← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 7329

نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق

ناصر الدين الألباني

Полный текст (69 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمات المقدمة وسبب تاليف الرسالة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: الحمد لله الذي اصطفى نبينا على سائر البشر، وعصمه من الشيطان أن يوحي إليه بشرِّ، فقال تعالى مخاطبًا إبليس اللعين: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] ، بل جعل تعالى له السلطة على شيطانه القرين، فكيف من كان عنه من المبعدين؟. كما أشار إلى ذلك قول رسوله الكريم: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن" قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: "وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير"١. وصلى الله على محمد الذي مكنه الله تعالى من إبليس حتى كاد أن يخنقه، وهَمّ أن يربطه بسارية من سواري مسجد المدينة٢ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. وبعد؛ فقد كتب إلي بتاريخ ١٤/ ٧/ ١٩٥٢م بعض الأساتذة

стр. 2

من الإخوان الأعزة من الباكستان -حيث أُوفد إليها لغاية علمية- يسألني عن رأيي في حديث الغرانيق الذي اختلف فيه قول حافظين كبيرين، هما: ابن كثير الدمشقي، وابن حجر المصري، فقد أنكره الأول وقواه الآخر. وطلب مني أن لا أضن بالجواب عليه، فلبثت بعض الأشهر أترقب فرصة أستطيع فيها إجابة طلبه. ثم لقيني أحد الأحبة عقب صلاة عيد الأضحى لهذه السنة -١٣٧١هـ- فسألني أيضًا عن حديث الغرانيق، فأجبته بأنه لا يصح، بل هو باطل موضوع، فذكر لي أن أحد الشباب ممن في قلوبهم مرض احتج به على أن النبي ﷺ كان -وحاشاه- يتكلم بما يرضي المشركين جذبًا لهم إليه، لأنه بزعمه الباطل لم يكن نبيًا صادقًا، وإنما كان يتظاهر بذلك تَرَؤُسًا عليهم كما يهرف بذلك بعض الملاحدة قديمًا وحديثًا، فحملني ذلك على أن أغتنم فرصة العيد المذكور، فشرعت -متوكلًا على الله الغفور- في جمع طرق تلك القصة من كتب التفسير والحديث، وبينت عللها متنًا وسندًا، ثم ذكرت قول الحافظ ابن حجر في تقويتها، وتعقبته بما يبين وَهْيَ ما ذهب إليه، ثم عقّبت على ذلك بذكر بعض البحوث والنقول عن بعض الأئمة الفحول ذوي التحقيق في الفروع والأصول، تؤيد ما ذهبنا إليه من نكارة القصة وبطلانها، ووجوب رفضها، وعدم قبولها، تصديقًا لقوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ

стр. 3

بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٩] ، فجاءت رسالة فريدة في بابها، قوية في موضوعها، ترفع حيرة الأخ المؤمن، وتطيح بشبهة الملحد الأرعن، وقد سميتها: "نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق" أسأل الله تعالى أن يجعلها خالصة لوجهه، ويقبلها مني نصرة لنبيه، ويدّخر لي ثوابها ليوم أحْوَجُ ما نكون فيه إلى شفاعته، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩] إنه هو السميع العليم، والبر الرحيم. دمشق في: ٢ - ١ - ١٣٧٢ هـ - ٢١ - ٩ - ١٩٥٢م محمد ناصر الدين الألباني

стр. 4

بين يدي الروايات وتفسير قوله تعالى ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ... بين يدي الروايات: وقبل أن أشرع في سَوق روايات القصة، أرى أنه لا بد من أن نذكر كلمة، تتميمًا لفائدة الرسالة، فأقول: إن هذه القصة قد ذكرها المفسرون عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٢-٤٥] . وقد اختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿تَمَنَّى﴾ و ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ ، وأحسن ما قيل في ذلك: إن ﴿تَمَنَّى﴾ من "الأمنية" وهي التلاوة، كما قال الشاعر في عثمان ﵁ حين قتل: تمنى كتاب الله أول ليلة ... وآخرها لاقى حِمام المقادر وعليه جمهور المفسرين والمحققين، وحكاه ابن كثير عن أكثر

стр. 5

المفسرين، بل عزاه ابن القيم إلى السلف قاطبة فقال في "إغاثة اللهفان١: ١/ ٩٣": "والسلف كلهم على أن المعنى إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته" وبيّنه القرطبي فقال في "تفسيره: ١٢/ ٨٣": وقد قال سليمان بن حرب: إن ﴿فِي﴾ بمعنى: عند، أي ألقى الشيطان في قلوب الكفار عند تلاوة النبي ﷺ كقوله : ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا﴾ [الشعراء: ١٨] ، أي عندنا، وهذا هو معنى ما حكاه ابن عطية عن أبيه عن علماء الشرق، وإليه أشار القاضي أبو بكر بن العربي. قلت: وكلام أبي بكر سيأتي في محله إن شاء الله تعالى، وهذا الذي ذكرناه من المعنى في تفسير الآية، هو اختيار الإمام ابن جرير، حيث قال بعد ما رواه عن جماعة من السلف [١٧/ ١٢١] : "وهذا القول أشبه بتأويل الكلام، بدلالة قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] على ذلك، لأن الآيات التي أخبر الله جل ثناؤه أنه يحكمها لا شك أنها آيات تنزيله، فمعلوم بذلك أن الذي ألقى فيه الشيطان، هو ما أخبر تعالى ذكره أنه نَسَخ ذلك منه وأبطله ثم أحكمه بنسخه

