الساميون
مدخل
...
٢- الساميون:
في عصر الأسرات الباكر تنافس حكام سومر على السيادة على نحو ١٢ مدينة وبضعة أميال مربعة من الأرض القابلة للزراعة, التي يحدها البحر جنوبًا وتنتهي عند كيش شمالًا, وكانت كل من ماري وأشور أجنبية بالنسبة لهم مثل عيلام؛ ولكن بعد سنة ١٤٠٠ ق. م. بقليل تمكن الأمراء الساميون في وسط العراق من تغيير مجريات الأحداث؛ فلم يكتفِ سرجون وخلفاؤه بإخضاع دويلات المدن السومرية لسلطانهم؛ بل غزوا كل حوض دجلة - الفرات وأجزاء أخرى من البلاد المجاورة, كما أرسلوا بعثات في الخليج العربي وكونوا أول إمبراطورية عظيمة لبلاد النهرين. وقد استمرت هذه الإمبراطورية نحو قرنين ثم قضت عليها قبائل جبال زاجروس والثورات الداخلية, ولكنها ضربت مثلًا لا يُمْحَى عن إمكان وحدة بلاد النهرين ووصولها إلى حدودها الطبيعية التي أصبحت حلم كل الملوك بعد ذلك؛ فمن منتصف الألف الثالث ق. م. إلى سقوط بابل سنة ٥٣٩ ق. م. يتمثل تاريخ العراق في محاولات هؤلاء الملوك لتحقيق هذا الغرض ومدى نجاحهم وفشلهم فيه.
ويختلف المؤرخون بشأن نشأة المملكة الأكدية؛ فمنهم من يرى أن وجود العنصر السامي في جنوب ووسط العراق يرجع إلى غزوة سامية حدثت في أوائل القرن الثامن والعشرين قبل الميلاد وكانت مدينة كيش أهم مسرح لها، وما إن استقر الأمر لهؤلاء الساميين حتى عملوا على توسيع رقعة سلطانهم ونجحوا في ذلك حتى استطاعوا أن يغيروا مجرى التاريخ في العراق القديم، ومن المؤرخين من يرى أن الساميين كانوا بالعراق منذ أقدم العصور وقد عاشوا جنبًا إلى جنب مع السومريين بدليل وجود أسماء سامية لملوك سلالة كيش الأولى؛ ولكنهم كانوا دون شك يكونون غالبية السكان في شمال العراق. ومهما كان الأمر فإن هذا العنصر السامي قد نجح إلى أبعد الحدود وتركز نشاطه في المنطقة الوسطى من بلاد النهرين, وقد عرفت هذه المنطقة باسم أكد؛ ولذا يطلق على الدولة التي أسسها سرجون فيها اسم الدولة الأكدية.
стр. 422
سرجون الأول:
يرجع بعض المؤرخين حكمه إلى الفترة ما بين ٢٣٧١-٢٣١٦ ق. م؛ بينما يرى البعض الآخر أنه أنشأ مملكة موحدة حوالي سنة ٢٣٥٠ ق. م؛ ولكنهم جميعًا يتفقون في أنه حكم نحوًا من ٥٥ عامًا على أي حال، ونظرًا لنجاحه الساحق فقد حِيكت حول نشأته الأساطير وخاصة لأنه لم يكن في طفولته شخصية معروفة، ومن المحتمل أنه كان من غلمان قصر ملك كيش ثم تدرج في سلك الوظائف حتى أصبح ساقيًا للملك "أور - زبابا" "ثالث ملوك أسرة كيش الرابع".
وبفضل ذكائه استطاع أن يصل إلى مركز سامٍ جعله يستحوذ على السلطة, وما لبث أن قضى على سيده وأعلن نفسه ملكًا على كيش، ثم بدأ في الكفاح ضد لوجال زاجيزي ملك أوما الذي سبقت الإشارة إليه١ وتمكن من الانتصار عليه ثم شيد مدينة أكد وأخذ في تدعيم ملكه حتى أنشأ الإمبراطورية السامية الأولى؛ إذ إنه بعد أن نجح في ثورته على سيده وانتصاره على لوجال زاجيزي اتجه نحو الشمال واستولى على مدينة ماري "تل الحريري" ومنها اتجه نحو الشمال الشرقي إلى هضبة كركوك وأربيل, وبعد ذلك عاد إلى جنوب العراق حيث نشر نفوذه على مدينة أور السومرية, واستطاع أن يوحد العراق لأول مرة توحيدًا ظل مستمرًّا فترة طويلة نسبيًّا، وبعد أن وطد نفوذه في الداخل استولى على منطقة عيلام الواقعة في جنوب غرب إيران "أي: جنوب شرق العراق"
стр. 423
وكانت عاصمتها سوسة، وتذكر وثيقة من تل العمارنة "وهي مكتوبة في عصر متأخر عن عصر سرجون" أنه عبر جبال طوروس إلى بلاد الأناضول وسيطر على جزء كبير منها، ويؤكد ذلك ما ورد في بعض الوثائق التي عثر عليها في أطلال بوغاز كوي, كما يحتمل أنه وصل إلى جزيرة قبرص. وهكذا نجد أنه حكم إمبراطورية مترامية الأطراف ظل يحكمها نحو ٥٥ عامًا حتى حيكت حوله الأساطير، وأصبح في نظر الأجيال المتأخرة إلهًا، ومع هذا فقد أخذت نيران الثورة تشتعل ضده في جميع أنحاء الإمبراطورية قبل وفاته.
ومنذ عهد سرجون أخذت العناصر السامية تسيطر من الناحيتين السياسية والحضارية, وقد بدأت اللغة الأكدية المكتوبة بالخط المسماري تحتل مكانة رفيعة, حتى أصبحت اللغة الدولية في الشرق الأدنى القديم.
стр. 424
خلفاء سرجون:
خلف سرجون ابنه "ريموش" الذي اضطر للكفاح من أجل إعادة السلم في مختلف أنحاء مملكته؛ فقام بغزوات متلاحقة على كثير من أطرافها لكي يخمد الثورات فيها، ولم يستمر في الحكم طويلًا بل ذهب ضحية مؤامرة في السنة التاسعة من حكمه, وخلفه أخوه "مانيشتوسو" الذي استمر في كفاحه من أجل الإبقاء على الإمبراطورية التي شيدها أبوه, ولم يقتصر في ذلك على سياسة الغزو بل قام بتحسين الأحوال الاقتصادية والشئون الداخلية في البلاد، وقد حكم خمسة عشر عامًا ثم تبعه ابنه "نرام - سن Naram – sin" الذي تمكن من إعادة الاستقرار إلى إمبراطوريته الواسعة على الرغم من محاولة السومريين تفكيك وحدتها، وقد حكم "نرام - سن" نحوًا من أربعين عاما بذل فيها جهده في رفع شأن أمته؛ حيث شجع الفنون على اختلافها وحرص على تشييد دور العبادة وتعميرها، ومن أهم آثاره لوحه النصر, وهي تمثله على رأس جيشه منتصرًا على بعض القبائل الجبلية المعروفة باسم لولوبي "Lulubi" ومن آثاره كذلك
стр. 425
لوحة حفرت في جبل عالٍ في منطقة ديار بكر شمال العراق, جاء فيها أنه هزم بلاد "ماجان" التي تحوي محاجر الديوربت، وقد استورد منها هذا الحجر ليصنع تمثالًا لنفسه. وكان بعض المؤرخين يشك في أن "ماجان" هي مصر؛ حيث إن النصوص البابلية كانت تشير إلى مصر باسم "مالوخا" الغنية بالذهب, كما يشكون في أن "نرام - سن" هاجم مصر في أوائل عهد الأسرة السادسة, ويستدلون على ذلك بأن ببي الأول كلف وزيره أوني بالدفاع عن مصر ضد غزوات قوية وجهت إليها في شمالها الشرقي؛ ولكن أوني استطاع أن يهزم العدو عند الحدود الشمالية الشرقية لمصر؛ إلا أن هذا الرأي بعيد عن الصواب؛ لأن ماجان كانت تطلق على منطقة عمان الواقعة جنوب شبه جزيرة العرب, وهي غنية بالحجر والنحاس.
