← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7326

تذكره الآباء وتسليه الأبناء = الدراري في ذكر الزراري

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (74 стр.). Показаны 36–74 · переход к 41.

стр. 36

وقال ﵊: "ما نحل والد ولده أفضل من عمل صالح". وقال أبو حيان التوحيدي ﵀: يجب على الرجل أن يستقبل عمره بولده ليستمتع كل منهما بصاحبه، وأن يمهد له المعيشة، وأن يختار أمه واسمه ويختنه ويؤدبه ولا يستأثر دونه، وأن يختار له زوجة صالحة ومعيشة جميلة كافية، وأن يكفيه العار وسوء الحديث. وفي الحديث: "من كان له صبي فليستصب له".

стр. 37

قرأت في ربيع الأبرار للزمخشري قال: من حق الولد على والده أن يوسع عليه ماله كيلا يفسق. وقرأت في العقد لابن عبد ربه قال: خير الآباء للأبناء من لم يدعه التقصير إلى العقوق. وإذا راهق الصبي فينبغي لأبيه أن يزوجه فقد ورد في الحديث: "من بلغ له ولد وأمكنه أن يزوجه فلم يفعل وأحدث الولد كان الإثم بينهما".

стр. 38

قال الجاحظ: من كان فقيراً وأولد فهو أحمق. وقال العتبي: لا تأت بالولد إلا بعد معيشة كافية وكفاية باقية وضيعة نامية. وقيل من أتى بالولد قبل المال فقد ظلم نفسه وولده. قالت الحكماء: من أدب ولده صغيراً سره كبيراً. وقالوا: أطبع الطين ما كان رطبا وأغمز العود ما كان لدنا. وقال: من أدب ولده غم حاسده. وقالوا: ما أشد فطام الكبير وأعسر منه رياضة الهرم.

стр. 39

وقال عبد الملك بن مروان: أضر بنا في الوليد حبنا له، وكان الوليد لحانا وهو الذي صلى بالناس فقرأ يا ليتها كانت القاضية (بالرفع) وخلفه سليمان بن عبد الملك فقال: عليك.

стр. 40

وقال الرشيد لابنه المعتصم: ما فعل وصيفك؟ قال: مات واستراح من الكتاب، قال: وبلغ الكتاب منك هذا المبلغ، والله لا حضرت أبداً، ووجهه إلى البادية فتعلم الفصاحة وكان أمياً. وقال صالح بن عبد القدوس: وأن من أدبته في الصبا ... كالعود يسقى الماء في غرسه حتى تراه مورقاً ناضراً ... بعد الذي أبصرت من يبسه والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه

стр. 41

وقال آخر: لا تسه عن أدب الصغير ... وإن شكا ألم التعب ودع الكبير لشأنه ... كبر الكبير عن الأدب

стр. 42

الباب التاسع في توصية الآباء معلمي أولادهم بهم قال عمرو بن عتبة يوصي مؤدب ولده: يا أبا عبد الصمد ليكن أول إصلاحك بني إصلاحك نفسك فإن عيوبهم معقودة بعيبك، فالحسن عندهم ما فعلت، والقبح ما تركت، علمهم كتاب الله ولا تملهم منه فيكرهوه، ولا تدعهم منه فيهجروه، روهم من الشعر أعفه، ومن الكلام أشرفه، ولا تخرجهم من علم إلى علم حتى يحكموه، فأن ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم، تهددهم بي، وأدبهم دوني، وكن كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء قبل معرفة الداء، وجنبهم محادثة النساء، وروهم سير الحكماء، ولا تتكل على عذر مني، فقد اتكلت على كفاية منك، واستزدني بزيادة منهم أزدك. وقال العباس بن محمد لمؤدب ولده: إنك قد كفيت أعراضهم فاكفني آدابهم والتمسني عند آثارك فيهم تجدني.

