Полный текст (400 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
بأبيضَ نَهّاضٍ إلى سُورِ العُلى ... جراثيمُ يخطوها فتىً غيرُ توأمِ
وقال أبو حيّة يمدح مروان الحمار:
أشاقَتْكَ أظعانٌ دعَتْهنَّ نِيّةٌ ... يُوَطِّنُ شِعْباها الحزينَ على الهجرِ
ظعائنُ طَلاّبٍ ثرى الغيثِ قلَّما ... يُساعفْنَ إلاّ أنْ يُناسِمْنَ عن عُفْرِ
رعَيْنَ القرارَ الحُوَّ حتى إذا ارتمَتْ ... بنَبْلِ السَّفى أعرافَ غُوريّةٍ كُدْرِ
وجاءَتْ روايا الحيِّ من كلِّ مُسْمِلٍ ... بطَرْقٍ كماءِ الفظِّ من نُطَفٍ صُفْرِ
بقيّةُ أسْمالٍ زَواهُنَّ كوكبٌ ... مقَفٍّ ترى الحرباءَ في آلِهِ يجري
ورُدّتْ جِمالُ الحيِّ كُلْفاً تطايرَتْ ... عقائقُهُنَّ الغُبْسُ عن نُقَبٍ شُقْرِ
بما اسْتُوجِرَتْ من كل وادٍ مربةً ... مصابَ الثريا كلُ ناشئةٍ بكرِ
فعرضنَ واندَحَّتْ كُلاهُنَّ بعدَما ... طواهُنَّ إحناقُ المُسَدَّمةِ الذُّفْرِ
كأنَّ عصيمَ الورسِ منهنَّ جاسِداً ... بما سالَ من غِربانِهنَّ منَ الخُطْرِ
وزَمَّ القِيانُ التُّلْدُ كلّ مُلَهَّثٍ ... مُدالِقَ لَحْيَيْ لا مُذَكٍّ ولا بَكْرِ
لأحداجِ بِيضٍ كالدمى كلِّ بادنٍ ... رَداحٍ تَهادى المشيَ شِبراً إلى شِبرِ
إذا قُمنَ لم ينهضْنَ إلاّ قصيرةً ... خُطاهنَّ ممّا يتَّقِينَ منَ البُهْرِ
وعالَيْنَ أحداجاً لهنَّ كأنّما ... عُلِينَ بنُوّارِ المُكَلَّلَةِ القَفرِ
على كلِّ قَيْنِيٍّ يُغاليهِ صهوةٌ ... مُشرَّفةُ الأعلى مُداخلَةُ الأسرِ
دخلْنَ العلالِيَّ التي عملتْ لها ... أكُفٌّ أتَتْها عن يمينٍ وعن يَسْرِ
ولدَّدْنَ للأصعادِ أعناقَ ولَّهٍ ... إلى كلِّ وادٍ لا أُجاجٍ ولا بَثْرِ
لهُ أرجٌ من طِيبِ ما تلتقي بهِ ... لأينَعَ يندى من أراكٍ ومن سِدرِ
كأنَّ القطوعَ العبقريّةَ نُشِّرَتْ ... أسِرّةُ مُلْتَجٍّ حدائقُهُ خُضرِ
ويومٍ من الأيامِ قصَّرتُ طولَهُ ... بقانيةِ الأطرافِ ذاتِ حشاً ضَمرِ
لها كفَلٌ لأياً إذا ما تدافعَتْ ... بهِ قامَ جُهداً من ذَنوبٍ ومن خصرِ
كما هزَّ عَيْدانيّةً مَعْجُ رَيْدَةٍ ... جَنوبٍ بلا معجٍ شديدٍ ولا فَتْرِ
ولم أنسَ من سلمى وسلمى بخيلةٌ ... ودائعَ أدناهُنَّ مُذْ حِجَجٍ عشرِ
ولا قَولَها والقومُ قد أشرفَتْ لهمْ ... عيونٌ كحرِّ الجمرِ ظاهرةِ الغِمرِ
تعلَّمْ بأنَّ القومَ تغلي صدورُهمْ ... عليكَ فكنْ مما تخافُ على حِذْرِ
فقلتُ لها لا بَرْءَ منكِ ولا هوىً ... سواكِ ولا دَمُّوا بمُهجتِهِ نَجْري
لوَ انَّ سِباعَ الأرضِ دونَكِ أصبحتْ ... على كلِّ فجٍّ من أُسودٍ ومن نَمْرِ
رباضاً على أشبالِها لقطعتُها ... إليكِ بسيفي أو هلكتُ فلا أدري
وقائلةٍ قالتْ ألستِ براحلٍ ... ألستَ ترى ما قد أُصيبَ من الوَفْرِ
أغِثْ منْ أميرِ المؤمنينَ بنفحةٍ ... عيالَكَ تُبْلِتْ في صنائعِها الوُفْرِ
فقلتُ لها ذاكِ الذي ينتحي بهِ ... نهاري وليلي كلّ نائبةٍ صدري
لعَمرُكَ إذْ ما قلتُ ما أنا بالذي ... أصونُ المطايا قد علمتِ من السَّفْرِ
ولا يَثقُلُ الليلُ البهيمُ إذا دجا ... عليَّ إذا ما أثقلَ الليلُ من يَسري
وكنتُ إذا ما الهمُّ أطلقَ رحلَهُ ... إليَّ فقالَ ارحلْ شددْتُ لهُ أزري
وحمّلتُهُ أصلابَ خُوصٍ كأنّها ... قَنا الشَّوْحَطِ المُعوجِّ من قلقِ الضُّمْرِ
يَؤمُّ بها المَوماةَ زَولٌ كأنَّهمُ ... فِرِنْدِيّةُ القضبانِ ظاهرةُ الأُثْرِ
ألا يا بنَ خيرِ الناسِ إلاّ محمدا ... صَنيعاً وأولى الناسِ بالحمدِ والأجرِ
أتيناكَ من نجدٍ على قَطَرِيّةٍ ... لوى حلَقاً قُدّامَ أعيُنِها المُبْري
موائِرُ أعضادٍ مَغالي مَفازةٍ ... سِباط الذِّفاري لا جِعادٍ ولا زُعْرِ
بدأْنَ وتحتَ المَيسِ منهنَّ عاتقٌ ... أتارةُ أعوامٍ وهَبْرٌ على هبرِ
فجاءتْ وممّا أُنعلَتْ حَفَياتُها ... خِذامٌ بأرْساغِ المُهَلَّلَةِ الدُّبْرِ
стр. 317
فما أدركتْنا يا بنَ مروانَ دونَكمْ ... صلاةٌ لأُولى في مُناخٍ ولا فجرِ
ولا هيَ إلاّ وَقعةٌ كلّما الْتظى ... أُوارُ الحصى في كلِّ هاجرةٍ وغْرِ
وتَحليلٍ شُعْثٍ غَوَّروا رفعوا لهمْ ... بناءً بنَوهُ فوقَ ظُفْرٍ على ظُفرِ
إذا استَنْشَصَتْهُ الريحُ أو رسبَتْ لهُ ... علينا القُوى ضربَ الحبالةِ بالنَّسْرِ
تراهُ سماءً بينَ حَيلَيْنِ ما لهُ ... سوى ذاكَ ظِلٌّ من كِفاءٍ ولا سِترِ
إذا البارحُ الحامي الوَديقةِ لفَّهُ ... علينا ترى مُسْتَكْشِماً أشَرَ المُهْرِ
وقال أبو حية، وأدرك زمن هشام بن عبد الملك، يمدح يزيد بن عتّاب بن الأصمّ بن مالك:
قِفا حَيِّيا الأطلالَ من مَسقِطِ اللِّوى ... وهلْ في تحيّاتِ الرسومِ جَداءُ
وماذا تُحيِّي من رسومٍ تَبدَّلتْ ... شعوبُ النَّوى عنها وهنَّ قَواءُ
علاهُنَّ بعدَ الحيِّ كلُّ مُجَلجلٍ ... مَحاهُنَّ تيّارٌ لهُ وغُثاءُ
وأقفرَ وادِيهِنَّ واحتفَرَتْ بهِ ... ماكنسُ عِينٍ باقرٌ وظِباءُ
فشاقَكَ ممّا أحْرثَ الحيَّ منزلٌ ... رُكامُ الحصى والمجْنَحاتُ خلاءُ
ورَبعٌ بأعلى ذي الجِذاةِ كأنّما ... على مَتنِهِ منْ حضرَمَوتَ رداءُ
إذا انغمستْ أولى النجومِ تلعَّبتْ ... بهِ قصَباتٌ مُزنُهُنَّ رَواءُ
كأنَّ لم يُرى فيهِ الجميعُ ولم تَصِحْ ... بهمْ نيّةٌ تُغري الديارَ جَلاءُ
بلى ثمَّ أجْلَتْ نيّةٌ ليسَ بعدَها ... لرَيّا ولا أمِّ البنينَ لقاءُ
تذكَّرتُ عصراً قد مضى وصِحابةً ... ولم تكُ عمّا قدْ ذكرتُ عَداءُ
لياليَ تنْآها ولو شئتَ زُرتَها ... وكيفَ معَ الواشي المُطِلِّ تشاءُ
إليكَ ابنَ عَتابٍ رحَلْنا وساقَنا ... منَ الغَورِ جدْبٌ مُوصَدٌ وعِداءُ
وعامٌ كحدِّ السيفِ أمّا ربيعُهُ ... فنحْرٌ وأمّا قَيظُهُ ففناءُ
بمُعْصَوْصِياتِ السَّبْرِ صُعْرٍ من البُرى ... خواضعُ أدنى سيرِهنَّ نَجاءُ
إذا ما فلاةُ الخِمسِ أضحتْ كأنَّها ... مُنَطَّقةٌ أعلامُهنَّ مُلاءُ
قطعْنَ فلاةَ الخِمسِ لمّا لقِينَها ... غِشاشاً ولم يُرقَبْ أنىً وَضَحاءُ
مُضَبّرةَ الأصلابِ في ثَفِناتِها ... زُلوجٌ وفي أعضادِهنَّ عَداءُ
وكمْ قدْ تركْنا من مُعَرِّسِ ساعةٍ ... بهِ لحديدِ المِرفقَيْنِ عُواءُ
أصابَ طَلىً من حشْرَةٍ جاءَ فوقَهُ ... منَ الماءِ والغِرْسِ والفَضيضِ غطاءُ
جرى بينَ حاذَيْ عَنْتَرِيسٍ تَراغبَتْ ... على الرَّحْلِ منها جُفْرةٌ وبناءُ
يزُرنَ ابنَ عَتّابٍ ويرجونَ فِعلَهُ ... إذا حانَ من حاجاتِهنَّ قضاءُ
يزَرْنَ جَنابيّاً أغَرَّ كأنّهُ ... سَنا البدرِ فيهِ للظلامِ جِلاءُ
وجدْنا قِراكُمْ في حِياضٍ رَغيبةٍ ... وهنَّ على رَغْبٍ بهنَّ مِلاءُ
بَناهُنَّ عَتّابٌ وأوصاكَ بعدَهُ ... بهنَّ فلمْ يُهدمْ لهنَّ بناءُ
عَلالِيُّ مِنْ سعيِ الأصمِّ بن مالكٍ ... وكلُّ الذي أسدى الأصمُّ سَناءُ
إذا ضِيمَ قومٌ أو أقرُّوا ظَلامةً ... نفى الضيمَ عنكمْ عزّةٌ وإباءُ
وقمتُمْ بأسيافٍ حِدادٍ وألسُنٍ ... طِوالٍ وأرماحٍ بهنَّ دماءُ
وما قادَكمْ يوماً منَ الناسِ معشَرٌ ... وما زالَ فيكمْ قائدٌ ولِواءُ
إذا سارَ قومٌ للعُلى سرْتَ فوقَهمْ ... إلى شُرُفاتٍ ما بهنَّ خَفاءُ
بلغْتٌمْ نجومَ الليلِ فضلاً وعزّةً ... ومجداً فأنتمْ والنجومُ سَواءُ
وقال أبو حيّة:
أأبكاكَ رسمُ المنزلِ المُتقادمِ ... بأمْراسَ أقوى من حلولِ الأصارمِ
وجرَّتْ بها العَصرَيْنِ كلُّ مُطلّةٍ ... جَنونٍ ومَوجٍ طَمَّ فوقَ الجراثِمِ
إلى دَبْرِ شمسٍ لم يدَعْ سنَنُ الصَّبا ... ولا قصفُ زَمزامِ الأتِيِّ اللوالِمِ
سوى أنَّ دَوداةً مَلاعبَ صِبيةٍ ... على مُستوى منْ بينَ تِيكَ المخارمِ
وأخلاقٍ أنواءٍ تَعاوَرُن مَرْبعاً ... عليهنَّ رُوقاتُ القِيانِ الخوادمِ
سَجَوْنَ أديمَ الأرضِ حتى أحَلْنَهُ ... دونَ المُفعِماتِ الغواشمِ
стр. 318
فأنتَ ترى منهنَّ شَدْواً تكلَّفتْ ... بهِ لكَ آياتُ الرسومِ الطَّواسمِ
كما ضربَتْ وشماً يدا بارقِيّةٍ ... بنَجرانَ أقْرَتْهُ ظهورَ المعاصمِ
أناءتْ ولم تُنضِجْ فأنتَ ترى لها ... قروفاً نمَتْ منهنَّ دونَ البَراجمِ
إلى أذرُعٍ وشَّمْنَها فكأنّها ... عَلاهُنَّ ذَرُّ المغْضَناتِ الرَّواهمِ
فأمرَتْ بها عيناكَ لمّا عرفْتَها ... بمُبْتَدِرٍ نَظْمِ الفريدَيْنِ ساجمِ
غروباً وأجفاناً تفيضُ كأنما ... همتْ من مرشاتِ الشنانٍ الهزائمِ
لعِرفانِكَ الرَّبْعَ الذي صدعَ العصا ... بهِ البَين صَدعاً ليسَ بالمُتلائمِ
وقدْ كنتُ أدري أنَّ للبَينِ صَيحةً ... على الحيِّ من يومٍ لنفسِكَ ضائمِ
كصيحتِهِ يومَ اللِّوى حينَ أشرفَتْ ... بأسفلِ ذي بَيضٍ نعاجُ الصَّرائمِ
لبِسْنَ المُوشَّى العصْبَ ثمَّ خطَتْ بهِ ... لِطافُ الكُلى بُدْنٌ عِراضُ المآكمِ
يُدَرِّينَ بالداري كلَّ عشيّةٍ ... وحُمِّ المَداري كلّ أسحمَ فاحمِ
إذا هنَّ ساقَطْنَ الأحاديثَ للفتى ... سِقاطَ حصى المَرجانِ من كفِّ ناظمِ
رمَيْنَ فأنفَذْنَ القلوبَ ولا ترى ... دماً مائراً إلا جوىً في الحَيازمِ
وخبَّرَكِ الواشونَ ألاّ أحبُّكمْ ... بلى وستورِ اللهِ ذاتِ المحارمِ
أصُدُّ وما الهجرُ الذي تحسبينَهُ ... عزاءً بنا إلاّ ابتِلاعَ العَلاقمِ
حَياءً وبُقْياً أن تشيعَ نَميمةٌ ... بنا وبكمْ أُفٍّ لأهلِ النَّمائمِ
أما إنّهُ لوْ كانَ غيركَ أرقلَتْ ... إليهِ القَنا بالمُرهفَاتِ اللهاذمِ
ولكنْ وبيتِ اللهِ ما طَلَّ مسلماً ... كغُرِّ الثنايا واضحاتِ المَلاغمِ
إذا ما بدَتْ يوماً علاقاءُ أو بَدا ... أبو توأمٍ أو شِمتَ دَيرَ ابنِ عاصمِ
قياسرَ شِيعتْ بالهِناءِ وصُتّمَتْ ... مصَفّقةَ الأقيانِ قَينِ الجماجمِ
يُرَجِّعْنَ من رُقْشٍ إذا ما أسلْنَها ... وقَرْقَرْنَ أوْعَتْها جِراءُ الغَلاصمِ
بكيتَ وأذريتَ الدموعَ صَبابةً ... وشوقاً ولا يقضي لُبانةَ هائمِ
كأنْ لم أُبرِّحْ بالغَيورِ وأقتَتِلْ ... بتَفتيرِ أبصارِ الصِّحاحِ السقائمِ
ولمْ ألهُ بالحِدْثِ الألَفِّ الذي لهُ ... غدائرُ لم يُحرمْنَ فارَ اللطائمِ
إذِ اللهوُ يَطْبِيني وإذا استَمِيلُهُ ... بمُحْلَوْلَكِ الفَودَيْنِ وحْفِ المقادمِ
وإذ أنا مُنقادٌ لكلِّ مُقَوَّدٍ ... إلى اللهوِ حَلاّفِ البَطالاتِ آثمِ
مُهينِ المطايا مُتلِفٍ غيرَ أنّني ... على هُلْكِ ما أتلفتُهُ غيرُ نادمِ
أرى خيرَ يومَيَّ الخَسيسَ وإنْ غلا ... بيَ اللؤمُ لم أحفِلْ ملامةَ لائمِ
فإنَّ دماً لو تعلمينَ جَنَيْتِهِ ... على الحيِّ جاني مثلِهِ غيرُ سالمِ
وقال أبو حيّة يمدح عمرو بن كعب:
سَلِ الأطلالَ بينَ براقِ سَلِّي ... وبينَ العُفْرِ من جرَعِ الرَّ غامِ
وما أبقى الراومِسُ كلَّ قَيظٍ ... ولا المُتَهَدِّجاتِ منَ الغَمامِ
ولا مُعْرَوْرِفٌ نشطَتْ جَنوبٌ ... بهِ هوجاءُ من بلدٍ تَهامِ
منَ العرَصاتِ غيرَ مَخَدِّ نُؤْيٍ ... كباقي الوحي خُطَّ على إمامِ
وغيرِ خوالدٍ لُوِّحْنَ حتى ... بهنَّ علامةٌ ليستْ بشامِ
كأنَّ بها حماماتٍ ثلاثاً ... مثَلْنَ ولم يطِرْنَ معَ الحمامِ
بها ارْفَضَّتْ مَساربُ مُقلتَيْهِ ... كما ارفضَّ الفريدُ منَ النظامِ
جزى اللهُ الغوانيَ يومَ قَوٍّ ... ويومَ لقِيتُهنَّ بذي سَلامِ
بما أخلَفْنَني وطَلَلْنَ دَيني ... جزاءَ المجرمينَ منَ الأنامِ
إذا رَيَّشْنَ أعيُنُهنَّ يوماً ... فلمْ يوجدْ كإحداهُنَّ رامِ
أردْنَ عشيّةَ الشَّرْوَيْنِ قتلي ... ولمْ يَرْجَبْنَ سفكَ دمٍ حرامِ
وقُلنَ لطفلةٍ منهنَّ ليستْ ... بمِتفالٍ ولا هَمَشى الكلامِ
يجُولُ وِشاحُها قلقاً عليها ... تَلُوثُ المِرْطَ فوقَ نَقاً رُكامِ
تَهادى ثمَّ يبهَرُها رديفٌ ... رَبا بتثاقُلِ القصبِ الفِخامِ
стр. 319
كأنَّ الشمسَ سُنَّتُها إذا ما ... حلَفْنَ لتُسفِرَنَّ منَ اللِّثامِ
أزيدي قتلَهُ فرمَتْ فؤادي ... بنَبلٍ غيرِ شاهدةِ الكِلامِ
وما اللائي عَقيلَتُهنَّ ريّا ... بعَشّاتِ العِظامِ ولا دِمامِ
نُظورةُ نِسوةٍ مُتعالِماتٍ ... يزِدْنَ على المَلاحةِ والوَسامِ
أُلاكَ القاتلاتُ بغيرِ جُرمٍ ... وما يقتلْنَ غيرَ فتىً حُسامِ
وقالَ ببطنِ عاجنةٍ رفيقي ... وعيناهُ بأربعةٍ سِجامِ
رأى المَوماةَ تَذرَعُها المَهارى ... بهِ والسِّفْرَ منقطعَ الخِطامِ
وقد قلقتْ سَفائفُ مُدْرَجاتٌ ... كأنَّ جُرومَها أرْماثُ قامِ
أجِدَّكَ ما تذكّرُ بردَ خيمٍ ... بأبطحَ مُسْهِلٍ كِفَفَ الشُّمامِ
ولا البقرُ الذي قُصرتْ عليهِ ... حِجالُ الأرمنيّةِ في الخيامِ
لهنَّ منَ الأراكِ مُضرّجاتٌ ... ومما اختزْنَ من قُضُبِ البَشامِ
يمْحِنَ بهِ ذُرى برَدٍ تداعى ... بهِ المتَهلِّلات منَ الغمامِ
عشيّةَ صيِّفٍ وتَضمَّنتْهُ ... رِهاءٌ من عَمايةَ أو حوامي
فذكَرَني لياليَ صالحاتٍ ... فأعْداني بنُصْبٍ واحتِمامِ
فقلتُ لهُ تعزَّ فليسَ هذا ... بحينِ صبابةٍ للمُستهامِ
فلا تجزعْ لعلّكَ بعدَ شَحطٍ ... تُلِمُّ ولوْ يئستَ من اللِّمامِ
فلستَ وإنْ بكيتَ أشدَّ وجْداً ... ولكنّي امرؤٌ ثقتي أمامي
فقالَ عصيتَني ولرُبَّ ناهٍ ... عصيتُ ومَهْمهٍ حرَجِ القَتامِ
كأنَّ جبالَهُ والآلُ يطفو ... على أطرافِها قزَعُ الجَهامِ
كأنَّ الآبداتِ الرُّبْدِ فيهِ ... أُلاتُ الوحفِ من حِزَقِ النِّعامِ
سرحْنَ لبلدةٍ فرفضْنَ منها ... مَرابعُهنَّ منْ زمَعِ الكِلامِ
قوالسُ عُنصُلٍ أو طلْعُ شَرْيٍ ... بمأتى كلِّ مندفِعٍ نُعامِ
عُناةٌ يبتغونَ جنىً عليهمْ ... بِرادٌ من قبائلِ آلِ حامِ
يلوحُ بها المذَلَّقُ مِذْرَياهُ ... خروجَ النجمِ من صلَعِ الغِيامِ
كأنَّ شوي يدَيهِ جرى عليها ... نَؤورُ مُشِيطةٍ إحدى جُذامِ
قطعتُ بذاتِ ألواحٍ تَرامى ... بَزَوْلٍ لا ألفَّ ولا كَهامِ
وشُعثٍ أدلجوا وغدَوا وراحوا ... على عيسٍ مَناسمُها دَوامي
نَجائبَ من نِجارِ بناتِ رُهْمٍ ... كأنَّ رجالُهنَّ على نَعامِ
ترى الوهمَ الجُلالَ كأنَّ قاراً ... تحدَّرَ من نوابعِهِ الهوامي
إذا ما شدَّ أحبُلَهُ عليهِ ... تجافى حالباهُ عنِ الحِزامِ
كأنَّ الرحْلَ أشرفَ من قَراهُ ... قرا ذاتِ الوعولِ من الرِّجامِ
وليسَ إذا تُعُرِّمتِ المطايا ... بمنكودٍ ولا مَلِقِ العَرامِ
كأنَّ هديرَ أعْيَسَ في مخاضٍ ... وحُولٍ بالمرافضِ من رؤامِ
تَجرَّمَ قيظُهُ وجرَتْ عليهِ ... رياحُ البردِ طيّبةَ النِّسامِ
تَغمغُمُهُ إذا المُبْراةُ منهُ ... لوَتْها العُروتانِ منَ الزِّمامِ
وتحملُني مُوثّقةٌ أمُونٌ ... تُكلِّفُني الهمومَ إلى الهُمامِ
تَزِيفُ إذا المطايا واهفَتْها ... كما زافَ المُسَدَّمَ ذو الحِجامِ
إذا ارفضَّتْ صوائلُ أخدعَيْها ... وساقَطَ سَعمُها خبَطَ اللُّغامِ
وسافَهَتِ الزِّمامَ ولاعبَتْهُ ... بأتلعَ مثل آسيَةِ الرخامِ
رأيتَ تدوَّؤاً من ذاتِ لَوثٍ ... لَحيبِ الصُّلبِ واريَةَ السنامِ
كأنَّ قرونَ أوعالٍ مَذاكٍ ... منَ الفُدْرِ العواقلِ في شَمامِ
نَطحْنَ مَحالَها من جانبَيْهِ ... شِدادَ الأسرِ في طبقٍ لُؤامِ
تراها بعدَما قلقتْ قُواها ... كُلوءَ العينِ ريِّحةَ البُغامِ
تزورُ المُصطفى عمروَ بن كعبٍ ... تزورُ أغرَّ مرتفعَ المقامِ
إليهِ دؤوبُها وإذا أتتْهُ ... أتتْ بالشامِ خيرَ فتىً شآمِ
أتتْ مُتطَلِّقاً كِلتا يدَيهِ ... ربيعٌ مُمْرِعٌ غَدِقُ الرِّهامِ
معاويّاً منَ الأثرَيْنِ تنمي ... إلى عاديّةِ الحِسَبِ التِّمامِ
فتىً لا يمنعُ المعروفَ منهُ ... تَبسُّلُ شَتوَةٍ ومحِلُّ عامِ
стр. 320
وما مَدُّ الفراتِ إذا تسامى ... بموجٍ ذي قَصيفٍ والتِطامِ
بأغزرَ منكَ نافلةً إذا ما ... تحادبَ ظهْرَ جارفةٍ أُزامِ
ولا وردٌ بلحظةَ أو بتَرْجٍ ... منَ المُتوهِّساتِ دُجى الظلامِ
حمى أجَماتِهِ فتُركْنَ قفراً ... وأحمى ما أحالَ على الإجامِ
تطايرَ من يليهِ ومن يليها ... تَطايُرَهمْ من اللَّجبِ اللُّهامِ
وما ينفكُّ يسحبُ كلَّ يومٍ ... قتيلاً من رجالٍ أو سَوامِ
كأنَّ أسنّةً ذُلقتْ فلمّا ... تلمَّظ كلُّ مُلتهبٍ هُذامِ
عطفْنَ خوارجاً من أهرَتَيْهِ ... محيطاتٍ بمَنخرِهِ الضُّخامِ
بأنجدَ سَورةً من كلِّ يومٍ ... كأنَّ أجيجَهُ سَنَنُ الضِّرامِ
وقال أبو حيّة يمدح الحكم بن صخر الثقفي:
ألا حيِّيا بالخبِيّ الديارا ... وهلْ ترجعَنَّ ديارٌ حِوارا
زمانَ الصِّبا ليتَ أيامَنا ... رجعْنَ لنا الصالحاتِ القِصارا
زمانٌ عليَّ غُرابٌ غُدافٌ ... فطيَّرَهُ الدهرُ عنّي فطارا
فلا يُبعدِ اللهُ ذاكَ الغُدافَ ... وإنْ كانَ لا هو إلاّ ادِّكارا
فأصبحَ موقعُهُ بائضاً ... محيطاً خِطاماً محيطاً عِذارا
فأما مَسايحُ قدْ أفحشَتْ ... فلا أنا أسطيعُ منها اعتذارا
وهازئةٍ إنْ رأتْ كَبْرَةً ... تَلفَّعَ رأسٌ بها فاستنارا
أجارَتِنا إنَّ ريبَ المَنو ... نِ قبلي عابَ الرجالَ الخِيارا
فإمّا ترَيْ لِمَّتي هكذا ... فأكثرتِ مما رأيتِ النِّفارا
فقدْ أرتَدي وحْفةً طَلّةً ... وقدْ أشعفُ العطراتِ الخِفارا
وقدْ كنتُ أسحبُ فضلَ الرِّداء ... وأُرخي على العقِبَيْنِ الإزارا
ورَقراقةٍ لا تطيقُ القِيا ... مَ إلاّ رويداً وإلاّ انبِهارا
خلَوتُ بها نَتجازى الحَدي ... ثَ شيئاً علاناً وشيئاً سِرارا
كأنَّ على الشمسِ منها الخِمارَ ... إذا هيَ لاثَتْ عليها الخِمارا
كأنَّ الخزامى يمُجُّ الندى ... بمَحنيَةٍ أُنُفاً والعرارا
تَقاَّمُ في نشرِ أثوابِها ... إذا الليلُ أردفَ جَوزاً وحارا
وأخّرَ جَوزاً وكانتْ لهُ ... خُداريّةٌ يعتكِرْنَ اعتِكارا
ويومِ تساقَطُ لذّاتُهُ ... كما ساقطَ المُدجَناتِ القطارا
تأنفْتُ لذّاتِهِ باكراً ... بَرَهْرهةً طَفلةً أو عُقارا
بكلتَيْها قدْ قطعتُ النَّها ... رَ خَوداً شَموعاً وكأسلً هِتارا
فأمّا الفتاةُ فمِلَكُ اليمينِ ... تنضِحُ نضْحاً عبيراً وقارا
وأمّا العُقارُ فوافى بهِ ... سَبيئةَ حولَيْنِ تَجْراً تِجارا
كأنَّ الشبابَ ولذّاتِهِ ... ورَيْقَ الصِّبا كانَ ثوباً مُعارا
وغيثٍ تَجنَّنَ قُريانُهُ ... يُخايلُ فيهِ المُرارُ المُرارا
علَوناهُ يَقدُمُنا سَلْهبٌ ... نُسكِّنُهُ تَئِقاً مُستطارا
قَصرْنا لهُ دونَ رزقِ العيالِ ... بُحّاً مَهاريسَ كُوماً ظُؤارا
مَقاحيدَ يَغْبِقْنَهُ ما اشتهى ... فيصبحُ أحسنَ شيءٍ شَوارا
فبِتْنا بأوسطِهِ سُرّةً ... نُصَهْصي النُّهاقَ بهِ والعِرارا
فلما أضاءَ لنا حاجبٌ ... منَ الشمسُ تحسِبُهُ العينُ نارا
رأينَ المها ورأينَ النَّعامَ ... وأحمِرةً بغَميسٍ نِعارا
فلما رأينا صِفاحَ الوجو ... هِ يَبرُقْنَ نَغْتَرهُنَّ اغتِرارا
غدَونا بهِ مثلَ وقْفِ العَرو ... سِ أهيفَ بطناً مُمَرّاً مُغارا
قذفْنا الحَرُوريَّ في شِدقِهِ ... وأُبطِنَ مُلَحَمُ فيهِ العِذارا
فلما عقلْنا عليهِ الغُلا ... مَ قِرنَيْنِ لا يُنكرانِ الغِوارا
حذرناهُ من فلكٍ بافعٍ ... يغيبُ الرَّقاقَ ويطفو الخُبارا
كأنَّ غُلَيِّمنا مُعْصِماً ... ونحنُ نرى جانبَيءهِ الشَّرارا
يمرُّ بهِ برَدٌ سابحٌ ... يُشَقِّقُ من كلِّ بينٍ دبارا
كأنَّ مُلأتُهُ مُدْبِراً ... حريقُ الغَريفِ إذا ما استدارا
هشيمٌ منَ الغافِ مُستوقدٌ ... يُسنِّنُ ريحاً وزادَ استعارا
وشدَّدَ أزرقَ مثلَ الشِّها ... بِ كنّا انتقَيْناهُ زُرقاً حِشارا
