مقدمات
مقدمة الطبعة الثانية
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الثانية:
الحمد لله خلق الإنسان علمه البيان، وهداه إلى أقوم سبيل للبحث ويسر له أسباب الفكر والنظر في ملكوت السموات والأرض وصولا إلى المعرفة وإصابة كبد الحقيقة.
وصلاة وسلامًا دائمين على خاتم رسله ومصطفاه، محمد بن عبد الله، الذي أرسله الله بالرسالة الهادية، والمعرفة النقية الصافية، والحكمة البالغة، ففتح الله بنورها الأبصار والبصائر، وأذهب بها الضلالات، ومحا بها الغشاوات، وكانت فتحًا مبينًا للبشرية خطت به نحو التقدم والتحضر، وعمرت به الأرض، وتحضرت به الإنسانية، وسمعت حثيثًا نحو البحث والنظر لتحقق أهدافها التي خلقها الله من أجلها.
وبعد:
فأقدم لقراء العربية عمومًا، وللعلماء والباحثين على وجه الخصوص هذه الطبعة من السفر القيم: "مقدمة في أصول البحث العلمي وتحقيق التراث" لمؤلفه الأستاذ الدكتور: "السيد رزق الطويل" أستاذ اللغويات بجامعة الأزهر، والعميد الأسبق لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالقاهرة, وذلك بعد أن اشتد الطلب عليه، وكثرت الاتصالات التي تحث على إعادة طبعه ممن عرفوا أثر الكتاب وفضل مؤلفه، وحاجة المكتبة العربيه إليه.
ولا بدع في ذلك, فقد درج المؤلفون في هذا المجال أن يكتبوا عن كيفية البحث وكتابته، أو عن تحقيق النصوص، أما مؤلفنا فقد جعل ذلك سفرًا مستفيضًا جمع فيه شتات الأمرين: البحث العلمي, وتحقيق التراث، كاشفًا عن الرؤية العامة فيهما، مضيفًا تجربته الخاصة في المجال، داعمًا لذلك كله بالأمثلة والتطبيقات.
ومما يزيد من قيمة هذا السفر الجليل هذا الباب الذي عقده المؤلف تحت عنوان: التعريف بالمكتبة الإسلامية، والذي عقده في فصلين أولهما: دراسة تاريخية وميدانية للمكتبة الإسلامية وثانيهما: في مصنفات التراث، تناول فيهما نشأة المكتبة الإسلامية في عرض تاريخي موجز وموثق، ثم تحدث عن أشهر المكتبات في العالم الإسلامي قديمًا وحديثًا في داخل البلاد الإسلامية وخارجها، كما تناول فيهما مصنفات التراث
стр. 2
العربي الإسلامي على طريق الإجمال، ثم بسطها في تسعة مباحث هي مكونات الفصل الثاني من هذا الباب الهام جدا للباحثين، عرض فيها دليلًا وافيًا للمعلومات الدقيقة عن كل مرجع تناوله، ابتداء بما ألف من علوم القرآن، ثم الحديث ... إلخ متناولًا كل فروع المعرفة ... مشيرًا إلى أهم المكتبات التي تحوي محفوظات من التراث العربي والإسلامي في أنحاء العالم.
ويعتبر هذا الباب بمثابة "بيلوجرافيا" واعية، وهادية إلى التراث، تنير للباحثين طريقهم، وتيسر لهم سبل البحث، وتزويدهم بالمعرفة التي تهديهم إلى ما يشاءون، وإلى ما يطلبون البحث فيه من هذا التراث، تحقيقًا أرادوا، أو فتحًا لمغاليق موضوعات يحرصون على البحث فيها.
ويشاء الله تعالى أن تخرج هذه الطبعة للقراء بعد وفاة مؤلفها -يرحمه الله- بست سنوات في خلالها طلبت المكتبات العربية، والجامعات المختلفة هذا الكتاب، فحرصنا على أن نقدمه للقراء ينتفع به كل مريد, متوجها إلى الله أن يجزل الله لمؤلفه عظيم الأجر وجزيل الثواب.
ولذا فقد قمت بمراجعة الكتاب مراجعة دقيقة متأنية, مصوبًا ما قد يكون في طبعته الأولى من أخطاء غفلها الطباعون. كما حرصنا أن يخرج الكتاب في ثوب جميل يتناسب مع قيمته العلمية حتى يجتمع للكتاب جودة المظهر مع جودة المضمون والمخبر.
وإني لأسأل الله "جلت قدرته" أن يرحم مؤلفه ويجزيه خير الثواب، وأن ينفع به قراء العربية، ويديم النفع به إن شاء الله.
وما توفيقي إلا بالله, عليه توكلت وإليه أنيب وهو حسبي ونعم الوكيل, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
القاهرة-سراي القبة في:
الأول من صفر ١٤٢٤هـ
الموافق ٣ من إبريل ٢٠٠٣م
كتبه الأستاذ الدكتور عبد القادر رزق الطويل الأستاذ بجامعة الأزهر ت: ٢٥٧٤٩١٦
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المؤلف:
إن الحمد كله لله، خلق الإنسان في أحسن تقويم وهداه السبيل، وعلمه البيان، وبين الله ما يتقيه، ويسر له أسباب الفكر والنظر في ملكوت السموات والأرض، والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه محمد ﵊، حمل للبشرية رسالة الهداية والعلم والحكمة، فتفتحت الأبصار والبصائر، وذهبت الغشاوات، وتمزقت حجب الضلالات، وخطت البشرية خطوات واسعة نحو تحقيق الرسالة المثلى التي من أجلها خلق الله البشر، وأنشأهم من الأرض واستعمرهم فيها.
وبعد:
فإن البحث العلمي يعد من أسمى ألوان النشاط البشري؛ إذ هو الطريق الأقوم لرقي الإنسان وسموه، وعلى دربه تدرج البشرية في مدارج النماء، وترتقي في سلم الحضارة، والنشاط الإنساني متواصل في المشارق والمغارب تتعاون فيه الجهود من أجل أن يحقق الإنسان حياة أمثل على ظهر الأرض، يعرف فيها حق خالقه ومولاه، وحق بني جنسه عليه، كما يعرف حق الحياة بما عليها: كيف يعيش فيها ويعايشها ويتعامل معها؟
والدين، الدين الحق الذي اصطفاه الله أقوم مناهج الرشد، في ظلاله يستطيع الإنسان أن يكتشف المخبوء من سنن الكون، وقوانين الحياة، ونواميس الوجود، وعند ذاك يتحول إيمانه الصادق بالله إلى قوة خلاقة ومبدعة.
وعلوم الحضارة الإسلامية أصدق شاهد ودليل، إذ كانت الأستاذ والمعلم لما أتى بعدها من حضارات، وهي برغم الأفول الجزئي لا تزال تحتفظ بعناصر قوتها وهي قادرة على استرجاعها فتية جذعة إذا تهيأت لها الظروف والأسباب.
стр. 4
ومن أجل ذلك تحمل طلابنا على أن يأخذوا أنفسهم بالبحث والدرس، وكشف المجهول ورفع الأستار عن المخبوء، وبخاصة أنهم أبناء ثقافة ذات عراقة وأصالة، تدفعهم بجانب البحث المتنوع في دروب المعرفة الإنسانية إلى الاهتمام بتراثهم الضخم الذي تنوء به خزائن الكتب في الشرق والغرب، وتنبه له المستشرقون قبل أن يفزع لبعثه وإحيائه بنو جلدته.
وقد يكون للمستشرقين فيما ذهبوا إليه أهداف مدخولة، لكنهم سارعوا إلى استغلال الآلة الحديثة للطباعة في بعث هذا الفكر الإنساني، وتحرك الغير من أبناء العرب والإسلام من منتصف القرن التاسع عشر إلى بعث نفائس التراث سواء على مستوى الأفراد أم الحكومات.
وبقدر أهمية البحث العلمي تكون أهمية المنهج.
وعلى قدر فضيلة إحياء التراث تكون أهمية مراعاة الأصول المتبعة في التحقيق, وتحرير النصوص.
واتساع نطاق التعليم الجامعي على أرض العالم العربي كان باعثا على تعدد مجالات البحث، وتوافر قاعاته، كما كان دافعًا إلى جعل التحقيق العلمي للتراث علمًا له أصوله وقواعده، وأعرافه وضوابطه.
وظهرت مؤلفات تتحدث عن المنهج، وتقدم للأجيال خبرات نافعة على طريق التحقيق.
وفي هذه المؤلفات محاولات لتقنين الخبرات والتجارت لتصبح أصولا مرعية، وقواعد متبعة.
وتعددت أهداف هذه المؤلفات، فمنها ما توفر على التحقيق ومناهجه، ومنها ما تحدث عن المكتبة الإسلامية وتطورها وما تحفل به من مصادر في سائر ألوان المعرفة الإسلامية واللسانية والإنسانية والفكرية.
ومنها ما توفر على قواعد المنهج.
