ذكر أسماء بعض الملوك وربما كان ذلك لعدم الاعتراف بشرعية حكمهم لمصر. ٤ قائمة سقارة: وجدت في إحدى مقابر عهد رعمسيس الثاني "شكل ٢١" وتختلف فيها الأسماء في بعض المواضع عن الأسماء التي وردت في لوحة أبيدوس؛ ولكنها تتفق كثيرا مع الأسماء التي وردت في بردية تورين الآتي ذكرها: شكل "٢١" جزء من قائمة سقارة

стр. 98

٥- بردية تورين: يحتمل أنها من عهد رعمسيس الثاني أيضًا وهي محفوظة الآن في متحف تورين وتذكر أسماء حكام مصر في العصور السحيقة التي سبقت قيام الأسرة الأولى وقد نسبتهم إلى السماء، أي: اعتبرتهم من الآلهة ثم ذكرت أسماء الملوك الآدميين "عهد الأسرات" وهي تذكر مدة حكم هؤلاء الملوك بالسنين والشهور والأيام, وقد وجدت هذه مطابقة تقريبًا لما ورد في الآثار في بعض الحالات, ومن أمثلة ذلك أنها ذكرت أن الأسرة الثانية عشرة ظلت تحكم مصر ٣١٥ سنة ولا تختلف آثار هذه الأسرة كثيرًا عن ذلك؛ حيث تدل على أنها حكمت نحو ٢١٣ سنة، ومع هذا فإن هذه البردية لا تخلو أيضًا من بعض أخطاء طفيفة "شكل٢٢". شكل "٢٢" جزء من بردية تورين التأريخ والتقويم: كان المصري في بداية الأمر -كغيره من الشعوب البدائية- يؤرخ الأحداث حسب وقوعها بالنسبة لحدث مهم، ثم ميز كل سنة من سنوات حكم أي ملك

стр. 99

بحادث مهم، ونظرًا لأن تعداد الماشية الذي كان يتم كل عامين كان من الأمور المهمة في حياة المصري؛ فقد أرخ الأحداث ابتداء من منتصف الأسرة الثانية بالنسبة لرقم التعداد في حياة الملك الحاكم، ومن الأسرة الحادية عشرة استعاض عن ذلك بذكر رقم سنة الحكم في عهد الملك الجالس على العرش وإن كان قد التزم باحتساب سنوات عهد كل ملك ابتداءً من بداية السنة المتفق عليها "أي: ابتداء من اليوم الأول من الشهر الأول من فصل الفيضان"؛ ولذا كان يضيف السنة التي يتوفى فيها الملك إلى عهد الملك الجديد. وأخيرًا أصبحت العادة أن تحتسب سنوات حكم الملك منذ توليه العرش بغض النظر عن وقت السنة الذي يعتلي فيه العرش وتؤرخ الحوادث تبعًا لذلك على حسب الزمن الذي وقعت فيه بالنسبة لحكم الملك المعاصر أي أن مدة حكم كل ملك اعتبرت تقويمًا قائمًا بذاته؛ فمثلًا يخبرنا سنوهي في قصته بأن الملك أمنمحات الأول توفي في السنة الثلاثين من حكمه في عبارة ترجمتها كما يلي: "السنة الثلاثون فصل الفيضان الشهر الثالث اليوم التاسع دخل الإله "أي الملك" أفقه "أي توفي" وطار أمنمحات إلى السماء واتحد مع الشمس ... إلخ". وقد استطاع المصري أن يتوصل إلى حساب الزمن حسابًا لا يكاد يختلف عن حسابنا له إلا بقدر طفيف؛ فقد لاحظ منذ أقدم العصور أن الفيضان يأتيه منتظمًا في كل عام وفي موعد معين، وحدث أن صادف أول يوم في الفيضان ظهور نجم الشعرى اليمانية في المجال الشمسي وقت الشروق مع الشمس في الأفق الشرقي تجاه منفيس، وربط المصري بين هذه الظاهرة وظاهرة الفيضان واعتبرها بداية السنة، وراقب ظهور نجم الشعرى اليمانية وجعل دورته السنوية وحدته الزمنية ثم قسمها على أساس الظواهر المتعلقة بنهر النيل وفيضانه إلى ثلاثة فصول: فصل الفيضان، فصل الزرع، فصل الحصاد، وكل من هذه الفصول قسمه إلى أربعة شهور متساوية كل منها ثلاثين يومًا، ولما كان نجم الشعرى اليمانية يظهر في الأفق الشرقي كل ٣٦٥ يومًا؛ فإن المصري أضاف خمسة أيام في نهاية

