← Указатели

Указатели · id 7328

نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة

محمد الطنطاوي

Полный текст (256 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمات: مقدمة المحقق: الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله الذي اصطفى، وعلى آله وصحبه أهل الوفا؛ وبعد: فلقد تأملت الطبعات السابقة موازنا بينها في الأصول والهوامش فوقعت منها على أخطاء نحوية وإملائية وتاريخية الأمر الذي حفزني إلى طبعتنا هذه قصدا إلى تصويبات الأخطاء المشار إليها سلفا مع زيادة بعض الهوامش وحذف بعضها الآخر مما لا يحتاج إليه طلبة العربية فحققت نصوصا وصوبت أخرى، ثم أضفت بعض الإشارات والعناوين التوضيحية كالأقواس والخطوط المستقيمة تحت الجماعات والأعلام لما فيها من تيسير التحصيل وتحقيق المراد، والله أسأل أن ينفع بها ويثيب عليها وهو المستعان. أ. د/ أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل

стр. 2

أهم مراجع الكتاب: مراعى فيها الترتيب الزمني بحسب وفيات المؤلفين ١- الكتاب لسيبويه المتوفى "سنة ١٨٠هـ". ٢- أدب الكاتب، وعيون الأخبار، والشعر والشعراء لابن قتيبة المتوفى "سنة ٢٧٦هـ". ٣- الكامل لأبي العباس المبرد المتوفى "سنة ٢٨٥هـ"، وشرحه رغبة الآمل للمرصفي المتوفى "سنة ١٣٤٩هـ". ٤- الأمالي لأبي القاسم الزجاجي المتوفى "سنة ٣٣٧هـ". ٥- مراتب النحويين لأبي الطيب عبد الواحد اللغوي المتوفى "سنة ٣٥١هـ": مخطوط بالخزانة التيمورية رقم "١٠٢٥". ٦- أخبار النحويين البصريين للسيرافي المتوفى "سنة ٣٦٨هـ". ٧- طبقات النحويين واللغويين للزبيدي المتوفى "سنة ٣٧٩هـ". ٨- التصحيف والتحريف لأبي أحمد العسكري المتوفى "سنة ٣٨٢هـ". ٩- الفهرست لابن النديم المتوفى "سنة ٣٨٥هـ". ١٠- الخصائص لأبي الفتح بن جني المتوفى "سنة ٣٩٢هـ". ١١- الصاحبي لأحمد بن فارس المتوفى "سنة ٣٩٥هـ". ١٢- المفصل للزمخشري المتوفى "سنة ٥٣٨هـ"، وشرحه لابن يعيش المتوفى "سنة ٦٤٣هـ". ١٣- نزهة الألبا في طبقات الأدبا "النحاة"، والإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين لكمال الدين الأنباري المتوفى "سنة ٥٧٧هـ".

стр. 3

١٤- التبيان: شرح ديوان المتنبي لأبي البقاء العكبري المتوفى "سنة ٦١٦هـ". ١٥- معجم الأدباء، ومعجم البلدان لياقوت المتوفى "سنة ٦٢٦هـ". ١٦- إنباه الرواة على أنباه النحاة للقفطي المتوفى "سنة ٦٤٦هـ". ١٧- الكافية والشافية لابن الحاجب المتوفى "سنة ٦٤٦هـ"، وشروحهما وحواشيهما. ١٨- الألفية لابن مالك المتوفى "سنة ٦٧٢هـ"، وشروحها وحواشيها. ١٩- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان المتوفى "سنة ٦٨١هـ"، وفوات الوفيات لابن شاكر المتوفى "سنة ٧٦٤هـ". ٢٠- أوضح المسالك إلى ألفية بن مالك، ومغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام المتوفى "سنة ٧٦١هـ"، وشروحهما وحواشيهما. ٢١- المقدمة لابن خلدون المتوفى "سنة ٨٠٨هـ". ٢٢- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني المتوفى "سنة ٨٥٢هـ". ٢٣- الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي المتوفى "سنة ٩٠٢هـ". ٢٤- الاقتراح في أصول النحو، وهمع الهوامع على جمع الجوامع، والأشباه والنظائر، والمزهر، وبغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، وحسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة للسيوطي المتوفى "سنة ٩١١هـ". ٢٥- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب للمقري المتوفى "سنة ١٠٤١هـ". ٢٦- شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي المتوفى "سنة ١٠٨٩هـ".

стр. 4

٢٧- خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب: شرح شواهد الرضي على الكافية، وشرح شواهد شرحي الشافية للرضي والجاربردي كلاهما للبغدادي المتوفى "سنة ١٠٩٣هـ". ٢٨- خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر للمحبي المتوفى "سنة ١١١١هـ". ٢٩- عجائب الآثار في التراجم والأخبار للجبرتي المتوفى "سنة ١٢٤٠هـ". ٣٠- البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع للشوكاني المتوفى "سنة ١٢٥٠هـ".

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المؤلف: الحمد لله الذي أنزل الكتاب على خير الخلق، وأفصح من نطق بالضاد، صلاة الله وسلامه عليه وعلى عترته الأمجاد، وأصحابه الألى بذلوا مهجهم في سوح الجهاد فنالوا الزلفى عند ربهم يوم التناد. فإن علم النحو من أسمى العلوم قدرا، وأنفعهما أثرا، به يتثقف أود اللسان١، ويسلس عنان البيان، وقيمة المرء فيما تحت طي لسانه لا طيلسانه ولقد صدق إسحاق بن خلف البهراني في قوله: النحو يبسط من لسان الألكن ... والمرء تكرمه إذا لم يلحن وإذا طلبت من العلوم أجلها ... فأجلها منها مقيم الألسن٢ وبه يسلم الكتاب والسنة من عادية اللحن والتحريف، وهما موئل الدين وذخيرة المسلمين، فكان تدوينه عملا مبرورا، وسعيا في سبيل الدين مشكورا. وبه يستبين سبيل العلوم على تنوع مقاصدها وتفاوق ثمارها٣ فإن الطالب لا يسلكها على هدى وبصيرة إلا إذا كان على جد من هذا العلم موفور، على أن المتحادثين في أي جزئية علمية إنما يعتمدان عليه في تحديد

стр. 6

المعنى الذي يتحادثان بشأنه، فهو الذريعة لتقريب تفاهمهما، وأداة الحكم الصحيح بينهما، قال ابن خلدون: "إذ به يتبين أصول المقاصد بالدلالة فيعرف الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر، ولولا هو لجهل أصل الإفادة"١. وإن من يحاول إقامة الدليل على فضله بالبرهان كان كمن يتكلفه على إشراق الشمس وضياء النهار، فلذا قدر المؤرخون للنحويين جهودهم، ورفعوا لهم أعلام الحمد، وخلدوهم في صحائفهم بمداد التبجيل والتكريم. وخليق بمن يدلف٢ إلى روضة هذا الفن النضير أن يعرف سبب وضعه وكيف نشأ؟ والمراحل التي اجتازها حتى استوى قائما، وأن يقف على تاريخ مشاهير رجاله الذين عبدوا مهيعه٣ وأقاموا صوى الهداية على حفافيه٤ خوف الدثور والضلال، وعلى طبقاتهم في عصورهم المختلفة وأوطانهم المتغايرة وعلى ما شجر بينهم من خلاف في الآراء رغبة منهم في استكناه الحقيقة، وأن يلم بمؤلفات هذا الفن الكثيرة وبتنوع اتجاهاتها، وبترتيبها الزمني، وبالصلة بينها نقلا أو تعليقا أو نقدا، ففي الحق أن هذا العلم قد أربى على سائر العلوم في مصنفاته. لقد غبر كثير من طلابه يدرسونه آمادا متطاولة ونفوسهم تواقة إلى تعرف هذه النواحي التي لا ينتظمها سفر خاص، بل تشتت في بطون الكتب، فلا ننال منها إلا بشق الأنفس. هذا الذي حفزني إلى وضع هذا الكتاب، والله سبحانه أستعين في السداد والتوفيق ...

стр. 7

تمهيد: نشأت اللغة العربية في أحضان جزيرة العرب خالصة لأبنائها مذ ولدت نقية سليمة مما يشينها من أدران اللغات الأخرى. لبثت كذلك أحقابا مديدة كان العرب فيها يغدون ويروحون داخل بلادهم على ما هم عليه من شظف العيش، غير متطلعين إلى نعيم الحياة وزخارفها فيما حولهم من بلاد فارس والروم وغيرها، وإن دفعتهم الحاجة إليها حينا، وتبادل المنافع حينا آخر. على أنه كان في أسواقهم الكثيرة التي تقام بينهم طوال العام غناء أي غناء في عيشتهم البدوية القانعة، ومن أشهرها عكاظ "بين نخلة والطائف" كانت تقام شهر شوال١، وبعده مجنة "بمر الظهران" من أول ذي القعدة إلى عشرين، وبعده ذو المجاز "خلف عرفة" إلى أيام الحج. ولقد كان في هذه الأسواق فوق ما تضمه من مرافق الحياة ومتطلبات المعيشة منتديات للأدب، يعقدون فيها المجامع ذات الشأن يتبارى فيها مداره الخطباء٢، ومفوهو الشعراء من القبائل المتنائية الأصقاع، يعرضون فيها مفاخراتهم ومنافراتهم ومعاظماتهم وكل ما يعن لهم في جيد الخطب وبديع الشعر٣.