стр. 321
فلما علاهُنَّ شُؤْبوبُهُ ... ولفَّ نفِيُّ غبارٍ غبارا
فأحْذاهُ مثلَ قُدامى الجِناحِ ... خَضْخَضَ قُصْباً وأفرى سِتارا
فتزداد حَمْياً شآبيبُهُ ... وتزداد أوضاحُهنَّ احمِرارا
فألغى مَهاتَيْنِ في شأوِهِ ... وألغى الظَّليمَ وألغى الحِمارا
وخَطّارةٍ مثلِ خطْرِ الفنِي ... قِ تقطعُ منهُ الحِطاطُ السِّفارا
هَوِيَّ مُصَلَّمةٍ صَعْلةٍ ... تأوَّبُ بالسِّيِّ زُغباً صغارا
رماها المساءُ فما تبتلي ... بأرْمِيَةٍ ينهمِرْنَ انهمارا
يبادرْنَ رَيِّقَ ذي كِرْفئٍ ... يَقُدُّ الرُّبا ويشقُّ البحارا
خَشوفِ الظلامِ إذا أظلمَتْ ... فأما النهارَ فتَخْدي النهارا
رميتُ بها الليلَ حتى انحنتْ ... كأنَّ بها وهْيَ رهْبٌ هِجارا
تُبادرُهُ أمَّ أُدْحِيّها ... فتَبْدِرُهُ وتفوتُ الغبارا
فشبَّهتُ تلكَ صُهابيّةٌ ... منَ العيسِ تهدي قِلاصاً مِهارا
إذا يدُها وافدَتْ رِجلَها ... بأغبرَ يزدادُ إلاّ اغبرارا
تَواهَق أربَعُها واغتلى ... مُقدَّمُها وابتذلْنَ المَحارا
إلى حكَمٍ وهوَ أهلُ الثناءِ ... وحُسنِ الثناءِ تولّى القِفارا
أُنيختْ بهِ ولقدْ هُلّلتْ ... ومُقْوَرَّةً كِليتاها اقوِرارا
كأنَّ العُفاةَ على بابِهِ ... عفاةُ المُحَصَّبِ ترمي الجِمارا
وقال أبو حيّة يمدح الوليد بن يزيد بن القعقاع بن خُليد بن جَزء بن الحارث بن زهير، وهو أول من حبا أبا حيّة، وأجازه في أيام هشام بن عبد الملك:
يا بنَ الأكارمِ يا وليدُ ألستُمُ ... أهلَ الغِنى قِدْماً وطِيبَ العُنصرِ
إنّي أتيتُكَ من شَراءَ وبِيشةٍ ... ومنَ العقيقِ ومن جنوبِ مُحَجَّرِ
تغلو بيَ القَفراتِ ذاتُ عُلالةٍ ... بعدَ الكلالِ وبعدَ خلْقٍ دَوسرِ
جادَ الربيعُ لها بفَيدٍ وأُرسلتْ ... في عازبٍ غَرِدِ الذبابِ مُنوِّرِ
بدأتْ وإنَّ أثارةً ملمومةً ... لعلى مَحالتِها كخِدرِ المُعْصِرِ
حتى إذا طرحَتْ نَسيلاً جافلاً ... عنها وقدْ جزأَتْ ثلاثةَ أشهرِ
راحتْ تَقَلْقَلُ من زَرُودَ فأصبحتْ ... بالبطنِ ذا قِنَةٍ خَفوقَ المِشْفرِ
كلّفتُها رَحلي إليكَ وإنّما ... ترجو نوافلَ سَيبِكَ المُتحضِّرِ
مرّتْ على قصرِ المقاتلِ بعدَما ... كربَتْ ظَهيرتُها ولمّا تُظهِرِ
فتزاوَرَتْ منهُ كأنَّ بدَفِّها ... هِرّاً يُشَبِّثُ ضَبعَها بالأظفُرِ
وأتتْ على البَردانِ وهْيَ مُدِلّةٌ ... عَجْلى اليدَيْنِ متى أزَعْها تَخْطِرِ
حتى أتتْكَ وقدْ رمتْ بحَنينِها ... ومشتْ على بخْصِ اليدَينِ الأحمرِ
آلتْ إذا ما حُلَّ عنها رَحلُها ... جُعلتْ تُضيفُ منَ الغرابِ الأعورِ
إنَّ الوليدَ جرى المئينَ مُبَرِّزاً ... وصفَتْ يداهُ بنائلٍ لمْ يَنزُرِ
وأشارتِ الأيدي إليهِ بحِلمِهِ ... والحزمِ حينَ أطاقَ حملَ المئزرِ
حتى إذا لبسَ العِطافَ تفرّجَتْ ... حلَقُ المجالسِ عنْ أغرَّ مُشهَّرِ
أعطى الجزيلَ وسادَ حينَ مضتْ ... سبعٌ وبعضُ لِداتِهِ لم يَثغَرِ
وغدا وراحَ إلى الأمورِ بحَزمِهِ ... وبأمرِ مُطَّلِع الحِمالة مِجْشَرِ
عمر بن لجأ
وقال عمر بن الأشعث بن لجأ بن حذيفة بن مَصاد بن ربيعة بن جُلهِم بن امرئ القيس بن ذهل بن تيم بن عبد مناة بن مر بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار يردّ على جرير لمّا هجاه:
نُبّئتُ كلبَ كُليبٍ قد عوى جزعاً ... وكلُّ عاوٍ بفيهِ التُّرْبُ والحجَرُ
أعيا فعقّبَ يهجوني بهِ ضجراً ... ولنْ يغيّرَ عنهُ السَّوْأَةَ الضجَرُ
يلومُني ظالماً في سُنّةٍ سبقَتْ ... إنَّ الكُليبيَّ لم يُكتبْ لهُ ظفَرُ
وما خلقتُكَ عبداً لا نِصابَ لهُ ... بلْ هوَ خليقُ الذي يقضي ويأتمِرُ
كلّفتَني مالكاً إنْ مالكٌ زخرَتْ ... يا بنَ المراغةِ قد جاءتْ بكَ النُّصَرُ
وإنْ تجرَّدَ أمثالٌ خدعْتَ بها ... منَ الفرزدقِ يمضي ما مضى السفَرُ
стр. 322
لما رأيتَ ابنَ ليلى عندَ غايتِهِ ... في كفِّهِ قصباتُ السابقِ الخِيرُ
هِيتَ الفرزدقَ فاستعْفَيْتَني جزَعاً ... للموتِ يعمدُ والموتُ الذي تذَرُ
فاخْسأْ لعلكَ ترجو أن يحُلَّ بنا ... رحْلُ الفرزدقِ لمّا عضّكَ الدبَرُ
تهجو بَني لَجإٍ لما انهزمتَ لهُ ... رُعباً وأنفُكَ مما قال مُختصَرُ
إنّي أنا البحرُ غَمراً لستَ جاسرَهُ ... وسَبِّيَ النارَ دونَ البحر تستعِرُ
ما زلتَ تنتجعُ الأصواتَ مُعترضاً ... تروحُ في اللُّومِ مُشتقّاً وتبتكِرُ
حتى استثَرتَ أبا شِبلَينِ ذا لِبَدٍ ... وزُبْرَةٍ لم تُواطي خَلْقَها الزُّبَرُ
وردَ القَرى كصفاةِ الهَضْبِ جبهتُهُ ... يموتُ من زِأرِهِ في الغابةِ النمرُ
يعدو فتنفرجُ الغُمّى إذا انفرجَتْ ... والقِرنُ تحتَ يدَيهِ حينَ يَهتصِرُ
شكّتْ أنابيبُهُ صُدغَيكَ مُقتدِراً ... شَكَّ المساميرِ عوداً جوفُهُ نَخِرُ
ما بالُ قولِ جَريرٍ يومَ أحبِسُهُ ... عنِ المشاربِ إنَّ الماءَ يُحتضرُ
خَلِّ الطريقَ لنا نشربْ فقلتُ لهُ ... خلْفٌ وراءَكَ حتى تَفْضُلَ السُّؤرُ
إنَّ الطريقَ طريقُ الوارِدينَ لنا ... يا بنَ الأتانِ وأحواضُ الجِبى الكُبَرُ
إنَّ الحياضَ التي تبني بنو الخَطَفى ... تُبنى بلؤمٍ فما تنفكُّ تنفجرُ
ككانتْ غوائلها السفلى أعاليها ... فكيفَ تُبنى عليها وهْيَ تنكسرُ
أبنو المنارَ فإنَّ العبدَ يَنضدُهُ ... فوقَ الصُّوى وعلى خُرطوبِهِ المَدَرُ
إنْ كنتَ تبكي على الموتى لتَنكِحَهُمْ ... فابْرُكْ جريرُ فهذا ناكحٌ ذكرُ
لقدْ كذبتَ وشرُّ القولِ أكذَبُهُ ... ما خاطرتْ بكَ عن أحسابِها مُضرُ
بلْ أنتَ نزوةُ خَوّارٍ على أمَةٍ ... لنْ يسبقَ الحلباتِ اللؤمُ والخَوَرُ
يا بنَ المَراغةِ شرَّ العالمينَ أباً ... زُعْ بالمَراغةِ حيث اضطرّكَ القدرُ
ما بالُ أمِّكَ بالمَنْحاةِ إذْ كشفَتْ ... عن عَضْرَطٍ وارِمٍ قد غمّهُ الشَّعَرُ
لبَربريٍّ خبيثِ الريحِ أبركَها ... هلا هنالكَ يا بنَ اللؤمِ تنتصرُ
كأنَّ عُنبُلَها والعبدُ يَنسِفُها ... حِبْنٌ على ركَبِ البَظراءِ يَنبَترُ
كأنَّ جفْرَ صراةٍ مُطْرِمٍ هَدِمٍ ... مَشْغَرُ أمِّ جريرٍ حينَ تشتغرُ
رحب المشَقِّ عليهِ الليفُ ذو زبدٍ ... مُعْتَصِلٌ قَبْقبيُّ الصوتِ مُنهمرُ
اللؤمُ أنكحَها واللؤمُ ألقحَها ... وكلُّ فحلٍ لهُ من ضرْبِهِ قدرُ
ما قلتَ في مِرّةٍ إلا سأنقُضُها ... يا بنَ الأتانِ بمثلي تُنقصُ المِرَرُ
جاءتْ بأنفِ جريرٍ شَعرُها معهُ ... إنَّ الثنيّةَ ذاتَ الفرعِ تُبتَدرُ
جاءتْ بأرضَعَ عبدٍ من بني الخَطَفى ... في أخدعَيْهِ إذا استقبلتَهُ صَعَرُ
لو كنتَ بَرّاً بأمٍّ غيرِ مُنجبةٍ ... شرَمْتَ جُولَ اسْتِها لم يَهجُها عمرُ
أأنْ تمثّلتَ بيتاً يا أبا خُرُطٍ ... ناسٍ لُعابكَ بعدَ الشيبِ ينتثرُ
فارْهَزْ أباكَ بُنيَّ الخَيْطَفى طلقاً ... هذا إليكَ بُنيَّ الخَيْطفى العِذَرُ
واملأْ صِماخَكَ من عوراءَ مُخزيةٍ ... إن كانَ هاجَكَ قولٌ ما به عَورُ
فإنْ أُهِنْكَ فهذا العبدُ أخسَأُهُ ... وإنْ حُقِرْتَ فأنتَ العبدُ تُحتقرُ
وما ختَلْتُ جريراً حينَ أقصدَهُ ... سهمي وما كنتُ ممنْ يخبَأُ القمرُ
جازَ العقابُ بهِ حتى قصدتُ لهُ ... واعترَّ حتى أفادتْ وحشَهُ الغَرَرُ
ومنجنيقُكَ خرّتْ إذْ رمَيتَ بها ... عن اسْتِ أمِّكِ لم يبلغْ لها حجرُ
ترمي على كَزَّةٍ بادٍ قوادحُها ... فاحذرْ فوادحَها لا يُنجِكَ الحذرُ
إنَّ اللئيمَ جريراً يومَ فرّغَهُ ... في قُرنةِ السَّوءِ عبدٌ ماؤُهُ كدِرُ
وفي المشيمةِ لؤمٌ في مَقَرَّتِها ... حتى شوى صُدُغَيْهِ اللؤمُ والكِبَرُ
عبدٌ إذا ناءَ للعَليا تكاءَدَهُ ... سُدٌّ من اللؤمِ لا يجتازُهُ البصرُ
ألقِ العصا صاغراً ليسَ القيامُ لكمْ ... واقعُدْ جريرُ فأنتَ الأعقدُ الزَّمِرُ
стр. 323
لقدْ وجتمْ جريراً يا بَني الخَطَفى ... بئسَ المُراهنِ حتى ابتُلّتِ العُذَرُ
سُدّتْ عليكَ الثنايا واستدَرْتَ لها ... كما تحيَّرَ تحتَ الظلمةِ الحِيَرُ
دقَّتْ ثنِيّتُهُ الثَّرماءَ حينَ جرى ... طُولُ العِثارِ وأدمى باسْتِهِ الثِّفَرُ
إنْ كانَ قالَ جريرٌ إنَّ لي نفراً ... من صالحِ الناسِ فاسألهُ منِ النفرُ
أمُعرضٌ أمْ مُعَيدٌ أم بنو الخطفى ... تلكَ الأخابثُ ما طابوا وما كثُروا
خزيٌ حياتُهمُ رِجسٌ وفاتُهمُ ... لا تقبلُ الأرضُ موتاهمْ إذا قُبروا
أُندُبْ بني الخطفى إنْ كنتَ تعلمُهمْ ... شيئاً وإلاّ فلمْ يشعرْ بهمْ بشرُ
تَنحَّلُ المجدَ لم يعلمْ أبوكَ بهِ ... هيهاتَ جارَ بكَ الإيرادُ والصدَرُ
أُندُبْ خنازيرَ لؤمٍ ألحقوا بهمِ ... واترُكْ جريرُ ذهاباً حيثُ تقتَفِرُ
هلْ أنتَ إلاّ حمارٌ من بني الخطفى ... فصوِّبِ الطرْفَ لم يفسحْ لكَ النظرُ
بيتُ المَدقّةِ لم يشعر بهم أحدٌ ... إذا همُ في مَراغِ الأرنبِ انجَحروا
لقدْ علمتُ على أنّي أسبُّهمُ ... ما في بني الخطفى من والدي ثُؤَرُ
وإنَّ كلَّ كريمٍ قامَ ذا حسبٍ ... يهجو جريراً يسبُّ العبدَ أو يذرُ
يدعو عُتَيْبة إذا دقّتْ بنو الخطفى ... حتى رمى وجهَهُ من دونِهِ وزَرُ
وقَعْنَبٌ يا بنْ لا شيءٍ هتفتَ بهِ ... إذ مالَ رجْلُكَ وانهاضَتْ بكَ الأسَرُ
إنْ تلبسِ الخَزَّ تُظلمْهُ أبا خُرُطٍ ... وأنتَ باللؤمِ مُعْتَمٌّ ومُؤتزِرُ
وينزلُ الخَزَّ منكَ اليومَ منزلةً ... ما كانَ للخزِّ فيما قبلَها الأثرُ
فأصبَحَ الخزُّ يبكي من بني الخطفى ... يا خزَّ كِرْمانَ صبراً إنها الهِتَرُ
وكانَ خزُّ جريرٍ كلَّ مُمْتَزقٍ ... من صوفِ ما هرأَتْ من ضأنِها القِرَرُ
فأُمّهُ في قبيلَى بُردةٍ خلَقٍ ... والخَيْطفى في شِمالِ اللؤمِ مُعتَجِرُ
أمّا قبائلُ يَربوعٍ فليسَ لها ... فيما يَعُدُّ ذَوو الأحسابِ مُفتخَرُ
لا يُفقَدونَ إذا غابوا وإنْ شهِدوا ... لم تَستشِرْهمْ تميمٌ حينَ تأتمرُ
تُقضى الأمورُ ويربوعٌ مُخلَّفةٌ ... حتى يقولوا غداةَ الغِبِّ ما الخبرُ
تُشاربُ الذلَّ يربوعٌ إذا وردوا ... والذلُّ يصدُرُ فيهمْ أينما صدروا
إنْ جارُهمْ طرقتْهُ غُولُ غيرِهمْ ... طارَ الحديثُ وما أوفَوا وما صبروا
وجامَعَ اللؤمَ يربوعاً وحالفَها ... ما دامَ أسفلَ من ماويّةَ الحَفَرُ
الأبعدونَ منَ الأحسابِ منزلةً ... والأخبثونَ عُصاراتٍ إذا اعتُصروا
والألأمون فُلُوّاً شَبَّ في غنَمٍ ... وفي الحميرِ أبوهُ الأشمطُ القَمِرُ
قِردانُ ملأمةٍ في الشاءِ جَدُّهُمُ ... مِيلٌ عواتقُهمْ من طولِ ما زفَروا
فهمْ لآباءِ سَوءٍ ألحِقوا بهمِ ... زُلاً حِناكاً ولا يدرونَ ما السُّوَرُ
خِزيُّ البعولةِ والأفواهُ مُرْوِحةٌ ... إذا تفتَّلَ في أستاهِها الشعَرُ
سودٌ مَدارِينُ تلقى في بيوتِهمِ ... قُدّامَ أخبِيةِ اللؤمِ الذي احتجروا
وإنْ حَبالاهُمُ نَتَّجْنَ بشَّرَهمْ ... صوتُ الصبيِ بلؤمٍ حينَ يَعتَقِرُ
إنّي سبَبْتُهمُ سبّاً سيورِثُهمْ ... خزياً ومَنقصةً في الناسِ ما عَمِروا
لقدْ ذعرْنا قديماً في نسائِكمُ ... فلم تَغاروا ولم تُستنكِرَ الذُّعَرُ
أزمانُ وصّى بيربوعٍ فحضَّهمُ ... عندَ الوفاةِ تميمٌ وهو مُحتَضرُ
أنَّ الفحولَ لكمْ تَيمٌ وأنكمُ ... حلائلُ التَّيْمِ فاستَوصوا بما أمروا
أمّا كُليبٌ فإنَّ الله زادَ لها ... لؤماً على كلِّ شيءٍ زادَهُ الكِبرُ
لا السنُّ يَنهاهُ عن لؤمٍ ولا طبَعٍ ... وليسَ مانعَهُ من لؤمِهِ الصِّغَرُ
انظُرْ ترَ اللؤمَ فيما بينَ لِحيَتِهِ ... وحاجبَيْهِ إذا ما أمكنَ النظرُ
يا لؤمَ رهْطِ كُليبٍ في نسائِهمِ ... ما قاتلوا القومَ إذْ تُسبى ولا شكروا
فاسْتَردَفوا النسوةَ اللاتي ولدْنَهمُ ... خلفَ العَضاريطِ في أعناقِها الخُمرُ
стр. 324
لم يُدركوها وألهتْهمْ أناتُهمُ ... حتى أتى دونَها سَلمانُ أوْ أقُرُ
فأصبحتْ في بني شَيبانَ مَسْلَحةً ... يُعيرُهمْ بعضُهمْ بعضاً وتُؤتَجرُ
حتى أتيتُكمُ من بعدِ مَخْلفِها ... بعدَ السِّفادِ وحُبْلاهُنَّ تنتظرُ
جزَّتْ نواصِيَها بِيضٌ غطارفةٌ ... من وائلٍ أنَّ نُعمى سَيبِهمْ دِرَرُ
بكرٌ وتَغلٌب سامُوكَ التي جعلتْ ... لونَ الترابِ على خدَّيكَ يا كُفَرُ
الواهبونَ لكمُ أطهارَ نِسوتِكمْ ... لم يجزِها منكمُ نُعمى ولا أثرُ
يا بنَ المراغةِ لم تفخَرْ بمَفخرةٍ ... بعدَ الرِّدافِ منَ المَسبيّةِ العُقُرُ
أنا ابنُ جلْهمَ يا ابنَ الأخبَثِنَ أباً ... وابنُ جِساسٍ وتَيمٍ حينَ أفتخرُ
المُصْدِري الأمرَ قد أعيتْ مصادرُهُ ... والمُطعمي الشحمَ حتى يُرسلَ المطرُ
وقادةُ اليُمنِ والمجسورِ أثرُهمُ ... يومَ المُهمّةِ والجُلّى إذا جسَروا
والوالِدينَ ملوكاً كنتَ تعبدُهمْ ... من قبلِ سَجْحَةَ في عَليائِكَ السُّخَرُ
والمانعينَ بإذنِ اللهِ مَحْمِيَةً ... بني تمميمٍ ونارُ الحربِ تستعرُ
قُدنا تميماً لأيامِ الكُلابِ معاً ... فاسْتَعْثَروا جَدَّ أقوامٍ وما عثروا
ويومَ تَيْمَنَ نحنُ الناحِرونَ بها ... جبارَ مَذْحِجَ والجبارُ ينتحرُ
هلاّ سألتَ بنا حسّانَ يومَ كبا ... والرمحُ يَخْلِجُهُ والخدُّ مُنعَفِرُ
وإذ أغارَ شُمَيطٌ نحوَ نِسوَتِنا ... غِرْنا عليهنَّ إنّا معشرٌ غُيُرُ
ذُدنا الخميسَ ولم نفعلْ كفِعلِكمُ ... بالضربِ شُذِّبَتِ الهاماتُ والقَصَرُ
فأصبحوا بينَ مقتولٍ ومُؤْتَسَرٍ ... شدّتْ يداهُ إلى اللِّيتَيْنِ تُؤتسَرُ
ويومَ سَخْبانَ أبرمْنا بواحدةٍ ... للناسِ أمرَهمُ والأمرُ مُنتشرُ
ويومَ دِجلةَ أكداسٌ يُجرِّعُها ... كأسَ الفَطيمةِ فيها الصابُ والمَقِرُ
ويومَ سعدٍ وصَحْنى قَرْقَرى لحقتْ ... منّا فوارسُ لا مِيلٌ ولا ضُجُرُ
يومَ اعتنَقْنا سُوَيْداً والقَنا قِصَدٌ ... والخيلُ تعدو عليها عِثْيَرٌ كَدِرُ
ولمْ تزلْ كمكانِ النجمِ نسوتُنا ... إذْ مُرْدَفاتُكَ تُسبى ما لها مهَرُ
نغزو فنسبي ولا تُسبى حلائلُنا ... إنَّ القتالَ لتَيمٍ طائرٌ أمِرُ
إنّا لبطنِ حَصانٍ غيرِ ضائعةٍ ... يا بنَ التي حملَتْهُ وهْيَ تمتَذِرُ
لم يُخزِنا موقفٌ كنا نقومُ بهِ ... ولا يُجيرُ علينا ثأرَنا الغِيَرُ
ما نالَنا الضيمُ إنّا معشرٌ شُمُسٌ ... من دونِ أحسابِنا والموتُ محتضَرُ
وإنَّ نبعَتَنا صُلْبٌ مَكاسِرُها ... فلا نَخورُ إذا ما خارتِ العُشَرُ
أخطارُ صدقٍ إذا قُمنا نقومُ بها ... وابنُ الأتانِ جريرٌ مالهُ خطرُ
دعِ الرِّبابَ وسَعداً لستَ نائلَها ... هَيهاتَ هيهاتَ منكَ الشمسُ والقمرُ
همْ أسرعُ الناسِ إدراكاً إذا طلبوا ... وأعظمُ الناسِ أحلاماً إذا قدَروا
مُدُّوا بسيلٍ أتِيٍّ لستَ حابسَهُ ... وليسَ سيلُهمُ يُلفى إذا زَخَروا
كانوا قديماً أشدَّ الناسِ مُعتمَداً ... في الأوّلينَ وفي الحِلْفِ الذي غبَروا
ولو يشاؤونَ ماتتْ من مخافَتِهمْ ... أدنى الأسودِ وأقصاهمْ إذا زأروا
كانوا إذا الأمرُ أعيَتْكمُ مصادرُهُ ... يكفُونَهُ وإذا ما هِبتُمُ جسَروا
قدْ علمتْ يومَها هذا بنو الخطَفى ... إنّي مُرافَعَتي فوقَ الذي قدروا
سيعلمونَ إذا ما قيلَ أيَّهُما ... يا بنَ المراغةِ إنّي سوفَ أنتصرُ
وصرّحَ الأمرُ عن بِيضٍ مُشهَّرةٍ ... منّي سوابقُ في أعناقِها البُشُرُ
بالنصرِ واللهُ لم ينصرْ بني الخطفى ... والمؤمنونَ إذا ما استنصَروا نُصروا
ما زالَ حَينُ جريرٍ عن بني الخطفى ... يغشى بني الخطفى موجٌ وما مَهَروا
حتى التقى ساحلُ التيارِ فوقَهمُ ... لا بحرَ إلاّ لغاشي موجِهِ جزَرُ
أمسى كفرعونَ إذا يقتادُ شِيعتَهُ ... يرجو الجسورَ فما كرُّوا وما جسَروا
فما حمى ناكحُ الموتى بني الخطَفى ... حتى يُفرِّعَهمْ منّي الذي حذروا
стр. 325
لقد نهتْكَ سُحَيمٌ عن مُرافعَتي ... أهلَ الفَعالِ وفتيانُ الندى غُيُرُ
لو كانَ من رهْطِ بِسْطامٍ بنو الخَطفى ... أو من حنيفةَ ما دقُّوا وما غَمروا
يا بنَ المراغةِ إنْ تُصبحْ لها نكداً ... فما المراغةُ إلاّ خُبْثَةٌ قَذَرُ
تهجو الرواةَ وقدْ ذكّاكَ غيرُهمُ ... وجزَّؤُوكَ سهاماً حينَ تُجْتَزَرُ
وما الرواةُ بنو اللؤمِ الفَعال لكمْ ... يا بنَ الأتانِ فلا يعجَلْ بكَ الضجَرُ
إنَّ الرواةَ فلا تعجلْ بسبِّهمِ ... بثُّوا القصائدَ في الآفاقِ وانتشروا
وقال يرد على جرير:
ألمْ تُلْمِمْ على الطللِ المُحيلِ ... بغربيِّ الأبارقِ من حَقيلِ
صرفتُ بصاحبي طرباً إليها ... وما طرَبُ الحليمِ إلى الطلولِ
فلمْ أرَ غيرَ آناءٍ أحاطتْ ... على العرَصاتِ منْ حذرِ السيولِ
تنسّفُها البوارحُ فهْيَ دفٌّ ... أشَلُّ ودفُّ مُختَشِعٍ ذَلولِ
ورسمِ مَباءةٍ ورمادِ نارٍ ... وجُونٍ حولَ موقِدِها مُثولِ
ديارٌ من أمامةَ إذ رمتْنا ... بسهمٍ في مُباعدةٍ قَتولِ
رميتِ بمُقلتَيكِ القلبَ حتى ... أصبتِ القلبَ بالثِّقْلِ الكَليلِ
فلما إنْ نزلتِ شِعابَ قلبي ... مددتِ لنا مُباعدةَ البخيلِ
سمعتِ مَقالةَ الواشينَ حتى ... قطعتِ حبالَ صَرّامٍ وصورِ
إذا ذهَلَ المُباعدُ عن وصالٍ ... لجَجْنا في التباعدِ والذهولِ
كأنَّ الحبلَ لم يُوصَلْ تِماماً ... إذا انقطعَ الخليلُ منَ الخليلِ
فخَرْتَ ابنَ الأتانِ ببيتِ لؤمٍ ... ومالَكَ في الأكارمِ من قَبيلِ
ولمْ يكُ جدُّكَ الخَطْفى فَحيلاً ... فتحمدُهُ ولا ثاني الفَحيلِ
كُليبٌ إنْ عددْتَ بني كُليبٍ ... جِحاشَ اللؤمِ في العددِ القليلِ
ولم تُعرفْ كُليبُ اللؤمَ إلاّ ... بشارفِها وبائسِها السَّؤولِ
وما كانتْ بيوتُ بني كُليبٍ ... تَحُلُّ الغيثَ إلاّ بالكَفيلِ
كُليبٌ مُنيةُ الغازي إذا ما ... غزا أو شِقوةُ الضيفِ الدَّخيلِ
فإنكَ قدْ وجدتَ بني كُليبٍ ... قِصارَ الفرعِ باليةَ الأصولِ
فخرْتَ بما بَنَتْ فرسانُ تَيمٍ ... وما أخذوا المعاقلَ من قتيلِ
أبونا التَّيْمُ أكرمُ من أبيكمْ ... وأقربُ للخلافةِ والرسولِ
وتَيمٌ منكَ أوتَرُ للأعادي ... وأدرَكُ حينَ تُطلبُ بالتُّبولِ
وخيرٌ ليلةَ الحدَثانِ منكمْ ... وأسمحُ ليلةَ الريحِ البَليلِ
وبالودّارِ يومَ غزوْتَ تَيماً ... سقَوكَ بمَشرَبِ الكَدِرِ الوَبيلِ
وتَيمٌ أظعنتْكَ فلمْ تَخَلَّفْ ... وتَيمٌ أشخصَتْكَ عنِ الحلولِ
وتيمٌ وجهتكَ لكلِّ أمرٍ ... تحاولهُ ولست بذي حويلِ
بأبرَقَ ذي الجُموعِ غداةَ تَيمٌ ... تقودُكَ بالخِشاشةِ والجَديلِ
فأعطيتَ المَقادةَ واحتملْنا ... على أثَرِ النَّكيشةِ والخمولِ
زميلٌ يتبعُ الأسلافَ منّا ... وما السلفُ المُقدَّمُ كالزميلِ
فلما إنْ لقوا رؤساءَ سارَتْ ... بمَذْحِجَ يومَ تَيْما والشَّليلِ
نزلْنا للكتائبِ حينَ دارَتْ ... وقدْ رعشَ الجبانُ عنِ النزولِ
مُسهَّلةٍ نوافذُها وضرْبٍ ... كأفواهِ المُقرِّحةِ الهُدولِ
فروَّيْنا بمَجِّ الهامِ منهمْ ... مضاربَ كلِّ ذي سيفٍ صَقيلِ
فأمستْ فيهمِ القتلى كخُشْبٍ ... نفاها السيلُ عن درَج المَسيلِ
وخبَّرَ عن مصارعِ من قتلْنا ... فلولُ الجيشِ ثابَ إلى الكلولِ
ويومَ سيوافُكمْ خِزيٌ عليكمْ ... إلى قيسِ الذُّحولِ إلى الذحولِ
ويومَ سيوفُنا شَرْقاً ترَقّى ... معَ القمرَيْنِ منْ عِظمٍ وطولِ
لنا يومُ الكُلابِ فجئْ بيومٍ ... إذا عُدَّ الفَعالُ بهِ بديلِ
ويومَ بني الصَّموتِ رأتْ كِلابٌ ... أسيراً منهمُ بينَ الغلولِ
ويومَ يزيدَ لو أبصرتْ تَيماً ... رأيتَ فوارسَ الحسبِ النبيلِ
أخذْنا عِرْسَهُ فأصابَ سهمٌ ... شوىً منهُ بنافذةِ هَدولِ
