← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7326

تذكره الآباء وتسليه الأبناء = الدراري في ذكر الزراري

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (74 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الدراري في ذكر الذراري الباب الأول في اكتساب الأولاد والحث عليه قال النبي (: "تناسلوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة" وقال ﵊: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه ألا وإن ولده من كسبه" وقال عمر ﵁: (إني لأكره نفسي على الجماع رجاء أن يخرج الله نسمة تسبحه وتذكره) . وقال: (تكثروا من العيال فإنكم لا تدرون ممن ترزقون) . وذهب أبو حنيفة ﵁ إلى أن الاشتغال بالنكاح أفضل

стр. 2

من التخلي لنفل العبادة من حيث أنه يفضي إلى الولد الذي به بقاء العالم إلى الأمد الموعود، وعود مصلحة الولد إلى الوالد حياً وميتاً بنصره لوالده في حال حياته، والنفقة عليه على تقدير الحاجة إليه وإمداده إياه بأنواع الثواب بعد وفاته من الدعاء والصدقة والترحم عليه بسببه. ولعمري إن التسبب في إيجاد مثل مولانا السلطان الذي نشر العلوم في أيامه، وأحيا الفقراء والمساكين بجوده وإنعامه، وحبب العلماء إلى الناس بما ظهر لهم من لطفه بهم وإكرامه، أفضل عند الله تعالى من صلاة الدهر نفلاً وصيامه. ولو شاهد أبو حنيفة ﵁ عصره وزمانه، ورأى بره للرعية وإحسانه، لجعله دليله في المسألة وبرهانه، ولسلم له الخصم ما نازعه فيه، فمثل هذا الدليل في إبانة الحجة يكفيه. دخل عثمان بن عفان ﵁ على ابنته وهي عند عبد الله ابن خالد بن أسيد فرآها مهزولة فقال: لعل بعلك يغيرك، قالت: لا. فقال لزوجها: لعلك تغيرها، قال: لا. قال: فافعل فلغلام

стр. 3

يزيده الله في بني أمية أحب إلي منها. قال أرسطاطاليس: لما كان البقاء مما استأثر به القديم جل ذكره لجلالته وعلو قدره وكان محبوباً إلى النفوس كلها ناطقها وصامتها، ولما لم يمكن الحيوان البقاء بشخصه أحب البقاء بنوعه فأوجد المثل. قال الله في كتابه الكريم فيما يحكي عن زكريا ﵇ ودعائه في الولد: (وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين (يعني: لا تذرني وحيداً لا ولد لي. وقالت أعرابية تتمنى ولداً: يا حسرتا على ولد ... أشبه شيء بالأسد إذا الرجال في كبد ... تغالبوا على نكد كان له حظ الأشد

стр. 4

الباب الثاني في المنع من اكتسابهم والتحذير منهم قال الله : (إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم (وقال النبي (: "لا يكن أكثر شغلك بأهلك وولدك، فإن يكن أهلك وولدك أولياء الله لا يضيع أولياءه، وإن يكونوا أعداء الله فاهمك وشغلك بأعداء الله". وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله (: "ليأتين على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه حتى يفر به من شاهق إلى شاهق ومن جحر إلى جحر كالثعلب الذي يروغ" قالوا: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: "إذا لم تنل المعيشة إلا بمعاصي الله فعند ذلك حلت العزوبة" قالوا: يا رسول الله أليس أمرتنا بالتزويج! قال: "بلى، ولكن إذا كان في ذلك الزمان كان هلاك الرجل على يد أبويه، فإن لم يكن له أبوان فعلى يدي زوجته

стр. 5

وولده، فإن لم يكن له زوجة ولا ولد فعلى يدي قرابته وجيرانه" قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: "يعيرونه بضيق المعيشة ويكلفونه ما لا يطيق فيوردونه موارد الهلكة". قيل لعيسى ﵇: هل لك في الولد؟ فقال: (ما حاجتي إلى من إن عاش كدني وإن مات هدني) . وسئل فيلسوف: لم لا تطلب الولد؟ فقال: من محبتي للولد. وقيل لآخر: لو تزوجت فكان لك ولد تذكر به، فقال: والله ما رضيت الدنيا لنفسي فأرضاها لغيري. وقيل لبعض الأعراب: لم لا تتزوج؟ فقال: مكابدة العزوبية أصلح من الاحتيال لمصلحة العيال. وقيل لأعرابي: لم أخرت التزويج إلى الكبر؟ فقال: لأبادر ولدي باليتم قبل أن يسبقني بالعقوق.

