ولم يكن طهرقة متأهبًا للقائه فوصل الجيش الأشوري إلى الوجه البحري واضطر طهرقة إلى التحصن بمنف؛ ولكن الأشوريين أسرعوا وراءه وهزموا الجيش المصري وفتحوا منف؛ ففر طهرقة إلى طيبة في الجنوب واستعمر الأشوريون الدلتا، ثم عاد أسرحدون إلى بلاده حيث أصيب بمرض مات على أثره.
وحدث اختلاف على العرش من جديد, وانتهى هذا الاختلاف بتعيين أشور بانيبال ملكًا؛ بينما عين أخاه الأكبر ملكًا على بابل، ولم يكد أشور بانيبال يجلس على العرش حتى وصلت أنباء ثورة المصريين ضد أشور؛ وذلك لأن بعض الأمراء اتفقوا مع طهرقة على أن يعود هذا الأخير إلى الدلتا ويقتسم السلطة معهم١، فجرد أشور بانيبال حملة كبيرة سارت إلى مصر، ولم تكتفِ هذه الحملة باحتلال الدلتا؛ بل سارت إلى طيبة وخربتها وعاد طهرقة إلى عاصمته في النوبة العليا "نباتا" وبقي بها إلى أن مات، ومع ذلك لم يبقَ الأشوريون بمصر طويلًا بل عادوا إلى بلادهم واكتفوا بأخذ الجزية؛ فلما تولى عرش نباتا "تانويت أماني" عاد إلى احتلال مصر من جديد, ولم يجد أشور بانيبال بدًّا من أن يرسل جيشًا إلى مصر؛ فاضطر تانويت أماني إلى الفرار إلى عاصمته نباتا, وخرب الجيش الأشوري طيبة للمرة الثانية. وقد استمر التعاون بين أشور بانيبال وأخيه ملك بابل نحو عشرين عامًا؛ ولكن هذا الأخ ثار بعد ذلك فجرد أشور بانيبال حملة تأديبية ضده تمكنت من القضاء عليه وفتحت بابل عنوة, وبعدئذٍ تقدم الأشوريون جنوبًا وأخضعوا القبائل العربية والآرامية التي ساعدت بابل في ثورتها, وهاجموا العيلاميين وفتحوا عاصمتهم سوسة كذلك.
وبعد وفاة أشور بانيبال حدثت منازعات حول العرش, وتمكن بعدها ولده "أشور - إتل - إيلاني" من الفوز به؛ ولكنه كان ضعيفًا فانفصلت عن المملكة
стр. 457
بعض ممتلكاتها مثل مصر وكثير من المدن الساحلية في فلسطين وسورية, كما انفصلت عنها مدن أرمينية، وشن أحد ملوك الميديين هجومًا على أشور فصده الجيش الأشوري وهزم جيشه وقتله، وفي بابل تكونت أسرة جديدة تعرف باسم "الأسرة البابلية الأخيرة" أو "المملكة الكلدانية"، كما انتهز القائد الأشوري فرصة إقامة الملك في نمرود؛ فأعلن تمرده عليه في نينوى وعزله؛ ولكن أخا الملك حارب هذا القائد وقضى عليه ثم استأثر بالسلطة.
وقد أثرت الحرب الداخلية على سمعة المملكة وهيبتها؛ فانفصلت أماكن أخرى كثيرة عنها, واستطاع "كي أخسار Cyaxares" ملك الميديين أن يستولي على شمال إيران وشمال بلاد النهرين, ثم توغل إلى سهول أشور حيث قامت بينه وبين الجيش الأشوري حروب طاحنة، وبعد أن اتفق مع ملك بابل هاجما العاصمة فسقطت في أيديهما بعد حروب عنيفة, واقتسما مملكة أشور؛ حيث تولى استولى الميديون على قسمها الشمالي الشرقي، واستولى البابليون على جنوبها وأرسل ملك بابل ولده "نبوخذ نصر" ليتتبع فلول الجيش الأشوري التي كانت قد هربت إلى "حران", وانتصر "نبوخذ نصر" وقضى على بقية الجيش الأشوري, ثم واصل سيره غربًا واحتل المقاطعات التي كانت تخضع للأشوريين من قبل، وقد تقابل مع الملك المصري نخاو الذي كان قد تقدم إلى سورية ودارت بين الاثنين معركة حاسمة بالقرب من قرقميش, انتصر فيها نبوخذ نصر وتراجع الجيش المصري إلى بلاده١.
стр. 458
٨- العهد البابلي الأخير "المملكة الكلدانية ":
أشرنا فيما سبق إلى القلاقل التي تعرضت لها الدولة الأشورية قبل انهيارها،
стр. 459
والواقع أن أكثر هذه القلاقل خطورة هي التي قامت في الجنوب؛ حيث انتهز البابليون فرصة تدهور أشور وبدءوا كفاحهم من أجل الاستقلال, وقد بدأ الحاكم البابلي "الذي عينه أشور بانيبال بعد أخيه" الثورة بمجرد تعيينه، وبعد وفاته أصبح حاكم بلاد البحر "نبوبولصر"١ زعيمًا للثورة, ولم تتمكن القوات الأشورية المرابطة في الجنوب "في نيبور" من هزيمته؛ فأعلن نفسه ملكًا على بابل؛ مؤسسًا الأسرة الحادية عشرة البابلية وهي التي تعرف باسم "الأسرة البابلية الأخيرة" أو "المملكة الكلدانية" كما أشرنا.
وقد ظلت الحروب قائمة بين بابل وأشور نحو ١١ عامًا استطاع بعدها "نبوبولصر" أن يستولي على نيبور وأن يحرر كل بلاد سومر وأكد, ثم استمر في فتوحاته شمالًا على طول الفرات؛ حتى وصل إلى منطقة حران، ومنها تقدم على طول دجلة إلى كركوك وأشور، وحاصر أشور؛ ولكنه لم ينجح في الاستيلاء عليها، وفي تلك الأثناء طلب الأشوريون المعونة من مصر التي كانت خاضعة لهم فيما سبق؛ ولكن هذه المعونة جاءت متأخرة؛ لأن الميديين كانوا هم أيضًا قد بدءوا غزو الأراضي الأشورية واستولوا على أربخا وأشور، وعند هذه الأخيرة تقابل "كي أخسار Cyaxares" ملك الميديين مع "نبوبولصر" ملك بابل وارتبطا برباط الصداقة والسلام, وأيدا ذلك فيما بعد بزواج "نبوخذ نصر" بن "نبوبولصر" من "أميتس" بنة "كي أخسار"، ومنذ ذلك الوقت ظل الاثنان يحاربان معًا، وتمكنا في النهاية من إسقاط نينوى كما سبق أن أشرنا. وبعد مقتل آخر ملوك أشور اعتلى العرش أحد قواده " وكان يدعى أشور أوبالط" وجمع ما بقي من فلول الجيش الأشوري والمدد المصري الضئيل الذي أرسل إلى أشور واعتصم بهم في منطقة حران؛ فتقدم البابليون والميديون نحوه وسقطت مدينة حران
стр. 460
في أيديهم، وبعد محاولات يائسة لمدة عام تقريبًا اختفى "أشور أوبالط" بعد أن اعتلى العرش الأشوري نحو ثلاثة أعوام، ويبدو أن الميديين لم يهتموا بامتلاك أشور فقنعوا بنصيبهم من الغنائم, ثم حولوا أطماعهم إلى أرمينيا وآسيا الصغرى، أما البابليون؛ فقد امتلكوا أشور ولكنهم لم يحتلوها ولم يحاولوا إصلاح ما أتلفوه فيها؛ حيث كرسوا جهودهم لإعادة إحياء المجد الديني والثقافي لجنوب بلاد النهرين.