стр. 8

عاد ذلك كله على اللغة بتثبيت دعمائها وإحكام رسوخها وجودة صقلها وبقيت كذلك متماسكة البنيان غير مشوبة بلوثة١ الأعجام، إلى أن سطع نور الإسلام على ما حول الجزيرة العربية بالفتوحات الإسلامية ودخل الناس في دين الله أفواجا ثم تتابعت الفتوحات في عهد الخلفاء الراشدين، فوصلت في عهد سيدنا عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- شرقا إلى نهري السند وجيحون، وغربا إلى الشام ومصر، فكان من الطبعي هبوط العرب ومعهم عشائرهم وعمائرهم٢ إلى هذه الأمصار التي افتتحوها ودخلت تحت حوزتهم، وبحكم الفتح قد كثر تملكهم للموالي في البلاد المفتوحة عنوة. كما كان من الطبعي تقاطر الوافدين من هذه الأمصار المفتوحة إلى الجزيرة العربية، إذ فيها المدينة المنورة حاضرة الإسلام، ومقر الخلفاء الراشدين وعلية الدولة. وفيها مكة المكرمة، وبها الكعبة المشرفة التي يؤمها كل من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وهكذا ازداد هذا النزوح من الجانبين كلما توالت الفتوحات تترى في عهد بنى أمية، فلقد بلغت الفتوحات في عهدنا شرقا الهند والصين وشمالا سيبريا، وغربا ما وراء جبال البرانس بالأندلس، وجنوبا السودان، كما امتدت إلى جزائر البحر الأبيض المتوسط، فهذه المملكة المترامية الأطراف كانت تخفق عليها الراية الإسلامية التي تآخى تحت ظلها الجميع "الأحمر والأسود"، وامحت بينهم فوارق الجنس والوطن، ودينهم الإسلام وكتابهم القرآن ولغتهم العربية. وكان أثرا لهذه الفتوحات من لدن كانت أن اختلط العرب بغيرهم اختلاطا مستمرا في البيوت والأسواق، والمناسك والمساجد، وتصاهروا واندمجوا في بعضهم حتى تكون منهم شعب واحد اجتمع فيه الصريح

стр. 9

والهجين، والمقرف١ والعبد، اقتضى كل أولئك أن يستمع بعضهم من بعض وأن يتفاهموا في كل ما يتصل بهم ولغة التخاطب الوحيدة بينهم في كل ما يحيط بهم هي العربية، فكان لزاما على غير العربي أن تكون لغته العربية مهما عالج في ذلك وعانى، كما كان لزاما على العربي أن يترفق بغير العربي ويتريث معه في التخاطب، ضرورة التعاون بين الطرفين فكل منهما يسمع من الآخر، والسمع سبيل الملكات اللسانية فما اللغة إلا وليدة المحاكاة وما يصل إلى السمع. وبطول هذا الامنزاج تسرب الضعف إلى نحيزة العربي وسليقته، على أن غير العربي كان ينزع قسرا عنه إلى بني جلدته، وإن طال لبثه بين ظهراني العرب، فقد كان في عهد الرسول ﷺ صهيب يرتضخ الرومية، وسلمان الفارسية، وبلال وسحيم عبد بني الحسحاس الحبشية. وتولد من هذا كله أن اللغة العربية تسرب إليها اللحن، ووهنت الملاحظة الدقيقة التي تمتاز بها وهي اختلاف المعاني طوعا لاختلاف شكل آخر الكلمة، فإن هذه الميزة كانت موفورة لديهم وهم يعبدون عن مخالطة سواهم من ذوي اللغات الأخرى التى خلت منها. ولقد كان هذا النوع أول اختلال طرأ على اللغة العربية، منذ كان الإسلام، وكان الموالي والمتعربون، وطفق يزداد رويدا رويدا ما طال الزمن وتفسحت رقعة الإسلام.

стр. 10

وضع النحو وتسميته: سبب وضع النحو: قال أبو الطيب ١: "واعلم أن أول ما اختل من كلام العرب وأحوج إلى التعلم الإعراب، لأن اللحن ظهر في كلام الموالي والمتعربين من عهد النبى ﵊، فقد روينا أن رجلا لحن بحضرته فقال: "أرشدوا أخاكم فقد ضل"، وقال أبو بكر: "لأن أقرأ فأسقط أحب إلي من أن أقرأ فألحن"٢. وقال ياقوت: "مر عمر بن الخطاب ﵁ على قوم يسيئون الرمي، فقرعهم فقالوا: إنا قوم "متعلمين"، فأعرض مغضبا، وقال: والله لخطؤكم في لسانكم أشد علي من خطئكم في رميكم"٣. وقال ابن جني: "ورووا أيضا أن أحد ولاة عمر -رضى الله عنه- كتب إليه كتابا لحن فيه، فكتب إليه عمر أن قنع ٤ كاتبك سوطا"٥. وقال ابن قتيبة: "سمع أعرابي مؤذنا يقول: أشهد أن محمدا رسول الله

стр. 11

بنصب رسول، فقال: ويحك! يفعل ماذا١؟ ودخل أعرابي السوق فسمعهم يلحنون، فقال: سبحان الله! يلحنون ويربحون، ونحن لا نلحن ولا نربح!! "٢. وقال ابن عبد ربه: "ودخل على الوليد بن عبد الملك رجل من أشراف قريش فقال له الوليد: من ختنك؟ قال له: فلان اليهودي، فقال: ما تقول، ويحك؟ قال: لعلك إنما تسألني عن ختني٣ يا أمير المؤمنين، هو فلان بن فلان"٤. وهكذا انتشرت جرثومة اللحن فأعدت الخاصة حتى صاروا يعدون من لا يلحن، قال الأصمعي: "أربعة لم يلحنوا في جد ولا هزل الشعبي وعبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف وابن القرية، والحجاج أفصحهم" وانتقلت من الحاضرة إلى البادية قال الجاحظ: "قالوا: وأول لحن سمع بالبادية: هذه عصاتي" كل ذلك والدولة الأموية ما فتئت قائمة، والنعرة العربية مستحصدة المرة ومانعة الدرة. وسترى أمثلة كثيرة من اللحن عند الكلام على واضع النحو اجتزأنا بذكرها ثمة حتى لا يكون الحديث معادا، على أن ما رأيته وما ستراه قل من كثر، وبعض من كل. لهذا وذاك أهابت العصبية العربية بالعلماء في المصدر الأول الإسلامي

стр. 12

أن يصدوا هذا السبيل الجارف الذي كاد يكتسح اللغة العربية بما قذف فيها من لحن تسربت عدواه إلى القرآن الكريم والسنة الشريفة بما هدوا إليه وسموه علم النحو، غير أنهم لم تتفق كلمتهم على نوع السبب المفضي إلى وضعه، فبعض المصادر التاريخية تذكر وقائع معينة كانت هي السبب عندهم، وهي مع كثرتها لا تتفاوت عند المقارنة بينها قوة وضعفا لا من ناحية الرواية ولا من ناحية اقتضاء الوضع، وبعض المصادر الأخرى لا تقصر السبب على حادثة خاصة بل تعتبره نتيجة لازمة لتلك الحوادث السابقة والآتية منها أمثلة ملتفة بعضها على بعض، وما أشبه هذا الرأي بالصواب، فغير مقبول في النظر أن ينهض العلماء ويستفرغوا مجهودا جبارا يؤرقون فيه عيونهم ولا يطبقون جفونهم الليالي الطويلة لتأسيس فن خطير خالد الأثر على اللغة العربية وأبناء العروبة من جزاء حادثة فردية كان يكفي في درئها إصلاحها وكفى. ومن جهة أخرى أين المؤهلات التي ترجح كفة حادثة جزئية على مثيلاتها؟ وفي ذلك ترجيح بلا مرجح. فالحق الذي لا ينبغي الحيود عنه أن وضع هذا العلم إنما كان لهذه الحوادث متضافرة. قال بن خلدون: "فلما جاء الإسلام وفارقوا الحجاز لطلب الملك الذي كان في أيدي الأمم والدول، وخالطوا العجم، تغيرت تلك الملكة بما ألقي إليها السمع من المخالفات التي للمتعربين، والسمع أبو الملكات اللسانية، ففسدت بما ألقي إليها مما يغايرها لجنوحها إليه باعتياد السمع، وخشي أهل العلوم منهم أن تفسد تلك الملكة رأسا ويطول العهد بها فينغلق القرآن والحديث على المفهوم، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردة شبه الكليات والقواعد يقيسون عليها سائر أنواع الكلام ويلحقون الأشباه بالأشباه مثل "أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب والمبتدأ مرفوع"، ثم رأوا تغير الدلالة بتغير حركات هذه الكلمات فاصطلحوا على تسميته إعرابا وتسمية الموجب لذلك التغير عاملا، وأمثال ذلك، وصارت كلها اصطلاحات خاصة بهم فقيدوها بالكتاب وجعلوها صناعة لهم مخصوصة، اصطلحوا على تسميتها بعلم النحو"١.