стр. 6

قال المتنبي: وما الولد المحبوب إلا تعلة ... ولا الزوجة الحسناء إلا أذى البعل وما الدهر أهلاً أن تؤمل عنده ... حياة وأن يشتاق فيه إلى النسل

стр. 7

الباب الثالث في مدح الأولاد وذكر النعمة بهم قال الله تعالى: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا (وقال (: "الولد ثمرة القلوب" وقال ﵊: "الولد ريحان من الجنة" وقال ﵊: "البنات حسنات والبنون نعم والنعم مسؤول عنها". وقال الفضيل: ريح الولد من الجنة. وكان يقال: ابنك

стр. 8

ريحانتك سبعاً ثم عدو أو صديق. قال الحجاج لابن القربة: أي الثمار أشهى؟ فال: الولد، وهو من نخل الجنة. غضب معاوية على يزيد ابنه فهجره، فقال له الأحنف: يا

стр. 9

أمير المؤمنين أولادنا ثمار قلوبنا وعماد ظهورنا، ونحن لهم سماء ظليلة، وأرض ذليلة، وبهم نصول على كل جليلة، إن غضبوا فأرضهم وإن سألوك فأعطهم، وإن لم يسألوك فابتدئهم، ولا تنظر إليهم شزراً فيملوا حياتك ويتمنوا وفاتك، فقال معاوية: يا غلام ائت يزيد فأقرئه السلام واحمل إليه بمائتي ألف ومائتي ثوب، فقال يزيد: من عند أمير المؤمنين؟ قال: الأحنف، قال: علي به، فقال: يا أبا بحر، كيف كانت القصة، فحكاها، فقال: أما أنا فسأعلي سمكها، وشاطره الصلة. وقالت أعرابية ترقص ابنها: يا حبذا ريح الولد ... ريح الخزامى في البلد أهكذا كل ولد ... أم لم يلد قبلي أحد أنشد أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:

стр. 10

وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض لو هبت الريح على بعضهم ... لامتنعت عيني من الغمض وقال الشاعر: من كان ذا عضدٍ يدرك ظلامته ... إن الذليل الذي ليست له عضد تنبو يداه إذا ما قل ناصره ... وتأنف الضيم إن أثرى له ولد

стр. 11

الباب الرابع في ذمهم وما يلحق الآباء من النصب بسببهم قال الله : (إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم (وقال النبي (: "الولد مبخلة مجبنة مجهلة" ويروى "محزنة". وقال ﵇ لولد فاطمة ﵂: "إنكم لتجبنون وإنكم لتبخلون وإنكم لمن ريحان الجنة". وقال ﵇: "من

стр. 12

علامات الساعة أن يكون الولد غيظاً، والمطر قيظاً، وتفيض الأشرار فيضاً"ويقال: الولد إن عاش كدك وإن مات هدك. وقيل: إذا صلح قميص الوالد لولده تمنى موته. ومن كلام الجاهلية: ابنك يأكلك صغيراً ويرثك كبيراً، وابنتك تأكل من وعائلك وترث في أعدائك، وابن عمك عدوك وعدو عدوك، وزوجتك إذا قلت لها قومي قامت. قيل لإنسان: إن فلاناً تزوج، فقال: ركب البحر، فقيل: وقد جاءه ولد، فقال: وكسر به المركب. قال رجل لعمر بن الخطاب ﵁: خدمك بنوك، فقال: بل أغناني الله عنهم.