وحينما وقعت سورية وفلسطين في أيدي المصريين كمحاولة غير ناجحة من "نخاو"١ لمساعدة حلفائه الأشوريين, تقدم البابليون للقائه بقيادة "نبوخذ نصر"؛ لأنهم كانوا يحرصون على إبقاء طريقهم إلى البحر المتوسط مفتوحًا، وانتصر البابليون وفتحوا سورية وفلسطين وتقدموا نحو مصر, ولكن موت "نبوبولصر" أثناء ذلك جعل ولده "نبوخذ نصر" يعود مسرعًا إلى بابل.
وقد تولى "نبوخذ نصر" العرش بعد والده وكانت البلاد قد بدأت في الازدهار واستقرت أمورها السياسية؛ فوجه جهوده نحو تشييد العمائر وترميم المعابد وإن كان قد أرسل جيشًا لتأديب مملكة يهودا حيث احتل بيت المقدس؛ إلا أن اليهود ثاروا بعد مضي عشر سنوات فسار إليهم ودخل بيت المقدس وخربها وفتك بأهلها.
وبعد أن حكم "نبوخذ نصر" نحو ٤٣ سنة خلفه على عرش بابل ملوك ضعاف, فلم يكد ولده يحكم عامين حتى ثار عليه الكهنة لسماحه لليهود بممارسة طقوسهم الدينية بحرية وعلى نطاق واسع, وقتلوه ونصبوا مكانه أحد قواد والده وهو صهره في نفس الوقت، ولم يقم هذا الأخير بما يستحق الذكر ثم مات
стр. 461
بعد أن حكم ٤ سنوات, وتبعه ابنه الصغير الذي لم يحكم سوى أسابيع قليلة، ثم تدخل الكهنة ثانيًا وأبعدوه عن الحكم, وعينوا مكانه أحد أبناء طائفتهم ويدعى "نبونهيد"؛ ولكن هذا لم يستطع أن ينهض بأعباء الحكم ولم يقم إلا ببعض النشاط العمراني, وقد تحالف مع الملك الفارسي كورش ضد الميديين ثم غزاهم وغزا شمال بلاد العرب وانشغلت فارس بحروبها في جهات أخرى. وفي عهد خلفه ثار حاكم سوسة وانضم إلى الفرس وبعدئذٍ هاجم ملك الفرس "كورش" بابل ودخلها وأخذ ملكها "نبونهيد" أسيرًا، وهكذا زالت آخر سلالة بابلية وانتهى رمز الحضارة البابلية رغم بعض محاولات الفرس لإحياء مجد مدينة بابل, ومن بعدهم حاول الإسكندر أن يجعلها مركز إمبراطوريته؛ ولكنها سرعان ما أهملت بعد وفاته وتحولت إلى أطلال.
стр. 462
الفصل الثامن: إيران
مدخل
...
الفصل الثامن: إيران:
تتلو العراق شرقًا منطقة إيران وتعد النهاية الشرقية لإقليم الشرق الأدنى, وكانت ذات أثر كبير في تاريخه وحضارته؛ لأنها تقع في طريق المواصلات البرية بين الشرق الأقصى وإقليم البحر المتوسط، وكثيرًا ما كانت تستقبل هجرات بين حين وآخر من وسط آسيا، ويعد سكان سهولها من أقدم الشعوب التي توصلت إلى الزراعة والاستقرار، وقد تمكن حكامها في بعض عصورها التاريخية من أن يبسطوا نفوذهم على ما جاورهم وأسسوا إمبراطورية واسعة, ما إن أفل نجمها حتى أخذت تصبح مجالًا لتنازع القوى الكبيرة؛ لما لها من موقع إستراتيجي ممتاز, ولما لثرواتها الطبيعية من أهمية اقتصادية.
وهي في شكلها العام تمثل هضبة مثلثة تنحصر بين منخفضين: الخليج العربي في الجنوب وبحر قزوين وسهل التركمان في الشمال ... وتغلب عليها الطبيعة الجبلية وكل سلاسل جبالها تمتد حول منخفض في الوسط يمثل منطقة صحراوية كانت في الأصل بحرًا داخليًّا ثم جفت مياهه، وهذه السلاسل هي: جبال زاجروس في الغرب وهي تسير في سلاسل متوازية من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي ويفصل فيما بينها عددٌ من الوديان, وجبال البرز في الشمال وهي التي تكاد
стр. 463
تحف بالشاطئ الجنوبي لبحر قزوين وتمتد غربًا؛ بحيث تنتهي في منطقة أذربيجان، "وتعرف أيضًا باسم الخليج الميدي" التي تتوسطها بحيرة أرميا الملحة, وتكاد تكون من أكثر مناطق إيران كثافة في السكان؛ حيث يسهل الدخول إليها من الشمال الغربي والشمال والشمال الشرقي؛ مما كان له أكبر الأثر في تاريخها، وفي الشرق توجد جبال خراسان وهي قليلة الارتفاع سهلة العبور وتعد المنفذ الثاني لدخول إيران، وفي الجنوب توجد جبال مكران، أما الجزء الأوسط من إيران فهو صحراء من أجدب بقاع العالم تنقسم إلى قسمين: الشمالي منهما عبارة عن مسطحات طينية ملحة, لا يعيش فيها كائن؛ إلا حيث تقل نسبة الملوحة في جهات نادرة. أما القسم الجنوبي فعبارة عن منطقة جافة تمامًا تنعدم فيها الحياة "انظر خريطة رقم٧" فالحياة في إيران منذ عصورها السحيقة محتملة في الوديان والسهول فقط؛ سواء تلك التي تحف بالهضبة من الخارج أو التي توجد بداخلها.
ويمثل السهول التي تحف بالهضبة من الخارج: "أ" سهل خوزستان في الجنوب الغربي "منطقة سوسة القديمة" وهو يعد امتدادًا لسهول العراق, وكان مقرًّا لمدينة قديمة مستقرة؛ إلا أن أهله تأثروا في تاريخهم بالقبائل البدوية وشبه البدوية التي سكنت الجبال والتلال المجاورة، وحينما اتسعت رقعة الإمبراطورية الإيرانية كان مركزها في وسط هذا السهل "حول سوسة"، "ب" السهل الشمالي الذي ينتهي عند الجبال المطلة على بحر قزوين.
أما السهول الداخلية في الهضبة فلم تلعب إلا دورًا ثانويًّا في حضارة إيران, وكانت الصعوبة الدائمة أمام أهلها تنحصر في عدم توفر مياه الري ومحاولتهم تدبيرها، وقد عثر على ما يشير إلى أن القنوات الصناعية استخدمت بها من أقدم العصور إلى عهد الإخمينيين١، وتقع مدن إيران القديمة وعواصمها في مواجهة
стр. 464
الصحراء على طول الطريقين الرئيسين اللذين يحفان بسلسلتي الجبال العظيمتين "البرز في الشمال ومكران في الجنوب"، وكان لهذا أثره بالطبع؛ حيث نجد أن أهم المواقع الأثرية مثل: سيالك "قرب قاشان" ودمغان ومشهد وغيرها, فهي تقع في هيئة قوس حول الصحراء الملحية سالفة الذكر.
وهكذا نجد أن الهضبة الإيرانية -من الوجهة الطبيعية- تعتبر مجزَّأة إلى مناطق منفصلة غير متجانسة لا يسهل توحيدها كما أن الدفاع عنها عسير، ومع أن هذه كانت حالها في تاريخها الطويل، ومع أن أهلها عاشوا مشتتين في الواحات والسهول الزراعية الضيقة؛ فقد استطاعوا خلق مدنية تركت طابعها في كثير من المدنيات الأخرى١.
стр. 465
العصور قبل التاريخية:
العصر الحجري القديم:
أقدم ما عثر عليه من آثار في إيران يدل على أن الإنسان كان يعيش في الكهوف، واستمر كذلك إلى العصر الحجري الحديث، ومن المواقع التي وجدت فيها آثار من العصر الحجري القديم كهف تنجى بابدا في جبال بختياري التي تحد الهضبة١ من الغرب؛ حيث عثر على فئوس حجرية تشبه نظائرها في جهات العالم الأخرى.