стр. 6

ذلك، فتأمل الكلام إذن: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تلا كتاب الله وقرأ أو حدّث وتكلم، ألقى الشيطان في كتاب الله الذي تلاه وقرأه، أو في حديثه الذي حدّث وتكلم، فينسخ الله ما يلقي الشيطان بقوله تعالى: فيُذْهِب الله ما يلقي الشيطان من ذلك، على لسان نبيه ويبطله. هذا هو المعنى المراد من هذه الآية الكريمة، وهي كما ترى ليس فيها إلا أن الشيطان يلقي عند تلاوة النبي ﷺ ما يفتتن به الذين في قلوبهم مرض، ولكن أعداء الدين الذين قعدوا له في كل طريق، وترصدوا له عند كل مرصد، لا يرضيهم إلا أن يدسوا فيه ما ليس منه، ولم يقله رسوله، فذكروا ما ستراه في الروايات الآتية، مما لا يليق بمقام النبوة والرسالة، وذلك دَيْدَنهم منذ القديم، كما فعلوا في غير ما آية وردت في غيره ﷺ من الأنبياء، كداود، وسليمان، ويوسف عليهم الصلاة والسلام، فرووا في تفسيرها من الإسرائيليات ما لا يجوز نسبته إلى رجل مسلم فضلًا عن نبي مُكَرَّم. كما هو مبين في محله من كتب التفاسير والقصص. فَحذارِ أيها المسلم أن تغتر بشيء منها فتكون من الهالكين، و "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" كما قال نبيك ﷺ ، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤] .

стр. 7

روايات القصة وعِلَلُها الرواية الأولى ... روايات القصة وعِلَلُها: بعد أن فرغنا من ذكر الفائدة التي وعدنا بها، أعود إلى ذكر روايات القصة التي وقفنا عليها لكي نسردها رواية رواية، ونذكر عقب كل منها ما فيها من علة فأقول: ١- عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] ، قرأها رسول الله ﷺ فقال: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترجى" فسجد رسول الله ﷺ ، فقال المشركون: إنه لم يذكر آلهتهم قبل اليوم بخير، فسجد المشركون معه، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ..﴾ [الحج: ٥٢] إلى قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٥] . أخرجه ابن جرير "١٧/ ١٢٠" من طريقين عن شعبة عن أبي بشر عنه، وهو صحيح الإسناد إلى ابن جبير، كما قال الحافظ على ما يأتي عنه، وتبعه السيوطي في "الدر المنثور: ٤/ ٣٦٦"، وعزاه لابن المنذر أيضًا وابن مردويه بعد ما ساقه نحوه بلفظ: "ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى" الحديث، وفيه:

стр. 8

ثم جاءه جبريل بعد ذلك، قال: إعرض علَّي ما جئتك به، فلما بلغ: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترجى" قال جبريل: لم آتك بهذا، هذا من الشيطان! فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] . وهكذا أخرجه الواحدي في "أسباب النزول" من طريق أخرى عن سعيد بن حسن، كما سيأتي. وقد روي موصولًا عن سعيد، ولا يصح: رواه البزار١ في "مسنده" عن يوسف بن حماد عن أمية بن خالد، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -فيما أحسبه، الشك في الحديث- أن النبي ﷺ قرأ بمكة سورة "النجم" حتى انتهى إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] ، وذكر بقيته، ثم قال البزار:

стр. 9

"لا نعلمه يروى متصلًا إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور، وإنما يروي هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس" كذا في "تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٩". وعزا الحافظ في "تخريج الكشاف: ٤/ ١٤٤" هذه الرواية "للبزار، والطبري، وابن مردويه" وعزوه للطبري سهو، فإنها ليست في تفسيره فيما علمت -إلا إنْ كان يعني غير التفسير من كتبه، وما أظن يريد ذلك، ويؤيدني أن السيوطي في "الدر" عزاها لجميع هؤلاء إلا الطبري، إلا أن السيوطي أوهم أيضًا حيث قال عطفًا على ما ذكر: والضياء في "المختارة" بسند رجاله ثقات، من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن رسول الله ﷺ قرأ، فذكر الحديث مثل الرواية المرسلة التي نقلناها آنفًا عن الدر نفسه، ومحل الإيهام هو قوله: "بسند رجاله ثقات" بالإضافة إلى أنه أخرجه الضياء في "المختارة" فإن ذلك يوهم أنه ليس بمعلول، وهذا خلاف الواقع، فإنه معلول بتردد الراوي في وصله كما نقلناه عن "تفسير ابن كثير" وكذلك هو في "تخريج الكشاف" وغيره، وهذا ما لم يرد ذِكرُه في سياق السيوطي، ولا أدري أذلك اختصارًا منه، أم من بعض مخرجي

стр. 10

الحديث؟ ١ وأيًا ما كان، فما كان يليق بالسيوطي أن يغفل هذه العلة، لا سيما وقد صرح بما يشعر أن الإسناد صحيح، وفيه من التغرير ما لا يخفى، فإن الشك لا يوثق به، ولا حقيقة فيه، كما قال القاضي عياض في "الشفاء: ٢/ ١١٨" وأقره الحافظ في "التخريج" لكنه قال عقب ذلك: "ورواه الطبري من طريق سعيد بن جبير مرسلًا، وأخرجه ابن مردويه من طريق أبي عاصم النبيل، عن عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه، ولم يشك في وصله، وهذا أصح طرق الحديث. قال البزار ... ". قلت: وقد نقلنا كلام البزار آنفًا، ثم ذكر الحافظ المراسيل الآتية، ثم قال: "فهذه مراسيل يقوي بعضها بعضًا". قلت: وفي عبارة الحافظ شيء من التشويش، ولا أدري أذلك منه، أم من النساخ؟ وهو أغلب الظن، وذلك لأن قوله: "وهذا أصح طرق هذا الحديث" إن حملناه على أقرب مذكور، وهو طريق ابن مردويه الموصول كما هو المتبادر، منعنا من ذلك أمور:

стр. 11

الأول: قول الحافظ عقب ذلك: "فهذه مراسيل يقوي بعضها بعضًا"، فإن فيه إشارة إلى أن ليس هناك إسناد صحيح موصول يعتمد عليه، وإلا لَعرَّج عليه وجعله أصلًا , وجعل الطريق المرسلة شاهدة ومُقَوية له، ويؤيده الأمر الآتي وهو: الثاني: وهو أن الحافظ لما رَدّ على القاضي عياض تضعيفه للحديث من طريق إسناد البزار الموصول بسبب الشك، قال الحافظ: "أما ضعفه فلا ضعف فيه أصلًا "قلت: يعني في رواته"، فإن الجميع ثقات، وأما الشك فيه، فقد يجيء تأثيره ولو فردًا غريبًا -كذا- لكن غايته أن يصير مرسلًا، وهو حجة عند عياض وغيره ممن يقبل مرسل الثقة، وهو حجة إذا اعتضد عند من يَرُدّ المرسل، وهو إنما يعتضد بكثرة المتابعات". فقد سلَّم الحافظ بأن الحديث مُرْسَلٌ، ولكن ذهب إلى تقويته بكثرة الطرق، وسيأتي بيان ما فيه في ردنا عليه قريبًا إن شاء الله تعالى. فلو كان إسناد ابن مردويه الموصول صحيحًا عند الحافظ، لرد به على القاضي عياض، ولما جعل عمدته في الرد عليه هو كثرة الطرق، وهذا بين لا يخفى. الثالث: أن الحافظ في كتابه "فتح الباري" لم يُشِرْ أدنى إشارة

стр. 12

إلى هذه الطريق فلو كان هو أصح طرق الحديث، لذكره بصريح العبارة، ولجعله عمدته في هذا الباب كما سبق. الرابع: أن من جاء بعده -كالسيوطي وغيره- لم يذكروا هذه الرواية. فكل هذه الأمور تمنعنا من حمل اسم الإشارة "هذا" على أقرب مذكور، وتضطرنا إلى حمله على البعيد، وهو الطريق الذي قبل هذا، وهو طريق سعيد بن جبير المرسل. وهو الذي اعتمده الحافظ في "الفتح" وجعله أصلًا، وجعل الروايات الأخرى شاهدة له، وقد اقتدينا نحن به، فبدأنا أولًا بذكر رواية ابن جبير هذه، وإن كنا خالفناه في كون هذه الطرق يقوي بعضها بعضًا. قلت: هذا مع العلم أن القدر المذكور من إسناد ابن مردويه الموصول رجاله ثقات رجال الشيخين، لكن لا بد أن تكون العلة فيمن دون أبي عاصم النبيل، ويقوي ذلك، أعني كون إسناده مُعَلًا أنني رأيت هذه الرواية أخرجها الواحدي في "أسباب النزول": ص ٢٣٣" من طريق سهل العسكري قال: أخبرني يحيى "قلت: هو القطان" عن عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله ﷺ : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩-٢٠] ، فألقى الشيطان على لسانه: "تلك الغرانيق العلى وشفاعتهن ترتجى" ففرح بذلك المشركون، وقالوا: قد ذكر آلهتنا، فجاء جبريل ﵇ إلى

стр. 13

رسول الله ﷺ وقال: إعرض علّي كلام الله، فلما عرض عليه، قال: أما هذا فلم آتك به، هذا من الشيطان، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ الآية [الحج: ٥٢] . فرجع الحديث إلى أنه -عن عثمان بن الأسود عن سعيد- مرسل، وهو الصحيح، لموافقته رواية عثمان هذه، رواية أبي بشر عن سعيد. ثم وقفت على إسناد ابن مردويه ومتنه، بواسطة الضياء المقدسي في "المختارة:٦٠/ ٢٣٥/ ١" بسنده عنه قال: حدثني إبراهيم بن محمد، حدثني أبو بكر محمد بن علي المقري البغدادي، ثنا جعفر بن محمد الطيالسي، ثنا إبراهيم بن محمد بن عَرْعَرة، ثنا أبو عاصم النبيل، ثنا عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩-٢٠] ، "تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترتجى"، ففرج المشركون بذلك، وقالوا: قد ذكر آلهتنا فجاءه جبريل، فقال: اقرأ علّي ما جئتك به، قال: فقرأ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩-٢٠] ، "تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترتجى"، فقال: ما أتيتك بهذا، هذا عن الشيطان، أو قال: هذا من الشيطان، لم آتك بها! فأنزل الله

стр. 14

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إلى آخر الآية". قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات وكلهم من رجال "التهذيب" إلا من دون ابن عرعرة، ليس فيهم من ينبغي النظر فيه غير أبي بكر محمد بن علي المقري البغدادي، وقد أورده الخطيب في "تاريخ بغداد" فقال "٣/ ٦٨–٦٩": "محمد بن علي بن الحسن أبو بكر المقرىء، حدث عن محمود بن خداش، ومحمد بن عمرو، وابن أبي مذعور. روى عنه أحمد بن كامل القاضي، ومحمد بن أحمد بن يحي العطشي" ثم ساق له حديثًا واحدًا وقع فيه مكنًا بـ "أبي حرب"، فلا أدري أهي كنية أخرى له، أم تحرفت على الناسخ أو الطابع، ثم حكى الخطيب عن العطشي أنه قال: "توفي سنة ثلاثمائة"، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، فهو مجهول الحال، وهو علة هذا الإسناد الموصول، وهو غير أبي بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم الأصبهاني المشهور بابن المقرىء، الحافظ الثقة، فإنه متأخر عن هذا نحو قرن من الزمان، وهو من شيوخ ابن مردويه مات سنة "٣٨١" إحدى وثمانين وثلاثمائة، ووقع في "التذكرة: ٣/ ١٧٢" "ومائتين" وهو خطأ. فثبت مما تقدم صواب ما كنا جزمنا به قبل الاطلاع على إسناد ابن مردويه "أن العلة فيه فيمن دون أبي عاصم النبيل".