ويومَ أغارَ حسانُ بن عوفٍ ... صرعْناهُ بنافذةٍ ثَعولِ
стр. 326
ويومَ سما لنسوتِنا شُمَيطٌ ... بمَقْنَبِهِ على أثرِ الدليلِ
غزا بخِمَيسِهِ من ذاتِ كهفٍ ... فقطَّرَهُ فوارسُ غيرُ مِيلِ
لياليَ يعتزُونَ إلى كليبٍ ... بمُجتمِعِ الشقيقةِ والأميلِ
متى شهدَتْ فوارسَنا كُليبٌ ... ضلَلْتَ وأنتَ من بلدِ الضَّلُولِ
لنا عزُّ الرِّبابِ وآلِ سعدٍ ... عطاءُ الواحدِ الصمَدِ الجليلِ
همُ وطِئوا حِماكَ وهمْ أحلُّوا ... بيوتَكمُ بمنزلةِ الذليلِ
همُ اختاروا عليكَ غداةَ حلُّوا ... وبيتُ ابنِ المراغةِ بالمَسيلِ
سددْتُ عليكَ مطلِعَ كلِّ خيرٍ ... فعَيَّ عليكَ مُطَّلَعُ السبيلِ
رماكَ اللؤمُ لؤمُ بني كُليبٍ ... بعبءٍ لا تقومُ لهُ بقِيلِ
أهِبْ يا بنَ المَراغةِ من كُليبٍ ... بلؤمٍ لن تغيِّرَهُ طويلِ
فقد خلَفَتْ كُليبُكَ من تميمٍ ... مكانَ القُرْدِ من ذنَبِ الفَصيلِ
وحظُّ ابنِ المراغةِ من تميمٍ ... كحظِّ الزانياتِ من الفحولِ
فإنّكَ وافتِخارَكَ من كُليبٍ ... ببيتِ اللؤمِ والعددِ القليلِ
كأورَقَ ذَلَّ ليسَ لهُ جناحٌ ... على عُودَيْنِ يلعبُ بالهديلِ
وقد ركبَتْ لغايَتِها كُليبٌ ... بأدْفى حينَ تَنْخُسُهُ زَحولِ
بهِ زوَرُ العبودةِ فهْوَ أدنى ... نصَتْهُ الخيلُ عن مِيلٍ فمِيلِ
زَيايدُ من رَقاشِ مُعلَّقاتٌ ... كحَيضِ الكلبِ ناقصةَ العقولِ
فإنْ تخلطْ حياءً من صُبَيرٍ ... بهمْ تَسُقِ السَّفالَ إلى الخُمولِ
وليسَ ابنُ المراغةِ يومَ تُسبى ... نساءُ ابنِ المراغةِ بالصَّؤولِ
وألحقَهُنَّ أقوامٌ سواكمْ ... وعندَكَ ما أخذْنَ وهنَّ حُولِ
ويلمعُ بالسيوفِ بنو حريصٍ ... ولمْ يشفوا بها وغَرَ العليلِ
علَوتُكَ وانهزمتَ إلى رياحٍ ... تعوذُ بها من الأسدِ البَسيلِ
وطاحَ ابنُ المراغةِ إذْ تَصلَّى ... بليثٍ بينَ أنهارٍ وغِيلِ
هِزَبْرٍ يَفرُسُ الأقرانَ فرْساً ... بأنيابٍ قُراسيّةٍ نُزولِ
فأثبَتَ في الذؤابةِ من جَريرٍ ... زِجاجاً ما تخافُ منَ النصولِ
فأمسى فرَّجَ الشأنَيْنِ منهُ ... بكلِّ شَباةِ ذي طرْفٍ أسيلِ
تطلَّبهُ عطيّةُ وهْوَ ميْتٌ ... يُقضِّي وهْوَ يُسْبَرُ بالفَتيلِ
إذا ما ضمَّها بالسمنِ جاشَتْ ... بهِ جيشَ المُعَرْمَضَةِ الدَّحولِ
سأشتِمُكمْ وإنْ نهقَتْ كُليبٌ ... صهلْتُ وما النواهقُ كالصهيلِ
وقال يرد على جرير:
لمنْ منزلٌ بالمستَراحِ كأنّما ... تَجلَّلَ بعدَ الحَولِ والحولِ مُذْهَبا
بهِ ذرفَتْ عيناكَ لما عرفْتهُ ... وكيفَ طِبابَيْ عيِّنٍ قد تسرَّبا
فلمْ أرَ منها غيرَ سُفْعٍ مَواثلٍ ... وغيرَ رمادٍ كالحمامةِ أكهبا
تَهادى بهِ هُوجُ الرياحِ تَهادياً ... ويَهدِينَ جَولانَ الترابِ المُهذّبا
نسَفْنَ ترابَ الأرضِ من كلِّ جانبٍ ... ومُنخرَقٍ كانتْ بهِ الريحُ نَيْسَبا
وكلِّ سِماكيٍّ يجولُ رَبابُهُ ... مرَتْهُ الصَّبا في الدجْنِ لما تَحلَّبا
إذا ما علا غَوريَّهُ أرزمَتْ بهِ ... تَوالٍ مَتالٍ مُخَّضٍ فتحدَّبا
أغرُّ الذُّرى جَوزُ الغِفارةِ وابلٌ ... ترى الماءَ من عُثنونِهِ قد تصبَّبا
مضى فانقضى عيشٌ بذي الرِّمثِ صالحٌ ... وعيشٌ بحُزوى قبلَهُ كانَ أعجبا
لياليَ يدعوني الصِّبا فأجيبُهُ ... إلى البِيضِ تُكسى الحَضرميَّ المُصلَّبا
نواعمَ يَسبينَ الغويَّ وما سبى ... لهنَّ قلوباً إذْ دنا وتخلَّبا
وصوَّرَهنَّ اللهُ أحسنَ صورةٍ ... ولاقَينَ عيشاً بالنعيمِ تَربَيَّا
عِراضَ القطا غُرَّ الثنايا كأنّها ... مها الرملِ في غرٍّ من الظلِّ أهدبا
قِصارَ الخطى تمشي الهُوينا إذا مشتْ ... دبيبَ القطا بالرملِ يُحسبْنَ لُغَّبا
إذا ما خشِينَ البَينَ والبينُ رائعٌ ... تواعدْنَ بينَ الحيِّ والحيِّ مَلعبا
خرجْنَ عشاءً والتقَيْنَ كما التقى ... مها رَبْربٍ لاقى بفَيحانَ رَبْربا
стр. 327
قصرْنَ حديثاً بينهنَّ مُقبَّراً ... وكلٌّ لكلٍّ قالَ أهلاً ومرحبا
رقيقٌ كمسِّ الخزِّ في غيرِ ريبةٍ ... ولا تابعٍ زورَ الحديثِ المُكذَّبا
خِدالَ الشَّوى لم تدرِ ما بؤسُ عيشةٍ ... ولم ترَ بيتاً من كُليبٍ مُطَنَّبا
تغنَّى جريرٌ بالرِّبابِ سفاهةً ... وقدْ ذاقَ أيامَ الرِّبابِ فجرَّبا
ولمّا لقيتَ التَّيمَ يومَ بُزاخةٍ ... ورهَطَ أبي شهمٍ وقومَ ابنَ أصهبا
نزوْتَ عليها بعدَ ما شُدَّ حبلُها ... ولم يُصلِقِ القومُ العِقالَ المُؤرَّبا
رأيتُكَ بالأجزاعِ فوقَ بُزاخةٍ ... هربْتَ وخفتَ الزاعِبِيَّ المُذرَّبا
فلم تنجُ منها إذْ هربتَ ولم يجدْ ... أبٌ لكَ عن دارِ المذلّةِ مَهربا
فإنَّ التي تُحدى ويُسبى رجالُها ... نساءُ بني يربوعَ شَلاًّ عَصَبْصبا
دعتْ يالَ يربوعٍ فلمْ يلحقوا بها ... ولم يكُ يربوعٌ أبوهنُّ أنجبا
جبُنتَ ولم تضربْ بسيفِكَ مُغْضباً ... لَؤُمتَ إذا لم تُنهلِ السيفَ مُغْضبا
وكيفَ طِلابُ المُردَفاتِ عشيّةً ... وقد جاوزَ الشيخُ الغَميمَ ويثرِبا
تخطَّى بسعدٍ والسعود لغيرِهِ ... ولم يُغنِهمْ من دونِهِ من تأشَّبا
ثلاثةَ أبواعٍ أبوكمْ يَعُدُّهُ ... تميمٌ ويعتدُّونَ بَكْراً وتغلِبا
وسعدٌ بغيرِ ابنِ المراغةِ نصرُها ... إذا هتفَ الداعي بسعدٍ وثوَّبا
ونحنُ لسعدٍ مِغْلَبٌ غيرَ خاذلٍ ... وسعدٌ لنا أمستْ على الناسِ مِغلَبا
لهم هامةٌ غلباءُ ما تستطيعُها ... نمتْ في قُراسِيٍّ منَ العزِّ أغلبا
همُ القومُ مهما يدركوا منكَ يطلبوا ... وإنْ طلبوكم لم تجِدْ لكَ مَطلبا
وإن جدَعوا أُذْنَيْ جريرٍ وأنفَهُ ... أقرَّ ولا عُتبى لمنْ ليسَ مُعتِبا
همُ منعوا منكَ المياهَ فلمْ تجدْ ... لجَحشِكَ إلاّ بالمَصِيقةِ مشربا
لنا مَرقَبٌ عندَ السماءِ عليكمُ ... فلستَ بلاقٍ فوقَ ذلك مَرقبا
وبدرُ السماواتِ العُلى ونجومُها ... علَوْنَ فلنْ تستطيعَ منهنَّ كوكبا
هناكَ ابنَ يربوعٍ علَوْنا عليكمُ ... وأصبحتَ فقْعاً بالبَلاطِ مُتَرَّبا
نُريحُ تِلادَ المجدِ وسْطَ بيوتِنا ... إذا ما ابنُ يربوعٍ عنِ المجدِ أعزبا
ونَقْري السنامَ الضيفَ إنْ جاءَ طارقاً ... يمارسُ عِرْنيناً من القُرِّ أشهبا
ويقري ابن يربوعٍ إذا الضيفُ آبهُ ... على ناقةٍ أيرَ الحمارِ المؤدَّبا
لنا مجدُ أيامِ الكُلابِ عليكمُ ... بني الكلبِ لا نخشى بهِ أنْ نُكذِّبا
غزانا بهِ الجيشُ اليماني فكافحتْ ... جنودُهمُ زحفاً غليظاً ومِقْنبا
فما غادرتْ إلاّ سليباً مشرّداً ... بثَهْلانَ منهمْ أو صريعاً مُلحَّبا
صريعَ القنا أو مُقْصداً نالَ ضربةً ... ذرَتْ رأسَهُ عن منكِبٍ فَتنكَّبا
لقائلِنا أيامُ صدقٍ يَعُدُّها ... بها فازَ أيامَ الخِطارِ فأوجبا
فأيَّ فَعالٍ يا جريرُ تعُدُّهُ ... إذا الركبُ أمُّوا يومَ نعمانَ أركُبا
أتدعوا معيداً للرهانِ ومُحْقِباً ... فقدْ نلتَ إذ تدعو مُعيداً ومُحقبا
دعوْتَ أباً عبداً وأمّاً لئيمةً ... فلا أمَّ تدعو في الكرامِ ولا أبا
كما كنتَ تدعو قَعْنباً حين قصَّرَتْ ... كُليبٌ فما أغنى دعاؤُكَ قَعْنبا
فخرتَ بأيامٍ لغيرِكَ فخرُها ... ضلِلْتَ ولمْ تذهبْ هنالكَ مَذهبا
فخاطِرْ بيربوعٍ فلستَ بواجدٍ ... لهمْ حامداً إلاّ لئيماً مُكذَّبا
فإنْ قلتَ يربوعٌ نصابي وأُسرتي ... لَؤُمْتَ وألأمْتَ النصابَ المُركَّبا
ولم تكُ يربوعٌ من العزِّ حَومةً ... فنخشى ولا الفرعَ الصريحَ المُهذَّبا
ولا مثلَ يربوعٍ على الجَهدِ بعدَما ... غُلبتَ وأصبحتَ الحمارَ المُعذَّبا
أترجونَ عُقبى ابنِ المراغةِ بعدما ... مددْتَ لهُ الأشطانَ حتى تذبذبا
وفرَّ وخَلَّى لي المدينةَ خاسئاً ... ذليلاً وعضَّتْهُ الكلابُ مُتَعَّبا
وقِستُمْ حماراً من كُليبٍ بسابقٍ ... جوادٍ جرى يومَ الرهانِ فعقَّبا
стр. 328
تُفرِّعُ يربوعاً كما ذُدتَ عنهمُ ... وذادَكَ عن أحسابِ تَيمٍ فأرهبا
فأقصرْتَ لما إنْ قصدتَ ولمْ تكنْ ... شغَبْتَ فقد لاقَيتَ في الجَورِ مَشْغَبا
فألقِ العصا وامسحْ سِبالَكَ إنّما ... شربْتَ ابنَ يربوعٍ مَنِيّاً مقَشَّبا
غُلبتَ ابنَ شرّابِ المنيِّ ولمْ تجدْ ... لكمْ والداً إلاّ لئيماً مُغْلَبا
بحقِّ امرئٍ كانتْ غُدانةُ عزَّهُ ... وسُجحَةُ والأحمالُ أن يتصوَّبا
وجدْنا صُبَيراً أهلَ لؤمٍ ودِقّةٍ ... وعُودَ بني العجماءِ في اللؤمِ مَنْصَبا
ألستَ ابنَ يربوعيةٍ يسقطُ ابنُها ... منَ اللؤمِ في أيدي القوابلِ أشيبا
وكان لئيماً نُطفةً ثم مضغةً ... إلى أن تناهى خَلْقُهُ فتشعَّبا
لشرُّ الفحولِ المُرسَلاتِ رضيعُها ... أبى لأبيهِ اللؤمِ أن يَتجنَّبا
يَشِينُ حِجالَ البيتِ ريحُ ثيابِها ... وخبَّثَ خداها الملابَ المُطيَّبا
إذا ما رآها المُحتَلي من ثيابِها ... رأى ظِرباناً جِلدُهُ قد تَقوَّبا
وإنْ سفرَتْ أيدتْ على الناسِ سَوأَةً ... بها وتُواري سَوأةً أن تَنقَّبا
خبيثةُ ريحِ المِشفرَيْنِ كأنّما ... فسا ظَرِبانٌ فيهما أو تَثوَّبا
فرابَ ابنَ يربوعٍ مَشافرُ عِرسِهِ ... وما بينَ رِجلَيْها لهُ كانَ أرْيَبا
فجُنَّ جنوباً لا تَلُمْهُ فإنّهُ ... رأى سَوأةً من واسعِ الشدقِ أهْلَبا
رأى فرْجَ يربوعيةٍ غيرَ طاهرٍ ... إذا ما دنا منه الذبابُ تَقَرْطَبا
لها عُنْبُلٌ يُنْبي الثيابَ كأنّهُ ... قفا الديكِ أوفى عُرفُهُ ثمَّ طرَّبا
فهذا ليربوعٍ سِبابُ نسائِهمْ ... حَباهمْ بهذا شاعرٌ حينَ شَبَّبا
تغنَّيتُ بالفَرعَيْنِ من آلِ وائلٍ ... فعرَّقْتُ إذا خاطرْتُ بَكْراً وتَغلِبا
وما كنتَ إذ خاطرْتَهمْ غيرَ فُرْعُلٍ ... أزَلَّ علاهُ الموجُ حتى تَغيَّبا
ولاقيتَ من فرسانِ بكرِ بن وائلٍ ... فوارسَ خيراً من أبيكَ وأطْيبا
وقال عمر بن لجإٍ يجيب جريراً:
أجَدَّ القلبُ هجراً واجتنابا ... لمنِ أمسى يواصلُنا خِلابا
ومن يدنو ليُعجبُنا وينأى ... فقدْ جمعَ التدلُّلَ والكِذابا
فكيفَ قتلْتِنا يا أمَّ بدرٍ ... ولا قتْلٌ عليكِ ولا حسابا
ألا تجزينَ من أثنى عليكمْ ... وأحسنَ حينَ قالَ وما استثَابا
تصدَّتْ بعدَ شيبِكَ أمُّ بدرٍ ... لتطردَ عنكَ حِلمَكَ حين ثابا
بجِيدِ غزالِ مُقفرةٍ وماحَتْ ... بعُودِ أراكةٍ برداً عِذابا
كأنَّ سلافةً خُلطتْ بمسكٍ ... لتُعليها وكانَ لها قِطابا
ترى فيها إذا ما بيَّتَتْها ... سواري الزوج والْتثمَ الرُّضابا
ليغتبقَ الغِلالةَ من نداها ... صفا فُوها لمُغتبقٍ وطابا
يرُودُ ذُرى النسيمِ لها بشوقٍ ... أصابَ القلبَ فاطَّلعَ الحجابا
أسيلة مَقعِدِ السِّمطَينِ منها ... وغرْثى حيثُ تعتقدُ الحِقابا
إذا مالتْ روادفُها بمَتنٍ ... كغصنِ البانِ افضطربَ اضطرابا
تهادى في الثيابِ كما تهادى ... حَبابُ الماءِ يتّبعُ الحَبابا
ترى الخَلخالَ والدُّملوجَ منها ... إذا ما أُكرِها نَشِبا وهابا
أبتْ إنْ كنتَ تأملُ أمَّ بدرٍ ... توىً قذَفٌ بها إلاّ اغترابا
فكيفَ طِلابُها وحلَلْتَ فلْجاً ... وحلّتْ رملَ دَومةَ فالجِنابا
إذا ما الشيءُ لم يُقدرْ عليهِ ... فلا ذكرى لذاكَ ولا طِلابا
ألا من مُبلغُ الشعراءِ أنّي ... خصَيتُ ابنَ المراغةِ حينَ شابا
إذا خُصيَ الحمارُ كبا وطاشَتْ ... قوائمُهُ وكانَ لهُ تَبابا
أحينَ رأيتَني صرمَتْ شَذاتي ... وجَدَّ الجريُ وانتصبَ انتصابا
تعذّرْ من هجائي فرْطَ حَولٍ ... فقدْ ذهبَ العتابُ فلا عتابا
فأثبِتْ لي سَوادَكَ لا تَضوَّرْ ... فقدْ لاقَيتَ من ضرَمي ذُبابا
وأبصِرْ وَسْمَ قِدْحِكَ وابتَغيهِ ... لئيماً لا طِماحَ ولا اشتِعابا
أتفخرُ يا جريرُ وأنتَ عبدٌ ... من الرَّمكِيّةِ اقتُضبَ اقتِضابا
стр. 329
فلا تفخرْ فإنّكَ من كُليبٍ ... وقارِبْ إنْ وجدتَ لكَ اقترابا
فإنّكَ وانتِحالَكُمْ لِهاباً ... كذاتِ الشيبِ تنتحلُ الشبابا
وفِيمَ ابنُ المراغةِ من لِهابٍ ... وفرسانِ الذينَ علَوا لِهابا
وإلاّ تفتخرْ ببني كُليبٍ ... فما كانوا الصريحَ ولا اللُّبابا
ولا أصلُ الكُليبِ لهُ أَرومٌ ... وجدتَ ولا فروعَهمُ رِطابا
وآيةُ ذاكَ أنَّ بني كُليبٍ ... بشرِّ قرارةٍ وُجدتْ شِعابا
ولمّا أنْ وزنتُ بني كُليبٍ ... فما وزنتْ مكارمُهمْ صُؤابا
فخرتَ بغيرِهمْ وفررتَ منهمْ ... وكنتَ مناضلاً كرِهَ النِّصابا
ترى للؤمِ فوقَ بني كُليبٍ ... سَرابيلاً وأقبِيةً صِلابا
خوالدَ لا تراها الدهرَ تَبلى ... إذا الأيامُ أبلَيْنَ الثيابا
كسوتُهمُ عصائبَ باقياتٍ ... يشدّونَ الرؤوسَ بها اعتِصابا
فألأمُ أعينٍ لبني كُليبٍ ... إذا ولَّوا والأمُهُ رِقابا
فلستَ بواجدٍ لبني كُليبٍ ... كهولاً صالحينَ ولا شبابا
أبانَ اللهُ لؤمَ بني كُليبٍ ... فسوَّى بينَ أعيُنِهمْ كتابا
فإنْ زاغتْ بنِسبَتها كُليبٌ ... أبانَ الخطَّ فانتسبَ انتسابا
زعمتَ ابنَ الأتانِ وأنتَ عبدٌ ... حقيقٌ أنْ تُعذَّبَ أو تُهابا
ولكنْ هي زواجرُ مُقْرِفاتٌ ... رعَيْنَ كِناسَهُ وزجرْنَ هابا
وردَّ عليكَ حكمكَ مُغْرِباتٌ ... سوابقُ ما استطعتَ لها جوابا
همُ آباؤهمْ منعوكَ قِدْماً ... وفكُّوا من عشيرَتِكَ الرقابا
بنو السعدَيْنِ تغضبُ لي وتلقى ... غُدانةَ والحرامَ لكمْ غِضابا
وإنَّ الناصرينَ أعزُّ نصراً ... وأكرمُهُ إذا انتسبوا انتِسابا
بذي لجبٍ من الفرعَيْنِ سعدٍ ... ودُفّاعِ الرِّبابِ سما وثابا
لهمْ عيصٌ ألَفُّ لهُ فروعٌ ... سمتْ صُعُداً فجاوزَتِ السحابا
ونحنُ غداةَ تتبعُنا تميمٌ ... وردْنا بالمُعقَّبةِ الكُلابا
سمَوْنا للعلى حتى رفعْنا ... بتَيمٍ والمُعقبةِ العُقابا
وبالدَّجْنِيَّتَيْنِ لقِيتَ ذُهلاً ... وعمروٌ جدَّعتْكَ على إرابا
فخرْتَ ابنَ الأتانِ بذاتِ كهفٍ ... وغيركَ أنزلَ الملكَ المُصابا
تُعيِّرُنا ابنَ ذاتِ القُنْبِ تَيماً ... ستعلمُ من يكونُ له غِضابا
فهلاّ قُنْبَ أمِّكَ كنتَ تحمي ... ولم تغضبْ لبيتٍ أنْ يُعابا
ألمْ تسألْ حراماً ما فعلْنا ... بسَجْحَةَ إذْ غزوتَ بها الرِّبابا
وجيشٌ حولَ سجحةَ من حرامٍ ... غزا فغزَتْ نَقيبَتُهُ وخابا
فلمّا إنْ لقوا منّا ليوثاً ... تُشبِّهُها المُعبّدةَ الجِرابا
علَوْناهمْ ببِيضٍ مُرهَفاتٍ ... نَقُطُّ بها الجماجمَ والرِّقابا
قليلاً ثمَّ أسلمَهمْ رئيسٌ ... ترى في الجِيدِ مَحْمَلَهُ سِخابا
إذا سجدتْ تُولّيهمْ هَريقاً ... كما نجَلَ البياطرةُ الإهابا
طردْناهمْ من الأوداةِ حتى ... حملناهمْ على نَقوى حِدابا
نَكُرُّ الخيلَ عابسةً عليهمْ ... نُقحِّمُها بنا رُتَباً صِعابا
فذلكَ يومَ لم تمنعْ كُليبٌ ... عَواناً في البيوتِ ولا كِعابا
جززْنا يومَ ذلكَ من كُليبٍ ... نواصيَ لا نريدُ لها ثوابا
أسَجْحَةُ يا جريرُ لكمْ أحَلَّتْ ... نكاحَ الميْتِ قد لقيَ الحسابا
فلا تابَ الإلهُ على جريرٍ ... إذا عبدٌ من السَّوآتِ تابا
تعانقُ أمَّ حَزْرَةَ وهْيَ نعشٌ ... تُكشِّفُ عن جِنازَتِها الثيابا
تركْتُكَ حاقِراً إنْ كنتَ تبكي ... على الأمواتِ تلتمسُ الضِّرابا
أنخْتُ بكلِّ مَبْركةٍ جريراً ... فشابَ ومثلَ مَبرَكهِ أشابا
ينوحُ على حِدابِ أبو جريرٍ ... وعمروٌ جدَّعتْكَ على حِدابا
ولم تكُ لو قتلتَ أباكَ نَيْكاً ... لتمنعَ زُبْدَ أيسرَ أنْ يُذابا
فما شهدَ الكُليبُ غداةَ جمعٍ ... ولا فُقد الكُليب غداةَ غابا
وما كنتَ المُصيبَ غداةَ جانٍ ... بذي أنَفٍ فتدَّعيَ المُصابا
وألهَتْكَ الأتانُ فما شهدْتُمْ ... عتاقَ الخيلِ تستَلِبُ النِّهابا
стр. 330
وما شهدوا مُحِيرةَ إذْ ملأنا ... فروجَ الأرضِ فرساناً وغابا
ولا نَقْلانهنَّ بذاتِ غِسْلٍ ... وبالعَيْكَيْنِ يَحوينَ النهابا
صبحْناهمْ كتائبَ مُعْلَماتٍ ... تَكُرُّ الطعنَ فيهمْ والضِّرابا
وما شهدَتْ نساءُ بني حريصٍ ... غداةَ جَدودَ فرساناً غضابا
سبقْنا بالعلى وبنو كُلَيْبٍ ... تُبادرُ منزلَ الركْبِ الغُرابا
إناؤُكَ مِيلَغٌ كلْبٌ ... فلستَ بغالبٍ أحداً سِبابا
ولكنْ منكَ من تركَ السَّبابا ... تُعارضُ بالمُلمّعةِ الرِّكابا
فوارسُ من بني جُشَمِ بن بكرٍ ... همُ اغتصَبوا بناتِكمُ اغتِصابا
وفرسانُ الهُذَيلِ همُ استباحوا ... فُروجَ بناتِكمْ باباً فبابا
وقدْ كانتْ نساءُ بني كُلَيْبٍ ... لفَيْشَلَ من تَخلَّسَها عِيابا
إذا ابتلعَتْ مَناطقَها وطارتْ ... مَناطقُها إذا انتعلَتْ جِنابا
يفرُّ من الأذانِ أبو جريرٍ ... فإنْ نهِقَ الحمارُ لهُ استجابا
يطاردُ أتْنَهُ بذواتِ غِسْلٍ ... يُهِيجُ وِداقُهُنَّ لهُ هِبابا
تولِّيهِ الأتانُ إذا علاها ... سنابكَ من حوافرِها صِلابا
إذا قمصَتْ عضَضْتَ بكاذَتَيْها ... وإنْ رمحَتْ فإنّكَ لنْ تهابا
وفي كلِّ القبائلِ من كُلَيْبٍ ... كسرْنَ ثنيّةً وهتَمْنَ نابا
لعادَتِها التي كانتْ كُلَيْبٌ ... تُذيلُ بمثلِها الأُتنَ الصِّعابا
لعلّكَ يا بنَ ذاتِ النِّكثِ ترجو ... مُغالبَتي ولم ترِثِ الغِلابا
وأنتَ أذلُّ خلْقِ اللهِ نفساً ... وقومُكَ أكثرُ الثقَلَيْنِ عابا
فلولا النكْثُ تنسُجُهُ كُلَيْبٌ ... ألا تَبّاً لنِكْثِكمُ تَبابا
تعقّبْتُ الكُلَيْبَ ورنَّحَتْها ... ضواحي السبِّ تلتهبُ التهابا
بأعوَرَ من بني العَوراءِ نِكْثٌ ... رمى غرضَ النضالِ فما أصابا
دعا النزْوانَ يا جحشَيْ كُلَيْبٍ ... وذوقا إذْ قرَنْتُكُما الجِنابا
قرنتُكما بألوى مُستمِرٍّ ... يعِزُّ على مَعالجِهِ الجِذابا
إذا علِقَ المقارِنُ دقَّ منهُ ... من العنُقِ المُقدَّمِ أو أنابا
مِضَمٌّ يُلحقُ التالِينَ ضمّاً ... ويَشْتَعِبُ المُعقّبةَ اشتِعابا
وقال عمر يردّ على جرير:
أآبَ الهمُّ إذْ نامَ الرُّقودُ ... وطالَ الليلُ وامتنعَ الهُجودُ
هوىً للعينِ بينَ صَفا أُضاخٍ ... وحَيثُ سما لواردة العَمودُ
ولو نلتُ الخلودَ ولا أراكُمْ ... بذاكَ الجِزعِ لأمتنعَ الخلودُ
أراقبُ مِرْزَمَ الجوزاءِ حتى ... تَضمّنَهُ منَ الأفُقِ السجودُ
وعارَضَ بعد مسقطهِ سهيلٌ ... يلوحُ كأنهُ بدمٍ طريدُ
ودون مَزارِكمْ لسُرى المطايا ... منَ الأعلامِ أشباهٌ وبِيدُ
كأنَّ أُرومَها والآلُ طافٍ ... على أرجائِها نبَطٌ قُعودُ
ومنْ هضْبِ القَليبِ مُقنّعاتٌ ... ومَذْعاءُ اللقيطةِ والكَؤودُ
بدَتْ فتبرَّجتْ لكَ أمُّ بدرٍ ... وكَيداً بالتبرُّجِ ما تَكيدُ
فلمّا إنْ لججْتُ نأتْ وصدَّتْ ... ومنهنَّ التباعدُ والصدودُ
فكيفَ قتلتِني يا أمَّ بدرٍ ... ولا قتْلٌ عليكِ ولا حدودُ
فما احتجَبَتْ فتُؤنسُ أمُّ بدرٍ ... قلوبَ الطامعينَ وما تَجودُ
وطَرْفي إذْ رميْتُ بهِ كَليلٌ ... وطرفُكِ إذْ رميتِ بهِ حديدُ
وإنَّ العامريّةَ أمَّ بدرٍ ... لآنسةٌ مُباعدةٌ صَيُودُ
عوى لي الكلبُ كلبُ بني كُلَيْبٍ ... فأقْصدَهُ قُصاقِصَةٌ ورودُ
أبو شِبلَيْنِ في أجَمٍ وغِيلٍ ... تنكَّبُ عن فرائسِهِ الأُسودُ
فإنّكَ قد قرعْتَ صَفاةَ قومٍ ... تَكسَّرَ عن مناكبِها الحديدُ
وخيرٌ منكَ مأثُرةً ونفساً ... رمَيْناهُ فأقصدَهُ الوعيدُ
بفرسانِ الفرزدقِ عُذْتَ لمّا ... أتاكَ الوقْعُ واعترَكَ الوعيدُ
أترجو أن تُوازِنَ مجدَ تَيمٍ ... رجاءٌ منكَ تأمُلُهُ بعيدُ
فأقْعِ كما وجدْتَ أباكَ أقْعى ... وضَيمٌ قدْ أحاطَ بهِ شديدُ
ألمْ أترُكْكَ شرَّ الناسِ عبداً ... بيَثربَ حينَ شاهدَتِ الوفودُ
стр. 331
فرَرْتَ منَ المدينةِ حينَ ثابَتْ ... رُواةُ الناسِ واستُمعَ النشيدُ
