← Указатели

Указатели · id 7328

نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة

محمد الطنطاوي

Полный текст (256 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الثالث: طور النضوج والكمال "بصري كوفي" هذا الطور من عهد أبي عثمان المازني البصري إمام الطبقة السادسة ويعقوب ابن السكيت الكوفي إمام الرابعة، إلى آخر عصر المبرد البصري شيخ السابعة، وثعلب الكوفي شيخ الخامسة. لقد هيأ الطور السالف لهذا الطور الكمال والنضوج بفضل ما بذل رجاله من جهد مضن كان له الأثر الناجع في تخريج جمهرة من العلماء امتاز بها من هذا الطور عن سابقيه في كلا البلدين. ولقد شمر الجميع عن ساعد الجد ونزلوا الميدان تسوقهم العصبية البلدية، وكان حادي عيسهم في البصرة أبا عثمان المازني، وأبا عمر صالح الجرمي، وأبا محمد التوزي، وأبا علي الجرمازي، وأبا حاتم السجستاني، والرياشي، والمبرد وغيرهم وفي الكوفة يعقوب بن السكيت، ومحمد بن سعدان، وثعلبا والطوال وغيرهم، وكثيرا ما جمعت الفريقين بغداد بين حين وآخر على تعصب كلٍّ لمذهبه وانتقال هذا التعصب لمن يشايعهما، فكانت مناظرات وإفحامات تقض المضاجع وتحز في النفوس، حتى تلاقيا أخيرا وتوطنا بغداد على ضغن في القلوب أذهبه تعاقب الأيام وانقراض المتنافسين شيئا فشيئا. كل ذلك دعاهم إلى الانهماك والنشاط، فأكملوا ما فات السابقين وشرحوا مجمل كلامهم، واختصروا ما ينبغي وبسطوا ما يستحق، وهذبوا التعريفات وأكملوا وضع الاصطلاحات، ولم يدعوا شيئا منه إلا نظروه ولا أمرا من غيره إلا فصلوه، فخلص النحو من الصرف الذي بقي وحده متمسكا به في التأليف إلى أول هذا الطور. وأول من سلك هذا السبيل المازني فقد ألف في الصرف وحده وشق

стр. 37

ذلك الطريق لمن بعده، ومن هذا الحين تشعبت مسالك التأليف في العلوم العربية، فمن مؤلف في النحو وحده، ومن مصنف في الصرف وحده، ومن خالط بينهما، وقد رعى العهد القديم المبرد في كتابه الكامل الذي جمع فيه من كل دوحة غصنا، فبينما يسبح في الأخبار إذا هو يوافيك بالتحقيق اللغوي، ثم إذا هو يباغتك بالإشكالات الغريبة في النحو والتحقيقات الممتعة في الصرف ولا تكاد تنتهي منها حتى يطل عليك بالأدب الطريف، إلا أن ذلك النهج قليل تلقاء ما كثر من مؤلفات مستقلة بالفروع العربية بعد تمييزها، وكان أكثرها مصنفات فن النحو الذي قد تحولت لهجات التصنيف فيه عن ذي قبل بما وضع فيها من العبارات التأليفية والمصطلحات النحوية التي بقيت خالدة في كتب النحاة إلى يومنا هذا، وإنا لنرى ذلك واضحا عند الموازنة بين كتاب سيبويه وبين مخلفات هذا الطور. لم ينسلخ هذا الطور حتى فاضت دراساته في المدن الثلاث: "البصرة، والكوفة، وبغداد" وما يصاقبها١، واغترف الجميع من منهله، وبذلوا الجهود الجبارة في استكماله، والإحاطة بجميع قواعده -وكان لهم ما أرادوا- فاستوى النحو قائما على قدميه ومثلت صورته بارزة للجميع وامتازت شخصيته وأوفى على الغاية التي ليس وراءها نهاية لمستزيد ولا مرتقى لذي همة، فتمت أصوله وانتهى الاجتهاد فيه بين الفريقين على يدي الإمامين: المبرد خاتم البصريين، وثعلب خاتم الكوفيين. روى ياقوت: "قال لي أبو عمر الزاهد: سألت أبا بكر بن السراج، فقلت: أي الرجلين أعلم أثعلب أم المبرد؟ فقال: ما أقول في رجلين العالم بينهما"٢. وكان بين الإمامين ما بين المتعاصرين من الإحن والأضغان، ولكل

стр. 38

منهما شيعته وأنصاره، والعيون لهما رامقة، فكانت المناظرات بينهما دائبة، والغلب بينهما سجالا، ورحمة الله على الجميع. كانت نهاية هذا الطور الثالث "طور النضوج والكمال" في أخريات القرن الثالث الهجرى بعد أن توافد الفريقان على بغداد أرسالا١ وهجرا المصرين٢ عندما كثرت فيهما الاضطرابات، وتوالت المحن من الزط٣ والقرامطة٤ والزنوج وعدا عليهما حدثان الدهر بعد أن أبليا في سبيل هذا العلم بلاء حسنا خلده لهما الدهر في صحائفه، ومع ذلك فقد ظلت الحزبية قائمة إلا أنها آخذة في الاضمحلال فإن توحيد الوطن بينهما واتصالهما بالخلفاء والأمراء والشعب البغدادي عاملان على تقويض دعائم الخلاف بينهما. وإنه لما يجمل بنا هنا أن نذكر كلمة موجزة تتعلق بالطورين الأخيرين "الثاني والثالث" نعرض فيها بعض المناظرات والمجالسات النحوية التي جرت بين البلدين فإنها حدثت فيهما فكانت سببا في آثارها المترتبة عليها.

стр. 39

كلمة في مناظرات الطورين "الثاني والثالث " مدخل ... كلمة في مناظرات الطورين "الثاني والثالث": إن المتتبع لتراجم رجال الطورين في البلدين يرى أن كل واحد منهم قد خب فيها ووضع، وأن المشادة بين الفريقين ما فترت حينا، إذ كانت تثيرها الرغبة في الوصول إلى الحقائق والاعتزاز بالنفس والعصبية للبلد والنمط العلمي، والطمع في نائل الخلفاء والأمراء الذين "أسهموا" بقسط قيم فيها، وكان أغلبها على أيديهم أو على كثب منهم، وحكموا في كثير منها فنصروا وخذلوا ورفعوا وخفضوا، كان لذلك كله أثره في زج العلماء بأنفسهم في هذه المعمعة التي كان يأمل كل واحد فيها أن يكون المجلي، لأن هذا العلم حينذاك لما ينضج في أغلب مسائله، ولم يتخذ شكلا ولا صورة ثابتة يقف أمامها كل رائد مكتوف اليد، بل كان يبدو لكل ما لا يلمحه الآخر، وحجة هذا تناهض دليل ذاك لاختلاف الروايات وتفاوت المسموعات وتنوع العصبيات، ولقد تطاير شررها من الخارج إلى الداخل فكانت مناظرات بين البصريين أنفسهم والكوفيين أنفسهم. إن المناظرات تصير حيث يصير العلم وحيث يصير العلماء، فحب الغلبة جبلي في الإنسان في مظاهر الحياة المختلفة، فكيف العلم الذي هو أنبل الغايات وأسمى المقاصد؟ نعم إذا كان مبعث المناظرات محض العلم فحبذا الغرض والمطلب، لكنها فيما نحن فيه قد شيبت بالعصبية، فكانت حربا ضروسا غير أنها محمودة المغبة على كل حال لما تسفر عنه من نتائج القرائح المكنونة، فما نعمت اللغة وغنيت إلا من هذا السجال العلمي و"عند الصباح يحمد القوم السرى"١.

стр. 40

من مناظرات الطور الثاني: إن مناظرات الطور الثاني على كثرتها كان قطب رحاها في الكوفيين الكسائي؛ إذ كان دريئتهم وحامي حقيقتهم فنازل الأصمعي وسيبويه واليزيدي وغيرهم ولنقتصر في هذا الطور على ثلاث منها. بين الكسائي والأصمعي: روى الزجاجي في أماليه: "وكان الكسائي والأصمعي بحضرة الرشيد، وكانا ملازمَيْن له يقيمان بإقامته ويظعنان بظعنه، فأنشد الكسائي: أنَّى جَزَوا عامرا سُوءَيْ بفعلهم ... أم كيف يُجْزُونَنِي السُّوءَي من الحَسَن أم كيف ينفع ما تعطي العلوقُ به ... رئمان أنفِ إذا ما ضَنّ باللبن فقال الأصمعي: إنما هو رئمان أنفَ بالنصب، فقال له الكسائي: اسكت ما أنت وذاك؟ يجوز بالرفع والنصب والخفض، أما الرفع فعلى الرد على "ما"؛ لأنها في موضع رفع بينفع فيصير التقدير: أم كيف ينفع رئمان أنفُ، والنصب بتعطي والخفض على الرد على الهاء في به، وقال: فسكت الأصمعي"١.