стр. 13

لما قبض ابن عيينة صلة الخليفة قال لأصحابه: قد وجدتم مقالاً فقولوا: متى رأيتم أبا عيال أفلح، كانت لنا هرة ليس لها جراء، فكشفت عن القدور وعاثت في الدور. نظر عمر ﵁ إلى رجل يحمل ابناً له على عاتقه فقال: ما هذا منك؟ قال: ابني، قال: أما إنه إن عاش فتنك وإن مات حزنك. قال الحسن: إذا أراد الله بعبدٍ خيراً لم يشغله في دنياه بأهل ولا ولد. رأى ضرار ابن عمرو الضبي من ولده ثلاثة عشر ذكراً فقال: من سره بنوه ساءته نفسه. قال زيد بن علي لابنه: يا بني إن الله لم يرضك لي فأوصاك بي ورضيني لك فحذرنيك.

стр. 14

ولد للحسن غلام فهنئ به فقال: الحمد لله على كل حسنة، ونسأل الله الزيادة في كل نعمة، ولا مرحبا بمن إن كنت عائلاً أنصبني، وغن كنت غنياً أذهلني، لا أرضى بسعيي له سعياً، ولا بكدي له في الحياة كداً: حتى أشفق له من الفاقة بعد وفاتي وأنا في حال لا يصل إلي من غمه حزن ولا فرحه سرور.

стр. 15

الباب الخامس في ذكر النجياء من الأولاد قال رسول الله (: "من سعادة الرجل أن يشبه أباه". وقال بعض الحكماء: الحياء في الصبي خيرٌ من الخوف: لأن الحياء يدل على العقل والخوف يدل على الجبن. قال ابن عباسٍ ﵀: عرامة الصبي زيادة في عقله. وقالت ماوية بنت النعمان بن كعب لزوجها لؤي بن غالب: أي أولادك أحب إليك؟ قال: الذي لا يرد بسطة يده بخل ولا يلوي لسانه عي ولا يغير طبعه سفه، يعني

стр. 16

كعب بن لؤي سئل أعرابي من بني عبس عن أولاده فقال: ابن قد كهل وابن قد رفل وابن قد نسل وابن قد مثل وابن قد فضل. سئلت أعرابية عن ابنها فقالت: أنفع من غيث وأشجع من ليث: يحمي العشيرة ويبيح الذخيرة ويحسن السريرة. وقد تبين نجابة الصبي باختياراته لمعالي الأمور، فإن الصبيان قد يجتمعون للعب فيقول عالي الهمة: من يكون معي، ويقول القاصر الهمة: مع من أكون! قال أحمد بن النضر الهلالي: سمعت أبي يقول: كنت في مجلس سفيان ابن عيينة فنظروا إلى صبي دخل المسجد فتهاونوا به لصغر سنه فقال سفيان: كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم، ثم قال: يا نضر لو رأيتني ولي عشر سنين طولي خمسة أشبار، ووجهي كالدينار، وأنا كشعلة نار، ثيابي صغار، وأكمامي قصار، وذيلي بمقدار، ونعلي كآذان الفار، أختلف إلى علماء الأمصار، مثل

стр. 17

الزهري وعمرو بن دينار، أجلس بينهم كالمسمار، محبرتي كالجوزة، ومقلمتي كالموزة، وقلمي كاللوزة، فإذا دخلت المجلس قالوا أوسعوا للشيخ الصغير، ثم تبسم ابن عيينة وضحك.

стр. 18

وعن الكسائي أنه دخل على الرشيد فأمر بإحضار الأمين

стр. 19

والمأمون، قال: فلم ألبث أن أقبلا ككوكبي أفق يزينهما هديهما ووقاهما، قد غضا أبصارهما وقاربا خطوهما حتى وقفا على مجلسه فسلما عليه بالخلافة ودعوا له بأحسن الدعاء، فاستدناهما فأجلس محمداً عن يمينه وعبد الله عن شماله، ثم أمرني أن ألقي عليهما أبواباً من النحو، فما سألتهما عن شيء إلا أحسنا الجواب عنه، فسره سروراً استبنته فيه، وقال لي: كيف تراهما؟ فقلت: أرى قمري أفق وفرعي بشامة ... يزينهما عرق كريم ومحتد سليلي أمير المؤمنين وحائزي ... مواريث ما أبقى النبي محمد يسدان أنفاق النفاق بشيمة ... يؤيدها حزم وغضبٌ مهند ثم قلت: ما رأيت أعز الله أمير المؤمنين أحداً من أبناء الخلافة ومعدن الرسالة وأغصان هذه الشجرة الزكية أذرب منهما ألسناً ولا

