Полный текст (400 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وعمرةُ منْ سرواتِ النسا ... ءِ ننفحُ بالمسكِ أردانُها
فإنْ تُمْسِ شطَّتْ بها دارُها ... وباحَ لكَ اليومَ هجرانُها
فما رَوْضَةٌ من رِياضِ القطا ... كأنَّ المصابيحَ حوذانُها
بأحسنَ منْها ولا مُزْنَةٌ ... دلوحٌ تكشفَ أدجانُها
ونحنُ الفوارِسُ يومَ الربي ... ع قدْ علمُوا كيفَ فرسانُها
جنبنا الحربَ وراءَ الصري ... خِ حيثُ تقصفَ مرانُها
تراهنَّ يخلجنَ خلجَ الدلا ... ءِ تختلجُ النزْعَ أشطانُها
ولاقَى الشقاءَ لدَى حربنا ... دُحَيٌّ وعوفٌ وأعوانُها
رددنا الكتيبةَ مفلولَةً ... بها أفنُها وبها ذانُها
وقدْ علمونِي متى أنبعثْ ... على مثلِها تذكُ نيرانُها
ولولا كراهةُ سفكِ الدماءِ ... لعادَ ليثربَ أديانُها
ويثربُ نعلمُ أنَّ النبي ... تَ راس َ بيثربَ ميزانُها
حسانُ الوجوهِ حدادُ السيو ... فِ يبتدرُ المجدَ شبانُها
وبالشوطِ من يثربٍ أعبدٌ ... سيهلكُ في الخمرِ أثمانُها
يهونَ على الأوْسِ أتلافُهمْ ... إذا راحَ يخطرُ نشوانُها
أتتهمْ عرانينُ من مالكٍ ... سراعٌ إلى الروعِ فتيانُها
فلما استقلَّ كليْثِ الغري ... فِ زانَ الكتيبةَ أعوانُها
وقدْ علموا أنّما فلهُمْ ... حديدُ النبيتِ وأعيانُها
وقال قيسٌ أيضاً: الطويل
أتعرفُ رسماً كاطرادِ المذاهبِ ... لعمرةَ وحشاً غيرَ موقفِ راكبِ
ديارَ التي كانتْ ونحنُ على منًى ... تحلُّ بنا لولا نجاءُ الركائِبِ
تبدَّتْ لنا كالشمسِ تحتَ غمامةٍ ... بدا حاجبٌ منها وضنتْ بجانبِ
ولمْ أرها إلا ثلاثاً على منًى ... وعهدِي بها عذراءُ ذاتُ ذوائبِ
ومثلكِ قدْ أصبيتُ ليستْ بكنةٍ ... ولا جارةٍ ولا حليلةِ صاحبِ
دعوتُ بنِي عوفٍ لحقنِ دمائِهمْ ... فلما أبوا سامحتُ في حربِ حاطبِ
وكنتُ امرءاً لا أبعثُ الحربَ ظالماً ... فلما حموا أشعلتُها كلَّ جانبِ
أربتُ بدفع الحربِ حتى رأيتُها ... عنِ الدفعِ لا تزدادُ غيرَ تقاربِ
أتتْ عصبٌ ملْ أوسِ تخطرُ بالقنا ... كمشي الليوثِ في رشاشِ الأهاضيبِ
فإذْ لم يكنْ عنْ غايةِ الحربِ مدفعٌ فأهلاً بها إذْ لمْ تزلْ في المراحبِ
فلما رأيتُ الحربَ حرباُ تجدَّدَتْ ... لبستُ مع البردينِ ثوبَ المحاربِ
مضاعفةٌ يغشَى الأناملَ فضلُها ... كأنَّ قتيرَها عيونُ الجنادِبِ
رجالٌ متى يدعوْ إلى الموتِ يرقلُوا ... إليهِ كأرقالِ الجمالِ المصاعبِ
إذا فزعوا مدوا إلى الليلِ صارخاً ... كموجِ الأتيِّ المزبدِ المتراكبِ
ترى قصدَ المرانِ تهوِي كأنها ... تذرعُ خرصانٍ بأيدِي الشواطِبِ