стр. 41

"أي ترفع بدلا من "ما" وتنصب مفعولا لتعطي وتجر بدلا من الهاء في به". بين الكسائي وسيبويه: طمحت نفس سيبويه إلى الشخوص إلى بغداد أملا في الحظوة عند الخلفاء والأمراء، فارتحل إليها وما يدري ما خبأه الغيب له، فرب ساع لحتفه، وحق ما قاله خليفة بن براز الجاهلي: والمرء قد يرجو الرجا ... ء مؤملا والموت دونه١ ونزل ضيفا عند يحيى بن خالد البرمكي وزير هارون الرشيد، فاعتزم يحيى الجمع بينه وبين الكسائي بعد أن عرف الرشيد جلية الأمر وعين لذلك يوما في دار الرشيد، فحضر سيبويه أولا وتلاقى مع الفراء والأحمر تلميذي الكسائي فسألاه وخطاه في الإجابة وأغلظا له في القول، ويطول بنا الكلام ونخرج عن المقصود لو عرضان لهذه الأسئلة وما أجيب به عنها وكل ذلك معروف في كتب النحو المبسوطة، فقال لهما: لست أكلمكما حتى يحضر صاحبكما، يعني شيخهما الكسائي، جاء الكسائي وغصت الدار بالحضور على مشهد من يحيى وابنه جعفر ثم بدأ الكسائي الحديث وقال لسيبويه: تسألني أو أسالك؟ فقال سيبويه: سل أنت، فقال له: "هل يقال كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور، فإذا هو هي، أو يقال مع ذلك فإذا هو إياها؟ " فقال سيبويه: "فإذا هو هي" ولا يجوز النصب، فسأله عن أمثال ذلك نحو: "خرجت فإذا عبد الله القائم أو القائم"، فقال كله بالرفع، فقال الكسائي: "العرب ترفع ذلك وتنصبه"، واحتدم الخلاف بينهما طويلا، فقال يحيى: قد اختلفتما وأنتما رئيس بلديكما فمن يحكم بينكما؟ فقال الكسائي هؤلاء العرب ببابك وفدت عليك من كل صقع٢ وقد قنع بهم أهل

стр. 42

المصرين، يحضرون ويسألون، فقال يحيى قد أنصفت، واستدعاهم فتابعوا الكسائي فأقبل الكسائي على سيبويه وقال له: قد سمع أيها الرجل، فاستكان سيبويه عند ذلك وانقبض خاطره، فقال الكسائي ليحيى: أصلح الله الوزير، إنه قدم إليك راغبا فإن أردت أن لا ترده خائبا، فرق له يحيى وجبر كسره، فخرج من بغداد وتوجه تلقاء فارس يتوارى من الناس من سوء ما لحقه، ولم يقدر أن يعود إلى البصرة، وقد كان إمامها غير منازع، فمات غما بفارس في ريعان شبابه، وقال قرب احتضاره متمثلا: يؤمل دنيا ليبقى بها ... فمات المؤمل قبل الأمل حثيثا١ يروي أصول النخيل ... فعاش الفسيل ومات الرجل وقد رويت هذه المناظرة على صور مختلفة، ويرى جمهرة العلماء أن إصبع السياسة لعبت دورا كبيرا في هذه الحادثة الخطيرة، لأنها حكم بين البلدين لا بين الرجلين، وما وافقت العرب الكسائي إلا لعلمهم أنه ذو حظوة عند الرشيد وحاشيته، وهم على يقين من أن الحق مع سيبويه، على أنه روي أنهم قالوا: القول قول الكسائي بإيعاز رجال الدولة ولم ينطقوا بالنصب إذ لا تطاوعهم ألسنتهم، ولذا طلب سيبويه أمرهم بالنطق بها لكنه لم يستمع له. قال "الروداني": "والذي لا ينبغي أن يشك فيه أن ذلك إذا ترك العربي وسليقته، أما لو أراد النطق بالخطأ أو بلغة غيره فلا يشك في أنه لا يعجز عن ذلك، وقد تكلمت العرب بلغة الحبش والفرس واللغة العبرانية وغيرها، وأبو الأسود عربي وقد حكى قول ابنته لأمير المؤمنين علي: ما أشد الحر بالرفع فقول سيبويه في قصته مع الكسائي في مسألة "كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي": مرهم أن ينطقوا بذلك، لا بد من تأويله، كأن يقال المراد من لم يسمع مقالة الكسائي ولم يدر القصة أو نحو ذلك مما يقتضي نطقهم على سليقتهم الذي هو المعيار"٢.

стр. 43

وبعد: فإن الحق مع سيبويه، والقرآن الكريم أصدق شاهد له، يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ ١ وعلى نمط هذه الآية آي كثيرة، ولو ثبت النصب لكان خارجا عن القياس واستعمال الفصحاء، ولذا تمحل النحويون في تخريج هذا النصب على أوجه ثم تعقبوها، ذكر بعضها الرضي في شرح الكافية باب الظروف، وأفاض القول فيها الأعلم الشنتمري، ونقل كلامه المقري في نفح الطيب في فصل برأسه في الجزء الثاني عنوانه "المسألة الزنبورية" وأجاد التفصيل لها ابن هشام في المغني الباب الأول مبحث "إذا" فذكر خمسة مع التعقيب على كل وجه بما يفنده، وخلاصة هذه الأوجه: الأول: أن الظرف وهو "إذا" نصب الضمير لأن فيه معنى وجدت، والثاني: أن الضمير المنصوب استعير من مكان ضمير الرفع، والثالث: أن الضمير مفعول به والأصل: فإذا هو يساويها ثم حذف الفعل فانفصل الضمير، والرابع: أن الضمير مفعول مطلق والأصل: فإذا هو يلسع لسعتها ثم حذف الفعل والمضاف، والخامس: أن الضمير منصوب على الحال من الضمير في الخبر المحذوف والأصل: فإذا هو ثابت مثلها ثم حذف المضاف فانفصل الضمير، وقد جمع هذه الأوجه الخمسة مع الاختصار أحمد بن الحسن الجوهري المتوفى سنة ١١٨٢هـ في هذا النظم: وفي ضمير النصب تاليا إذا ... تعدد التوجيه فادر المأخذا مفعولها أو نائب المرفوع ... أو نصبه بفعله المقطوع أو أنه مفعول فعل مطلقا ... أو معرب حالا أنيب فارتقى٢ ولخطورة هذه المناظره نوهت عنها أغلب كتب الأدب والتراجم والتاريخ فقد ذكرت في أمالي الزجاجي كما ذكرت في ترجمة سيبويه في طبقات الزبيدي والفهرست ونزهة الألبا ووفيات الأعيان ومعجم الأدباء وأنباه الرواه غير

стр. 44

أنها ذكرت مرة أخرى في معجم الأدباء ترجمة الكسائي وقد نوه عنها حازم الأنصاري القرطاجني في منظومته النحوية المشهورة معترفا لسيبويه في الأشباه والنظائر أول الفن السابع "فن المناظرات والمجالسات إلخ". ولئن ظفر الكسائي بسيبويه في هذه المناظرة ظلما لقد ثئر له منه على يد اليزيدي في المناظرة الآتية التي انحدر فيها الكسائي. بين الكسائي واليزيدي: قال العسكري: "اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد، فجرت بينهما مسائل كثيرة، فقال له اليزيدي: أتجيز هذين البيتين؟ ما رأينا خربا نـ ... ـقر عنه البيض صقر لا يكون العير مهرا ... لا يكون، المهر مهر فقال الكسائي: يجوز على الإقواء، وحقه لا يكون المهر مهرا، فقال له اليزيدي: فانظر جيدا، فنظر ثم أعاد القول، فقال اليزيدي: لا يكون المهر مهرا محال في الإعراب، والبيتان جيدان، وإنما ابتدأ فقال المهر مهر، وضرب بقلنسوته الأرض وقال: أنا أبو محمد، فقال له يحيى بن خالد: خطأ الكسائي مع حسن أدبه أحب إلينا من صوابك مع سوء أدبك، أتكتني ١ قدام أمير المؤمنين وتكشف رأسك؟ فقال إن حلاوة الظفر، وعز الغلبة أذهبا عني التحفظ" ٢. وينبغي للكسائي أن يعبر بالإصراف لا الإقواء اصطلاح العروضيين٣.