стр. 5
غير أني أردت أن أقدم لطلاب العلم في جامعة الأزهر وغيرها من الجامعات الإسلامية مرجعًا شاملًا يهديهم على طريق البحث، وقد جمع هذه الشُّعَب كلها في إيجاز بلا إخلال.
لقد استفدت ممن كتبوا قبلي ورادوا هذا الطريق، ومزجت ذلك بتجارب شخصية ومعاناة خاصة هي حصيلة الإشراف على رسائل كثيرة لدرجتي الماجستير والدكتوراه، وبحوث طلب مني تقويمها، والحكم لها أو عليها، والتدريس لطلبة الدراسات العليا.
إني أكتب عن تحقيق التراث، وأجمع خبرات أعلامه، ولم يسبق لي التحقيق وإن كنت الآن أعيش مع مخطوطة في النحو صغيرة، اسمها "الضوابط الحسان فيما يتقوم به اللسان" لأبي العباس، شهاب الدين أحمد، وذلك حيث لا يفوتني الإسهام في هذا الطريق النبيل.
ومع هذا, فقد عشت مشاكل التحقيق وعثراته من خلال من ناقشت رسائلهم في التحقيق، أو من أشرفت عليهم ممن اختار هذا المجال البحثي طريقًا للدرجة العلمية, وقد جاء هذا المصنف والحمد لله في ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في أصول البحث العلمي وقواعده.
وجاءت موضوعات هذا الباب في فصل واحد فقط.
وأما الباب الثاني: فقد خصصته للتعريف بالمكتبة الإسلامية.
وعرضته في فصلين:
أولهما: دراسة تاريخية وميدانية للمكتبة الإسلامية.
والآخر: في مصنفات التراث.
وفيه تسعة مباحث عرضت فيه أصول المراجع في فروع المعرفة الإسلامية.
стр. 6
وأما الباب الثالث: فقصرته على قضية التراث وتحقيقه.
وعرضته في ثلاثة فصول:
أولها: عن التراث والجهود المبذولة في نشره.
وثانيها: عن المخطوطات ومظانها في مكتبات العالم.
وثالثها: في التحقيق وقواعده.
أرجو أن أكون -بهذا العمل- قدمت لطلاب العلم معارف تنفعهم وتعينهم في درب البحث والدرس, كما أسأل الله -جل وعلا- أن يتقبل مني هذا العمل بقبول حسن، وأن يرزقني الإخلاص في القصد، والسداد في العمل والصواب في الاجتهاد، وأن يدخر لي المثوبة عنده, إنه سميع الدعاء.
ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير.
وما توفيقي إلا بالله, عليه توكلت وإليه أنيب,
القاهرة-الدقي: ٢٩ من ربيع الأول ١٤٠٩هـ
٩ من نوفمبر ١٩٨٨م
المعتز بالله وحده
د/ السيد رزق الطويل
أستاذ اللغويات بجامعة الأزهر وعميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالقاهرة
стр. 7
الباب الأول: البحث العلمي وأصوله
دراسة من فصل واحد تتحدث عن أصول البحث العلمي وقواعده
قيمة البحث العلمي:
ما دام الإنسان يؤدي رسالة الخلافة على الأرض التي أرادها له الله يسعى حثيثًا لكشف المخبوء من قوانين الكون، وأسرار الحياة؛ طلبًا للعلم والمعرفة.
وقد أكد الإسلام أن طلب العلم من أشرف المقاصد، وأسمى الغايات التي ينبغي أن يسعى إليها الإنسان، وبخاصة الإنسان المسلم، يقول الله ﵎: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: آية ٩] ويقول جل شأنه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: آية ١١] ويقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: آية ٢٨] كما يقول النبي ﷺ : "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة" كما قال ﵊: "طلب العلم فريضة على كل مسلم".
إن البحث العلمي، والسعي وراء اكتساب المعارف من أعظم الوسائل للرقي الفكري والمادي، كما أنه المؤكد للكرامة والفضل اللذين منحهما الله للإنسان من بين مخلوقاته، ولأجل أن يتحقق هذا الهدف سخر الله للإنسان كل ما في الوجود، يسعى في مناكب الأرض، ويسبح في أجواز الفضاء، ويغوص في أعماق البحار، وقد صدق رب العالمين إذ قال وقوله الحق: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: آية ١٣] كما قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: آية ٧] .
وما دام الإنسان يسعى وراء المعارف يتسع أفقه, وتنمو مداركه، وتتعاظم خبراته، فإذا ظن الإنسان أنه قد وصل إلى درجة كافية من العلم والبحث، فمن هنا يبدأ مرحلة جديدة يتورط فيها في ظلمات الجهالة.
стр. 8
وقد صحت الحكمة القديمة التي تقول: إن المرء ليعلم ما دام يطلب العلم, فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.
وقد جاء في كتاب أدب الدنيا والدين نصيحة عبد الملك بن مروان لبنيه: "تعلموا العلم؛ فإن كنتم سادة فقتم، وإن كنتم وسطًا سدتم، وإن كنتم سوقة عشتم".
وقد أثر عن بعض السلف قوله: من أمضى يومه في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجلد أثله، أو علم حصله، فقد عقَّ يومه، وظلم نفسه.
تعريف البحث العلمي:
عرض الباحثون تعريفات شتى للبحث العلمي، وهم في كل تعريف يصدر الواحد منهم عن منظور خاص، وتصور شخصي يصعب معه الشمول، كما نرى بعضهم حدد معنى البحث على أساس ميدانه، فالبحث في العلوم التجريبية له تعريف محدد، والبحث الأدبي له منحى معين، والبحث الديني قد يكون له مفهوم يختلف عنها جميعًا.
ومع ذلك أستطيع أن أقول: إن البحث العلمي عمل جاد، موضوعي يرمي إلى الوصول إلى حقيقة معينة، أو تجلية قضية، أو حسم الأمر في مشكلة من مشكلات المعرفة الإنسانية.
هذا على سبيل التقريب.
لكن الأمر يتحدد تماما إذا جلينا نقطتين.
أولاهما: صور البحث ومجالاته.
والأخرى: الخُلق العلمي للباحث.
стр. 9
صور البحث ومجالاته:
أ- الوصول إلى مجهول:
وذلك بأن يتناول الباحث عددًا من المقدمات، والدراسات، والقضايا يضم بعضها إلى بعض في إطار فكري متناسق ليصل إلى أمر مجهول يريد كشفه وإثباته.
مثال ذلك: كتابة بحث عن: نظرة الإسلام إلى شركات التأمين.
أو كتابة بحث عن: المصالح المرسلة وتوظيفها في معالجة القضايا المستجدة.
أو كتابة بحث عن: العنصر الموسيقي في صوتيات اللغة العربية.
أو كتابة بحث عن: التوهم في الدرس النحوي, والتصريفي.
ب- جمع متفرق:
وقد تكون هناك مسائل علمية متفرقة في بطون الكتب, موزعة في مصادر التراث، وتحتاج إلى بحث واستقراء دقيقين ليصل الباحث إلى تصور شامل لما تفرق في صورة قضية واحدة متكاملة الأطراف والعناصر، وهذا لون من البحث وإن لم يأت بجديد لكنه جهد مفيد مثمر، ييسر للأجيال التالية أن تخطو على أساسه خطوات واسعة.
وذلك مثل كتابة بحث عن: قضية الخيار في الفقه الإسلامي.
أو مثل كتابة بحث عن: أسلوب النفي في النحو العربي.
أو مثل كتابة بحث عن: أساليب الاستغراق والشمول في النحو.
أو مثل كتابة بحث عن: الخيال في الشعر الجاهلي.
جـ- إكمال ناقص:
قد تعالج بعض القضايا في عصور سابقة معالجة لا تستوفي عناصر الموضوع نظرًا لأن المراجع، وأدوات البحث لم تكن متوافرة حينذاك، فيأتي باحث معاصر يكتشف عناصر أخرى يكتمل بها الموضوع، وتتوافر له أدوات لم تكن متاحة من قبل,
стр. 10
فيعيد دراسة الموضوع ليستوفي ما كان ناقصًا، وليعرض وجهة نظر جديدة؛ مما يعود بالإثراء على البحث العلمي.
وقد بحث أسلافنا الأوائل في قضايا.
وأعدنا في عصرنا الحاضر دراستها، فكانت النتيجة أن وجدنا جديدًا ومفيدًا.
وقد كتب كثيرون في القديم والحديث بحوثا عن المتنبي, لكن البحث الذي كتبه الشيخ محمود شاكر بما فيه من عمل تحليلي متميز شد انتباه لجنة التحكيم لجائزة الملك فيصل، ومنحت الشيخ الجائزة.
د- تفصيل مجمل:
قد يكون هذا الأمر في مجال البحث ليس بذي شأن كبير، لكنه على كل حال جهد مفيد ونافع, ويدفع صاحبه إلى الغوص في بطون الكتب لاستخراج المسائل التي يفصل بها ما أجمله غيره.