стр. 100

فصوله الثلاثة وسماها الشهر الصغير, احتفل فيها بأعياد مختلفة أي: أنه اعتبر السنة ٣٦٥ يومًا، وحيث إن الشمس لا تظهر في نفس موضعها السابق إلا كل ٣٦٥.٢٥ يومًا وربع يوم تقريبًا، أي: أن السنة الشمسية تزيد على دورة نجم الشعرى اليمانية بمقدار ١/ ٤ يوم؛ فإن ذلك قد أدى إلى اختلاط الأمر على المصري وأحس به؛ لأن السنة التي يعرفها كانت تنقص يوما عن السنة الشمسية في كل أربع سنوات, ومعنى هذا أن النجم الشعرى اليمانية لا يعاود الظهور مع الشمس في الأفق الشرقى في نفس اللحظة إلا كل "٤×٣٦٥=" ١٤٦٠ سنة، وقد ورد في كراسة تلميذ من عهد الأسرة التاسعة عشرة ما يدل على الحيرة من التباين بين التقويمين الشمسي والمصري المبني على دورة الشعرى اليمانية؛ حيث جاء فيها "خلصني "يا إلهي" من السنة المضطربة, إن الشمس لم تعد تشرق؛ فالشتاء يحل محل الصيف, وتسير الشهور القهقرى". وقد لاحظ المؤرخون أن المؤرخ سانسريون "Censerion" سجل ظاهرة اجتماع الشعرى اليمانية والشمس وقت الشروق سنة ١٤٠م. ومعنى هذا أن تلك الظاهرة حدثت قبل ذلك سنة ١٣٢٠ق. م، سنة ٢٢٨٠ ق. م. وهكذا، وقد قدر هؤلاء المؤرخون أن المصريين توصلوا إلى معرفة السنة على أساس ٣٦٥ يومًا "دورة الشعرى اليمانية" منذ أن اجتمع هذا النجم مع الشمس في الأفق الشرقي في المرة السابقة لبدء العصر التاريخي على الأقل "حوالي سنة ٤٢٤٠ ق. م" أي: أن المصري بدأ تقويمه منذ المرة التي حدثت فيها هذه الظاهرة قبل معرفة الكتابة وقبل العصر التاريخي؛ ولكن ليس لدينا ما يؤكد هذه الفكرة وإنما هي مرجحة على أي حال.