стр. 20

أحسن ألفاظاً ولا أشد اقتداراً على تأدية ما حفظا ورويا منهما، أسأل الله أن يزيد بهما الإسلام تأييداً وعزاً ويدخل بهما على أهل الشرك ذلاً وقمعاً، وأمن الرشيد على دعائي ثم ضمهما إليه وجمع عليهما يديه فلم يبسطهما حتى رأيت الدموع تنحدر على صدره. أقام المنصور ذات يوم ابنه صالحاً فتكلم بكلام بليغ وفي المجلس المهدي وهو ولي عهده، فأشار المنصور إلى الحاضرين بأن يصف أحد كلامه، فكلهم كره ذلك بسبب المهدي، فابتدر شبيب بن شبة وقال: والله يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم أبين بياناً ولا أجرى لساناً ولا أرطب جناناً ولا أبل ريقاً ولا أحسن طريقاً ولا أغمض عروقاً،

стр. 21

وحق لمن كان أمير المؤمنين أباه والمهدي أخاه أن يكون كذلك كما قال زهير: هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدما من صالح سبقا ومن أحسن ما رصع به تاج النجباء، ووسط به عقد الأبناء، ولد مولانا السلطان الملك العزيز الذي ملأ عينه قرة، وقلبه مسرة، والتهم بمعالي الأمور قبل الفطام، فلعب بالرمح ورمى بالسهام، فمخايل النجابة من أعطافه لائحة، ودلائل السعادة عليه غادية ورائحة، وكيف لا يكون كذلك ومولانا السلطان كافلة ومربية،

стр. 22

والمولى الملك الصالح أخوه ابن أبيه، وهو كما قيل: من يكن أنجب في الناس بنوه ... فسليل المجد من أنت أبوه بالبنين ابن تجلى وجهه ... عن سرور ضحكت فيه الوجوه نطقت عن فضله آلاؤه ... قبل أن ينطق بالحكمة فوه نير طالعه مطلعه ... في سماء الملك والبدر أخوه إنما أملا كنا أفلا كنا ... ومصابيح الدجى من ولدوه قال المفضل بن زيد: نزلت على بنو تغلب في بعض السنين وكنت مشغوفاً بأخبار العرب أحب أن أسمعها وأجمعها، فإني لفي بعض أحياء العرب غذ أنا بامرأة واقفة في فناء خبائها وهي آخذة بيد غلام قلما رأيت شبيهه في حسنه وجماله، له ذؤابتان مضفورتان كالسبح المنظوم وهي تعاتبه بلسان رطب وكلام عذب يقبله السمع ويترشقه القلب وأكثر ما أسمع من كلامها يا بني وأي بني، وهو يتبسم في وجهها قد غلب عليه الحياء والخجل كأنه جارية بكر لا يحير جواباً، فاستحسنت ما رأيت وأستحليت ما سمعت، فدنوت فسلمت

стр. 23

فرد علي السلام، ووقفت أنظر إليهما، فقالت: يا حضري ما حاجتك؟ قلت: الاستكثار مما أسمع منك والاستمتاع من حسن هذا الغلام، فتبسمت المرأة وقالت: يا حضري إن شئت أن أسوق إليك من خبره ما هو أحسن من منظره، قلت: هات، قالت: حملته تسعة أشهر حملاً خفيفاً خفياً والعيش كدر والرزق عسر، حتى إذا شاء الله أن أضعه وضعته خلقاً سوياً، فوربك ما هو إلا أن صار ثالث أبويه حتى رزق الله فأفضل، وأعطى فأجزل، ثم أرضعته حولين كاملين حتى إذا استتم الرضاعة نقلته من خرق المهد إلى فراش أبويه فربي بينهما كأنه شبل أبواه يقيانه برد الشتاء وحر الهجير، حتى إذا تمت له خمس سنين أسلمته إلى المؤدب فحفظ القرآن فتلاه، وعلمه الشعر فرواه، ورغب في مفاخر قومه وطلب مآثر آبائه وأجداده، فلما بلغ الحلم حملته على عتاق الخيل فتمرس وتفرس ولبس السلاح ومشى بين بيوت الحي وأصغى إلى صوت الصارخ وأنا عليه وجلة، أحرسه من العيون أن تصيبه، ومن الألسن أن تعيبه، إلى أن نزلنا منهلاً من المناهل وشاء الله أن أصابته وعكة شغلته، فركب فتيان الحي لطلب ثأر لهم حتى لم يبق في الحي أحد غيره ونحن آمنون، فوربك ما هو إلا أن أدبر الليل وأسفر الصبح حتى طلعت علينا غرر الجياد ثوارا غير زوار، فما كان إلا هنيهة حتى حازوا الأموال من دون أهلها وهو