стр. 13

متى وأين كان وضعه: عرفت مما سلف أن وضعه في الصدر الأول للإسلام، لأن علم النحو ككل قانون تتطلبه الحوادث، وتقتضيه الحاجات، ولم يك قبل الإسلام ما يحمل العرب على النظر إليه فإنهم في جاهليتهم غنيون عن تعرفه لأنهم كانوا ينطقون عن سليقة جبلوا عليها، فيتكلمون في شؤونهم دون تعمل فكر أو رعاية إلى قانون كلامي يخضعون له، قانونهم: ملكتهم التى خلقت فيهم، ومعلمهم: بيئتهم المحيطة بهم بخلافهم بعد الإسلام إذ تأشبوا١ بالفرس والروم والنبط٢ وغيرهم، فحل بلغتهم ما هول الغير عليها وعلى الدين، حتى هرعوا إلى وضع النحو كما تقدم. وهذا هو التحقيق الذي عول عليه الجمهور، فقد زعم بعض العلماء أن العرب كانوا يتأملون مواقع الكلام، وأن كلامهم ليس استرسالا ولا ترجيما بل كان عن خبرة بقانون العربية، فالنحو قديم فيهم أبلته الأيام، ثم جدده الإسلام على يد أبي الأسود الدؤلي بإرشاد الإمام علي كرم الله وجهه ومن هؤلاء أحمد بن فارس في أوائل كتابه "الصاحبي"٣، بل غلا غلوا شديدا إذ نسب للعرب العاربة معرفتهم بمصطلحات النحو بتوقيف من قبلهم حتى انتهى الأمر إلى الموقف الأول هو الله الذي علم آدم الأسماء كلها.

стр. 14

وما من شك أن هذا الرأي ناء عن المعقول، جار وراء الخيال والوهم، نعم. إن تحديد زمن وضعه في الإسلام لا سبيل إليه البتة، وفي تعيين الواضع له في المبحث الآتي تقريب لزمنه. وقد كان وضعه ونشوءه في العراق لأنه على حدود البادية وملتقى العرب وغيرهم، توطنه الجميع لرخاء الحياة فيه، فكان أزهر بلد انتشر فيه وباء اللحن الداعي إلى وضع النحو١. وما حاجة عرب البوادي والحجاز إليه وما برحت لغتهم فصيحة؟

стр. 15

وضعه عربي محض: نشأ النحو في العراق صدر الإسلام لأسبابه نشأة عربية على مقتضى الفطرة، ثم تدرج به التطور تمشيا مع سنة الترقي، حتى كملت أبوابه، غير مقتبس من لغة أخرى لا في نشأته ولا في تدرجه وقد اختلف العلماء في أول ما وضع منه على رأيين: أحدهما: أن أول ما وضع من أبوابه هو ما وقع اللحن فيه، ثم استمر الوضع فيما بعده على هذا النمط، وذلك ما ذهب إليه جمهور النحاة اعتدادا بالروايات المستفيضة التي اقترن فيها الوضع باللحن، إلا أن تعيين الباب الموضوع أولا منوط بالرواية التي قوي سندها من بين الروايات. والآخر: أن أول ما وضع منه ما كان أقرب إلى متناول الفكر في الاستنباط، لأن وضعه مبني على أساس من التفكير في استخراج القواعد من الكلام لداعي انتشار اللحن، فالموضوع أولا ما كثر دورانه على اللسان ثم ما يليه وهكذا، ولذا قيل: إن الموضوع أولا الفاعل ثم ردفه المفعول ثم المبتدأ والخبر وهكذا. وما تقدم هو ما أطبق عليه علماؤنا خلفا بعد سلف. وزعم بعض المستشرقين: أن علم النحو منقول من لغة اليونان لأن

стр. 16

وضعه في العراق إنما كان بعد اختلاط العرب بالسريان وتعلم ثقافتهم، وللسريان نحو قديم ورثوه عن اليونان. وزعم بعض منهم آخر رأيا ثالثا، فيه بعض موافقة ومخالفة لكل من الرأيين المذكورين، وافق الرأي الأول فيما وضع منه ابتداء فقط، والثاني فيما أحدث فيه بعد دور التكوين من تنظيم في التقسيم والتعريف والتعليل. قال ليتمان: "اختلف الأورباويون في أصل هذا العلم، فمنهم من قال إنه نقل من اليونان إلى بلاد العرب، وقال آخرون ليس كذلك، وإنما كما تنبت الشجرة في أرضها كذلك نبت علم النحو عند العرب، وهذا هو الذي روي في كتب العرب من زمن، ونحن نذهب في هذه المسألة مذهبا وسطا. وهو أنه أبدع العرب علم النحو في الابتداء، وأنه لا يوجد في كتاب سيبويه إلا ما اخترعه هو والذين تقدموه، ولكن لما تعلم العرب الفلسفة اليونانية من السريان في بلاد العراق تعلموا أيضا شيئا من النحو ... وبرهان هذا أن تقسيم الكلمة مختلف فيه، قال سيبويه: فالكلم: "اسم وفعل وحرف جاء لمعنى"، وهذا تقسيم أصلي، أما الفلسفة فينقسم فيها الكلام إلى "اسم وكلمة ورباط" وهذه الكلمات ترجمت من اليوناني إلى السرياني ومن السرياني إلى العربي فسميت هكذا في كتب الفلسفة لا في كتب النحو، أما كلمات "اسم وفعل وحرف" فإنها اصطلاحات عربية ما ترجمت ولا نقلت"١. تلك هي الأقوال الثلاثة، والمعول عليه منها الأول، إذ الثاني مجرد اختراص٢ لا سر له إلا الولوع بالانتقاص للعرب، والثالث لا يناهض الأول فيما خالفه فيه فإنه غير مسلم أن يكون علماء العرب عيالا على غيرهم فيما يتصل بتنظيمه بعد اهتدائهم إلى اختراعه وابتكاره.

стр. 17

واضعه: علمت إجمالا أن واضعه من رجالات عصر الإسلام على ما تقدم بيانه، لكنهم اختلفوا واضطرب اختيارهم متقدمين ومتأخرين، كابن سلام في طبقات الشعراء، وابن قتيبة في المعارف، والزجاجي في الأمالي، وأبي الطيب اللغوي في مراتب النحويين، والسيرافي في أخبار النحويين البصريين، والزبيدي في الطبقات، وابن النديم في الفهرست، والأنباري في نزهة الألبا، والقفطي في إنباه الرواه، فيمن هو الواضع؟ على أن هذا الاختيار لا يعدو في الواقع أن يكون إما للإمام علي كرم الله وجهه، كما يرى الأنباري والقفطي، أو لأبي الأسود الدؤلي، كما يراه السابقون قبلهما، فأما عزو الوضع إلى نصر بن عاصم الليثي، أو عبد الرحمن بن هرمز فبمعزل عن الاختيار والتأييد، ولا أطيل الحديث بنقل كلام هؤلاء العلماء جميعا مكتفيا بنقل كلام الأنباري لأنه أعناهم بهذا المقام، وقد سرد معظم نقول السابقين عليه مع جودة الترتيب، فذكر مختاره أولا مع روايتين في سبب وضع علي كرم الله وجهه، ثم ذكر مختار غيره مع روايات أربع في سبب وضع أبي الأسود، ولعلك ذاكر ما "وجهنا" النظر إليه سابقا في سبب الوضع من أن الحق عدم الوقوف في سبب الوضع على أي قول عند سبب خاص، ثم فند القولين الأخيرين، ثم عاد مصرحا برجحان اختياره قال: "اعلم أيدك الله تعالى بالتوفيق وأرشدك إلى سواء الطريق أن أول من وضع علم العربية وأسس قواعده وحد حدوده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، وأخذ عنه أبو الأسود الدؤلي، وسبب وضع علي ﵇ لهذا العلم ما روى أبو الأسود، قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ فوجدت في يده رقعة، فقلت: ما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: إني تأملت كلام العرب فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء يعني الأعاجم فأردت أن أضع شيئا يرجعون إليه ويعتمدون عليه، ثم ألقى إلي الرقعة وفيها مكتوب: الكلام اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى والفعل ما أنبئ به والحرف ما أفاد معنى، وقال لي: انح هذا النحو