стр. 43

قال عبد الملك للشعبي حين أخذه بتعليم ولده: علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن، وجنبهم السفلة فإنهم أسوأ الناس رعة وأقلهم أدباً وعلماً، وجنبهم الحشم فإنهم لهم مفسدة، وأحف شعورهم تغلظ رقابهم، وأطعمهم اللحم تصح عقولهم، وتشتد قلوبهم، وصقل رؤوسهم وعلمهم الشعر يمجدوا وينجدوا، ومرهم أن يستاكوا غرضاً ويمصوا الماء مصاً ولا يعبوا عباً، فإذا احتجت إلى أن تتناولهم بأدب فليكن ذلك في ستر لا يعلم به أحد من الغاشية فيهونوا عليهم.

стр. 44

وكتب شؤريح القاضي إلى معلم بني له: ترك الصلاة لا كلب يسعى بها ... طلب الهراش مع الغواة الرجس فإذا أتاك فعضه بملامة ... أو عظه موعظة اللبيب الأكيس وإذا هممت بضربه فبدرة ... وإذا ضربت بها ثلاثاً فاحبس واعلم بأنك ما فعلت فنفسه ... مع ما تجرعني أعز الأنفس وكتب جد جدي القاضي أبو الفضل هبة الله بن أحمد بن يحي بن زهير ابن أبي جرادة إلى الفقيه أبي علي بن المعلم وكان مدرس ابنه أبي غانم محمد بن هبة الله جد أبي قصيدة يستنهضه فيه منها:

стр. 45

أبا علي هو الدهر الخؤون وما ... يحظى بجدواه إلا الجاهل الغمر إني لأشكر ما أوليت من حسن ... حتى أرى به أسمو وأفتخر ولو أردت مكافأة على منن ... أسديتها لتقضى دونها العمر عهدت فضلك لا يحتاج تذكرة ... وحسن رأيك ما في نفعه ضرر فكيف بحرك عذب طاب منهله ... للواردين وفيما خصني صبر وكيف ترعى حقوق غير واجبة ... وفي أبي غانم تلغي وتحتقر راجع سدادك فيه فهو أن سمحت ... به الليالي على أحداثها وزر واحفظ له حق آباء ومعرفة ... مضت بتأكيدها الأيام والعصر ووله منك قسطاً من ملاحظة ... فما يرى لك في إهماله عذر

стр. 46

فإنه نبعة طابت منابته ... صلب على العجم ما في عوده خور مغري بما زاد في قدر ومنزلة ... وما تبدى له في خده شعر دلائل مخبرات عن نجابته ... كالنار تخبر عن ضوضائها الشرر من معشر حلت العلياء بينهم ... يعد شكرهم فخرا إذا شكروا

стр. 47

الباب العاشر في ذكر كلام الصبيبات وجوابهم مر عمر بن الخطاب ﵁ على صبيان يلعبون فتفرقوا من هيبته ولم يبرح ابن الزبير، فقال له: مالك لم تبرح؟ فقال: ما الطريق ضيقة فأوسعها لك ولا لي ذنب فأخاف. لما ولد للرشيد العباس من واسطة اشمأزت منه نفسه لغلبة السواد عليها، فتنبأ رجل في زمان الرشيد فدعا به، فجعل يذكره بالله وينهاه عن قوله وهو مقيم على دعواه، وأولاد الرشيد مصطفون بين يديه والعباس إذ ذالك لم يجاوز العشر، فلما رأى الرشيد لزوم الرجل ادعاء النبوة، أمر بتجريده وضربه، فلما أخذته السياط جعل يضطرب اضطراباً شديداً، فالتفت إليه العباس فقال: اصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل، فاستطار الرشيد لها فرحاً وقال: ابني والله حقاً، يقول الله تعالى: (بل هم قومٌ خصمون (. أدخل الركاض وهو ابن أربع سنين إلى الرشيد ليتعجب من فطنته فقال له: ما تحب أن أهب لك؟ قال: جميل رأيك فإني أفوز به في الدنيا والآخرة، فأمر بدنانير ودراهم فصبت بين يديه، فقال له: الأحب إلي أمير المؤمنين وهذا من هذين، وضرب يده إلى الدنانير، فضحك الرشيد وأمر بضمه إلى ولده والإجراء عليه.