стр. 24

يسألني عن الصوت وأنا أستر عليه الخبر إشفاقاً وحذراً عليه، إلى أن علت الأصوات وبرزت المخبآت، فثار كما يثور الأسد المغضب، فأمر بإسراج فرسه وصب عليه سلاحه وأخذ رمحه وركب حتى لحق حماة القوم ونحن ننظر إليه، فطعن فارساً فرماه وانحاز متميزاً، وانصرفت إليه وجوه الفرسان فرأوا غلاماً صغيراً فحملوا عليه، وأقبل يؤم البيوت ونحن ندعوا له، حتى إذا ما دهموه عطف عليهم فطعن أدناهم منه فقطره ومرق كما يمرق السهم من الرمية، وقال: خلوا عن المال، فوالله لا رجعت إلا به أو لأهلكن دونه، فتداعت إليه الفرسان، وتمايل إليه الأقران، فرجعوا وقد نصبوا له الأسنة، وقلصوا له الأعنة، وجعلنا من وراء ظهره، وجعل يهدر كما يهدر الفحل، ولا يحمل على ناحية إلا طحنها ولا يقصد فارساً إلا قتله، وكل ذات رحم منا باسطة يدها إلى الله تعالى بالدعاء له إشفاقاً عليه ووجداً به، إلى أن كشفهم عن المال وقد أشرفت أوائل خيل الحي، فكبر الناس وولى القوم منهزمين، فوالله ما رأينا يوماً كان أقبح صباحاً ولا أحسن رواحاً من ذلك اليوم، ولقد سمعته ينشد أبياتاً بعد منصرفه من الحرب وهي: تأملن فعلي هل رأيتن مثله ... إذا حشرجت نفس الكمي بعد الكرب

стр. 25

وضاقت عليه الأرض حتى كأنه ... من الخوف مسلوب العزيمة والقلب ألم أعط كلاً حقه ونصيبه ... من السمهلاي اللدن والصارم العضب أنا ابن أبي هند بن قيس بن خالد ... سليل المعالي والمكارم والحرب أبي لي أن أعطى الظلامة مرهف ... رقيق وطرف مجفر الجوف والجنب وعزم صحيح لو ضربت بحده ... شماريخ رضوى لانحططن إلى الترب فإن لم أقاتل دونكن وأحتمي ... لكن وأحميكن بالطعن والضرب وأبذل نفساً دونكن عزيزة ... علي لأطراف القنا وظبا القضب فما صدق اللاتي سعين إلى أبي ... يهنينه بالفارس البطل الندب

стр. 26

الباب السادس في ذكر الحمقى منهم قيل: إن الحمق يتولد غريزة ولا يتغير، وأما الرعونة فإنها تحدث من مخالطة النساء وتزول، وأنشد بعضهم: وعلاج الأبدان أيسر خطبا ... حين تعتل من علاج العقول قال رجل لابنه وهو يختلف إلى المكتب: في أي سورة أنت؟ قال: في لا أقسم بهذا البلد ووالدي بلا ولد، فقال: لعمري من كنت أنت ولده فهو بلا ولد! وجه رجل ابنه ليشتري له حبلا طوله عشرون ذراعاً، فعاد من بعض الطريق وقال: يا أبي في عرض كم؟ فقال: في عرض مصيبتي بك. قيل لأعرابي: كيف ابنك؟ قال: عذاب رعف به علي الدهر، وبلاء لا يقوم معه الصبر، ونظر أعرابي إلى ابن له قبيح فقال: يا بني إنك لست من زينة الحياة الدنيا، وقال أحمق لابنه وكان أحمق أيضاً: أي يوم صلينا الجمعة في مسجد الرصافة؟ فقال: لقد أنسيت، ولكني أظنه يوم الثلاثاء قال: صدقت كذا كان. قال أبو زيد الحارثي