стр. 45

من مناظرات الطور الثالث: ومن أشهر المناظرات فيه مناظرات المبرد وثعلب، ولنكتف بواحدة منها بين المبرد وثعلب. اختلف المبرد وثعلب بخضرة الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين -الذي كان ينفق معظم وقته في البحوث العلمية، وكان يهوى المناظرات، فكثر ما جمع له بين علماء الفريقين- البصري والكوفي، في قول امرئ القيس: لها متنتان خظاتا كما ... أكب على ساعديه النمر١ فقال ثعلب: "إنه خظتا" كما يقال غزتا إلا أنه رد الألف التي كانت ساقطة في الواحد لتاء التأنيث الساكنة لما تحركت التاء لأجل ألف التثنية، ومسوغ ذلك ضرورة النظم، وقال المبرد: "إنه خظاتان" فحذف نون المثنى للإضافة إلى "كما" فثعلب يرى أن الكلمة "فعل" وأن الألف الثانية فيها اسم، والمبرد يخالفه في الأمرين فالكلمة "اسم" والألف الثانية حرف علامة المثنى، أما الألف الأولى عندهما فهي لام الكلمة سواء أكانت فعلا كما يرى ثعلب أم اسما كما يرى المبرد، ولما طال تلاحيهما٢ بحضرة الأمير قال ثعلب للأمير: أيصح أن يقال: مررت بالزيدين ظريفي عمرو؟ فيضاف نعت

стр. 46

الشيء إلى غيره، فقال: لا والله ما يقال هذا، ثم التفت إلى المبرد فأمسك ولم يقل شيئا، ثم قام من المجلس مقهورا. قال ياقوت١: "لا أدري لم لا يجوز هذا؟ وما أظن أحدا ينكر قول القائل: رأيت الفرسين مركوبي زيد، ولا الغلامين عبدي عمرو، ولا الثوبين دراعتي٢ عمرو، ومثله مررت بالزيدين ظريفي عمرو، فيكون مضافا إلى عمرو، وهو صفة لزيد، وهذا ظاهر لكل متأمل". وقال القفطي: "قال البصريون والقول ما قاله المبرد، وإنما ترك الجواب أدبا مع محمد بن عبد الله بن طاهر لما تعجل اليمين وحلف: لا يقال هذا"٣. ومع استظهار ياقوت له ونقل القفطي موافقة البصريين له، فالنفس لا تستريح إليه، نعم لا نكران في صحة الأمثلة المنظر بها من ياقوت لكنها ليست مما ينبغي التنظير بها لأنها من قبيل الأبدال لا النعوت فلا تشفع في صحة دعوى المبرد ولهذا قال البغدادي: "وأقول هذه الأمثلة كلها أبدال لا نعوت لعدم الربط". ومن العجب الذي يسترعي النظر أن هذا البيت نفسه قد وقع فيه الخلاف سابقا قبل المبرد وثعلب على هذا النحو بين الكسائي والفراء وكان رأي الكسائي فيه ما قال ثعلب في المناظرة، ورأي الفراء فيه ما قال المبرد فيها، غير أن الفراء اعتبر حذف النون في المثنى لضرورة النظم لا للإضافة كما قال المبرد، وعلى هذا ففي توجيه البيت أقوال ثلاثة، وتخريج الفراء مقبول وإن لزمته ضرورة حذف النون فإن مقابله وهو تخريج الكسائي قد لزمه ضرورة عوم لام الفعل فقد تساوى الرأيان والتكافؤ بينهما قائم، وقد عرض

стр. 47

لهما في البيت ابن يعيش في شرح المفصل قسم الحروف مبحث تاء التأنيث الساكنة وابن هشام في المغني الباب الأول مبحث "كل"، وقد استشهد بالبيت الرضي في شرح الشافية مبحث التقاء الساكنين على نمط رأي الكسائي، وكتب على البيت شارح شواهده البغدادي فأوفاه حقه، ونقل كل ما قيل فيه من خلاف بين الكسائي والفراء ومن مناظرة بين المبرد وثعلب مع الإسهاب المفيد في الشاهد الثالث والثمانين، وموطن العبرة في هذا المقام أن بيتا يحدث فيه خلاف بين السابقين مشهور متعالم تتناقله الكتب أخيرا، ثم تجد في البيت نفسه بعدئذ مناظرة يخفق فيها أحد المتناظرين وتتناقلها كتب أخرى، وبعد إذ يدع العلماء المسألة على أذلالها١ دون تمحيص فيها يتبين منه جلية الأمر، ومن ثم ترى انفساح الميدان للأقاويل والخلافات، وربما لو تكشفت الحقائق الأولى بصورة واحدة وتناولها كل من تناولها وهي هي دون نقص أو زيادة أو تحريف. وتكشفت مع هذا أيضا آراء العلماء بعضهم لبعض لتغير مجرى العلم في كثير من المسائل، وإنك لتأخذ من ذلك مثلا من الأمثال في عدم الوقوف على حقائق المسائل، إذ ليس في وسع كل كاتب ومؤلف أن تكون كل الرغائب في مكنة يده وتحت بصره، فللكاتب بعدئذ العذر فيما يكتب أو يملي، إذ يعتمد على معيار تفكيره ومنطقه وعلى كل حال جزى الله السابقين عن أهل العلم خير الجزاء. هذا ويقرب من المناظرات شأنا، وإن غايرها اتجاها، ما يعرف عند المؤرخين بالمجالسات، ولقد كان يجري فيها التساؤل عرضا، ولذا حرص على تدوينها المتأدبون بل كتبت فيها أسفار خاصة، كمجالس "أبي مسلم، ومجالس ثعلب"، ولنذكر واحدا منها مما جرى في هذا الطور كضرب المثل.

стр. 48

مجالسة الرياشي وثعلب: قال ياقوت: "قال أبو العباس ثعلب: كنت أسير إلى الرياشي لأسمع منه، وكان نقي العلم، فقال لي يوما وقد قرئ عليه: ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سني لمثل هذا ولدتني أمي كيف تقول؟ بازلُ أو بازلَ؟ فقلت: أتقول هذا في العربية إنما أقصدك لغير هذا، يروي بازلُ أو بازلَ: بالرفع على الاستئناف، والخفض على الإتباع، والنصب على الحال، فاستحيا وأمسك"١. وقد نقل هذه المجالسة ابن هشام في المغني، الباب الأول، مبحث: أم. نعم، استشهد ثانيا بهذه الأبيات في الباب الثامن القاعدة الأولى "إعطاء الشيء حكم ما أشبه في اللفظ" على إعطاء الحرف حكم مقاربه في المخرج حتى يقعا رويين، كما في الأبيات٢، كما نقل هذه المجالسة السيوطي في الأشباه والنظائر، الفن السابع، فن المناظرات والمجالسات إلخ، وإيضاح هذا الإعراب أن الرفع على أنه خبر "أنا" محذوفة، والجملة مستأنفة، والخفض على "البدلية من ياء المتكلم بدل كل من كل"، إلا أنه يرد على هذا أن بدل الظاهر من ضمير المتكلم لا يكون إلا حيث تكون الإحاطة والشمول. نعم، إذا جرينا على مذهب الأخفش المبيح للبدلية بدون شرط فلا بأس، والنصب على أنه حال من ياء المتكلم.

стр. 49

وبحسبنا هذا المقدار من المناظرات والمجالسات، ومن أراد أن يتزيد فعليه الرجوع إلى الأشباه والنظائر "الفن السابع، فن المناظرات، والمجالسات والمذكرات، والمراجعات والمحاورات، والمكاتبات، والمراسلات، والواقعات، والفتاوى". بقي علينا أن نعود إلى المقصود بالذات، فنتكلم على ما يتعلق بمشاهير البصريين والكوفيين في طبقاتهما، وأسباب الخلاف بين الفريقين وتغير اتجاهيهما وحكمة تخصص كل منهما باتجاهه، ونتائج هذه الفروق، والموازنة بين المذهبين فإن ذلك متصل بالأطوار الماضية.