стр. 18

وأضف إليه ما وقع إليك، واعلم يا أبا الأسود أن الأسماء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، واسم لا ظاهر ولا مضمر، وإنما يتفاضل الناس يا أبا الأسود فيما ليس بظاهر ولا مضمر، وأراد بذلك الاسم المبهم. قال: ثم وضعت بابي العطف والنعت، ثم بابي التعجب والاستفهام إلى أن وصلت إلى باب "إن وأخواتها ما خلا لكن " فلما عرضتها على علي ﵇ أمرني بضم لكن إليها، وكنت كلما وضعت بابا من أبواب النحو عرضته عليه إلى أن حصلت ما فيه الكافية، قال: ما أحسن هذا النحو الذي قد نحوت! فلذلك سمي النحو". وروي أن سبب وضع علي ﵇ لهذا العلم أنه سمع أعرابيا يقرأ: "لا يأكله إلا الخاطئين ١ " فوضع النحو. ويروى أيضا أنه قدم أعرابي في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- فقال: من يقرئني شيئا مما أنزل الله تعالى على محمد ﷺ فأقرأه رجل سورة براءة فقال: "أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ"٢ بالجر، فقال الأعرابي: أوقد برئ الله من رسوله؟ إن يكن الله تعالى برئ من رسوله فأنا أبرأ منه، فبلغ عمر -رضى الله عنه- مقالة الأعرابي فدعاه، فقال: يا أعرابي أتبرأ من رسول الله ﷺ ؟ فقال: يا أمير المؤمنين إني قدمت المدينة ولا علم لي بالقرآن فسألت من يقرئني؟ فأقرأني هذا سورة براءة فقال: "أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ" فقلت: أوقد برئ الله تعالى من رسوله إن يكن الله تعالى برئ من رسوله فأنا أبرأ منه، فقال عمر -رضى الله عنه-: ليس هكذا يا أعرابي، فقال: كيف هي يا أمير المؤمنين؟ فقال: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ فقال الأعرابي: وأنا والله أبرأ ممن برئ الله ورسوله منهم، فأمر عمر -رضى الله عنه- أن لا يقرئ القرآن إلا عالم باللغة، وأمر أبا الأسود الدؤلي أن يضع النحو. وروى عاصم قال: جاء أبو الأسود الدؤلي إلى زياد، وهو أمير البصرة،

стр. 19

فقال: إني أرى العرب قد خالطت هذه الأعاجم وفسدت ألسنتها، أفتأذن لي أن أضع للعرب ما يعرفون به كلامهم؟ فقال له زياد: لا تفعل، قال: فجاء رجل إلى زياد فقال: أصلح الله الأمير، توفي أبانا وترك بنونا، فقال له زياد: توفي أبانا وترك بنونا، ادع لي أبا الأسود، فلما جاءه قال له: ضع للناس ما كنت نهيتك عنه، ففعل. ويروى عنه أيضا أن أبا الأسود قالت له ابنته: ما أحسنُ السماء؟ فقال لها: نجومها، فقالت: إني لم أرد هذا وإنما تعجبت من حسنها، فقال لها: إذن فقولي ما أحسنَ السماء، فحينئذ وضع النحو، وأول ما رسم منه باب التعجب. وزعم قوم أن أول من وضع النحو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وزعم آخرون أن أول من وضع النحو نصر بن عاصم، فأما من زعم أن أول من وضع النحو عبد الرحمن بن هرمز أو نصر بن عاصم فليس بصحيح، والصحيح أن أول من وضع النحو علي بن أبي طالب -رضى الله عنه- لأن الروايات كلها تسند إلى أبي الأسود، وأبو الأسود يسند إلى علي، فإنه روي عن أبي الأسود أنه سئل فقيل له: من أين لك هذا النحو؟ فقال: لفقت ١ حدوده من علي بن أبي طالب ٢. ولا ريب أن الاختلاف في المختار من القولين بين الجماعة والأنباري مرجعه إلى الحدس والتخمين، فليس مع أحد المختارين ما يرجحه على الآخر لا من العقل ولا من النقل المتواتر، فما هي إلا روايات يناهض بعضها بعضا غير أن الظنون متفاوتة عند الموازنة بين المتكافئين، ويظهر أن الحق في جانب الجماعة، فإن وضع النحو أمر خطير يتقاضى من القائم به عناية مبذولة إليه خاصة وصدوفا عن مشاغل الحياة عامة، ووقتا طويلا يستنزف في التقصي للكلام العربي، وإعمال الفكر واستخراج القواعد، في

стр. 20

حياة كلها هدوء واستقرار، يرفرف عليها جناح الأمن والسلام، وحياة الإمام علي كرم الله وجهه تقضت في النضال العنيف، والشجار المستحر، ملأتها الحوادث المروعة، واكتنفتها أمواج الاضطرابات الشاملة، فبعيد أن الإمام عليا يواتيه الوقت الكافي للنهوض بأعباء هذا العمل الجلل، على أنا لا نأبى أن له اليد الطولى على أبي الأسود في الإرشاد له، والإشراف عليه، وتقريره لما صح في استنتاجه، وقد يكون في ذلك تقريب للجمع بين الاختلاف في المختار فللإمام فضل الهداية إلى الأساس، ولأبي الأسود فضل القيام بوضعه على ضوء هدي الإمام. واضعه أبو الأسود الدؤلي: فالذي نخاله قريبا إلى الواقع ويرتضيه النظر أن أبا الأسود هو واضع هذا الفن، ونسبة الوضع للفن إنما تعتبر نتيجة لقيام الواضع ببعض الأبواب الأساسية في ذلك الفن، وهذا ما كان من أبي الأسود كما رأيت واختيار الأنباري نسبة الوضع للإمام أول كلامه اعتمادا على تفهيم الإمام أبا الأسود أقسام الكلمة وأقسام الاسم والباقي من النواسخ، إنما يتم لو تظاهر جمهرة العلماء المعنيين بهذا الشأن على الموافقة على هذه الرواية والاعتزاز بها، مع أن الذي قد سبق إليها وهو الزجاجي ساقها على أنها رواية من الروايات فحسب، ونقلها عنه كذلك ياقوت في ترجمة الإمام، أما الباقون فلم يعرضوا لها، وتصريحه آخر كلامه بالاختيار استنادا لرجوع الروايات عن أبي الأسود إلي الإمام في النهاية لا يتم أيضا مع عدم مخالفتها له في رجوع الروايات للإمام، ولا يؤدي ذلك إلى انتماء الوضع له على ما سبق في التقريب بين الاختيارين، ومما يؤيد نسبة الوضع إلى أبي الأسود ما روى بن النديم محمد بن إسحاق في الفهرست أن رجلا بمدينة الحديثة١ اسمه محمد بن الحسين

стр. 21

كان جماعة للكتب، وقد آلت إليه خزانة صديق له كان مشتهرا بجمع الخطوط القديمة، قال ابن إسحاق: "فرأيتها وقلبتها فرأيت عجبا إلا أن الزمان قد أخلقها وعمل فيها عملا أدرسها. ورأيت ما يدل على أن النحو عن أبي الأسود ما هذه حكايته وهي أربع أوراق وأحسبها من ورق الصين ترجمتها: هذه فيها كلام في الفاعل والمفعول من أبي الأسود رحمة الله عليه بخط يحيى بن يعمر، وتحت هذا الخط بخط عتيق هذا خط علان النحوي وتحته هذا خط النضر بن شميل"١. وقد درج على هذا الرأي متقدمو المؤرخين من أصحاب الطبقات والمعاجم، واحتذى حذوهم المتأخرون عدا الأنباري، فمن الغريب بعدئذ أن يستنكر المستشرقون هذه النسبة المتواطأ عليها قديما وحديثا زعما منهم أن عصر أبي الأسود لا يتواءم وهذه الاصطلاحات الوضعية المرتبة التي بأيدينا، وإنما هي وليدة عصر متأخر عنه، تطور فيه التعليم حتى صار مناسبا لهذه القواعد المرتبة، قالوا: "وليس حقا ما يقال إنه "أبو الأسود" واضع أصول النحو العربي"٢. وقد اقتفى أثرهم بعض علماء العصر الحاضر، ولهذا تخلص الأستاذ أحمد أمين من الموقف بتأويل بعيد تذرع به إلى التوفيق بين الاعتراف بما هو مستفيض شائع وبين هذا الرأي الجديد، وتلمس وجها لنسبة الوضع إلى أبي الأسود بعد تسليم صحتها لكن على وجه آخر فقال: "ويظهر لي أن نسبة النحو إلى أبي الأسود لها أساس صحيح، وذلك أن الرواة يكادون يتفقون على أن أبا الأسود قام بعمل من هذا النمط، وهو أنه ابتكر شكل المصحف. وواضح أن هذه خطوة أولية في سبيل النحو تتمشى مع قانون النشوء، وممكن أن تأتي من أبي الأسود، وواضح كذلك أن هذا يلفت النظر إلى النحو، فعمل أبي الأسود يسلم إلى التفكير في الإعراب ووضع القواعد