جدَعْتُكَ بالقصائدِ مُعْرَباتٍ ... وبالسوطَيْنِ أسلَحَكَ الوليدُ
وخلَّيْتَ اسْتَ أمِّكَ والقوافي ... لها هَبْؤٌ إذا ابتدؤوا تَعودُ
نكحْتُكَ بارِكاً وسُجنتَ حَولاً ... فأيَّ عذابِ ربِّكَ تستَزيدُ
لنِسوتِكَ اللئامِ الويلُ مما ... أفدْتَ لهنَّ أو ما تستفيدُ
أتفخرُ إنْ عددْتَ بني تميمٍ ... وذلكَ منكمُ نسَبٌ بعيدُ
ولكنْ أنتَ منْ أفناءِ بكرٍ ... نَذيلٌ حظُّكمْ نسبٌ قَعيدُ
وتُدعى للمَشورةِ آلُ تيمٍ ... ويربوعٌ وما تُدعى شُهودُ
ونأخذُ من ورائكَ ما أردْنا ... مُكاثرةً ونمنعُ ما نريدُ
رددْتُكَ بالرِّبابِ وآلِ سعدٍ ... وهمْ كسروا عصاكَ فما تذودُ
وهمْ لدُّوكَ ماءَ العبدِ حتى ... تفشَّى في مفاصلِكَ اللَّدودُ
ودقَّ عِراكُهمْ حَوضَيْكَ فاصْدُرْ ... بآتُنِكَ العطاشِ وهنَّ صِيدُ
ولي يا بنَ المراغةِ من تميمٍ ... وجوهُ السابقاتِ ولي العديدُ
بأيّةِ قارِتَيْكَ تذودُ قومي ... غُدانةُ والحرامُ حصىً زهيدُ
وللسعدَيْنِ يا بنَ أبي جريرٍ ... فهلْ فيمنْ عددْتَ لهمْ نَديدُ
لعبدِ مَناةَ يا بنَ أبي جريرٍ ... عليكَ المجدُ والحسبُ التليدً
لعلَّ غُدانةَ البَظْراءِ عِدْلٌ ... لهمْ وحرامُ سَجْحَةَ والزُّيُودُ
وأسْتاهُ الإماءِ بَني صُبَيْرٍ ... لهمْ نَوحٌ إذا مرضَ العتودُ
وأمّا الألأمونَ بنو كُلَيْبٍ ... فأُجْرَوا في الرهانِ فلمْ يُجيدوا
وأعيى الكلبُ كلبُ بني كُلَيْبٍ ... فما يحمي الكلابَ وما يصيدُ
وما بغْيٌ يُحاذرُ من رياحٍ ... ولا جَدٌّ نما بهمِ سعيدُ
ولمْ تكنِ اللئامُ بنو حريصٍ ... إذا اكتُسبَ الخلائقُ تستَجيدُ
تبيَّنَ لؤمُ يربوعٍ ويبقى ... على الأجسادِ ما بقيَتْ جلودُ
فإنْ تخلَقْ ليربوعٍ ثيابٌ ... فإنَّ اللؤمَ فوقَهمُ جديدُ
فمنْ يشهدْ ليربوعٍ بمجدٍ ... فقدْ قامتْ بلَومِهمِ الشهودُ
وأنتَ لئيمُهمْ وهمْ لئامٌ ... كذاكَ الحقُّ خالفَ ما تريدُ
أأنْ ماتَتْ أُمامةُ بنتُ عمروٍ ... دلفْتَ لها إذا سكَنَ الوريدُ
أتيتَ إلى الجنازةِ أمرَ سَوءٍ ... يُحرِّمُهُ النصارى واليهودُ
نِكاحُ الميْتِ عندَ بَني حريصٍ ... لكلِّ عَمارةٍ وطنٌ وعِيدُ
فألامُ معشرٍ من أنتَ منهمْ ... وألامُ عادةٍ ما تستعيدُ
أنا ابنُ الذائدينَ غداةَ جئتُمْ ... بوِردٍ لا تمُرُّ بهِ السُّعودُ
تقودُكمُ سَجاحُ بغُدْفَتَيْها ... فأهلكْنا سَجاحٍ ومن تقودُ
عشيّةَ انتمُ عُشَرٌ تَصلّى ... بنارٍ لا يقومُ لها عمودُ
وأوقدْتُمْ شهابَكمُ فلمّا ... نضحْنا حرَّها طفِئَ الوقودُ
فليتَ جَدودَ تنطِقُ روضَتاها ... فتُخبرُ عن طِعانِكمُ جَدودُ
ولمّا إنْ لقيتَ بني لُجَيمٍ ... على جُرْدٍ رَحائلُها اللُّبودُ
ومن شَيبانَ يا بنَ أبي جريرٍ ... جنودٌ لا يقومُ لها جنودُ
ندَدْتُمْ والنساءُ لها جُؤارٌ ... ولا يحمي حقيقتَهُ النَّدودُ
أُخذْنَ غُدَيّةً وفزعْتَ عصراً ... فأيَّ أوانِهمْ لحِقَ العبيدُ
أتدعونَ الحرامَ لهمْ وأنتمْ ... بدأْتُمْ بالفِرارِ فلمْ تعودوا
وثوَّبَ بالحرامِ بنو كُلَيْبٍ ... قرودٌ يستغيثُ بهمْ قُرودُ
لقدْ حلَّ الحرامُ بذي أُراطى ... ودونَ الجيشِ فَروةُ والوحيدُ
تُظِلُّ بيوتَ يربوعٍ نساءٌ ... على السَّوآتِ مارِنَةُ الجلودِ
على طَلحٍ وأُودَ نساءُ ... سَوءٍ تَضمَّنَ لؤمَها طلحٌ وأودُ
خُلقْنَ نذالةً وولَدْنَ ذُلاً ... لئيماتِ المَعاطسِ والخدودِ
وقال عمر بن لجأ يرد على جرير:
طرِبْتَ وهاجَتْكَ الرسومُ الدوارسُ ... بحيثُ حبا للأبرقَيْنِ الأواعِسُ
فجانَبَ ذاتَ القُورِ من ذي سُوَيْقةٍ ... إلى شارعٍ جرَّتْ عليهِ الروامسُ
أرَبَّتْ بها هوجاءُ بعدَكَ رادَةٌ ... منَ الصيفِ تسْفي والغُيوثُ الرواجسُ
стр. 332
كأنَّ ديارَ الحيِّ من بعدِ أهلِها ... كتابٌ بنِقْسٍ زيَّنتْهُ القَراطسُ
عفا ونأى عنها الجميعُ وقد تُرى ... كواعبُ أترابٌ بها وعوانسُ
يقُدْنَ بأسبابِ الصَّبابةِ والهوى ... رجالاً وهنَّ الصالحاتُ الشوامسُ
فهلْ أنتَ بعدَ الصُّرْمِ منْ أمِّ بَهْدَلٍ ... منَ الموئسِ النائي المودّةِ آيسُ
يُبَدِّلْنَ بعدَ الحِلمِ جهلاً ذوي النُّهى ... ويصبو إليهنَّ الغوِيُّ المؤانسُ
تَبَيَّتُ بالدَّهناءِ والدوِّ أنّهُ ... هوَ البَينُ منها أثْبَتَتْهُ الكوادِسُ
فأسمحَتْ إسماحاً وللصُّرمِ راحةٌ ... إذا الشكُّ ردَّتْهُ الظنونُ الكوابسُ
وما وَصْلُها إلاّ كشيءٍ رُزِيتَهُ ... إذا اختلستْهُ من يدَيكَ الخوالسُ
تركتُ جريراً ما يُغيِّرُ سَوأةً ... ولا تتوقّاهُ الأكُفُّ اللوامسُ
رأسْتُ جريراً بالتي لم يَحلُّها ... بنقضٍ ولا يُنضيكَ إلاّ الروابسُ
أبالخَطَفى وابنَيْ مُعيدٍ ومُعرِضٍ ... ولَوسِ الخُصى يا بنَ الأتانِ تُقايسُ
جَعاسِيسُ أنذالٌ رُذولٌ كأنّما ... قضاهُمْ جريرُ بنُ المراغةِ واكِسُ
وجَدَّعَهُ آباءُ لؤمٍ تقابَلوا ... بهِ وافتلَتْهُ الأمّهاتُ الخسائسُ
جرَيْتَ ليربوعٍ بشؤمٍ كما جرى ... إلى غابةٍ قادَتْ إلى الموتِ داحِسُ
وتحبِسُ يربوعٌ عنِ الجارِ نفعَها ... وليسَ ليربوعٍ من الشرِّ حابسُ
همُ شَقْوةُ الغريبِ قِدماً فلا بنى ... بساحَتِهمْ إلاّ سَروقٌ وبائسُ
ومنزلُ يربوعٍ إذا الضيفُ آبَهُ ... سواءٌ عليهِ والقِفارُ الأمالسُ
فبئسَ صريخُ المُرْدفاتِ عشيّةً ... وبئسَ مُناخُ الضيفِ والماءُ جامِسُ
تُمسِّحُ يربوعاً سِبالاً لئيمةً ... بها من منيِّ العبدِ رطبٌ ويابسُ
عَصيمٌ بها لا يرضخُ الموتُ عارَهُ ... ولو درَجَتْ فوقَ القبورِ الروامسُ
إذا ما ابنُ يربوعٍ أتاكَ مُخالساً ... على مأكلٍ إنَّ الأكيلَ مُخالسُ
فقلْ لابنِ يربوعٍ ألستَ بداحضٍ ... سِبالَكَ عنّي إنهُنَّ مَناحسُ
فجِبتُ لما لاقتْ رياحٌ من الشَّقا ... وما اقتبَسوا منّي وللشرِّ قابسُ
غضاباً لكلبٍ من كُلَيْبٍ فرَسْتُهُ ... عوى ولشدّاتِ الأسودِ فرائسُ
فذوقوا كما لاقَتْ كُلَيْبٌ فإنّما ... تَعِسْتَ وأردَتْكَ الجودُ النواعسُ
فما ألبسَ اللهُ امرءاً فوقَ جِلدِهِ ... من اللؤمِ إلاّ ما الرِّياحي لابسُ
عليهمْ ثيابُ اللؤمِ ما يُخلِقُونَها ... سرابيلُ في أعناقِهمْ وبَرانسُ
فخَرْتُمْ بيومِ المُرْدَفاتِ وأنتمُ ... عشيّةَ يُسْتَرْدَفْنَ بئسَ الفوارسُ
كأنَّ على ما تجتَلي من وجوهِها ... عَنِيّةَ قارٍ جلَّلَتْها المَعاطسُ
ولاقَيْنَ بؤساً من رِدافِ كتيبةٍ ... وقَبلَ رِدافِ الجيشِ هنَّ البوائسُ
ومنّا الذي نجّى بدِجلةَ جارَهُ ... حِفاظاً ونجَّتْهُ القُرومُ الضَّوارسُ
ونحنُ قتلْنا مَعقِلاً وابنَ مُرْسَلٍ ... بمُرهفَةٍ تُعلى بهنَّ القَوانسُ
وعَمْراً أخا دُودانَ نالَتْ رماحُنا ... فأصبحَ منّا جَمعُهُ وهْوَ بائسُ
ونحنُ منعْنا بالكُلابِ نساءَكمْ ... وقُمنا بثَغرِ الجوفِ إذْ أنتَ حالسُ
وضَبَّةُ لدَّتْكَ المنيَّ فأنجزَتْ ... لكَ الغيظَ يومَ الأحوَزِينَ مُقاعسُ
وقال عمر بن لجأ يرد على جرير:
ما بالُ عينِكَ لا تريدُ رقودا ... منْ بعدِما هجعَ العيونُ هُجودا
ترعى النجومَ كأنّها مطروفةٌ ... حتى رأيتَ منَ الصباحِ عَمودا
والليلُ يطردُهُ النهارُ ولا أرى ... كالليلِ يطرُدهُ النهارُ طَريدا
وتراهُ مثلَ الليلِ مالَ رِواقُهُ ... هتَكَ المُقوِّضُ كِسْرَهُ المَمدودا
فاشتَقْتُ بعدَ ثُواءِ ستّةِ أشهرٍ ... والشوقُ قد يدعُ الفؤادَ عَميدا
فارتَعْتُ للظُّعُنِ التي بمُبايضٍ ... بكَرَتْ تُنَشِّرُ كِلّةً وبُجودا
حتى احتملْنَ وقد تقدّمَ سارحٌ ... للحيِّ سارَ أمامَهنَّ بَريدا
غُرُّ المحاجرِ قد لبسْنَ مَجاسداً ... بينَ الحُمولِ تجرُّها وبُرودا
стр. 333
وسرا بهنَّ هِبابُ كلِّ مُخَيِّسٍ ... صُلْبِ المَلاغمِ يُحْسِنُ التَّرفيدا
مُتساندٍ نَفْجٍ يرُدُّ زِمامَهُ ... غرباً يرُدُّ شِراعَهُ الممدودا
وتكادُ زُفرَتُهُ لحينِ قيامِهِ ... بالحَملِ يقطعُ نِسْعَهُ المَعمودا
يا صاحبَيَّ قِفا نُحييّ منزلاً ... قدْ كادَ داثرُ رسمِهِ ليَبيدا
درَجَ الحصى بأصولِهِ فتنكَّرتْ ... بينَ البوارحِ طارداً مَطرودا
ومضى بيومٍ بعدَ ذلكَ ليلةٌ ... إنَّ الليالي لا يدعْنَ جديدا
ولقدْ عهدْتُ كلامها مُتبيِّناً ... والدَّلَّ معتدلَ الدلالِ خَريدا
وإذا مشتْ فوقَ البلاطِ حسبْتَها ... نهضَتْ تريدُ من الكثئيبِ صُعودا
وترى حقائبَها العِراضَ وثيرةً ... كُوماً وسائرَ خلْقِها أُمْلودا
وتُبيحُ مِسواكَ الآراكِ بكفِّها ... برَداً تُلَثِّمُهُ الضَّجيعَ بَرُودا
أشبهتِ منْ أمِّ الغزالِ بُغامَها ... ومنَ الغزالِ إذا تأوَّدَ جِيدا
ومنَ المهاةِ المقلتَيْنِ إذا غدَتْ ... وترُودُ في الضَّفْرِ الصِّغارِ سُبودا
كفريدةِ المَرجانِ حالَ بخُرْتِها ... قلِقٌ وأتبعَهُ النظامُ فريدا
أجريرُ إنّكَ قد ركبْتَ مُقارَعاً ... تبغي النشيدَ فقدْ لقيتَ نشيدا
وغوَيتَ تنتَجَعُ الكرامَ وسبَّهمْ ... حتى اصْطَلَيْتَ من العذابِ وقودا
ووجدْتَ حربَهمُ كما بيَّنتَها ... ناراً تسعَّرُ جنْدلاً وحديدا
يا بنَ الأتانِ بدأتَ اوّلَ مرّةٍ ... وغُلبتَ إذْ نقضَ القَصيدُ قَصيدا
وكسرْتُ عُودَكَ واقْتشرْتُ لِحاءَهُ ... حتى تركتُكَ تارِزاً مَفْؤودا
يا بنَ المَراغةِ أنتَ ألأمُ من مشى ... حسَباً وأخورُ من تكلّمَ عُودا
وإذا انتسبْتَ وجدْتَ لُؤمَكَ حاضراً ... والمجدُ منكَ إذا نُسبتَ بعيدا
كلُّ الحديثِ يَبيدُ إلاّ لؤمُكمْ ... يا بنَ المراغةِ لا يزالُ جديدا
أورَدْتَ يربوعاً ولمْ تُصْدرْهُمُ ... يا بنَ الأتانِ فحوَّلوكَ مُقيَّدا
ونخَسْتَ يربوعاً ليدركَ سَعْيَنا ... يا بنَ الأتانِ فبَلَّدوا تبليدا
وجلودُ يربوعٍ تُرى مصبوغةً ... باللؤمِ ما اكتسَتِ العِظامُ جلودا
إنَّ الأراقمَ واللهازمَ معشرٌ ... تركوا لسانَكَ بينهمْ مَعقودا
بسباءِ نسوتِكمْ وقتْلِ رجالِكمْ ... فاسألْ إرابَ تُنَبِّكُمْ وجَدُودا
سُبي النساءُ على إرابَ وكنتمُ ... بإرابَ إذ تُسبى النساءُ شُهودا
وسلَلْتَ سيفَكَ خالياً وتركتَهُ ... خزْيانَ عندَ ديارِهمْ مَعمودا
يا بنَ المراغةِ لم تجدْ لكَ مَفخراً ... حتى انتجَعْتَ عُطارداً ولَبيدا
يا بنَ الأتانِ أبوكَ ألأمُ والدٍ ... والفحلُ يفضحُ لؤمُهُ المَولودا
يا بنَ المراغةِ إنَّ حمْلَ نسائِكمْ ... ماءٌ يُفصِّلُ آمِياً وعبيدا
علِقَتْ بهِ أرحامُ يربوعيةٍ ... نكحَتْ أزَلَّ من الفحولِ عَتُودا
غَذَوِيَّةٌ رَضْعاءُ لم تكُ أمُّها ... من قبلِ ذلكَ للكرامِ ولودا
قذفَتْ بعبدِ العِرقِ جاءَ من استِها ... ورِثَ المذمّةَ والسَّفالَ جُدودا
خرَقَ المشيمةَ لؤمُهُ في بطنِها ... واللؤمُ قنَّعَهُ المَشيبُ وليدا
فإذا تروَّحَ للشبابِ تَمامُهُ ... فرطاً تروَّحَ لؤمُهُ ليَزيدا
حتى تَقرَّعَهُ المشيبُ مُغمَّراً ... كالكلبِ لا سعداً ولا مَحسودا
يا بنَ الأتانِ كذبتَ إنَّ فوارسي ... تحمي الذِّمارَ وتقتلُ الصِّنْديدا
اللابِسينَ إذا الكتيبةُ أقبلَتْ ... حلَقاً يسيرُ قَتِيرُهُ مَسرودا
وكتيبةٍ يغشى الذِّيادَ نِزالُها ... حَصْداً يقُدُّ وللطعانِ ورُودا
شهباءَ عاديَةً ضربْنا كبشَها ... فكبا الرئيسُ ولا يريدُ سُجودا
ومجالِ معركةٍ غنِمْنا مجدَها ... لقيَ الأُسودُ بها الغِضابُ أُسودا
والجيشُ يومَ لِوى جَدُودَ دقَقْتُهُ ... دقَّ المقرِّبَةِ القِطافِ حَصيدا
لا ثغرَ أمنَعُ من بليّةَ مَورِداً ... وقعَتْ فوارسُنا بهِ لتذودا
стр. 334
يا بنَ المراغةِ إنَّ شدّةَ خَيلِنا ... تركَتْ غُدانةَ والكُلَيْبُ فَنيدا
أيامَ سَجْحةَ يا جريرُ يقودُكمْ ... ألئِمْ بذلكَ قائداً ومَقُودا
ومجالَهُنَّ بذي المجاعةِ لم يدعْ ... من حضرَمَوتَ ولا الحِماسَ شَريدا
يومَ الخُزَيْمِ غداةَ كُبِّلَ بعدَما ... شَذُّوا مَواثقَ عندَنا وعهودا
ودفعْنَ عاديَةَ الهُذيلِ فلمْ يُرِدْ ... جيشٌ لتَغلِبَ بعدَها ليعودا
يا بنَ المراغةِ قد هجَوتَ مَجالساً ... وفوارساً يا بنَ المراغةِ صِيدا
سبقوا كُلَيْباً بالمكارمِ والعُلى ... فوقَ النمارقِ مُحْتَبِينَ قعودا
أتَرُومُ من بلغَ السماءَ بناءَهُ ... قد رُمتَ مُطَّلَعاً عليكَ شديدا
وقال عمر بن لجإٍ:
أمِنْ دِمنةٍ بالماتِحِيِّ عرفْتَها ... طويلاً بجَنبِ الماتحيِّ سُكونُها
عصى الدمعُ منكَ الصبرَ فاحْتَثَّ عَبْرَةً ... منَ العينِ إذْ فاضَتْ عليكَ جفونُها
محاها البِلى للحَولِ حتى تنكَّرَتْ ... كأنَّ عليها رَقَّ نِقْسٍ يَزِينُها
كِتابَ يدٍ من حاذقٍ مُتَنَطِّسٍ ... بمَسْطورةٍ منهنَّ دالٌ وسِينُها
فما أنصفَتْكَ النفسُ إنْ هيَ عُلِّقَتْ ... بكلِّ نوىً باتَتْ سِواكَ شَطُونَها
لها شجَنٌ ما قدْ أتى اليأسُ دونَهُ ... منَ الحاجِ والأهواءِ جَمٌّ شجونُها
أتى البخلُ دونَ الجودِ منْ أمِّ واصلٍ ... وما أحصَنَ الأسرارَ إلاّ أمينُها
وما خُنتُها إنَّ الخيانةَ كاسْمِها ... وما نصحَتْ نفسٌ لنفسٍ تخونُها
مددْتَ حبالاً منكَ حتى تقطَّعتْ ... إليَّ وما خانَ الحبالَ متينُها
ألا تلكَ يربوعٌ تَنُوخُ كهولُها ... على ابنِ وِثيلٍ حينَ أعيا هَجينُها
وما زلتَ مُغترّاً تظنُّكَ مُنْسأً ... مُعاقبتي حتى أتاكَ يقينُها
يسيرُ بها الركْبُ العِجالُ إذا سرَوا ... على كلِّ مِدلاجٍ يَجولُ وضِينُها
بتيهٍ تَحُوطُ الشمسَ عنها مَخُوفةٍ ... رواعي الحِمى من سُرَّةِ القفْرِ عِينُها
أهنْتُ جريرَ ابنَ الأتانِ وقومَهُ ... وأحسابُها يومَ الحفاظِ تُهينُها
لعَمرُكَ ما تدري كُلَيْبٌ منَ العمى ... على أيِّ أديانِ البريّةِ دِينُها
سبلُغُ يربوعاً على نأيِ دارِها ... عوارِمُ منّي سبَّبَتْها شجونُها
تَشِينُكَ يربوعٌ إذا ما ذكرْتَها ... وأنتَ إذا ما ذُدتَ عنها تَشينُها
فألأمُ أحياءِ البريّةِ حَيُّها ... وأخبثُ من تحتِ الترابِ دَفينُها
وكلَّ امرئٍ من طينِ آدمَ طينُهُ ... ويربوعُكمْ من أخبثِ الطينِ طينُها
ووَرقاءَ يربوعيةٍ شرُّ والدٍ ... غَذاها لئيمٌ فحلُها وجَنينُها
خبيثةُ ما تحتَ الثيابِ كأنّها ... جِفارٌ من الجَفرَيْنِ طالَ أُجونُها
إذا ذكرَتْ أعتادَها حنظليّةٌ ... تَرمْرَمَ قُنْباها فجُنَّ جنونُها
ومَيْثاءَ يربوعيةٍ تنطُفُ استُها ... إذا طحنَتْ حتى يسيلَ طحينُها
تنالُ الرَّحى من أسْكَتَيْها وبَظرِها ... قِطابٌ إذا الهادي نَحْتُهُ يَمينُها
ووُلِّهَ من سبْيِ الهُذَيلِ نساؤُكمُ ... فلمْ يُدركوها حينَ طالَ حَنينُها
وآخرُ عهدٍ منهمُ بنسائهمْ ... وقدْ عُقِدَتْ بالمؤخَراتِ قرونُها
مُردَّفةٌ تدعوكمُ وشِمالُها ... بخِلْفٍ وفي إثْرِ الهُذَيلِ يمينُها
فلوْ غِرتُمُ يومَ الحرائرِ لمْ تَرُحْ ... معَ القومِ أبكارُ النساءِ وعُونُها
ترى بينَ عينَيْها كتاباً مُبيَّناً ... منَ اللؤمِ أخزاها أبوها ودِينُها
وأخزى بني اليربوع إنَّ نساءَهمْ ... مقرّاتُ أوشالٍ لئامٌ مَعينُها
إذا أمرَعَتْ أخزَتْ رياحاً فُروجُها ... وإنْ أجدبَتْ أخزَتْ رياحاً بطونُها
نصونُ حِمى أحسابٍ تَيمٍ حَياؤُها ... وأحسابُ يربوعٍ سُدىً ما تَصونُها
وإنْ نُسِبتْ تَيمٌ أضاءَ طِعانُها ... وجوهُ القوافي فاستمرَّتْ مُتونُها
فنحنُ بنو الفرسانِ يومَ تناولَتْ ... رياحاً وفرَّتْ عاصمٌ وعَرينُها
وأبناءُ فرسانِ الكُلابِ وأنتمُ ... بنو مُردَفاتٍ ما تجِفُّ عيونُها
стр. 335
فأبلِغْ رياحاً هذه يا بنَ مُرسَلٍ ... مُرَنَّحةً إنّي لها سأهينُها
أظنَّتْ رياحٌ أنّني لنْ أسُبَّها ... لقدْ كذَبَتْها حينَ ظنَّتْ ظنونُها
وقال عمر بن لجإٍ لجَرير:
لعلَّكَ ناهِيكَ الهوى أنْ تَجلَّدا ... وتاركَ أخلاقٍ بها عشتَ أمْردا
أفالآنَ بعدَ الشيبِ يَقتادُكَ الهوى ... إلى الأمرِ لا ترضى مغبَّتَهُ غدا
طرِبْتَ فلوْ طاوعتَ إذْ أنتَ واقفٌ ... بأسفلِ ذي خيمٍ هواكَ لأصعدا
أُتيحَ الهوى منْ أهلِ غَولٍ وثَهْمَدٍ ... كذاكَ يُتاحُ الوُدَّ من قدْ تودَّدا
فلوْ أنَّ أياماً بغَولٍ وثَهمدٍ ... رجعْنَ رضِيناهُنَّ إنْ كنَّ عُوَّدا
سقى ثَهمداً من يرسلُ الغيثَ واللِّوى ... فروَّى وأعلاماً يُقابِلْنَ ثَهمدا
بما نزلَتْ من ثَهمدٍ بينَ بُرقةٍ ... سُعادُ وطَودٍ يسبقُ الطيرَ أقْودا
إذا هيَ حلَّتْ بالسِّتارِ وقابلَتْ ... من النِّيرِ أعلاماً جميعاً وفُرَّدا
وأهلُكَ بالمَطْلى إلى حيثُ أنبَتَتْ ... رياضٌ من الصِّمّانِ سِدراً وغَرقدا
تقطَّعَ منها الودُّ إلاّ بقيّةً ... وجارَ الهوى عما تريدُ فأبْعَدا
فأصبحَ هذا النأيُ شيئاً كرهْتُهُ ... عسى أن يرى ما تكرهُ النفسُ أرْشَدا
فلمْ ترَ منّي غيرَ أشعث َ شاحبٍ ... مُضمَّنَ أحسابٍ فأنشدا
ولمْ أرَ منها غيرَ مَقعَدِ ساعةٍ ... بهِ اختلَبَتْ قلبي فيا لكَ مَقعدا
وسنَّتْ عليهِ مُجْسَداً فوقَ يُمنَةٍ ... عِتاقٍ ولاثَتْ فوقَ ذلك مُجْسَدا
على مَرْسَنٍ منها أغرَّ كأنّهُ ... سنا البرقِ لاقى ليلةَ البدرِ أسعُدا
إذا ارتادَتِ العينانِ فيها رأيتَهُ ... أنيقاً لطَرفِ العينِ حتى تزوَّدا
لها لَبَّةٌ يجري مجالُ وشاحِها ... على مُستوٍ من ناصعٍ غيرَ أكبَدا
وكَشْحٍ كطِيّ السابِريِّ حبَتْ لهُ ... روادفُ منها وعَثّةٌ فتَخضَّدا
كأنَّ نقاً من عالجٍ أُدجِنَتْ بهِ ... سَوارٍ نضحْنَ الرملَ حتى تلبَّدا
تَلُوثُ بهِ منها النطاقَيْنِ بعدَما ... أمرَّتْ ذَنُوبي متْنَها فتأوَّدا
ولاقَتْ نعيماً سامِقاً فسما بها ... سموَّ شبابٍ يملأُ العينَ أمْلدا
كما سمقَتْ بَرْدِيّةٌ وسْطَ حائرٍ ... منَ الماءِ تغدوهُ غِذاءً مُسَرْهَدا
مُنعمةٌ لم تلقَ بؤساً ولم تسُقْ ... حمارَ كُلَيْبيٍّ أقلَّ وأجحدا
عجبْتُ ليربوعٍ وتقديمُ سَوأَةٍ ... منَ الخطَفى كانَ اللئيمَ فأنفذا
فلوْ أنَّ يربوعاً على الخيلِ خاطَروا ... ولكنّما أجْرَوا حماراً مُقيَّدا
وقالوا جريرٌ سوفَ يحمي ذِمارَنا ... كذبْتُمْ ولكنّي بهِ كنتُ أنْقدا
فما اعترفَتْ من سابقٍ يومَ حَلْبَةٍ ... كُلَيْبٌ ولا وافَوا معَ الناسِ مَشهدا
فضجَّ ابنُ أختاتِ استِها إذْ قرنْتُهُ ... بمَتنِ القُوى منّي أمرَّ وأحْصدا
وإنّكَ لو جارَيْتَ بحراً مُقارباً ... ولكنّما جاريْتَ بحراً تَغمَّدا
لهُ حدَبٌ غمْرٌ عَلاكَ بزاخرٍ ... وألفاكَ مُجتافاً غُثاءً مُنضَّدا
خصَيتُ جريراً بعدَ ما شابَ رأسُهُ ... وكسَّرَ نابيَّهِ الذكاءُ وعرَّدا
لنِحْيا جريرِ اللؤمِ فوقَ حمارِهِ ... عليهِ ورِيقا أمِّهِ كانَ أعودا
وأهونُ من عَضْبِ اللسانِ بنَتْ لهُ ... أُسودٌ وساداتٌ بناءً مُشيَّدا
نزَتْ بكَ جهلاً من أتانَيْكَ دِرّةٌ ... فثَوَّرْتَ غَيّاظَ العدوِّ مُحسَّدا
أتفخرُ بالعَلْهانِ بِرْذَوْنِ عاصمٍ ... وسيَّبْتَ جدَّيْكَ المعيدَ وفَرْهدا
إلى الخطَفى عمداً فررْتَ ولم تجدٍ ... بني الخطَفى إلاّ إماءً وأعبُدا
وما استردفَتْ خيلُ الهُذَيلِ نساءَنا ... ولا قُمنَ في صفٍّ لسجْحةَ سُجّدا
ولكنْ منعناهُنَّ من الشِّرْكِ بالقَنا ... وفي السِّلمِ صدَّقْنا النبيَّ مُحمّدا
إذا فزِعتْ نسوانُهنَّ أتينَهُمْ ... مِكاثاً يُزَرِّدْنَ الدِّخالَ المسَرَّدا
أوامِنَ أنْ يُردفْنَ خلفَ عصابةٍ ... سِوانا إذا ما صارِخُ الرَّوعِ ندَّدا
стр. 336
نغارُ عليها غَيرةً مُضَرِيّةً ... إذا ما انتضَيْنا المَشْرَفِيَّ المهنّدا