стр. 466
العصر الحجري المتوسط:
لم يعثر على آثار تمثله في إيران حتى الآن, وما زالت البحوث الأثرية فيها غير كافية بصفة عامة.
стр. 467
خريطة رقم ٧
стр. 468
العصر الحجري الحديث:
حينما اشتد الجفاف في أقاليم الشرق الأدنى؛ أخذ الإنسان يهجر المناطق التي عاش فيها إلى وديان الأنهار وبالقرب من المجاري المائية الدائمة كما سبق أن أشرنا١، ولم يشذ أهل إيران عن غيرهم من سكان بقية أقاليم الشرق الأدنى فاتجهوا إلى السهول؛ حيث أخذوا يتحولون إلى حياة الاستقرار فيها، وأقدم المحلات التي أمكن التعرف عليها في السهول توجد في سيالك "قرب قاشان" جنوب طهران التي يميز فيها بين طبقات حضارية ثلاث, تعرف بين الأثريين باسم سيالك١، سيالك٢، سيالك٣ على الترتيب، ولا ينتمي إلى العصر الحجري الحديث إلا سيالك١.
سيالك١:
تنتمي هذه الحضارة إلى نهاية العصر الحجري الحديث، وفيها لم يعرف الإنسان بناء المنازل بل كان يحتمي -في أول الأمر- في دروة من المواد الخفيفة, ثم عرف -في نهاية المرحلة- كيف يقيم جدرانًا من الطين يأوي إليها، ومع أنه استمر صيادًا إلا أنه أخذ يستأنس بعض الحيوانات مثل الماشية والأغنام "التي اكتشفت عظامها مع مخلفاته"، وبدأ مرحلة الزراعة وصنع الفخار وهو إما أسود أو أحمر, وكانت أوانيه مزخرفة بخطوط أفقية ورأسية متقاطعة يحتمل أنها كانت محاكاة للسلال، وكانت كل آلاته من الحجر، وقد عثر منها على سكاكين ومحتات وفئوس وغيرها, أما أدوات الزينة فكانت كثيرة منها دلايات من المحار وأساور وخواتم من المحار أو الحجر، ومن المرجح أن الإنسان في ذلك العصر استعمل الوشم أو طلاء الوجه على الأقل؛ حيث عثر على محصن وصلاية دقيقين، وقد أخذت النزعة الفنية في الظهور فبدأ الحفر والنقش في العظام؛ إذ نجد
стр. 469
مقابض بعض الأدوات مزينة برسوم تمثل غزلانًا أو أرانب، وأجمل ما عثر عليه من هذا العصر قطعة يحتمل أنها كانت مقبض سكين, وهي في هيئة إنسان يلبس قلنسوة ويغطي عورته إزار مثبت بحزام, وتعد من أقدم تماثيل الشرق الأدنى القديم.
وكان أهل هذه الحضارة يدفنون موتاهم تحت أرضية المنازل في وضع مقرفص, ومن المرجح أنهم اعتقدوا في البعث لوجود بعض الأثاث الجنزي والتقدمات مع الموتى.
ويدل وجود المحار -وهو من نوع يوجد على بعد ٦٠٠ ميل من موقع سيالك- على أن إنسان سيالك "أ" كان على صلات تجارية مع مناطق بعيدة جدًّا، ويرجح بعض الأثريين أنه توصل إلى معرفة النحاس واستخدامه في بعض الأغراض البسيطة مثل عمل الدبابيس؛ فإن صح هذا فإن إيران تكون أول من استخدم النحاس في العالم القديم, ولا يمكن في هذه الحالة أن تعتبر سيالك "أ" ضمن العصر الحجري الحديث.
стр. 470
عصر بداية استخدام المعادن:
سيالك٢:
هذه الحضارة تعاصر تقريبًا حضارة البداري في مصر وحضارة العمق "حـ" في سورية، وهي مرحلة متقدمة يبدو أن الأمور استقرت فيها؛ مما أتاح الفرصة للنهوض؛ فقد أخذ الإنسان يستخدم اللبن بدلًا من الكتل الطينية التي كان يستعملها في بناء مأواه، ولم يكن هذا منتظمًا في شكله تماما؛ لأنه لم يصنع بقوالب بل كان يُهَيَّأ باليدين مما جعله يتخذ شكلًا بيضيًّا "أي: إنه كان في وسطه أكثر سمكًا منه في الطرفين"، وكانت المنازل متسعة وأصبحت تطلى باللون الأحمر وتزود بالأبواب أو بمنافذ تغطيها ستر، وكان الموتى يدفنون في أرضيتها كما كان الحال في الحضارة السابقة، وتقدمت
стр. 471
صناعة الأواني الفخارية وزادت زخرفتها حيث زينت بمناظر حيوانات وطيور رسمت بلون أسود على أرضية حمراء، وكثر استخدام النحاس وإن كان ما زال يطرق ولا يصب في قوالب ولم يتعدَّ استخدامه صناعة بعض الأواني والدبابيس، كذلك كثرت أدوات الزينة واستخدمت فيها مواد جديدة مثل العقيق وغيره من الأحجار البراقة، ومن الحيوانات التي استأنسها إنسان هذه الحضارة كلاب الصيد والخيل الصغيرة الحجم؛ بالإضافة إلى الماشية والأغنام التي عُرف استئناسها من العصر السابق.
سيالك٣:
يظهر في هذه الحضارة تطور معماري جديد؛ إذ أصبح شكل اللبن منتظمًا بعد أن صار يصب في قوالب, وأصبحت القرى تخترقها ممرات طويلة ضيقة ومتعرجة تفصل بين الملاك المختلفين, وكانت المنازل تزود بأبواب ونوافذ صغيرة ضيقة؛ ولكن كان مما يساعد على زيادة إضاءتها أن جدرانها لم تكن مستقيمة بل كانت ذات مداخل ومخارج أو فجوات على أبعاد منتظمة, وكانت تزينها من الخارج قطع من الأواني الفخارية الكبيرة, ويرجح البعض أنها ثبتت في الجدران لحمايتها من الرطوبة، كذلك كانت تطلى باللون الأحمر كما في العصر السابق أو باللون الأبيض الذي أخذ يظهر في بيوت هذا العصر، وقد ظل الموتى يدفنون تحت أرضية المنازل وفي الوضع المقرفص أيضًا، وزادت كمية الأثاث الجنزي وكثرت التقدمات.
ومن أهم الاختراعات في هذا العصر عجلة الفخار التي ساعدت على خلق كثير من الأشكال في صناعة الأواني, كذلك أدخلت أنواع عديدة من الزخارف "انظر شكل ٣٥"، ونتبين في رسوم الفخار أنها مرت بثلاث مراحل: الأولى: كانت الكائنات فيها ترسم على حقيقتها، والثانية: رسمت فيها الكائنات
стр. 472
بشكل زخرفي مختصر، أما الثالثة: فقد عاد الميل فيها إلى فن الحقيقة من جديد وتميزت المناظر المختلفة فيها بالحيوية والحركة؛ حيث يبدو أن الفنان كان يريد أن يعبر بها عن أفكار يرغب في إبدائها للناظر أي: إنه كان في الواقع يمهد للكتابة, وهذه المرحلة ترجع إلى نفس الزمن الذي ظهرت فيه الكتابة في العراق؛ أي أنها عاصرت نشأة الكتابة هناك، ولم يقتصر التقدم الفني على رسوم الفخار بل كان يتمثل كذلك في أشكاله؛ حيث عملت منه تماثيل صغيرة تمثل آلهة الأمومة وأنواع عديدة من الحيوانات ولعب الأطفال.