стр. 50

مشاهير البصريين والكوفيين: جدير بمن يريد أن يفقه النحو على الوجه المرضي أن يتعرف تاريخ النحاة القدامى، ويقف على طبقاتهم التى انضووا إليها وترتيب هذه الطبقات بحسب الزمن منذ تدوينه إلى منتهى الاجتهاد فيه، وحبذا لو استكمل بمعرفة المتأخرين، إذ بذلك كله تنكشف له تطورات هذا الفن، ويقر في نفسه صحة انتساب القول لقائله، ويدرك وجهة الرد عليه ويتفهم حكمة الموافقة له وعلة مخالفته حتى لكأنه معهم يستمع بنفسه، ويرحل من بلد إلى آخر معهم. ولا جرم أن المعلومات إذا ارتبطت بمعرفة مصادرها رجالا وزمانا ومكانا تلقفتها العقول بالقبول، ورسخت في الحوافظ إذ نفذت إليها من سبيلها المنير، فلا تختلط مسائله، ولا تضطرب الآراء فيه على الطالب حتى يكون كضال في مهمة مشتبه الأعلام مغبر الأرجاء. قال أبو الطيب بعد كلام طويل أنحى فيه باللائمة على من يجهل الرجال وترتيبهم، وسرد كثيرا من الأمثلة في ذلك ما نصه: "ولقد بلغني عن بعض من يختص بهذا العلم ويرويه، ويزعم أنه يتقنه ويدريه، أنه أسند شيئا، فقال عن الفراء عن المازني فظن أن الفراء الذي هو بإزاء الأخفش كان يروي عن المازني١، وحدثت عن آخر أنه روى مناظرة جرت بين ابن الأعرابي

стр. 51

والأصمعي وهما ما اجتمعا قط، وابن الأعرابي بإزاء غلمان الأصمعي، وإنما كان يرد عليه بعده، وحري بمن عمي عن معرفة قوم أن يكون عن علومهم أعمى وأضل سبيلا "١. لهذا سنذكر علماء البصرة والكوفة، فإن هذا العلم إنما نشأ ونما وازدهر فيهما دون غيرهما من سائر الأمصار الإسلامية، فلم يكن بالحجاز ولا بالشام شيء يذكر من النحو واللغة بجانب ما في العراق. أما الحجاز فإن بني أمية قد أغدقوا على أهل المدينة ومكة العطايا المتدفقة من خزائن الشام خشية قيام من بهما من الهاشميين وأبناء الصحابة بالمطالبة بالخلافة ووسعوهم بالحلم حتى أخلدوا إلى التمتع بلذائذ الدنيا، ونبغ فيهم المغنون وأهل القصف٢، وصدفوا عن النظر إلى هذا العلم، واستمر ذلك دأبهم حتى في خلافة العباسيين. وأما الشام فإن دمشق صارت دار الخلافة والملك، وقد عرفت آنفا أن وضع هذا العلم في البصرة، ونشوءه في البصرة والكوفة. قال أبو الطيب: "ولا علم للعرب إلا في هاتين المدينتين، فأما مدينة الرسول ﷺ فلا نعلم بها إماما في العربية، قال الأصمعي: أقمت بالمدينة زمانا ما رأيت بها قصيدة واحدة صحيحة إلا مصحفة أو مصنوعة، وكان بها ابن دأب يضع الشعر وأحاديث السمر وكلاما ينسبه إلى العرب فسقط وذهب علمه وخفيت روايته "وهو عيسى بن يزيد بن بكر بن دأب الكناني، يكنى أبا الوليد وكان شاعرا وعلمه بالأخبار أكثر" وممن كان بالمدينة أيضا علي الملقب بالجمل، وضع كتابا في النحو لم يكن شيئا، وأما مكة فكان بها رجل من الموالي يقال له ابن قسطنطين، شدا شيئا من النحو، ووضع كتابا

стр. 52

لا يساوي شيئا"١. وفي الحق أن العراق وبه "البصرة والكوفة" يجب أن يتقدم البلاد الإسلامية في هذا العلم، إذ كان قبل الفتح الإسلامي موطن العجم، وبعده قد انثال عليه المسلمون من كل صوب، لأنه أخصب البلاد الإسلامية وأنضرها في الصدر الأول، تضامت فيه أسباب رفاهية الحياة ورغد العيش، فاستوطنه العرب والعجم، ونعموا جميعا بخيراته الوفيرة، فظهرت أرزاء اللحن فاشيه فيه، ظهورا لا مثيل له في سائر البلاد، مما تقاضى أهل العلم والمعرفة أن يتلافوا الأمر قبل تفاقمه. يضم إلى هذا أن العراقيين ذوو عهد قديم بالعلوم والتأليف، ولهم خبرة فيهما متوارثة تليدة، وفيهم شغف وميل إلى تعرف الوسائل التي تقوم أود٢ لسانهم وتنقلهم إلى مصاف٣ إخوانهم العرب، فمن هذا وذاك نبتت نابتة هذا الفن في العراق وترعرعت فيه، إذ ما كان على أهله بعد هذا الاقتضاء إلا أن يطبقوا قواعد هذا الفن الحديثة على منوال ما نسجوا عليه قديما في تعاليمهم، وينهجوا فيها على غرار ما ألفوه في نظمهم، وتلك خطة مستطاعة. وإننا حين نريد الحديث عن رجال هذا العلم في العراق فإنما نريد بالعراق: البصرة والكوفة لا بغداد، لأنهما قد تأسستا في فجر الإسلام فكان بهما مولد النحو ومهده ومدرجه، أما بغداد فإن تخطيطها في صدر الدولة العباسية التي اتخذتها مقر خلافتها كما اتخذت الدولة الأموية دمشق مقر خلافتها، فتبوأت بغداد مكانة دمشق، وصارت مدينة الخلافة والملك، كما كانت سالفتها دمشق فلم يتقدم ببغداد الزمن حتى تشاطر أختيها -البصرة والكوفة- مزاولة هذا العلم.

стр. 53

قال أبو الطيب: "وأما بغداد فمدينة ملك وليست بمدينة علم، وما فيها من العلم منقول إليها ومجلوب للخلفاء وأتباعهم"١. وسنبدأ بذكر طبقات البصرة قبل الكوفة إذ إن البصرة كما عرفت استأثرت بهذا العلم زهاء مائة عام، ثم تعاصرتا فكانت الأولى الكوفية والثالثة البصرية، وهكذا حتى الخامسة الكوفية والسابعة البصرية اللتان توطنتا بغداد، ثم كان البغداديون والأندلسيون، والمصريون والشاميون. والنظر في تعاقب طبقة لأخرى يرجع إلى الهيئة العامة فيهما، فربما أخذ واحد أو أكثر من طبقة عن واحد أو أكثر من طبقة سابقة، لا أن يأخذ كل عن كل، فالمنظور إليه المجموع لا الجميع، ولكتاب التراجم في فريقي البصريين والكوفيين مخالفات في عد الطبقات نشأ عنها اختلاف في وضع بعض الرجال ببعضها، ولعل مبعث هذا اللاحق الزمني وتقارب المعاصرة دون حد ظاهر فاصل بين كل طبقة وأخرى، على أنه ليس لهذا الاختلاف من أثر، وأول من صنف الطبقات أبو العباس المبرد وضع كتابه طبقات النحويين البصريين، ثم صنف بعده أبو الطيب اللغوي كتابه مراتب النحويين، ثم ألف بعده السيرافي كتابه أخبار النحويين البصريين، ثم دون بعده الزبيدي كتابه طبقات النحويين واللغويين، ثم صنف بعده الأنباري كتابه نزهة الألبا في طبقات الأدبا، ثم ألف القفطي بعده كتابه إنباه الرواة على أنباه النحاة، ثم اطرد التأليف بعدئذ وظهرت كتب لا حاجة لذكرها، وقد عولنا على ما اشتهر بينهم في الطبقات كما اقتصرنا على مشاهير الرجال في كل طبقة. وقد التزمت مع العلماء الذين جرى التعريف بهم في الكتب النحوية بلقب أو كنية أن أذكر اسمهم الحقيقي مع ما اشتهروا به من كنية أو لقب حتى يسهل على الراغب الكشف على ما يجب الاطلاع عليه منها في كتب التراجم والمعاجم، فإن أغلبها مرتب على حسب الحروف الأبجدية باعتبار

стр. 54

الأسماء أنفسها بينما المعروف الشائع على الألسنة إنما هو هذه الألقاب وتلك الكنى، وهكذا سأصنع مع جميع العلماء الذين سأعرض لهم في هذا الكتاب إن شاء الله. فكم يلاقي الطالب من النصب واللغوب إذا هو حاول تعرف تاريخ واحد من هؤلاء وهو لم يقف على اسمه الحقيقي، فربما ضاع عليه من الوقت الذهبي آناء كان في فسحة عن إضاعتها، وكل طرفه وتصدع رأسه وهو ما يزال ينشد ضالته، وهاك جدولا فيه طبقات الفريقين، تتبين منه إجمالا أسبقية البصريين وانفراد الفريقين بعد الاشتراك، وأشهر العلماء منهما:

стр. 55

هذا وإذا كان الفضل لأبي الأسود وهو جذع هذه الدوحة الفرعاء، فإنا نبدأ به.