وفي تراثنا شواهد كثيرة لهذا اللون من البحث، وأقرب شاهد لذلك المتون والشروح.
والمتون وهي تضم رءوس المسائل, لا تغني -كما نعلم- عن الشروح.
وأحيانا يقوم بالشرح صاحب المتن، وأحيانا يقوم بذلك غيره.
وأعظم متن في تراثنا حظي بكثرة الشروح هو ألفية ابن مالك في النحو.
هـ- تهذيب المطول:
وهناك ألوان من البحوث تعمد إلى المطولات, فتستبعد منها ما عسى أن يكون من حشو وفضول, ومعارف يمكن أن يستغنى عنها في تعليم المبتدئين، وتسمى بالتهذيب.
وهو لون من البحث شائع في تراثنا، مثل: تهذيب الأغاني، وتهذيب السعد, وتهذيب التوضيح.
стр. 11
وقيمته العلمية أنه كسابقه يمكن أن يستفاد به في مجال التعليم.
و التعقيبات والنقائض:
هذا لون من البحث يعتمد على التعقيب على بحوث سابقة، أو نقض ما فيها من قضايا، وكشف ما فيها من زيف، أو تخطئة ما ورد فيها من آراء واجتهادات.
مثل: تهافت الفلاسفة للغزالي، وتهافت التهافت لابن رشد، والرد على النحاة لابن مضاء القرطبي.
ومنها كتاب مناهج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية لابن تيمية.
ومن البحوث الحديثة: ما يقال عن الإسلام للأستاذ عباس محمود العقاد.
وكتاب الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، والرد على هانوتو للشيح محمد عبده.
ز- وهناك بحوث تتناول بالدراسة أحد أعلام العلماء في أي علم من العلوم, بحيث يدرس الباحث حياته، وبيئته، وثقافته، وشيوخه، وتلاميذه، ونتاجه العلمي، وما له من إضافات فيه، ومنزلته بين نظرائه من أعلام عصره.
وأهمية هذا البحث أن الباحث المتوفر على ذلك تتاح له فرصة تتبع نتاج هذا العالم وإبراز ما خفي منه، وكما يمكنه أن يستخرج من كتبه الآراء الجديدة والمفيدة التي تكون عاملا في تطوير هذا العلم الذي برز فيه.
وهذا اللون الشائع في عصرنا الحاضر؛ لأنه ميسور للباحثين من أجل الحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه.
وقيمة هذا الموضوع تظهر في طبيعة البحث نفسه، وخطة الباحث، وجهده المبذول فيه، وفطنته.
стр. 12
ح- تحقيق النصوص:
وهذا مجال اتجه إليه الباحثون في عصرنا الحاضر، ولعلهم وجدوه ميسورًا كسابقه, إذ لا يكلف الواحد منهم سوى البحث عن مخطوط لم ينشر، أو نشر غير محقق فيقوم بتحقيقه، وضبط نصوصه وتحريرها.
ولا أريد أن أدخل في أصول التحقيق؛ لأني سأعالجه في باب خاص من هذا الكتاب.
والعيب في هذا المجال من مجالات البحث أن كثيرًا ممن يلجون بابه من طلاب العلم يفعلون ذلك بدون خبرة كافية، وتحقيق النصوص بالدرجة الأولى خبرة وفطنة أكثر منه معارف.
ولأجل هذا, فإن البحث في تحقيق النصوص تعظم قيمته إذا اقترن به دراسة جادة لمؤلف المخطوط, تكشف عن جهده العلمي وآرائه التي تفرد بها.
وهذه المجالات المتعددة تختلف -بلا ريب- من حيث القيمة العلمية، وأعلاها أولها، ويليها الثاني، وكذا بحوث التعقيبات والنقائض.
لكن الذي أريد أن أؤكده أن قدرة الباحث, وفطنته، وتمكنه من مادته يجعل لبحثه قيمة عالية، ولو كانت طبيعة البحث من هذا اللون الوصفي الذي لا يتطلب جهدًا كبيرًا, أو إمعانًا في النظر والتحري والتمحيص.
عدة الباحث وخلقه العلمي:
لا بد لمن يلج ميدان البحث العلمي أن يتوافر فيه عدد من الخصائص والسلوكيات, حتى يخرج بحثه على الصورة المرجوة التي تثري المعرفة الإنسانية، وتضيف إليها الجديد والمفيد:
١- غزارة العلم، وسعة المعرفة، والخبرة الواسعة بالميدان الذي يبحث فيه حتى يمكنه استخراج ما هو محتاج إليه من بطون المراجع, والموسوعات العلمية.
стр. 13
وأن يقرأ كل ما يتصل ببحثه من مؤلفات, قديمها وحديثها.
وأن يحس فهم ما يقرأ، ويدرسه دراسة فاحصة متأنية حتى لا يقع في الخطأ أو الوهم.
٢- ألا يأخذ ما يقرأ مما انتهى إليه غيره قضية مسلمة لا تقبل المراجعة مهما كانت شخصية هذا الباحث، وليضع في اعتباره هذه الحقيقة: يعرف الرجال بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال.
٣- الموضوعية، ومعنى هذا أن يكون جهد الباحث منصبًّا على الموضوع الذي يبحث فيه بصرف النظر عمن بحثوا في هذا الموضوع، ويمكن أن يأخذ ما تبين له أنه حق مهما قيل في صاحب هذا الرأي من اتهامات، وأن يرد ما رآه باطلًا، ولو كان صاحبه معظمًا في عيون الناس, فالحكمة ضالة المؤمن ينشدها أنَّى وجدها.
فلا أرد رأيا حسنا في القضية للزمخشري -مثلًا- لأنه معتزلي، ولا رأيا وجيها لنافع بن الأزرق؛ لأنه من الخوارج.
بل أطلب الحق حيث وجد، وللحق مقاييس معروفة في مقدمتها الموافقة لكتاب الله، والسنة الصحيحة، والعقل الصريح، والواقع المحس.
ولا بد من اتزان الأسلوب, فلا يكون إنشائيا مفعما بالمشاعر، متأثرا بالعواطف، يثير الشعور، ولا يقنع العقول.
بل لا بد من الأناة والروية والتعقل والحيدة التامة.
٤- النزاهة، وتعني البعد عن الهوى والتعصب في عرض الآراء ومناقشتها، والبعد عن التحامل، فيعرض رأي الغير وفكره كما يعرض آراءه الشخصية.
٥- الأمانة العلمية، وتتطلب من الباحث الدقة في النقل، وعدم التسامح في لفظ أو عبارة، أو حرف واحد مما ينقل، وذلك إذا كان الأمر في مجال الاستشهاد بنص معين، أما إذا كان المراد مجرد عرض رأي أو فكر علم من الأعلام فلا يلزم النقل النصي, ويشير فقط إلى المصدر الذي عرف منه الباحث هذا الرأي.
стр. 14
٦- احترام رأي الآخرين، فليس من حق الباحث أن يهون من رأي غيره، ولكن له أن ينقده بالدليل والبرهان في غير تجريح, ولا اتهام.
٧- الاهتمام بتوثيق النقل، بذكر المصادر وافية البيانات.
٨- إذا أراد الباحث الترجمة للأعلام الذين يرد ذكرهم في بحثه, فليكن ذلك بإيجاز مفيد، وليكن مقصورًا على غير المشهورين منهم, الذي يحتاج القارئ المتوسط التعرف عليهم.
٩- الاهتمام بالفهرسة، ولنا حديث مفصل فيما بعد عن المراجع, والفهارس بعون الله وحده.
١٠- لا بد للباحث أن يكون متمتعا بالراحة الجسمية، بعيدًا عن التوتر والآلام النفسية, حاضر العقل والبديهة، مهيئًَا للتفكير السليم.
مراحل البحث:
البحث العلمي يحتاج إلى مراحل محددة لا بد أن يمر بها الباحث ليصل إلى ما يريد من بحثه، وأن يحصل نتائج صحيحة تسهم في بناء معارف صحيحة. وسنتناول بالترتيب المنطقي هذه المراحل.
١- اختيار الموضوع:
هذه في تقديري أهم مراحل البحث، وأكثرها جهدًا ومشقة؛ إذ يكون الباحث الذي هو بصدد الاختيار أمام بحر لجي من المعارف والمؤلفات والأفكار التي طرحت في الميدان الذي يبحث فيه، ولا سيما أن تراث أمتنا في كل المعارف عظيم الثراء، وهذا يضاعف من الصعوبة التي يجدها الباحث.
والباحث الجاد الصادق يحس بمسئولية أعظم؛ لأنه لا يريد كتابة أي بحث يوصله للدرجة التي يريدها، ولكنه يريد بحثًا يحقق فيه نتائج يذكرها له معاصروه, والباحثون من بعده.
стр. 15
واختيار الموضوع يدل دلالة واضحة على عقل صاحبه، وعلمه، وخبرته بتراث قومه، فهو حصيلة جهد ومثابرة، واطلاع واسع، وخبرة باحتياجات الفن الذي يبحث فيه.