"شكل ٣٥" آنية من سيالك٣
وقد تطورت صناعة المعادن؛ فأصبح النحاس يصهر ويصب في قوالب لعمل الأدوات المختلفة ولو أن الآلات الحجرية ظلت مستعملة كذلك, وتعددت أدوات الزينة وزاد استخدام الأحجار شبه الكريمة، ومن المرجح أن اتساع نطاق التجارة جعل الصناع يميزون صناعاتهم بعلامات مميزة؛ فاستخدموا ختمًا من الحجر على مخروط كان في بداية الأمر ينقش بزخارف هندسية الشكل
стр. 473
ثم وضعت بعد ذلك رموز أخرى من الكائنات الحية "شكل ٣٦" والنباتات التي كانت تستوحى من رسوم الفخار.
وكان التقدم واضحًا في كل مضمار أثناء هذه المرحلة الحضارية إذ ارتقت الحياة الاجتماعية؛ حيث انتظمت الجماعات المختلفة في مدن كبيرة في مناطق السهول وخاصة في سوسة؛ فقد ظهرت أول حكومة مدنية في عيلام، أما المناطق الأخرى من الهضبة فإن قلة عدد السكان وتفرقهم في أماكن متباعدة كان سببًا في تأخر نمو هذه الجماعات وانتظامها في مدن كبيرة.
"شكل ٣٦" أختام بها زخارف هندسية الشكل
ولم يعثر على ما يمثل هذه المراحل الحضارية الثلاثة سالفة الذكر مجتمعة في أي من الأماكن الأثرية بالهضبة؛ ففي جيان "قرب نهاوند" وتل باكون وسوسة مثلًا لم تستقر الحضارة فيها إلا من نهاية عصر سيالك٢ وبعدها أخذت بعض المظاهر الحضارية ومن بينها الفخار الملون تنتشر في كل أنحاء الهضبة وخارجها، ثم أخذت صناعة الفخار والمعادن تخطو في تقدمها خطوات موحدة تقريبًا وإن وجدت مميزات فردية لكل منطقة, حيث أخذ كل مصنع يميل إلى أشكال معينة ويتأثر بمؤثرات خاصة، وقد مهد ذلك إلى تطور الحضارة في منطقة عيلام قبل دخولها في عصرها التاريخي.
стр. 474
فترة التمهيد للعصر التاريخي في عيلام:
أشرنا إلى أن علامات انعدام الوحدة في صناعة الفخار الملون أخذت تظهر في النصف الثاني من الألف الرابع قبل الميلاد, ثم اختفى هذا الفخار فجأة من سوسة وحل محله فخار أحمر يماثل أحد الأنواع التي ظهرت في بلاد النهرين، وربما يرجع ذلك إلى حدوث نهضة حضارية في سوسة كانت متأثرة بحضارة تلك البلاد.
ولم تكن منطقة سوسة هي المنطقة الوحيدة التي تأثرت بمؤثرات غريبة؛ بل أثبتت الأبحاث الأثرية أن كل السواحل الشمالية للخليج العربي قد تأثرت بها، كما أن المناطق الجنوبية من إيران كافحت طوال العصور التالية دخول المؤثرات الثقافية التي كانت تأتي من بلاد النهرين، أما المناطق التي كانت في غرب الهضبة فلم تعانِ ضغطًا أجنبيًّا وظل الفخار الملون مستعملًا وبنفس الأساليب القديمة؛ ولكن أضيفت إلى أشكاله وزخارفه القديمة أشكال وعناصر زخرفية جديدة، كما يتبين ذلك في آثار جيان, ثم أخذ الفخار الملون في الاختفاء تدريجيًّا من غرب إيران وحل محله الفخار الأسود أو الرمادي المسودّ؛ مما يوحي بتسلل عناصر أجنبية إلى المنطقة واندماجهم مع السكان الأصليين فيها، وتدل شواهد الأحوال على أن العناصر الدخيلة جاءت من التركستان الروسية أو من سهول بعيدة وسط آسيا, واستمرت في تقدمها غربًا حتى وصلت إلى كبادوشيا "Cappadocia" بآسيا الصغرى.
стр. 475
ولم ينجُ وسط إيران من المؤثرات الخارجية؛ فقد وجدت في سيالك آثار تدل على حدوث حريق وتدمير لبعض المساكن التي تنتمي إلى سيالك٣ وإقامة مساكن أخرى مكانها, اختفى الفخار الملون منها وحل محله فخار أحمر أو رمادي يشبه في أشكاله فخار سوسة، كما أن الختم الأسطواني أصبح يستعمل بدلًا من الختم المخروطي الذي كان معروفًا من قبل، ويدلنا هذا على إدخال الكتابة على الألواح الطينية, وبالفعل ظهرت الكتابة قبل العيلامية في ألواح وآثار وجدت مع هذه الأختام. ويبدو أن العناصر التي جلبت معها هذه الكتابة "قبل العيلامية" إلى سوسة دخلت أيضًا إلى منطقة سيالك؛ ولكن في غزوة وحشية, ومن المرجح أنها كانت أقوى وأغنى من سكان المنطقة الأصليين؛ لأن وجود مظاهر حضارية "من تلك التي أحدثوها في سوسة" بمنطقة سيالك مع ما صاحبها من آثار تدمير وحريق يشير إلى أن هذه الحضارة قد فرضت بالقوة خلافًا لما حدث في المنطقة الشمالية؛ حيث تسللت إلى هذه الأخيرة العناصر المسالمة التي أشرنا إلى احتمال مجيئها من التركستان أو من السهول البعيدة في وسط آسيا, وجلبت معها الفخار الأسود والرمادي المسود واندمجت مع السكان الأصليين١.
وتتميز منازل هذا العصر بأنها بنيت بعناية ولو أن أبوابها ظلت حقيرة، وكانت تزود عند مدخلها بموقد مقسم إلى قسمين, أحدهما للطعام والآخر للخبز وإلى جانبه إناء للماء. وقد عثر فيها على أثاث متواضع خشن الصنع, كانت مفرداته والمؤن المختلفة التي معه توضع داخل فجوات مخصصة لها أو تحاط بأسوار أو حواجز حجرية لحمايتها، وكان الموتى يدفنون تحت أرضية الحجرات وتوضع معهم مهمات جنزية وتقدمات مختلفة مثل أدوات الزينة والمرايا النحاسية وأوانٍ من المرمر وغيرها، وقد زين الموتى أنفسهم
стр. 476
بحلي كثيرة منها دلايات من الفضة المطعمة بالأصداف والذهب واللايس لازولي١, ودلايات أخرى من الفضة المطروقة, وأقراط مزينة بقطع من الذهب واللايس لازولي بالتبادل, وأساور من فضة, وعقود طويلة خرزها من أحجار بيضاء ومن الذهب والفضة واللايس لازولي والعقيق, ويوحي تعدد المواد ورقي الصناعة بأن هذه الحلي صنعت في سوسة أو في بلاد العراق؛ حيث عثر على ما يشبهها في المقابر الملكية في أور.
وتنحصر أهمية تلك الحضارة التي وجدت في سوسة وتوغلت إلى وسط هضبة إيران في استخدام الكتابة التي يدل مظهرها على أنها كانت متقدمة عن الكتابة التصويرية البحتة، ومع أنها لم تقرأ بعد؛ إلا أن ما عثر عليه من نصوص كتبت بها يدل على أن هذه النصوص عبارة عن أرقام وعمليات حسابية خاصة بشئون تجارية.
ومنطقة سيالك هي الموقع الوحيد الذي وجدت فيه وثائق مكتوبة قبل عصر الأخمينيين٢ داخل الهضبة؛ وحيث إن هذه المنطقة قد تأثرت بحضارة عيلام٣؛ فلا بد أن الكتابة والثقافة العيلامية قد انتشرنا إليها عن طريق توسع سياسي عيلامي يحتمل أنه كان لخدمة أغراض تجارية، ومما يرجح هذا الرأي أن الكتابة والثقافة العيلاميتين استمرتا فيها طوال المدة التي بقيت فيها مراكز تجارية عيلامية في وسط الهضبة, ثم اختفت بعد زوالها.