وأضربهمْ يومَ الحديقةِ حاسراً ... كأنَّ يدي بالسيفِ مخراقُ لاعبِ
صبحناهمُ الآطامَ حولَ مزاحمٍ ... قوانِسَ أولَى بيضها كالكواكبِ
لو أنكَ تلقِي حنظلاً فوقَ بيضها ... تدحرجَ عنْ ذي سامهِ المتقاربِ
إذا ما فررنا كانَ أسوا فرارِنا ... صدودَ الخدودِ وازورارَ المناكبِ
صدُودُ الخدودِ والقنا متشاجرٌ ... ولا تبرحُ الأقدامُ عندَ التضاربِ
إذا قصرتْ أسيافُنا كانَ وصلُها ... خطانا إلى أعدائنا للتضارب
ويومَ بعاثٍ أسلَمَتْنا سيوفنا ... إلى نسبٍ في جذْمِ غسانَ ثاقبِ
يعرينَ بيضاً حينَ نأتِي عدونا ... ويغمدنَ حمراً ناحلاتِ المضاربِ
أطاعَتْ بنو عوفٍ أميراً نهاهمُ ... عنِ السلمِ حتى كانَ أولَ واجبِ
عجبتُ لعوفٍ إذْ تقولُ سراتُهُمْ ... ويرمِينَ دفعاً ليتنا لمْ نحاربِ
صبحناهُمُ شهباءَ يبرُقُ بيضُها ... تبينُ خلاخيلَ النساءِ الهوارِبِ
أصابتْ سراةً ملْ أغرَّ سيوفنا ... وغودِرَ أولادُ الإماءِ الحواطِبِ
ومنا الذي آلى ثلاثينَ ليلةً ... عنِ الخمرِ حتى زاركمْ في الكتائبِ
رضيتُ لهمْ إذْ لا يريمونَ قعرَها ... إلى عازِبِ الأموالِ إلاَّ بصاحبِ
فلولا ذرَى الآطامِ قدْ تعلمُونَهُ ... وتركُ الفضا شردتُهُمْ في الكواعبِ
стр. 282
ولمْ يمنعوا منا مكاناً نريدُه ... لهمْ محرزٌ إلاَّ ظهورُ المشارِبِ
فهلاَّ لدى الحربِ العوانِ صبرتُمُ ... لوقعتنا والبأسُ صعبُ المراكبِ
ظأرناكمُ بالبيضِ حتى لأنتمُ ... أذلُّ من السقبانِ بينَ الحلائبِ
ولما هبطنا الحربَ قالَ أميرُنا ... حرامٌ علينا الخمرُ إنْ لمْ نضارِبِ
فسامحهُ منا رجالٌ أعزةٌ ... فما برحوا حتى أحلتْ لشاربِ
فليتَ سويداً راءَ منْ خرَّ منهمُ ... ومنْ فرّ إذْ يحدُوهُمُ كالجلائبِ
فأبنا إلى أبياتنا ونسائِنا ... وما منْ تركنا في بعاثَ بآئبِ
ولوْ غبتُ عن قومِي كفتنِي عشيرتِي ... ويومُ بعاثٍ كانَ يومَ الثعالِبِ
وقال قيس أيضاً: السريع
ردَّ الخليطُ الجمالَ فانصرفُوا ... ماذا عليهمْ لو أنهمْ وقفوا
لوْ وقفوا ساعةً نسائلهمْ ... ريثَ يضحِّي جمالهُ السلَفُ
فيهمْ لعوبُ العشاءِ آنسَةُ ال ... دَّلِّ عروبٌ يسوءها الخلفُ
بينَ شكول النساءِ خلقتُها ... قصدٌ فلا جبلةٌ ولا قصفُ
تغترقُ الطرفَ وهيَ لاهيةٌ ... كأنما شفَّ وجهها نزفُ
قضى لها اللهُ حينَ يخلقُها ال ... خالِقُ ألاَّ يكنِّها سدَفُ
تنامُ عنْ كبرِ شأنِها فإذا ... قامتْ رويداً تكادُ تنغرفُ
حوراءُ جيداءُ يستضاءُ بها ... كأنها خوطُ بانةٍ قضفُ