نذودُ بهنَّ الوِردَ ما استمسكَتْ بهِ ... قوائمُها يذْرِينَ هاماً وأسعُدا
فلا تَغزُنا آلُ الرِّبابِ كتيبةً ... مَعَدِّيَّةً أو غيرَ منْ قدْ تمَعْددا
لهمْ رائسٌ إلاّ قتَلْنا رئيسَهمْ ... فمنْ شاءَ عدَّدْنا الفَعالَ وعدَّدا
ونحنُ قتلنا يومَ قِنعِ هُبالةٍ ... شَمَيْطاً وحسانَ الرئيسَ ومُرشِدا
ونحنُ أخذْنا من بني أسدٍ معاً ... بوشمِ القِرى قَسْراً سُويْداً ومَعْبدا
ونحنُ قتلْنا مَعقِلاً إذْ تداركَتْ ... بهِ الخيلُ إذْ هابَ الجبانُ وعرَّدا
ونحنُ قرَنَّا مالكاً وهْوَ جارُكمْ ... بذي كلَعٍ فينا أسيراً مُقيَّدا
ونحنُ حسرْنا يومَ سَخبانَ بالتي ... أطاعَ بها الناسُ الرئيسَ المُسَوَّدا
وعبدَ يغوثَ الهيرِ يومَ مُجِيزةٍ ... تركْناهُ يكبو في قَناً قد تقصَّدا
وغادرَ حسانَ بن عوفٍ طِعانُنا ... صريعاً على خدِّ الشمالِ مُوسَّدا
وعوفَ بنَ نعمانٍ أخذْناهُ عَنوةً ... وكنّا نفُضُّ الجندَ ممنْ تَجنَّدا
ومن قبلُ أوثَقْنا ابنَ خَضْرانَ عنوةً ... عَدِيّاً وطردْنا ابنَ حسانَ بُرجُدا
ونحنُ ضربْنا جيشَ سعدِ بنِ مالكٍ ... بلُبنانَ والأعراضِ حتى تبدَّدا
ومنْ قبلُ إذْ نالَتْ يزيدَ رماحُنا ... مَنَنّا عليهِ بعدَ إيثاقِهِ يدا
وما عرضَتْ من طيّئٍ عن أسيرِنا ... حُصَيْنٍ ثواباً كان ذِكراً ولا جَدا
مننّا عليهِ منّةً لمْ يكنْ لها ... ثوابٌ سوى ذِكرٍ يكونُ غدا غَدا
وقدْ أسلحتْ فرسانُ تَيمٍ ذوي النُّهى ... أبا نهْشَلٍ والدارِمِيَّ الضَّفَنْدَدا
وسلْمَةُ إذْ دارَتْ بنا الحربُ دَورةً ... كسوْنا قفاهُ المَشرفيَّ المهنَّدا
ونحنُ قتلْنا من رياحٍ بمَوحَدٍ ... قتيلاً أفَتْنا نفسَهُ حينَ حدَّدا
ونحنُ هزمْنا بالمَنِيحَيْنِ جمعَكمْ ... وكانَ لكمْ يومُ المنيحَيْنِ أنْكدا
قتلْناكمُ منْ بعدِ أسرٍ أصابَكمْ ... فساءَكمُ القتلُ الأسيرَ المُصفَّدا
فأوزَعَنا الإسلامُ بالسِّلمِ بعدَما ... قتلْنا ملوكَ الناسِ مَثنى وموحَدا
ولم يُخزِ حَوضي ما جبَتْ لي رماحُهمْ ... ولكنْ لقُوّادِ الكتائبِ صُيَّدا
فإنْ تكُ أرضَتْني الرِّبابُ بما بنَوا ... فقدْ وجدوا عنهمْ لسانيَ مِذْوَدا
فخَرْتُ بحقٍّ وافتخرْتَ بباطلٍ ... وزُورٍ فلمْ يجعلْ لكَ اللهُ مَصْعَدا
فخرْتَ بسعدٍ كالذي حنَّ والِهاً ... إلى القمرِ العالي إذا ما توقَّدا
تحِنُّ إلى بدرِ السماءِ ودونَهُ ... نَفانِفُ تُنْبي الطرْفَ أنْ يَتصعَّدا
فما من بني اليربوعِ قيسُ بنُ عاصمٍ ... ولا فَدَكِيٌّ يا جريرُ بنُ أعبُدا
ولا آلُ جَزْءٍ يا جريرُ ولا الذي ... سما بجنودِ البأسِ أيامَ صَيْهَدا
ولا اللُّبَدُ اللاتي بسطْنَ مُقاعساً ... إذا زأرَتْ في غَيْطَلٍ قد تَلبَّدا
ولا الغُرُّ من آلِ الأجارِبِ أصبحوا ... لمن نصروا رُكناً عزيزاً مؤيَّدا
ولا الزِّبْرِقانُ ابنُ العرانينِ والذُّرى ... ولا آلُ شَمّاسٍ ولا آلُ أسعدا
ولا منْ بني اليربوعِ غُرٌّ حبَتْ بهمْ ... بحورٌ من الآفاقِ مجداً وسوددا
ولكنّما سعدٌ عَلاكَ عُبابُها ... وقبلَكَ ما غَمُّوا أباكَ فبلَّدا
فتلكَ الذُّرى لا قاصِعٌ ومُنفِّقٌ ... إذا اتَّلَجَ اليربوعُ فيهنَّ أُفرِدا
إلى الغرِّ منها إنْ دعوْتُ أجابَني ... خَناذيذُ في رأسٍ من الغرِّ أصْيَدا
فدعْ ناصِري لا ذنبَ لي إنْ علوْتُكمْ ... وكنتُ كمنْ يرجو الرياحَ فأكسدا
ولمّا عددْنا كلَّ بؤسى وأنعُمٍ ... وجَدَّ الرهانُ الحقُّ حتى تخدَّدا
وجدتُ المُصَفَّى من تميمٍ سِواكمُ ... ولؤمَ بني يربوعَ شيئاً مُخلَّدا
فلوْ غيرَ يربوعٍ أبوكمْ صلَحْتُمُ ... ولكنَّ يربوعاً أبوكمْ فأفسَدا
ولكنَّ يربوعاً سَقيطٌ إذا دعَتْ ... غُدانَةُ أسْتاهَ الإماءِ مُقلِّدا
стр. 337
وعمروُ بنُ يربوعٍ قرودٌ أذلّةٌ ... يسوقونَ مبتوراً من العزِّ مُقْعَدا
أتتْكَ صُبَيْرٌ والحرامُ بنصرِها ... وذلكَ أمسى نصرُهمْ أنْ يُحشَّدا
وإنْ تُعجَمِ العجماءُ يوجدْ نحاسُها ... لئيماً ولا تلقى الإهابَيْنِ أحمِدا
وما درَنُ الأسْتاهِ رهْطُ ابنِ مُرسَلٍ ... بكُفْءِ كرامِ الناسِ قِنّاً مُولَّدا
فإنْ همّتِ الهمّامُ يوماً بسَوأةٍ ... هَداها لهُ إبليسُ حتى تورَّدا
تكنْ ذو طلوحٍ من عَرينٍ ولؤمُهمْ ... إذا ما غدَوا بالقُفِّ للشاءِ رُوَّدا
يُضافُ ابنُ يربوعٍ وما يُحْسِنُ القِرى ... إذا ما رياحُ الشامِ أمسَيْنَ بُرَّدا
هجَوْتَ عُبَيداً عن قضى وهْوَ صادقٌ ... ومن قبلِهِ غارَ القضاءُ وأنْجدا
فتلكَ بنو اليربوعِ إنْ كنتَ سائلاً ... فيا شرَّ يربوعٍ طِعاناً ومَرقدا
كذبْتَ عُبَيدٌ سامَكَ الضيمَ صاغراً ... فلمْ ترَ إلاّ أن تقِرَّ وتقعُدا
أقلتُمْ لهُ بعدَ التي ليسَ مثلَها ... بها رقَّ أفواهُ النساءِ وجَرَّدا
ومنْ قبلُ إذْ حاطَتْ جَنابُ حِماكُمُ ... وأصدرَ داعِيكمْ بفَلْجٍ وأوْردا
همُ استلَبوا منكمْ إزاراً ظُلامةً ... فلمْ تَبسُطوا فيها لساناً ولا يدا
وهمْ منعوا يومَ الصُّلَيْعاءِ سَرْبَهُمْ ... بطَعنٍ ترى منهُ النوافذَ عُنَّدا
وبالوَقَبى عُذْتُمْ بأسيافِ مازنٍ ... غداةَ كسَوا شَيبانَ عَضْباً مُهنّدا
فلولا حُمَيّا آلِ عمروٍ لكنتُمُ ... بأسفلِ مَوسوجٍ نَعاماً مُشرَّدا
فخَرْتُمْ بقتلِ المانحينَ وغيرُكمُ ... بَني شرِّ يربوعٍ بهِ كانَ أسعدا
ألستَ ليربوعيةٍ تلزمُ استَها ... إذا شربَتْ صاعَ المنيَّ المُصعَّدا
كما أرزمَتْ خَوّارةٌحينَ باشرَتْ ... مَناخرُها بوَّ الحمارِ المُجلَّدا
يفرُّ من السِّترَيْنِ زوجُ عروسِهمْ ... فراراً إذا ما الفَسْوُ منها تَردَّدا
ترى البظرَ منها مُرْمَعِلاًّ كأنّهُ ... لسانٌ بدا من ذي حِفافَيْنِ أنْجدا
هَرِيتاً كجَفْرٍ من عَمايةَ آجِنٍ ... صَراهُ أثارَتْهُ الأكفُّ فأزبَدا
إذا أرزمَتْ أسْتاهُهُنَّ تَهيَّجَتْ ... أعاصيرُ يرفعْنَ الغبارَ المُعضَّدا
وقال عمر بن لجإٍ أيضاً يهجو جريراً:
أتشتِمُ أقواماً أجارُوا نساءَكمْ ... وأنتَ ابنَ يربوعٍ على الضيمِ وارِكُ
أجرْنا ابنَ يربوعٍ من الضيمِ بعدَما ... سقتْكمْ بكأسِ الذلِّ والضيمِ مالِكُ
غداةَ أرادَتْ مالكٌ أنْ نُحِلَّكمْ ... على الخَسْفِ ما هبَّ الرياحُ السَّواهكُ
فعُذْتمْ بأحواءِ الرِّبابِ وأنتمُ ... كفَقْعِ التناهي استدرجَتْهُ السنابكُ
وبالعِرضِ إذْ جاءَتْ جموعٌ تجمَّعتْ ... بسجْحَةَ قادَتْها الظنونُ الهوالكُ
تركناهمُ صرعى كأنَّ ظهورَهمْ ... عليها من الطعنِ العَبيطِ الدَّرانِكُ
فذُدْنا وأرهبْنا أخاكمْ فأصبحَتْ ... لكمْ منهمُ أيدٍ وأيدٍ شَوابكُ
كما قد نبا عن مالكٍ جُلُّ جَمعِكمْ ... بسهلِ الحِمى والهضبِ طَعنٌ مُدارِكُ
فكيفَ يسُبُّ التَّيمَ من قدْ أجارَهُ ... فوارسٌ تيمٍ والرماحُ الشوابكُ
يُصدّقُ دفْعَ التيمِ عنكمْ إذا انتمَوا ... إلى المجدِ غاراتُ الكُلابِ المَسابكُ
نَمَتْمنِيَ شُمٌّ للذؤابةِ والذُّرى ... ولي من تميمٍ رأسُها والحوارِكُ
هناكَ ابنُ تيمٍ واسطُ الأصلِ فيهمِ ... وأنتَ ابنَ يربوعٍ بديلٌ مُتارِكُ
ويومَ إرابَ السهلِ يومَ استَبَتْكمُ ... عَلاكم بني اليربوعِ ورْدٌ مُواشِكُ
بنو تغلِبَ الغلباءِ راحَتْ عشيّةً ... بنسوتِكمْ لمْ تحمهنَّ النيازكُ
ومنْ هرَمِيٍّ قد تَغشَّتْ خَزايَةً ... وجوهُكمُ ما دامَ للشِّعرِ حائكُ
وأسلمْتُمُ سُفيانَ للقومِ عَنوةً ... ولو لحِقَ المُستصرِخاتُ اللوائكُ
وبالعَكنِ الكلبيِّ أخزى نساءَكمْ ... غَداةَ تُنادي البِيضَ منها الفواركُ
سَليطاً بأنْ تستنزِلوهُنَّ بعدَما ... جرى ولهاً منها الدموعُ السَّوافكُ
стр. 338
وعمروُ بن عمرو قادَكمْ فاشكروا لهُ ... بذي نجَبٍ والقومُ كابٍ وبارِكُ
بذي نجبٍ لو لمْ تذُدْ من ورائِكمْ ... بنو مالكٍ غالَتْكَ ثَمَّ العَوائكُ
فأسلمْتمُ فرسانَ سعدٍ وقدْ ترى ... بداركمُ المُستردفاتُ الهوالكُ
ويومَ علَتْ للحَوْفَزانِ كتيبةٌ ... جَدُودُ لكمْ من نحوش حجْرٍ مَسالِكُ
ويومَ بَحِيرٍ أنتمُ شرُّ عُصبةٍ ... عَضاريطُ لولا المازِنيُّ المُعارِكُ
ورومَ بني عبْسٍ بشَرْجٍ تَشاهَدَتْ ... على قتلِهِ أعلامُكمْ والدَّكادِكُ
وعَبْقَر إذ تدعوكمُ جلَّلتْكُمُ ... منَ الخزيِ ثوبَ الحائضاتِ العَوارك
ستسمحُ يربوعٌ سِبالاً لئيمةً ... بها منْ منيِّ العبدِ أسودُ حالكُ
حميد بن ثور
وقال حميد بن ثور بن حَزن بن عمرو بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة:
سَلا الربْعَ أنّي يمَّمتُ أمّ طارقٍ ... وهلْ عادةٌ للربعِ أنْ يتكلّما
وقُولا لهُ يا ربْعُ باللهِ هلْ بدا ... لها أو أرادَتْ بعدُ إلاّ تأيُّما
شهِدْتَ وأسمعتَ الفِراقَ وأشخصَتْ ... بنا الدارُ بعدَ الإلفِ حَولاً مُجرّما
ولو نطقَ الرَّبْعانِ قبلي لبيَّنا ... لصاحبِ هندٍ وامرئِ القيسِ مَنْسِما
هما سألا فوقَ السؤالِ وأفْضلا ... على كلِّ باكٍ عَوْلةً وتَلوُّما
وزادا على قولِ الوشاةِ وأنشدا ... من الشِّعرِ ما يُغوي الغوِيَّ المُلوَّما
أجِدَّكَ شاقَتْكَ الحُمولُ تيمَّمتْ ... هِدانَيْنِ واجتازَتْ يميناً عَرَمْرما
على كلِّ مَشبوحٍ بنِيرَيْنِ كُلِّفَتْ ... قُوى نِسْعَتَيْهِ مَحْزِماً غيرَ أهْضما
جِلادُ تَخاطَتْها الرِّعاءُ فأُهملَتْ ... وألفَيْنَ رَجّافاً جُرازاً تَلَهْزَما
رعَيْنَ المُرارَ الجَونَ منْ كلِّ مِذنَبٍ ... دَمِيثٍ جُمادى كلِّها والمحرَّما
من النِّيرِ واللَّعْباءِ حتى تبدَّلَتْ ... مكانَ رَواغِيها الصَّريفَ المُسدَّما
وحتى تَعفَّى النضْوُ منها وجُرِّدَتْ ... حَوالبُها من مَرْبَعٍ قد تَجرَّما
وعادَ مُدَمّاها كُمَيْتاً وشُبِّهتْ ... كُلومُ كُلاهُنَّ الوِجارَ المُهدَّما
وخاضَتْ بأيديها النِّطافَ وذعْذَعتْ ... بأقْيادِها إلاّ وظِيفاً مُخدّما
فجاءَ بها الرُّدادُ يحْجُزُ بينَها ... سُدىً بينَ قَرْقارِ الهديرِ وأعْجما
ترى القرْمَ منها ذا الشقاشقِ واضحاً ... نقيّاً كلونِ القُلْبِ والجَونِ أصْحَما
فقامَ العَذارى بالمَثاني فأُقْدِعَتْ ... أكُفُّ العذارى عِزّةً أنْ تَخطَّما
فلمّا ارعوى للزَّجْرِ كلُّ مُلَبِّثٍ ... كصُمِّ الصَّفا يتلو جِراناً مُقدَّما
إذا عزّةُ النفسِ التي كان يتَّقي بها ... حبْلَهُ لم تُنسِهِ ما تَعلَّما
فما زِلنَ بالتمساحِ حتى كأنّما ... أدَبَّتْ إليهِ في الخِزامةِ أرْقَما
وقرَّبْنَ مُقْورّاً كأنَّ وضِينَهُ ... بنِيقٍ إذا ما رامَهُ الغَفْرُ أحْجَما
وَقُوراً لوَ انَّ الجِنَّ يعزِفْنَ حولَهُ ... وضرْبَ المغَنِّي دُفَّهُ ما تَرَمْرما
رعى القَسْوَرَ الجَونيَّ من حولِ أشمُسٍ ... ومنْ بطنِ سُقْمانَ الدُّعاعَ المُديَّما
تراهُ إذا استدبرَتْهُ مُدمَجَ القَرا ... وفَعماً إذا أقبلْتَهُ العينَ سَلْجَما
بعيرُ حياً جاءَتْ بهِ أرحبيّةٌ ... أطالَ بهِ عامَ النِّتاجِ وأعْظَما
فقامَتْ إليهِ خَدْلَةُ الساقِ أشخصَتْ ... لهُ بالخلا كفّاً خَضيباً ومِعصَما
فألقى بلَحيَيْهِ فلاثَتْ برأسِهِ ... زِماماً كشيطانِ الحَماطةِ مُحكَما
فلمّا أناخَتْهُ إلى جَنْبِ خِدرِها ... عَجا شِدقَهُ أو هَمَّ أنْ يَتزعَّما
تراهُ إذا ما عجَّ يجلو عنِ الشَّبا ... فما مثلَ حِنوِ الخَيْبرانيِّ لَهْجَما
تَنَخْنَخَ حتى ما تكادُ طويلةٌ ... تنالُ بكفَّيْها الظِّعانَ المُسوَّما
وذا ذئبٍ جُوفٍ كأنَّ خُصورَهُ ... خصورُ نِعالِ السبتِ لأماً مُوشَّما
قِمَطْرٌ يَبِينُ الوَدْعُ فوقَ سَراتِهِ ... إذا أرزمَتْ من تحتهِ الريحُ أرزما
стр. 339
ضُبارِمُ طيِّ الحالبَيْنِ إذا خَدا ... على الأُكْمِ ولاّها حذاءً مُلَكَّما
كأنَّ هوِيَّ الريحِ بينَ فروجِهِ ... تَجاوُبُ جِنٍّ زُرنَ جِنّاً بجَيْهَما
فجئنَ بهِ لا جاسئاً ظَلِفاتُهُ ... ولا سلِساً فيهِ المساميرُ أكزَما
شأى أثلاثَ المُنْحنى من صُعائدٍ ... لهُ القَينُ عينيهِ وما قد تعلَّما
فشَذَّبَ عنهُ سُوقَ جلْسٍ عروقُها ... معَ الماءِ ما أروى النباتَ وأنعما
برَتْهُ سَفافيرُ الحديدِ فجرَّدتْ ... رفيعَ الأعالي كانَ في الصَّونِ مُكْرما
وجاءَ نساءُ الحيِّ بينَ صَنِيعِهِ ... وبينَ التي جاءتْ لكَيْما تَعلَّما
يُطِفْنَ بمَخدورٍ أغرَّ وصائمٍ ... صيامَ فُلُوِّ الخيلِ تَمَّ وأكرما
كما أوقدَ الطرْفَ الجوادُ بمَرْقَبٍ ... فهَمْهَمَ لمّا آنسَ الخيلَ صُيَّما
يُطِفْنَ بهِ رأدَ الضحى ويَنُشْنَهُ ... بأيدٍ ترى الأسوارَ فيهنَّ أعْجما
ترى من تباشيرِ الخِضابِ الذي بها ... بأطرافِها لوناً غَبِيطاً وأَسْحما
سَراةَ الضحى ما رِمْنَ حتى تَحدَّرتْ ... جباهُ العذارى زعْفراناً وعَنْدما
مَسحْنَ مُحَيّاهُ وقلَّدنَ جِيدَهُ ... قلائدَ حتى هَمَّ أنْ يتكلَّما
وحتى لوَ انَّ العَودَ من حُسنِ شِيمةٍ ... يُسلِّمُ أو يمشي مشى ثمَّ سلَّما
حملْنَ عليهِ من تَجافيفِ ناعتٍ ... حصى الأرضَ حتى ما ترى العينُ مَنْسِما
وغشَّيْنَهُ بالرَّقْمِ حتى كأنّما ... يُساقِينَهُ من جَوفِ مَعبوطةٍ دما
تَخيَّرْنَ أمّا أُرجواناً مُهدَّبا ... وأمّا سِجِلاّطَ العراقِ المُختَّما
وشُبْنَ السوادَ بالبياضِ فلا ترى ... منَ الخِدرِ إلاّ وارسَ اللونِ أرقما
من الشبَهِ السافي وحتى لوَ انَّهُ ... يرى أعوجِيّاتٍ جرى أو تَحَمْحَما
فشاكَهْنَهُ بالخيلِ حتى لوَ انّهُ ... يقُلنَ لهُ أقدِمْ هلا هلْ لأَقْدما
فلمّا قضيْنَ اللمَّ من كلِّ عقدةٍ ... بثَثْنَ الوصايا والحديثَ المُكتَّما
تعاوَرنَ مرآةً جلِيّاً فلمْ تعِبْ ... لراياتِها المرآةُ عيناً ولا فما
بعثْنَ إليها كيْ تجيءَ فلمْ تكدْ ... تجيءُ تَهادى المشيَ إلاّ تَحشُّما
أتتْها نساءٌ من سُلَيْمٍ وعامرٍ ... مشيْنَ إليها مأتماً ثمّ مأتما
تَهادَيْنَ جَمّاءَ العِظامِ خَريدةً ... منَ النسوةِ اللائي يَرِدْنَ التكرُّما
فجَرْجَرَ لما كانَ في الخِدرِ نِصفُها ... ونصفٌ على دأياتِهِ ما تَجرَّما
فلمّا علَتْ من فوقِهِ عضَّ نابَهُ ... بمِقْلاقِ ما تحتَ الوشاحَيْنِ أهْضَما
فما ركبْتُ إلاّ نَبيثاً كأنّما ... تُرفِّعُ بالأكفالِ رملاً مُسنَّما
فما كانَ جَونٌ أرجَبِيٌّ يُقِلُّها ... بنَهضتِهِ حتى اكْلأنَّ وأعصما
وحتى تداعَتْ بالنَّقيضِ حبالُهُ ... وهمَّتْ بَواني زفْرِهِ أنْ تَحطَّما
وبَصْبَصَ في صُمِّ الصَّفا ثَفِناتُهُ ... ورامَ بحُبَّى أمرَهُ ثمَّ صَمَّما
فكبَّرْنَ واستدبرْنَهُ كيفَ أتوُهُ ... بها رَبِذاً سهْوَ الأراجيحِ مِرْجَما
فلمّا استوَتْ في ظُلّةٍ لم تجدْ لها ... تكاليفَ إلاّ أنْ يَعيلَ ويَعْسَما
وقُمنَ بأطرافِ البيوتِ عشيّةً ... كما فيّأتْ ريحٌ يَراعاً وسَأْسَما
فلمّا تولّتْ قُلنَ يا أمَّ طارقٍ ... على الشَّحْطِ حيّاكِ المَليكُ وسلَّما
وبادرْنَ أسباباً جعلْنَ فصولَها ... مِلاكاً وأعناقَ النجائبِ سُلّما
فسُرْنَ انتِماءَ العُفْرِ للطلِّ أشفقَتْ ... منَ الشمسِ لمّا كانتِ الشمسُ مِيسَما
فرُحنَ وقدْ زايلْنَ كلَّ ضغينةٍ ... بهنَّ وسالَمْنَ السَّديلَ المُرقَّما
فقلتُ لأصحابي تراجعَ للصِّبا ... فؤادي وعادَ اليومَ عودةَ أعصما
وقلتُ لعبدَيَّ اسْعَيا لي بناقَتي ... فما لبِثا إلاّ قليلاً مُجرَّما
دعَوتُ جريرَيْنِ استحفَّا بناقتي ... وقد هَمْهَمَ الحادي بهنَّ ودَوَّما
فجاءا بعَجْلى وهْيَ حرْفٌ كأنّها ... كُداريّةٌ خافَتْ أظافيرَ عُرَّما
стр. 340
وجاءَتْ تَبُذُّ القائدَيْنِ ولمْ تدَعْ ... نِعالَهما إلاّ سَريحاً مُخدَّما
أراها جَرِيّايَ الخَلا فتشَذَّرتْ ... مِراحاً ولم تقرأْ جَنيناً ولا دما
فجاءا بشَوْشاةٍ مِراقٍ ترى بها ... نُدوباً منَ الأنساعِ فذّاً وتوأَما
وجاءتْ ومنْ أخرى النهارِ بقيّةٌ ... وقد وَدَّكَ الحادي السَّليلَ وخَشْرما
أطاعتْ لعِرفانِ الزِّمامِ وأضمرتْ ... مكانَ خفيّ الجَرْسِ وحْفاً مُجَمْجما
فمارَتْ بضَبعَيْها رَجيعاً وكَلّفَتْ ... بَعيرَيْ غلامِيَّ الرَّسيمَ فأَرْسما
وعزَّتْ بقاياهُنَّ كلُّ جُلالةٍ ... يُنازعُ حَبْلاها أجَدَّ مُصرَّما
ترى العَيْهلَ الدَّفْقاءَ قدْ ماجَ غِرْضُها ... تسومُ المطايا ما أذلَّ وأرغما
فلمّا أدركْناهنَّ لم يقضِ قائلٌ ... مقالاً ولا ذو حاجةٍ ما تَجثَّما
فقلتُ لها عُوجي لنا أمَّ طارقٍ ... نُتاجِ ونَحواكمْ شِفاءٌ لأَهْيَما
فعادَتْ علينا من خِدَبٍّ إذا سدى ... سرى عن ذراعَيْهِ السَّديلَ المُرقّما
فكانَ اختلاساً من خَصاصٍ ورِقبةٍ ... بنا العيسُ يَنثُرْنَ اللُّغامَ المُعمّما
وقالتْ لأترابٍ لها شبَهِ الدُّمى ... ثلاثٍ يُنازعْنَ الحديثَ المُكتَّما
يُنازعْنَ خِيطانَ الأراكِ فأرجعَتْ لها ... كفُّها منهنَّ لَدْناً مُقوَّما
فماحَتْ بهِ غرُّ الثنايا مُفلَّجاً ... وسيماً جلَتْ عنهُ الطِّلالَ مُؤْشَّما
فواللهِ ما أدري أَوَصْلاً أرادَتا ... بما قالتا أمْ أصبحَ الحبلُ أجْذَما
وما هاجَ هذا الشوقَ غيرُ حمامةٍ ... دعَتْ ساقَ حرٍّ في حمامٍ تَرنَّما
إذا شئتُ غنَّتْني بأجزاعِ بِيشةٍ ... أوالرِّزْنِ من تَثليثَ أو يَبْنَما
مُطوَّقةٌ ورْقاءُ تسجعُ كلمّا دنا ... الصيفُ وانْجالَ الربيعُ فأنْجَما
مُحلاّةُ طوقٍ لمْ تكنْ من جَعيلةٍ ... ولا ضربِ صَوّاغٍ بكفّيْهِ دِرهما
بنَتْ بِنْيَةَ الخرقاءِ وهْيَ رفيقةٌ ... لها بيفاعٍ بينَ عُودَينِ سُلّما
منَ الوُرقِ حَمّاءِ العِلاطَينِ باكَرتْ ... عَسيبَ أشاءٍ مطلِعَ الشمسِ أسْحما
إذا حرّكتْهُ الريحُ أو مالَ جانباً ... تغنَّتْ عليهِ مائلاً ومُقوَّما
تغنَّى على فَرعِ الغصونِ وتَرْعَوي ... إلى ابنِ ثلاثٍ بينَ عُودَينِ أعجما
تَقيَّضَ عنهُ غِرْقئ البَيضِ واكتسى ... أنابيبَ من مستعجِلِ الريشِ حَمَّما
تُرَبِّبُ أحوى مُزْلَغِبّاً ترى لهُ ... أنابيبَ من مُسْتَحْنِكِ الريشِ أقْتما
يمُدُّ إليها خشيةَ الموتِ جِيدَهُ ... كهَزِّكَ بالكفِّ البريَّ المُقوَّما
كأنَّ على أشداقِهِ نَورَ حَنوَةٍ ... إذا هوَ مَدَّ الجِيدَ منهُ ليُطعَما
فلمّا اكتسى الريشَ السُّخامَ ولمْ تجدْ ... لها معهُ في جانبِ العُشِّ مَجْثِما
أُتيحَ لها صقرٌ مُسِفٌّ فلمْ يدعْ ... لها ولداً إلاّ رماها وأعْظُما
تحُتُّ على ساقٍ ضُحيّاً فلمْ تدَعْ ... لباكيةٍ في شجوِها مُتلَوَّما
فهاجَ حمامَ الأيكَتَيْنِ نَواحُها ... كما هيّجَتْ ثَكلى على النَّوحِ مأتَما
إذا خرجَتْ من مَسكنِ الأرضِ راجعَتْ ... لها مسكناً من منبِتِ العِيصِ مَعْلما
عجِبتُ لها أنّى يكونُ غناؤُها ... فَصيحاً ولمْ تفغَرْ بمَنطقِها فما
ولمْ أرَ محقوراً لهُ مثلَ صوتِها ... أحَنَّ وأحوى للحزينِ وأكْلَما
ولمْ أرَ مثلي شاقَهُ صوتُ مثلِها ... ولا عربيّاً شاقَهُ صوتُ أعْجَما
خليلَيَّ هُبّا عَلِّلانيَ وانظُرا ... إلى البرقِ ما يَفْري سَناً وتبسُّما
خَفا كاقتِذاءِ الطَّيرِ وهناً كأنّهُ ... سراجٌ إذا ما يكشفُ الليلَ أظْلَما
عَروضٌ تدلَّتْ من تِهامةَ أُهديَتْ ... لنجدٍ فساحَ البرقُ نجداً وأتْهَما
كأنَّ رماحاً أطلعَتْهُ ضعيفةً ... معَ الليلِ يسعَرْنَ الأباءَ المُضرَّما
كنقضِ عتاقِ الطيرِ حتى تَوجَّهتْ ... إليهنَّ أبصاراً وأيقظْنَ نُوَّما