ومع أن التأثيرات الحضارية التي جاءت إلى إيران لم تصل إليها من منطقة واحدة أو في وقت واحد أو بدرجة واحدة؛ فإنها استطاعت أن تمتص هذه المؤثرات, وفي نفس الوقت كانت ثقافتها تنتشر إلى ما جاورها؛ فمثلًا استعملت بلاد النهرين نوعًا من الفخار المزخرف الذي كان شائعا في سيالك وحسار أي: إنه انتقل إليها من إيران.
стр. 477
العصر التاريخي
مدخل
...
العصر التاريخي:
بدأ التعرف على آثار ونقوش إيران منذ القرن الخامس عشر حيث زارها بعض المبشرين والرحالة, وقد ذكر بعضهم أن النقوش التي شاهدوها لا تمتُّ للفارسية الحديثة ولا تشبه العربية أو الآرامية أو العبرية؛ ولكنهم مع ذلك أخطئوا في افتراضاتهم التي ارتضوها لتفسير هذه النقوش والأنقاض التي شاهدوها، وربما كان إنجلبرت كيمبفر "Engeldert Kaempfer" الذي رافق بعثة سويدية إلى إيران سنة ١٦٨٣ أول من حاول وصفها وصفًا علميًّا, بل وهو أول من أطلق على تلك النقوش اسم "الكتابة المسمارية".
وفي أثناء عودة نيبور١ من الهند مخترقًا فارس توقف أمام أنقاض برسبوليس سنة ١٧٦٥ وعمل تخطيطًا ونسخ نصوصًا منها، وكان أول من تبين أن بها ثلاث كتابات مختلفة٢, وافترض أن العلامات البسيطة التي توجد بعد علامتين أخريين أعقد منها هي علامات هجائية استنتج منها ٤٢ علامة هجائية, تثبتت صحة ٣٢ منها فيما بعد بينما أخطأ في تسع منها, أما العلامة الباقية فكانت تستخدم فاصلًا بين الكلمات وليست هجائية، كذلك افترض بأن النقوش كانت تقرأ من اليسار
стр. 478
إلى اليمين، وهكذا كان نيبور من أعظم الذين أسهموا في محاولة تفسير هذه النقوش أو على الأقل وضع أسسًا مهمة في هذه المحاولة.
ومن أهم من جاءوا بعد نيبور المفسر الألماني جروتفند "Grotfend" الذي استطاع عن طريق الترجمة اليونانية لبعض النصوص الفارسية التي وضعها هيرودوت، وغيره من كتاب اليونان أن يتعرف في نقشين من برسبوليس باللغة الفارسية على أسماء ثلاثة من الملوك, وأن يستنتج منها القيمة الصوتية لثلاث عشرة علامة؛ ولذلك يمكن أن يقال بأنه اكتشف مفتاح اللغة الفارسية القديمة١؛ ولكن هذا لم يقابل بالتقدير من معاصريه إلا أن جهوده لم تتوقف عند هذا الحد بل تابع جهوده في محاولة كشف غموض كتابات قديمة أخرى في آسيا الصغرى وإيطاليا.
وظل علماء آخرون يبذلون جهودهم في تفسير رموز الفارسية ولكن نجاحهم كان محدودًا, ومن أمثلة هؤلاء راسك "Rask" الدانماركي وبرنوف "Bernouf" الفرنسي ولاسن "Lassen" الألماني النرويجي وغيرهم، وقد أحرز هذا الأخير نجاحًا كبيرًا بالاستعانة بفقرة مما كتبه هيرودوت عن الفرس؛ حيث تعرف على أسماء مرادفة لها في النقوش الفارسية القديمة المدونة في برسبوليس بالمسمارية, ومن فحص النصوص التي نسخها نيبور تبين له أن أحدها حوى ما لا يقل عن ٢٤ اسمًا استنتج منها هجائية, ثبت فيما بعد أن ٢٣ حرفًا منها كانت صحيحة.
ولعل أبرز المفسرين للغة الفارسية كان رولنسون الإنجليزي "Henry Creswick Rawlinson" الذي يعد بحق رائد أو "أب" الأشوريات؛ ففي سنة "١٨٣٥-١٨٣٦" تمكن من نسخ نقشين من النقوش الثلاثية في سلسلة جبلية جنوب همدان، وكل منهما كان مكتوبًا بثلاث لغات ولم يكن يعرف
стр. 479
أن جروتفند كان قد توصل إلى معرفة أسماء ثلاثة ملوك من قبل, وقد لاحظ أن النقشين يتشابهان في احتواء كل منهما على ثلاث مجموعات من العلامات, استنتج أنها لنفس هؤلاء الملوك ومنها توصل إلى معرفة عدد من الحروف، كذلك وجد أن هذه الأسماء وردت في الأسطر الأولى من النقش المدون بالفارسية القديمة, وتذكر سلسلة نسب أجزركسيس، كما وردت في فقرة من تاريخ هيرودوت؛ فساعد ذلك على التعرف على أسماء أكثر، وتوالى نجاحه بعد ذلك حتى تمكن من تفسير النقش بأكمله ونشره في سنة ٦-١٨٤٩.
ومن حل رموز هذه اللغة ومن تفسير مختلف النصوص التي عثر عليها أمكن التعرف على تاريخ إيران, والتوصل إلى أنه ينحصر في مرحلتين أساسيتين هما: مرحلة تاريخ عيلام، مرحلة تاريخ الإيرانيين "الميديين والفرس".
стр. 480
أولًا- عيلام:
في بداية الألف الثالث قبل الميلاد لم يدخل من إيران في العصر التاريخي سوى منطقة عيلام وحدها, أما بقية المناطق فإن معلوماتنا عنها تأتي من مصادر بلاد النهرين التاريخية وعلى الأخص المصادر البابلية, وهذه لا تذكر شيئًا عن الجهات الداخلية البعيدة؛ وإنما تكتفي بالمناطق المتاخمة لها على الحدود؛ حيث كان سكانها يعيشون على التلال ويحتكون دائمًا بأهل بلاد النهرين السومريين والساميين، وسكان المناطق المرتفعة هؤلاء هم من الجنوب إلى الشمال: العيلاميون والكاشيون واللولوبي والجوتي، وكلهم ينتمون إلى جنس واحد ويتكلمون لغات متشابهة. وقد أدى الضغط المستمر الذي كانت تفرضه عليهم الممالك المتحضرة في السهول إلى اتحادهم أحيانًا وبصفة مؤقتة؛ إذ كان الكفاح مستمرًّا بين الأمم المتحضرة في السهول وبين البدو وأشباه البدو في المناطق الجبلية؛ فكلما تكونت أسرة قوية في بابل زاد الضغط على سكان المناطق الجبلية, وكلما ضعفت بابل انحدر
стр. 481
هؤلاء من الجبال إلى مناطق السهول الغنية يحتلونها لفترات مختلفة، وعلى ذلك ظلت الهضبة الإيرانية في معظمها على حالة من البداوة، ولم يدخل العصر التاريخي في أول الأمر إلا منطقة عيلام.
فحوالي الربع الأول من الألف الثالث قبل الميلاد كانت هناك أسرة عيلامية قائمة بالفعل تحكم مساحة كبيرة من السهول والمناطق الجبلية, من بينها جزء مهم من ساحل الخليج العربي ومنطقة بوشير، وتدل شواهد الأحوال؛ على أن المملكة القائمة وإن كانت قد اتخذت كتابة خاصة؛ إلا أنها استعملت اللغة السومرية.