وكان نرام سن آخر ملك قوي من الأكديين؛ حيث تبعه في الحكم ولده "شاركار شري" "وشار بالأكدية تعني: ملك" الذي كان ضعيفًا لم يستطع مجابهة الظروف؛ حيث اندلعت الثورات في أنحاء الإمبراطورية, وقامت الشعوب التي خضعت للأكديين تبغي إعادة استقلالها، كما انتهزت قبائل الجوتيين التي كانت تسكن في الجبال الشمالية الشرقية فرصة الضعف الذي مُنِيت به الإمبراطورية وزحفت على السهول الخصبة في بلاد النهرين, وقضت على حكم الإمبراطورية، وكان من قسوتها في حروبها أن ظل الناس في الأجيال التالية يذكرون فظائعهم لمدة طويلة، وقد وصف أحد الكتاب القدامى ذلك بقوله: "وحوش الجبال, الذين فتكوا بالناس, وسلبوا النساء من أزواجهن والأطفال من أمهاتهم, والذين اغتصبوا الحكم وقضوا على "سومر" بعد أن حملوا كنوزها معهم إلى الجبال".
وبعد أن استقر الأمر لهؤلاء الغزاة فضلوا العودة إلى وطنهم في الشمال
стр. 426
مكتفين بفرض الجزية على أهل المدن السومرية، وقد اتبعوا في حكمهم الأساليب التي استعملها الأكديون, ولم يغيروا شيئًا من النظم الحضارية فاستعملوا اللغة السومرية في رسائلهم ومكاتباتهم, وقد تفاخروا بتلقيب أنفسهم بلقب "ملوك الجوتي وأركان العالم الأربعة". ولم يصلنا عن حكمهم شيئًا اللهم إلا أسماء ملوكهم؛ فقد ذكرت لهم قائمة الملوك السومرية أسماء ٢١ ملكًا؛ ولكن خمسة فقط من هؤلاء هم الذين تركوا بعض النقوش ولم نعرف من النصوص التاريخية اللاحقة لعهدهم شيئًا عن الأحداث التاريخية في زمنهم, ولكنها مع ذلك تصفهم بالتعسف الشديد.
وكان لبعدهم في الشمال وتركهم تصريف الأمور لأبناء البلاد الأصليين أثر في إتاحة الفرصة لهؤلاء كي يعيدوا مجد الحضارة السومرية وأن ينهضوا من جديد؛ فظهرت في ميدان القوة بعض المدن السومرية وخاصة أور ولجش وغيرهما، ولم يستمر حكم الجوتيين أكثر من ١١٠ أعوام تقريبًا.
стр. 427
٣- عودة نفوذ السومريين "النهضة السومرية ":
ظلت معظم المدن السومرية تحت حكم أسراتها الحاكمة وإن خضعت لسلطان الأكديين أو غيرهم، وانتقل الحكم من أسرة إلى أخرى في المدن المختلفة, وظهر فيها بعض الحكام الأقوياء بين حين وآخر.
ومن أشهر هؤلاء الحكام "أوتو حيجال" مؤسس أسرة الوركاء الخامسة الذي أعلن الحرب على الجوتيين، وما أن بدأ كفاحه ضدهم حتى انضم إليه عدد من أمراء جنوب العراق فهزموا الجوتيين المكروهين لدى الجميع, وحاول ملكهم "تيرقان" الهرب؛ ولكن قبض عليه وسلم لقائد السومريين، ونهضت نيبور من جديد وأصبحت الوركاء على رأس دويلات المدن السومرية؛ إلا أن ذلك
стр. 428
لم يستمر طويلًا؛ لأن "أورنمو" مؤسس الأسرة الثالثة في أور سرعان ما أعلن الثورة على "أوتو حيجال" وانتزع منه السيادة, وأعلن نفسه ملكًا على دولة سومر.
وكان أورنمو "Ur - Nummo" من قواده في أول الأمر؛ ولكنه استطاع أن يبرز في أور, وأن يمد نفوذه إلى ما وراء حدودها؛ فضم عددًا من المدن تحت سلطانه وأعلن نفسه ملكًا في أور على دولة سومر, وبذلك أسس أسرة أور الثالثة التي يعد عصرها "عصر أور الذهبي" لما ظهر فيه من تقدم ورخاء.
وقد قام أورنمو بإصلاحات كبيرة؛ فأعاد بناء ما تهدم من المعابد وأعاد حفر شبكة القنوات التي كانت تعتمد عليها ثروة البلاد، وقد عثر على نسخة من القانون الذي وضعه قبل قانون حمورابي بثلاثة قرون تقريبًا, ومن أهم الآثار التي تركها معبد أور المدرج المعروف باسم زقورات أور"Ziggorat" ١ شكل وكان مبنيًّا باللبن في درجات يعلو بعضها البعض, تؤدي إلى الأماكن التي تعلو البناء, وقد ترك لنا أورنمو نقوشًا تبينه وهو يتعبد في المعبد كما تبين بعض مناظر عملية بنائه, وكان جوديا رابع أمير في أسرة لجش الثانية يعاصر "أورنمو" أو خلفه "شولجي"، وقد اشتهر هذا الأمير بأعماله العمرانية وتشجيع التجارة مع كثير من أقطار الشرق الأدنى مثل عيلام وسورية والأناضول, وقد عمل على رفاهية رعيته طوال مدة حكمه التي بلغت ثلاثين عامًا وكان تفانيه في خدمة الدين من الأسباب التي جعلته يترك آثارًا تفوق آثار غيره من أمراء المدن السومرية.
стр. 429
شكل "٣٣" زاقورات أور
стр. 430
ولما مات أورنمو خلفه ولده "شولجي Chulgi" الذي سار على نهج والده في سياسة التعمير؛ ولكنه اهتم بمدينة "أريدو" التي كانت على شاطئ البحر وكانت تعتبر مقرًّا للإله "إنكي" إله الماء والبحار. وقد عثر على بعض اللوحات في مدينة لجش أمكن منها معرفة الكثير عن النظام الإداري في عهده وتبين أن الحكومة المركزية في أور كانت تشرف إشرافًا تامًّا على سائر شئون الدولة وفي مختلف أرجائها، وقد وصل نفوذه السياسي والحضاري إلى أمد بعيد حتى ليرى البعض أنه وصل إلى آسيا الصغرى وحوض البحر المتوسط؛ ولكن لا يوجد من الأدلة ما يكفي لإثبات ذلك.
ولما مات شولجي كان الرخاء والأمن سائدين؛ ولذا لم يجد خلفاؤه ما يوجب بذل جهود ضخمة، وكان هذا الرخاء في الواقع يحمل بين طياته نذير الاضمحلال.
стр. 431
٤- تنافس الأموريين والعيلاميين "سيادة مدينتي أيسين ولارسا ":
يعد عهد سلالة أور الثالثة الذي دام أكثر من مائة عام نهاية حياة السومريين السياسة؛ لأن هؤلاء اندمجوا بعد ذلك بالساميين ولم تحكم في أور بعدها أسرة سومرية خالصة، وقد أقام آخر ملوكها "أبي- سين" -وهو خامسهم- ببناء سد لصد هجوم الأموريين وهم الشعوب السامية التي عاشت واستفحل خطرها في منطقة ماري في حوض الفرات الأوسط.
ومن المعروف -حسب آخر ما كشف من الوثائق التاريخية- أن المدن التي كانت تحكمها أور أخذت تخرج عن سلطانها حتى السنة الحادية عشرة من حكم "أبي- سين" وحينما رأى حاكم ماري من قبل ملك أور "وهو المدعو أشبي- إيرا" أن الأموريين يهددون مدينتي "أيسين ونفر" استنجد أول الأمر
стр. 432
بسيده للدفاع ضد الأموريين؛ ولكنه وجد بعد ذلك أن تدهور الأحوال داخل المملكة يشجعه على أن يستغل الفرصة لنفسه؛ فقام بالدفاع عن مدينة أيسين لصالحه الشخصي ونجح في تكوين سلالة خاصة في هذه المدينة ابتداءً من السنة الثانية عشرة من حكم أبي سين.