تمشي كمشْي الزهراءِ في دمثِ ال ... رملِ إلى السهلِ دونهُ الجرُفُ
ولا تغثُّ الحديثَ ما نطقَتْ ... وهوَ بفيها ذو لذةٍ طرفُ
تخزنُهُ وهوَ مشتهًى حسَنٌ ... وهيَ إذا ما تكلمَتْ أنفُ
كأنَّ لباتِها تبدِّدُها ... هزلَى جرادٌ أجوازُهُ جلفُ
كأنَّها درةٌ أحاطَ بها ال ... غواصُ يجلو عنْ وجهها الصدفُ
واللهِ ذي المسجدِ الحرامِ وما ... جللَ من يمنةٍ لها خنفُ
إني لأهواكِ غيرَ ذي جنفٍ ... قد شفَّ منِّي الأحشاءُ والشعفُ
بلْ ليتَ أهلِي وأهلَ أثلَةَ في ... دارٍ قريبٍ من حيثُ تختلفُ
أيهاتَ منْ أهلهُ بيثربَ قدْ ... أمسَى ومن دونِ أهلِهِ سرفُ
يا ربِّ لا تبعدنْ ديارُ بنِي ... عذرةَ حيثُ انصرَفْتُ وانصرفُوا
أبلغْ بني جحجبَى وقومهُمُ ... خطفَة أنّا وراءَهُمْ أنفُ
وأننا دونَ ما نسومُهمُ الأع ... داءُ منْ ضيمِ خطةٍ نكفُ
نفلِي بحدِّ الصفيحِ هامهُمُ ... وفليُنا هامهمْ بها عنفُ
إذا بدَتْ غدوةً جباهُهمُ ... حنتْ إلينا الأرحامُ والصحفُ
كقيلنا للمقدمينَ قفوا ... عن شأوكُمْ والحرابُ تختلفُ
نتبعُ آثارَها إذا اختلجتْ ... سخنَ عبيطٍ عروقُهُ تكفُ
قالَ لنا الناسُ معشَرٌ ظفرُوا ... قلنا فأنَّى بقومِنا خلفُ
لنا معَ أجامنا وحوزتِنا ... بينَ ذراها مخارفٌ دلفُ
يذبُّ عنهنَّ سامرٌ مصعٌ ... سودُ الغواشِي كأنَّها عرفُ
وقال قيس: الطويل
تروحْ من الحسناءِ أمْ أنتَ مغتدِي ... وكيفَ انطلاقُ عاشِقٍ لمْ يزودِ
تراءَتْ لنا يومَ الرحيلِ بمقلتيْ ... غريرٍ بملتفٍّ من السدرِ مفردِ
وجيدٍ كجيدِ الرئمْ ضافٍ يزينهُ ... توقدُ ياقوتٍ وفضلُ زبرْجَدِ
كأنَّ الثريا فوقَ ثغرةِ نحرِها ... توقدُ في الظلماءِ أيَّ توقدِ
ألاَّ إنَّ بَينَ الشرعَبِيِّ وراتجٍ ... ضراباً كتخذيمِ السيالِ المعضدِ
لنا حائطانِ الموتُ أسفلُ منها ... وجمعٌ متى يصرخْ بيثربَ يصعدِ
ترى اللابَةَ الحمراءَ يسودُّ لونها ... ويسهُلُ منها كلُّ ريعهٍ وفدفَدِ
لعمرِي لقدْ حالفتُ ذبيانَ كلها ... وعبساً على ما في الأدِيم الممدَّدِ
وأقبلتُ من أهلِ الحجازِ بحلبَةٍ ... تغصُّ الفضاءَ كالقنا المتبددِ
تحملتُ ما كانتْ مزينةُ تشتكِي ... منَ الظلمِ في الأحلافِ حملَ التغمدِ
أرَى كثرةَ المعروفِ يورِثُ أهلَهُ ... وسوَّدَ عصرُ السوءِ غيرَ المسوَّدِ
إذا المرءُ لمْ يشبهْ أباهُ وجدَّهُ ... وأفحمَ إفحاماً فلمَ يتشدَّدِ
إذا المرءُ لم يفضلْ ولمْ يلقَ نجدةً ... معَ القومِ فليقعدْ بصغرٍ ويبعدِ
стр. 283
وإني لأغنَى الناسِ عن متكلفٍ ... يرى الناسَ ضلالاً وليْسَ بمهتَدِي