وهناك عوامل عدة تسهم في نجاح الموضوع, وتدل على مدى التوفيق في اختياره.
ومن ذلك:
أ- الصياغة الدقيقة لعنوان الموضوع أو ترجمته.
ب- حجم الدراسة فيه كمًّا وكيفًا.
جـ- طرافته وجدته.
د- صلته بالمطالب الحيوية للمجتمع الذي ينتظر أن تسهم المعرفة في رقيه عقليا وماديا.
هـ- صلته بميول الطالب ومعارفه.
و مراجع الموضوع ومدى توافرها، ولا نعني كثرتها؛ لأن الكثرة قد تكون مشكلة تدفع الطالب إلى نقول كثيرة تغيب معها شخصيته.
على أن الطالب الواعي يستطيع أن يعالج ذلك بمهارة, وحسن تصرف.
وقضية التعامل مع المراجع لها حديث آخر.
الخطة الأولية للموضوع:
عندما يوفق الباحث في اختيار بحثه عليه أن يرسم خطة أولية لمعالجة هذا الموضوع، والخطة الأولية تعني التصور العاجل والسريع للموضوع الذي ينقدح في ذهن الباحث أول الأمر، ويرفد هذه الخطة حصيلة المعارف والاطلاعات التي اكتسبها، والتي هي زاده على طريق بحثه، ولا يعقل أن يبدأ باحث معالجة موضوع معين وهو خالي الذهن تمامًا عن كل معرفة تتصل به.
стр. 16
وسأقدم على سبيل المثال خطة لموضوع ما يهتدي بها أي باحث من أبنائنا طلاب العلم.
وسأقدم لهم خطتي الأولى للموضوع الذي حصلت به على درجة الدكتوراه في النحو وهو: الخلاف بين البصريين والكوفيين وأثره في تطور الدراسات النحوية حتى نهاية القرن السادس الهجري.
وكان هذا البحث من بابين يسبقهما مقدمة وتمهيد، ويعقبهما خاتمة.
أما المقدمة، فذكرت فيها تعريفًا موجزًا بنفسي ودراساتي السابقة، ثم اختياري للموضوع وأسباب هذا الاختيار، وتحدثت عن مراجعي وتعاملي معها والصعوبات، وكيف ذللت مع شكر للمشرف ولمن بذلوا لي مساعدة لإنجاح العمل وإنجازه، كل هذا في اقتصاد، ودون مبالغة أو تزيد.
وأما التمهيد، فتحدثت فيه حديثًا موجزًا عن نشأة الدراسة النحوية حتى بداية عصر الخلاف.
وأما الباب الأول: فقد تناولت فيه بالدراسة الخلاف بين المدرستين: البصرية والكوفية بالوصف والتحليل، والتاريخ الدقيق، وعرضت ذلك في فصول ثلاثة:
الفصل الأول: قصرت الحديث فيه على دراسة تاريخية للخلاف، تحدد ظهوره، وتحلل أسبابه، وتصف بيئته، وتشرح المؤثرات التي حوله، وتذكر أنماطه، كما تبين مظاهره.
وفي الفصل الثاني: تناولت مسائل الخلاف بين المدرستين، وجعلت لها هذا التصنيف:
أ- مسائل أصولية: مثل القياس, والسماع، والعلة، والعامل.
ب- موضوعات نحوية: مثل الضمائر، والمشتقات، والتضمين.
جـ- مسائل جزئية: لإحصاء مسائل الخلاف في أشهر كتب النحو, وأوسعها.
стр. 17
وفي الفصل الثالث: تحدثت عن الباحثين في الخلاف من قدماء النحاة, كالأنباري والعكبري ونحوهما.
وأما الباب الثاني: فجعلته لتقويم الخلاف, وكشف آثاره.
وجعلته في فصول ثلاثة:
الفصل الأول: تقويم القدماء والمحدثين للخلاف بين المدرستين.
والفصل الثاني: قصرته على محاولتي الشخصية لتقويم الخلاف، وتصورت أسسا معينة أقيم عليها عملية التقويم.
والفصل الثالث: كان لتتبع نتائج الخلاف وآثاره في الدراسات النحوية حتى نهاية القرن السادس الهجري, مشيرًا إلى ما ظهر من مدارس متعددة بعد ذلك في بغداد ومصر والأندلس.
والخاتمة:
كانت لتسجيل النتائج التي أُصلت إليها من البحث.
هذه الخطة المبدئية لم تتغير في الممارسة العملية تغيرًا يذكر، لعل ذلك يرجع لأني كنت مستوعبًا لعناصر الموضوع في ذهني ومعايشتي له أول الأمر بالقراءة في كتب الخلاف، لكن هذا غير لازم، بل في أكثر الأحيان تتغير الخطة عند الممارسة ولا عيب في ذلك؛ ولذا درجنا دائما عند تقديم خطتنا لأي بحث أن نقول: والخطة قابلة للتعديل, حسب مقتضيات البحث.
أسوق هذا لعل فيه هداية لكل باحث، أو نموذجًا يحذو حذوه الباحثون، والكمال في كتاب الله وحده: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: آية ٨٢] .
стр. 18
٢- كيف تتم عملية التبويب؟
إن الباحث وهو يضع الخطة الأولى لبحثه وله معرفة عامة به، يلقي نظرة على عنوانه من خلال الأهداف التي يوحي بها، والجهود التي يحتمها، فيجعل هذه الأساسيات أبوابًا.
ثم يمسك بكل باب على حدة، ويضع له العنوان المأخوذ من العنوان العام للرسالة، فيلقي عليه نظرة واعية يستخرج بها النقاط التي يلزم الحديث عنها في هذا الباب، فيجعل من هذه النقاط فصولًا.
ثم يعمد إلى كل فصل فيتأمل القضايا التي يمكن أن يعالجها فيجعلها مباحث.
وهكذا حتى يفرغ من تخطيط الرسالة تخطيطًا أوليًّا، وكما قلنا: إن التعديل في هذا التخطيط وارد حسب مقتضيات البحث.
والخطة النموذجية التي قدمتها آنفًا تبين لنا بوضوح كيف يتم التبويب.
فإذا طلب منك -مثلًا- أن تكتب عن محمد بن الحسن الشيباني وجهوده الفقهية, فلا بد أن تكون الرسالة من بابين:
أولهما: عن محمد بن الحسن.
والآخر: عن جهوده الفقهية.
ثم تمسك بالباب الأول فتعرضه في عدة فصول:
الفصل الأول: حياته ودراسته وشيوخه.
الفصل الثاني: علاقته بالإمام أبي حنيفة.
الفصل الثالث: علاقته بالدولة الإسلامية في عصره.
وأما الباب الثاني: فتعرضه في عدة فصول:
стр. 19
أولها: آراؤه التي انفرد بها، وتأثيره في فقه الإمام أبي حنيفة ومنزلته بين فقهاء عصره.
ثانيها: أثر آرائه الفقهية في سياسة الدولة.
ثالثها: مؤلفاته, وتقويم هذه المؤلفات.
خاتمة: تسجل فيها النتائج.
وبالطبع نبدأ البحث بالمقدمة.
ويمكن أن نأتي بتمهيد.
نتحدث فيها بإيجاز عن الدراسة الفقهية حتى عصر محمد بن الحسن.
وهكذا يتم التبويب وعمل الخطة الأولى لأي بحث يريده الباحث.
٣- المصادر والمراجع:
بادئ الأمر نقول: هل هناك فرق بين المصدر والمرجع؟
بعض العلماء لا يفرق بينهما ويعدهما مترادفين, فسواء أكان الكتاب مصدرًا متوفرًا على هذه المعرفة بعينها أم يرجع إليه في اكتساب شيء منها.
وأكثر العلماء يفرق بينهما.
فالمصدر: كتاب يعالج موضوعًا بعينه، يتوفر عليه، ويعالجه معالجة شاملة تستقصي جميع جوانبه في تعمق ودرس، بحيث لا يستغني عنه باحث في هذا الموضوع أو دارس.
والمرجع: الكتاب الذي يستقى من غيره، فيتناول موضوعًا أو جانبًا من موضوع يذكر ما فيه من مسائل وقضايا.
فمن المصادر: الجامع الصحيح للبخاري، وصحيح مسلم في الحديث.
стр. 20
والكتاب لسيبويه في النحو.
والكامل للمبرد في الأدب.
والمغني لابن قدامة في الفقه الحنبلي.
وما أخذ من هذه المصادر فهو مرجع.
وذلك مثل الأربعين النووية في الحديث.
وعلى أي حال، فهذه أمور اصطلاحية لا مشاحة فيها إذ اختلف في أمرها الباحثون.
إن الباحث مطالب بالرجوع إلى كل ما يقع تحت يده مما كتب في مادته من قديم أو حديث، كما أن عليه أن يسعى وراء ما هو بعيد عنه مما يقع في يد غيره، أو في المكتبات العامة، وكذا المخطوطات؛ إذ قد يكون فيها معارف لا توجد في المطبوعات.