وفي نفس الوقت تقريبًا نجح العيلاميون في غزو العراق ودمروا أور، ويرى بعض الباحثين أن أبي - سين لم يؤخذ أسيرًا إلى عيلام بعد هذه الغزوة؛ لأنه كان متحالفًا مع العيلاميين ضد الأموريين عندما اشتد ضغطهم على بلاده, ومهما كان الأمر فإن سيادة أور انتهت بذلك الغزو المزدوج الذي قام به الأموريون والعيلاميون، وقد نتج عن هذا وجود أسرتين حاكمتين في العراق؛ إحداهما في أيسين وهي التي أسسها "أشبي إيرا" والأخرى في "لارسا" وهذه يرجح أنها كانت خاضعة لنفوذ العيلاميين، وفي نفس الوقت كان الأشوريون في الشمال قد بدءوا يكونون دولة مستقلة, كما وجدت بعد فترة مملكة في بابل ينتمي ملوكها إلى أصل أموري ومملكة أخرى عرفت باسم مملكة أشنونا "نسبة إلى العاصمة أشنونا, وموقعها الآن تل أسمر" في حوض نهر ديالي، وهكذا نجد أن بابل عادت بعد سيادة أور إلى نظام دويلات المدن، وقد اصطلح المؤرخون على تسمية هذا العهد باسم العهد البابلي القديم، وفي أثنائه كانت سلالة من الساميين الغربيين تحكم في مدينة ماري, وكان بعض ملوكها يعاصرون الملك حمورابي.
وقد استمر النزاع بين أسرتي أيسين ولارسا ولا نعرف عن حكمهما سوى أن ملوك الأسرة الحاكمة في أيسين قاموا بأعمال عمرانية في أنحاء البلاد الخاضعة لهم, ورمموا كثيرًا مما خرب على إثر سقوط أسرة أور الثالثة، ومن أشهر ملوكهم "لبت عشتار" خامس ملوك الأسرة الذي عثر له على قانون مكتوب باللغة السومرية يعد من أحسن شرائع العالم القديم، وقد حكم في أيسين ١٥ ملكًا
стр. 433
لمدة تقرب من ٢٢٥ سنة, أما في لارسا فقد حكم ١٤ ملكًا مدة تقدر بنحو ٢٦٠ سنة، وكان ملوك أيسين من الأموريين أما ملوك لارسا فمن البابليين الذين خضعوا لنفوذ العيلاميين, وقد تدخل هؤلاء في شئون البلاد وقضوا على آخر ملك فيها وعينوا بدلًا منه ابن ملك عيلام في مكانه، ولما مات هذا الأخير عُيِّن أخوه "ريم سين" من بعده، وقد قضى هذا الأخير على الأسرة المنافسة في أيسين وحكمها بنفسه، وفي هذه الأثناء كان حامورابي سادس ملوك الأسرة البابلية الأولى يحكم في بابل، وقد تمكن هذا الملك من أن يقضي على العيلاميين بعد حروب طاحنة، كذلك قضى على مملكة أشنونا وتم له ذلك في السنة الثانية والثلاثين من حكمه, كما استطاع أن يقضي على استقلال المملكة التي تكونت في أشور وكان من أشهر ملوكها سرجون الأول "الأشوري".
стр. 434
٥- مملكة أشنونا:
تعد مملكة أشنونا من دويلات المدن التي لعبت دورًا مهمًّا في تاريخ العراق؛ فقد نشأت هذه الدولة التي كانت عاصمتها أشنونا "تل أسمر الحالية" منذ عصر فجر الأسرات، ثم قضى على استقلالها سرجون الأكدي١ وبعدئذ خضعت لأسرة أور الثالثة٢؛ ولكنها استقلت بعد ذلك فترة طويلة دامت إلى السنة الثانية والثلاثين من حكم حمورابي الذي قضى على استقلالها في تلك السنة وضمها إلى إمبراطوريته بعد أن ظلت قائمة نحو قرنين ونصف من الزمان, وتوالى في حكمها نحو من عشرة ملوك ترك أحدهم "وهو على الأرجح "بلالاما"" قانونًا
стр. 435
يعد من أقدم قوانين العراق القديم؛ إذ إنه يسبق قانون "ليت عشتار" بنحو نصف قرن وقد عثر على هذا القانون في تل حرمل١ وليس في أشنونا نفسها.
وقد تدهورت مملكة أشنونا بعد "بلالاما" فترة بسبب إغارة ملك "دير"٢ عليها وهزيمتها أمام ملك كيش الذي حرمها من كثير من ممتلكاتها؛ ولكنها عادت إلى التوسع في عهد ملكها "إيبق- أدد الثاني" الذي يبدو أنه أراد الاستيلاء على حوض دجلة وأرض الجزيرة العليا حتى سفوح كردستان وإنشاء جسر له على نهر الفرات حتى يتحكم في طرق التجارة الآتية من الشمال والغرب؛ ولكن هذا التوسع كان وقتيًّا وذهبت محاولات الملوك الأخيرين في المملكة من أجل الإبقاء على الأراضي التي امتلكوها سدى؛ لأن الممالك القوية التي نشأت في بابل ولارسا في الجنوب وأشور في الشمال وماري في الغرب أحاطت بأشنونا، ووقفت سدًا منيعًا أمام أطماعها ثم استولى عليها الأشوريون في عهد ملكهم "شمش- أدد"، ولم يبق الحال على ذلك طويلًا؛ لأن ملك أشنونا الذي يرجح أنه كان "دادوشا" ظل يثير المتاعب ويحيك المؤامرات لجيرانه ولمملكة أشور، وقد تمكن الأشوريون من التوغل في أراضي أشنونا إلى مسافة بعيدة؛ ولكن تعاونت قوات "توروكو" في كردستان مع قوات أشنونا وظهرت جميعها في كركوك بل وهددت ماري أيضا، وقد أثار تقدم الأعداء على طول الفرات خوف العاصمة الغربية؛ فاستنجد ملكها الأشوري "يسمح- أداد" بأخيه "أشمى- داجان" ملك أشور وأوقف تقدم قوات أشنونا, ثم قضى حمورابي ملك بابل بعد ذلك على كل من مملكتي أشنونا وماري.
стр. 436
٦- البابليون:
الدولة البابلية الأولى:
أسس هذه الدولة الملك "سمو- أبوم" الذي كان يحكم رقعة صغيره في جنوب العراق، وقد بدأ توطيد سلطانه بالقضاء على أمراء المدن الجنوبية وأعلن نفسه ملكًا على بابل بعد أن بسط نفوذه على سومر وأكاد، وظل في الحكم ما يقرب من خمسة عشر عامًا ثم خلفه أربعة ملوك حافظوا على حدود المملكة وإصلاح شئونها.
ولما استولى العيلاميون "في عهد زابوم ثالث ملوك الأسرة البابلية" على مدينة أيسين عاصمة الأموريين واستقروا فيها أخذ النزاع يشتد بين ملوك بابل والعيلاميين؛ حيث بدأ ملوك بابل يشعرون بالخطر يهدد كيانهم نظرًا لسرعة انتشار نفوذ العيلاميين.
وحينما تولى حامورابي سادس ملوك الأسرة البابلية عرش بلاده "١٧٢٨-١٦٨٦ ق. م." لم يغفل خطورة الموقف، وكان رجلًا فذًّا في شئون السياسة والحرب؛ فلم يحاول الخروج إلى الحرب في السنوات الأولى من عهده, بل شغلها بالإصلاحات الداخلية وتقوية وسائل الدفاع حول مدنه المهمة استعدادًا لكفاحهم المرتقب؛ فقد وجد في بداية عهده أن دولة لارسا أصبحت تتحكم في الأجزاء التي تقع إلى جنوب بابل بعد أن أخضع ملكها "ريم سن" مملكة أيسين لسلطانه، وأن مملكة أشنونا تحكم المنطقة التي تقع إلى شمال بابل مباشرة؛ بينما كانت مملكة أشور تتحكم في الأجزاء التي تلي ذلك شمالًا.
стр. 437
وقد بدأ حمورابي في السنة الخامسة من حكمه بالاستيلاء على أيسين؛ ولكنه وجد أن قوته لا تسمح له بملاقاة "ريم سن" ملك لارسا ففضل الانتظار نحو ثلاثة وعشرين عامًا قضاها في الاستعداد, وفي السنة التاسعة والعشرين تقابل مع الملك العيلامي ريم سن في حرب قاسية استطاع الانتصار فيها، وكان هذا الانتصار حدثًا في تاريخ العراق أرخ به المؤرخون, ومن جرائه تغنى شعراء بابل بعظمة حامورابي ورتلوا الأناشيد من أجله في المعابد.