стр. 15

الرواية الثانية ... وازددنا تأكدًا من أن الصواب عن عثمان بن الأسود إنما هو عن سعيد بن جبير مرسلًا كما رواه الواحدي، خلافًا لرواية ابن مردويه عنه. وبالجملة، فالحديث مرسل، ولا يصح عن سعيد بن جبير موصولًا بوجه من الوجوه. ٢- عن ابن شهاب: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث "أن رسول الله ﷺ وهو بمكة قرأ عليهم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] ، فلما بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩-٢٠] ، قال: "إن شفاعتهن ترتجى" سها رسول الله ﷺ ، فلقيه المشركون الذين في قلوبهم مرض فسلموا عليه وفرحوا بذلك، فقال لهم: "إنما ذلك من الشيطان"، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ حتى بلغ ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: ٥٢] . رواه ابن جرير "١٧/ ١٢١" وإسناده إلى أبي بكر بن عبد الرحمن صحيح، كما قال السيوطي تبعًا للحافظ، لكن علته أنه مرسل١ وعزاه السيوطي لعبد بن حميد أيضًا، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن

стр. 16

شهاب قال: فذكره مطولًا، ولم يذكر في إسناده أبا بكر بن عبد الرحمن، فهو مرسل، بل معضل، ولفظه كما في "ابن كثير" و"الدر": "لما أنزلت سورة النجم، وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير، أقررناه وأصحابه، ولكن لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر، وكان رسول الله ﷺ قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنته ضلالتهم، فكان يتمنى كفَّ أذاهم , وفي "ابن كثير" هدايتهم، فلما أنزل الله سورة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩-٢٠] ، ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الطواغيت، فقال: "وإنهن لَهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لَهِيَ التي تُرتَجى" فكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، ودلقت بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا: إن محمدًا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه، فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر ﴿وَالنَّجْمِ﴾ سجد وسجد كلُّ من حضر من مسلم ومشرك، ففشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة، فأنزل الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] ، فلما بيّن الله

стр. 17

الرواية الثالثة ... قضاءه، وبرّأه من سجع الشيطان، انقلب المشركون بضلالتهم وعدوانهم للمسلمين، واشتدوا عليه"١. وأخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" عن موسى بن عقبة ساقه من "مغازيه" بنحوه لم يذكر ابن شهاب كما في "الدر": ٤/ ٣٦٧" وغيره. ٣- عن أبي العالية قال: قالت قريش لرسول الله ﷺ إنما جلساؤك عبيد بني فلان، ومولى بني فلان، فلو ذكرت آلهتنا بشيء جالسناك، فإنه يأتيك أشرف العرب، فإذا رأوا جلساءك أشرف قومك كان أرغب لهم فيك، قال: فألقى الشيطان في أمنيته، فنزلت هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩-٢٠] ، قال: فأجرى الشيطان على لسانه: "تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترتجى، مثلهن لا ينسى" قال: فسجد النبي ﷺ حين قرأها وسجد معه المسلمون والمشركون، فلما علم الذي أجري على لسانه، كبر ذلك عليه، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ إلى قوله ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢] .

стр. 18

الرواية الرابعة ... أخرجه الطبري "١٧/ ١٢٠" من طريقين عن داود بن أبي هند عنه، وإسناده صحيح إلى أبي العالية، لكن علته الإرسال، وكذلك رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم. ٤- عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس قالا: "جلس رسول الله ﷺ في ناد من أندية قريش كثير أهله، فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه، فأنزل الله عليه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١-٢] فقرأها رسول الله ﷺ حتى إذا بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩-٢٠] ، ألقى عليه الشيطان كلمتين: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى" فتكلم بها ثم مضى، فقرأ السورة كلها، فسجد في آخر السورة، وسجد القوم جميعًا معه، ورفع الوليد بن المغيرة ترابًا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخًا كبيرًا لا يقدر على السجود، فرضوا بما تكلم به، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت، وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، إذا جعلتَ لها نصيبًا فنحن معك، قالا: فلما أمسى أتاه جبريل ﵇ فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال: ما جئتك بهاتين! فقال رسول الله ﷺ : "افتريت على الله، وقلت ما لم يقل"، فأوحى الله إليه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي

стр. 19

أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ ١ [الإسراء: ٧٣] إلى قوله: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٥] ، فما زال مغمومًا مهمومًا حتى نزلت عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى ... ﴾ [الحج: ٥٢] ، قال: فسمع كل من المهاجرين بأرض الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، فرجعوا إلى عشائرهم وقالوا: هو أحب إلينا، فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان". أخرجه ابن جرير "١٧/ ١١٩" عن طريق أبي معشر عنهما، وأبو معشر ضعيف، كما قال الحافظ في "التقريب" واسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي. ثم أخرجه ابن جرير من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدني، عن محمد بن كعب القرظي وحده به أتمّ منه، وفيه: "فلما سمعت قريش ذلك فرحوا، وسرهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاء به عن ربهم، ولا يتهمونه على خطأ ولا وهم ولا زلل، الحديث". ويزيد هذا ثقة، لكن الراوي عنه ابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه.

стр. 20

الرواية الخامسة ... ٥- عن قتادة أن النبي ﷺ كان يتمنى أن لا يعيب الله آلهة المشركين، فألقى الشيطان في أمنيته فقال: "إن الآلهة التي تدعى، إن شفاعتهن لترتجى، وإنها لَلْغرانيق العلى" فنسخ الله ذلك، وأحكم الله آياته: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] ١حتى بلغ ﴿مِن سُلْطَان﴾ [النجم: ٢٣] ، قال قتادة: لما ألقى الشيطان ما ألقى، قال المشركون: قد ذكر الله آلهتهم بخير، ففرحوا بذلك، فذكر قوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الحج: ٥٣] . أخرجه ابن جرير "١٧/ ١٢٢" من طريقين عن معمر عنه، وهو صحيح إلى قتادة، ولكنه مرسل أو معضل. وقد رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر" بلفظ أتم منه وهو: "قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي عند المقام، نعس، فألقى الشيطان على لسانة كلمة فتكلم بها، وتعلق بها المشركون عليه، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩-٢٠] فألقى الشيطان على لسانه ولغى: "وإن شفاعتهن لترتجى وإنها لمع الغرانيق العلى" فحفظها المشركون، وأخبرهم الشيطان أن نبي الله ﷺ قد قرأها، فذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ

стр. 21

الرواية السادسة ... مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ الآية [الحج: ٥٢] ، فدحر الله الشيطان ولقن نبيه حجته". ٦- عن عروة -يعني ابن الزبير- في تسمية الذين خرجوا إلى أرض الحبشة المرة الأولى "قلت وفيه:" "فقال المشركون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير، أقررناه وأصحابه، فإنه لا يذكر أحدًا ممن خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر به آلهتنا من الشتم والشر، فلما أنزل الله السورة التي يذكر فيها: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ وقرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩-٢٠] ، ألقى الشيطان فيها عند ذلك ذكر مالطواغيت فقال: "وإنهن لَمِنَ الغرانيق العُلى، وإن شفاعتهم لتُرتجى" وذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلماتان في قلب كل مشرك وذلت بها ألسنتهم، واستبشروا بها، وقالوا: إن محمدًا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه، فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر السورة التي فيه ﴿َالنَّجْمُ﴾ سجد وسجد معه كل من حضره من مسلم ومشرك، غير أن الوليد بن المغيرة -كان رجلًا كبيرًا-، فرفع مِلْءَ كفه ترابًا فسجد عليه، فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله ﷺ ، فأما المسلمون فعجبوا من سجود المشركين من غير إيمان ولا يقين، ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان على ألسنة المشركين، وأما المشركون فاطمأنت أنفسهم إلى النبي ﷺ وأصحابه لما سمعوا الذي ألقى الشيطان في أمنية

стр. 22

النبي ﷺ وحدثهم الشيطان أن النبي ﷺ قد قرأها في "السجدة"، فسجدوا لتعظيم آلهتهم، ففشت تلك الكلمة في الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت الحبشة.. فكَبُرَ ذلك على رسول الله ﷺ فلما أمسى أتاه جبريل ﵇، فشكا إليه، فأمره فقرأ عليه، فلما بلغها تبرأ منها جبريل ﵇، وقال: معاذ الله من هاتين، ما أنزلهما ربي، ولا أمرني بهما ربك!! فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ شق عليه، وقال: "أطعتُ الشيطان، وتكلمتُ بكلامه وشركني في أمر الله"، فنسخ الله ما ألقى الشيطان، وأنزل عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ إلى قوله: ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج: ٥٣] . فلما برأه الله من سجع الشيطان وفتنته انقلب المشركون بضلالهم وعداوتهم". رواه الطبراني هكذًا مرسلًا، كما في "المجمع: ٦/ ٣٢ - ٣٤ و ٧/ ٧٠ – ٧٢"١ وقال: "وفيه ابن لهيعة، ولا يحتمل هذا من ابن لهيعة".

стр. 23

الرواية السابعة ... ٧- عن صالح قال: "قام رسول الله ﷺ فقال المشركون: إن ذكر آلهتنا بخير ذكرنا إلهه بخير، فألقى في أمنيته: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩-٢٠] ، "إنهن لفي الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" قال: فأنزل الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ ... ﴾ الآية [الحج:٥٢] . أخرجه عبد حُميد كما في "الدر: ٤/٣٦٦" من طريق السدي عنه، وأخرجه ابن أبي حاتم عن السدي لم يتجاوزه بلفظ: "قال: خرج النبي ﷺ إلى المسجد ليصلي فبينما هو يقرأ، إذ قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩-٢٠] ، فألقى الشيطان على لسانه فقال: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى" حتى إذا بلغ آخر السورة سجد وسجد أصحابه، وسجد المشركون لذكر آلهتهم فلما رفع رأسه حملوه فاشتدوا به قطري مكة يقولون: نبي بني عبد مناف، حتى إذا جاء جبريل عرض عليه فقرأ ذينك الحرفين، فقال جبريل: معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا! فاشتد عليه، فأنزل الله يطيب نفسه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ ... ﴾ الآية [الحج:٥٢] .

стр. 24

قلت: وقد رُوي موصولًا عن ابن عباس أخرجه ابن مرديه من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وهذا إسناد ضعيف جدًا، بل موضوع، فقد قال سفيان: "قال لي الكلبي: كل ما حدثتك عن أبي صالح فهو كذب"، والكلبي هذا اسمه محمد بن السائب، وقد كان مفسرًا نسّابة أخباريًا. وقال ابن حبان: كان الكلبي سبائيًا من أؤلئك الذين يقولون: إن عليًا لم يمت وأنه راجع إلى الدنيا، ويملؤها عدلًا كما ملئت جورًا، وإن رأوا سحابة قالوا: أمير المؤمنين فيها". قال: ومذهبه في الدين، ووضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفه، ويروي عن أبي صالح عن ابن عباس التفسير، وأبو صالح لم ير ابن عباس ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، لا يحل ذكره في الكتب، فكيف الاحتجاج به؟! ١. وروي من وجوه أخرى عن ابن عباس سيأتي ذكرها، لا يصح شيء منها. ٨- عن الضحاك قال: في قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ ... ﴾ الآية [الحج: ٥٢] ، فإن نبي الله ﷺ وهو بمكه أنزل الله عليه في آلهة العرب، فجعل يتلو اللات والعُزّى

стр. 25

الرواية الثامنة ... ويُكثر من ترديدها، فسمع أهل مكه النبي ﷺ يذكر آلهتهم، ففرحوا بذلك، ودنوا يستمعون، فألقى الشيطان في تلاوة النبي ﷺ : "تلك الغرانيق العلى، ومنها الشفاعة ترتجى" فقرأها النبي ﷺ كذلك، فأنزل الله عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ [الحج:٥٢] . إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢] . أخرجه ابن جرير "١٧/ ١٢١" قال: حدثت عن الحسين يقول: سمعت معاذًا يقول: أخبرنا عبيد قال: سمعت معاذًا يقول: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول: قلت: وهذا إسناد ضعيف منقطع مرسل، الضحاك هذا الظاهر أنه ابن مزاحم الهلالي الخراساني، هو كثير الإرسال، كما قال الحافظ، حتى قيل: إنه لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة، والراوي عنه عبيد لم أعرفه١، وأبو معاذ الظاهر أنه سليمان بن أرقم البصري، وهو ضعيف، كما في "التقريب"، والراوي عنه الحسين هو ابن الفرج أبو علي وقيل: أبو صالح، ويعرف بابن الخياط والبغدادي، وهو ضعيف متروك، وله