стр. 101

ومما هو جدير بالذكر أن المؤرخين اصطلحوا على أن الأسرة الأولى بدأت حوالي سنة ٣٢٠٠ ق. م. وظلوا متفقين على هذا التأريخ كبداية للعصر التاريخي في مصر مدة طويلة؛ ولكن هذا الرأي تعرض للتعديل أكثر من مرة، وآخر الآراء وأحدثها تميل إلى جعل بداية هذه الأسرة ترجع إلى عام ٣١٠٠ تزيد أو تنقص ١٥٠ ق. م. تقريبًا على أساس مقارنة بعض تواريخ ملوك بلاد النهرين بالنسبة لتواريخ معاصريهم من ملوك مصر، ومع ذلك فما زال هذا التاريخ موضعًا للبحث وخاصة بعد الاستعانة ببعض التجارب العلمية المبنية على الإشعاع الذري وأثره في المواد العضوية, واستخدام ذلك في تقدير عمر الآثار من مختلف البقاع ومن مختلف العصور, وعلى هذا يعاد النظر في بداية عهد الأسرات المصرية ولم يستقر الأمر بعد بصفة قاطعة. تقسيم العصر التاريخي إلى الأدوار التي مرت بها مصر الفرعونية: سبق أن أشرنا إلى أن مانيثون "Manethon" قسم تاريخ الفراعنة حسب حكم الملوك إلى إحدى وثلاثين أسرة, وقد تبعه معظم المؤرخين في هذا التقسيم؛ ولكن تيسيرًا لدراسة هذا التاريخ يمكننا أن نقسمه حسب ما أصاب البلاد من قوة وضعف إلى أربعة أدوار رئيسية من النهوض, أعقب كلًّا منها دور من أدوار الفوضى أو الاضمحلال كما يلي: ١- عهد الدولة القديمة, وهو حكم الأسرات ابتداء من الأسرة الأولى حتى الأسرة السادسة "٣١٠٠-٢١٨١ ق. م". ٢- عهد الاضمحلال الأول, وهو يشمل حكم الأسرات السابعة إلى الحادية عشرة "٢١٨١-٢١٣٤ ق. م". ٣- عهد الدولة الوسطى, وهو يشمل حكم الأسرات من الحادية عشرة

стр. 102

إلى الثالثة عشرة "٢١٣٤-١٧٨٦ ق. م". ٤- عهد الاضمحلال الثاني, وهو يشمل الأسرات الثالثة عشرة إلى السابعة عشرة, وخلاله حكم الهكسوس في مصر "١٧٨٦-١٥٨٠ ق. م". ٥- عهد الدولة الحديثة أو عصر الإمبراطورية, وهو يشمل الأسرات الثامنة عشرة إلى العشرين "١٥٨٠-١٠٨٧ ق. م". ٦- عصر الاضمحلال الثالث وحكم الكهنة والليبيين والنبتاويين, وهو يشمل حكم الأسرات الحادية والعشرين إلى الخامسة والعشرين "١٠٨٠-٦٦٤ ق. م". ٧- عهد النهضة, وهو يشمل حكم الأسرة السادسة والعشرين "٦٦٤-٥٢٥ ق. م". ٨- عهد الفوضى الأخير, وهو يشمل حكم الأسرات السابعة والعشرين إلى الحادية والثلاثين؛ حيث بسط الفرس سلطانهم على مصر في معظم هذه الفترة "٥٢٥-٣٣٢ ق. م". ومما تجدر ملاحظته أن وجهات نظر المؤرخين تختلف في تحديد بداية ونهاية بعض هذه الأدوار، كما أن بدء الأدوار لا يتطلب -بالضرورة وفي كل حالة- انتهاء حكم الأسرة التي كانت قائمة في الدور السابق، وفي تتبعنا لهذه الأدوار إنما نأخذ برأي غالبية العلماء؛ على أنه من الممكن أن نقسم التاريخ المصري -قبل مجيء الإسكندر إلى مصر- بأكمله إلى قسمين كبيرين: الأول قامت فيه مصر بدور إيحابي وهو يبدأ من أقدم العصور وينتهي بنهاية الدولة الحديثة, والثاني قامت فيه بدور سلبي على العموم وهو يبدأ من نهاية الدولة الحديثة حتى وصول الإسكندر، فتاريخ الفراعنة

стр. 103

على هذا الأساس يشمل القسم الأول الذي قامت فيه مصر بدورها الإيجابي في معظمه، ثم عاشت في معظم القسم الثاني من تاريخها في دورها السلبي, وهذا التاريخ هو الذي سنقوم بدراسته وفق أدوار القوة والضعف التي سبقت الإشارة إليها.