وصوتٍ على فَوتٍ سمعتُ ونظرةٍ ... تلافَيْتُها والليلُ قد عادَ أغْسَما
стр. 341
بحِدْثانِ عهدٍ من شبابٍ كأنّما ... إذا قمتُ يَكسوني رداءً مُسَهَّما
أرى بصري قد رابَني بعدَ صحّةٍ ... وحَسبُكَ داءً أن تَصِحَّ وتسْلَما
ولا يلبثُ العصرانِ يومٌ وليلةٌ ... إذا اختلَفا أنْ يُدركا ما تَيمَّما
وقال حُميد أيضاً:
نأتْ أمُّ عمروٍ فالفؤادُ مَشوقُ ... يحِنُّ إليها نازعاً ويَتُوقُ
لعَمْرةَ إذْ دانَتْ لكَ الدَّينَ بعدَما ... تلفَّعَ من ضاحي القَذالِ فُروقُ
لطُولِ الليالي إذْ تطاولَ ما مضى ... وفي الصُّلبِ والأحْناءِ منكَ حُنوقُ
أثَبْنَ بياضاً من سوادٍ سرقْنَهُ ... وطولُ الليالي للشبابِ سَرُوقُ
ولمْ أرَها بعدَ المُحصَّبِ من مِنىً ... وكلَّ مَتاقٍ للرحيلِ يَتوقُ
عُمَيرةٌ ما أدراكِ أنْ رُبَّ مهجَعٍ ... تركْتُ ومن ليلِ التِّمامِ طَبيقُ
وقدْ غارَ نجمٌ بعدَ نجمٍ وقدْ دنَتْ ... أواخرُ أُخرى واستقلَّ فريقُ
عفا الربيعُ بينَ الأخْرَجَيْنِ وأوزعَتْ ... بهِ حَرْجَفٌ تُذْري الحصى وتَسوقُ
إذا يومُ نحسٍ هبَّ ريحاً كسوْنَهُ ... ذُرى عَقِداتٍ تُرْبُهنَّ دقيقُ
وأسْحمَ دانٍ في نَشاصٍ خفا بهِ ... لوامعُ في أعناقِهنَّ يَسوقُ
يَقُدنَ منَ الوسْمِيِّ جُوناً كأنّما ... تُذَكّي على آثارِهنَّ حريقُ
لعِبْنَ بحَوْضَى والسِّبالِ كأنّما ... يُنشِّرُ رَيطٌ بينهنَّ صَفيقُ
فغادرْنَ وحْياً من رمادٍ كأنّهُ ... حصى إثْمدٍ بينَ الصَّلاءِ سَحيقُ
وسُفْعاً ثَوَيْنَ العامَ والعامَ قبلَهُ ... على مَوقِدٍ ما بينهنَّ رقيقُ
ومن نَسْفِ أقدامِ الوليدَيْنِ بالضحى ... سطورٌ تُرى عامِيَّةً فتَشوقُ
ألا طرقَتْ صَحْبي عُمَيرةُ إنّها ... لنا بالمَرَوْراةِ المضِلِّ طَروقُ
بلَمّاعةٍ قفْرٍ تَرودُ نِعاجُها ... أجارِعَ لمْ يُسمعْ بهنَّ نَعيقُ
فأعرضْتُ عنها في الزيادةِ إنّني ... وذو اللبِّ بالتقوى هناكَ حَقيقُ
بمَثوى حرامٍ والمطِيُّ كأنّها ... قَناً مُسْنَدٌ هبَّتْ لهنَّ خَريقُ
تَرودُ مدى أرسانِها ثمَّ تَرْعَوي ... سَواهِمَ في أصلابِهنَّ عتيقُ
حُرِمْنَ القِرى إلاّ رَجيعاً تعلَّلَتْ ... بهِ غَرِضاتٌ لحمُهنَّ مَشيقُ
أُنِخْنَ ثلاثاً بالمُحَصَّبِ من مِنىً ... ولمّا يَبِنْ للناعجاتِ طريقُ
فلمّا قضَينَ النُّسكَ من كلِّ مَشْعَرٍ ... وقدْ حانَ من شمسِ النهارِ خُفوقُ
رأتْني بنِسْعَيْها فردَّتْ مخافةً ... إلى الصدرِ رَوعاءُ الفؤادِ فَروقُ
فخفَّضتُها حتى اطمأنتْ وراجعَتْ ... هَماهِمَ صدرٍ بينهنَّ خُروقُ
فقلتُ لها أعطي فأعطَتْ برأسِها ... غَشَمْشَمةٌ للقائدِينَ زَهوقُ
جَهولٌ وكانَ الجهلُ منها سجيّةً ... إذا ضمَّها جَونُ الفلاةِ خَروقُ
فعُجْنا إلينا من سوالفَ ضُمَّرٍ ... فرُحنَ عجالى وَقْعُهنَّ رشيقُ
وراحتْ كما راحتْ بسَرْحٍ مُوَقَّفٌ ... منَ الدُّورِ بَدّاءُ اليدَينِ زَنيقُ
تَعادى يداها بالنِّجاءِ ورِجلُها ... إذا ما اشتملَتْ باليدَينِ لَحوقُ
تُباري جُلالاً ذا جديلَينِ ينتَحي ... أساهِيَّ منها هِزَّةٌ وعَنيقُ
إذا انبعثَتْ من مَبْرَكٍ ينبَري لها ... مُشرَّفُ أطرافِ العِظامِ فَنيقُ
أرتْهُ حِياضَ الموتِ عجْلى كأنَّها ... مُواشكةٌ رجْعَ الجناحِ خَفوقُ
منَ الكُدْرِ راحتْ عن ثلاثٍ فعجَّلَتْ ... عليهِ قلوبُ المنكبَينِ ذَليقُ
إذا ضمَّ مَيْثاءُ الطريق عليهما ... أضرَّتْ به مَرْخى الحبالِ زَهوقُ
مِراراً ويَشْآها إذا ما تعرَّضَتْ ... لهُ سُبُلٌ مجهولةٌ وفُروقُ
لها عنُقٌ تهدي يداً مُشْمَعِلّةً ... ورِجلٌ كمِخراقِ الغلامِ لَحوقُ
يداها كأوْبِ الماتِحينَ ورِجلُها ... أبُوضُ النِّسا بالمَنْسِمَيْنِ خَسوقُ
ونحْضٍ كساقِ السُّوذَقانِيِّ نازعَتْ ... بكَفّيَ جَشّاءُ البُغامِ دَفوقُ
إذا القومُ وِرْدُهنَّ ضُحى غدٍ ... تَواهَقْنَ حتى سَيرُهنَّ طُروقُ
стр. 342
فما اطَّعَمَتْ بالنومِ حتى تَضمنَّتْ ... سَوابقَها من شَمْطَتَيْنِ حُلوقُ
وأصبحْنَ يستأنِسْنَ من ذي بُوانةٍ ... قَرىً دونَهُ هابِي الترابِ عميقُ
وأضحى تَعالى بالرحالِ كأنّها ... سَعالٍ بجَنبَيْ نخلةٍ وسَلوقُ
وبَشَّتْ بعُلْوِيِّ الرياحِ كأنّها ... أخو جَذْلَةٍ نالَ الإسارَ طَليقُ
برَيْتُ رَهيصَ الصُّلبِ عاريةَ القَرا ... بها منمرادِ النِّسْعَتَيْنِ سُلوقُ
تقاتلُ عن دامي الكُلى حينَ جرَّدَتْ ... منَ الطيرِ غِرْباناً لهنَّ نَغيقُ
وما لحقَ الغَيرانُ حتى تلاحقَتْ ... جِمالٌ تسامى في البُرِينَ ونُوقُ
أقولُ لعبدِ اللهِ بيني وبينَهُ ... لكَ الخيرُ أخبرْني وأنتَ صديقُ
لأنّي وإنْ علَّلْتُ صَحبي بسَرْحةٍ ... منَ السَّرْحِ موجودٌ عليَّ طريقُ
سقى السَّرْحةَ المِحلالَ بالبُهْرةِ التي ... بها السَّرْحُ دَجْنٌ دائمٌ وبُروقُ
بأجرعَ رابٍ كلَّ عامٍ يَعلُّهُ ... منَ الغيثِ عَرّاضُ الغَمامِ دَفوقُ
أبى اللهُ إلاّ أنَّ سَرْحَةَ مالِكٍ ... على كلِّ أفنانِ العِضاهِ تَروقُ
منَ النبْتِ حتى نالَ أفنانُها العُلا ... وفي الماءِ أصلٌ ثابتٌ وعُروقُ
فما ذهبَتْ عرْضاً ولا فوقَ طولِها ... منَ السَّرْحِ إلاّ عَشَّةٌ وسُجوقُ
تَورَّطَ فيها دُخَّلُ الصيفِ بالضحى ... ذُرى لَبساتٍ فَرعُهنَّ ورِيقُ
فيا طِيبَ رَيّاها ويا بردَ ظلِّها ... إذا حانَ من شمسِ النهارِ وَدُوقُ
حمى ظلَّها شكْسُ الخليقةِ خائفٌ ... عليها عُرامُ الطائفِينَ شَفيقُ
فلا الظلُّ من بردِ الضحى تستطيعُهُ ... ولا الفَيءُ من بردِ العشِيِّ تَذوقُ
وما وَجْدُ مُشتاقٍ أُصيبَ فؤادُهُ ... أخي شهواتٍ بالعِناقِ لَبيقُ
بأكثرَ من وجْدي على ظلِّ سَرحةٍ ... من السَّرحِ أو ضَحّى عليَّ رَفيقُ
ولولا وِصالٌ من عُمَيرةَ لمْ أكنْ ... لأصرمَها إنّي إذنْ لمُطيقُ
وقال حميد بن ثور، وقال يمدح الوليد بن عبد الملك بن مروان، ويرثي عبد الملك:
أبصرْتُ ليلةَ مَنزلي بتَبالةٍ ... والمرءُ تُسْهِرُهُ الهمومُ فيسهَرُ
ناراً لعَمْرَةَ بالرُّزونِ وأهلُنا ... بالأدهمَيْنِ تَباعَدَ المُتنوِّرُ
للهِ صاحبِيَ الذي أوفى لها ... ووقودُها ثَئِرٌ وكلٌّ ينظرُ
هبَّتْ لمَوقعِها جَنوبٌ رادَةٌ ... طَوراً تُخفِّضُها الجَنوبُ وتظهرُ
لمْ ألقَ عَمْرَةَ بعدَ إذْ هيَ ناشئٌ ... خرجَتْ مُعطَّفةً عليها مِئزرُ
برزَتْ عقيلةَ أربعٍ هادَيْنَها ... بِيضُ الوجوهِ كأنّهن العَبقَرُ
ذهبَتْ بعقلِكَ رَيطةٌ مَطْويّةٌ ... وهْيَ التي تَهذي بها لو تُنشَرُ
فهمَمْتُ أن أغشى إليها مَحْجراً ... ولمثلِها يُؤتى إليهِ المَحجَرُ
أبلِغْ أميرَ المؤمنينَ فإنّهُ ... فَطِنٌ يلومُ المُستَليمَ ويعْذِرُ
إنّي كبرْتُ وإنَّ كلَّ كبيرةٍ ... ممّا يُظنُّ بهِ يَملُّ ويَفتُرُ
وفقدْتُ شِرّاتي التي أودى بها ... زمنٌ يُطوِّحُ بالرجالِ وأعصُرُ
أنتمْ بجابِيَةِ الملوكِ وأهلُنا ... بالجَوفِ جِيرتُنا صُداءُ وحِمْيَرُ
فلئِنْ بلغْتُ لأبلُغَنْ مُتكلِّفاً ... ولئنْ قصَرتُ لكارهاً ما أُقصِرُ
أذِنَ الوليدُ لكمْ فسيروا سِيرةً ... أمّا تُبلِّغُكمْ وأمّا تَحسَرُ
سيروا الظلامَ ولا تَحلُّوا عُقدةً ... حتى يُجَلِّيَهُ النهارُ المُبصرُ
ويُرى الصباحُ كأنَّ فيهِ مُصْلِتاً ... بالسيفِ يحملُهُ حصانٌ أشقرُ
لا يدركُ الحاجاتِ إلاّ مُزمِعٌ ... والناجِياتُ من القِلاصِ الضُّمَّرُ
راحوا بساهمةِ العيونِ غُدوُّها ... مُصْعَنْفِرٌ ورَواحُها مُسْحَنْفِرُ
منْ كلِّ ناجيَةٍ يظَلُّ زِمامُها ... يسعى كما هربَ الشجاعُ المُنْفَرُ
قُلُصٌ إذا غَرِثَتْ فصولُ حبالِها ... شبعَتْ بَراذِعُها ومَيسٌ أحمرُ
تغدو مُواشكةَ العَنيقِ وتارةً ... يستعجلونَ عَنيقَها فتُشمِّرُ
تعلو بأذرُعِها إذا اسْتَنعى بها ... خَرِقٌ يموتُ بهِ العَجاجُ الأكدرُ
стр. 343
تلقى إذا انْجرمَ الشتاءُ سِباعَها ... ونَعامَها قِطَعاً بها لا تُذعرُ
سئموا الرِّحالَ بها فقالوا نَزْلَةً ... فأقولُ ليسَ بما ترَونَ مُعصَّرُ
كائنْ حسَرْنا دونَكمْ منْ طالحٍ ... رَوعاءُ يَنقُرُها الغرابُ الأعوَرُ
بسواءِ مَجمعَةٍ كأنَّ أمارَةً ... منها إذا برزَتْ فَنيقٌ يَخطِرُ
ولقدْ أرانا نعتَلي برِحالِنا ... زَهراءَ تَجتابُ الفَلاةَ وأزهَرُ
كعَجاجةِ الوادي يَراحُ شَلِيلَهُ ... غَوجُ الجِرانِ غَدَوْدَنِيٌّ مِعْوَرُ
أجُدٌ مُداخَلَةٌ وآدمُ مُصْلَقٌ ... كَبداءُ لاحقةُ الرَّحا وشَمَيْذَرُ
مثلُ الحجارةِ لحمُهُ وعِظامُهُ ... مثلُ الحديدِ وجِلدُهُ يتمَرْمَرُ
تمشي العُجَيْلى من مخافةِ شَدْقَمٍ ... يمشي الدِّفَفَّى والخَنِيفَ ويَضْبِرُ
وإذا تُبادرُهُ الطريقُ رأيْتها ... زَوراءَ عنهُ وهْوَ عنها أزْوَرُ
وإذا تُراعُ رمَتْ بها رَوْعاتُها ... حتى يميلَ بها النِّجادُ المُدْبِرُ
وإذا احْزألاّ في المناخِ رأيتَهُ ... كالطودِ أفْردَهُ العَماءُ المُمطِرُ
حتى إذا طالَ السِّفارُ عليهما ... زُجرَتْ وظلَّ مُصانِعاً لا يُزجَرُ
تَهوي بأشعثَ قدْ وهى سِربالُهُ ... بَعثٍ تُؤرِّقُهُ الهمومُ فيسهَرُ
قدْ لاحَهُ عُقَبُ النهارِ فسيَّرَهُ ... بالفَرقدَيْنِ كما يُلاحُ المِسعَرُ
نضعُ الزيارةَ حيثُ لا يُزري بنا ... شرفُ الملوكِ ولا يَخيبُ الزُّوَّرُ
يا بنَ الخليفةِ ثمَّ أنتَ خليفةٌ ... وخليفةٌ ما أنتَ إذْ تَتخيَّرُ
بَحرانِ تنتسبُ البحورُ إليهما ... لا بحرَ بعدَهما يُهارُ ويُغمَرُ
أنتمْ أَسِدّةُ كلِّ ثغرٍ خائفٍ ... وخلائفُ اللهِ التي تَتخيَّرُ
إنَّ المنيّةَ حينَ أُرسلَ سهمُها ... لأبي الوليدِ قدَ انفذَتْ ما تُؤمَرُ
ويلُ الجبالِ ألا تبوحُ لفَقدِهِ ... ولصخرِهنَّ الصمِّ لا تَتحدَّرُ
إنَّ الجبالَ ولوْ بكَيْنَ لهالِكٍ ... يوماً رأيتَ صِلابَها تَستعْبِرُ
وقال حُميد بن ثور:
على طلَلَيْ جُمْلٍ وقفْتَ ابنَ عامرٍ ... وقد كنتَ تُفْدى والمزارُ قريبُ
وقد عُجتَ في رَبعَينِ جرَّتْ عليهما ... سِنونٌ وعادَتْ أمْرُعٌ وجُدوبُ
أرَبَّتْ رياحُ الأخرجَيْنِ عليهما ... ومُستحلَبٌ من ذي البُراقِ غريبُ
دُقاقَ الحصى ممّا تُسَدِّي مُرِبَّةٌ ... لها بنُسالِ الصِّلِّيانِ دَبيبُ
بمُختلَفٍ من رادَةٍ وصقالَها ... بنَعْفٍ تُغاديها الصَّبا وتَؤوبُ
فلمْ يدَعِ العصْرانِ إلاّ بقيّةً ... من الدارِ تبكي فيهِما وتَحوبُ
فحيِّ ربوعَ الجارتَينِ ولا أرى ... مَغانيَ دارِ الجارتَينِ تُجيبُ
عفَتْ مثلَ ما يعفو الطَّلِيحُ فأصبحَتْ ... بها كبرياءُ الصعْبِ وهْيَ رَكوبُ
كأنَّ الرِّعاثَ والنطافَ تصَلْصَلَتْ ... لياليَ جُمْلٌ للرجالِ خَلوبُ
بوحشيّةٍ أمّا ضواحي مُتونِها ... فمُلْسٌ وأمّا كَشْحُها فقَبيبُ
خلَتْ بالضواحي من أعالي لَجِيفةٍ ... وليسَ بَبْرحٍ فالبُلَيُّ عَرِيبُ
ألثَّتْ عليها دِيمةٌ بعدَ وابلٍ ... فلِلجزعِ من جَوحِ السيولِ قَسيبُ
فأخْلَسَ منها البقلَ لوناً كأنّهُ ... عليلٌ بماءِ الزعفرانِ ذَهيبُ
منَ العالقاتِ المَرْدَ يعلو كِناسَها ... حمامُ بلادٍ مُعْلَمٌ وغريبُ
فَفُوها خَضِيبٌ بالبَرِيرِ وسِنُّها ... بهِ من تآشيرِ الغصونِ غُروبُ
تُراعي طَلاً من ليلتَينِ تلبَّسَتْ ... بهِ النفسُ حتى للفؤادِ وجِيبُ
يَجُورُ بمَدْرِيَّتَيْنِ قد غاضَ منهما ... شديدُ سوادِ المُقلتَينِ نَجيبُ
على مثلِ حُقِّ العاجِ تَهمي شِعابُهُ ... بأسمرَ يحلَوْلِي لنا ويطيبُ
فلمّا غدَتْ قد قلَّصَتْ غيرَ حُشوةٍ ... من الجوفِ منها عُلَّفٌ وخُضوبُ
رأتْ مُستَجيراً فاشرأَبَّتْ لشخصِهِ ... بمَحْنيةٍ يبدو لها ويغيبُ
جُنِنْتَ بجُمْلٍ والنحيلةِ إذْ هما ... كهَمِّكَ بِكرٌ عاتقٌ وسَلوبُ
стр. 344
وإذ قالَتا زَورٌ مُغِبٌّ زيارةً ... وقدْ ظلَّ يومٌ للمَطِيِّ عَصيبُ
وقائلةٍ هذا حُمَيدٌ وإنْ ترى ... بحَلْيَةَ أو وادي قناةَ عجيبُ
فلا تأمَنا أنْ يعدوا النأيُ منكما ... ولا بُعدَ نأيٍ إنْ ألَمَّ حَبيبُ
تقولانِ طالَ النأيُ أو نُحصيَ الذي ... نأيْناكَ إلاّ أنْ يَعُدَّ لَبيبُ
بلى فاذكُرا عامَ اجتَوَرْنا وأهلُنا ... مَدافعَ دارا والجنابُ خَصيبُ
لياليَ أبصارُ الغواني وسَمعُها ... إليَّ وإذْ رِيحي لهنَّ حَبيبُ
وإذْ ما يقولُ الناسُ شيء مُهوّنٌ ... عليَّ وإذْ غصنُ الشبابَ رَطيبُ
وإذْ شَعَري ضافٍ ولونيَ مُذْهَبٌ ... وإذْ ليَ من ألبابِهِنَّ نَصيبُ
فأضحى الغواني قد سئمْنَ هَزالَتي ... وأجلَيْنَ لمّا راعَهُنَّ مَشيبُ
وقدْ كُنَّ بعضَ الدهرِ يَهوَيْنَ مَجلسي ... وجِنِّي إلى جِنانِهِنَّ حَبيبُ
إذا الرأسُ غِرْبيبٌ أحَمٌّ سَوادُهُ ... ومُذهَبُ ألوانٍ عليَّ مَجوبُ
فلا يُبعدُ اللهُ الشبابَ وقولَنا ... إذا ما صبَونا صَبوةً سَنَتوبُ
جرَتْ يومَ رُحنا عَوْهَجٌ لا شَخاصةٌ ... نَوارٌ ولا رَيّا الغزالِ لَحيبُ
منَ الأدْمِ أمّا خدُّها حينَ أتْلعَتْ ... فصلْتٌ وأمّا خلْقُها فسَليبُ
مُوشَّحةُ الأقرابِ كالسيفِ صَقْلُها ... بها منْ وِحامٍ لَوحةٌ وذُبوبُ
ذكرتُكِ لمّا أتلعَتْ من كِناسِها ... وذِكرُكِ سبّاتٍ إليَّ عَجيبُ
فقلتُ على اللهِ لا يدعُوانِها ... وقدْ أوَّلَتْ أنَّ اللقاءَ قريبُ
وأنَّ الذي مَنّاكَ أنْ تُسعِفَ النَّوى ... بها يومَ رَعْنَيْ صارةٍ لَكَذوبُ
وما نَوَّلَتْ من طائلٍ غيرَ أنّها ... جَوىً فالهوى يُلوي بنا ويُهيبُ
فأنتَ جَنيبٌ للهوى يومَ عاقلٍ ... ويومَ نِضادِ النِّيرِ أنتَ جَنيبُ
أظلُّ كأنّي شاربٌ بمُدامةٍ ... لها في عِظامِ الشاربينَ دَبيبُ
رَكودُ الحُميّا قهوةٍ شابَ ماؤُها ... لها من عُقاراتِ الكُرومِ رَبيبُ
إذا استُوكِفَتْ باتَ الغَوِيُّ يَسوفُها ... كما جَسَّ أحشاءَ السَّقيمِ طَبيبُ
وداوِيّةٍ ظلَّتْ بها الشمسُ حاسراً ... كما لاحَ في رأسِ اليَفاعِ رَقيبُ
إذا صمَحَتْ رَكْباً ولو كانَ فوقَهمْ ... عَمائمُ خَزٍّ سابعٍ وسُهوبُ
أناخَتْ بهمْ أو كادَ أنْ لم يُوايُلوا ... إلى عُصَرٍ هامُ الرجالِ تَذُوبُ
ظَلِلْنا إلى كهفٍ وظلَّتْ رِكابُنا ... إلى مُسْتَكِفّاتٍ لهنَّ غُروبُ
إلى شجرٍ ألْمى الظِّلالِ كأنّها ... رَواهبُ أحرَمْنَ الشرابَ عُذوبُ
كَفاني بها دِرعٌ منَ الليلِ سابغٌ ... وصهباءُ للحاجِ المُهِمِّ طَلوبُ
رِتاجُ الصَّلا مَعْرُشَةُ الزَّورِ تَغتَلي ... لها عُسُبٌّ تعلو بها فتَصوبُ
إذا وُجِّهَتْ وجهاً أنابَتْ مُدِلّةً ... كذاتِ الهوى بالمِشفرَينِ لَعوبُ
كما انقضَبَتْ كَدْراءُ تسقي فِراخَها ... بشَمْظَةَ رِفْهاً والمياهُ شُعوبُ
غدَتْ لمْ تَصعَّدْ في السماءِ وتحتَها ... إذا نظرَتْ أُهْوِيَّةٌ وصُبوبُ
قرينةُ سبْعٍ إنْ تواترْنَ مرّةً ... ضربْنَ فصدَّتْ أرْؤُسٌ وجُنوبُ
ثمانٍ بأستارِينَ ما زِدنَ عِدّةً ... غدَوْنَ قُراناً ما لهنَّ جَنيبُ
وقعْنَ بجُوفِ الماءِ ثُمَّتَ صوَّتَتْ ... بهنَّ قَلْولاةُ الغُدوِّ ضَريبُ
على أحوذِيَّيْنِ استقلَّتْ عليهما ... نجاةٌ تَبدّا تارةً وتَغيبُ
فجاءَتْ وما جاءَ القَطا ثمَّ شمَّرتْ ... لمَفْحَصِها والوارداتُ تَلوبُ
فجاءَتْ ومَسقاها الذي وردَتْ بهِ ... إلى الزَّورِ مِدودُ الوثاقِ كَتيبُ
تَغيثُ بهِ زُغْباً مساكينَ دونَها ... مَلاً ما تخطّاهُ العيونُ رَغيبُ
جعلْنَ لها حزناً بأرضٍ تَنوفةٍ ... فما هيَ إلاّ نهلةٌ فوُثوبُ
تَواطَنَّ تَوطينَ الرِّهانِ وقلَّصَتْ ... بهنَّ سَرَنْداةُ الغُدوِّ سُروبُ
وقال حميد بن ثور:
وأغبرَ تُمسي العيسُ قبلَ تَمامِها ... تَهادى بهِ التُّرْبَ الرياحُ الزَّعازعُ
стр. 345
يظلُّ بهِ فرْخُ القطاةِ كأنّهُ ... يتيمٌ جفَتْ عنهُ المراضيعُ راضِعُ
ومُرْئِلَةٍ تهدي رِئالاً كأنّها ... مُخرَّبَةٌ خُرْسٌ عليها المَدارِعُ
وأُمّاتِ أطلاءٍ صغارٍ كأنّها ... دَماليجُ يجلوها تَشفُّقٌ بائعُ
وأزهَرَ يعتادُ الكِناسَ كأنّهُ ... إذا لاحَ دَرِّيٌّ معَ الفجرِ طالعُ
تَعسَّفتْهُ بالقومِ فانتصبَتْ لهُ ... بأعناقَهنَّ اليَعملاتُ الشَّعاشعُ
مَليعٌ ترى للآلِ فوقَ حِدابِهِ ... سَبائبَ لم تنسجْ بهنَّ وشائعُ
نهَزْنَ بأيديهنَّ فانتصبَتْ بها ... بَراطيلُ فانقادَتْ إليها الأخادعُ
إذا أصبحَتْ من ليلةِ الخِمْسِ عنَّسَتْ ... مَراقيلُ ألْحَيْها لهنَّ قَعاقعُ
جزى اللهُ عنّا شَوْذَباً ما جزى بهِ ... زميلاً وشلَّتْ من يدَيهِ الأصابعُ
ووثبةُ لا حانَتْ منَ الدهرِ ساعةً ... بخيرٍ وصمَّتْ من أبيها المَسامعُ
ترى رَبّةَ البَهْمِ الفِرارِ عشيّةً ... إذا ما غدا في بَهْمِها وهْوَ ضائعُ
تلومُ ولو كانَ ابْنها قنعَتْ بهِ ... إذا هَبَّ أرواحُ الشتاءِ الزعازعُ
تظلُّ تُراعي الخُنْسَ حيثُ تيمَّمَتْ ... منَ الأرضِ ما يطلُعْ لهُ فهْوَ طالعُ
رأتْهُ فشكَّتْ وهْوَ أطحلُ مائلٌ ... إلى الأرضِ مَثْنِيٌّ إليهِ الأكارعُ
طوى البطنَ إلاّ من مصيرٍ يَبُلُّهُ ... دمُ الجوفِ أو سُؤْرٌ من الحوضِ ناقعُ
ترى طرفَيهِ يَعسِلانِ كِلاهما ... كما اهتزَّ عُودُ الساسَمِ المُتتابعُ
إذا خافَ جَوراً من عدوٍّ رمَتْ بهِ ... قُصايَتُهُ والجانبُ المُتواسعُ
وإنْ باتَ وحْشاً ليلةً لم يضِقْ بها ... ذراعاً ولمْ يصبحْ لها وهو خاشعُ
إذا احتلَّ حِضْناً بلدةٍ طُرَّ منهُما ... لأخرى حَفِيُّ الشخصِ للريحِ تابعُ
وإنْ حذِرَتْ أرضٌ عليهِ فإنّهُ ... بغرَّةِ أخرى طيِّبُ النفسِ قانعُ
ينامُ بإحدى مُقلتَيهِ ويتَّقي ... المنايا بأخرى فهْوَ يقظانُ هاجعُ
إذا قامَ ألقى بُوعَهُ قَدْرَ طُولِهِ ... ومدَّدَ منهُ صُلبَهُ وهْوَ بائعُ
وفكَّكَ لَحيَيهِ فلمّا تَعادَيا ... صأى ثمّ أقعى والبلادُ بَلاقعُ
إذا ما غزا يوماً رأيتَ ظِلالةً ... منَ الطيرِ ينظُرنَ الذي هوَ صانعُ
وهَمَّ بأمرٍ ثمَّ أزمعَ غيرَهُ ... وإنْ ضاقَ رِزقٌ مرّةً فهْوَ واسعُ
نهشل بن حرِّيّ
وقال نهشل بن حرِّيّ بن ضمرة بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم ابن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم:
يخالجنَ أشطانَ الهوى كلَّ وجهةٍ ... بذي السِّدرِ حتَّى خفتَ أنْ لنْ تريَّما
غرائرُ لم يتركنَ للنَّفسِ إذ علَوا ... على الصُّهبِ تُحدى السَّيرَ روحاً وأعظُما
سراةَ الضُّحى ثمَّ استمرَّ حداتهمْ ... على كلِّ موَّارِ الملاطينِ أخزما
على كلِّ حرِّ اللَّونِ صافٍ نجارهُ ... يواهقُ جوناً ذا عثانينَ مكرما
إذا اجتهدَ الرُّكبانُ ذلَّتْ وسامحتْ ... وإنْ قصَّروا عاجُوا سماماً مخزَّما
كأنَّ ظباءَ السِّيِّ أو عينَ عالجٍ ... على العيرِ أو أبهى بهاءً وأفخما
كأنَّ غمامَ الصَّيفِ تحتَ خدورِها ... جلا البرقَ عنْ أعطافهِ فتبسَّما
تهادينَ يومَ البينِ كلَّ تحيَّةٍ ... وكيفَ التَّهادي بالودادةِ بعدَما
تفرقنَ عنْ أهوالِ أرضٍ مريضةٍ ... ترى لونَها منَ المخافةِ أقتَما
فأصبحَ جمعُ القومِ شتّى ولمْ يكنْ ... يفرِّقُ إلاَّ ذا زهاءٍ عرمرما
كأنَّ بواديهم هلالَ بنَ عامرٍ ... وإنْ لم يكنْ إلاَّ حميماً أو ابنَ ما
كما انشقَّ وادٍ شعبتينِ كلاهُما ... يعارضُ عرنيناً من الرَّملِ أحزَما
تبيتُ لها الوجناءُ من رهبةِ الرَّدى ... بأقتابِها والسَّابحُ الطَّرفُ ملجَما
رَذايا بَغايا مقشعرّاً جنوبُها ... يغضُّونَ منْ أجراسِها أنْ تزغَّما