وكما أن نجاح الباحث متوقف على الحصول على أكبر قدر من مصادره.
كذلك نراه متوقفًا على القدرة على الاستفادة من المراجع.
أما الأساس الأول، فعلى الطالب مراجعة ما يأتي:
١- فهارس المكتبات الخاصة والعامة.
٢- الموسوعات العلمية المتخصصة في العلم الذي يبحث فيه.
٣- فهارس المصادر والمراجع التي لها صلة ما ببحثه، عله يجد بعض المسائل المساعدة في البحث، وكذلك الرسائل الجامعية التي كتبت في هذه المادة.
٤- المجلات العلمية المعتد بها.
٥- قوائم دور النشر والمكتبات؛ لمتابعة كل جديد في فنه، وما صدر من المخطوطات فيه.
стр. 21
٦- الرجوع إلى الشخصيات العلمية المبرزة في هذا المجال يستفيد من خبرتهم ويهتدي بإرشاداتهم التي هي حصيلة سنين في ميدان البحث والدرس.
وأما الأساس الثاني، فيدور حول أسلوب التعامل مع المراجع.
وذلك يتطلب ما يأتي:
أ- يجدر بالباحث أن يرتب مراجعه ترتيبًا زمنيًّا؛ ليقف على التطور التاريخي للعلم الذي يبحث فيه، لما يترتب على هذا من وقوف الباحث على أمور هامة في بحثه، كما يكشف له عن تأثير اختلاف البيئة الزمنية في بعض المعارف، ويتيح له فرصة المقارنة بين المتقدم والمتأخر.
ب- يبدأ التوثيق بالمراجع المتقدمة تاريخيًّا، ولا ينبغي أن يوثق نقلًا من مرجع متأخر, مع أن هذه المعلومة من مرجع متقدم.
ولا يعتمد على توثيق غيره, بل يأخذ من حيث أخذ.
جـ- عندما يمسك الباحث بالمرجع يكفيه أن يقرأ فهرس الموضوعات فيه إن كان مفهرسًا، ليقف على الموضوعات التي لها صلة ببحثه، فإذا كان غير مفهرس كان لا مفر له من قراءة المرجع قراءة سريعة حتى إذا وقع على مسألة لها صلة ببحثه قرأها بأناة، واستخرجها في البطاقة المعدة لذلك، ذاكرا الجزء والصفحة، واسم الكتاب والمؤلف، وسنة الطبع، والناشر، ومكان النشر, مثل الكتاب لسيبويه جـ١ ص٢٢٠ تحقيق عبد السلام هارون, الهيئة العامة للكتاب, القاهرة سنة ١٩٦٢م.
د- ما ينقله بنصه من المرجع يوضع بين علامتي تنصيص، ويذكر في أسفل الصفحة المعارف الستة المتصلة بالمرجع والتي أشرنا إليها، أما إذا نقل الباحث ملخصًا لفكرة وجدت في المصدر أو المرجع، لا يضع هذا الملخص بين علامتي تنصيص، وعليه أن يشير في أسفل الصفحة إلى المرجع قائلًا: انظر كتاب كذا, جزء كذا, صفحة كذا ... إلخ.
стр. 22
هـ- إذا اعترض النص المنقول بعض عبارات لا يعنى الباحث نقلها؛ لأنها بعيدة الصلة عن بحثه, فلا حرج عليه أن يضع مكانها عدة نقاط على هذا النحو " ... ".
٤- جمع المادة العلمية:
بعد التعامل مع المصادر والمراجع بالصورة التي ذكرناها، يستخرج ما يحتاج إليه من مادة علمية متبعًا إحدى طريقتين:
١- طريقة البطاقات:
فيسجل على كل بطاقة النص الذي ينقله ذاكرًا في أسفلها المعلومات الكاملة عن المرجع، وإذا كان ما يريد نقله يستغرق أكثر من بطاقة والمرجع في متناول الباحث يكفي أن يثبت في البطاقة ملخصًا لما يريد نقله، ثم يذكر في أسفلها الصفحات التي تحتوي القضية كاملة, والحجم المناسب للبطاقة غالبًا "١٠x١٤سم".
ولا بأس أن يكتب النقل في عدة بطاقات إذا كان المرجع غير ميسور, على أن يضم هذه البطاقات بعضها البعض بمشبك أو نحوه.
٢- طريقة الملف:
بأن يكتب ما يستخرجه من مادة علمية في أوراق كبيرة يضمها ملف معين أو ملفات حسب حجم المادة التي تسنى له جمعها.
الدراسة والتصنيف:
فإذا فرغ من جمع المادة على إحدى الصورتين السابقتين يبدأ في دراسة ما جمعه دراسة دقيقة واعية, يخلص منها إلى عملية التصنيف.
فيعد الباحث صناديق على عدد فصول الكتاب.
وفي كل صندوق يضع بطاقات الفصل الخاصة به، ويكتب عليه -مثلًا- الباب الأول -مثلًا- أو يعد ملفات على عدد فصول البحث، يضع في كل ملف الأوراق التي جمعت فيها مادته.
стр. 23
ولي تجربة خاصة في هذا الصدد.
أسميها طريقة الكشكول المفهرس.
وقد اتبعتها في رسالتي في الدكتوراه.
بأن أنقل المادة العلمية لكل فصل في كشكول، وأعطي كل نقل عنوانًا خاصا به، يجعل من السهل ربطه بأي فصل من فصول الرسالة.
وفي آخر كل كشكول فهرس لكل ما ورد فيه من موضوعات.
فإذا قرأت الكشكول أخذت فكرة كاملة عن مواد هذا الفصل.
ويصبح من السهل ربطه بالخطه الأولى التي وضعتها، أو أعدل في الخطة تبعًا لما استجد لي من مواد علمية تتطلب هذا التغيير.
على أي طريق من هذه الطرق أسير فيه، تتضح أمامي معالم الموضوع، وفي الوقت نفسه تظهر وجهة نظري، أو تعقيباتي، أو حواري مع آراء الآخرين، فأبادر بذكر إشارة موجزة عند كل موضوع، أو نقل يبدو لي مناقشته، والوقوف عنده حتى لا أنساه عندما أبدأ في المرحلة التالية، وهي أهم المراحل, أعني: مرحلة الكتابة والإخراج.
стр. 24
مرحلة كتابة البحث وإخراجه:
هذه المرحلة تأتي بعد أن تتم دراسة الموضوع من خلال المصادر والمراجع, وتكتمل صورته في ذهن الباحث، ثم يبدأ في كتابة بحثه.
وحينذاك يصوغ الباحث موضوعه بعبارته وأسلوبه، طبقًا لما هو ماثل في ذهنه، ويعالج قضاياه من خلال تصوره حتى تبدو شخصيته فيما يكتب، وله أن يعرض أفكار غيره بعبارته، ويشير إلى المرجع بقوله: انظر كذا -كما أسلفنا- ولا يذكر كلام غيره بنصه إلا إذا كان المقام يفرض ذلك، ويحتمه الاستشهاد، أو أنه يريد مناقشة هذا النص بحرفه.
ولا بد أن يتسم في كتابته بالدقة والأناة والتواضع والبعد عن الإعجاب بالرأي أو الإمعان في تسفيه الآخرين.
وأنسب الأساليب للكتابة العلمية أسلوب المساواة، وهو عند البلغاء: أن تكون الألفاظ على قدر المعاني.
ويحسن الإيجاز في صياغة القوانين, والقواعد العامة، والتعريفات.
ومن آفات الكتابة في البحوث الإطناب في غير مناسبة، والتكرار -أعني: تكرار المعلومة في أكثر من موطن- والإحالة تغنيه عن ذلك.
ويراعى ترتيب الأفكار وترابطها، وأن تكون أحكامه مبنية على مقدمات صحيحة توصل إليها.
وإذا كان للباحث رأي في مسألة يخالف به من سبقوه من الأعلام، فلا بد أن يقدم البراهين الصحيحة التي أقام عليها رأيه.
وعلى الباحث أن يلتزم بعلامات الترقيم؛ لأنها وإن كانت من مبتكرات العصر
стр. 25
الحاضر، وينسب ابتكارها إلى أحمد زكي باشا شيخ العروبة، فإنها تلقي ظلالًا من الوضوح على ما يكتب، وتعين على الفهم، وتزيل كثيرا من الالتباس والوهم.
ونشير إليها هنا بإيجاز تتميما للفائدة:
. - النقطة، تكتب في نهاية فقرة اكتمل بها معنى.
: - النقطتان المتعامدتان، توضع بعد القول، ونحوه.
، - الفاصلة، توضع بين المفردات، والجمل المتعاطفة.
؛ - الفاصلة المنقوطة توضع حيث يكون ما بعدها علة لما قبلها.
- - - الشرطتان بينهما فراغ، توضع بينهما الجمل المعترضة.
" " - علامات التنصيص، توضع بينها ما نقل عن الغير، وكذا الأحاديث النبوية.