ولما زال خطر العيلاميين تمكن حامورابي من مد سلطانه شمالًا إلى أعالي نهر دجلة؛ فاستولى على مملكة أشنونا وضمها إلى إمبراطوريته كما ضم إليه بلاد الأشوريون؛ إذ تمكن في السنة الثانية والثلاثين من حكمه من الاستيلاء على عاصمتهم الغربية ماري، وحين اكتشف أرشيف قصر هذه المدينة عثر فيه على أكثر من ٢٠ ألف لوحة طينية, من بينها مجموعة من الرسائل المتبادلة بين ملوك المدينة وغيرهم من حكام المدن الأخرى وملوكها، ومن أهمها رسائل تبودلت بين الملك "زمرى ليم" "Zamrilim" وبين حمورابي, كما أن إحدى هذه الوثائق تثبت معاصرة الملك حمورابي للممك "شمسي أدد الأول" ملك أشور, كذلك تمكن حمورابي من الوصول بحدوده جنوبًا إلى الخليج العربي، ويعد عصره العصر الذهبي لبلاد العراق القديم من حيث الرخاء، ومن حيث الرفاهية التي كانت تنعم بها.
وتعد مجموعة التشريعات التي سنها وهي المشهورة باسم "قانون حمورابي" أهم ما قام به من إصلاحات، وقد وجدت نسخة من هذا القانون على كتلة من الديوريت عثر عليها في أطلال "سوسة" وتبلغ مواده نحو ٢٥٠ مادة، وقد حدد العقوبات التي يستطيع القضاة توقيعها في حالات معينة، أما إذا لم يرد نص يختص بجريمة ما فإنه أشار إلى أن الحكم يجب أن يكون حسب العرف السائد في المنطقة، ومن الملاحظ في هذا القانون أنه كان قاسيًا
стр. 438
في توقيع العقوبات على كل من يخرج على العرف أو يقترف ما يتنافى مع مبادئ الأخلاق, كما أنه تعرض لمشاكل الوراثة والتبني وغيرهما، وفي معظم أحكام هذا القانون نجد اتجاهًا للأخذ بمبدأ "العين بالعين والسن بالسن" أو "المعاملة بالمثل" الشائع بين الشعوب السامية.
وقد حكم حمورابي نحو ثلاثة وأربعين عامًا تمثل أزهى عصور العراق؛ ولكن خلفاءه لم يتمكنوا من الدفاع عن دولتهم المترامية الأطراف حيث أخذت الثورات تشتعل في أكثر من مكان، ورغم أن ولده "سامسو إبلونا" قام بجهود متواصلة لإخماد هذه الثورات فإن جهوده ذهبت عبثًا؛ حيث أخذت أجزاء من الإمبراطورية التي كونها والده في الانفصال وأعلنت استقلالها, ودب الضعف في كيان ما تبقى من الدولة حتى تمكن الحيثيون في نهاية عهد الأسرة البابلية من القضاء نهائيا على دولتهم, بعد أن حكم فيها ١١ ملكًا نحو ٢١٥ سنة.
стр. 439
مملكة بابل الثانية "دولة أرض البحر ":
أشرنا فيما سبق إلى أن "سامسو - إيلونا" قام بجهود متواصلة للإبقاء على الإمبراطورية التي تركها والده، وأن هذه الجهود ذهبت هباء حيث فقدت الإمبراطورية مساحة كبيرة من أراضيها. ومع أن الثورة التي قام بها أحد الثائرين١ في الأجزاء المتاخمة لعيلام أخمدت وقتل القائم بها بعد عامين من نشوبها؛ فإن "إيلومو إيلو" الذي يحتمل أنه كان من سلالة "دامق - إبلوشو" آخر ملوك أيسين قد أعلن استقلاله في سومر وأصبح سيدًا على البلاد الواقعة في جنوب نيبور جميعها, وأسس ما يعرف باسم مملكة بابل الثانية أو "دولة أرض البحر" ونتج عن ذلك تدمير وتخريب عدد من المدن السومرية -ومن بينها أور- في الحروب الطويلة الطاحنة؛ حيث كانت مسرحًا لعمليات الفريقين المتنازعين
стр. 440
وقد حاول خلفاء سامسو إيلونا إعادة خضوع هذه البلاد لسلطانهم دون جدوى؛ فظلت دولة أرض البحر قائمة تتبادل النصر والهزيمة مع بابل التي قنع ملوكها في النهاية بتحصين بعض مدنهم والتفرغ للأعمال العمرانية والدينية.
وبعد أن قضى الحيثيون على مملكة بابل الأولى وجد الكاشيون الذين كانوا يستوطنون في أقدم عصورهم منطقة لورستان١ الفرصة سانحة لإخضاع بابل لسلطانهم وخاصة بعد انسحاب الحيثيين المفاجئ منها، وأصبح ملوكهم يتربعون على عرشها بعد أن احتلوها. وفي حوالي سنة ١٥٠٠ ق. م. "أي بعد نحو ٨٠ سنة من الغزوة الحيثية" استطاع ملكهم "أولام - بورياش" أن يهزم ملك أرض البحر "إيا جميل"؛ فقضى على مملكة بابل الثانية, وأعاد خضوع بلاد سومر بأكملها لسلطان بابل من جديد.
стр. 441
مملكة بابل الثالثة "الدولة الكاشية ":
في نفس الوقت الذي سقطت فيه أسرة بابل الأولى تقريبًا, أخذت جموع متتالية من رجال القبائل الجبلية الواقعة في شرق نهر دجلة تهبط إلى السهول لمهاجمة بلاد بابل، وقد استطاعت "بعد انسحاب الحيثيين" أن تكون دولة قوية عرفت باسم الدولة الكاشية "kassites" أو دولة بابل الثالثة ومع أن حكمها يعد أطول احتلال شهدته أي دولة قديمة؛ إذ استمر نحوًا من ٤٣٠ سنة "١٥٩٥-١١٦٢ ق. م." إلا أن معلوماتنا عنه قليلة نظرًا لضآلة الوثائق التاريخية عنه.
ويتميز عصر هذه الدولة بحدوث الكثير من الغزوات والقلاقل في منطقة الشرق الأدنى القديم، وقد كثرت السلطات المتنازعة على السيادة الدولية
стр. 442
في أثنائه وكانت بعض القوى الجديدة تظهر ثم لا تلبث أن تختفي لتحل محلها قوى أخرى، وهكذا نجد دولة البحر في جنوب العراق والكاشيين في الوسط والأشوريون في الشمال والشمال الشرقي؛ وبينما كان الأشوريون يجاهدون في الانفصال عن الكاشيين نجدهم لا يلبثون أن يخضعوا للميتانيين. ومن جهة أخرى كان الميتانيون ينافسون الحيثيين الذين استطاعوا القضاء على دولة بابل الأولى والسيطرة على شمال العراق وسورية واتسعت إمبراطوريتهم تدريجيًا حتى اصطدموا بالمصريين في عهد الدولة الحديثة, التي كانت حينئذٍ تسيطر على أكثر مناطق العالم القديم المعروفة، أما عيلام فإنها لم تتمكن من أن تعيد قوتها مباشرة بعد أن قضى عليها حمورابي، وفي نهاية هذا العهد تعقدت العلاقات الدولية وتبادل الملوك الرسائل وقامت بينهم المعاهدات والمصاهرات الدولية.
وقد اختلف المؤرخون في أصل الكاشيين ولم يصلوا إلى رأي في هذا الصدد، وكل ما نعرفه عنهم هو أنهم جاءوا من منطقة في وسط جبال زاجروس كما أشرنا، وما أن احتلوا بابل حتى تأثروا بالحضارة البابلية ووحدوا بين آلهتها وبين آلهتهم، وقد حكم منهم في بابل ٣٦ ملكًا كان أولهم الملك جنداش "Gendach".