وعندما اعتلى "سرجون" الأكدي عرش بلاده غزا عيلام التي كافحت من أجل الدفاع عن كيانها, ولكن سرجون انتصر عليها في موقعتين حاسمتين، ومن المحتمل أنه ضم سوسة نفسها إلى ممتلكاته, كذلك كان ولده "مانيشتوسو" موفقًا في حروبه ضد عيلام, واستطاعت جيوشه أن تعبر الخليج العربي لتأمين الطريق المؤدي إلى المرتفعات التي كان يجلب منها المواد اللازمة للبناء. وفي عهد خليفته "نارام سن" حدثت ثورة في أطراف مملكته ومن بينها عيلام؛ ولكن هذه الثورة أخضعت بشدة واستطاع أحد قواده أن يشيد بعض المباني المهمة في سوسة، وقد حلت اللغة الأكدية "السامية" محل العيلامية، وأوشكت الثقافة العيلامية أن تختفي لولا أنها ظلت قائمة في المناطق الجبلية الوعرة.
وقد انتهز حكام عيلام الوطنيون ومن بينهم "بوزور أنشوشناق" كل فرصة للنهوض بعيلام من جديد؛ حيث نجد أن نصوصًا كتبت باللغة العيلامية وما قبل العيلامية قد عادت للظهور جنبًا إلى جنب مع نصوص كتبت بالأكدية، وانتهز "بوزور أنشوشناق" فرصة التظاهر بالدفاع عن سيده "نارام سين"١ وتوسع
стр. 482
في مد سلطانه نحو الشمال حتى وصل إلى الاحتكاك بقبائل جوتي، وقد أثرى بلاده بالغنائم التي حصل عليها وشيد الكثير من المباني، ولما مات "نارام سين" أعلن استقلاله وهاجم بابل نفسها حتى وصل إلى أكد؛ ولكنه رد عنها بصعوبة, ومع ذلك فقد احتفظ باستقلاله عن بابل التي أخذت في الضعف تدريجيًّا، واتجهت إليها الأنظار وخاصة بعد نجاح "بوزور أنشوشناق" فغزتها قبائل اللولوبي والجوتي الواحدة بعد الأخرى؛ واللولوبي كانوا يعيشون في المنطقة التي تمتد من شرق بغداد الحالية إلى كرمانشاه وحمدان وطهران, أما الجوتي فكانوا يعيشون في المنطقة الممتدة بين وادي زاب الأدنى والحوض الأعلى لنهر ديالة, وقد تخلصت بابل بعد ذلك من سيادة الجوتيين بقيام أسرة جديدة في أور تمكنت فضلًا عن ذلك من إخضاع سوسة وما حولها تحت سلطانها؛ ولكن هذه المملكة الجديدة لم يقدر لها البقاء طويلًا, فبعد مرور نحو قرن من الزمان هاجمتها مملكة "سيماش" "في الجبال الغربية من أصفهان" وهزمت ملكها وحملته أسيرًا إلى الجبال, وأصبحت "سيماش" صاحبة السلطان في سوسة وعيلام، ثم حدث رد فعل جديد حيث تكونت أسرة أيسين التي طردت "سيماش" واستولت على عيلام.
وهكذا نجد أن دور إيران في تاريخ غربي آسيا قد زادت أهميته في أثناء الألف الثالث قبل الميلاد، وكان ملوك بلاد النهرين يهدفون في حروبهم ضدها إلى غرضين: سياسي يتلخص في ضمان عدم قيام دولة قوية على حدودهم حتى لا تهدد كيانهم السياسي، واقتصادي يقصد من ورائه تحويل موارد الثروة من إيران إلى بابل.
ولا يعرف شيء عن الأحوال السياسية في المناطق الداخلية من إيران ولا مدى توغل العيلاميين واللولوبيين والجوتيين في المناطق التي تقع إلى الشرق من تلك التي أشرنا إليها؛ ففي سيالك توجد فجوة أثرية تمثل فترة استمرت ما يقرب من ألفي عام لا نعرف ماذا حدث خلالها؛ ولكن في جيان يبدو
стр. 483
أن المجتمع الذي عاش فيها ظل يتبع نفس أساليب الحياة دون تغيير يذكر؛ فالفخار الملون الذي يحاكي فخار سوسة ظل مستعملًا، وقد وجدت في المقابر حلي كثيرة من البرونز والفضة، وفي حسار حل الفخار الرمادي المسود محل الفخار الملون كما حدث في غرب الهضبة، وازداد استخدام المعادن وخاصة في صنع الأشياء الصغيرة، ومن المحتمل أن البرونز كان يقدر لقلته نسبيًّا أكثر من الفضة, وبذلك دخلت إيران الداخلية في عصر البرونز.
وأهم ما حدث في الألف الثاني قبل الميلاد هو ظهور العناصر الهندو أوروبية في غربي آسيا "وكان من أثرها دخول الهكسوس إلى مصر على الأرجح" ويبدو أن هؤلاء جاءوا من المناطق الرعوية في آسيا وتشعبوا إلى شعبتين: غربية دارت حول البحر الأسود "بعد أن عبرت البلقان والبوسفور"، ووصلت إلى آسيا الصغرى؛ حيث كونت المملكة الحيثية، شرقية عرفت باسم الهندو إيرانيين وقد دارت حول بحر قزوين وخرجت منها بضعة فروع, اتجه أحدها عبر القوقاز إلى أعالي الفرات؛ حيث اختلط بالحوريين أهل البلاد السابقين وكونوا مملكة ميتاني١، واتجه فرع آخر وسط جبال زاجروس إلى المنطقة الواقعة في جنوب طريق القوافل؛ حيث استقر فيها كأقلية نشيطة "اشتهرت منطقتها فيما بعد بتربية الخيول" عرفت باسم الكاشيين الذين يحتمل أنهم هم الذين تسببوا في القضاء على مدينة حسار أثناء اندفاعهم غربًا للاستقرار في تلك المنطقة, وذلك في حوالي منتصف الألف الثانية قبل الميلاد.
ومن المعروف أن أحد أمراء عيلام استطاع أن يغزو بابل في بداية الألف الثانية قبل الميلاد مكونًا بعد ذلك بوقت قصير أسرة لارسا التي استطاعت أن تقضي على أسرة أيسين, وبذلك أصبحت سيدة على بابل وأورك، ولكن حينما تولى
стр. 484
حامورابي عرش بابل سرعان ما أوقف تقدم العيلاميين بل وتمكن بعد ٣١ عامًا من أن يهزم ملكهم "ريم سن". وبعد عدة محاولات فاشلة من جانب ملوك عيلام حاولوا فيها الاحتفاظ بسلطانهم على لارسا اختفت عيلام لمدة قرن من الزمان, ثم أعيد بناؤها بضع عشرات من السنين, واختفت بعد ذلك على إثر غزوات الكاشيين.
وأول ما يطالعنا من النصوص عن الكاشيين في بابل هو ما يذكره خليفة حامورابي من أنه صد هجومًا لجيش من الكاشيين؛ ولكن مع ذلك يبدو أنهم تمكنوا في النهاية من التسلل إلى بابل كمهاجرين مسالمين لمدة قرن ونصف تقريبًا, ثم استطاعوا أن يستأثروا فيها بالسلطة في حوالي القرن ١٨ ق. م. وتعد سيطرتهم في بلاد النهرين أطول سيادة أجنبية فرضت فيها١, ومع ذلك لم يدخلوا عناصر حضارية جديدة تستحق الذكر، وتدل شواهد الأحوال على أنهم كانوا على صلات بمصر في عهد العمارنة. ويظهر أن مملكة أشور استطاعت أن تنهض وعقدت بينها وبينهم معاهدة على إثر حملة قام بها ملك أشور "أددنيراري الأول"، وقد اتفق فيها على الحدود, ثم عادت النهضة من جديد في عيلام؛ إلا أن الكاشيين ظلوا قابضين على ناصية الأمور في بابل؛ ولكنهم أصبحوا غاية في الضعف حيث إنهم وحلفاءهم الأشوريين هزموا أمام عيلام التي استطاعت أن تقضي أولًا على سلطان الكاشيين في بابل وخلعت ملكهم عن العرش ووضعت ابنه مكانه, وبعدئذٍ تقدمت جيوشها إلى الشمال واخترقت حوض ديالة ووصلت إلى منطقة كركوك ثم تقدمت نحو أشور كما حاصرت مدينة بابل، وبذلك أصبح كل حوض الفرات ومعظم ساحل الخليج العربي وسلاسل جبال زاجروس في يد علام.