стр. 56

أبو الأسود الدؤلي: هو ظالم بن عمرو، من الدئل: بطن من كنانة، كان من سادات التابعين، ورد البصرة من عهد عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- ولبث بها إلى أن تولى بعض العمل فيها لابن عباس -رضى الله عنهما- عامل علي كرم الله وجهه أيام خلافته، ولم يبرحها مع الإيذاء الذي كان يلقاه من عمال بني أمية، وأصهاره الذين كانوا يرجمونه ليلا لما عرف عنه من تشيعه لعلي كرم الله وجهه، يقول من مقطوعة له في زياد: رأيت زيادا صد عني بوجهه ... ولم يك مردودا عن الخير سائله ومن مقطوعة أخرى في ابنه عبيد الله: دعاني أميري كي أفوه بحاجتي ... فقلت فما رد الجواب ولا استمع ويقول في مطلع قصيدة له في أصهاره: يقول الأرذلون بنو قشير ... طوال الدهر ما تنسى عليا كان أعلم عصره بكلام العرب، وله أجوبة مسكتة في أمالي المرتضى المجلس العشرين، وتقدم أنه واضع النحو على الصحيح بتعليم علي كرم الله وجهه، وأول من دون فيه، كما أنه أول من ضبط المصحف بالشكل، أخذ عنه نصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر وغيرهما، توفي ﵀ بالبصرة في الطاعون الجارف سنة ٦٩هـ١.

стр. 57

طبقات البصريين السبع: الطبقة الأولى: ١- نصر بن عاصم الليثي: المتوفى سنة ٨٩هـ. ٢- عنبسة بن معدان الفيل، المهري: لقب بالفيل لأن أباه كان يروض فيلا للحجاج، فغلب عليه اللقب ثم انتقل منه إليه، ولم نقف على تاريخ وفاته إلا أننا نعرف أنه عاصر الفرزدق، فلعل وفاته كانت حول المائة الأولى من الهجرة. "وكان ممن يختلف إلى أبي الأسود لتعلم العربية، ونقل عن الخليل أن أبرع أصحاب أبي الأسود عنبسة الفيل، وأن ميمونا الأقرن أخذ عنهم". ٣- عبد الرحمن بن هرمز، وأبو داود الأعرج: المتوفى بالإسكندرية سنة ١١٧هـ. ٤- يحيى بن يعمر العدواني، أبو سليمان: وهو الذي قال له الحجاج الثقفي يوما: أتسمعني ألحن؟ قال: في حرف واحد، قال في أي؟ قال: في القرآن، قال: ذلك أشنع، ثم قال: ما هو؟ قال: تقول: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فتقرأ "أحبُّ" بالرفع، قال الحجاج: لا جرم أنك لا تسمع لي لحنا بعد هذا ثم ألحقه بخراسان، فولاه يزيد بن المهلب القضاء بها، كان شيعيا، فصيحا بليغا، يستعمل الغريب في كلامه، توفي سنة ١٢٩هـ١. وهؤلاء الأربعة ما منهم إلا من عزي إليه وضع النحو في بعض الروايات وما من شك أن إعجام المصحف بالنقط لدفع التصحيف كان من نصر ويحيى بأمر الحجاج في عهد عبد الملك بعد إعجامه بالشكل لدفع التحريف من أستاذهما أبي الأسود في خلافة معاوية٢.

стр. 58

الطبقة الثانية: ١- ابن أبي إسحاق: هو أبو بحر عبد الله بن أبي إسحاق زيد الحضرمي، البصري، اشتهر بكنية ولده، وكان مولى آل الحضرمي، أخذ عن نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر وجد في هذا العلم حتى بلغ الغاية فيه، سئل عنه " يونس " فقال: "هو والنحو سواء"، كان أول من علل النحو، كما كان شديد التجريد للقياس والعمل به كما سلف. وعاصره "عيسى بن عمر الثقفي"، و"أبو عمرو بن العلاء"، وجمع بينه وبين أبي عمرو بلال بن أبي بردة عامل البصرة من قبل خالد القسري والي العراق لهشام بن عبد الملك، قال: "ابن سلام": "قال أبو عمرو: فغلبني ابن أبي إسحاق بالهمز١، فنظرت فيه بعد ذلك وبالغت فيه". كان كثير السؤال للفرزدق "قال ابن هشام: قد حضر يوما مجلس عبد الله فقال له كيف تنشد هذا البيت: وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر فأنشده "فعولان"، فقال له عبد الله: ما كان عليك لو قلت: فعولين؟ فقال الفرزدق: لو شئت أن أسبح لسبحت ونهض فلم يعرفوا مراده، فقال عبد الله: لو قال فعولين لأخبر أن الله خلقهما وأمرهما، ولكنه أراد أنهما

стр. 59

تفعلان ما تفعل الخمر"١. ثم تدرج الأمر بعبد الله إلى إعنات الفرزدق في شعره نفسه إذ عابه في قوله: وعض زمان يابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلفُ٢ فقال له: بم رفعت " أو مجلف "؟ فقال له: بما يسوءك وبنوءك، علينا أن نقول وعليكم أن تتأولوا، كما عابه في قوله: مستقبلين شمال الشام تضربنا ... بحاصب كنديف القطن منثور على عمائمنا يلقى وأرحلنا ... على زواحف تزجي مخها رير٣

стр. 60

فقال: إنما هو "رير" بالرفع، وإن رفع أقوى، فوجد١ عليه الفرزدق، وقال: أما وجد هذا المنتفخ الخصيين لبيتي مخرجا في العربية؟ أما لو أشاء لقلت: على عمائمنا يلقى وأرحلنا ... على زواحف نزجيها محاسير ولكني والله لا أقوله، ثم هجاه بقوله: ولو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا٢ فقال عبد الله: عذره شر من ذنبه، فقد أخطأ أيضا، والصواب: مولى موال توفي سنة ١١٧هـ٣. ٢- عيسى بن عمر الثقفي البصري: هو أبو عمر مولى خالد بن الوليد، نزل في ثقيف فنسب إليهم، أخذ عن ابن أبي إسحاق وغيره، وكان مولعا بالغريب والتشادق، استودعه بعض أصحاب خالد القسري والي العراق لهشام بن عبد الملك وديعة، فلما نزع خالد عن ولاية العراق وتقلدها يوسف بن عمر الثقفي استدعاه من البصرة لأخذ الوديعة فأنكرها ولما اشتد عليه ضرب السياط جعل يقول: "والله إن كانت إلا أثيابا في أسيفاط قبضها عشاروك"٤، وروي أن الضارب له عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراق من قبل خالد بن عبد الله. وقد لزمته علة من ذلك الضرب بقية حياته، وهو صاحب الكتابين

стр. 61

المشار إليهما سابقا١. توفي سنة ١٤٩هـ. ٣- أبو عمرو بن العلاء: هو زيان بن العلاء بن عمار المازني التميمي، قال ياقوت: "واختلف في اسمه على أحد وعشرين قولا، والصحيح أنه زبان لما روي أن الفرزدق جاء معتذرا إليه من هجو بلغه عنه، فقال له أبو عمرو: هجوت "زبان" ثم جئت معتذرا ... من هجو "زبان" لم تهجو ولم تدع فاعتذر إليه الفرزدق وامتدحه بمقطوعة منها قوله: ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها ... حتى أتيت أبا عمر بن عمار٢ أخذ النحو عن نصر بن عاصم وغيره واشتهر بالقراءات والعربية وأيام العرب ولهجات القبائل. ومن الطريف لهذه المناسبة أن عيسى بن عمر جاءه متعجبا من تجويزه "ليس الطيب إلا المسك" بالرفع، فقال له أبو عمرو: نمت يا أبا عمر وأدلج الناس، ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب، وليس في الأرض تميمي إلا وهو يرفع، ثم أرسلا اليزيدي وخلفا الأحمر للتثبت من العرب، فكان كما أخبر أبو عمرو، فأخرج عيسى خاتمه من يده وقال: ولك الخاتم، بهذا والله فقت الناس٣. لكنه مع هذا لم يخلف أثرا مكتوبا، ذلك أنه لما تنسك أحرقها وتفرد للعبادة، توفي ﵀ في الكوفة عائدا من دمشق سنة ١٥٤هـ٤.