стр. 22

له. وأن هذه الأمور لما توسع العلماء فيها بعد وسموا كلامهم نحوا سحبوا اسم النحو على ما كان قبل من أبي الأسود، وقالوا: إنه واضع النحو للشبه في الأساس بين ما صنع وما صنعوا، وربما لم يكن هو يعرف اسم النحو بتاتا. إنما الذي كان له الفضل الأكبر في ذلك الخليل بن أحمد ذو العقل الجبار المبتكر الذي قل أن يوجد له نظير في علماء ذلك العصر وهو الذي عمل النحو الذي نعرفه إلي اليوم"١. نعم، نحن لا ننكر ما للخليل من الفضل لا على النحو بل على كثير من علوم اللغة العربية، وستعرف آثاره في ترجمته إن شاء الله تعالى، لكنا مع ذلك على رأينا الأول. فليس بغريب على أبي الأسود الذي أوتي العلم الواسع أن يلهم هذا الفن ويضع تعاليمه التي يسار عليها وينسج على منوالها، ولا ندعي أنه قد وفق إليه على غرار ما نراه في كتبنا من تعريفات ومصطلحات وتقاسيم، فإن طبيعة عهده السابق على عصر المقننين تقتضي مجرد اتجاهه إلى أبواب هذا العلم إجمالا حسبما تقتضيه الفطرة العربية على وفق ما ورد في مختلف الروايات الكثيرة التى صرحت بنسبة الوضع إليه فقط دون تعرض إلى التفصيل، وذلك كاف في اعتباره المؤسس له. نعم، قد تطور بمسايرة الزمن، وأضيف إليه من كل طبقة بعد أخرى ما ضخمه وصيره فنا مستكمل الدعائم، مرتب الأبواب، منظم التقاسيم، مع التعاريف التي امتازت بها الأبواب، والتقاسيم والاصطلاحات العلمية الخاصة، إلا أنه مما لا يختلف فيه اثنان أن النهضة بهذا العلم في تلك النواحي كان عمادها الخليل بن أحمد، فمن عهده انتظم شتاته، والتأم عقده، واتخذ تعليمه دوره الفني كما ستقف على ذلك من أطواره، ومع هذا فإن عناصره الأساسية التي اهتدى إليها أبو الأسود بتعليم الإمام علي وإقراره لم تتغير ولم تتبدل.

стр. 23

ولقد اعترف العلماء متقدمين ومتأخرين على أن أبا الأسود هو الذي ابتكر شكل المصحف، فلعل ذلك كان منه تكميلا لما بدأ به من القيام بما يحفظ على المسلمين كتابهم الكريم ولغتهم الشريفة. وما لنا ننكر هذه النقول الصريحة وقد وافق عليها الخلف بعد السلف، عصرا بعد آخر تلك الأزمنة المتطاولة ولم نر منهم نكيرا؟ على أننا لو تمثلنا شخصيته ونزعته وعصره الذي كان ينشر فيه علمه بالبصرة، لأيقنا صحة هذه النسبة، فقد كان علوي الرأي يجاهر بتشيعه وهواه فيمدح الإمام بالقصائد الحسان، وعمال البصرة وسواد العراق من قبل معاوية يشقون عليه ويعنتونه حتى بنو قشير الذين جاورهم وصاهرهم بزواجه منهم امرأته أم عوف أجرموا معه، فسبوه ونالوا من علي كرم الله وجهه إيلاما له وقذفوه ليلا بالحجارة قال المبرد: "وكان بنو قشير عثمانية، وكان أبو الأسود نازلا فيهم، فكانوا يرمونه بالليل فإذا أصبح شكا ذلك، فشكا مرة فقالوا: ما نحن نرميك ولكن الله يرميك، فقال: كذبتم والله لو كان الله يرميني لما أخطأني"١. أضجر ذلك كله أبا الأسود وأقض مضجعه فانزلق إلى هجاء أمير العراق زياد وابنه عبيد الله، وهما ما هما، وقد توالت خلافة الأموميين زمنا ليس بالقصير، وهم منطوون على نار من الحقد للعلويين وأتباعهم، إذ لم تقم دولتهم إلا بدعوى المطالبة بدم عثمان بعد اتهامهم أمير المؤمنين عليا بالتفريط فيه والتغاضي عن السافكين دمه رضوان الله عليه، فكيف يدعون أمرا خطيرا كهذا يمضي على كر الزمان ويخلد في بطون الأسفار وهم أحرص الناس على الغض من شأن العلويين وشيعتهم، ولا سيما في مثل هذا الشأن ذي البال والأثر الخالد.

стр. 24

تسمية النحو: تسميته بالنحو بعد أبي الأسود: روت كتب الأدب والتراجم على سبيل اليقين أن هذا العلم كان يسمى بالعربية في عصر أبي الأسود، قال ابن سلام في الطبقات: "وكان أول من استن العربية وفتح بابها، وأنهج سبيلها، ووضع قياسها، أبو الأسود الدؤلي". وقال ابن قتيبة في المعارف: "أول من وضع العربية أبو الأسود" وقال ابن حجر في الإصابة: "أول من ضبط المصحف ووضع العربية أبو الأسود" فالتسمية بالنحو بعد عصره، إلا أنها لم تتجاوز الطبقة الثانية، فقد اشتهرت عنها مؤلفات اتسمت بأنها نحوية، وصرح فيها باسم النحو، كما ستقف على ذلك في الطبقات إن شاء الله تعالى. فما يذكر في كتب التراجم من نسبة التسمية بالنحو إلى أبي الأسود مبني على التسامح، ويلاحظ فيه انسحاب التسمية الطارئة بالنحو بعدُ على ما كان من أبي الأسود ضرورة أن ما وضعه أبو الأسود أساس ما سموه بالنحو، ولو عنى أصحاب التراجم بتعيين صاحب التسمية وقتها لأغنونا عن تنازع الظنون.

стр. 25

سب التسمية بالنحو ... سبب التسمية بالنحو: اسم العلم من وضع أهله ومصطلحهم لمقتضى الملابسات المناسبة في نظرهم، وقد سلف أن أبا الأسود لما عرض على الإمام علي ما وضعه فأقره بقوله: "ما أحسن هذا النحو الذي قد نحوت" فآثر العلماء تسمية هذا العلم باسم النحو استبقاء لكلمة الإمام التي يراد بها أحد معاني النحو اللغوية؛ والمناسبة بين المعنيين: اللغوي والاصطلاحي جلية.

стр. 26

نشأة النحو وتدرجه مدخل ... نشأة النحو وتدرجه: نشأ النحو أول أمره صغيرا، شأن كل كائن، فوضع أبو الأسود منه ما أدركه عقله، ونفذ إليه تفكيره، ثم أقره الإمام على ما وضعه وأشار عليه أن يقتفيه، فقام بما عهد إليه خير قيام، ولم يهتد بحث العلماء إلى يقين فيما وضعه أبو الأسود أولا على ما سلف تفصيلا، وكانت هذه النهضة الميمونة بالبصرة التي كان في أهلها ميل بالطبيعة إلى الاستفادة من هذا الفن اتقاء لوباء اللحن الزاري بصاحبه وخاصة الموالي الذين كانوا أحوج الناس حينذاك إلى تلقي هذا العلم رغبة منهم في تقويم لسانهم وتخليصه من رطانة العجمة، وحبا في معرفة لغة الدين الذي اعتنقوه، وطمعا في رفع قدرهم بين العرب، فصدقت عزيمتهم في دراسته والتزيد منه، وما انفكوا جادين فيه بعدئذ حتى نبغ منهم كثير قاموا بأوفى قسط في هذا العلم، وقادوا حركته العلمية. قال المبرد "مر الشعبي بقوم من الموالي يتذاكرون النحو فقال: لئن أصلحتموه إنكم لأول من أفسده"١، فكان منهم علماؤه المبرزون دراسة وتأليفا حتى أشير إليه ردحا من الزمن أنه علم الموالي. فلأبي الأسود الفضل الوافر في بدء الغرس الذي نما وترعرع وازدهر على كر الزمان بإضافة اللاحق إلى السابق ما استدركه وما ابتدعه، فازداد فيه التدوين والتصنيف شيئا فشيئا، غير أن هذا العلم لم تطل عليه الأيام كسائر الفنون فاكتمل وضعه قبلها، والباعث على النشاط فيه والسرعة شعور العرب بالحاجة إليه قبل كل علم، فإن الفتوحات الإسلامية متوالية في الأمصار، والعرب متدفقون عليها، والامتزاج مستحكم بينهم وبين من دخلوا في حوزتهم وعثير ٢ اللحن منتشر أقذى الأبصار، فهب العلماء لا يلوون على شيء منكمشين في تدوينه فكان يسير بخطا فسيحة تبشر بالأمل القوي العاجل حتى نضج ودنا جناه، فتم وضعه في العصر الأموي دون سائر العلوم اللسانية. وما استهل العصر العباسي إلا وهو يدرس دراسة واسعة النطاق في