وقد نجح الكاشيون في القضاء على مملكة البحر في جنوب العراق١؛ وبذلك ثبت نفوذهم في بابل، وتشير وثائق وخطابات تل العمارنة٢ إلى وجود علاقات ود وصداقة بين أمنحتب الثالث والملك الكاشي المعاصر له٣، ولم يستمر عهد الكاشيين طويلًا بعد ذلك؛ لأن الأشوريون في الشمال أخذوا يحتكون بهم حينما أرادوا توسيع مملكتهم لأن دولة ميتاني ودولة الحيثيين كانتا تقفان لهم بالمرصاد
стр. 443
من الغرب ومن الشمال، ولذا لم يكن أمامهم سوى الاتجاه في توسعهم إلى الجنوب؛ فهجموا على دولة بابل الكاشية وتمكنوا من ضمها إليهم؛ إلا أن الانتصار الأشوري لم يستمر طويلًا؛ لأن العيلاميين كانوا قد استعادوا قوتهم الخاصة في عهد ملكهم "شيلاق - أنشو شناق" الذي استطاع أن يخضع كثيرًا من الأقطار المجاورة لسلطانه١، وقد أخضع بابل وأنهى حكم الأسرة الكاشية ولكن ذلك لم يدم طويلًا, إذ انتقل الحكم فيها إلى أسرة قوية من أمراء أيسين تعرف باسم "الأسرة البابلية الرابعة" أو "أسرة أيسين الثانية" وبلغ من قوتها أنها كانت تتدخل في شئون أشور الداخلية، وفي نفس الوقت أخذت عيلام في التدهور فانتهز "نبوخذ نصر الأول" ملك بابل فرصة ضعفها وهاجمها بمساعدة أحد أمرائها وانتصر عليها؛ إلا أن هذا الانتصار لم يكن هزيمة حقيقية لعيلام ولم يحقق نتائج بعيدة المدى.
وما لبثت الأوضاع أن تغيرت بعد ذلك لظهور قوة أشور؛ فكان على خلفاء نبوخذ نصر أن يكافحوا لا من أجل المحافظة على الأراضي الأجنبية التي امتلكوها فحسب, بل ومن أجل حماية أنفسهم أيضًا، ومع كل فقد انتصر الملك الأشوري "أشوردان" على بابل وجعل على عرشها أحد الآراميين٢، ولم تنعم بلاد النهرين عامة وبابل بصفة خاصة بالهدوء والاستقرار بعد ذلك؛ إذ عمت الفوضى والحروب في أرجائها فترة طويلة؛ ففي بابل حكم سبعة ملوك كونوا بها ثلاث أسرات: أسس الأولى منها "أسرة بابل الخامسة" أحد الكاشيين من مواليد مملكة أرض البحر, وأسس الثانية "السادسة البابلية" آرامي، أما الثالثة "السابعة البابلية"؛ فقد أسسها عيلامي, وما أن تولت العرش أسرتها الثامنة إلا وانحدرت إلى الهاوية وجرد الآراميون عاصمتها من كل نفوذ خارج حدودها, حتى إنها لم تتمكن من إقامة الاحتفالات الدينية التي كانت تنتقل فيها تماثيل
стр. 444
الآلهة بين العاصمة وأمهات المدن البابلية في بداية كل عام وأصبح ملوكها مجرد أسماء في قائمة، ومن المحتمل أن بعض القبائل الآرامية استقرت بين حوض نهر دجلة الأدنى وحدود عيلام, وكان من بين هؤلاء الكلدانيون الذين تمكنوا من الإغارة على سومر, ثم قدر لهم أن يبعثوا النهضة إلى بابل من جديد بعد نحو ٣٠٠ سنة. ويمكن اعتبار سقوط الأسرة الكاشية الحاكمة في بابل نقطة مهمة في تاريخ بلاد النهرين؛ ولكن أهميتها لا تقاس بالنسبة لما جرى من أحداث في الشرق الأدنى خلال القرن الثاني عشر ق. م.؛ فقد اختفت مملكة الحيثيين في آسيا الصغرى وتضعضعت قوة مصر وأصبحت فريسة للانقسامات الداخلية, واستقر الفلسطينيون في كنعان؛ بينما كان موسى يقود شعبه إلى الأرض الموعودة, والرحل الآراميون يهددون الأمراء السوريين وملوك أشور, وفي الغرب البعيد كان اليونان الدوريون يغيرون على شبه الجزيرة الهللينية، وهكذا تحرك الهندو أوروبيين ثانية إلى غربي آسيا؛ حيث نشروا استعمال الحديد وبدءوا صفحة جديدة في تاريخ الإنسانية وأحدثوا سلسلة من الحركات الجنسية والسياسية كان لها أثرها السريع في تغيير معالم الشرق الأدنى.
стр. 445
الأشوريون
مدخل
...
٧- الأشوريون:
كان الأشوريون من الساميين الذين سكنوا في شمال بلاد النهرين منذ الألف الثالث ق. م. وكانت المدينة "أشور" التي أعطت اسمها لهم١ تقع في بقعة استراتيجية مهمة وتتحكم في الطريق بين سومر وأكد من جهة, وبين كردستان وأرض الجزيرة العليا من جهة أخرى؛ فكانت دائمًا مطمعًا للملوك الأقوياء الذين
стр. 446
ظهروا في الجنوب أمثال: سرجون ونارام سن وملوك أور. ومع أن الأمراء الأشوريين جاهدوا طويلًا في الاستقلال بمدنهم عن حكم الدول التي كانت تخضعهم سواء من الجنوب أو من الغرب؛ إلا أنهم لم ينجحوا في تأسيس دولة إلا في عصر متأخر نسبيًّا، بل وليس لدينا أي دليل على أن هذه الدولة تمكنت من الاستقلال قبل الألف الثاني ق. م. ثم قدر لهذه الدولة أن تصل إلى مركز الصدارة, وأن تلعب دورًا خطيرًا في السياسة الدولية في ذلك الحين.
ويقسم بعض المؤرخين تاريخ الأشوريين إلى فترتين:
١- الفترة الأولى من ٢١٠٠ إلى ٩٠٠ ق. م. تقريبًا، وفيها كانوا يناضلون في سبيل النهوض سياسيا وعسكريا.
٢- الفترة الثانية وتمتد بعد الفترة الأولى إلى ٦٣٣ ق. م. تقريبًا, وهي التي تمكنوا فيها من تكوين إمبراطورية.
غير أن غالبية المؤرخين الآن تميل إلى تقسيم التاريخ الأشوري إلى ثلاث مراحل هي:
١- مرحلة التكوين أو "العهد الأشوري القديم" ويبدأ من فجر التاريخ الأشوري إلى نهاية حكم أسرة بابل الأولى.
٢- عصر المملكة الأشورية أو "العهد الأشوري الوسيط" ويبدأ من نهاية مملكة بابل الأولى وينتهي في بداية القرن التاسع ق. م.
٣ عصر الإمبراطورية أو "العهد الأشوري الحديث" ويمكن أن نقسمه بدوره إلى قسمين: "أ" الإمبراطورية الأشورية الأولى من ٩١١ إلى ٧٤٥ ق. م تقريبًا، "ب" الإمبراطورية الأشورية الثانية من ٧٤٥ إلى ٦١٢ ق. م. تقريبًا.
стр. 447
١- العهد الأشوري القديم:
عثر في خورسباد على قائمة بأسماء ملوك أشور يمكن أن نعدها مناظرة لقائمة الملوك السومرية١، وهي تعطينا أسماء ١٧ ملكًا تذكر أنهم كانوا يعيشون في الخيام؛ مما يدعو إلى الاعتقاد بأن هؤلاء كانوا يمثلون ملوك فجر التاريخ الأشوري، ومع أنها تورد السلالات التي تضمنت أسماء هؤلاء الملوك متتابعة؛ إلا أن من المرجح أن بعضًا منها على الأقل كانت تعاصر بعضًا آخر. ومن الملاحظ أن عددًا من الأسماء القديمة في هذه القائمة مثل: "توديا"، "أوشبيا"، "سولولي"، "كيكيا" لا تدل على أصل سامي أو سومري؛ بل هي أسماء هندو أوروبية ربما كانت حورية٢ أو سوبارية٣.
وقد خضع الأشوريون لحكم ملوك أسرة أور الثالثة٤، وبعد سقوط الإمبراطورية السومرية أصبحت أشور مثل كثير من المدن الأخرى مستقلة وبدأ "بوزور - أشور الأول" الذي حكم حوالي سنة ٢٠٠٠ ق. م. سلسلة جديدة من الملوك الذين يحملون أسماء أكدية بحتة. وقد ترك لنا اثنان من هؤلاء "إيلوشوما، إيروشوم الأول" نصوصًا تدل على بناء معابد للآلهة أشور وأداد وعشتار في المدينة، كما أن من المعروف أن "إيلوشوما" توغل في جنوب بلاد النهرين أثناء حكم "شمشي - داجان" ملك أيسين "١٩٥٣-١٩٣٥ق. م.".