стр. 48

قال علي بن محمد: مر فارس بغلام فقال: يا غلام أين العمران؟ قال: اصعد الرابية تشرف عليهم، فصعد فأشرف على مقبرة، فقال: إن الغلام لجاهل أو حكيم، فرجع فقال: سألتك عن العمران فدللتني على مقبرة، فقال: إني رأيت أهل الدنيا ينتقلون إلى تلك ولم أر أحداً انتقل إلى هذه، ولو سألتني عما يواريك ودابتك لدللتك عليه. قال الإسكندر لابنه يا ابن الحجامة، فقال: أما هي فقد أحسنت التخير وأما أنت فلم تحسن. وقال أعرابي لابنه: اسكت يا ابن الأمة، فقال: هي والله أعذر منك لأنها لم ترضى إلا حراً. لما ولي يحي بن أكثم القضاء بالبصرة وكان صبياً فاستصغروه

стр. 49

فقال بعضهم: كم سن القاضي أيده الله؟ فقال: سن عتاب بن أسيد لما ولاه رسول الله (. عاتب أعرابي ابنه وذكره حقه، فقال: يا أبتِ إن عظيم حقك علي لا يبطل صغير حقي عليك. دخل الرشيد دار وزيره فقال لولد له صغير أيما أحسن دارنا أو داركم؟ قال: دارنا، قال: لم؟ قال: لأنك فيها. قال المعتصم للفتح بن خاقان وهو صبي: أرأيت يا فتح أحسن من هذا الفص -لفص كان في يده-، قال: نعم يا أمير المؤمنين اليد التي هو فيها أحسن منه.

стр. 50

دخل قوم على عمر بن عبد العزيز فجعل فتى منهم يتكلم. فقال عمر: ليتكلم أكبركم، فقال الفتى: إن قريشاً لتجد فيها من هو أسن منك، قال: تكلم. دخل الحسين بن الفضل على بعض الخلفاء وعنده كثير من أهل العلم، فأحب أن يتكلم فزبره، وقال: أصبي يتكلم في هذا المقام، فقال: إن كنت صبياً فلست أصغر من هدهد سليمان ولا أنت أكبر من سليمان حين قال له: أحطت بما لم تحط به، ثم قال: ألا ترى أن الله فهم الحكم سليمان ولو كان الأمر بالكبر لكان داود أولى. عربد صبي هاشمي على قوم فأراد عمه أن يسوءه، فقال: يا عم قد أسأت بهم وليس معي عقلي فلا تسيء بي ومعك عقلك. قال رجل لابنه: يا ابن الزانية، فقال: الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك.

стр. 51

ضرط ابن لعبد الملك بن مروان في حجره، فقال له: قم إلى الكنيف، قال: هو ذا أنا فيه يا أبي. قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت لأبيه وهو طفل: لسعني طائر كأنه ملتف في بردي حبرة (يعني الزنبور) فقال حسان: قد قال ابني شعراً ورب الكعبة. كان سليمان بن وهب يكتب فدخل عليه أبوه، فقال: يا بني

стр. 52

إن علي بن يحي وعدني بالأمس أن يحضر عندي اليوم فاكتب وذكره، فكتب بديهة: يا من فدت أنفسنا نفسه ... موعدنا بالأمس لا تنسه قال الفراء أنشدني صبي من الأعراب أرجوزة، فقلت: لمن هي؟ فقال: لي، فزبرته، فأدخل رأسه في فروته ثم قال: إني وإن كنت صغير السن ... وكان في العين نبوعني فإن شيطاني أمير الجن ... يذهب بي في الشعر كل فن

стр. 53

عن علي بن الجهم قال: وجد علي أبي فأمر المعلم أن يحصرني، فكتبت إلى أمي: أمي جعلت فداك من أم ... أشكو إليك فظاظة الجهم قد سرح الصبيان كلهم ... وبقيت محصوراً بلا جرم كان لمحمد بن بشير الشاعر ابن حسيمٌ بعثه في حاجة فأبطأ وعاد ولم يقضها، فنظر اليه ثم قال: عقله عقل طائر ... وهو في خلقة الجمل فأجابه شبهٌ منك نالني ... ليس لي عنه منتقل وفد سعيد بن عبد الرحمن بن ثابت وهو صبي وضيء الوجه على