يغضُّونَ صوتَ العيسِ إلاَّ صريفَها ... وصوتَ الصِّريحيَّاتِ إلاَّ تحمحُما
بني قطنٍ إنِّي عبدتُ بيوتكمْ ... برهوةَ داراً أو أعزَّ وأكرَما
стр. 346
فلا تنزلُوا من رأسِ رهوةَ داركمْ ... إلى خربٍ لا تمسكُ السَّيلَ أثلَما
أناسٌ إذ حلَّتْ بواٍد بيوتهمْ ... نفى الطَّيرَ حتَّى لا ترى الطَّيرُ مجثَما
تظلِّلُ منْ شمسِ النَّهارِ رماحهمْ ... إذا ركزَ القومُ الوشيجَ المقوَّما
ترى كلَّ لونِ الخيلِ وسطَ بيوتهمْ ... أبابيلَ تعدُو بالمتانِ وهيَّما
وذي عزَّةٍ أنذرنهُ من أمامهِ ... فلمَّا عصاني في المضاءِ تندَّما
فودَّ بضاحي جلدهِ لوْ أطاعني ... إذا زلَّ واعروْرى بهِ الأمرُ معظَما
وفرَّقَ بينَ الحيِّ بعدَ اجتماعهمْ ... مشائيمُ دقُّوا بينهمْ عطرَ منشِما
غواةٌ كنيرانِ الحريقِ تسوقهُ ... شآميَّةٌ في حائلِ العربِ أصحَما
إذا ألهب من جانبٍ باخَ شرُّهُ ... ذكا لهبٌ من جانبٍ فتضرَّما
وفي النَّاسِ أذرابٌ إذا ما نهيتهمْ ... عنِ الشَّرِّ كالنُّشَّابِ ينزعُ مقدِما
جزى اللهُ قومي منْ شفيعٍ وطالبٍ ... عنِ الأصلِ والجاني ربيعاً وأنعُما
ولوْ أنَّ قومي يقبَل المالُ منهمُ ... لمدُّوا النَّدى سيلاً إلى المجدِ مفعَما
لما عدموا منْ نهشلٍ ذا حفيظةٍ ... بصيراً بأخلاقِ امرئ الصِّدقِ خضرِما
حمولاً لأثقالِ العشيرَة بينَها ... إذا أجشموهُ باعَ مجدٍ تجشَّما
ولكنْ أبى قومٌ أصيبَ أخوهمُ ... رُقى النَّاس واختاروا على اللَّبنِ الدَّما
أرى قومَنا يبكونَ شجوَ نفوسهمْ ... وقدْ بعثُوا منَّا كذلكَ مأتَما
على فاجعٍ هدَّ العشيرةَ فقدهُ ... كرورٍ إذا ما فارسُ الشَّدِّ أحجَما
فإذا جلَّتِ الأحداثُ وانشقَّتِ العصا ... فولَّى الإلهُ اللَّومَ منْ كانَ ألوما
وقال نهشل أيضاً:
أجدَّكَ شاقتكَ الرُّسومُ الدوارسُ ... بجنبيْ قَساً قدْ غيَّرتْها الرَّوامِسُ
فلمْ يبقَ منها غيرُ نؤيٍ نباهُ ... منَ السَّيلِ العذارَى العوانِسُ
وموقدُ نيرانٍ كأنَّ رسومَها ... بحولينِ بالقاعِ الجديدِ الطّيالِسُ
لياليَ إذْ سلمى بها لك جارةٌ ... وإذْ لمْ تخبِّرْ بالفراقِ العواطِسُ
لياليَ سلمى درَّةٌ عندَ غائصٍ ... تضيءُ لكَ الظَّلماءَ واللَّيلُ دامِسُ
تناولَها في لجَّة البحرِ بعدَما ... رأى الموتَ ثمَّ احتالَ حوتٌ مغامِسُ
فجاءَ بها يُعطي المنَى مِن ورائها ... ويأبَى فيُغليها على منْ يماكِسُ
إذا صدَّ عنها تاجرٌ جاءَ تاجرٌ ... مِن العجمِ مخشيٌّ عليهِ النَّقارِسُ
يسومونهُ خلدَ الحياةِ ودونَها ... بروجُ الرُّخامِ والأسودُ الحوارِسُ
وما روضةٌ مِن بطنِ فلجٍ تعاونتْ ... لها بالرَّبيعِ المدجِناتِ الرَّواجِسُ
حمتْها رماحُ الحربِ واعتمَّ نبتُها ... وأعشبَ ميثُ الجانبينِ الرَّوائِسُ
بأحسنَ من سلمى غداةَ انبرَى لنا ... بذاتِ الآزاءِ المرشقاتُ الأوانِسُ
نواعمُ لا يسألنَ حيّاً ببثِّهِ ... عليهنَّ حليٌ كاملٌ وملابسُ
لنا إبلٌ لم نكتسبْها بغدرةٍ ... ولمْ يغنَ مولاها السِّنونُ الأحامِسُ
نحلِّئها عنْ جارِنا وشرِيبنا ... وإن صبَّحتنا وهي عوجٌ خوامِسُ
ويحبسُها في كلِّ يومِ كريهةٍ ... وللحقِّ في مالِ الكريمِ محابِسُ
وحتَّى تريحَ الذَّمَّ والذَّمُّ يتَّقى ... ويروى بذاتِ الجمَّةِ المتغامِسُ
فتصبحُ يومَ الوردِ غلباً كأنَّها ... هضابُ شروْرى مسنفاتٌ قناعِسُ
تساقطُ شفَّانَ الصَّبا عنْ متونِها ... لأكتافِها منَ الخميلِ برانِسُ
تلبَّطُ ما بينَ الثَّماني وقلهبٍ ... بحيثُ تلاقى خمصهُ المتكاوِسُ
يصدُّ العدَى عنها فتوٌّ مساعرٌ ... وتركبُ عوفٌ دونَها ومقاعِسُ
بكلِّ طوالِ السَّاعدينِ شمردلٍ ... غلا جسمهُ واشتدَّ منهُ الأباخِسُ
بأيديهم في كلِّ يومٍ كريهةٍ ... على الأعوجِياتِ الرِّماحُ المداعِسُ
وقال نهشل يرثي أخاه مالكاً، وهو المخوَّل:
ذكرتُ أخي المخوَّلَ بعدَ يأسٍ ... فهاجَ عليَّ ذكراهُ اشتياقي
فلا أنْسى أخي ما دمتُ حيّاً ... وإخواني بأقريةِ العناقِ
стр. 347
فوارسُنا بدار وذي قساءٍ ... وأيسارَ الهريَّةِ والطِّراقِ
يجرُّونَ العضال إلى الندامى ... بروض الحزن من كنفي أفاق
ويغلون السِّباءَ إذا لقوهُ ... بربع الخيلِ والشَّولِ الحقاقِ
إذا اتَّصلوا وقالوا يالَ غرفٍ ... وراحُوا في المحبَّرةِ الرِّقاقِ
أجابكَ كلُّ أروعَ شمّريٌّ ... رخيُّ البالِ منطلقُ الخناقِ
أناسٌ صالحونَ نشأتُ فيهمْ ... فأودَوا بعدَ إلفٍ واتِّساقِ
مضَوا لسبيلهمْ ولبثتُ عنهمْ ... ولكنْ لا محالةَ مِن لحاقِ
كذي الأُلاَّفِ إذ أدلجنَ عنهُ ... فحنَّ ولا يتوقُ إلى متاقِ
أرى الدُّنيا ونحنُ نعيثُ فيها ... مولِّيةً تهيَّأُ لانطلاقِ
أعاذلَ قدْ بقيتُ بقاءَ نفسٍ ... وما حيٌّ على الدُّنيا بباقِ
كأنَّ الشَّيبَ والأحداثَ تجري ... إلى نفسِ الفتى فرسا سباقِ
فإمَّا الشَّيبُ يدركهُ وإمَّا ... يُلاقي حتفهُ فيما يُلاقي
فإنْ تك لمَّتي بالشَّيبِ أمستْ ... شميطَ اللَّونِ واضحةَ المشاقِ
فقدْ أغدو بداجيةٍ أُربِّي ... بها المتطلِّعاتِ منَ الرِّواقِ
إليَّ كأنَّهنَّ ظباءُ قفرٍ ... برهبَى أوْ بباعجتيْ فتاقِ
وقدْ تلهُو إليَّ منعَّماتٌ ... سواجي الطَّرفِ بالنَّظرِ البراقِ
يُرامقنَ الجبالَ بغيرِ وصلٍ ... وليسَ وصال حبلِي بالرِّماقِ
وعهدُ الغانياتِ كعهدِ قينٍ ... ونتْ عنهُ الجعائلُ مستذاقِ
كجلبِ السَّوءِ يعجبُ مَن رآهُ ... ولا يشفي الحوائمَ مِنْ لماقِ
فلا يبعدْ مضائي في الميامِي ... وإشرافي العلايةَ وانْصفاقي
وغبراءَ القتامِ جلوتُ عنِّي ... بعجْلى الطَّرفِ سالمةَ المآقي
وقد طوَّفتُ في الآفاقِ حتَّى ... سئمتُ النَّصَّ بالقلصِ العتاقِ
هبطتُ السَّيلحينِ وذاتَ عرقٍ ... وأوردتُ المطيَّ عُلى حذاقِ
وكمْ قاسيتُ من سنَةٍ جمادٍ ... تعصُّ اللَّحمَ ما دونَ العُراقِ
إذا أفنيتُها بدِّلتُ أُخرى ... أعدُّ شهورها عددَ الأواقي
فأفنتْني السّنون وليسَ تفنَى ... وتعدادُ الأهلَّةِ والمحاقِ
وما سبقَ الحوادثَ ليثُ غابٍ ... يجرُّ لعرسهِ جزرَ الرِّفاقِ
كميتٌ تعجزُ الحلفاءُ عنهُ ... كبغلِ المرجِ حطَّ منَ الزِّناقِ
تنازعهُ الفريسةَ أمُّ شبلٍ ... عبوسُ الوجهِ فاحشةُ العناقِ
ولا بطلٌ تفادَى الخيلَ منُ ... فرارَ الطَّيرِ من بردٍ بعاقِ
كريمٌ مِن خزيمةَ أو تميمٍ ... أغرُّ على مسافعةٍ مزاقِ
فذلكَ إنْ تخطأهُ المنايا ... فكيفَ يقيهِ طولَ الدَّهرِ واقِ
وقال نهشل حين هرب إلى بني سعد بن زيد مناة لما جدعوا أذن نهيك بن الحارث بن نهيك:
سمتْ لكَ حاجةٌ منْ حبِّ سلمى ... وصحبكَ بينَ عروَى والطُّواحِ
فبتُّ كذي اللَّذاذةِ خالستهُ ... فراتُ المزجِ عاليةُ الرِّباحِ
سَباها تاجرٌ منْ أذرعاتٍ ... بأغلاءِ العطيَّةِ والسَّماحِ
ولستَ بعازفٍ عن ذكرِ سلمى ... وقلبكَ عن تماضرَ غيرُ صاحِ
تبسَّمُ عنْ حصَى بردٍ عذابٍ ... أغرَّ كأنَّهُ نورُ الأقاحي
إذا ما ذقتهُ عسلٌ مصفَّى ... جنتهُ النَّحلُ في علمٍ شناحِ
وقدْ قطعتْ تماضرُ بطنَ قوٍّ ... يمانيةَ التَّهجُّرِ والرَّواحِ
كأنَّ حمولَها لمَّا استقلَّت ... بذي الأحزابِ أسفلَ منْ نساحِ
خلايا زنبريٍّ عابراتٍ ... عَدَوْلى عامداتٍ للقراحِ
كأنَّ منازلاً بالفأوِ منها ... مدادُ معلّمٍ يتلوهُ واحي
وما يومٌ تحيِّيهِ سليمى ... بخبراءِ البجادةِ أوْ صباحِ
بمسؤومٍ زيارتهُ طويلٍ ... ولا نحسٍ منَ الأيَّامِ ضاحي
وما أدماءُ مولفةٌ سلاماً ... وسدراً بينَ تنهيةٍ وراحِ
تضمَّنها مساربُ ذي قساءٍ ... مكانَ النَّصلِ منْ بدنِ السِّلاحِ
بأحسنَ من تماضرَ يومَ قامتْ ... تودِّعنا لبينٍ فانسراحِ
ألا أبلغْ بني قطنٍ رسولاً ... كلامَ أخٍ يعاتبُ غير لاحِ
فما فارقتهمْ حتَّى أظنُّوا ... وبيَّنَ منْ شواكلهمْ نواحي
стр. 348
وما تُخلى لكمْ إبلي إذا ما ... رعتْ قطمانَ أو كنفيْ ركاحِ
ولمْ تحمُوا على نعمِ ابنِ سؤرٍ ... صوامَ إلى أذيرعَ فاللِّياحِ
فما لهمُ بمرتعهِ مندًّى ... ولا بحياضهِ أدنى نضاحِ
تشمَّسَ دونها عوفُ بن كعبٍ ... ببيضِ المشرفيَّةِ والرِّماحِ
وآل مقاعسٍ لمْ يخذلُوها ... على حربٍ أُريدَ ولا صلاحِ
وينصرُها منَ الأبناءِ جمعٌ ... حماةُ الحربِ مكروهُو النّطاحِ
وبانِي المجد حمّانُ بنُ كعبٍ ... وباني المجد وكِّلَ بالنَّجاحِ
وإنْ أدعُ الأجاربَ ينجدُوني ... بجمعٍ لا يهدُّ منَ الصِّياحِ
أولئكَ والدي وعرفتُ منهمْ ... مكاني غيرَ مؤتشبِ المراحِ
تقادُ وراءها بينَ الشَّماني ... وبصوةَ كلُّ سلهبةٍ وقاحِ
وكلُّ طمرَّةٍ شنجٍ نساها ... وعجلَى الشَّدِّ صادقة المراحِ
إذا اضطربَ الحزامُ على حشاها ... منَ الأعمالِ مضطربَ الوشاحِ
وخِنذيذٍ تصيدُ الرُّبدَ عفواً ... وقبَّ الأخدَريَّةِ في الصَّباحِ
كأنَّ مجالهنَّ ببطنِ رهبَى ... إلى قطمانَ آثارُ السِّلاحِ
كأنَّ ورائدُ المهراتِ فيهمْ ... جواري السِّندِ مرسلةَ السِّباحِ
كأنَّ الشَّاحجاتِ ببطنِ رهبَى ... لدى قنَّاصها بدنُ الأضاحي
فمنْ يعملْ إلينا قرضَ صدقٍ ... على حينِ التَّكشُّفِ والشِّياحِ
يجدهُ حينَ يكشفُ عنْ ثراهُ ... كذخرِ السَّمنِ في الأدمِ الصّحاحِ
ومنْ يعملْ بغشٍّ لا يضرنا ... وتأخذهُ الدَّوائرُ بالجناحِ
وقال نهشل أيضاً:
رأتْني ابنةُ الكلبيِّ أقصرَ باطلِي ... وكادتْ ندامَى رائدِ الخيلِ تنزفُ
وأصبحَ أخدانِي كأنَّ رؤوسهمْ ... حماطُ شتاءٍ بعدَ نبتٍ منصَّفُ
وقدْ كنتُ بالبيدِ القليلِ أنيسُها ... أقوفُ وأمضي قبلَ منْ يتقوَّفُ
فأصبحتُ ممَّا يحدثُ الدَّهرُ للفتى ... أقصُّ العلاماتِ التي كنتُ أعرفُ
إذا ما رأتْ يوماً مطيَّةَ راكبٍ ... تبصِّرُ من جيرانِها أو تكوِّفُ
تقولُ ارتحلْ إنَّ المكاسبَ جمَّةٌ ... فقلتُ لها إنِّي امرؤٌ أتعفَّفُ
وأرجو عطاءَ اللهِ من كلِّ جانبٍ ... وينفعُني المالُ الذي أتسخَّفُ
وأبغضُ إرقاصاً إلى ربِّ دارهِ ... لئيمٌ له كتَّانتانِ ومطرفُ
تجبَّرَ مالاً بعدَ لؤمٍ ودقَّةٍ ... كما شدَّ بالشَّعبِ الإناءُ المكتَّفُ
كمستمسكٍ بالحبلِ لولا اعتصامهُ ... إذنْ لتراماهُ من الجولِ نفنفُ
ينامُ الضُّحى حتَّى يطولَ رقادهُ ... ويقصرُ ستراً دونَ منْ يتضيَّفُ
يكونُ على الدِّيوانِ عبئاً وباعهُ ... قصيرٌ كإبهامِ النُّغاشيِّ أجدفُ
وإنْ أُنزلَ الخدَّامُ يوماً لضيعةٍ ... يقالُ لهُ انزلْ عنْ حماركَ أقلفُ
وإنْ أيَّهُ القومُ الكرامُ أجابهُ ... بجرجَيْهِ موشيُّ الأكارعِ موكفُ
على تكآتٍ من وسائدَ تحتَها ... سريرٌ كأنقاءِ النَّعامةِ يرجفُ
فلأياً بلأيٍ ما يكلِّمُ ضيفهُ ... لحينٍ ولا تلكَ المطيَّةِ تعلفُ
فيعطي قليلاً أو يكونُ عطاءهُ ... مواعدَ بخلٍ دونَها البابُ يصرفُ
رصادَ سحوقِ النَّخلِ يرصدُ حجَّةً ... ودونَ ثراها ليفُها المتليِّفُ
وإنَّ لنا من نعمةِ اللهِ هجمةً ... يهدهدُ فيها ذو مناكبَ أكلفُ
طويلُ القرا خاظي البضيعِ كأنَّما ... غذتهُ ديافٌ والقصيلُ المقطَّفُ
إذا بيَّتتهُ الرِّيحُ يُنبي سقيطَها ... خبائرهُ كأنَّما هي قرطفُ
يمشِّي عليها يرفئيٌّ كأنَّهُ ... ظليمٌ بصحراءِ الأباتمِ أصدفُ
ونجديَّةٌ حوٌّ كأنَّ ضروعَها ... أداوى سقاها منْ جلاميدَ مخلفُ
وجرداءُ من آلِ الصِّريح كأنَّها ... قناةٌ براها مستجيدٌ مثقِّفُ
وفتيانُ صدقٍ من عطيَّةِ ربِّنا ... بمثلهمْ نأبى الظَّلامَ ونأنفُ
وجرثومةٌ من عزِّ غرفٍ ومالكٍ ... يفاعُ إليها نستفيدُ ونسلفُ
ولكنْ ليالينا ببرقةِ بَرملٍ ... وهضبِ شروْرى دونَنا لا تصدَّفُ
ليالِي ما لي غامرٌ لعيالها ... وإذا أنا برَّاقُ العشيَّاتِ أهيفُ
стр. 349
إليها ولكنْ لا تدومُ خليقةٌ ... لمنْ في ذراعيهِ وشومٌ وأوقفُ
وداويَّةٍ بينَ المياهِ وبينَها ... مجالٌ عريضٌ للرِّياحِ وموقفُ
قطعتُ إلى معروفِها منكراتِها ... بعيرانةٍ فيها هبابٌ وعجرفُ
هجانٌ تبزُّ العفرَ فيءَ ظلالِها ... وتذعرُ أسرابَ القطا يتصيَّفُ
كأنِّي على طاوي الحشا باتَ بينهُ ... وبينَ الصَّبا من رملِ خيفقَ أحقفُ
يشيمُ البروقَ اللاَّمعاتِ وفوقهُ ... منَ الحاذِ والأرطى كناسٌ مجوَّفُ
ومرَّتْ عليهِ ليلةٌ رجبيَّةٌ ... إذا مرَّ صوتٌ مرَّ آخرُ مردفُ
يكفُّ برَوقيهِ الغصونَ وينتحي ... بظلفيهِ في هارِ النَّقا يتقصَّفُ
كما بحثَ الحسيَ الكلابيَّ منهلٌ ... يثيرُ الحصى دونَ العيونِ ويغرفُ
كأنَّ جماناً ضيَّعتهُ سلوكهُ ... رضابُ النَّدى في روقهِ يتزلَّفُ
إذا ناطفُ الأرطاةِ فوقَ جبينهِ ... تحدَّرَ جلَّى أنجلُ العينِ أذلفُ
وأصبح موْليُّ النَّدى في مرادهِ ... على ثمرِ البركانِ والحاذِ ينطفُ
فلمَّا بدتْ في متنهِ الشَّمسُ غدوةً ... وأقلعَ دجنٌ ذو همائمَ أوطفُ
أظلَّتْ لهُ مسعورةً يبتغي بها ... لحومَ الهوادي ابْنا بريدٍ وأعرفُ
سلوقيَّةٌ حصٌّ كأنَّ عيونَها ... إذا حرِّبتْ جمرٌ بظلماءَ مسدفُ
تضرَّى بآذانِ الوحوشِ فكلُّها ... حفيفٌ كمرِّيخِ المناضلِ أعجفُ
فكرَّ برَوقيهِ كميٌّ مناجدُ ... يخلُّ صدورَ الهادياتِ ويخصفُ
فلمَّا رأى أربابَها قد دنَوا لهُ ... وأزهفَها بعضُ الذي كانَ يزهفُ
أجدَّ ولم يعقبْ كما انقضَّ كوكبٌ ... وذو الكربِ ينجو بعدَما يتكنفُ
وأصبح كالبرق اليماني ودونه ... حقوف وأنقاء من الرمل تعزفُ
وليلة نجوَى مرجحنٍّ ظلامُها ... حواملُها من خشيةِ الشَّرِّ دلَّفُ
مخوفٍ دواهيها يبيتُ نجيُّها ... كأنَّ عميداً بينَ ظهريهِ مدنفُ
إذا القومُ قالُوا مَن سعيدٌ بهذهِ ... غداةَ غدٍ أو مَن يلامُ ويصلفُ
هديتُ لمنجَى القومِ مِن غمزاتِها ... نجاءَ المعلَّى يستبينُ ويعطفُ
وقومٍ تمنَّوا باطلاً فرددتُهمْ ... وإنْ حرَّفوا أنيابهمْ وتلهَّفوا
إذا ما تمنَّوا منيةً كنتُ بينَهم ... وبينَ المُنى مثلَ الشَّجا يتحرَّفُ
وقال نهشل:
أرقتُ لبرقٍ بالعراقِ وصُحبتي ... بحجرٍ وما طيَّاتُ قومي مِن حجْرِ
وميضٍ كأنَّ الرَّيطَ في حجراتهِ ... إذا انشقَّ في غرٍّ غواربهُ زهْرِ
كما رمحتْ بلْقاءُ تحمي فلوَّها ... دجوجيَّةُ المتنينِ واضحةُ الخصْرِ
شموسٌ أتتْها الخيلُ من كلِّ جانبٍ ... بمرجٍ فراتيٍّ تحومُ على مهْرِ
فإنِّي وقومي إن رجعتُ إليهم ... كذي العلقِ آلى لا ينولُ ولا يشري
لويتُ لهمْ في الصّدرِ منِّي نصيحةً ... وودّاً كما تُلوى اليدانِ إلى النحْرِ
ألا أيُّهذا المؤتَلي إنَّ نهشلاً ... عصَوا قبلَ ما آليتُ ملكَ بني نصْرِ
فلمَّا غلبْنا الملكَ لا يقسِروننا ... قسطْنا فأقبلنا منَ الهيلِ والبشْرِ
وصدَّ ابنُ ذي القرنينِ عنَّا ورهطهُ ... نسيرُ بما بينَ المشارقِ والقهْرِ
وقدْ علمتْ أعداؤنا أنَّ نهشلاً ... مصاليتُ حلالُو البيوتِ على الثَّغْرِ
نقيمُ على دارِ الحفاظِ بيوتَنا ... وإنْ قيلَ مرحاها نصبِّحُ أو تسري
لنا هضبةٌ صمَّاءُ من ركنِ مالكٍ ... وأسدُ كراءٍ لا توزّعُ بالزَّجْرِ
مداريهِ ما يُلقى بهِ أو مضيعةٍ ... أخوهمْ ولا يغضونَ عيناً على وتْرِ
همُ القومُ يبنونَ الفعالَ وينتمي ... إليهم مصابُ المالِ من عنتِ الدّهْرِ
ومنْ عدَّ مسعاةً فلا يكذبنَّها ... ولا يكُ كالأعمى يقولُ ولا يدري
ومستلحمٍ قد أنقذتهُ رماحُنا ... وقدْ كانَ منهُ الموتُ أقربَ من شبْرِ
دعانا فنجَّيناهُ في مشمخرَّةٍ ... معادةِ جيرانٍ تقلَّصُ بالغفْرِ
وجارٍ منعناهُ من الضَّيمِ والخنا ... وجيرانُ أقوامٍ بمدرجةِ الدَّهْرِ
إذا كنتَ جاراً لامرئٍ فارهبِ الخنا ... على عرضهِ إنَّ الخنا طرفُ الغدْرِ
стр. 350
وذدْ عنْ حماهُ ما عقدتَ حبالهُ ... بحبلكَ واسترهُ بما لكَ من ستْرِ
وخالي ابنُ جوَّاسٍ سعى سعيَ ماجدٍ ... فأدَّى إلى حيَّيْ قضاعة من بكْرِ
لعمري لقدْ أعطى ابنُ ضمرةَ مالهُ ... رفاقاً منَ الآفاقِ مختلفي النَّجْرِ
قرى مائةً أحمى لها ونفوسَها ... على حين لا يعطي الكريمُ ولا يقري
ألا إنَّ قومي راكزونَ رماحهمْ ... بما بينَ فلجٍ والمدينةِ من ثغْرِ
يذودونَ كلباً بالرِّماحِ وطيِّئاً ... وتغلبَ والصِّيدَ النَّواظرَ من بكْرِ
ألا إنَّ قومي لا يجنُّ بيوتهمْ ... مضيقٌ منَ الوادي إلى جبلٍ وعْرِ
ونحنُ منعْنا بالتَّناضبِ قومَنا ... وبتْنا على نارٍ تحرَّقُ كالفجْرِ
تضيءُ على القومِ الكرامِ وجوههمْ ... طوالُ الهوادي من واردٍ ومِن شقْرِ
نقائذَ أمثالَ القنا أعوجيَّةً ... وجرداً تُداوى بالغريضِ وبالنَّقْرِ
نعوِّدها الأقدامَ في كلِّ غمرةٍ ... وكرّاً بأيدٍ لا قصارٍ ولا عسْرِ
ويومٍ كأنَّ المصطلينَ بحرِّهِ ... وإنْ لم تكنْ نارٌ قيامٌ على الجمْرِ
صبرْنا لهُ حتَّى يريحَ وإنَّما ... تفرَّجُ أيامُ الكريهةِ بالصَّبْرِ
كأن رماح القوم في غمراته ... نواشط فراط نواضح في بئرِ
ونحنُ فليْنا لابنِ طيبةَ رأسهُ ... على مفرقِ الغالي بأبيضَ ذي أثْرِ
ونحنُ خضبْنا للخطيمِ قميصهُ ... بداميةٍ نجلاءَ من واضحِ النَّحْرِ
وحيَّ سليطٍ قد صبحْنا ووائلاً ... صبوحُ منايا غيرَ ماءٍ ولا خمْرِ
وليلةَ زيدِ الخيلِ نالتْ جيادُنا ... مُناها وحظّاً مِن أُسارى ومن ثأرِ
ونحنُ ثأرْنا من سميٍّ ورهطهِ ... وظبيانَ ما في حيِّ ظبيانَ من وتْرِ
وقاظَ ابنُ ذي الجدَّينِ وسط بيوتِنا ... وكرشاءَ في الأغلالِ والحلقِ السُّمْرِ
ونحنُ حبسْنا الخيلَ أن يتأوَّبوا ... على شجعاتٍ والجيادُ بنا تجري
حبسناهمْ حتَّى أقرُّوا بحكمِنا ... وأُدِّي أثقالُ الخميسِ إلى صخْرِ
أبي فارسُ الجونينِ قدْ تعلمونهُ ... ويومَ خفافٍ سارَ في لجبٍ مجْرِ
ونحنُ رأيْنا بينَ عمرٍو ومالكٍ ... كما شدَّ أعضادُ المهيضةِ بالجبْرِ
مئينَ ثلاثاً بعدما انشقت العصا ... وقد أُسلم الجاني وأتعبَ ذو الوفر
ولما رأى السَّاعونَ زلخاً مزلَّةٍ ... وسدَّ الثَّنايا غير مطَّلعٍ وعْرِ
نهضْنا بأثقالِ المئينَ فأصبحتْ ... عشيرتُنا ما مِن خبالٍ ولا كسْرِ
بعرجٍ يصمُّ الرَّاعيينَ حنينهُ ... ويجهدُ يومَ الوردِ ثائبةَ الجفْرِ
ومنَّا الذي أدَّى منَ الملكِ مازناً ... جميعاً فنجَّاها من القتلِ والأسْرِ
ونحنُ حويْنا بالقنا يومَ عانطٍ ... طريفاً ومولاها طريفَ بني عمرِو
ومولًى تداركناهُ من سوءِ صرعةٍ ... وقد قذفتْهُ الحربُ في لججٍ خضْرِ
كما انتاشَ مغموراً من الموتِ سابحٌ ... بأسبابِ صدقٍ لا ضعافٍ ولا بتْرِ
لنا هضبةٌ صمَّاءُ من صلبِ مالكٍ ... وأُسدُ فراءٍ لا توزَّعُ بالزَّجْرِ
إذا نهشلٌ ثابتْ إليَّ فما بنا ... إلى أحدٍ إلاَّ إلى الله من فقْرِ
يعارضُ أرواحَ الشِّتآنِ جابرٌ ... إذا أقبلتْ مِن نحوِ حورانَ أو مصْرِ
وقد علمتْ جمخُ القبائلِ أنَّني ... إذا ما رميتُ القومَ أُسمعُ ذا الوقْرِ
برجمِ قوافٍ تخرجُ الخبءَ في الصَّفا ... وتنزلُ بيضاتِ الأُنوقِ منَ الوكْرِ
وقال نهشل يرثي كثير بن الصَّلت الكندي، وكتبتها لجودتها، وهي قطعة ولم أدخلها في القصائد لأن شرطي القصائد:
حلفتُ فلمْ افجرْ بحيثُ ترقرقتْ ... دماءُ الهدايا من منًى وثبيرِ
لنعمَ الفتى عالَى بنو الصَّلتِ نعشهُ ... وأكفانهُ يخفقنَ فوقَ سريرِ
كأنَّكَ يا بنَ الصَّلتِ لم تحمِ مجحراً ... مضافاً ولمْ تجبرْ فناءَ فقيرِ
ولمْ تقضِ حاجاتِ الوفودِ ولم تقلْ ... لبيضٍ مصاليتَ ارحلُوا بهجيرِ