стр. 27

لابنه: والله لا أفلحت أبداً، فقال: لست أحنثك والله يا أبة. طار لابن ليزيد بن معاوية باز فأمر بغلق أبواب دمشق لئلا يخرج منها. حكي أن رجلاً أرسل ابنه ليشتري رأساً مشوياً، فاشتراه وجلس في الطريق فأكل عينيه وأذنيه ولسانه ودماغه وحمل باقيه إلى أبيه، فقال: ويحك ما هذا؟ فقال: هو الرأس الذي طلبته، فقال: فأين عيناه، قال: كان أعمى، قال: فأين أذناه، قال: كان أصم، قال: فلسانه، قال: كان أخرس، قال: فدماغه، قال: كان معلماً، قال: ويحك رده وخذ بدله، قال: باعه بالبراءة من كل عيب. مرض صديق لحامد بن العباس فأراد أن ينفذ إليه ابنه يعوده فأوصاه وقال: إذا دخلت فاجلس في أرفع المواضع وقل للمريض ما تشكو، فإذا قال كذا وكذا فقل: سليم إن شاء الله، وقل له: من يجيئك من الأطباء، فإذا قال: فلان فقل: مبارك ميمون، وقل له: ما غذاؤك، فإذا قال: كذا وكذا، فقل: طعام محمود، فذهب الابن

стр. 28

فدخل على العليل وكانت بين يديه منارة فجلس عليها لارتفاعها فسقطت على صدر العليل فأوجعته، ثم جلس فقال للعليل: ما تشكو؟ فقال: بضجرة أشكو علة الموت، فقال: سليم إن شاء الله، ثم قال: فمن يجيئك من الأطباء؟ قال: ملك الموت، قال: طعام طيب محمود. قال أبو المخش الأعرابي: كانت لي بنت تجلس على المائدة فتبرز كفاً كأنها طلعة في ذراع كأنها جمارة، فلا تقع عينها على أكلة نفيسة إلا خصتني بها، وصرت أجلس معي على المائدة ابناً لي فيبرز كفاً كأنها كرنافة في ذراع كأنها كربة، فوالله إن تسبق عيني إلى لقمة طيبة إلا سبقت يده إليها.

стр. 29

الباب السابع في محبة الآباء للأبناء رأى الإمام علي -كرم الله وجهه- الحسن يتسرع إلى الحرب فقال: املكوا عني هذا الغلام لا يهدني فإني أنفس بهذين على الموت لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله (. جاءت فاطمة ﵂ بابنيها إلى رسول الله (فقالت: يا رسول الله انحلهما، فأخذ الحسن فقبله وأجلسه على فخذه اليمنى

стр. 30

وقال: أما ابني هذا فنحلته خلقي وهيبتي، وأخذ الحسين فقبله ووضعه على فخذه اليسرى وقال: نحلته شجاعتي وجودي. مر أعرابي بقوم وهو ينشد ابناً له، فقالوا: صفه، فقال: دنينير، قالوا: لم نره، فلم ينشب أن جاء على عنقه بشبيه الجعل، فقالوا: لو سألتنا عن هذا لأخبرناك به. ولا حرج على هذا الأعرابي فإن الإنسان قد تبلغ به محبة ولده أو أخيه أو غيرهما إلى أنه لا يرى له في العالمين نظيراً، وقد قال الشاعر: وعين الرضا عن كل عين كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا وفي المثل قالت الخنفساء لأمها: ما أمر بأحد إلا بزق علي، فقالت: من حسنك تعوذين. والعامة تقول: قالوا: من يصف العروس؟ قيل: أمها وتحلف. وقيل لأبي المخش: أما كان لك ابن؟