стр. 62

الطبقة الثالثة: ١- الأخفش الأكبر١: هو أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد مولى قيس بن ثعلبة، من أهل هجر أول الأخافشة الثلاثة المشهورين، أخذ عن أبي عمرو بن العلاء وطبقته، ولقي الأعراب فأخذ عنهم. قال الرضي: في شرحه على الكافية باب أسماء الأفعال المنقولة من الظروف: "وسمع أبو الخطاب من قيل له: إليك فقال إلي" وتوفى سنة ١٧٧هـ٢. ٢- الخليل بن أحمد: هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي، الأزدي، ولد بالبصرة، وشب على حب العلم، فتلقى عن أبي

стр. 63

عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر الثقفي وغيرهما، ثم ساح في بوادي الجزيرة العربية، وشافه الأعراب في الحجاز ونجد وتهامة، إلى أن ملأ جعبته ثم آب إلى مسقط رأسه البصرة، واعتكف في داره دائبا على العلم ليله ونهاره هائما بلذته الروحية، فنبغ في العربية نبوغا لم يسبق إليه، وبلغ الغاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو. قال الزبيدي: "وهو الذي بسط النحو ومد أطنابه، وسبب علله، وفتق معانيه، وأوضح الحِجاجَ فيه، حتى بلغ أقصى حدوده وانتهى إلى أبعد غاياته، ثم لم يرض أن يؤلف فيه حرفا أو يرسم منه رسما ترفعا بنفسه وترفعا بقدره إذ كان قد تقدم إلى القول عليه والتأليف فيه، فكره أن يكون لمن تقدمه تاليا، وعلى نظر من سبقه محتذيا، واكتفى في ذلك بما أوحى إلى سيبويه من علمه، ولقنه من دقائق نظره، ونتائج فكره ولطائف حكمته، فحمل سيبويه ذلك عنه، وتقلده وألف فيه الكتاب الذي أعجز من تقدم قبله، كما امتنع على من تأخر بعده"١. وقال السيوطي: "كان أعلم الناس وأذكاهم، وأفضل الناس وأتقاهم"، وقال محمد بن سلام: "سمعت مشايخنا يقولون: لم يكن للعرب بعد الصحابة أذكى من الخليل بن أحمد ولا أجمع"٢. فلا غرو أنه لولا تعهد الخليل النحو في نشأته لبعد عنه طور النضوج والكمال، فللخليل فضل النهوض به كما لأبي الأسود فضل تكوينه، نعم قد اتفقت كلمة العلماء على أن الخليل واضع فن الموسيقى العربية، وواضع علم العروض والقافية، وأول من دون معجما في اللغة بتأليفه "كتاب العين" وله بعدئذ مأثرة الشكل العربي المستعمل الآن، وله مؤلفات أخرى في غير اللغة أيضا.

стр. 64

كان ﵀ في فاقة وزهد لا يبالي الدنيا، بينما الناس محظوظون بها من علمه وكتبه، وجه إليه سليمان بن علي عم أبي العباس السفاح والي فارس والأهواز رسولا لتأديب ولده، فأخرج الخليل إلى الرسول خبزا يابسا وقال: ما دمت أجده فلا حاجة بي إلى سليمان، فقال الرسول: فما أبلغه عنك؟ فقال أبياتا مطلعها: أبلغ سليمان أني عنه في سعة ... وفي غنى غير أني لست ذا مال توفي ﵀ بالبصرة، متأثرا بصدمة في دماغه من سارية سنة ١٧٥هـ على الأصح١. ٣- يونس: هو أبو عبد الرحمن يونس بن حبيب الضبي مولى بني ضبة، أخذ عن أبي عمرو وغيره، وواجه العرب فسمع منهم حتى غدا مرجع الأدباء والنحويين في المشكلات، وكانت له حلقة دراسة في المسجد الجامع بالبصرة يؤمها العلماء والأدباء وفصحاء الأعراب، وله مذاهب خاصة في النحو، منتشرة في كتبه، من ذلك قول سيبويه في باب ما يتقدم فيه المستثني: "وحدثنا يونس أن بعض العرب الموثوق بهم يقولون: "مالي إلا أبوك أحد" فيجعلون أحدا بدلا، كما قالوا: ما مررت بمثله أحد فجعلوه بدلا"، وقول الرضي في الكلام على "ما" الحجازية: "ونقل عن يونس أنه يجوز إعمالها مع انتقاض نفيها بإلا" وله مصنفات كثيرة في غير النحو، قضى حياته ولم يتزوج ولم يتسر، وأخباره مستفيضة في كتب التراجم، توفي بالبصرة سنة ١٨٢هـ.

стр. 65

الطبقة الرابعة: ١- سيبويه: هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر مولى بني الحارث بن كعب، ولقب بسيبويه "رائحة التفاح" لأن أمه كانت ترقصه بذلك في صغره، ولد بالبيضاء "بلد بفارس" من سلالة فارسية، ونشأ بالبصرة ورغب في تعلم الحديث والفقه، إلى أنه لحقه التأنيب ذات يوم بشأن حديث شريف من شيخه حماد البصري، قال ابن هشام: "وذلك أنه جاء إلى حماد بن سلمة لكتابة الحديث، فاستملى منه قوله ﷺ : "ليس من أصحابي أحد إلا ولو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء"، فقال سيبويه: ليس أبو الدرداء، فصاح به حماد: لحنت يا سيبويه إنما هذا استثناء، فقال سيبويه: والله لأطلبن علما لا يلحنني معه أحد، ثم مضى ولزم الخليل وغيره"١. فكما أخذ عن الخليل أخذ عن يونس وعيسى بن عمر وغيرهم، وبرع في النحو حتى بز أترابه فيه، فاحتفى به علماء البصرة التي صار إمامها غير مدافع، وأخرج للناس كتابه الذي أكسبه فخار الأبد، فإنه شاهد صدق على علو كعبه في هذا الفن. كتاب سيبويه: جمع سيبويه في كتابه ما تفرق من أقوال من تقدمه من العلماء كأبي الخطاب والخليل ويونس وأبي زيد وعيسى بن عمر وأبي عمرو بن العلاء وغيرهم في علمي النحو والصرف، إذ كان النحو في ذلك الحين يطلق عليهما واسمه يعمهما، وأكثرهم نقلا عنه الخليل الذي كان لا يمل لقاءه، وأنابه في رواية الفن عنه، فكان كتاب سيبويه سجلا لآراء الخليل في النحو، ولذا كثيرا ما يقول فيه سألت الخليل "وإذا أضمر، وقال: مثلا -سألته- أو حدثني، أو قال لي، إنما يعني الخليل بن أحمد"، وذلك مستفيض في الكتاب، وسأذكر بعض أمثلة للنقل عن غير الخليل. روى عن أبي الخطاب فقال: "حدثنا به أبو الخطاب عن شاعره"٢، وعن يونس فقال: وزعم يونس فقال: "إنه سمع رؤبة يقول: ما جاءت