() - القوسان، يوضع بينهما العنوان، أو ما نقل من كتاب الله تعالى.
؟ - علامة الاستفهام، توضع حيث يكون الاستفهام بأي أداة من أدواته.
! - علامة التعجب، توضع بعد كلام يترتب عليه ما يدعو للدهشة والعجب.
ويمكن تكرارها إذا رأى الباحث أن الموقف يثير قدرًا كبيرًا من العجب.
وإذا بدا للباحث أن يترجم للأعلام فليفعل ذلك بإيجاز، وليقصر ذلك على غير المشهورين.
وتوثيق النقول قضية هامة يتوقف عليها صلاح البحث وقيمته.
فالآيات القرآنية يذكر في الهامش رقم السورة والآية.
والأحاديث النبوية لا بد من تخريجها.
والشعر ينسب لقائله إن عرف له قائل، وأقوى توثيق للشعر أن يذكر موضعه من ديوان الشاعر، أو في المجموعات الشعرية القديمة مثل المفضليات, والأصمعيات، ومختارات ابن الشجري، والحماسة لأبي تمام، والحماسة للبحتري.
стр. 26
وإن لم يتيسر هذا فيذكر مكانه في أي كتاب من كتب التراث المعتد بها.
وفي نسبة أقوال العلماء، أقوى توثيق لها أن تذكر مكان هذا النقل في كتاب من كتب هذا العالم الذي نقلت عنه، أو من كتاب عالم آخر قريب العهد منه، أو مكان هذا الرأي في كتاب عالم يعتد به، وإن كان بعيدًا في الزمن عن صاحب هذا الرأي.
ومن هنا تبدو لنا وظيفة الهوامش؛ إذ تخصص فيما يأتي:
أ- توضيح كلمة أو عبارة غامضة يقتضي البحث توضيحها.
ب- نسبة الشعر لقائله والترجمة له.
جـ- نسبة النقول إلى مصادرها.
د- الترجمة للأعلام.
هـ- تخريج الأحاديث.
و تخريج الآيات القرآنية.
ز- الإحالة إلى موضوع سابق, أو لاحق.
فإذا أكمل الباحث فصلا من فصول بحثه، راجعه مراجعة دقيقة، وقابل النقول بالبطاقات التي تحمل هذه النقول، وراجع الهوامش وأرقامها، كما يراجع المعلومات التي يكتبها عن كل مصدر.
ثم ينتقل إلى الفصل الذي يليه, وهكذا حتى يفرغ من البحث.
وهنا ملاحظة هامة إذا تصرف الباحث أي تصرف في النص المنقول لا بد أن يشير إلى أن ذلك "بتصرف" بعد ذكر بيانات المرجع المعروفة. وترتيب الفقرات بدءًا وختامًا، يدل على فهم الباحث لبحثه، ودرايته بما يكتب.
الفهارس:
تعد الفهارس من لوازم البحث الحديث؛ ذلك لأنها تؤدي مهمة جليلة القدر
стр. 27
على طريق البحث العلمي وبناء المعارف الإنسانية؛ إذ إنها توفر للباحثين الذين يستعينون بعمل غيرهم للوصول إلى عمل أكبر، أو إضافة لبنة إلى اللبنات التي أرساها سابقون, توفر عليهم وقتًا كبيرًا وجهدًا أكبر، وتيسر لطالب العلم في كل زمان ما يحتاج إليه من بحث غيره بحهد يسير ووقت وجيز.
والأعلام الكبار في تاريخ أمتنا عرفوا الفهرسة إلى حد ما، ووقفوا بها عند حدود الموضوعات والمباحث التي يعالجها الكتاب.
وفي العصر الحديث سار علماء أوروبا والمستشرقون منهم شوطًا بعيد المدى في مجال فهرسة البحوث؛ تيسيرًا للعلم على طلابه، فتعددت الفهارس التي صنعوها.
وكانت هذه بلا ريب واحدة من حسناتهم القليلة.
والفهرسة بهذا المعنى لم تعد مجرد شكل يجمل استيفاؤه، ولكني أقول: إن الإخلال بها، أو عدم استيفائها يحط من قدر العمل وإن كان عظيمًا.
ولقد لاحظنا في الآونة الأخيرة أن بعض الباحثين -وحسنًا فعلوا- يقومون بعمل فهارس لكتب التراث الكبيرة، وموسوعاته التي لم تتح الفرصة لطبعها طباعة حديثة لتتفتح مغاليقها أمام الباحث، ويستطيع أن يستخرج الدرر من كنوزها التي حال بينه وبينها عدم الفهرسة.
وقد تنوعت مجالات الفهرسة إمعانًا في خدمة طالب العلم، فأصبحت تشمل ما يأتي:
أ- فهرس الموضوعات:
وهو يقدم تفصيلًا للموضوعات التي تناولها البحث خلال الفصول والأبواب.
ب- فهرس المصادر والمراجع:
إما مرتبا ترتيبًا هجائيًّا حسب المؤلفين, كما هو متبع عند علماء أوروبا وأمريكا.
أو مرتبا ترتيبًا هجائيًّا حسب عنوان الكتاب على أن يبدأ على كل حال بالقرآن الكريم أصدق المراجع بلا مدافع.
стр. 28
جـ- فهرس الشواهد القرآنية.
د- فهرس الأحاديث النبوية.
هـ- فهرس الشعر.
و فهرس الأعلام.
ز- فهرس الأماكن والقبائل.
ويمكن للباحث حسب طبيعة بحثه أن يزيد فهارس أخرى, أو يختصر من الفهارس المذكورة.
مقدمة البحث:
قد يتبادر إلى ذهن الباحث أن المقدمة أول ما يكتب في البحث.
وفي الحقيقة أن الأولى والأقرب للمنهج الصحيح في البحث أن تكتب بعد الفراغ منه.
وذلك لأن المقدمة يتوفر فيها الباحث على الإشارة لاستعداده العلمي, ودراساته التي تؤهله لبحث الموضوع، ثم اختيار الموضوع، وأسباب الاختيار، والعقبات التي اعترضت الباحث, وكيف ذللها؟
والحديث عن هذا كله لا تتضح أبعاده إلا بعد الفراغ من البحث.
الفرق بين المقدمة والتمهيد:
أما التمهيد: فيتناول فيه الباحث أمورا لها صلة ما ببحثه وإن لم تكن من صلبه، أو ذات علاقة جوهرية به.
والمقدمة: حديث عن البحث, والباحث بعيد الصلة عن الناحية العلمية الموضوعية للبحث.
стр. 29
خاتمة البحث:
أما خاتمة البحث: فهي مخصصة لذكر النتائج التي انتهى إليها الباحث من بحثه, فهي خلاصة عمله وما انتهت إليه تجربته.
والبحث العلمي بمثابة عدة مقدمات متماسكة تنتهي بنتيجة هي: الخاتمة, فيبدأ الباحث التالي من حيث انتهى الباحث الأول.
وعلى هذا النحو يكتمل بناء المعارف الإنسانية، ونراها ثرية غنية, توفي ما تحتاج إليه حياة البشر على الأرض.
وهنا نخلص إلى المرحلة الأخيرة:
الطباعة والتجليد:
وعلى الباحث أن يتابع بحثه في طباعته بالمراجعة الدقيقة، وأن يضع في اعتباره أن الطابع ينقل ما أمامه كما يصوره ذهنه وفكره، فهو يتصرف بطريقة آلية تمامًا، ولا ينبغي أن تعتمد على فطنته في استدراك سهو وقعت فيه.
والخط الواضح يوفر على الباحث كثيرًا من الجهد والمعاناة.
وتجليد الرسالة أو البحث أمر ضروري للحفاظ عليها، وإظهارها بالمظهر اللائق بها، والذي يساير الجهد المبذول في إخراجها.
وأحيانًا يضر المظهر الرديء بالواقع الجيد.
فماذا على الباحث إذا حرص على سلامة الشكل حرصه على سلامة المضمون؟!
ملحظ آخر:
أشاهد كثيرًا من الطلاب الذين كلفنا بالحكم على رسائلهم بأن يكتبوا صفحة للإهداء للوالدين أو لأحدهما، أو لزوجه، أو لآخرين. وهذا لا صلة له بأساسيات الإخراج بحال من الأحوال، وهو مجرد نزعة عاطفية للباحث، إن ذكرها بطريقة متزنة قبلت، وإن بالغ نوقش في ذلك، وإن تركها فقد أراح واستراح.
стр. 30
الباب الثاني: التعريف بالمكتبة الإسلامية
الفصل الأول: دراسة تاريخية وميدانية للمكتبة الإسلامية
تمهيد:
إذا كان البحث العلمي، أو طلب العلم من أشرف المقاصد -كما بينا في الباب السابق- فإن المكتبة تعدّ من أقوم الطرق, وأهداها في تحصيل المعرفة.
وقد عرف الإنسان المكتبة منذ عرف الكتابة، فكان يكتب ما يحصله من معارف، وما تهديه إليه تجربته من الحياة فيما تيسر له من أسباب الكتابة, ووسائلها.