ومن المحتمل أنه وسع في مملكته حتى شملت نينوى على بعد ٦٠ ميلًا شمال أشور؛ ولكن المؤسسين الحقيقيين لقوة أشور كانوا من الساميين الغربيين الذين تدفقوا
стр. 448
على شمال وجنوب بلاد النهرين في القرون الأولى من الألف الثاني ق. م. حيث بدأ أحد زعماء الأموريين في الاستقرار في المنطقة ما بين نهري الخابور والدجلة وحكمها خلفاؤه كأتباع للأشوريين, ثم تمكن أحدهم١ من الاستيلاء على "أشور" واعتلاء العرش، وفي نفس الوقت تقريبًا تمكن أموري آخر من أن يصبح ملكًا في ماري، ومنذ ذلك الحين ارتبط مصير المملكتين الشماليتين العظيمتين, كل منهما بالأخرى؛ فقد بدأت بينهما علاقات حسن الجوار أولًا ولكنها سرعان ما انفصمت وتمكن الأشوريون من وضع يدهم على ماري بعد أن اغتيل ملكها "ياهدون - ليم".
وكان الملك "شمشي أدد" الذي استولى على ماري في بدء حياته خارجًا على القانون؛ فبعد أن أصبح أخوه خليفة لوالده على عرش أشور فَرَّ إلى الجنوب وجمع قوة من المرتزقة, استولى بها على مدينة إيكالاتوم في وسط دجلة "لم يمكن التعرف عليها بعد" التي كانت خاضعة لمملكة أشنونا, ثم تقدم إلى أشور ونجح في اغتصاب العرش من أخيه، وبعدئذٍ توسع غربًا حتى وصل إلى ساحل البحر المتوسط وعين أحد ولديه "يسمح - أدد" حاكمًا في ماري وعين الابن الآخر "إشمي - داجان" حاكمًا في إيكالاتوم, وهكذا خضع حوضا دجلة والفرات لسلطان الأشوريين، ولكن لم يدم ذلك طويلًا فقد دأبت القبائل الرعوية التي يحكمها زعماؤها على إحداث القلاقل وتهديد الممتلكات الأشورية, وخاصة بالنسبة لمملكة ماري, كما كانت مملكة أشنونا تحيك الدسائس لمملكة إيكالاتوم, واستطاعت أن تهدد مملكة ماري٢، وأخيرًا تمكنت مملكة بابل في السنة الثلاثين من حكم ملكها حمورابي من أن تستولي على ماري وأن تدمرها.
стр. 449
٢- العهد الأشوري الوسيط:
ظلت أشور خاضعة لسلطان بابل إلى أن سقطت هذه الأخيرة على يد الحيثيين وبعد أن تراجعوا عنها احتلها الكاشيون، أما أشور فقد ظهر فيها أمراء أقوياء كافحوا طويلًا في جبهات مختلفة: فقد كان الآراميون في الغرب والحوريون "الذين كونوا المملكة الميتانية" في وسط بلاد النهرين١ والحيثيون في الفرات الأعلى والخابور والكاشيون في الجنوب، وقد خرج هؤلاء الأمراء من الأزمات والصعاب التي تعرضوا لها ما يقرب من خمسة قرون, وتمكنوا من تأسيس دولة قوية ساعدها الحظ في عهد ملكها "أشور أوبلط" بحدوث انقسام في البيت المالك الميتاني إلى فريقين؛ حيث استعان أحد الفريقين المتنازعين بأشور رغم أنها كانت لا تزال خاضعة لسلطان الميتانيين، وكنتيجة للمؤامرات والدسائس بين الفريقين قتل الملك توشراتا المعارض للفريق الموالي للأشوريين وفر ولده إلى بابل؛ ولكن ملكها "بورتا بورياش" تمسكًا بمبدأ الحياد رفض منحه حق اللجوء السياسي؛ فاضطر إلى الذهاب إلى البلاط الحيثي؛ بينما اقتسمت أشور ودولة صغيرة في حوض دجلة الأعلى تدعى "آلشي" بلاد ميتاني، وهكذا لم يتمكن "أشور أوبلط" من أن يحرر بلاده من سيطرة الميتانيين فحسب؛ بل وتمكن من أن يتسبب في القضاء على الدولة التي كان آباؤه يدفعون لها الجزية "دون أن يطلق سهمًا واحدًا"، وقد اتبع سياسة حكيمة مع جيرانه فتصاهر مع ملك الكاشيين "الذي تزوج بابنته" أملًا في أن يصبح حفيده يومًا ملكًا على بابل.
وتلا أشور أوبلط ثلاثة ملوك بجهود مشكورة في تأمين حدود بلادهم، بل وتمكن آخرهم "أدد نيراري" الأول من أن يضم مساحات أخرى من أرض الجزيرة إلى مملكته، على أن أعظم ملوك هذه الأسرة كان دون شك "شلمنصر الأول" رابع خلفاء أشور أوبلط؛ إذ استولى على منطقة أرمينيا
стр. 450
الجبلية "أورارتو" وبلاد الجوتيين وهزم ملك "هاني جلبات"١ وجنودها المرتزقة من الحيثيين وغيرهم.
وعندما اعتلى "توكلتي ننورتا" خليفة "شلمنصر الأول" على عرش أشور تمكن من الاستيلاء على بابل بعد أن هزم ملكها الكاشي "كاشتلياش"؛ ولكن مع هذا حدثت فتنة في أشور قتل فيها الملك وسادت بعد عهده الاضطرابات وتدهورت أحوال الدولة، وتوالى على حكم بابل ثلاثة أمراء ضعاف من الموالين لأشور, وبعد ذلك تمكن العيلاميون الذين عادوا إلى القوة بعد ضعف استمر نحو أربعة قرون من الاستيلاء على بابل، ولم يدم حكم العيلاميين لبابل طويلًا؛ لأن قواهم قد أنهكت في فتح المساحات الواسعة من إيران الغربية من جهة وتوالي تهديد الميديين والفرس لهم من جهة أخرى، وسرعان ما أصبح أمراء الأسرة البابلية الرابعة في أيسين على درجة من القوة؛ بحيث أمكنهم التدخل في شئون أشور، وانتهز "نبوخذ نصر الأول" ملك بابل فرصة الانهيار الذي حدث في مملكة العيلاميين بعد عهد ملكها "شيلاق - أنشوشناق" وهاجمها؛ ولكنه هُزم في أول حملة ثم انضم إليه أحد أمراء عيلام٢ فانتصر عليها انتصارًا حاسمًا، كما سبق أن أشرنا.
وقد تعرضت أشور لسلسلة من الأزمات بسبب التنازع على العرش وضياع بعض الممتلكات الشرقية من بلادهم, ثم تجمعت حولها المتاعب من جميع الاتجاهات وكادت تقضي عليها لولا نشاط وكفاءة بعض الملوك من خلفاء "أشور - دان الأول"، وما إن اعتلى "تجلات بلاسر الأول" عرش أشور حتى قام بغزوات ناجحة في الشمال الشرقي والشمال ووصل إلى البحر الأسود, ثم اتجه غربًا نحو سواحل
стр. 451
آسيا الصغرى وفينيقية, وبعد ذلك أخضع بابل فأصبح يحكم معظم أنحاء الشرق الأدنى من البحر الجنوبي إلى البحر الشمالي وسواحل البحر المتوسط.
وتوالى بعده على الحكم ملوك ضعاف تدهورت في أيامهم أحوال المملكة, وأصبح الآراميون يهددون حدودها في الغرب, إلى أن قدر لها بعد ذلك أن تنهض من جديد.
стр. 452
٣- العهد الأشوري الحديث:
يقسم هذا العهد إلى دوري نهوض تخللتهما فترة من الضعف, وهذان الدوران هما:
أ- الإمبراطورية الأشورية الأولى:
حينما تسلم الحكم "أدد نيراري الثاني" عمل على تقوية جيشه وبدأ في إخضاع بعض الأقاليم المجاورة, ثم تحالف مع مملكة بابل ونظم شئون الدولة، ولما تبعه "توكلتي ننورتا الثاني" زاد من تأمين طرق مواصلاته التجارية والعسكرية مع أطراف مملكته وشيد بعض القلاع والحصون.