стр. 54

هشام، فسلمه إلى معلم الوليد بن يزيد وهو عبد الصمد بن عبد الأعلى، فطمع فيه، فدخل على هشام وهو يقول: إنه والله لولا أنت لم ... ينج مني سالماً عبد الصمد قال: ولم؟ قال: إنه قد رام مني خطة ... لم يرمها قبله مني أحد قال: وما ذاك؟ قال: رام جهلاً بي وجهلاً بأبي ... يولج العصفور في خيس الأسد

стр. 55

فصرفه هشام عن التعليم، فقال فيه الوليد: لقد قرفوا أبا وهب بأمر ... كبير بل يزيد على الكبير وأشهد أنهم كذبوا عليه ... شهادة عالم بهم خبير كان لعبد الله بن سالم ابنان فأدبهما بفنون الآداب، يسمي أحدهما ربيعة والآخر سفيان، وكانا مع حداثة سنهما آداب أهل زمانهما، فتفاخرا عنده ذات يوم في غرائب الكلام، فأحب أبوهما أن يظهر ذلك لقومه، فقال لهما: إن شئتما بلوتكما في كلمات أسألكما عنها، قالا: فإنا قد شئنا، فجلس لهما في ملأ من قومه، ثم دعا ربيعة وأخرج سفيان، فقال: أخبرني يا ربيعة عما أسألك عنه، قال: سلني عما بدا لك، قال: أخبرني عن المجد، قال: ابتناء المكارم وحمل المغارم، فقال: فأخبرني عن الشرف، قال: كف الأذى وبذل الندى، قال: فأخبرني عن الدعة، قال: إيتاء اليسير والمن بالحقير، قال: فما المروءة؟ قال: شرف النفس مع تعاهد الصنيعة، قال: فما الكلفة؟ قال: التماس ما لا يعينك

стр. 56

وتعجيل ما لا يؤتيك؟ قال: فما الحلم؟ قال: كظم الغيظ وملك الغضب، قال: فما الجهل؟ قال: سرعة الوثوب على الجواب، قال: فما العقل؟ قال: حفظ القلب ما استرعى وفهمه ما أوعى، قال: فما الحزم؟ قال: انتظار الفرصة وتعجل ما أمكن، قال: فما العجز؟ قال: التعجل قبل الاستمكان والتأني بعد الفرصة، قال: فما الشجاعة؟ قال: صدق النفس ومتاركة الدخاس، قال: فما الجبن؟ قال: طيرة الروع وضيق البوع وسرعة الفشل، قال: فما السماحة؟ قال: حب السائل وبذل النائل، قال: فما الشح؟ قال: من يرى القليل إسرافاً والكثير إتلافاً، قال: فما الظرف؟ قال: حسن المحاورة وسرعة المجاوبة، قال: فما الصلف؟ قال: عظم النفس مع قلة المقدرة، قال: صدقت لا عدمتك، ثم دعا سفيان فقال: أخبرني ما الفهم؟ قال: لسان سؤول وقلب عقول، قال: فما الغنى؟ قال: قلة التمني والرضا بما يكفي، قال: فما

стр. 57

الكيس؟ قال: تدبير المعيشة مع طلب الآخرة، قال: فما السؤدد؟ قال: اصطناع العشيرة وحمل المؤونة، قال: فما السناء؟ قال: حسن الأدب ورعاية الحسب، قال: فما اللؤم؟ قال: إحراز النفس وإسلام العرس، قال: فما الخرق؟ قال: مماراة الأمراء ومعاداة الوزراء، قال: فما الدناءة؟ قال: الجلوس على الخسف والرضا بالهون، قال: فما المجد؟ قال: عز السلف وقدوم الشرف، قال: فما الأروم؟ قال: الأصل الصميم والبيت القديم، قال: فما الفقر؟ قال: شره النفس وشدة القنوط، فقال: أبوهما أحسنتما جميعاً وقلتما الصواب.