стр. 104

عهد الدولة القديمة مدخل ... ١- عهد الدولة القديمة: في عصر ما قبل الأسرات اتحدت أقاليم مصر المختلفة في إقليمين كبيرين: أحدهما في الوجه القبلي والآخر في الوجه البحري -وتشير بعض المصادر التي تحدثنا عنها فيما سبق١ إلى حكم ملوك من الآلهة وأنصاف الآلهة لهاتين المملكتين- وقد اختلفت الآراء بشأن التوحيد الذي قامت على أساسه الأسرة الأولى؛ ولكن ما زلنا نأخذ بالرأي القائل بأن مملكة الوجه البحري -قبل بداية العصر التاريخي- استطاعت أن تخضع مملكة الوجه القبلي، ثم انفصلت هذه عنها؛ إلا أن مملكة الوجه البحري عادت إلى القوة من جديد ووحدت البلاد للمرة الثانية؛ ولكن الوجه القبلي انفصل مرة أخرى ثم استطاع أن يظفر بالقوة وأن يقوم هو بإخضاع الوجه البحري, وأن يوحد البلاد التوحيد الثالث والأخير الذي قامت على أثره الأسرة الأولى. ويبدو أن ملكًا قبل مينا أو نعرمر "الذي اصطلح المؤرخون على جعله مؤسس الأسرة الأولى وتضعه بعض القوائم على رأس الأسرات الفرعونية" حاول توحيد المملكتين وربما نجح في ذلك بعض النجاح ويعرف هذا الملك باسم الملك العقرب؛ إذ كتب اسمه برمز يبين صورة هذا الحيوان إلا أن مينا أو نعرمر

стр. 105

كان صاحب الفضل في أول توحيد قام على دعائم ثابتة, ظهرت آثارها في عهد الأسرتين الأولى والثانية. فالآثار التي اكتشفت من ذلك العهد تدل على أن المصري ظل يستعمل كل ما صادفه من أحجار مناسبة في صنع الأدوات والأواني اللازمة له وطور فيها, كما استعمل النحاس وإن كان ذلك بدرجة محدودة، واستخدم العاج والأصداف في تطعيم مصنوعاته الخشبية, وارتقى بفن النسيج فتوصل إلى صناعة منسوجات دقيقة راقية, وتدل آثارهم كذلك على أنهم تأنقوا في زينتهم وفي طعامهم إلى درجة الترف. ومع أن مصر ظلت طوال عهودها الفرعونية تنقسم من الناحية الإدارية إلى شطريها القبلي والبحري "إشارة إلى المملكتين اللتين تكونتا في عصر ما قبل الأسرات"؛ فإن الملك خلال عهد هاتين الأسرتين صار مطلق السلطة وله صفة الألوهية؛ إذ كان يعتبر صورة الإله الحية على الأرض وعليه يقع عبء الدفاع عن مصر ورفاهية شعبها فيأمر بحفر الترع وإقامة الجسور وبنشر العدالة بين الناس، يعاونه في ذلك عدد كبير من الموظفين على رأسهم وزير ربما كان أصل اختصاصه أن يكون حلقة الاتصال بين الملك وبين موظفيه الذين كانوا ينقسمون من حيث الاختصاص إلى موظفين مختصين بمملكة الجنوب وآخرين مختصين بمملكة الشمال؛ فمثلًا كان هناك حامل أختام ملك الجنوب وآخر يحمل لقب حامل أختام ملك الشمال وكانا يرأسان بيت المال المزدوج أي: بيت مال الجنوب وبيت مال الشمال. وفضلًا عن ذلك كانت مصر تنقسم إلى عدة مقاطعات يرأسها حكام أو أمراء، يعاونهم على تصريف الأمور فيها عدد من الموظفين الذين كانوا يعنون بتدوين ارتفاع الفيضان لتقدير الضرائب على الزراعة المحتملة, ويقومون بعمل التعداد الذي كان يعمل كل سنتين، وكانت بكل مقاطعة هيئة تشرف على القضاء وعلى سائر الأعمال الإدارية وتشرف على عملية الإحصاء وتراقب