وما أن حلت نهاية الألف الثاني قبل الميلاد إلا وتكونت أسرة قوية جديدة في بابل, استطاع ملكها "نبوخذ نصر" أن يحطم قوة عيلام واستولى على سوسة
стр. 485
فاختفت عيلام مرة أخرى, وكان ذلك لمدة ثلاثة قرون تقريبًا اشتد فيها التنافس بين مملكتي بابل وأشور الجديدتين من أجل السيطرة على الأراضي السهلة؛ بينما ظلت الهضبة الإيرانية قليلة الأهمية إلى أن تمكنت بعد بضعة قرون من أن تغير وجه التاريخ.
стр. 486
ثانيًا- الإيرانيون: الميديون والفرس:
الإيرانيون:
في بداية الألف الأول قبل الميلاد زاد استخدام الحديد وحدثت هجرة جديدة للشعوب الهندو أوروبية, وكان لهذين الحادثين أكبر الأثر في تاريخ آسيا.
ومن المحتمل أن الهجرة الهندو أوروبية الجديدة كانت تشبه الهجرة السابقة، وربما كانت من نفس المنطقة التي جاءت منها أيضًا؛ ففي سنة ١٢٠٠ قبل الميلاد تقريبًا اتجهت بعض الشعوب الهندو أوروبية إلى آسيا الصغرى وحطمت إمبراطورية الحيثيين، وكان الفلسطينيون الذين استقروا في فلسطين من بين شعوب هذه الهجرة وما زالت فلسطين تحمل اسمهم إلى اليوم, وقد وصلت هذه الهجرة عبر سورية إلى فلسطين وتقدمت نحو مصر إلا أن رعمسيس الثالث صدها، أما في إيران فإن الشعوب الإيرانية قد اخترقتها في بداية الألف الأول قبل الميلاد وأثرت عليها تأثيرًا مغايرًا لتأثير الغزوة السابقة التي حدثت قبل ذلك بألف سنة تقريبًا١, حيث إنهم لم يندمجوا في السكان الأصليين مثل ما فعله الحوريون والميتانيون والكاشيون من قبل؛ فقد وضعوا أنفسهم في مركز السيادة بعد أن تسللوا تسللًا بطيئًا إلى المنطقة, ثم تمكنوا بعدئذٍ من الخروج لغزو العالم، ولم تتمكن الشعبة الشرقية من هؤلاء الإيرانيين من التوغل جنوب هندكوش فاتجهت نحو الغرب
стр. 487
إلى قلب إيران؛ إلا أنها ظلت تطمح في الوصول إلى بلاد الهند الغنية وأخذت تتحين الفرصة لذلك، أما الذين اتجهوا إلى الغرب فلم تكن السلاسل الموازية لجبال زاجروس هي التي تحول دون تقدمهم؛ بل وقفت أمامهم سدًّا منيعًا هناك ولايات قوية لها ماضٍ وحضارة مستقرة منذ آلاف السنين؛ فالقبائل الإيرانية التي أرادت الاتجاه إلى الجنوب الشرقي على امتداد زاجروس كانت تواجهها من الشمال إلى الجنوب: أشور وبابل وعيلام، وإلى الشمال الشرقي حول بحيرة "وان" توجد جبال القوقاز ومملكة أرارات التي أصبحت فيما بعد ملكة أرمينيا. وعلى هذا ظل الإيرانيون لا يستطيعون اختراق ذلك الحاجز, وأخذوا خلال الأربعة القرون التالية يمتصون السكان الأصليين, ويفرضون ثقافتهم وسلطانهم السياسي في وديان جبال زاجروس.
وكان النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد نقطة التحول في تاريخ البشرية؛ لأن مركز السيادة العالمية أصبح لا يوجد في السهول والوديان الخصبة مثل: وادي النيل ووادي دجلة والفرات؛ بل انتقل إلى المرتفعات حيث وجدت ثلاث قوى في شرق إقليم الشرق الأدنى كانت تتصارع فيما بينها, وهؤلاء هم: الأشوريون ومملكة أرارات والإيرانيون، وبعد كفاح مرير تمكن الأخيرون من الانتصار على خصومهم وأسسوا أول إمبراطورية عالمية، ومن العسير التعرف على تفصيلات حوادث هذه الفترة إلا عن طريق الوثائق الأشورية؛ حيث لا يوجد ما ينير لنا الطريق عن هذا العصر سواها, وإن كان من المحتمل أن نعرف كثيرًا عن حضارة هؤلاء الإيرانيين بعد تقدم التنقيبات التي تجري في إيران وخاصة في منطقة سيالك التي أشير إليها فيما سبق، ومما ساعد على التحول السياسي عن السهول ازدياد استخدام الحديد وهو يوجد بكثرة في جنوب البحر الأسود عبر القوقاز التي تتحكم فيها مملكة أرارات، وهذه قد حولت اهتمامها نحو إيران التي كانت تكثر بها الخيول اللازمة للجيوش وبعض
стр. 488
المعادن، وحينما منعت إيران تلك الموارد عن أشور اضطرت هذه إلى اتباع سياسة الاعتداء عليها؛ ولكن ملوكها لم ينجحوا دائمًا في إخضاع تلك الجهات، وإذا ما نجحوا فإن إدارتهم لها لم تكن فعالة، وكانت هذه الاعتداءات المتكررة سببًا في تغيير بعض الأساليب الحربية, وأصبح الخيالة أهم سلاح في الجيش حيث حلوا محل العربات.
стр. 489
الميديون:
نجد في حوليات شلمناصر الثالث أول ذكر للإيرانيين؛ ففي سنة ٨٤٤ ق. م. عرف الأشوريون الفرس وفي سنة ٨٣٦ ق. م. عرفوا الميديين، وكان الفرس في غرب وجنوب غربي بحيرة أورميا، أما الميديون فكانوا في الجنوب الشرقي إلى جوار همدان، ومن المرجح أن هذه الأسماء لا تدل على اختلافات جنسية؛ وإنما تدل على أسماء القبائل التي عاشت في تلك المناطق، ويذكر الملك الأشوري "شمشي أدد الخامس" أنه هزم زعيمًا إيرانيًّا شمال بحيرة أورميا سنة ٨٢٣ ق. م.
ويبدو أن الفرس لم يستقروا في الشمال الغربي من إيران طويلًا إما نتيجة للغزوات الأشورية وإما نتيجة لضغط مملكة أرارات أو بعض القبائل الأخرى، وعلى ذلك اتجهوا في القرن الثامن نحو الجنوب الشرقي واستقروا في نهاية هذا الجزء من إيران غرب جبال بختياري في منطقة عرفت باسم "بارسوماش", ولما كانت المملكة الأشورية قد أخذت في الضعف منذ نهاية القرن التاسع فإن مملكة أرارات قد انتهزت الفرصة ووسعت أملاكها وفرضت سلطانها على الفرس، واستمر النضال بين أرارات وأشور إلى أن اعتلى عرش أشور "تجلات بلاسر الثالث" الذي انتصر على ملك أرارات وتوغل داخل مملكته وحاصر العاصمة نفسها؛ ولكنه لم يستطع الاستيلاء عليها, وقد قام بعدة حملات على الأمراء الإيرانيين والميديين وأخضع مدنهم ونظم إدارتها، ثم حاول ملك
стр. 490
أرارات الجديد أن يستنهض زعماء القبائل المجاورين له, ونجح في تكوين حلف منهم.