стр. 58

لما ردت حليمة السعدية النبي (إلى مكة، فنظر إليه عبد المطلب وقد نما نمو الهلال وهو يتكلم بفصاحة، فقال: جمال قريش وفصاحة سعد وحلاوة يثرب. سأل حكيم غلاماً معه سراج، من أين تجيء النار بعدما تنطفئ؟ فقال: إن أخبرتني إلى أين تذهب أخبرتك من أين تجيء. قحطت البادية في أيام هشام، فقدمت عليه العرب، فهابوا أن يتكلموا وفيهم درواس بن حبيب وهو إذ ذاك صبي له ذؤابة وعليه شملتان، فوقعت عليه عين هشام فقال لحاجبه: ما يشاء أحد يدخل علي إلا دخل حتى الصبيان، فوثب درواس حتى وقف بين يديه مطراً أي مدلاً، فقال: يا أمير المؤمنين إن للكلام نشراً وطياً وإنه لا يعرف ما في طيه إلا بنشره فإن أذنت لي أن أنشره نشرته،

стр. 59

قال: انشر لا أبا لك -وقد أعجبه كلامه مع حداثة سنه- فقال: إنه أصابتنا سنون ثلاث، سنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة أنقت العظم، وفي أيديكم فضول أموال فإن كانت لله ففرقوها على عباده، وإن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم، وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم فإن الله يجزي المتصدقين، فقال هشام: ما ترك لنا الغلام في واحدة من الثلاث عذراً، فأمر للبوادي بمائة ألف دينار وله بمائة ألف درهم، فقال: ارددها يا أمير المؤمنين إلى جائزة العرب فإني أخاف أن تعجز عن بلوغ كفايتهم، فقال: أمالك حاجة؟ فقال: ما لي حاجة في خاصة نفسي دون عامة المسلمين، فخرج وهو من أنبل القوم. قال رجل: مررت بغلمة من الأعراب يتماقلون في غدير، فقلت: أيكم يصف لي الغيث وأعطيه درهماً، فخرجوا إلي، وقالوا: كلنا نصف -وهم ثلاثة- فقلت صفوا فأيكم ارتضيت صفته أعطيته الدرهم، فقال أحدهم: عن لنا عارض قصراً تسوقه

стр. 60

الصبا وتحدوه الجنوب يحبو حبو المعتنك، حتى إذا ازلأمت صدوره، وانثلجت خصوره، ورجع هديره، وأصعق زئيره، واستقل نشاصه، وتلائم خصاصه، وارتعج ارتعاصه، وأوفدت سقابه، وامتدت أطنابه، تدارك ودقه، وتألق برقه، وحفزت تواليه، واسفحت عزاليه، فغادر الثرى عمداً، والعزاز ثئداً، والحث عقداً،

стр. 61

والضحاضح متواصية، والشعاب متداعية. وقال الآخر تراءت المخايل من الأقطار، تحن حنين العشار، وتترامى بشهب النار، قواعدها متلاحكة، وبواسقها متضاحكة، وأرجاؤها متقاذفة، وأعجازها مترادفة، وأرجاؤها متراصفة، فواصلت الغرب بالشرق، والوبل بالودق، سحا دراكاً، متتابعاً لكاكاً، فضحضحت الجفاجف، وانهرت الصفاصف، وحوضت الأصالف، ثم أقلعت محسبة محمودة الآثار، موموقة الحبار.

стр. 62

وقال الثالث -والله ما خلته بلغ خمساً- فقال: هلم الدرهم أصف لك، فقلت: لا أو تقول كما قالا، فقال: والله لأبذنهما وصفاً، ولأفوقنهما رصفاً، قلت: هات لله أبوك، فقال: الحاضر بين الياس والإيلاس، قد غمرهم الإشفاق رهبة الإملاق، وقد حقبت الأنواء، ورفرف البلاء، واستولى القنوط على القلوب، وكثر الاستغفار من الذنوب، ارتاح ربك لعباده فأنشأ سحابا مسجهراً كنهوراً معنونكاً محلولكاً، ثم استقل واحزأل، فصار كالسماء دون السماء، كالأرض المدحوة في لوح الهواء، فأحسب السهول، وأتاق الهجول، وأحيا الرجاء وأمات