كثيرُ المنَى بالزادِ لا خيرَ عندَهُ ... إذا جاعَ يوماً يشتكيهِ ضُحى الغدِ
نشا غمراً بوراً شقيّاً ملعناً ... ألدَّ كأنَّ رأسَهُ رأسُ أصيدِ
وذِي شيمةٍ غراءَ يسخطُ شيمتِي ... أقولُ لهُ دعنِي ونفسكَ فارشدِ
فما المالُ والأحلامُ إلاَّ معارَةٌ ... فما اسطَعْتَ من معروفِها فتزودِ
متى ما تقدْ بالباطلِ الحقَّ يأْبَهُ ... وإن قدْتَ بالحقِّ الَّرواسِي تنقدِ
إذا ما أتيتَ الأمرَ من غيرِ بابهِ ... ضللتَ وإنْ تدخُلْ من البابِ تهتدِي
فمن مبلغٌ عني شريكَ بنَ جابرٍ ... رسولاً إذا ما جاءهُ وابنَ مرثدِ
فأقسمتُ لا أعطِي يزيدَ رَهينةً ... سوى السيفَ حتى لا تنوءَ لهُ يدِي
فلا يبعدنَّ اللهُ عبدَ بنَ نافذٍ ... ومن يعلُهُ رُكنٌ من التُّرْبِ يبعدِ
آخر المختار من شعر قيس بن الخطيم وهو مُقِل
الحادرةُ
وقال الحادرةُ، واسمه قطبة بن محصن بن جرول بن حبيب بن عبد العزى ابن خزيمة بن رزام من ذبيان، وهو مقل جداً: الكامل
بكرتْ سميَّةُ غدوَةً فتمتعِ ... وغدتْ غدوَّ مفارقٍ لمْ يربعِ
وتزودَتْ عينِي غداةَ لقيتها ... بلوَى البنينةِ نظرةً لمْ تقلعِ
وتصدَّفَتْ حتى اسْتَبتكَ بواضحٍ ... صلتٍ كمنتصبِ الغزالِ الأتلعِ
وبمقلَتَيْ حوراءَ تحسبُ طرفها ... وسنانَ حرةِ مستهلِّ الأدمُعِ
وإذا تنازعُكَ الحديثَ رأيتَها ... حسناً تبسُّمها لذيذَ المكرعِ
بغريضِ ساريةٍ أدرتْهُ الصبا ... منْ ماءِ أسجرَ طيبِ المستنقعِ
ظلمَ البطاحَ لهُ انهلالُ حريصَةٍ ... فصفا النطافُ لهُ بعيدَ المقلعِ
لعبَ السيولُ بهِ فأصبحَ ماؤُهُ ... غلالاً تقطعَ في أصولِ الخروَعِ
أسميُّ ويحكِ هلْ سمعتِ بغدرةٍ ... رفعَ اللواءُ لنا بها في مجمعِ
إنا نعفٌّ فلا نريبُ حليفنا ... وكفُّ شحَّ نفوسنا في المطمعِ
ونقي بآمنِ مالِنا أحْسابَنا ... ونجرُّ في الهيجا الرماحَ وندَّعِي
ونخوضُ غمرةَ كلِّ يومِ كريهةٍ ... تردِي النفوسَ وغنمُها للأشجعِ
ونقيمُ في دارِ الحفاظِ بيوتنا ... زمناً ويظعنُ غيرُنا للأمرَعِ
بسبيلِ ثغرٍ لا يسرِّحُ أهلُهُ ... سقمٍ يشارُ لقاؤُهُ بالإصبَعِ
أسميُّ ما يدريكِ أنْ ربَ فتيةٍ ... باكرتُ لذتهُمْ بأدكنَ مترَعِ
محمرةً عقبَ الصبوحِ عيونهمْ ... بمرًى هناك من الحياةِ ومسمعِ
بكروا عليَّ بسحرةٍ فصبحتُهُمْ ... منْ عاتِقٍ كدَمِ الذبيحِ مشعشعِ
ومعرضٍ تغلِي المراجلُ تحتهُ ... عجلتُ طبختهُ لرهطٍ جوعِ
ولدَيَّ أشعثُ باسطٌ ليمينهِ ... قسماً لقدْ أنضجتَ لمْ يتورَّعِ
ومسهدِينَ منَ الكلالِ بعثتُهُمْ ... بعدَ الرقادِ إلى سواهمَ ظلَّعِ