стр. 66

حاجتك فرفع"١، وروى عنهما فقال: "وذلك قولك هذا عبد الله منطلق حدثنا بذلك يونس وأبو الخطاب"٢، وكثر نقله عن يونس حتى نقل عنه أبوابا برمتها، فقد نقل عن فصلين من التصغير فقال: "وجميع ما ذكرت لك في هذا الباب وما أذكر لك في الباب الذي يليه قول يونس"٣، لأنه كان يطمئن إليه، فكثيرا ما كان يسأله للتثبت عما سمعه من غيره قال: "وزعم عيسى بن عمر أن ناسا من العرب يقولون "إذن أفعل ذاك" في الجواب، فأخبرت يونس بذلك، فقال "لا تبعدنّ ذا"، ولم يكن ليروي إلا ما سمع"٤، وروى عن أبي زيد فقال: "حدثني من أثق بعربيته". فإذا اختلفت أقوال العلماء فإنه يحكيها ويوازن بينها ثم يحكم بالترجيح، ففي باب تحقير بنات الياء والواو إلخ عند الكلام على تصغير أحوى قال: "وأما عيسى فكان يقول "أُحَيٌّ" ويصرف وهذا خطأ. وأما أبو عمرو فكان يقول "أُحَيٍّ". وأما يونس فيقول هذا "أُحَيُّ" كما ترى وهو القياس والصواب" وفي باب ما يحذف من أواخر الأسماء في الوقف وهي الياءات قال: "وسألت الخليل عن القاضي في النداء فقال: أختار "يا قاضي"٥ لأنه ليس بمنون كما أختار هذا القاضي، وأما يونس فقال: يا قاض، وقول يونس أقوى". وقد ضم إلى أقوال هؤلاء العلماء ما استخرجه بنفسه من القواعد اعتمادا على سماعه من العرب الخلص قال: "سمعنا العرب الفصحاء يقولون: انطلقت الصيف"، وقال: "وسمعنا بعض العرب الموثوق به يقال له: كيف أصبحت؟ فيقول: حمدِ الله وثناءٍ عليه"٦، وقال: "إن هذا البيت أنشدناه أعرابي من أفصح الناس وزعم أنه شعر أبيه"٧.

стр. 67

كَوَّنَ سيبويه كتابه من أقوال العلماء ومما استنبطه هو بنفسه، فكان جماع الفن، شاملا كل ما يحتاج إليه طالبه مع الترتيب والتبويب، ولكل عصر طبيعته المتسقة معه، فترتيب الكتاب على غير المألوف في كتبنا المتداولة بين أيدينا، والإسراف في عناوين أبوابه جاوز الحد فقد بلغت عشرين وثمانمائة، مع الغموض الذي لا يفصح عن المقصود لأول وهلة ومع التداخل في كثير من الأبواب، فمن ذلك على سبيل المثال باب البدل فقد قال: "هذا باب من الفعل يستعمل في الاسم ثم تبدل مكان ذلك الاسم إلخ، هذا باب من الفعل يبدل فيه الآخر من الأول إلخ، باب المبدل من المبدل منه، باب بدل المعرفة من النكرة إلخ، باب من البدل أيضا"١، وبعض عباراته الاصطلاحية حلت بدلها عبارات أخرى عندنا، ونظرة أولية إلى مستهله في ترتيب أبوابه وعناوينها واصطلاحاتها كافية في ذلك، قال: "هذا باب علم ما الكلم من العربية، باب مجاري أواخر الكلم من العربية، باب المسند والمسند إليه، باب للفظ للمعاني، باب ما يكون في اللفظ من الأغراض باب الاستقامة من الكلام والإحالة، باب ما يحتمل الشعر، باب الفاعل إلخ". فلم يك سيبويه في كتابه جمَّاعا لآراء السابقين فحسب، بل له شخصية قوية ظهرت في ابتداع بعض القواعد، وفي ترتيب الكتاب حاويا عناصر الفن كلها، وتبويبه واضعا كل شيء وما يتصل به معه، وحسن التعليل للقواعد، وجودة الترجيح عند الاختلاف، واستخراج الفروع من القياس الذي امتلأ به الكتاب، فكثيرا ما يقول: والقياس كذا، أو: والقياس يأباه، ويقول: "سألت الخليل عن قول العرب: "ما أمَيلِحَهُ" فقال: لم يكن ينبغي أن يكون في القياس لأن الفعل لا يحقر، وإنما تحقر الأسماء إلخ"٢.

стр. 68

وفي الحرص على الاعتزاز بالشواهد الوثيقة لدعم الأحكام التي قررها. شواهده: عني سيبويه في كتابه بالشواهد لتثبيت الأحكام والإذعان بها من القرآن الكريم ونثر العرب والشعر، ولم يجنح إلى الاستدلال بالحديث الشريف شأن أسلافه ومعاصريه وذلك لانعدام الثقة في نقل الحديث بلفظه الوارد عنه ﷺ لتصريح العلماء بجواز الرواية بالمعني، إذ لو وثقوا بلفظه لجرى مجرى القرآن الكريم في القواعد الكلية، ثم صارت سنة جارية بعده في المتقدمين والمتأخرين لم يبتدع خلافها غير ابن خروف وابن مالك ثم الرضي الذي أضاف إلى الحديث في الاستشهاد به كلام أهل البيت ﵃، وقد أنكر ابن الضائع وأبو حيان على ابن مالك في حديث طويل، وللشاطبي تفصيل قيم في شأن الحديث الشريف نذكره في ترجمته بمشيئة الله تعالى. فالقرآن الكريم قد بلغ ما ذكره في الكتاب من أي ما يُرْبِي على ثلثمائة آية، قال المازني اعتذارا عن تعليم الذمي الكتاب في نظير أجر كبير: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلثمائة وكذا آية من كتاب الله ولست أرى أن ناحية الاستعمال العربي وهي بين يدي القارئ فلا حاجة إلى ذكر مثال منها، وفي غير الكثير منها قد تذكر بعض آيات استئناسا لناحية المعنى في الأحكام، قال سيبويه: "وقد يكون "علمت" بمنزلة "عرفت" لا تريد إلا علم الأول، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ ١، وقال سبحانه: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ ٢، فهي ههنا بمنزلة عرفت"٣، وقد تذكر بعض آيات أخرى عندما يكون ظاهرها مخالفا للحكم الذي ذكره لتخريجها على ما يوافقه، قال سبيويه: "وأما قوله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ

стр. 69

جَلْدَةٍ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٢، فإن هذا لم يبن على الفعل ولكنه جاء على مثل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ ٣، ثم قال بعد: فيها كذا وكذا، فإنما وضع المثل للحديث الذي بعده وذكر بعد أخبار وأحاديث فكأنه على قوله ومن القصص مثل الجنة أو مما يقص عليكم مثل الجنة٤، فهو محمول على هذا الإضمار ونحوه والله أعلم وكذلك الزانية والزاني كأنه لما قال: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ ، قال في الفرائض الزانية والزاني، أو الزانية والزاني في الفرائض، ثم قال: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ فجاء بالفعل بعد أن مضى فيهما الرفع إلخ"٥، وهكذا. والشواهد النثرية المعين الذي لا ينضب في الاستشهاد لكثرتها والظفر بها عند تلمس الدليل فهي منطق العربي في غداواته وروحاته يرسلها متى شاء وحيث كان وفيما يبتغي ويريد، ويدخل فيها الأمثال السائرة يسمعها سيبويه من العلماء الذين يتلقى عنهم، أو يأخذها مشافهة من العربي وهاك شيئا منها: قال سيبويه: "ومثل قولهم "ومن كان أخاك" قول العرب: "ما جاءت حاجتك"٦، وقال أيضا: "وسمعنا من يوثق به من العرب يقول: اجتمعت أهل اليمامة إلخ"٧، ومن الأمثال ما قال: "كما جعلوا عسى بمنزلة كان في قولهم: عسى الغوير أبؤسا"٨، وهكذا. والشواهد الشعرية كثيرة كذلك، فقد قالوا: إن فيه ألفا وخمسين بيتا غير أنه لم يعن ﵀ بنسبة الشعر المذكور إلى قائليه في كثير من الشواهد، سواء ما استشهد به العلماء الحاكي عنهم وما استشهد به هو، لأن بعض الشعر قد روي لشاعرين أو أكثر، وبعضه قديم العهد لا يعرف قائله،