стр. 63

الضراء، وذلك من قضاء رب العالمين، قال: فملأ -والله- اليفع الثلاثة صدري فأعطيت كل واحد منهم درهماً وكتبت كلامهم. قال الهيثم بن صالح لابنه: يا بني إذا أقللت من الكلام أكثرت من الصواب، وإذا أكثرت من الكلام أقللت من الصواب، قال: يا أبتِ فإن أنا أكثرت وأكثرت -يعني كلاماً وصواباً- قال: يا بني ما رأيت موعوظاً أحق بأن يكون واعظاً منك. قال الرشيد يوماً لأبي عيسى ولده وهو صبي، وكان من أجمل أهل زمانه: ليت جمالك لعبد الله -يعني المأمون- قال: على أن حظه منك لي، فعجب من جوابه وضمه إليه. قرع قوم على الجاحظ الباب، فخرج صبي له فسألوه ما يصنع؟ فقال هو ذا يكذب على الله، قيل كيف؟ قال: نظر في المرآة فقال الحمد لله الذي خلقني فأحسن صورتي.

стр. 64

الباب الحادي عشر في ذكر الخوف عليهم والشفقة والرأفة يقال: إذا ترعرع الولد تزعزع الوالد. أخذ عبد الملك بن مروان أحد لصوص العرب فأمر بقطع يده، فجاءت أمه فقالت: يا أمير المؤمنين ولدي وكاسبي، قال: بئس الولد ولدك وبئس الكاسب كاسبك، هذا حد من حدود الله تعالى لا أعطله، قالت: أجعله من الذنوب التي تستغفر الله منها، فعفا عنه. قال يموت بن المزرع يخاطب ابنه مهلهلاً: مهلهل أحشائي عليك تقطع ... وأقرح أجفاني أخوك مزرع إلى الله أشكو ما تجن جوارحي ... وما فيكما من غصةٌ أتجرع

стр. 65

فإن ذرفت عيناي وجداً عليكما ... ففي دون ما ألقاه مبكى ومجزع أخاف حماماً يا مهلهل باغتاً ... وطير المنايا حائمات ووقع كان للصنوبري ابن مسترضع ففطم، فدخل الصنوبري يوماً داره والصبي يبكي، فقال: ما لابني؟ فقالوا: فطم، فتقدم إلى مهده وكتب عليه: منعوه أحب شيء إليه ... من جميع الورى ومن والديه منعوه غذاءه ولقد كا ... ن مباحاً له وبين يديه عجباً منه ذا على صغر السن ... هوى فاهتدى الفراق إليه وقال آخر في إشفاقه على ولده: كلفني الهم لإغناء الولد ... وخوف أن يفترقوا إلى أحد وأن يعيشوا عيشة فيها ضمد ... ويشربوا من بعد عد بثمد

стр. 66

منتقلاً من بلد إلى بلد ... يوماً بصنعاء ويوماً بالجند وقال آخر: لا تعجبي يا مي من سوادي ... ومن قميص هم بانقداد كلفني تعسف البلاد ... وقلة النوم على وسادي مخالفة الفقر على أولادي وما قيل في القعود عن السفر إشفاقاً على الولد: أراني إذا رمت الرحيل يصدني ... قصير الخطا طفل علي كريم أخو خمسة مثل الفراخ تضمهم ... مواتية فيما تفيد رؤوم أراد أعرابي سفراً فقال لامرأته: عدي السنين لغيبتي وتصبري ... وذري الشهور إنهن قصار

стр. 67

فأجابته: واذكر صبابتنا إليك وشوقنا ... وارحم بناتك إنهن صغار فأقام وترك سفره.