стр. 106

الفيضان؛ فكانت على الأرجح تجمع بين اختصاص المحلفين واختصاص أعضاء مجالس المدن أو المحافظات. ولا شك أن المصري عرف طريقه إلى بعض البلدان المجاورة منذ أقدم العصور وتبادل معها التجارة، وقد زاد نشاطه في هذا المضمار خلال عصر هاتين الأسرتين, ولم يكن هذا التبادل ليتم طوعًا في كل الأحيان؛ بل ربما كان الحصول على سلع الجيران يتم أحيانًا عن طريق الإغارة عليهم أيضًا. ويصف بعض المؤرخين الأسرتين الأولى والثانية بأنهما ثينيتان ويضعهما في عهد قائم بذاته أطلقوا عليه اسم "العصر الثيني أو الطيني" نسبة إلى طينه "Thinis" القريبة من أبيدوس؛ وذلك لأنهم شاهدوا اختلافًا واضحًا بين حضارة هاتين الأسرتين وحضارة الأسرة الثالثة, ولأن الاعتقاد كان سائدًا بأن ملوك هاتين الأسرتين قد دفنوا في أبيدوس واحتمال أن عاصمتهم كانت طينه؛ ولكن نظرًا لأن التطور الذي حدث في الأسرة الثالثة وإن كان عظيمًا؛ بحيث يبدو الفرق واضحا بين حضارتها وحضارة الأسرتين السابقتين فإن هذا التطور يعد نتيجة حتمية لحياة الاستقرار التي سادت عصر هاتين الأسرتين ولا داعي لتمييزهما عن العهد التالي الذي يرتبط بهما ارتباطًا وثيقًا. كذلك أصبح من المشكوك فيه الآن أن ملوك الأسرتين الأولى والثانية قد دفنوا في أبيدوس، وعلى هذا فإن وصفهما بالأسرتين الثينيتين أصبح لا مبرر له, أما إذا دعت الحاجة إلى تمييز عهد هاتين الأسرتين عن العهد التالي له لما شهده هذا الأخير من تطور ضخم في ميدان الحضارة؛ فلا بأس من أن نطلق عليه الاسم الذي اختاره نفر قليل من المؤرخين وهو اسم "عصر الأسرات الباكر" أو "باكورة عصر الأسرات". ومهما يكن من أمر؛ فإننا سنعتبر عهد الدولة القديمة يبدأ من عهد الأسرة الأولى وينتهي بعهد الأسرة السادسة, وسنتناوله بالدراسة على حسب الأسرات كما يلي:

стр. 107

الأسرة الأولى: مينا: اختلف المؤرخون كثيرًا حول شخصية هذا الملك, ومهما كان أمر هذا الاختلاف فإن غالبية الباحثين تنسب إليه توحيد مصر, وأنه حول مجرى النيل وأنشأ في المكان المتخلف عن مجراه الأصلي عاصمة جديدة عرفت باسم منف أي: الحائط الأبيض. ومن المرجح أنه قام بحروب ضد الليبيين والنوبيين واحتفل ببعض الاحتفالات الدينية وخاصة تلك التي تتعلق بمراسيم التتويج، وينسب إليه كذلك تشييد بعض المعابد, ومن المحتمل أنه تزوج أميرة من الوجه البحري تدعى "نيت حتب". وربما كانت الإشارة إلى بناء العاصمة الجديدة منف؛ مما يؤيد أن ملوك الأسرتين الأولى والثانية قد حكموا في هذه العاصمة وليس في طينه كما كان الاعتقاد سائدًا من قبل؛ وبالتالي يؤيد ما ذهبنا إليه من عدم وجود ما يبرر تسمية عهد هاتين الأسرتين باسم العهد الطيني١. جر: لم يكن هذا الملك أقل نشاطًا من سلفه؛ فقد عثر على اسمه منقوشًا على صخور جبل الشيخ سليمان٢ بالقرب من وادي حلفا, ويبدو أنه انتصر على أهل النوبة مما يوحي بأن ملوك الأسرة الأولى بدءوا فعلًا في الاحتكاك ببلاد النوبة بقصد تأمين حدودهم الجنوبية أو رغبة في الاستيلاء على بعض حاصلات الجنوب.