أودَى السفارُ برمِّها فتخالُها ... هيماً مقطعةً حبالَ الأذرُعِ
تخدُ الفيافِي بالرِّحالِ وكلُّها ... تخدِي بمنخرقِ القميصِ سميْدَعِ
ومطيةٍ حملْتُ ظهرَ مطيةٍ ... حرجٍ تتمُّ من العثارِ بدعدعِ
ومناخِ غيرِ تئيةٍ عرستُهُ ... قمنٍ من الحدثانِ نابي المضجَعِ
عرستُهُ ووسادُ رأسي ساعدٌ ... خاظي البضيعِ عروقهُ لمْ تدسعِ
فرفعتُ عنهُ وهوَ أحمرُ قانئٌ ... قدْ بانَ مني غيرَ أنْ لمْ يقطعِ
فترى بحيثُ توكأتْ ثفناتُها ... أثراً كمفتحصِ القطا للمهجَعِ
متممُ بن نويرة
وقال متممُ بن نويرةَ اليربوعي: الكامل
صرمتْ زنيبةُ حبلَ من لا يقطعُ ... حبلَ الخليلِ ولا الأمانةُ تفجعُ
ولقدْ حرصتُ على قليلِ متاعِها ... يومَ الرحيلِ فدمعُها المستنقعُ
جذِّي حبالكِ يا زنيبُ فإنني ... قدْ أستبدُّ بصرمِ منْ هو أقطَعُ
ولقدْ قطعتُ الوصلَ يومَ خلاجهِ ... وأخُو الصريمةِ في الأمورِ المزمِعُ
بمجدةٍ عنسٍ كأنَّ سراتَها ... فدَنٌ تطيفُ بهِ النبيطُ مرفَّعُ
قاظتْ أثالَ إلى الملا وتربَّعتْ ... بالحزنِ عازبةً تسنُّ وتودَعُ
стр. 284
حتى إذا لقحتْ وعولِيَ فوقها ... قردٌ يهمُّ بهِ الغرابُ الموقعُ
قربتُها للرحلِ لمّا اعتادَنِي ... سفرٌ أهمُّ بهِ وأمرٌ مجمعُ
فكأنها بعدَ الكلالةِ والسُّرَى ... علجٌ تغالِيهِ قذورٌ ملمعُ
يحتازُها عنْ جحشِها وتكفُّهُ ... عن نفسِها إنَّ اليتيمَ مدفعُ
ويظلُّ مرتئباً عليها حاذراً ... في رأسِ مرقبةٍ فلأياً يرتعُ
حتى يهيجها عشيةَ خمسِها ... للوردِ جأبٌ خلفَها متترِّعُ
يعدُو تبادِرُهُ المخارِمُ سمحجٌ ... كالدلوِ خانَ رشاؤُها المتقطعُ
حتَّى إذا وردَا عيوناً فوقَها ... غابٌ طوالٌ ثابتٌ ومصرَّعُ
لاقَى على حنبِ الشريعةِ لاطئاً ... صفوانَ في ناموسِهِ يتطلَّعُ
فرمى فأخطأها وصادفَ سهمهُ ... حجرٌ ففللَ والنضيُّ مجزعُ
أهوَى ليحمِيَ فرجَها إذْ أدبرَتْ ... زجلاً كما يحمِي النجيدُ المشرعُ
فيصكُّ صكاً بالسنابِكِ نحرَهُ ... وبجندلٍ صمٍّ فلا يتوزعُ
لا شيءَ يأتُو أتوَهُ لمّا علا ... فوقَ القطاةِ ورأسُهُ مستتلعُ
ولقدْ غدوتُ على القنيصِ وصاحِبِي ... نهدٌ مراكلُهُ مسحٌّ جرشعُ
ضافِي السبيبِ كأنَّ غصنَ أباءةٍ ... ريانَ ينفضُها إذا ما يقدَعُ
تئقٌ إذا أرْسَلْتَهُ متفاذِفٌ ... طماحُ أشرافٍ إذا ما يُنزَعُ
وكأنَّهُ فوتَ الجوالِبِ جانباً ... رئمٌ تضايفهُ كلابٌ جوعُ
داويْتُهُ كلَّ الدواءِ وزدتُهُ ... بذلاً كما يعطِي الحبيبُ الموسِعُ