ويعد خلفه "أشور ناصريال الثاني" رغم شهرته بالقسوة من أعظم ملوك الأشوريين؛ فقد وصلت فتوحاته إلى الجبال الشرقية والشمالية, وأدخل تحسينات كثيرة في الجيش والإدارة؛ حيث استخدم الخيالة على نطاق واسع, وقسم بلاده إلى ولايات يحكم كل منها أحد الولاة, وجدد بناء مدينة كالح "نمرود" وبنى فيها قصرًا فخمًا زينه بألواح كبيرة من الرخام نقشت عليها مناظر تمثله في حروبه وصيده وقدوم الأمراء الخاضعين له ومعهم الهدايا والجزية، ومن آثاره كذلك مسلة ضخمة عثر عليها في نمرود, وهي تحمل نقوشًا تبين أعماله خلال السنوات الخمس الأولى من حكمه.
стр. 453
ولم يكتفِ ولده وخليفته "شلمنصر الثالث" بالإمبراطورية الواسعة التي خلفها له والده؛ بل أضاف إليها مستعمرات جديدة وصلت إلى منابع دجلة والفرات، وقد قام بسلسلة من الحملات الحربية في سورية وفلسطين على أحلاف الآراميين واليهود١, كما قام بحملات في الأناضول وهضبة إيران الشمالية وهاجم بعض القبائل العربية.
وفي أواخر حكمه ثار عليه أحد أبنائه وأحدث بعض الاضطرابات التي أدت إلى فقدان هيبة الدولة في الداخل والخارج، ومع أن ولي عهده "شمشي أدد الخامس" تغلب على أخيه الثائر؛ إلا أن تلك الاضطرابات كانت سببًا في فقدان أشور لبعض مستعمراتها البعيدة. وفي تلك الأثناء ظلت بابل على ولائها لأشور وتحسنت العلاقات بينهما بزواج ملك أشور من أميرة بابلية تدعى "شمورامات" حظت بشهرة كبيرة حتى عرفها اليونان باسم "سميراميس"، وقد صارت وصية على ولدها "أدد نراري الثالث" الذي اعتلى العرش وهو صغير السن بعد وفاة والده.
وقد توالى على حكم أشور ملوك ضعاف, بعد ذلك حدث في عهد أحدهم "أشور دان الثالث" كسوف للشمس٢ وتفشى في زمنه وباء الطاعون، واستمر تدهور الدولة حتى حدثت في العاصمة "نمرود" ثورة داخلية, تولى الملك على أثرها "تجلات بلاسر الثالث" الذي أعاد إلى المملكة مجدها, وبدأ عهد الإمبراطورية الثانية.
ب- الإمبراطورية الأشورية الثانية:
بعد أن توفي "أدد نراري الثالث" تتابع على العرش أولاده الأربعة
стр. 454
الذين كان أصغرهم "تجلات بلاسر الثالث"، وقد جاء هذا على العرش بعد مقتل أخيه "ثالث أبناء أدد نراري" في الثورة الداخلية التي نشبت في نمرود، وقد أثبت هذا أنه كان جديرًا بالحكم؛ إذ عرف مواطن الضعف في الدولة وعمل على علاجها ثم أخذ يعد العدة لإعادة مجد أشور, واستطاع أن يبلغ بإمبراطوريته إلى حدود لم تصلها من قبل؛ حيث أخضع الدولة البابلية وضمها إلى إمبراطوريته وأعلن نفسه ملكًا عليها، كذلك تمكن هذا الملك من اجتياح معظم المدن السورية وحاصر دمشق إلى أن أسقطها وقتل ملكها١، كما تمكن أيضًا من أن يؤمن حدوده الشمالية ضد غزوات بعض القبائل الأرمينية، وهكذا قضى "تجلات بلاسر الثالث" معظم حكمه في الحروب ولكنه ترك إمبراطورية واسعة.
وفي عهد ولده "شلمنصر الخامس" قام ملك إسرائيل "هوشع" بتحريض من المصريين بمحاولة التخلص من السيطرة الأشورية؛ فأسرع شلمنصر وحاصر السامرة لمدة ثلاثة أعوام؛ ولكنها لم تسقط إلا في يد خلفه "سرجون الثاني"؛ لأنه اضطر إلى العودة إلى أشور لحدوث بعض المؤامرات فيها، وقد انتهت هذه بقتله بعد حكم دام أقل من خمس سنوات. وفي بداية عهد خليفته "سرجون الثاني" قامت الثورات في أنحاء كثيرة من الإمبراطورية رغبة في الانفصال عن سيطرتها؛ فاضطر أن يقوم بحملات متتالية تمكن على أثرها من أن يعيد الوحدة إليها وأسرعت بعض المناطق المجاورة لاكتساب عطفه بالهدايا مثل قبرص، ولما شعر بأن مصر تبذل جهدها في إقامة بعض الأحلاف مع أمراء سورية وفلسطين؛ لكي تحمي نفسها من غزوات أشور المتوقعة, قضى على تلك المحاولات؛ حيث أخضع معظم الإمارات السورية والفينيقية وفتح السامرة وسبى أحسن رجالها ونقلهم إلى ميديا٢.
стр. 455
ولما مات سرجون تبعه ولده سناحريب الذي واجه في بداية حكمه خطرين, أحدهما من بابل التي كانت تحاول الاستقلال ثانية, والثاني من ولايات سورية وفلسطين، وكان ملك بابل وملك مصر يمنيان ولايات سورية وفلسطين بالمساعدة، وكانت بابل بوجه خاصتحرصعلى تشجيع هذه الولايات حتى تشغله عنها، وقد فطن سناحريب لذلك فتوجه إليها ودَكَّ حصونها وخربها وعين ابنه "أسرحدون" واليًا على جنوب العراق, ثم قضى على دويلات أهل البحر في أقصى الجنوب؛ لكثرة ثوراتهم مستعينًا في ذلك بسفن صنعها له صناع مهرة من الفينيقيين واليونانيين، وحينما علم بحدوث تحالف بين أمراء سورية وفلسطين بمساعدة مصر توجه إلى منطقة الخطر بجيش كبير وغزا المدن الساحلية في فلسطين ثم حاصر بيت المقدس وأخضعها, ولكن وباءً خطيرًا انتشر بين قواته؛ فاضطر إلى العودة إلى بلاده بفلول جيشه١, وخاصة بعد وصول الأنباء بحدوث اضطرابات فيها, ومات بأيدي أبنائه الذين طمعوا في العرش.
وبعد مقتل سناحريب تنافس أبناؤه على العرش, ثم فاز به ولده "أسرحدون" الذي استطاع أن يقضي على الفتنة سريعًا, ثم وجه همه للانتقام من مصر لتدخلها في شئون مستعمراته في سورية وفلسطين، وقد استعد ملكها النوبي طهرقة لملاقاته كما أرسل بعض الإمدادات إلى حلفائه في سورية وفلسطين؛ فلما زحف الملك الأشوري نحو مصر استطاع أن يصل إلى شرق الدلتا؛ ولكن المصريين استماتوا في الدفاع حتى تمكنوا من هزيمة الأشوريين وردوهم عن بلادهم؛ ففقدت الجيوش الأشورية هيبتها واضطر الملك إلى الاستعداد لإعادة الكرة حرصًا على سمعة الإمبراطورية. أما طهرقة فقد اطمأن إلى أن الأشوريين لن يعودوا إلى مصر ولم يستعد لملاقاتهم؛ إلا أن الملك الأشوري عاد سريعًا وظهر فجأة في سورية, وعاقب ملك صور على انضمامه لمصر, ثم أسرع مخترقًا الصحراء،
стр. 456
ولم يكن طهرقة متأهبًا للقائه فوصل الجيش الأشوري إلى الوجه البحري واضطر طهرقة إلى التحصن بمنف؛ ولكن الأشوريين أسرعوا وراءه وهزموا الجيش المصري وفتحوا منف؛ ففر طهرقة إلى طيبة في الجنوب واستعمر الأشوريون الدلتا، ثم عاد أسرحدون إلى بلاده حيث أصيب بمرض مات على أثره.