وعندما ظهرت الحضارات الإنسانية على ضفاف الأنهار في العالم الشرقي، وجدنا المكتبات لازمة من لوازم الحضارة، فعرفت المكتبات في حضارات الفراعنة في وادي النيل، والبابليين والآشوريين بين النهرين في العراق، وكذلك حضارات الهند وفارس والروم، وكان لها كلها موروثات ثقافية ذات شأن.
وكانت مكتبة الإسكندرية من أشهر المكتبات في العالم القديم.
وقد عرف العرب الكتابة قبل الإسلام، وكانت لهم كتابات على الأحجار اكتشفت في شمالي الجزيرة وجنوبيها؛ إذ كانت في هذه الأماكن حينذاك حركة تثقيف وكتابة.
يذكر صاحب الأغاني: أن عدي بن زيد العبادي لما نما وأيفع طرحه أبوه في الكتاب حتى حذق العربية، ثم دخل ديوان كسرى، وهو أول من كتب بالعربية في هذا الديوان١.
ويبدو أنه كانت في الجاهلية كتاتيب يتعلم فيها الصبيان الكتابة والشعر وأيام العرب، ويشرف عليها معلمون ذوو مكانة في قومهم مثل أبي سفيان، وصخر بن حرب، وأبي قيس بن عبد مناف، وعمرو بن زرارة الكاتب٢.
стр. 31
وكان العرب يطلقون على كل رجل يكتب ويجيد الرمي والسباحة لقب "الكامل"١.
وجاء الإسلام فأشرق بنوره على جزيرة العرب، فمحا الأمية ونشر الكتابة وظهر الكتاب، وكان هذا الأمر مقصدًا من المقاصد الرئيسية للشريعة الهادية, والدستور الحكيم.
وحسبنا من هذا أن الكتاب العزيز نزلت آياته الأولى هادفة إلى هذه الغاية الكريمة، مما يؤكد أن الدعامة الأولى للإسلام هي العلم. يقول تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: آية ١-٥] .
وأعلن النبي ﷺ أول حرب على الأمية في التاريخ؛ إذ كان يطلب إلى غير القادر من أسرى بدر أن يعلم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة.
وكان للنبي ﷺ كتاب كثيرون، فبلغ كتاب الوحي نحو أربعين كاتبًا, في مقدمتهم الخلفاء الأربعة, وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وشرحبيل بن حسنة، وعبد الله بن رواحة، ومعاوية بن أبي سفيان، وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص، كما كان له كتاب للمداينات، والصدقات، والمعاملات، وكتاب للرسائل يكتبون باللغات المختلفة٢.
стр. 32
نشأة المكتبة الإسلامية:
أول كتاب دون في الإسلام هو كتاب الله تعالى؛ إذ كانت الآيات تنزل فيسارع النبي ﷺ إلى كتابه ليكتبوها على الأحجار، أو العظام، أو سعف النخل، ونهى النبي ﷺ في هذه المرحلة عن كتابة شيء غير القرآن، إذ جاء في الحديث الصحيح قوله: " ... ومن كتب عني شيئًا غير القرآن فليمحه, وحدثوا عني ولا حرج".
وقد أذن فيما بعد لبعض أصحابه بكتابة بعض أحاديثه، فقد كان عند سعد بن عبادة الأنصاري "١٥هـ" كتاب أو كتب فيها طائفة من أحاديث رسول الله ﷺ ، وقد اشتهرت صحيفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "٤٠هـ" التي كان يعلقها في سيفه فيها أسنان الإبل، وأشياء في الجراحات، وحرم المدينة، ولا يقتل مسلم بكافر١.
وتم جمع القرآن الكريم في مصحف واحد لأول مرة في عهد أبي بكر ﵁ حتى لا يضيع شيء من القرآن بسبب استشهاد كثير من القراء في حروب الردة, ومانعي الزكاة.
وجمع للمرة الثانية والأخيرة في عهد الخليفة عثمان ﵁ الذي نسخ من المصحف الشريف عدة نسخ ووزعها على الأمصار الإسلامية لتكون مرجعًا مكتوبًا، ومع كل مصحف قارئ مجيد ليكون مرجعًا منطوقًا٢.
ومن هنا نستطيع أن نقول: إن الكتاب الأول في المكتبة الإسلامية هو القرآن الكريم، المهيمن على كل كتاب، والحكم على كل مكتوب، والحق الذي لا ريب فيه.
وكان هذا الكتاب العزيز مكتبة كاملة في كتاب.
ففي رحابه نبتت علوم، ودونت معارف، وقامت بحوث ودراسات.
стр. 33
في مقدمتها: علوم السنة التي هي في حقيقتها بيان للكتاب وتطبيق رشيد لتوجيهاته.
ثم أخذ العلماء يستنبطون بفقههم الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، فظهر علم الفقه بميادينه الواسعة، ودراساته المتشعبة.
كما تدبر العلماء كتاب الله، فاستنبطوا أصول العقيدة ودونوها مقارنة بأفكار البشر حول الحياة والمصير، وظهر علم العقيدة أو علم الكلام.
واجتهد العلماء في تفسير الكتاب العزيز، وبيان مقاصده فظهر علم التفسير.
ووجد العلماء أن من اللازم أن يتعرفوا أحوال الرسول الخاتم الذي تلقى الكتاب وعمل به ونفذ الشريعة، وكذلك العلماء الراشدون الذين ساروا سيرته، فظهرت علوم السير والتاريخ.
بل إنه في رحاب القرآن الكريم ظهرت ودونت علوم اللسان من نحو وصرف، وفقه لغة وبلاغة، ونتاج أدبي من الشعر والنثر.
وتوالى العلماء وكثرت المؤلفات، حتى إننا نعد التراث الإسلامي في هذه العلوم التي ذكرناها، وغيرها من العلوم التجريبية والإنسانية كالطب والفلك والجبر والفيزياء, أعظم تراث عرفه البشر.
وأما عن المكتبة الأولى في الإسلام، فكانت في بيت رسول الله ﷺ الذي كان يضم صفحات المصحف التي هي مرجع المسلمين في كل أمورهم.
وسار بعض الصحابة على هذا الطريق، فاقتنوا صفحات من المصحف، أو كانت لهم مصاحف مثل مصحف عائشة ومصحف ابن مسعود وغيرهما. غير أن هذه المصاحف انتهى أمرها في عهد عثمان ﵁ ليجنب المسلمين أمر الاختلاف في قراءة الكتاب العزيز, وجمعهم على المصحف الإمام١.
ونستطيع أن نقول: إن المساجد كانت النواة الأولى للمكتبة الإسلامية؛ إذ كان
стр. 34
المسجد متعدد الوظائف في مجتمع المسلمين، وبخاصة في مجال العلم والمعرفة، ولم يكن مقصورًا على الجمع والجماعات وأداء العبادات.
وأصبح في كل مسجد مكتبة يودع فيها العلماء ما صنفوه من مؤلفات في الفروع المختلفة، فقلما يخلو مسجد جامع من خزانة كتب يرتادها طلاب المعرفة.
وكانت المكتبات الخاصة لازمة من لوازم بيوت كبار القوم؛ إذ كانت غالية باهظة التكاليف، وكان الواحد منهم يفخر باقتناء كتاب معين في فرع من فروع العلم، كما يفخر باقتناء درة ثمينة، أو جوهرة فريدة.
يذكر المؤرخون: أن الفتح بن خاقان "٢٤٧هـ" -وكان وزيرًا للمتوكل- تحت يده مكتبة جامعة، والمبشر بن فاتك "٤٨٠هـ" أحد أعيان أمراء مصر وعلمائها كانت له مكتبة قيمة حوت الكثير من العلوم الرياضية والفلسفية ونحوها، وأما الخليفة الناصر لدين الله "٦٢٢هـ" فكانت له مكتبة كبيرة جدا، كما أن الخليفة المستعصم بالله "٦٥٦هـ" كان في داره مكتبة ضخمة ضمت نفائس الكتب في شتى العلوم١.
والمدارس الكثيرة التي حفلت بها المدن الإسلامية في الشرق والغرب لم تخل من مكتبات حافلة بالكتب في فروع العلم المختلفة.
ولقد أجرى إحصاء في أحياء قرطبة التي تبلغ واحدًا وعشرين حيا أيام ازدهار الخلافة، فوجد أن مائة وسبعين امرأة يجدن الخط الكوفي، يكتبن به المصاحف، وقد كان لعائشة القرطبية "٤٠٠هـ" خزانة كتب كبيرة، وهي إحدى المشهورات بكتابة المصاحف٢.
ويذكر المترجمون لأبي عمرو بن العلاء "١٥٤هـ" وهو من أئمة القراءات واللغة والغريب, أن مؤلفاته كانت ملء بيت إلى السقف٣.