стр. 70

فاعتمد على شيوخه فيما استشهدوا به، ونسب الإنشاد إليه، وعلى نفسه فيما سمعه بأذنه. ولم يتخذ أحد من العلماء إغفاله للنسبة سبيلا للطعن عليه، على حين أنه أخرج للناس كتابه والعلماء كثير، والعناية بهذا العلم وتهذيبه وكيدة، ولعل ذلك لأن العلماء في ذلك الحين كانوا على علم بها لقرب العهد، فإن العلماء بعدئذ تطلعوا إلى معرفة الشعراء وبحثوا عنهم، قال الجرمي: "نظرت في كتاب سيبويه فإذا فيه ألف وخمسون بيتا، فأما ألف بيت فعرفت أسماء قائليها فأثبتها، وأما خمسون فلم أعرف أسماء قائليها" ويروي مثل هذا الخبر عن المازني وهما متعاصران، فالنسبة المذكورة الآن في الكتاب حادثة بعد سيبويه إما من الجرمي أو المازني، وسميت الأبيات الخمسون بين العلماء بأبيات سيبويه الخمسين المجهولة القائل، ونسبة الشعر للشاعر الصادرة من الجرمي أو المازني لم تشمل الألف كلها في الكتاب المطبوع بين أيدينا، ولا أدري سببا في ذكر القائل في بعض دون بعض، فقد كان في تعيين النسبة للألف كلها إعلان كاف عن الخمسين المجهولة، فليس وراء المعلوم إلا المجهول، والمهم إنما هو الوصول لمعرفة هذه الأبيات المجهولة الخمسين، وقد استعنت خزانة الأدب للبغدادي في الوصول إليها، فعملت منها بالنص اثنين وثلاثين، وسأذكرها لك مع الإشارة في الهامش إلى موطن كل منها في سيبويه وفي خزانة الأدب، غير أن بيتا منها قد اهتدى البحاثة الشنقيطي إلى اسم قائله في كتابه "الحماسة السنية" وهو قوله: .................................. ... أفبعد كندة تمدحن قبيلا١ فإن قائله امرؤ القيس، وهذا عجز البيت، والبيت كله: قالت فطيمة حل شعرك مدحه ... أفبعد كندة تمدحن قبيلا ومعنى البيت: "حل" تخفيف "حلئ" من حلأه إذا طرده عن الماء،

стр. 71

ومدحه بدل اشتمال، فمرادها أن لا يمدح أحدا بعد كندة، دل على ذلك المصراع الثاني والبيت مطلع قصيدة نادرة الوجود أوردها كلها الشنقيطي مع ذكر السبب، وذلك في القسم الثاني، آخر الكلام على البرزنجي. وعلى هذا فالأبيات المجهولة في كتاب سيبويه تسعة وأربعون، والأبيات المجهولة التي أذكرها أحد وثلاثون، وهاكها بالترتيب على نسق الكتاب: أبياته المجهولة القائل أ- ما في الجزء الأول: هل تعرف الدار على تبراكا ... دار لسعدي إذه من هواكا١ أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل٢ وقائلة خولان فانكح فتاتهم ... وأكرومه الحيين خلو كما هيا٣ إن عليَّ الله أن تبايعا ... تؤخذ كرها أو تجئ طائعا٤ وكأنه لهق السراة كأنه ... ما حاجبيه معين بسواد٥ هل أنت باعث دينار لحاجتنا ... أو عبد رب أخا عون بن مخراق٦ ضعيف النكاية أعداءه ... يخال الفرار يراخي الأجل٧ كلوا في بعض بطنكم تعفوا ... فإن زمانكم زمن خميص٨ .................................. ... من لد شولا فإلى إتلائها٩

стр. 72

دعوت لما نابني مسورا ... فلبي فلبي يدي مسور١ فلا تلحني فيها فإن بحبها ... أخاك مصاب القلب جم بلابله٢ ووجه مشرق النحر ... كأن ثدياه حقان٣ ................................... ... يا ليت أيام الصبا رواجعا٤ على أنني بعد ما قد مضى ... ثلاثون للهجر حولا كميلا يذكر نيك حنين العجول ... ونوح الحمامة تدعو هديلا٥ من اجلك يا التي تيمت قلبي ... وأنت بخيلة بالود عني٦ يا لقوم من للعلى والمساعي ... يا لقوم من للندى والسماح يا لعطافنا ويا لرياح ... وأبي الحشرج الفتى النفاح٧ فلا أب مثل مروان وابنه ... إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا٨ ................................... ... لا هيثم الليلة للمطي٩ بكت جزعا واسترجعت ثم آنذت ... ركائبها أن لا إلينا رجوعها١٠ ................................... ... حنت قلوصي حين لا حين محن١١ فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب١٢ دعي ماذا علمت سأتقيه ... ولكن بالمغيب نبئيني١٣

стр. 73

غير أنا لم تأتنا بيقين ... فنرجى ونكثر التأميلا١ هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب٢ إن الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوما على من يتكل٣ وكنت أرى زيدا كما قيل سيدا ... إذ أنه عبد القفا واللهازم٤ ولست أبالي بعد يوم مطرف ... حتوف المنايا أكثرت أو أقلت٥ ب- ما في الجزء الثاني: لقد رأيت عجبا مذ أمسا ... عجائزا مثل السعالي خمسا٦ وهيج الحي من دار فظل لهم ... يوم كثير تناديه وحيهله٧ ......................................... ... وهي تنوش الحوض نوشا من علا٨ فأقبل على رهطي ورهطك نبتحث ... مساعينا حتى ترى كيف نفعلا٩ هذا ما يختص بالأبيات المجهولة القائل في الكتاب ١٠، أما الألف الباقية فقد ارتضاها جمهور العلماء سواء منها ما نسب إلى قائله وما لم ينسب إليه وقليل منهم اعترض على بعض الأبيات المنسوبة لقائلها بما يؤدي إلى عدم صحة الاستشهاد بها على ما ساقها دليلا عليه سيبويه لتحريف أو تصحيف خفي عليه في الرواية للشاهد، وقليل منهم تعقب بعض الأبيات غير

стр. 74

المنسوبة لقائلها واعتبرها مفتعلة مصنوعة، وهذا كله عدا الأبيات المزيدة على شواهد سيبويه فلم تذكر في أصل الكتاب معها، وقد شرحها الأعلم أيضا ناسبا كل شاهد زائد في الباب المذكور فيه لمن أنشده من العلماء الذين زادوه على شواهد الكتاب في خلال نظرهم فيه وإن فاته كمعظم الشراح "رجز" خلط بكلام الكتاب، ذلك هو قول سيبويه في باب "ما لا يعمل فيه ما قبله من الفعل، إلخ". لقد علمت أي حين عقبتي ... ............................١ وهو من شواهد الرضي "في أفعال القلوب" ونبه على كل ذلك البغدادي في الخزانة٢. فهذه أصناف ثلاثة، وهاك بيانها: بعض الأبيات التي خطئوا روايتها: كثر ما طعن بعض العلماء على بعض الأبيات المنسوبة للقائل طعنا يقضي بعدم الاستدلال بها، وفي مقدمة هؤلاء ابن قتيبة، والمبرد، والعسكري، وإني لذاكر من ذلك أبياتا ثلاثة على سبيل التمثيل خوف الإطالة فمن ذلك: ١- قول عقيبة بن هبيرة الأسيدي: معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا أديروها بني حرب عليكم ... ولا ترموا بها الغرض البعيدا٣ استشهد سيبويه بالبيت الأول على جواز العطف على الموضع٤، فإن

стр. 75

قوله "الحديدا" معطوف على محل المجرور قبله في قوله "بالجبال" لأن الباء زائدة. لقد خطأ ابن قتيبة في أواخر مقدمة الشعر والشعراء في هذه الرواية مدعيا أن الصواب الجر كبقية القصيدة، والبيت الثاني من بيتي سيبويه لا صلة له بالأول منهما، وتابعه المبرد في ذلك، وكذا العسكري في "التصحيف والتحريف". لكن العلماء المنتصرين لسيبويه، وفي مقدمتهم ابن الأنباري في كتابه "الإنصاف"، قالوا: إن البيت روي مع أبيات منصوبة ومع أبيات مجرورة، واستشهاد سيبويه منوط بالرواية الأولى فصح الاعتماد عليه، ولهذا استشهد به الرضي على الكافية، راجع الخزانة في الشاهد الرابع والعشرين بعد المائة. ٢- ومن ذلك قول نهشل بن حري: لِيُبْكَ يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح١ استشهد به سيبويه في باب "ما يحذف منه الفعل إلخ" على أن رافع "ضارع" محذوف للعلم به من سابقه. وقد تعقب الأصمعي رواية البيت كذلك قائلا إن الصواب نصب يزيد بالفعل قبله، والفعل مبني للمعلوم لا للمجهول، فضارع فاعل له لا للمحذوف، وقد نقل عن الأصمعي هذا التصحيح ابن قتيبة في أواخر مقدمة الشعر والشعراء، وتبعهما العسكري في "التصحيف والتحريف". لكن العلماء الآخرون أجازوا رواية سيبويه فاقتفاه في الاستدلال بها في
следующие страницы →