وحدث اختلاف على العرش من جديد, وانتهى هذا الاختلاف بتعيين أشور بانيبال ملكًا؛ بينما عين أخاه الأكبر ملكًا على بابل، ولم يكد أشور بانيبال يجلس على العرش حتى وصلت أنباء ثورة المصريين ضد أشور؛ وذلك لأن بعض الأمراء اتفقوا مع طهرقة على أن يعود هذا الأخير إلى الدلتا ويقتسم السلطة معهم١، فجرد أشور بانيبال حملة كبيرة سارت إلى مصر، ولم تكتفِ هذه الحملة باحتلال الدلتا؛ بل سارت إلى طيبة وخربتها وعاد طهرقة إلى عاصمته في النوبة العليا "نباتا" وبقي بها إلى أن مات، ومع ذلك لم يبقَ الأشوريون بمصر طويلًا بل عادوا إلى بلادهم واكتفوا بأخذ الجزية؛ فلما تولى عرش نباتا "تانويت أماني" عاد إلى احتلال مصر من جديد, ولم يجد أشور بانيبال بدًّا من أن يرسل جيشًا إلى مصر؛ فاضطر تانويت أماني إلى الفرار إلى عاصمته نباتا, وخرب الجيش الأشوري طيبة للمرة الثانية. وقد استمر التعاون بين أشور بانيبال وأخيه ملك بابل نحو عشرين عامًا؛ ولكن هذا الأخ ثار بعد ذلك فجرد أشور بانيبال حملة تأديبية ضده تمكنت من القضاء عليه وفتحت بابل عنوة, وبعدئذٍ تقدم الأشوريون جنوبًا وأخضعوا القبائل العربية والآرامية التي ساعدت بابل في ثورتها, وهاجموا العيلاميين وفتحوا عاصمتهم سوسة كذلك.
وبعد وفاة أشور بانيبال حدثت منازعات حول العرش, وتمكن بعدها ولده "أشور - إتل - إيلاني" من الفوز به؛ ولكنه كان ضعيفًا فانفصلت عن المملكة
стр. 457
بعض ممتلكاتها مثل مصر وكثير من المدن الساحلية في فلسطين وسورية, كما انفصلت عنها مدن أرمينية، وشن أحد ملوك الميديين هجومًا على أشور فصده الجيش الأشوري وهزم جيشه وقتله، وفي بابل تكونت أسرة جديدة تعرف باسم "الأسرة البابلية الأخيرة" أو "المملكة الكلدانية"، كما انتهز القائد الأشوري فرصة إقامة الملك في نمرود؛ فأعلن تمرده عليه في نينوى وعزله؛ ولكن أخا الملك حارب هذا القائد وقضى عليه ثم استأثر بالسلطة.
وقد أثرت الحرب الداخلية على سمعة المملكة وهيبتها؛ فانفصلت أماكن أخرى كثيرة عنها, واستطاع "كي أخسار Cyaxares" ملك الميديين أن يستولي على شمال إيران وشمال بلاد النهرين, ثم توغل إلى سهول أشور حيث قامت بينه وبين الجيش الأشوري حروب طاحنة، وبعد أن اتفق مع ملك بابل هاجما العاصمة فسقطت في أيديهما بعد حروب عنيفة, واقتسما مملكة أشور؛ حيث تولى استولى الميديون على قسمها الشمالي الشرقي، واستولى البابليون على جنوبها وأرسل ملك بابل ولده "نبوخذ نصر" ليتتبع فلول الجيش الأشوري التي كانت قد هربت إلى "حران", وانتصر "نبوخذ نصر" وقضى على بقية الجيش الأشوري, ثم واصل سيره غربًا واحتل المقاطعات التي كانت تخضع للأشوريين من قبل، وقد تقابل مع الملك المصري نخاو الذي كان قد تقدم إلى سورية ودارت بين الاثنين معركة حاسمة بالقرب من قرقميش, انتصر فيها نبوخذ نصر وتراجع الجيش المصري إلى بلاده١.
стр. 458
٨- العهد البابلي الأخير "المملكة الكلدانية ":
أشرنا فيما سبق إلى القلاقل التي تعرضت لها الدولة الأشورية قبل انهيارها،
стр. 459
والواقع أن أكثر هذه القلاقل خطورة هي التي قامت في الجنوب؛ حيث انتهز البابليون فرصة تدهور أشور وبدءوا كفاحهم من أجل الاستقلال, وقد بدأ الحاكم البابلي "الذي عينه أشور بانيبال بعد أخيه" الثورة بمجرد تعيينه، وبعد وفاته أصبح حاكم بلاد البحر "نبوبولصر"١ زعيمًا للثورة, ولم تتمكن القوات الأشورية المرابطة في الجنوب "في نيبور" من هزيمته؛ فأعلن نفسه ملكًا على بابل؛ مؤسسًا الأسرة الحادية عشرة البابلية وهي التي تعرف باسم "الأسرة البابلية الأخيرة" أو "المملكة الكلدانية" كما أشرنا.
وقد ظلت الحروب قائمة بين بابل وأشور نحو ١١ عامًا استطاع بعدها "نبوبولصر" أن يستولي على نيبور وأن يحرر كل بلاد سومر وأكد, ثم استمر في فتوحاته شمالًا على طول الفرات؛ حتى وصل إلى منطقة حران، ومنها تقدم على طول دجلة إلى كركوك وأشور، وحاصر أشور؛ ولكنه لم ينجح في الاستيلاء عليها، وفي تلك الأثناء طلب الأشوريون المعونة من مصر التي كانت خاضعة لهم فيما سبق؛ ولكن هذه المعونة جاءت متأخرة؛ لأن الميديين كانوا هم أيضًا قد بدءوا غزو الأراضي الأشورية واستولوا على أربخا وأشور، وعند هذه الأخيرة تقابل "كي أخسار Cyaxares" ملك الميديين مع "نبوبولصر" ملك بابل وارتبطا برباط الصداقة والسلام, وأيدا ذلك فيما بعد بزواج "نبوخذ نصر" بن "نبوبولصر" من "أميتس" بنة "كي أخسار"، ومنذ ذلك الوقت ظل الاثنان يحاربان معًا، وتمكنا في النهاية من إسقاط نينوى كما سبق أن أشرنا. وبعد مقتل آخر ملوك أشور اعتلى العرش أحد قواده " وكان يدعى أشور أوبالط" وجمع ما بقي من فلول الجيش الأشوري والمدد المصري الضئيل الذي أرسل إلى أشور واعتصم بهم في منطقة حران؛ فتقدم البابليون والميديون نحوه وسقطت مدينة حران
стр. 460
في أيديهم، وبعد محاولات يائسة لمدة عام تقريبًا اختفى "أشور أوبالط" بعد أن اعتلى العرش الأشوري نحو ثلاثة أعوام، ويبدو أن الميديين لم يهتموا بامتلاك أشور فقنعوا بنصيبهم من الغنائم, ثم حولوا أطماعهم إلى أرمينيا وآسيا الصغرى، أما البابليون؛ فقد امتلكوا أشور ولكنهم لم يحتلوها ولم يحاولوا إصلاح ما أتلفوه فيها؛ حيث كرسوا جهودهم لإعادة إحياء المجد الديني والثقافي لجنوب بلاد النهرين.
وحينما وقعت سورية وفلسطين في أيدي المصريين كمحاولة غير ناجحة من "نخاو"١ لمساعدة حلفائه الأشوريين, تقدم البابليون للقائه بقيادة "نبوخذ نصر"؛ لأنهم كانوا يحرصون على إبقاء طريقهم إلى البحر المتوسط مفتوحًا، وانتصر البابليون وفتحوا سورية وفلسطين وتقدموا نحو مصر, ولكن موت "نبوبولصر" أثناء ذلك جعل ولده "نبوخذ نصر" يعود مسرعًا إلى بابل.
وقد تولى "نبوخذ نصر" العرش بعد والده وكانت البلاد قد بدأت في الازدهار واستقرت أمورها السياسية؛ فوجه جهوده نحو تشييد العمائر وترميم المعابد وإن كان قد أرسل جيشًا لتأديب مملكة يهودا حيث احتل بيت المقدس؛ إلا أن اليهود ثاروا بعد مضي عشر سنوات فسار إليهم ودخل بيت المقدس وخربها وفتك بأهلها.
وبعد أن حكم "نبوخذ نصر" نحو ٤٣ سنة خلفه على عرش بابل ملوك ضعاف, فلم يكد ولده يحكم عامين حتى ثار عليه الكهنة لسماحه لليهود بممارسة طقوسهم الدينية بحرية وعلى نطاق واسع, وقتلوه ونصبوا مكانه أحد قواد والده وهو صهره في نفس الوقت، ولم يقم هذا الأخير بما يستحق الذكر ثم مات