стр. 27

العراقين "البصرة والكوفة" وكمل وأوفى على الغاية في بغداد ولما ينقض العصر العباسي الأول وذلك قبل تمام القرن الثالث الهجري. ولقد تلمسنا تعرف المراحل التي اجتازها هذا العلم طبقا لنواميس النشوء فلكل علم أطوار يمر بها كما يمر الحي بأطوار الحياة وليدا وناشئا وشابا وكهلا في كثير من الكتب التي يخال فيها التعرض لذلك فما وقفنا على ما يشفي الغلة وينير السبيل، فلاح لنا بعد إنعام الفكرة وإطالة النظرة أن نجعل الصلة بين هذه المراحل وبين العلماء القائمين بأمر هذا الفن إذ كان على أيديهم ما نقله من طور إلى آخر. روى لنا التاريخ أن البصريين هم الذين وضعوه وتعهدوه بالرعاية قرابة قرن، كانت فيه الكوفة منصرفة عنه بما شغلها من رواية الأشعار والأخبار، والميل إلى التندر بالطرائف من الملح والنوادر، ثم تكاتف الفريقان على استكمال قواعده، واستحثهما التنافس الذي جد بينهما واستحرت ناره ردحا من الدهر ينيف على مائة سنة، خرج بعدها هذا الفن تام الأصول، كامل العناصر، وانتهى الاجتهاد فيه، وحينذاك التأم عقد الفريقين في بغداد، فنشأ المذهب البغدادي الذي عماده الترجيح بين الفريقين. ثم شع نور هذا العلم في سائر البلاد الإسلامية التي احتفظت به بعد أن دالت دولة بغداد العلمية، وفي طليعتها الأندلس في عصرها الزاهر، ومصر المعزية والشام وما يتأخمها.

стр. 28

أطوار النحو الأربعة مدخل ... أطوار النحو الأربعة: وعلى ضوء هذا التاريخ قد اعتبرنا أطواره أربعة: طور الوضع والتكوين "بصري"، طور النشوء والنمو "بصري، كوفي"، طور النضوج والكمال "بصري، كوفي"، طور الترجيح والبسط في التصنيف "بغدادي وأندلسي ومصري وشامي". على أنه ليس في الاستطاعة وضع حد توقيتي ينفصل به كل طور عما يسبقه أو يعقبه، فإن الأطوار لا بد من تداخلها، وسريان بعض أحكام سابقها على لاحقها، كما أنه لا مناص من تسرب شيء مما في تاليها على بادئها، فغير ممكن أن يوجد الطور دفعيا وإنما تلده المؤثرات التي تسبقه وتمهد له، وهي بالطبع في غيره، إلا أنها لما تكاثرت وتزايدت حتى بدا للعلم بمقتضاها طابع آخر غير الطابع السابق عليه استوجبت جعله في طور آخر جديد، ولا يكون ذلك التمييز الظاهر إلا بعد انقضاء زمن المداخلة بين الطورين وعلى هذا الأساس فإن تحديد هذه الأطوار إلى التقريب أقرب منه إلى التحقيق، وبدهي أن تحديدها بالأشخاص على ما سبق يعود إلى طبقاتهم التي يمثلونها، وستعرف هذه الطبقات مرتبة بحسب الزمن مع تراجم علمائها كلهم، وإننا سنكتفي في هذا التحديد بالأشخاص المبرزين المعلمين فقط للاختصار.

стр. 29

الأول: طور الوضع والتكوين "بصري" هذا الطور من عصر واضع النحو أبي الأسود إلى أول عصر الخليل بن أحمد، وقد سلف أن وضعه انتهى في عصر بني أمية. هذا هو الطور الذي استأثرت به البصرة صاحبة الفضل في وضعه وتعهده في نشأته، والكوفة منصرفة عنه بما شغلها من رواية الأشعار والأخبار والنوادر زهاء١ قرن، اشتغل فيه طبقتان من البصريين بعد أبي الأسود حتى تأصلت أصول منه كثيرة، وعرفت بعض أبوابه. فإن الطبقة الأولى التي أخذت عن أبي الأسود استمرت في تثمير ما تلقته عنه ووفقت إلى استنباط كثير من أحكامه وقامت بقسط في نشره وإذاعته بين الناس وكان من أفذاذ هذه الطبقة عنبسة بن معدان الفيل، ونصر بن عاصم الليثي، وعبد الرحمن بن هرمز، ويحيى بن يعمر العدواني، ولم يدرك أحد من رجال هذه الطبقة الدولة العباسية.

стр. 30

ويغلب على الظن أن ما تكون من نحو هذه الطبقة -فضلا عن قلته- كان شبه الرواية للمسموع، فلم تنبت بينهم فكرة القياس، ولم ينهض ما حدث في عهدهم من أخطاء إلى إحداث ثغرة خلاف بينهم لقرب عهد القوم بسلامة السليقة، كذلك لم تقو حركة التصنيف بينهم فلم يؤثر عنهم إلا بعض نتف في مواطن متفرقة من الفن لم تبلغ حد الكتب المنظمة إذ كان جل اعتمادهم على حفظهم في صدروهم ورواياتهم بلسانهم، وزعم بعض المؤرخين أن أستاذها أبا الأسود قد وضع مختصرا على ما تقدم بيانه. أما الطبقة الثانية التي كانت أكثر عددا من سابقتها فقد كانت أوفر منها حظا في هذا الشأن، إذ وطأت لها سبيله فازدادت المباحث لديها، وأضافت كثيرا من القواعد، ونشأت حركة النقاش بينها فجدت في تتبع النصوص واستخراج الضوابط ما هيأ لها وقتها، واستطاعت التصنيف فدونت فيه بعض كتب مفيدة. وكان من المشار إليهم فيها عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي الذي يقول فيه أبو الطيب: "وكان يقال عبد الله أعلم أهل البصرة وأعقلهم ففرع النحو وقاسه"١ وكان يخطئ الفرزدق كثيرا حتى هجاه، وستعرف تفصيل ذلك في ترجمته بمشيئة الله تعالى، "وعيسى بن عمر الثقفي صاحب الكتابين في النحو: الجامع والإكمال " وقد نوه عن فضلهما الخليل بن أحمد بقوله: ذهب النحو جميعا كله ... غير ما أحدث عيسى بن عمر ذاك إكمال وهذا جامع ... فهما للناس شمس وقمر وأبو عمرو بن العلاء صاحب التصانيف الكثيرة على ما ستعرف في ترجمته، ورجال هذه الطبقة أظلتهم الدولة العباسية جميعا خلا عبد الله بن أبي إسحاق الذي مات سنة ١١٧هـ٢.

стр. 31

لم ينقض هذا الطور حتى وفق العلماء إلى وضع طائفة كبيرة من أصوله بعثتهم إلى التزيد فيها، فاختمرت بينهم فكرة التعليل التي كان أول متجه لها ابن أبي إسحاق، كما أنه أول من نشط للقياس، وأعمل فكره فيه وخرج مسائل كثيرة عليه، ووافقه عليه عيسى بن عمر، وخالفهما بعض معاصريهما فانفسح ميدان القول في هذا العلم وأنس الناس به وتداولوه في كتبهم التي كانت تساير روح هذا العهد فقد كانت مزيجا من النحو والصرف واللغة والأدب وما إلى ذلك من علوم اللغة العربية لأن هذه الفروع كانت متداخلة آخذا بعضها بحجز بعض لقرب الوشيجة بينها في الغرض والمقصد، فكان الأديب حينذاك نحويا صرفيا لغويا، والنحوي أديبا لغويا صرفيا وهكذا، يحملنا على هذا ما روي لنا عنهم في نقاشهم ومحاوراتهم وإن لم تصلنا مؤلفاتهم التي طارت بها عواصف الأيام، ونالها ما نال أربابها من الزوال، وصدق المتنبي في قوله: تتخلف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع نعم، أخذت هذه الفروع تمتاز بعضها من بعض في البحث والتدوين من أوائل الطور تدريجيا حتى اشتهر بعض العلماء بالنحو وأشير إلى آخر باللغة ودواليك.