стр. 35
هذا التراث الزاخر من نتاج عقول المسلمين على امتداد قرون النهضة لم تحل ندرته وارتفاع ثمنه من أن يكون في متناول طلاب العلم؛ لأن أهل الفضل من أعيان القوم لم يضنوا بها على مكتبات المساجد والمدارس ليستفيد منها جمهرة الناس.
فالإمام الحافظ أبو حاتم البستي "٣٥٤هـ" وضع مؤلفاته الكثيرة في دار خاصة في بلدة "بست" وجعلها وقفًا لأهل العلم١.
ولا أدل على انتشار المكتبات في العالم الإسلامي على أحسن صورة من قول العلامة ابن خلدون "وطما بحر العمران والحضارة في الدول الإسلامية وفي كل قطر، وعظم الملك ونفقت أسواق العلوم، وانتسخت الكتب، وأجيد كتبها وتجليدها، وملئت بها القصور والخزائن الملوكية بما لا كفاء له"٢.
والمكتبة الإسلامية وسعت الفكر الإنساني كله، وقد ترجم التراث الإنساني في عصر الدولة العباسية، وبخاصة في عصر المأمون الذي أولع بمنطق اليونان وفلسفتهم, فكان يعطي ابن بختيشوع وزن ما يترجم ذهبًا.
ولم تكن المكتبات الإسلامية مجرد حشد من الكتب، وإنما كانت على أبهى نظام وأحسن تنسيق، كما هيئت فيها كل الوسائل لمن يريد الاطلاع من طلبة العلم.
يقول المقريزي: إن دار الحكمة بالقاهرة لم تفتح أبوابها للجماهير إلا بعد أن فرشت وزخرفت، وعلقت على جميع أبوابها وممراتها الستور، وأقيم قوام وخدام وفراشون وغيرهم رسموا بخدمتها٣.
وكان للمكتبة جهاز كامل من العاملين ابتداء من خازن المكتبة، أو المحافظ -وهو رأس المكتبة- إلى المساعدين والموظفين.
стр. 36
أشهر المكتبات في تاريخ الإسلام:
١- دار الحكمة أو بيت الحكمة:
أسسها الرشيد "١٤٩-١٩٣هـ" وأمدها ابنه المأمون بكثير من المؤلفات, والمترجمات حتى أصبحت أكبر خزائن الكتب في العصر العباسي، وظلت قائمة حتى استولى التتار على بغداد "٦٥٦هـ"١.
٢- دار العلم:
وهي مكتبة الفاطميين بمصر، أنشأها الحاكم بأمر الله، وألحقها بدار الحكمة، وهي جامعة على غرار جامعات بغداد وقرطبة، وحوت دار العلم كتبًا من كل فن، كما ضمت ما يحتاج إليه النساخ من محابر وأقلام وأوراق.
بقيت حتى نهاية دولة الفاطميين، وقد اشترى القاضي الفاضل أكثر كتب هذه الخزانة ووقفها بمدرسته الفاضلية بدرب ملوخيا بالقاهرة، فبقيت فيها إلى أن استولت عليها الأيدي فلم يبق منها إلا القليل٢.
٣- مكتبة قرطبة:
كثرت المكتبات في الأندلس حتى بلغت نحو سبعين مكتبة في عصر الخلافة عدا المكتبات الخاصة, لكن أعظمها وأشهرها مكتبة قرطبة.
أنشأها الأمويون، وتعهدها الخلفاء تباعًا، وبلغت غاية ازدهارها في عصر المستنصر "٣٥٠-٣٦٦هـ"؛ إذ كان له وكلاء في البلاد الإسلامية يزودونه بكل ما ينتجه العلماء المسلمون من مؤلفات. وقد قيل: إنها جمعت أربعمائة ألف مجلد.
стр. 37
وذكروا أن فهارس دواوين الشعر وحدها بلغت أربعا وأربعين كراسة١.
وهناك مكتبات أخرى في أنحاء العالم الإسلامي تلي هذه المكتبات شهرة ومكانة، من أهمها:
١- المكتبة الحيدرية بالنجف بالعراق، وهي قائمة حتى الآن، ولا تفتح للجمهور. وهذه التسمية نسبة إلى حيدرة لقب علي بن أبي طالب، يهتم الشيعة بهذه المكتبة، وأشهر من اهتم بها عضد الدولة البويهي "٣٧٢هـ"، وهي ملحقة بالمشهد الذي فيه قبر علي ﵁ كما تقول الشيعة.
٢- مكتبة ابن سوار بالبصرة، أسسها أبو علي بن سوار, أحد رجال عضد الدولة البويهي، وكان فيها دعوة للفكر المعتزلي.
٣- مكتبة رامهرمز: أنشأها ابن سوار في مدينة رامهرمز على غرار مكتبته بالبصرة.
٤- وهناك مكتبات المدارس، كمكتبة المدرسة النظامية ببغداد، ومكتبة المدرسة الفاضلية بالقاهرة، ومدارس دمشق. ومن أشهرها: دار الحديث النورية، والصلاحية، والعادلية، والظاهرية، وكلها للتعليم العالي.
стр. 38
أشهر المكتبات في العصر الحديث:
أولا: في العالم العربي والإسلامي
نذكر هنا أشهر المكتبات في البلاد العربية والإسلامية حسب الترتيب الأبجدي:
١- الأردن:
دار الكتب الأردنية في عمان, أسست سنة ١٩٣٨م.
٢- تونس:
مكتبة الجامع الكبير بالقيروان، هي مكتبة قديمة، وقد عنيت بها الحكومة التونسية منذ سنة ١٩٤٠، وكذلك مكتبة جامع الزيتونة بتونس، والمكتبة العبدلية، والمكتبة الصادقية، والمكتبة العمومية.
٣- الجزائر:
المكتبة الأهلية في مدينة الجزائر، ومكتبة الجامع الكبير بها أيضًا، والمكتبة الباديسية في قسطنطينة.
٤- سوريا:
دار الكتب الظاهرية بدمشق، ودار الكتب الوطنية في حلب.
٥- السعودية:
مكتبة الحرم المكي بمكة المكرمة، ومكتبة مكة المكرمة في القشاسية التي يقولون عنها: إنها بنيت مكان البيت الذي ولد فيه النبي ﷺ ، ومكتبة عارف حكمت، والمكتبة المحمودية بالمدينة المنورة، ودار الكتب الوطنية في الرياض.
٦- السودان:
المكتبة العامة بأم درمان، وخزائن الكتب التي لا تزال ملحقة بالمساجد.
стр. 39
٧- العراق:
دار الكتب العمومية في بغداد، والمكتبة العامة في بغداد، ومكتبة الأوقاف كذلك.
٨- فلسطين:
مكتبة المسجد الأقصى بالقدس، والمكتبة الخالدية بدمشق.
٩- الكويت:
المكتبة العامة في الكويت العاصمة.
١٠- لبنان:
المكتبة الوطنية في بيروت، ومكتبة الجامع الكبير المنصوري بطرابلس.
١١- ليبيا:
المكتبة الوطنية بطرابلس.
١٢- مصر:
دار الكتب المصرية أو الهيئة العامة للكتاب.
مكتبة الأزهر، وهي أشهر مكتبة في العالم الإسلامي.
والمكتبة العامة لبلدية الإسكندرية، وكذا مكتبات المدن التي تعد فروعًا لدار الكتب، وكذا مكتبات الجامعات والمدارس والمعاهد العليا.
١٣- المملكة المغربية:
المكتبة العامة في الرباط، ومكتبة جامع القرويين بمدينة فاس، وخزانة الجامع الكبير في طنجة.
١٤- اليمن:
المكتبة العامة في جامع صنعاء.
стр. 40
١٥- إيران:
مكتبات طهران وأصفهان وتبريز وزنجان وأروبيك.
١٦- تركيا:
مكتبة الجامعة في إستانبول "فيها سبعة عشر ألف مخطوط".
والمكتبة العمومية في إستانبول، وفيها خمسة آلاف مخطوط تقريبًا، ومكتبة الفاتح، وهي ملحقة بمسجد إستانبول وفيها ستة آلاف مخطوط، وهناك مكتبات أخرى في مدن أخرى.
١٧- الهند:
١- المكتبة العامة في بانكيبور، وفهرس كتبها العربية في أربعة وأربعين مجلدًا.
٢- مكتبة جامعة كلكتا.
٣- مكتبة الجمعية الآسيوية في كلكتا.
٤- خزانة المولى فيروز في بومباي.
٥- مكتبة حكومة الهند الشرقية في مدراس.
ثانيا: في خارج البلاد العربية والإسلامية
تشهد كل المدن في العالم غير العربي والإسلامي مكتبات كثيرة غاية في التنسيق والإبداع، وتيسير الاطلاع لطلاب العلم، وفيها أقسام كبيرة للكتاب العربي والإسلامي.
وأهمية هذه المكتبات تكمن فيما تحويه من مخطوطات عربية وإسلامية. ومن أجل هذا سنقدم بيانًا لها في الباب الثالث عند الحديث عن المخطوطات العربية وتحقيقها.