стр. 26

الرواية التاسعة ... ترجمة في "تاريخ بغداد" و"الميزان" و"اللسان" ثم شيخ ابن جرير فيه مجهول لم يُسَمَّ. ٩- عن محمد بن فضالة الظفري، والمطلب بن عبد الله بن حنطب قالا: "رأى رسول الله ﷺ من قومه كفًّا عنه، فجلس خاليًا، فتمنى فقال: ليته لا ينزل عليّ شيء ينفّرهم عني، وقارب رسول الله ﷺ قومه، ودنا منهم، ودنوا منه، فجلس يومًا مجلسًا في ناد من تلك الأندية حول الكعبة، فقرأ عليهم ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] ، حتى إذا بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩-٢٠] ، ألقى الشيطان كلمتين على لسانه: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى"، فتكلم رسول الله ﷺ بهما ثم مضى، فقرأ السورة كلها، وسجد وسجد القوم جميعًا، ورفع الوليد بن المغيرة ترابًا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخًا كبيرًا لا يقدر على السجود، ويقال: إن أبا أحيحة سعيد بن العاص أخذ ترابًا فسجد عليه رفعه الى جبهته، وكان شيخًا كبيرًا، فبعض الناس يقول: إنما الذي رفع التراب الوليد، وبعضهم يقول: أبو أحيحة، وبعضهم يقول: كلاهما جميعًا فعل ذلك. فرضوا بما تكلم به رسول الله ﷺ وقالوا قد عرفنا أن الله يحيي ويميت، ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، وأما إذ جعلت لها نصيبًا فنحن معك، فكبُر ذلك على رسول الله ﷺ من قولهم

стр. 27

حتى جلس في البيت، فلما أمسى أتاه جبريل ﵇، فعَرَض عليه السورة فقال جبريل: جئتك١ بهاتين الكلمتين؟!! فقال رسول الله ﷺ : قُلتُ على الله ما لم يقل، فأوحى الله إليه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٣-٧٥] . أخرجه ابن سعد في "الطبقات: ج١ ق١ ص ١٣٧"٢: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني يونس بن محمد بن فضالة الظفري عن أبيه، قال: وحدثني كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قالا: قلت: وهذا إسناد ضعيف جدًا، لأن محمد بن عمر، هو الواقدي، قال الحافظ في "التقريب": "متروك مع سعة علمه". وشيخه في الإسناد الأول يونس بن محمد، ووالده محمد بن فضالة، لم أجد لهما ترجمة، ثم رأيت ابن أبي حاتم أوردهما "٤/١/٥٥ و ٤/٢/٢٤٦" ولم يذكر فيهما جرحًا ولا تعديلًا. وفي

стр. 28

الرواية العاشرة ... إسناده الثاني كثير بن زيد وهو الأسلمي المدني مُختَلف فيه، قال الحافظ: "صدوق يخطيء". ثم هو مرسل فإن المطلب بن عبد الله بن حنطب كثير التدليس والإرسال، كما في "التقريب". ولذلك قال القرطبي بعد أن ساق الرواية الثانية، وحُكي عن النحاس تضعيفها كما سبق نقله عنه هناك قال: قلت: فذكره مختصرًا ثم قال: "قال النحّاس: هذا حديث مُنكَر منقطع، ولا سيما من حديث الواقدي". ١٠- عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قرأ سورة "النجم" وهو بمكة، فأتى على هذه الآية ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩-٢٠] ، فألقى الشيطان على لسانه "أنهن الغرانيق العلى" فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ ... ﴾ الآية [الحج:٥٢] . وكذا أورده السيوطي في "الدرر المنثور: ٤/ ٢٦٧" وقال: "أخرجه ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ومن طريق أبي بكر الهذلي وأيوب عن عكرمة عن ابن عباس، ومن طريق سليمان التيمي عمن حدثه عن ابن عباس".

стр. 29

قلت: فهذه طرق ثلاث عن ابن عباس وكلها ضعيفه. أما الطريق الأولى: ففيها الكلبي وهو كذّاب كما تقدم بيانه قريبًا. وأما الطريق الثانية: ففيها من لم يسمّ. وأما الطريق الثالثة: ففيها أبو بكر الهذلي. قال الحافظ في "التقريب": "أخباري متروك الحديث" لكن قد قرن فيها أيوب، والظاهر أنه السختياني، فلا بد أن يكون في الطريق إليه من لا يُحتَج به لأن الحافظ قال في "الفتح: ٨/ ٣٥٥" بعد أن ساقه من الطرق الثلاث: "وكلها ضعيف أو منقطع". وقد ذكر ما يفيد أن ابن مردويه أخرجها من طريق عباد بن صهيب، وهو أحد المتروكين، كما قال الحافظ الذهبي في ترجمته من "الميزان". وله طريق رابع، أخرجه ابن جرير "١٧/ ١٢٠"، حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي. ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس، "أن نبي الله ﷺ بينما هو يُصلّي إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون، فقالوا: إنا

стр. 30

نسمعه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه، فبينما هو يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩-٢٠] ، ألقى الشيطان: "إن تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى"، فجعل يتلوها، فنزل جبريل ﷺ فنسخها، ثم قال له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ ... ﴾ الآية [الحج: ٥٢] . رواه ابن مردويه أيضًا كما في "الدرر: ٤/٣٦٦". قلت: وهذا إسناد ضعيف جدًا، مُسَلسَل بالضعفاء: محمد بن سعد، هو ابن محمد بن الحسن بن عطية بن جُنادة أبو جعفر العوفي ترجمه الخطيب في "تاريخ بغداد: ٥/٣٢٢-٣٢٣" وقال: "كان ليّنًا في الحديث". ووالده سعد بن محمد ترجمه الخطيب أيضًا "٩/١٢٦- ١٢٧" وروي عن أحمد أنه قال فيه: "لم يكن ممن يستأهل أن يكتب عنه، ولا كان موضعًا لذلك". وعمه هو الحسين بن الحسن بن عطية بن سعد، وهو متفق على ضَعفه ترجمه الخطيب "٨/٢٩- ٣٢" وغيره. وأبوه الحسن بن عطية ضعيف أيضًا اتفاقًا، وقد أورده ابن حبان في "الضعفاء" وقال: "مُنكَر الحديث، فلا أدري البَلِيّة منه أو من ابنه، أو منها معًا؟ " ترجمته في "تهذيب التهذيب".