стр. 32

الثاني: طور النشوء والنمو: هذا الطور من عهد "الخليل بن أحمد البصري، وأبي جعفر محمد بن الحسن الرؤاسي" إلى أول عصر "المازني البصري وابن السكيت الكوفي". فهذا الطور مبدأ الاشتراك بين البلدين في النهوض بهذا الفن والمنافسة في الظفر بشرفه، فقد تلاقت فيه الطبقة الثالثة البصرية برئاسة الخليل، والأولي الكوفية بزعامة الرؤاسي، وكذا بعدهما طبقتان من كل من البلدين فوثب هذا الفن وثبة حيي بها حياة قوية أبدية بعد، وكان هذا الطور حريا أن يسمى طور النشوء والنمو. ونقصد الآن بالنحو معناه العام الذي يشمل مباحث الصرف لأن مباحث رجال الطور الماضي كانت منصرفة حول أواخر الكلمات كما عرف عنهم بخلاف رجال هذا الطور، فإنهم قد اتجهت أنظارهم إلى مراعاة أحوال الأبنية أيضا، فقد راعهم ما اعتورها من خطأ يجب درؤه، وذلك أنهم ما حاولوا صون الكلام من غوائل اللحن في أطرافه إلا ضنا به ألا ينهض بالإفادة والاستفادة المقصودتين منه، ورعاية أواخر الكلمات بقوانين النحو، وإن كفلت دفع اللحن عن الكلام وأصلحت هيكله الصورى للتأدية العامة إلا أن تلك التأدية لا تتم فيه إلا إذا سلمت جواهر أجزائه التي يتقوم بها، وما تأخرت ملاحظتها لهذا الحين إلا لقلة العثرات فيها بالإضافة إلى العثرات التي كانت تعترض الكلام في أواخر أجزائه، ولأن الخطأ فيها لا يذهب بالمعنى المقصود للمتكلم كالخطأ في أواخر الكلمات، كما لمست هذا في سبب وضع النحو. فمن هذا الحين ظهرت مباحث الصرف في طي كتب النحو وشغلت منها فراغا وعم الأمرين اسم النحو، واستمر هذا الاندماج طويلا من الزمن حتى تدوول في بعض كتب المتأخرين، ولذا عرف بعضهم النحو بأنه: علم يعرف به أحوال الكلم العربية إفرادا وتركيبا ليشمل الأمرين. نعم قد تقلص عن كتاب النحو من أوائل هذا الطور ما لا يتصل به هذا الاتصال الوثيق كمباحث اللغة والأدب والأخبار ولا ريب أن للصرف من بين سائر علوم اللغة العربية قرابته الدنيا بالنحو، على أن الخليل وهو غرة جبين هذا الطور قد جمع بين اللغة والنحو فإنه ذكر في كتاب العين الذي هو الأساس لكتب اللغة فيما نعلم مقدارا كبيرا من النحو. ابتدأ هذا الطور وأخذت العلماء في كتب النحو ومباحثه سمتا آخر غير

стр. 33

ما اتجهوا إليه في الماضي على ما عرفت ونشطوا في التقصي، والاستقراء للمأثور عن العرب وفي إعمال الفكر واستخراج القواعد، وكان مبعث ذلك النشاط هو التنافس البلدي الذي عرض إبان هذا الطور فرام كل من أهل البلدين "البصرة والكوفة" ظفرا على الآخر، فالخليل بعد أن جاب بوادي الحجاز ونجد وتهامة مواجها العرب في صحرائها مستمعا لأحاديثها يعود إلى البصرة، ويستجمع كل ما سمع ويشحذ ذهنه الحاد ويفرغ للبحث عن لآلئ هذا الفن من بحر علمه العميق حتى جمع أصوله وفرع تفاريعه وضم كل شيء إلى لِفْقِهِ، وساق الشواهد وعلل الأحكام وبلغ في ذلك غاية محمودة فاقت كل من سبقه، بيدَ أنه اكتفى عن تدوينه موسوعة فيه بطلبته الذين كان يملي عليهم، وممن حمل الراية في البصرة مع الخليل يونس إلا أنه قصر مجهوده على التلقي عنه ونصب نفسه للإفادة فكانت له حلقات دراسة يؤمها القاصي والداني من فصحاء الأعراب وأهل العلم، وكان له في النحو أقيسة ومذاهب خاصة تفرد بها. ولقد عاصرهما الرؤاسي الكوفي شيخ الطبقة الأولى الكوفية، فإنه بعد اشتراكه معهما في التلقي عن الطبقة الثانية البصرية يمم الكوفة وألقى عصاه فيها وقد ألفى عمه معاذ بن مسلم الهراء الذي كان أقدم منه سنا يزاول هذا العلم، إلا أنه كلف بالبحث عن الأبنية والتمارين إلى أن غلبت عليه الناحية الصرفية التي التفت إليها الكوفيون واستنبطوا للصرف كثيرا من القواعد التي سبقوا بها البصريين، حتى عدهم المؤرخون الواضعين للصرف، إذ كان الصرف عند البصريين، حتى عدهم المؤرخون الواضعين للصرف، إذ كان الصرف عند البصريين في المحل الثاني، ولم يكف ذلك الكوفيين في دفع التخلف اللاحق بهم على ما فاتهم من شرف النحو فتهالكوا عليه وتزاحموا بالمناكب شأن المفرط الذي يحاول تلافي خطئه، فظهرت فيهم علماء وانبعثت فيهم فكرة التأليف، وكان أول مؤلف تداولوه بينهم كتاب "الفيصل" للرؤاسي. روى ابن النديم وغيره "وقال الرؤاسي: بعث الخليل إلي يطلب كتابي فبعثت به إليه فقرأه، وكل ما في كتاب سيبويه"، "وقال الكوفي كذا فإنما

стр. 34

يعني الرؤاسي"١. تكون على يد الإمامين الخليل ومن معه من البصريين، والرؤاسي ومن معه من الكوفيين بكل من البلدين مدرسة خاصة لها علم تنحاز إليه كل فرقة، وتتابعت الطبقات المتعاصرة من كلا البلدين. فسطع في سماء البصرة نجوم متألقة تألف منها عقد الطبقة الرابعة بزعامة سيبويه الذي وُهب ملكة التصنيف والتنسيق، فأبدع كتابه على مثال لم يسبق إليه، ولم يدع للمتأخرين استدراكا عليه، وكان يعاصرها الطبقة الثانية الكوفية التي كان يقودها الكسائي الذي لم يأل جهدا حتى أخرج للناس مؤلفات استفادوا منها، وشد من أزره إقبال الدنيا عليه بعد اتصاله بالخلفاء والأمراء ببغداد، فاعتد٢ للكوفيين فيها متكأ وسعى سعيه حتى كون من الكوفيين جبهة قوية ثبتت أمام الجبهة البصرية ووقفت منها موقف الند للند، فإنه الذي يعتبر بحق المؤسس للمذهب الكوفي، ولولا هو لذهبت ريحهم ولما خفقت بنودهم٣ على بغداد التي عطفت عليهم من هذا الحين، ورفعت شأنهم، فاستفز ذلك البصريين لمناصبتهم أشد العداء وإشهار سلاح الخصام في وجوههم، وما زال كل من البلدين جد حريص على حوز قصب السبق رغبة في التغلب وحرصا على الإزراء بالآخر وتفانيا في الدنو من العباسيين، فاتسعت رواياته واستفاض تعليمه بين الدهماء٤ وازدادت تآليفه. فالأخفش البصري شيخ الخامسة يصنف ويذيع على الناس ما أوتيه من علم، ومعاصره الفراء الكوفي أستاذ الثالثة تغمره عطايا المأمون وتحفزه إلى نشر العلم، وتتيح له أن يدون طوال الكتب التي راجت في بغداد والكوفة.

стр. 35

كل ذلك بفضل المناظرة التي بدأت هادئة أول الأمر بين البلدين على يد الخليل والرؤاسي، ثم اشتدت على مرور الأيام، وكان لها أثرها الفعال، إذ كانت وقودا صالحا لإشعال نار الاجتهاد والدأب على استكمال ما بقي من مواد هذا الفن، فحمي وطيسها في غضون هذا الطور، واندلع لهيبها إلى نهاية الطور الثالث فصلي بنارها كثير من جلة البصريين١ وقليل من الكوفيين، وسنذكر لمحة عنها إن شاء الله تعالى بعد إتمام الكلام على هذين الطورين "البصريين والكوفيين" فإنه عند تلاقي الفريقين ببغداد وابتداء الطور الرابع الجديد قد انطفأت نار العصبية البلدية واختبى أوارها، فلم تك مناظرات بصرية وكوفية. وقصارى القول أنه لم ينصرم هذا الطور حتى قطع النحو شوطا كبيرا شارف فيه النهاية فأرهفت له الأسماع وكثرت فيه المؤلفات التي أزيل منها ما ليس من فن النحو، وإن كان التصريف ما لبث مندسا فيه عند البصريين، فإن كتابه سيبويه وهو البقية الباقية بأيدينا من مؤلفات هذا الطور، والمرآة التي تنكشف بها صورة التأليف فيه قد جمع بين الفنين. ولقد بهر العلماءَ أمر هذا الكتاب إذ قصرت هممهم عن مطاولته حينا من الدهر، فلم يروا إلا الطواف حوله تعليقا عليه في النواحي المختلفة شرحا واختصارا وانتقادا واستدراكا وردا وإعرابا للشواهد، وكان لذلك أثره في استبقاء الفنين معا بحثا وتصنيفا مدة مديدة عند كثير من العلماء الذين انتضوا للتأليف٢ في كتبهم الخاصة بعد فاحتذوا حذو سيبويه ومزجوا بينهما، واستمر ذلك طويلا حتى تخطى "ابن مالك" لمن بعده. أما الكوفيون فقد ألفوا في بعض أبواب الصرف كتبا خاصة اعتناء بشأنها، لكن لم تصل تآليفهم إلى حد يجعل الصرف منفردا عن النحو بالتأليف، صنف الرؤاسي كتاب التصغير، والكسائي كتاب المصادر والفراء كتاب فَعَلَ وأَفْعَلَ، مع هذا فإن النحو قد طفق يتخلص من الصرف ويستقل الصرف بالتأليف في مستهل الطور الآتي على ما سترى.