فلَهُ ضريبُ الشولِ إلاَّ سؤرَهُ ... والجلُّ فهوَ مرببٌ لا يخلَعُ
فإذا نراهنُ كانَ أولَ سابقٍ ... يختالُ فارِسُهُ إذا ما يُدْفَعُ
بلْ رُبَّ يومٍ قدْ سبقنا سبقَهُ ... نعطِي ونعمرُ في الصدقِ وننفعُ
ولقدْ سبقتُ العاذلاتِ بشربةٍ ... ريا وراووقيْ عظيمٌ مترعُ
جفنٌ من الغربيبِ خالصُ لونِهِ ... كدمِ الذبيحِ إذا يشنَّ الشعشَعُ
ألهو بها يوماً وأُلهِي فتيةً ... عنْ بثهمْ إنْ ألبِسُوا وتقنعُوا
يا لهفَ منْ عرفاءَ ذاتِ فليلةٍ ... جاءَتْ إليَّ على ثلاثٍ تخمعُ
ظلتْ تراصدُنِي وتنظرُ حولها ... يريبُها رمقٌ وإنِّي مطمِعُ
وتظلَّ تنشطُنِي وتلحِمُ أجرِياً ... وسطَ العرينِ وليس حيٌّ يدفعُ
لوْ كانَ سيفِي باليمِينِ ضربْتُها ... عني ولمْ أو كلْ وجنبي الأضيعُ
ولقدْ ضربتُ بهِ فتسقطُ ضربتي ... أيدِي الكماةِ كأنهنَّ الخروعُ
ذاكِ الضياعُ فإنْ حززْتُ بمديَةٍ ... كفِّي فقولِي محسِنٌ ما يَصْنَعُ
ولقدْ غبطتُ بما ألاقِي حقبةً ... ولقدْ يمرُّ عليَّ يومٌ أشنعُ
أفبعدَ منْ ولدتْ نشيبهُ أشتكِي ... رزءَ المنيةِ أوْ أرَى أتوجعُ
ولقدْ علمتُ ولا محالةَ أننِي ... للحادثاتِ فهلْ ترينِي أجزعُ
أفنيْن عاداً ثُمَّ آلَ محرِّقٍ ... فتركنهمْ بلداً وما قدْ جمعوا
ولهنَّ كانَ الحارِثانِ كلاهُما ... ولهنَّ كانَ أخُو المصانعِ تبعُ
فعدَدتُ آبائِي إلى عرقِ الثرَى ... فدعوتهمْ فعلمْتُ أنْ لمْ يسمعوا
ذهبوا فلمْ أدْرِكهمُ ودعتْهُمُ ... غولٌ أتوْها والطريقُ المهيَعُ
لا بُدَّ من تلَفٍ مصيبٍ فانتظِرْ ... أبأرضِ قومِكَ أمْ بأخرَى تصرَعُ
وليأتينَّ عليكَ يوماً مرةً ... يُبكَى عليكَ مقنعاً لا تسمعُ
وقال متممٌ أيضاً يرثي أخاهُ مالكاً، وهي مفضلية قرأتها على شيخي ابن الخشاب: الطويل
لعمرِي وما عمرِي بتأبينِ هالكٍ ... ولا جزعاً مما أصابَ فأوْجعا
لقدْ كفنَ المنهالُ تحتَ ثيابِهِ ... فتًى غيرَ مبطانِ العشياتِ أروَعا
ولا برماً تهدِي النساءُ لعرسهِ ... إذا القشعُ من بردِ الشتاءُ تقعقعا
لبيباً أعانَ اللُّبَّ منهُ سماحةً ... خصيباً إذا ما راكبُ الجدبِ أوضعا
تراهُ كنصلِ السيفِ يهتزُّ للندى ... إذا لمْ يجدْ عندَ امرئ السوءِ مطمعا
إذا اجتزأ القومُ القداحَ وأوقدتْ ... لهمْ نارٌ أيسارٍ كفى من تضجَّعا
بمثنى الأيادِي ثمَّ لمْ يلفَ مالكٌ ... لدَى الفرثِ يحمِي اللحمَ أنْ يتوزَّعا
стр. 285
وقدْ كانَ مجذاماً إلى الحربِ ركضهُ ... سريعاً إلى الداعِي إذا هو أفزعا
ويوماً إذا ما كظكَ الخصمُ إن يكنُ ... نصيركَ منهمْ لا تكنْ أنتَ أضيعا