رأى في المطايا ذاتَ أشعبَ تامكٍ ... فكاستْ برجلٍ في المناخِ عقيرِ
فظلَّتْ عتاقُ الطَّيرِ تعفو مناخةً ... على سقطٍ من لحمِها وبقيرِ
стр. 351
فليتَ المطايا كنَّ عرِّينَ بعدهُ ... ولمْ تُطلب الحاجاتُ بعدَ كثيرِ
عمرو بن شأس
وقال عمرو بن شأس بن عبيد بن ثعلبة بن ذويبة بن مالك بن الحارث بن سعد ابن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار:
لا همَّ ربَّ النَّاسِ إنْ كذبتْ ... ليلى فعرَّ بثدْيها ثكْلُ
إنِّي صرمتهمْ وما صرَموا ... لا بلْ لكلِّ إخائهم دخْلُ
ليسَ الإخاءُ إذا اتَّبعتَ بأنْ ... يُقصى الخليلُ ويحرمُ السُّؤْلُ
فاقطعْ بلادهمْ بناجيةٍ ... كالسَّيفِ زايلَ غمدهُ النَّصْلُ
تعدو إذا تلعَ النَّهارُ كما ... قطعَ الجفاجفَ خاضبٌ هقْلُ
حمشُ المشاشِ عفارهُ لمعٌ ... قردٌ كأنَّ جرانهُ حبْلُ
وكأنَّما بمخطِّ منسمهِ ... من خلفهِ مِن خفِّهِ نعْلُ
تهدي الرِّكابَ إذا الرِّكابُ علتْ ... موراً كأنَّ جديدهُ سحْلُ
فانظرْ خليلي هلْ ترى ظعناً ... كالدَّومِ أو أشباهِها الأثْلُ
ينظرنَ من خللِ الخدورِ كما ... نظرتْ دوامجُ أيكةٍ كحْلُ
فيهنَّ جازيةٌ إذا بغمتْ ... تخشى السِّباعَ غذا لها طفْلُ
نحنُ الذينَ لحلْمنا فضلٌ ... قدماً وعندَ خطيبنا فصْلُ
وإذا نطاوعُ أمرَ سادَتنا ... لمْ يردِنا عجزٌ ولا بخْلُ
ولنا منَ الأرضينِ رابيةٌ ... تعلو الإكامَ وقودُها جزْلُ
ولنا إذا ارتحلتْ عشيرتُنا ... رحلٌ ونحنُ لرحلِنا أهْلُ
نعلو بهِ صدرَ البعيرِ ولمْ ... يوجدْ لنا في قومِنا كفْلُ
ولنا روايا يحملونَ لنا ... أثقالَنا إذْ يكرهُ الحمْلُ
ولنا فوارسُ يركبونَ لنا ... في الرَّوعِ لا ميلٌ ولا عزْلُ
متقاربٌ أطنابُ دورِهم ... زهرٌ إذا ما صرَّحتْ كحْلُ
المطعمونَ إذا النُّجومُ خوتْ ... وأحاطَ بالمتوحِّدِ المحْلُ
ندعو الدَّنيَّةَ أنْ تحلَّ بنا ... ونشدُّ حينَ تعاورَ النَّبْلُ
أمثالهمْ من خيرِ قومهمِ ... حسباً وكلُّ أرُومهمْ مثْلُ
لسنا نموتُ على مضاجعِنا ... باللَّيلِ بلْ أدواؤنا القتْلُ
وقال عمرو بن شأس:
متى تعرفِ العينانِ أطلالَ دمنةٍ ... لليلى بأعلى ذي معاركَ تدمَعا
على النَّحرِ والسِّربالِ حتَّى تبلَّهُ ... سجومٌ ولمْ تجزعْ إلى الدَّارِ مجزَعا
خليلي عوجا اليوم نقض لبانة ... وإلا تعوجا اليوم لا ننطلق معا
وإن تنظراني اليوم أتبعكما غداً ... قياد الجنيب أو أذل وأطوعا
وقد زعما أن قد أملَّ عليهما ... ثوائي وقيلي كلما ارتحلا أربعا
وما لبثةٌ في الحيِّ يوماً وليلةً ... بكافيكَ عمَّا قلتَ صيفاً ومربَعا
فجودا لليلى بالكرامةِ منكُما ... وما شئتُما أنْ تمنعا بعدُ فامنَعا
وما زالَ يُزجي حبُّ ليلى أمامهُ ... وليدينِ حتَّى عمرُنا قدْ تسعسَعا
تذكَّرتُ ليلى والمطيُّ كأنَّها ... قطا منهلٍ أمَّ القطاطَ فلعلَعا
تراهنَّ بالرُّكبانِ عن ليلةِ السُّرى ... عواسرَ يذعرنَ الشَّبوبَ المولَّعا
إذا هبطتْ خرقاً عليهِ غباوةٌ ... ركضنَ دقاقاً لبطُها قدْ تسلَّعا
وما جابةُ القرنينِ أدماءُ مُخرفٌ ... ترعَّى بذي نخلٍ شعاباً وأفرعا
بأبعدَ من ليلى نوالاً فلا تكنْ ... بذكراك شيئاً لا يواتيك مولعا
بني أسدٍ هلْ تعلمونَ بلاءنا ... إذا كانَ يومٌ ذا كواكبَ أشنعا
إذا كانتِ الحوُّ الطِّوالُ كأنَّما ... كساها السِّلاحُ الأرجوانُ المضلَّعا
نذودُ الملوكَ عنكمُ وتذودُنا ... إلى الموتِ حتَّى يضبعوا ثمَّ نضبعا
وغسّانَ حتَّى أسلمتْ سرواتنا ... عديّاً وكانَ الموتُ في حيثُ أوقعا
ومن حجرٍ قد أمكنتكمْ رماحنا ... وقد سارَ حولاً في معدٍّ وأوضعا
وكائنْ رددنا عنكمُ من متوَّجٍ ... يجيءُ أمامَ الألفِ يردي مقنَّعا
ضربنا يديهِ بالسُّيوفِ ورأسهُ ... غداةَ الوغى في النَّقعِ حتَّى تكنَّعا
بكلِّ رفيقِ الشَّفرتينِ مهنَّدٍ ... حميدٍ إذا ما ماطرُ الموتِ أقلعا
وقال عمرو بن شأسٍ:
стр. 352
أتصرمُ لهواً أمْ تُجدُّ لها وصلا ... وما صرمتْ لهوٌ لذي خلَّةٍ حبْلا
وما الوصلُ من لهوٍ بباقٍ جديدهُ ... ولا صائرٍ إلاَّ المواعيدَ والمطْلا
أباحتْ فلاةً من حمى القلبِ لم تكنْ ... أُبيحتْ على عهدِ الشَّبابِ ولا كهْلا
فإنْ تكُ لهوٌ أقصدتكَ فإنَّها ... تريشُ وتبري لي إذا جئتها نبْلا
على أنَّني لم أبلُ قولاً علمتهُ ... لغانيةٍ إلاَّ وجدتُ له دخلا
وردَّ جواري الحيّ لما تحمَّلوا ... لبيْنهمِ منا مخيَّسةً بزْلا
فتبَّعْتُ عينيَّ الحمولَ صبابةً ... وشوقاً وقد جاوزنَ من عالجٍ رمْلا
رفعنَ غداةَ البينِ خزّاً ويُمنةً ... وأكسيةَ الدِّيباجِ مبطنةً خملا
على كلِّ فتْلاءِ الذِّراعينِ جسرةٍ ... تمرُّ على الحاذينِ ذا خصلٍ جثْلا
وأعْيسَ نضّاخِ المقذِّ مفرَّجٍ ... يخبُّ على الحزّانِ يضْطلعُ الحملا
تناضلُ أيديهما بمستدرج الحصى ... وإنْ عيجَ من أعناقها وبلتْ وبلا
ظعائنَ من ليثِ بن بكرٍ كأنَّها ... دُمى العينِ لم يخزينَ عمّاً ولا بعلا
هجانٌ إذا استيقظنَ من نومةِ الضُّحى ... قعدنَ فباشرنَ المساويكَ والكحلا
رعابيبُ يركضنَ المُروطَ كأنَّما ... يطأنَ إذا أعنقنَ في جددٍ وحلا
ألا أيُّها المرءُ الذي ليسَ منصتاً ... ولا قائلاً إن قال حقًّا ولا عدلا
إذا قلتَ فاعلمْ ما تقولُ ولا تكنْ ... كحاطبِ ليلٍ يجمعُ الدِّقَّ والجزلا
فلو طُفتَ بينَ الشَّرقِ والغربِ لم تجدْ ... لقومٍ على قومي ولو كرموا فضلا
أعزَّ وأمضى في الصَّباحِ فوارساً ... إذا الخيلُ جالتْ في أعنَّتها قبلا
إذا الشَّولُ راحتْ وهي حدبٌ حدابرٌ ... وهبَّتْ شمالاً حرجفاً تُحفرُ الفحلا
رأيتَ ذوي الحاجاتِ يتَّبعوننا ... نهينُ لهمْ في الحجرةِ المالِ والرِّسلا
نقيمُ بدارِ الحزمِ ليسَ مزيلُنا ... مقاساتنا فيها الشَّصائصَ والأزلا
لنا السُّورةُ العليا وأوَّلُ شدَّةٍ ... إذا نحنُ لاقينا الفوارسَ والرَّجلا
نفينا سُليماً عن تهامةَ بالقنا ... وبالجردِ يمعلنَ السَّخاخَ بنا معلا
مضبَّرةً قبَّ البطونِ ترى لها ... متوناً طوالاً أُدمجتْ وشوًى عبلا
إذا امتُحنتْ بالقدِّ جاشتْ وأزبدتْ ... وإن راجعتْ تقريبها نقلتْ نقلا
بكلِّ فتًى رخو النِّجادِ سميدعٍ ... وأشيبَ لم يخلقْ جباناً ولا وغْلا
بأيديهمِ سمرٌ شدادٌ متونها ... من الخطِّ أو هنديَّةٌ أُحدثتْ صقلا
إذا ما فرغنا من قراعِ كتيبةٍ ... صرفنا إلى أخرى يكونُ لهمْ شغلا
وإن يأتنا ذو حاجةٍ يلفِ وسطنا ... مجالسَ ينفي فضلُ أحلامها الجهلا
تقولُ فنرضى قولها ونُعينها ... بقولٍ إذا ما أخطأ القائلُ الفصلا
مصاليتُ أيسارٌ إذا هبَّتِ الصَّبا ... نعفُّ ونغني عن عشيرتنا الثِّقلا
وعاذلةٍ هبَّتْ بليلٍ تلومني ... فلمّا غلتْ في اللَّومِ قلتُ لها مهلا
ذريني فإنَّني لا أرى الموتَ تاركاً ... بخيلاً ولا ذا جودةٍ ميِّتاً هزلا
متى ما أُصبْ دنيا فلستُ بكائنٍ ... عليها ولو أكثرتِ عاذلتي قُفلا
وماءٍ بموماةٍ قليلٍ أنيسهُ ... كأنَّ بهٍ من لونِ عرمضهِ غسلا
حبستُ بهِ خوصاً أضرَّ بنيِّها ... سرى اللَّيلِ واستفنى لها البلدَ المحلا
وقال عمرو بن شأسٍ وكانت له امرأة من رهطه يقال لها أم حسان بنت الحارث، وكان له ابن من أمةٍ سوداء اسمه عرار، وكانت تعيره به، وتؤذي عراراً ويؤذيها ويشتمها. فقال فيها عمرو بن شأس، وقال ابن الأعرابي: قال هذه القصيدة في الإسلام وأدرك الإسلام، وهو شيخ كبير:
ديارَ ابنةِ السَّعديِّ هندٍ تكلَّمي ... بدافعةِ الحومانِ والسَّلحِ من رممْ
لعمرُ ابنةِ السَّعديِّ إنِّي لأتَّقي ... خلائقَ تؤتى في الثّراءِ وفي العدمْ
وقفتُ بها ولم أكنْ قبلُ أرتجي ... إذا الحبلُ من إحدى حبائبيَ انصرمْ
وإنِّي لمزرٍ بالمطيّ تنقُّلي ... عليهِ وإيقاعُ المهنَّدِ بالعصَمْ
стр. 353
وإنِّي لأعطي غثَّها وسمينها ... وأسري إذا ما الليلُ ذو الظُّلمةِ ادلهمْ
إذا الثَّلجُ أضحى في الدِّيارِ كأنَّهُ ... مناثرُ ملحٍ في السُّهولِ وفي الأكمْ
حذاراً على ما كانَ قدَّمَ والدي ... إذا روّحتهمْ حرجفٌ تطردُ الصِّرمْ
وأتركُ ندماني يجرُّ ثيابهُ ... وأوصالهُ من غيرِ جرحٍ ولا سقمْ
ولكنَّها من ريَّةٍ بعدَ ريَّةٍ ... معتَّقةٍ صهباءَ راووقُها رذمْ
من الغالياتِ من مدامٍ كأنَّها ... مذابحُ غزلانٍ يطيبُ بها النَّسمْ
وإذ إخوتي حولي وإذ أنا شامخٌ ... وإذ لا أطيعُ العاذلاتِ من الصَّممْ
ألمْ يأتها أنِّي صحوتُ وأنَّني ... تحلَّمتُ حتَّى ما أعارمُ من عرمْ
وأطرقتُ إطراقَ الشُّجاعِ ولو يرى ... مساغاً لنابيْه الشُّجاعُ لقدْ أزمْ
أرادت عراراً بالهوانِ ومن يردْ ... عراراً لعمري بالهوانِ فقدْ ظلمْ
فإن عراراً إن يكن غير واضح ... فإني أحبُّ الجون ذا المنكب العمم
فإنَّ عراراً إن يكن ذا شكيمةٍ ... تقاسينها منه فما أملكُ الشِّيمْ
فإنْ كنتِ منِّي أو تريدينَ صحبتي ... فكوني له كالسَّمنِ ربَّتْ له الأدمْ
وإلا فسيري مثلَ ما سارَ راكبٌ ... تيمَّمَ خمساً ليسَ في سيرهِ يتمْ
وقد علمتْ سعدٌ بأنِّي عميدها ... قديماً وإنِّي لستُ أهضمُ من هضمْ
خزيمةُ ردَّاني الفعالَ ومعشرٌ ... قديماً بنوا لي سورةَ المجدِ والكرمْ
وقال عمرو بن شأسٍ:
قفا تعرفا بينَ الرَّحى فقراقرٍ ... منازلَ قد أقوينَ من أمِّ نوفلِ
تهادتْ بها هوجُ الرِّياحِ كأنَّما ... أجلنَ الذي استودعنَ منها بمنخلِ
منازلُ يبكينَ الفتى فكأنَّما ... تسحُّ بغربيْ ناضحٍ فوق جدولِ
يسحّانِ ماءَ البئرِ عن ظهرِ شارفٍ ... بأمراسِ كتّانٍ وقدٍّ موصَّلِ
كما سال صفوانٌ بماءِ سحابةٍ ... علتْ رصفاً واستكرهتْ كلَّ محفلِ
تراءتْ لنا جنِّيَّةٌ في مجاسدٍ ... وثوبيْ حريرٍ فوقَ مرطٍ مرحَّلِ
وأهللتُ لما إنْ عرفتُ بأنَّهُ ... على الشَّحطِ طيفٌ من حبيبٍ مؤمّلِ
وحلَّتْ بأرضِ المنحنى ثمَّ أصعدتْ ... بعقدةَ أو حلَّتْ بأرضِ المكلَّلِ
يحلُّ بعرقٍ أو يحلُّ بعرعرٍ ... ففاءتْ مزارَ الزّائرِ المتدلِّلِ
وخرقٍ كأهدامِ العباءِ قطعتهُ ... بعيدَ النِّياطِ بينَ قُفٍّ وأرملِ
بناجيةٍ وجناءَ تستلبُ القطا ... أفاحيصهُ زجري إذا التفتتْ حلي
ونحنُ قعودٌ في الجلاميدِ بعدما ... مضى نصفُ ليلٍ بعدَ ليلٍ مليَّلِ
لقطنَ من الصَّحراءِ والقاعِ قُرزحاً ... له قبصٌ كأنها حبُّ فلفلِ
إذا صدرتْ عن منهلٍ بعدَ منهلٍ ... إلى منهلٍ تردي بأسمرَ معملِ
لها مقلتا وحشيَّةٍ أمِّ جؤذرٍ ... وأتلعُ نهّاضٌ مقلَّدُ جلجُلِ
إلى حاركٍ مثلِ الغبيطِ وتامكٍ ... على صلبها كأنَّهُ نصبُ مِجدلِ
وإنِّي لأشوي للصِّحابِ مطيَّتي ... إذا نزلوا وحشاً إلى غيرِ منزلِ
فباتوا شباعاً يدهنونَ قسيَّهمْ ... لهمْ مجلدٌ منها وعلَّقتُ أحبلي
وأضْحتْ على أعجازِ عوجٍ كأنَّها ... قسيُّ سراءٍ قُرِّمتْ لم تعطَّلِ
وعرجلةٍ مثلِ السُّيوفِ رددتها ... غداةَ الصَّباحِ بالكميّ المجدَّلِ
وأيسارِ صدقٍ قد أفدتُ جزورهمْ ... بذي أودٍ خبشِ المذاقةِ مسبلِ
حسّانُ الوجوهِ ما تذمُّ لحامهمْ ... إذا النّاسُ حلُّوا جزعَ حمضٍ مجذَّلِ
وألوتْ بريعانِ الكنيفِ وزعزعتْ ... رؤوسَ العضاه من نوافح شمألِ
ترى أثرَ العافينَ حولَ جفانهمْ ... كما اختلفتْ وِرداً مناسمُ همَّلِ
على حوضها بالجوِّ جوّ قُراقرٍ ... إذا رويتْ من منهلٍ لم تحوَّلِ
ألا تلكَ أخلاقُ الفتى قد أتيتها ... فلا تسألوني واسألوا كلَّ مُبتلي
غداةَ بني عبسٍ بنا إذ تنازلوا ... بكلِّ رقيق الحدِّ لم يتفلَّلِ
من الحيّ إذ هرَّتْ معدٌّ كتيبةً ... مُظاهرةً نسجَ الحديدِ المُسربلِ
إذا نزلتْ في دارِ حيٍّ برتهمُ ... وأحمتْ عليهمْ كلَّ مبدًى ومنهلِ
стр. 354
أقمنا لهمْ فيها سنابكَ خيلنا ... بضربٍ يفضُّ الدّارعينَ مُنكِّلِ
إلى اللَّيلِ حتَّى ما ترى غيرَ مسلمٍ ... قتيلٍ ومجموعِ اليدينِ مسلسلِ
ونحنُ قتلنا الأجدلينِ ومالكاً ... أبا منذرٍ والجمعُ لم يتزيَّلِ
وقُرصاً أزالتهُ الرِّماحُ كأنَّما ... ترامتْ به من حالقٍ فوقَ مهبلِ
وحُجراً قتلَنا عُنوةً فكأنَّما ... هوى من حفافيْ صعبةِ المتنزِّلِ
فما أفلحتْ في الغزوِ كندةُ بعدها ... ولا أدركوا مثقالَ حبَّةِ خردلِ
سوى كلماتٍ من أغانيِّ شاعرٍ ... وقتلى تمنَّى قتلها لم تُقتَّلِ
ونحنُ قتلنا بالفراتِ وجزعهِ ... عديّاً فلمْ يكسر به عودُ حرملِ
فلم أرَ حيّاً مثلهمْ حينَ أقبلوا ... ولمْ أرَ حيّاً مثلنا أهلَ منزلِ
فقُلنا أقيموا إنَّهُ يومَ مأقطٍ ... قسيٌّ تبذُّ المُقرفينَ معضَّلِ
بأيديهمِ هنديَّةٌ تختلي الطُّلى ... كما فضَّ جاني حنظلٍ نضرَ حنظلِ
بكلِّ فتًى يعصى بكلِّ مهنَّدٍ ... ندٍ غير مِبطان العشيّاتِ عثجلِ
كعجلِ الهجانِ الأدمِ ليسَ برمَّحٍ ... ولا شنجٍ كزِّ الأناملِ زمَّلِ
ومن لا تكنْ عاديَّةٌ يُهتدى بها ... لوالدهِ يُفخرْ عليه ويُفسلِ
عززنا فما للمجدِ من متحوِّلٍ ... سوى أهلهِ من آخرينَ وأوَّلِ
وقد علمتْ عُليا معدٍّ بأنَّنا ... على الهولِ أهلُ الرّاكبِ المتغلغلِ
وقال عمرو بن شأسٍ:
تذكَّر حبَّ ليلى لاتَ حينا ... وأمسى الشَّيبُ قد قطعَ القرينا
تذكَّر حبُّها لا الدَّهرُ فانٍ ... ولا الحاجاتُ من ليلى قُضينا
وكانتْ نفسهُ فيها نفوساً ... إذا لاقيتها لا يشتفينا
وقد أبدتْ لهُ لو كان يصحو ... عشيَّةَ عاقلٍ صرماً مُبينا
فإنْ صارمتني أو كان كونٌ ... وأجدرْ بالحوادثِ أن تكونا
فلا تُمنيْ بمطروقٍ إذا ما ... سرى في القومِ أصبحَ مُستكينا
يُطيعُ ولا يطاعُ ولا يبالي ... أغثّاً كانَ حظُّكَ أم سمينا
ويُضحي في فنائكَ مُجلخدّاً ... كما ألقيتَ بالمتنِ الوضينا
إذا اشتدَّ الشِّتاءُ على أُناسٍ ... فلا قدحاً يدرُّ ولا لبونا
أبلِّي إن بللتِ بأرْيحيٍّ ... من الشُّبّانِ لا يُضحي بطينا
يؤمُّ مخارماً بالقومِ قصداً ... وهنَّ لغيرهِ لا يبتغينا
وخلتُ ظعائناً من آل ليلى ... بجنبِ عُنيزةٍ أُصلاً سفينا
جآجئها تشقُّ اللُّجَّ عنها ... ويبدي ماؤها خشباً دهينا
يؤمُّ بها الحداةُ مياهَ نخلٍ ... ويُبدينَ المحاجرَ والعيونا
ظعائنُ لم يقمنَ إلى سبابٍ ... ولم يعلمنَ من أهلٍ مهينا
إذا وضعتْ برودَ العصبِ عنها ... حسبتَ كشوحها ريطاً مصونا
فإنّا ليلُ مذْ برئَ اللَّيالي ... بُرينا من سراةِ بني أبينا
فلا وأبيكِ ما ينفكُّ منّا ... من السّاداتِ حظٌّ ما بقينا
ونحنُ إذا يريحُ اللَّيلُ أمراً ... يهمُّ النّاسَ عصمةَ من يلينا
ونعمَ فوارسُ الهيجا إذا ما ... رأينا الخيلَ ممسكةً عزينا
ومُرقصةٍ منعناها إذا ما ... رأتْ دونَ المحافظةِ اليقينا
يذكِّرها إذا وهلتْ بنيها ... ونحميها كما نحمي بنينا
إذا افترشَ العواليَ بالعوالي ... وكان القومُ في الأبدانِ جونا
وقد علمتْ بنو أسدٍ بأنّا ... نُطاعنُ بالرِّماحِ إذا لُقينا
وقال عمرو بن شأسٍ:
أتعرفُ منزلاً من آلِ ليلى ... أبى بالثَّعلبيَّةِ أن يريما
أربَّ بها من الأرواحِ سافٍ ... فغيَّرنَ المنازلَ والرُّسوما
فردَّا فيهِ طرفكُما تُبينا ... لليلى منزلاً أقوى قديما
بواقيَ أبصرٍ ورمادَ دارٍ ... وسعفاً في مناكبها جُثوما
وقد تغنى بها ليلى زماناً ... عروباً تونقُ المرءَ الحليما
لياليَ تستبيكَ بجيدِ ريمٍ ... وعينيْ جؤذرٍ يقرُو الصَّريما
وأنفٍ مثلِ عرقِ السَّامِ حرٍّ ... وتسمعُ منطقاً منها رخيما
برَهرهةٌ يحارُ الطَّرفُ فيها ... وتُبدي واضحاً فخماً وسيما
стр. 355
وتبسمُ عنْ شتيتِ النَّبتِ غرٍّ ... عذابٍ تُبرئُ الدَّنفِ السَّقيما
تبذُّ الغانياتِ بكلِّ أرضٍ ... إذا أخذتْ وشاحاً أو بَريما
وتملأُ عينَ مَن يلهُو إليها ... ولستَ بواجدٍ فيها مَذيما
وإنَّا النَّازلونَ بكلِّ ثغرٍ ... ولو لمْ تلقَه إلاَّ هَسيما
ترَى فيها الجيادَ مسوَّماتٍ ... معَ الأبطالِ يعلكنَ الشَّكيما
وجمعاً مثلَ سلمى مكفهرّاً ... تشبِّههمْ إذا اجتمعوا قُروما
بمثلهمِ تُلاقي يومَ هيْجا ... إذا لاقيتَ بأساً أو خُصوما
نفيْنا وائلاً عمَّا أرادتْ ... وكانتْ لا تحاولُ أنْ تَريما
وقال عمرو بن شأس:
ألم تربعْ فتُخبركَ الرُّسومُ ... على فرتاجَ والطَّللُ القديمُ
تحمَّلَ أهلُها وجرتْ عليها ... رياحُ الصَّيفِ والسَّبطُ المديمُ
وندمانٍ يزيدُ الكأسَ طيباً ... سقيتُ إذا تغوَّرتِ النُّجومُ
رفعتُ برأسهِ فكشفتُ عنهُ ... بمعرقةٍ ملامةَ مَن يلومُ
ولمَّا إنْ تنبَّهَ قامَ خرقٌ ... منَ الفتيانِ مختلقٌ هضومُ
إلى وجناءَ ناجيةٍ فكاستْ ... وهَى العرقوبِ منها والصَّميمُ
فأشبعَ شربهُ وجرَى عليهمْ ... بإبريقينِ كأسهُما رذومُ
تراها في الإناءِ لها حميَّا ... كميتاً مثلَ ما فقعَ الأديمُ
ترنِّجُ شربَها حتَّى تراهمْ ... كأنَّ القومَ تنزِفهمْ كلومُ
فبتْنا بينَ ذاكَ وبينَ مسكٍ ... فيا عجَبي لعيشٍ لو يدومُ
نطوِّفُ ما نطوِّفُ ثمَّ يأوي ... ذوو الأموالِ منَّا والعديمُ
إلى حفرٍ أسافلُهنَّ جوفٌ ... وأعلاهنَّ صفَّاحٌ مقيمُ
وقمْنا والرِّكابُ مخيَّساتٌ ... إلى فتلٍ مرافقهنَّ كومُ
كأنَّا والرِّحالَ على صوارٍ ... برملِ جُرادَ أسلمَها الصَّريمُ
وقال عمرو بن شأس:
أتعرفُ مِن ليلى رسومَ معرَّسِ ... بلينَ وما يقدمْ بهِ العهدُ يدرسِ
وما ربُّ صرفٍ دنُّها حد خدِيَّةٌ ... تميتُ عظامَ الشَّاربِ المتكيِّسِ
يعادُ لها إبريقُها وزجاجُها ... بأنعمِ عيشٍ مِن شواءٍ وأكؤسِ
بأنعمِ منَّا ليلةً نزلتْ بنا ... تلمُّ وأُخرى ليلةً بالمغلَّسِ
تمضَّتْ إلينا لمْ يرِب عينَها القذى ... لكثرةِ نيرانٍ وظلماءِ حندسِ
وكائنْ رآها القلبُ أمَّ غزيِّلٍ ... كطوقِ الفتاةِ هالكٍ عندَ منعسِ
أطاعَ لها نبتٌ مِن المردِ يانعٌ ... ظليلُ المطافِ مِن مقيلٍ ومكنسِ
وخرقٍ يخافُ الرَّكبُ أنْ ينطقوا بهِ ... قطعتُ بفتلاءِ الذِّراعينِ عرمسِ
لها دولجٌ دوحٌ متى ما تنلْ بهِ ... مدى الغبِّ أوْ تربعْ بهِ الغدَ تخمسِ
يظلُّ يغنِّيهِ الحمامُ كأنَّهُ ... مآتمُ أنواحٍ لدى جنبِ مرمسِ
مروحٍ إذا جالتْ لصوتِ غضارةٍ ... منَ اللَّيلِ أو ريعتْ لنبأةِ هجرسِ
لها عجزٌ مثلُ الرِّتاجِ يزينُها ... إلى قردٍ ينْمي وليَّةَ محبسِ
وخطمٌ كبرطيلِ القيونِ ومشفرٌ ... خريعٌ كنعلِ السُّندسيّ ابن أقوسِ
وعينٌ كمرآةِ الصَّناعِ وهامةٌ ... كجندلةِ الضَّبِّ الأصمِّ المجرّسِ
ترَى أثرَ الأنساعِ فيها كأنَّها ... مواتحُ قاعٍ ذي يبيسٍ وعضرسِ
تدقُّ الحصى بمجمراتٍ ومنسمٍ ... أصمَّ على عظمِ السُّلامى ملدَّسِ
بني أسدٍ هلْ تعلمونَ بلاءنا ... إذا كانَ يومٌ يستعانُ بأنفُسِ
قراعَ عدوٍّ أوْ دفاعَ عظيمةٍ ... إذا احتُضرتْ يعطى لها كلُّ منفسِ
لمختبطٍ منكمْ كأنَّ ثيابهُ ... نبشنَ لحولٍ أو ثيابِ مقدِّسِ
لهُ ولدةٌ سفعُ الوجوهِ كأنَّهمْ ... إذا اقتربوا منهُ جراءَ مقرقسِ
قطيفتهُ هدمٌ ومأواهُ غبَّةٌ ... إلى ولدةٍ دبرِ الحراقفِ بؤَّسِ
هنأناهنُ حتَّى تنادَوا لحالهمْ ... بمعتلجٍ كأنَّهُ لونُ سندسِ
ترَى زهرَ الحوذانِ حولَ رياضهِ ... يضيءُ كلونِ الأتحميِّ المورَّسِ
ومعتركٍ ضنكٍ بهِ قصدُ القنا ... شهدْنا فلمْ نعجزْ ولم نتدلَّسِ
وكأنَّ مجر الخيلِ أرسانَها بهِ ... مساقطُ أرماحِ القنا في معرَّسِ
следующие страницы →