стр. 36

الثالث: طور النضوج والكمال "بصري كوفي" هذا الطور من عهد أبي عثمان المازني البصري إمام الطبقة السادسة ويعقوب ابن السكيت الكوفي إمام الرابعة، إلى آخر عصر المبرد البصري شيخ السابعة، وثعلب الكوفي شيخ الخامسة. لقد هيأ الطور السالف لهذا الطور الكمال والنضوج بفضل ما بذل رجاله من جهد مضن كان له الأثر الناجع في تخريج جمهرة من العلماء امتاز بها من هذا الطور عن سابقيه في كلا البلدين. ولقد شمر الجميع عن ساعد الجد ونزلوا الميدان تسوقهم العصبية البلدية، وكان حادي عيسهم في البصرة أبا عثمان المازني، وأبا عمر صالح الجرمي، وأبا محمد التوزي، وأبا علي الجرمازي، وأبا حاتم السجستاني، والرياشي، والمبرد وغيرهم وفي الكوفة يعقوب بن السكيت، ومحمد بن سعدان، وثعلبا والطوال وغيرهم، وكثيرا ما جمعت الفريقين بغداد بين حين وآخر على تعصب كلٍّ لمذهبه وانتقال هذا التعصب لمن يشايعهما، فكانت مناظرات وإفحامات تقض المضاجع وتحز في النفوس، حتى تلاقيا أخيرا وتوطنا بغداد على ضغن في القلوب أذهبه تعاقب الأيام وانقراض المتنافسين شيئا فشيئا. كل ذلك دعاهم إلى الانهماك والنشاط، فأكملوا ما فات السابقين وشرحوا مجمل كلامهم، واختصروا ما ينبغي وبسطوا ما يستحق، وهذبوا التعريفات وأكملوا وضع الاصطلاحات، ولم يدعوا شيئا منه إلا نظروه ولا أمرا من غيره إلا فصلوه، فخلص النحو من الصرف الذي بقي وحده متمسكا به في التأليف إلى أول هذا الطور. وأول من سلك هذا السبيل المازني فقد ألف في الصرف وحده وشق

стр. 37

ذلك الطريق لمن بعده، ومن هذا الحين تشعبت مسالك التأليف في العلوم العربية، فمن مؤلف في النحو وحده، ومن مصنف في الصرف وحده، ومن خالط بينهما، وقد رعى العهد القديم المبرد في كتابه الكامل الذي جمع فيه من كل دوحة غصنا، فبينما يسبح في الأخبار إذا هو يوافيك بالتحقيق اللغوي، ثم إذا هو يباغتك بالإشكالات الغريبة في النحو والتحقيقات الممتعة في الصرف ولا تكاد تنتهي منها حتى يطل عليك بالأدب الطريف، إلا أن ذلك النهج قليل تلقاء ما كثر من مؤلفات مستقلة بالفروع العربية بعد تمييزها، وكان أكثرها مصنفات فن النحو الذي قد تحولت لهجات التصنيف فيه عن ذي قبل بما وضع فيها من العبارات التأليفية والمصطلحات النحوية التي بقيت خالدة في كتب النحاة إلى يومنا هذا، وإنا لنرى ذلك واضحا عند الموازنة بين كتاب سيبويه وبين مخلفات هذا الطور. لم ينسلخ هذا الطور حتى فاضت دراساته في المدن الثلاث: "البصرة، والكوفة، وبغداد" وما يصاقبها١، واغترف الجميع من منهله، وبذلوا الجهود الجبارة في استكماله، والإحاطة بجميع قواعده -وكان لهم ما أرادوا- فاستوى النحو قائما على قدميه ومثلت صورته بارزة للجميع وامتازت شخصيته وأوفى على الغاية التي ليس وراءها نهاية لمستزيد ولا مرتقى لذي همة، فتمت أصوله وانتهى الاجتهاد فيه بين الفريقين على يدي الإمامين: المبرد خاتم البصريين، وثعلب خاتم الكوفيين. روى ياقوت: "قال لي أبو عمر الزاهد: سألت أبا بكر بن السراج، فقلت: أي الرجلين أعلم أثعلب أم المبرد؟ فقال: ما أقول في رجلين العالم بينهما"٢. وكان بين الإمامين ما بين المتعاصرين من الإحن والأضغان، ولكل

стр. 38

منهما شيعته وأنصاره، والعيون لهما رامقة، فكانت المناظرات بينهما دائبة، والغلب بينهما سجالا، ورحمة الله على الجميع. كانت نهاية هذا الطور الثالث "طور النضوج والكمال" في أخريات القرن الثالث الهجرى بعد أن توافد الفريقان على بغداد أرسالا١ وهجرا المصرين٢ عندما كثرت فيهما الاضطرابات، وتوالت المحن من الزط٣ والقرامطة٤ والزنوج وعدا عليهما حدثان الدهر بعد أن أبليا في سبيل هذا العلم بلاء حسنا خلده لهما الدهر في صحائفه، ومع ذلك فقد ظلت الحزبية قائمة إلا أنها آخذة في الاضمحلال فإن توحيد الوطن بينهما واتصالهما بالخلفاء والأمراء والشعب البغدادي عاملان على تقويض دعائم الخلاف بينهما. وإنه لما يجمل بنا هنا أن نذكر كلمة موجزة تتعلق بالطورين الأخيرين "الثاني والثالث" نعرض فيها بعض المناظرات والمجالسات النحوية التي جرت بين البلدين فإنها حدثت فيهما فكانت سببا في آثارها المترتبة عليها.

стр. 39

كلمة في مناظرات الطورين "الثاني والثالث " مدخل ... كلمة في مناظرات الطورين "الثاني والثالث": إن المتتبع لتراجم رجال الطورين في البلدين يرى أن كل واحد منهم قد خب فيها ووضع، وأن المشادة بين الفريقين ما فترت حينا، إذ كانت تثيرها الرغبة في الوصول إلى الحقائق والاعتزاز بالنفس والعصبية للبلد والنمط العلمي، والطمع في نائل الخلفاء والأمراء الذين "أسهموا" بقسط قيم فيها، وكان أغلبها على أيديهم أو على كثب منهم، وحكموا في كثير منها فنصروا وخذلوا ورفعوا وخفضوا، كان لذلك كله أثره في زج العلماء بأنفسهم في هذه المعمعة التي كان يأمل كل واحد فيها أن يكون المجلي، لأن هذا العلم حينذاك لما ينضج في أغلب مسائله، ولم يتخذ شكلا ولا صورة ثابتة يقف أمامها كل رائد مكتوف اليد، بل كان يبدو لكل ما لا يلمحه الآخر، وحجة هذا تناهض دليل ذاك لاختلاف الروايات وتفاوت المسموعات وتنوع العصبيات، ولقد تطاير شررها من الخارج إلى الداخل فكانت مناظرات بين البصريين أنفسهم والكوفيين أنفسهم. إن المناظرات تصير حيث يصير العلم وحيث يصير العلماء، فحب الغلبة جبلي في الإنسان في مظاهر الحياة المختلفة، فكيف العلم الذي هو أنبل الغايات وأسمى المقاصد؟ نعم إذا كان مبعث المناظرات محض العلم فحبذا الغرض والمطلب، لكنها فيما نحن فيه قد شيبت بالعصبية، فكانت حربا ضروسا غير أنها محمودة المغبة على كل حال لما تسفر عنه من نتائج القرائح المكنونة، فما نعمت اللغة وغنيت إلا من هذا السجال العلمي و"عند الصباح يحمد القوم السرى"١.

стр. 40

من مناظرات الطور الثاني: إن مناظرات الطور الثاني على كثرتها كان قطب رحاها في الكوفيين الكسائي؛ إذ كان دريئتهم وحامي حقيقتهم فنازل الأصمعي وسيبويه واليزيدي وغيرهم ولنقتصر في هذا الطور على ثلاث منها. بين الكسائي والأصمعي: روى الزجاجي في أماليه: "وكان الكسائي والأصمعي بحضرة الرشيد، وكانا ملازمَيْن له يقيمان بإقامته ويظعنان بظعنه، فأنشد الكسائي: أنَّى جَزَوا عامرا سُوءَيْ بفعلهم ... أم كيف يُجْزُونَنِي السُّوءَي من الحَسَن أم كيف ينفع ما تعطي العلوقُ به ... رئمان أنفِ إذا ما ضَنّ باللبن فقال الأصمعي: إنما هو رئمان أنفَ بالنصب، فقال له الكسائي: اسكت ما أنت وذاك؟ يجوز بالرفع والنصب والخفض، أما الرفع فعلى الرد على "ما"؛ لأنها في موضع رفع بينفع فيصير التقدير: أم كيف ينفع رئمان أنفُ، والنصب بتعطي والخفض على الرد على الهاء في به، وقال: فسكت الأصمعي"١.
следующие страницы →