стр. 68

الباب الثاني عشر في إيثار الآباء بعضهم على بعض عن النعمان بن بشير قال: نحلني أبي نحلاً فقالت أمي: أشهد رسول الله، فأتى النبي (فقال: "أكل ولدك أعطيت مثل هذا" قال: لا، قال: "اعدلوا بين أولادكم". قيل لمحمد بن الحنفية: كيف كان علي ﵁ يقحمك في المأزق، ويولجك في المضايق، دون الحسن والحسين، فقال: لأنهما

стр. 69

كانا عينيه وكنت يديه فكان يقي بيديه عينيه. قيل لأعرابي أي أولادك أحب إليك؟ فقال: صغيرهم حتى يكبر، ومريضهم حتى يصح، وغائبهم حتى يقدم. كان الرشيد يؤثر المأمون على الأمين فعاتبته أم جعفر على ذلك فوجه إليهما خادمين حصيفين يقولان لكل واحد في الخلوة ما تفعل بي إذا استخلفت، فقال محمد أقطعك وأغنيك، ورمى المأمون الخادم بدواة وقال: يا ابن اللخناء أتسألني عما أفعل بك يوم يموت أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين؟ إني لأرجو أن نكون جميعاً فداءً له، فقال الرشيد: كيف ترين ما أقدم ابنك إلا متابعة لرأيك وتركاً للحزم. وكان الرشيد يقول للمأمون: يا عبد الله أحب المحاسن كلها لك حتى لو أمكنني أن أجعل وجه أبي عيسى لك لفعلت.

стр. 70

أوصى علي بن عبد الله بن العباس -رضوان الله عليهم- إلى ابنه سليمان وترك محمداً -وكان أسن منه- فقال له: يا بني أنفس بك أن أدنسك بالوصية.

стр. 71

الباب الثالث عشر في ذكر من تمنى الحياة وكره الموت لأجل الولد في بعض الكتب أن إبراهيم خليل الرحمن ﵇ كان من أغير الناس، فلما حضرته الوفاة دخل عليه ملك الموت في صورة رجل أنكره فقال له: من أدخلك داري؟ قال: الذي أسكنك فيها منذ كذا كذا سنة، قال: ومن أنت؟ قال: أنا ملك الموت جئت لقبض روحك، قال: أتاركي أنت حتى أودع ابني إسماعيل، قال: نعم، فأرسل إلى إسماعيل فلما أتاه أخبره فتعلق إسماعيل بأبيه إبراهيم وجعل يتقطع عليه بكاء، فخرج عنهما ملك الموت وقال: يا رب ذبيحك تعلق بخليلك، فقال له: "قل له إني قد أمهلتك" ففعل، وانحل إسماعيل عن إبراهيم، ودخل إبراهيم بيتاً ينام فيه فقبض ملك الموت روحه وهو نائم (. قال مالك بن أحمد بن سوار الطائي: وإني لأخشى أن أموت وجعفر ... صغير فيجفى جعفر ويضيع

стр. 72

وإني لأرجو جعفرا إن جعفرا ... لصالح أخلاق الكرام تبوع وللطرماح: أحاذر يا صمصام إن مت أن يلي ... تراثي وإياك امرؤ غير مصلح إذا صك وسط القوم رأسك صكة ... يقول له الناهي ملك فأسجح وقال آخر: أخشى عليه أبا بعدي وجفوته ... وضعف أم وعماً ضيق البلد إن يضجعوه يراخوه بمضجعه ... وكان مضجعه مني على كبدي

стр. 73

وقال آخر: يقر بعيني وهو يغتال مدتي ... مرور الليالي أن يشب حكيم مخافة أن يغتالني الموت قبله ... فيغشى بيوت الحي وهو يتيم وشيب رأسي إنني كل شارق ... أودع منهم ظاعنا وأقيم وقال أباق بن بديل الدبيري لابنه الركاض: إنك يا ركاض واري الزند ... أعددته للظالم الألد ذي النخوة المولع بالتعدي ... أخشى عليك الوارثين بعدي

стр. 74

إذا رأوني جدفاً في اللحد ... أن يعضهوك بالدواهي الربد ويقلب المجن من يفدي تم كتاب الدراري في ذكر الذراري وفرغ من جمعه وكتابته الفقير إلى رحمة الله تعالى كمال الدين عمر بن أحمد بن هبة الله بن العديم الحلبي صنفه للملك الظاهر الغازي حين ولد ولده الملك العزيز والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.