стр. 108

جيت "وادجيت": وصلت مصر في عهد هذا الملك إلى درجة لا بأس بها من الرقي؛ فقد عثر على آثار من عهده يتجلى فيها الإتقان والروح الفنية العالية, كما وجد اسمه مكتوبًا على صخور أحد الوديان التي تربط بين إدفو وساحل البحر الأحمر؛ مما يدل على النشاط في إرسال البعثات التجارية أو بعثات استغلال المحاجر والمناجم من منطقة الصحراء الشرقية. دن: ظل هذا الملك يعرف باسم "دن" أو "أودمو"؛ ولكن النطق الأول لاسمه يفضل على النطق الثاني١، وقد استدل من الآثار التي ترجع إلى عهد هذا الملك على أنه كان عظيم النشاط؛ إذ حارب البدو في شرق مصر, واحتفل بعيد جلوسه على العرش، وقد اتخذ لقبًا يرمز إلى اتحاد الوجهين برمزين جديدين هما نبات البوص "الغاب" للدلالة على الصعيد والنحلة "اليعسوب" للدلالة على الدلتا، وربما كان في ذلك ما يدل على حدوث اضطرابات تهدف إلى انفصال المملكتين؛ فاستطاع أن يقضي عليها واتخذ هذا اللقب الجديد لتأكيد تمكنه من حكم البلاد بأجمعها وإعادة الوحدة إليها. عدج إيب: يبدو أنه حارب البدو كما يشير إلى ذلك حجر بارمو، وقد قام برحلة إلى مكان لم يتمكن المؤرخون من تحديده بعدُ, وانتصر على سكان هذا المكان. كذلك احتفل بعيد جلوسه على العرش وأمر بعمل أول إحصاء معروف

стр. 109

في التاريخ كما قام ببعض الاحتفالات الدينية وتأسيس بعض المدن. وقد تبع هذا الملك ملكان لا تشير آثارهما إلى ما يستحق الذكر وإن كانت الدلائل تشير إلى حدوث نزاع بين أفراد الأسرة المالكة انتهى بالإطاحة بها.

стр. 110

الأسرة الثانية: لا ندري هل كانت هذه الأسرة تمت بصلة القرابة إلى الأسرة السابقة أم لا؟ والمهم أن مانيثون بدأ أسرة جديدة يحتمل أنها نشأت على إثر حدوث نزاع عائلي في الأسرة الأولى أدى إلى زوال حكمها, وما زال تاريخ الأسرة الثانية يشوبه بعض الغموض؛ فجداول الملوك تشير إلى ثمانية ملوك على الأقل حكموا في هذه الأسرة. ومما تجدر ملاحظته أن ملوك هذه الأسرة لم ينتسبوا جميعًا إلى إله رئيسي واحد؛ فبعض الملوك لم ينتسب للإله حور الذي اعتاد الملوك أن ينسبوا إليه؛ مما يوحي بحدوث بعض المتاعب أو الثورة على المعبود الرسمي أثناء حكم هذه الأسرة؛ فمن المعروف أن الإله حور كان صاحب النفوذ في المملكة الموحدة, وأن الإله ست كان صاحب النفوذ الأول في الصعيد، وقد درج الملوك على عادة انتمائهم للإله حور إذ كانوا ينقشون رمز هذا الإله قبل أسمائهم للدلالة على أنهم ينتسبون إليه, وبدءوا يهتمون بالعاصمة الشمالية منف ويستقرون فيها، وربما كان ذلك سببًا في إثارة كهنة الإله ست الذين شعروا بتضاؤل نفوذهم القديم فبذروا بذور الفتنة وأشعلوا نيران الثورة ضد هذه الاتجاهات الجديدة؛ مما جعل أحد ملوكها وهو "بر إيب سن" يحذف رمز الإله حور قبل اسمه ويضع رمز الإله ست في مكانه أي: أنه أعلنها صريحة بأنه ينتمي إلى الإله ست وليس للإله حور، وربما كان هذا هو السبب الذي من أجله حذف اسم هذا الملك من بعض قوائم الملوك
следующие страницы →