стр. 31

قال: بلى المخش، كان أشدق خرطمانياً، إذا تكلم سال لعابه كأنما ينظر من فلسين كأن ترقوته بوان أو خالفه وكأن مشاشة منكبيه كركرة جمل، فقأ الله عيني إن كنت رأيت بهما أحسن منه قبله ولا بعده. وقال الزبير بن العوام في ترقيص ابنه عبد الله:

стр. 32

أزهر من آل أبي عتيق ... مبارك من ولد الصديق ألذه كما ألذ ريقي وقال رجل: دخلت على ابن السراج وفي حجره ولد له وهو يقول: أحبه حب الشحيح ماله ... قد كان ذاق الفقر ثم ناله وقال الحسن البصري ﵁ لابنه: يا حبذا أرواحه ونفسه ... وحبذا نسيمه وملمسه

стр. 33

والله يبقيه لنا ويحرسه ... حتى يجر ثوبه ويلبسه وكان عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ يذهب بولده سالم كل مذهب حتى لامه الناس فيه فقال: يلومونني في سالم وألومهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم

стр. 34

الباب الثامن فيما يجب لهم على الآباء ينبغي للوالد أن لا يسهو عن تأديب ولده ويحسن عنده الحسن ويقبح عنده القبيح ويحثه على المكارم وعلى تعلم العلم والأدب ويضربه على ذلك. قال النبي (: "حق الولد على والده أن يحسن اسمه ويحسن موضعه ويحسن أدبه". عن عمرو بن دينار أن ابن عمر وابن عباس كانا يضربان أولادها على اللحن.

стр. 35

قال النبي (: "تخيروا لنطفكم". وقال ﵊: "انظر في أي نصاب تضع ولدك فإن العرق دساس". وقال ﵊: "أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم".

стр. 36

وقال ﵊: "ما نحل والد ولده أفضل من عمل صالح". وقال أبو حيان التوحيدي ﵀: يجب على الرجل أن يستقبل عمره بولده ليستمتع كل منهما بصاحبه، وأن يمهد له المعيشة، وأن يختار أمه واسمه ويختنه ويؤدبه ولا يستأثر دونه، وأن يختار له زوجة صالحة ومعيشة جميلة كافية، وأن يكفيه العار وسوء الحديث. وفي الحديث: "من كان له صبي فليستصب له".

стр. 37

قرأت في ربيع الأبرار للزمخشري قال: من حق الولد على والده أن يوسع عليه ماله كيلا يفسق. وقرأت في العقد لابن عبد ربه قال: خير الآباء للأبناء من لم يدعه التقصير إلى العقوق. وإذا راهق الصبي فينبغي لأبيه أن يزوجه فقد ورد في الحديث: "من بلغ له ولد وأمكنه أن يزوجه فلم يفعل وأحدث الولد كان الإثم بينهما".

стр. 38

قال الجاحظ: من كان فقيراً وأولد فهو أحمق. وقال العتبي: لا تأت بالولد إلا بعد معيشة كافية وكفاية باقية وضيعة نامية. وقيل من أتى بالولد قبل المال فقد ظلم نفسه وولده. قالت الحكماء: من أدب ولده صغيراً سره كبيراً. وقالوا: أطبع الطين ما كان رطبا وأغمز العود ما كان لدنا. وقال: من أدب ولده غم حاسده. وقالوا: ما أشد فطام الكبير وأعسر منه رياضة الهرم.

стр. 39

وقال عبد الملك بن مروان: أضر بنا في الوليد حبنا له، وكان الوليد لحانا وهو الذي صلى بالناس فقرأ يا ليتها كانت القاضية (بالرفع) وخلفه سليمان بن عبد الملك فقال: عليك.

стр. 40

وقال الرشيد لابنه المعتصم: ما فعل وصيفك؟ قال: مات واستراح من الكتاب، قال: وبلغ الكتاب منك هذا المبلغ، والله لا حضرت أبداً، ووجهه إلى البادية فتعلم الفصاحة وكان أمياً. وقال صالح بن عبد القدوس: وأن من أدبته في الصبا ... كالعود يسقى الماء في غرسه حتى تراه مورقاً ناضراً ... بعد الذي أبصرت من يبسه والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه
следующие страницы →