стр. 31

وكذا والده عطية، وهو مشهور بالضَّعف١.

стр. 32

بيان بطلان القصة متنًا: تلك هي روايات القصة، وهي كلها كما رأيت مُعَلَّة بالإرسال والضّعف والجَهالة، فليس فيها ما يصلُح للاحتجاج به، لا سيّما في مثل هذا الأمر الخطير. ثم إن مما يؤكد ضَعفها بل بطلانها، ما فيها من الاختلاف والنّّكارة مما لا يليق بمقام النبوة والرسالة، وإليك البيان: أولًا: في الروايات كلها، أو جُلها، أن الشيطان تكلم على لسان النبي ﷺ بتلك الجملة الباطلة التي تمدح أصنام المشركين، "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى". ثانيًا: وفي بعضها كالرواية الرابعة: "والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاء به عن ربهم ولا يتهمونه على خطأ وهم" ففي هذا أن المؤمنين سمعوا ذلك منه ﷺ ، ولم يشعروا بأنه من إلقاء الشيطان، بل اعتقدوا أنه من وحي الرحمن!! بينما تقول الرواية السادسة: "ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان" فهذه خلاف تلك. ثالثًا: وفي بعضها كالرواية "١و ٤ و ٧ و ٩": أن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 33

بقي مدة لا يدري أن ذلك من الشيطان، حتى قال له جبريل: "معاذ الله! لم آتك بهذا، هذا من الشيطان!! ". رابعًا: وفي الرواية الثانية أنه ﷺ سها حتى قال ذلك! فلو كان كذلك، أفلا ينتبه من سهوه؟! خامسًا: في الرواية العاشرة الطريق الرابع: أن ذلك ألقيَ عليه وهو يصلي!! سادسًا: وفي الرواية "٤ و ٥ و ٩" أنه ﷺ تمنّّى أن لا ينزل عليه شيء من الوحي يَعيبُ آلهة المشركين، لئلا ينفروا عنه!! وانظر المقام الرابع من كلام ابن العربي الآتي "ص٥٠". سابعًا: وفي الرواية "٤ و ٦ و ٩" أنه ﷺ قال عندما أنكر جبريل ذلك عليه "أفتريتُ على الله، وقلتُ على الله ما لم يقل، وشركني الشيطان في أمر الله!! ". فهذه طامّات يجب تنزيه الرسول منها لا سيّما هذا الأخير منها فإنه لو كان صحيحًا لصدق فيه، ﵇، -وحاشاه- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٦] . فثبت مما تقدم بطلان هذه القصة سندًا ومتنًا. والحمد لله على توفيقه وهدايته.

стр. 34

كلام الحافظ ابن حجر والرد عليه ... كلام الحافظ والرد عليه: وقد يقال: إن ما ذهبت إليه من تضعيف القصة سندًا، وإبطالها متنًا، يخالف ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر من تقويتها كما سبق الإشارة إليه آنفًا. فالجواب: أنه لا ضَير علينا منه، ولئن كنا خالفناه، فقد وافقنا جماعة من أئمة الحديث والعلم سيأتي ذكرهم، فاتباعهم أولى، لأن النقد العلمي معهم، لا لأنهم كثرة، ورحم الله من قال: "الحق لا يعرف بالرجال إعرف الحق تعرف الرجال". ولبيان ذلك لا بد لي من أن أنقل كلام الحافظ بتمامه، ثم أتبعه ببيان رأينا فيه، والصواب الذي نرمي إليه فأقول: قال الحافظ في "الفتح: ٨/٣٥٤-٣٥٥" بعد أن ساق الرواية الأولى وخرّجها هي وغيرها مما تقدم: "وكلها سوى طريق سعيد بن جبير، إما ضعيف وإما منقطع، ولكن لكثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلًا، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط "الصحيحين" ثم ذكر الرواية الثانية والثالثة ثم قال: "وقد تجرأ أبو بكر بن العربي كعادته فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل

стр. 35

لها، وهو إطلاق مردود عليه، وكذا قول عياض: هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، وكذا قوله: ومن حملت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين، لم يسندها أحد منهم، ثم ردّه من طريق النظر بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم، قال: ولم ينقل ذلك انتهى. وجميع ذلك لا يتمشى مع القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها، دلّ ذلك على أن لها أصلًا، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لا اعتضاد بعضها ببعض". قاعدة تقوية الحديث بكثرة الطرق ليست على إطلاقها: والجواب عن ذلك من وجوه: أولًا: أن القاعدة التى أشار إليها، وهي تقوية الحديث بكثرة الطرق ليست على إطلاقها، وقد نبّه على ذلك غير واحد من علماء الحديث المحققين، منهم الحافظ أبو عمر بن الصلاح حيث قال ﵀ في "مقدمة علوم الحديث: ص٣٦- ٣٧": "لعل الباحث الفهم يقول: إنا نجد أحاديث محكومًا بضعفها، مع كونها قد رُويَت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة

стр. 36

مثل حديث: "الأذنان من الرأس" ١ ونحوه، فهلاّ جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسن لأن بعض ذلك عضد بعضًا كما قلتم في نوع الحسن على ما سبق آنفًا؟! وجواب ذلك أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت فمنه ما يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئًا من ضعف حفظ راويه، ولم يختلّ فيه ضبطه له، وكذلك إذا كان ضَعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر٢ ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك

стр. 37

ضعف الحديث المرسل وسببه ... لقوة الضعف، وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، وذلك كالضعيف الذي ينشأ من كون الراوي متهمًا بالكذب، أو كون الحديث شاذًّا. وهذه جملة تفاصيلها تُدرَك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة". قلت: ولقد صدق رحمه الله تعالى، فإن الغَفَلَةَ عن هذه النفيسة قد أوقعت كثيرًا من العلماء، لا سيّما المشتغلين منهم بالفقه في خطأ فاضح، ألا وهو تصحيح كثير من الأحاديث الضعيفة اغترارًا بكَثرة طُرقها، وذهولًا منهم عن كون ضعفها من النوع الذي لا ينجبر الحديث بضعفها، بل لا تزيده إلا وَهنًا على وهن، ومن هذا القبيل حديث ابن عباس في هذه القصة، فإن طرقه كلها ضعيفة جدًا كما تقدم، فلا يتقوى بها أصلًا. لكن يبقى النظر في طرق الحديث الأخرى، هل يَتَقَوّى الحديث بها، أم لا؟ فاعلم أنها كلها مرسلة، وهي على إرسالها معلة بالضعف والجهالة كما سبق تفصيلها، سوى الطرق الأربعة الألى منها "رقم ١ و ٢ و ٣ و ٥" فهي التي تستحق النظر، لأن الحافظ ﵀ جعلها عمدته في تصحيحه هذه القصة، وتقويته لها بها، وهذا مما نخالفه فيه، ولا نوافقه عليه، وبيان ذلك يحتاج إلى مقدمة وجيزه مفيدة إن شاء الله تعالى، وهي:

стр. 38

ضعف الحديث المرسل: الوجه الثاني: وهو يحتوي على تحقيق أمرين أساسيين: الأول: أن الحديث المُرسَل، ولو كان المُرسِل ثقة، لا يُحتج به عند أئمة الحديث، كما بيّنه ابن الصلاح في "علوم الحديث" وجزم هو به فقال "ص٥٨": "ثم اعلم أن حكم المُرسَل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر كما سبق بيانه ... وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضَعفه، هو المذهب الذي استقر عليه آراء جماهير حفّاظ الحديث، ونقاد الأثر، وقد تداولوه في تصانيفهم". الأمر الثاني: معرفة سبب عدم احتجاج المحدثيين بالمُرسَل من الحديث، فاعلم أن سبب ذلك إنما هو جَهالة الوساطة التي روى عنها المُرسِل الحديث، وقد بيّن ذلك الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" حيث قال "ص ٢٨٧" بعد أن حكى الخلاف بالعمل المرسل: "والذي نختاره سقوط فرض العمل بالمراسيل، وأن المرسل غير مقبول، والذي يدل على ذلك أن إرسال الحديث يؤدي إلى الجهل بعين راويه، ويستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه، وقد بيّنا من قبل أنه لا يجوز قبول الخبر إلا ممن عرفت عدالته

стр. 39

هل يتقوى الحديث بمجيئه من طرق مرسلة ورأي المؤلف في ذلك ... فوجب كذلك كونه غير مقبول، وأيضًا فإن العدل لو سئل عمن أرسل عنه؟ فلم يُعدّله، لم يجب العمل بخبره، إذا لم يكن معروف العدالة من جهة غيره، وكذلك حاله إذا ابتدأ الإمساك عن ذكره وتعديله، لأنه من الإمساك عن ذكره غير مُعدّل له، فوجب أن لا يقبل الخبر عنه". وقال الحافظ ابن حجر في "شرح نخبة الأفكار" "ص١٧" بعد أن ذكر الحديث المرسل في "أنواع الحديث المردود": "وإنما ذكر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف، لأنه يحتمل أن يكون صحابيًا، ويحتمل أن يكون تابعيًا، وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفًا، ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني يحتمل أن يكون حُمل عن صحابي، ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق ويتعدد، أما بالتجويز العقلي، فإلى ما لا نهاية، وأما بالاستقراء، فإلى ستة أو سبعة، وهو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض، فإن عرف من عادة التابعي أنه لا يرسل إلا عن ثقة، فذهب جمهور المحدثين إلى التوقف، لبقاء الاحتمال، وهو أحد قولي أحمد، وثانيهما: يقبل مطلقًا، وقال الشافعي ﵁: يُقبل إن اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى مسندًا كان أو مرسلًا ليترجّح احتمال كون المحذوف ثقة في نفس الأمر"

стр. 40

قلت: فإذا عرف أن الحديث المُرسَل لا يقبل، وأن السبب هو الجهل بحال المحذوف فيرد عليه أن القول بأنه يقوى بمرسل آخر غير قوي لاحتمال أن يكون كل من أرسله إنما أخذه عن راوٍ واحد، وحينئذ ترد الاحتمالات الذي ذكرها الحافظ، وكأن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قد لاحظ ورود هذا الاحتمال وقوته، فاشترط في المرسل الآخر أن يكون مُرسِله أخذ العلم عن غير رجال التابعي الأول، كما حكاه ابن الصلاح "ص٣٥" وكأن ذلك لَيغلب على الظن أن المحذوف في أحد المرسَلين هو غيره في المرسَل الآخر. وهذه فائدة دقيقة لم أجدها في غير كلام الشافعي ﵀ فاحفظها وراعِها فيما يمر بك من المرسَلات التي تذهب البعض إلى تقويتها لمجرد مجيئها من وجهين مرسَلين دون أن يراعوا هذا الشرط المهم. ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قد نصّ أيضًا على هذا الشرط في كلام له مفيد في أصول التفسير، نقله عنه الحافظ محمد بن عبد الهادي في كتاب له مخطوط في الأحاديث الضعيفة والموضوعة "حديث ٤٠٥/٢٢١"، فقال ابن تيمية رحمة الله تعالى: "وأما أسباب النزول، فغالبها مرسل، ليس بمسند، لهذا قال الإمام أحمد: ثلاث علوم لا إسناد لها. وفي لفظ: ليس لها
следующие страницы →