وكان من بين هؤلاء زعيم الميديين الذي أسس المملكة الميدية؛ ولكن "سرجون الثاني" ملك أشور نجح في القضاء على الثورات التي نشبت في أجزاء مختلفة من مملكته, كما أنه جلب ٣٠ ألف إسرائيلي وأسكنهم في المدن الميدية، وكلما تجددت الثورات ضد مملكة أشور كان سرجون يقضي عليها، أما "سناحريب" الذي جاء بعد ذلك بفترة فإن انشغاله في حروبه ضد عيلام ومصر ويهوذا جعله يخفف الضغط على الميديين، وفي تلك الأثناء دخلت عناصر جديدة هندو أوروبية التفت هي وكثير من المدن الإيرانية حول أحد زعماء ميديا؛ فبلغت هذه من القوة مبلغًا جعلها تنجح في تكوين مملكة, وتمكنت من التحكم في العناصر الهندو أوروبية الأخرى ومن بينها القبائل الفارسية. وقد استغل الميديون فرصة ضعف الإمبراطورية الأشورية واتجهوا نحو نينوى محاولين السيطرة على أشور، ولكن الملك البابلي "نبوبولصر" استطاع إيقاف هذا التوسيع الميدي ثم تحالف الميديون والبابليون وتمكنوا من إسقاط نينوى سنة ٦١٢ ق. م. وقسمت المملكة الأشورية بين الميديين والبابليين والكلدانيين؛ فاستولى الميديون على المناطق الواقعة شرق وشمال نهر دجلة, واستولى الكلدانيون على تلك التي تقع في الجنوب والغرب، ولم يكتفِ الميديون بذلك بل توسعوا نحو الغرب في آسيا الصغرى وحاولوا فرض سيطرتهم على ليديا "غربي آسيا الصغرى" وانتهى الأمر بالتحالف بينهما نتيجة لتوسط ملك بابل، ومع ذلك لم يأمن البابليون جانب الميديين فاتجهوا نحو عنصر إيراني آخر بدأ يبرز إلى ميدان القوة, وهذا العنصر حاول تأسيس مملكة بزعامة "أخيمين" "سنة ٧٠٠-٦٨٥ ق. م.", وحينما اعتلى العرش ولده تيسبيس أطلق على نفسه لقب "ملك أنشان" ثم قسم
стр. 491
مملكته بين ولديه "أريارامن" و"كورش الأول"، وقد حكم الأول في بارسا وحكم الثاني في أنشان, وبموت "أريارامن" خلفه ولده الذي لم يستمر طويلًا على العرش؛ إذ إن "قمبيز" بن "كورش الأول" وخليفته تمكن من أن يوحد المملكتين تحت سلطانه.
стр. 492
الأخمينيون "الفرس ":
ظل قمبيز خاضعًا للنفوذ الميدي على الرغم من أنه كان يحكم مملكة موحدة فلم يكن مستقلًّا كل الاستقلال؛ ولكن في عهد خلفه "كورش الثاني" اصطدمت القوتان الفارسية والميدية، واستطاع كورش أن يقضي على هذه المملكة الأخيرة واتخذ عاصمتها "أكباتاما" "همدان" عاصمة إيران الموحدة, وبذلك بدأ عهد جديد لإيران حيث احتلت بعد ذلك مركز السيادة في الشرق القديم. وقد تمكن كورش من توسيع مملكته فبسط سلطانه حتى حدود البحر المتوسط غربًا والهند شرقًا؛ بل وتمكن كذلك من احتلال بعض المدن والجزر اليونانية واحتل بابل, وبذلك قضى على أكبر منافس في الشرق القديم، ومنذ ذلك الحين انتهت مدينة بلاد النهرين, واستمر كورش الثاني في عملياته الحربية في الشرق والغرب موطدًا أركان إمبراطوريته، وكان سياسيًّا ماهرًا فلم يكن قاسيًا في معاملته للأعداء ولم يدمر بابل بعد إسقاطها, أما الأسرى الإسرائيليون الذين كانوا قد جلبوا إلى أشور وميديا فقد أعادهم إلى وطنهم الأول فلسطين١.
ولما اعتلى ولده "قمبيز الثاني" عرش الإمبراطورية تمكن من غزو مصر؛ فأصبح الفرس يحكمونها من الأسرة السابعة والعشرين إلى الأسرة الحادية والثلاثين باستثناء فترات قصيرة ثار فيها المصريون على الحكم الفارسي، وبعد موت قمبيز
стр. 493
انقسمت الإمبراطورية إلى عدة من الولايات التي كانت تحاول الاستقلال ولكن خليفته "دارا الأول" تمكن من إنقاذ الإمبراطورية، وأعاد الاستقرار إلى أجزائها المختلفة بعد أن خاض نحوا من ١٩ معركة حربية.
ويعد "دارا الأول" من أهم الملوك الذين حكموا الإمبراطورية الفارسية التي كانت تتكون من عشرين ولاية؛ حيث استطاع هذا الإمبراطور بفضل جهوده أن ينعش الحركة التجارية في أجزائها المختلفة وتوسع في إنشاء الطرق وأمر بحفر القناة التي تصل بين النيل والبحر الأحمر؛ ولذلك يرى بعض المؤرخين بأن هذا الإمبراطور يعد "يهودي عصره" نظرًا لما لقيه من نجاح في ميدان التجارة، كذلك نشط هذا الملك في تشييد المباني وتجميل العاصمة واستخدم في ذلك أرز لبنان والنحاس وخشب الأبانوس الوارد عن طريق مصر واستعان بالعمال الميديين والمصريين والبابليين أيضًا كما استخدم نظام نقد ثابت استعملت فيه العملة بدل المقايضة، وفي نهاية عهده ساءت العلاقات اليونانية الفارسية؛ مما أدى إلى قيام الحرب بينهما، وقد انهزم الجيش الفارسي في الموقعة المشهورة باسم ماراثون سنة ٤٩٠ ق. م.، وبعد ذلك بقليل أي في عهد "اجزر كسيس الأول" الذي تولى بعد دارا هزم الأسطول الفارسي في موقعة سلاميس سنة ٤٨٠ ق. م.، وقد تلا هذا الملك ملوك ضعاف كان عهدهم مليئًا بالحروب والثورات إلى أن انتهى الأمر بانتصار الاسكندر الأكبر؛ فأصبحت إيران ضمن أملاك السلوقيين، ولم تتمكن من العودة إلى النهوض إلا في عهد الساسانيين١ الذي استمر إلى أن دخل العرب إيران سنة ٦٥١م.
ولا شك أن الإمبراطورية الإيرانية كان لها أكبر الأثر في تاريخ وحضارة الشرق الأدنى القديم؛ فقد استعملت اللغة الآرامية كلغة رسمية وهذه انتشر
стр. 494
استعمالها كلغة دولية في الألف الأول قبل الميلاد، كما أن العقيدة الزرادشتية نمت وترعرعت في ظل الإمبراطورية الإخمينية وكانت معاصرة للديانة البوذية, وما زالت هاتان العقيدتان منتشرتين في كل من إيران والهند، ولم يحل تمسك الإيرانيين بعقيدتهم دون تسامحهم الديني في غالب الأحيان واتجهوا في سياستهم وحكمهم للشعوب اتجاهًا إنسانيًّا؛ فلم يدمروا مثلما دمر الأشوريون، ولم يشتتوا سكان بعض المناطق كما فعل غيرهم, بل على العكس من ذلك نجد أنهم في بعض العصور كانوا يميلون إلى اتباع سياسة تهدف إلى إنعاش التجارة وتعميم الرخاء في الولايات المختلفة.