وإنْ تلقهُ في الشربِ لا تلقَ فاحشاً ... على الكأسِ ذا قاذورةٍ متزبعا
وإنْ ضرَّسَ الغزوُ الرجالَ رأيتهُ ... أخا الحربِ صدقاً في الرجالِ سميدَعا
وما كانَ وقافاً إذا الخيلُ أحجمتْ ... ولا طائشاً عندَ اللقاءِ مدفعا
ولا بكهامٍ بزُّهُ عنْ عدوِّهِ ... إذا هوَ لاقى حاسراً أو مقنعا
فعينيَّ هلْ لا تبكيانِ لمالكٍ ... إذا أذرتِ الريحُ الكنيفَ المرفعا
وللشربِ فابْكِي مالكاً ولبهمةٍ ... شديدٍ نواحيهِ على منْ تشجعا
وللضيفِ إنْ أرْغَى طروقاً بعيرَهُ ... وعانٍ ثوى في القدِّ حتى تكنعا
وأرملَةٍ تسعى بأشعثَ محثَلٍ ... كفرخِ الحبارَى رأسُهُ قدْ تصوَّعا
أبَى الصبْرَ آياتٌ أراها وإنني ... أرى كلَّ حبلٍ بعدَ حبلكَ أقطعا
وإني متَى ما أدْعُ باسمِكَ لا تجبْ ... وكنتَ جديراً أنْ تجيبَ وتسمعا
وكنّا كندْمانَيْ جذيمةً حقبةً ... منَ الدهرِ حتى قيلَ لنْ يتصدَّعا
وعشنا بخيرٍ في الحياةِ وقبلنا ... أصابَ المنايا رَهطَ كِسْرَى وتبعا
فلما تفرَّقْنا كأنِّي ومالكاً ... لطولِ اجتماعٍ لمْ نبتْ ليلةً معا
فإنْ تكنِ الأيامُ فرقْنَ بينَنا ... فقدْ بانَ محموداً أخِي حينَ ودَّعا
أقولُ وقدْ طارَ السَّنا في ربابهِ ... وجونٌ يسحُّ الماءَ حتى تريعا
سقى اللهُ أرضاً حلها قبرُ مالكٍ ... ذهابَ الغوادِي المدجناتِ فأمرَعا
فأثرَ سيلَ الواديَيْنِ بديمةٍ ... ترشَّحُ وسْمياً من النبتِ خروعا
فمجتمعُ الأشراجِ منْ حولِ شارِعٍ ... فروى جنابَ القريتينِ فضلفعا
تحيتهُ منِّي وإنْ كانَ نائياً ... وأمسَى تراباً فوقَهُ الأرضُ بلقعا
تقولُ ابنةُ العمريِّ مالكَ بعدما ... أراكَ قديماً ناعِمَ البالِ أفرَعا
فقلتُ لها طولُ الأسَى إذْ سألتِنِي ... بلوعَةِ حزنٍ تتركُ الوجهَ أسفعا
وفقدُ بنِي أمِّ توالوا فلمْ أكُنْ ... خلافهمُ أنْ أستكينَ وأخشَعا
وإنِّي وإنْ هازلْتِنِي قدْ أصابَنِي ... منَ الرزءِ ما يُبْكِي الحزِينَ المفجعا
ولستُ إذا ما أحدَثَ الدَّهْرُ نكبةً ... ورزءاً بزوارِ القرائبِ أخضعا
ولا فرحاً إنْ كنتُ يوماً بغبطةٍ ... ولا جزعاً إنْ نابَ دهرٌ فأضلَعا
ولكننِي أمضي على ذاكَ مقدماً ... إذا بعضُ من يلْقَى الخطوبَ تكعكعا
وغيرنِي ما غالَ قيساً ومالِكاً ... وعمراً وجزءاً بالمشقرِ ألمعا
وما غالَ ندمانيْ يزيدَ وليتني ... تمليتهمْ بالأهلِ والمالِ أجمعا
قعيدَكِ أنْ لا تُسْمِعِينِي ملامَةً ... ولا تنكئِي قرحَ الفؤادِ فييجعا
وقصركِ إنِّي قدْ جهدتُ فلمْ أجدْ ... بكفيَ عنهمْ للمنيةِ مدفَعا
فلوْ أنَّ ما ألقَى يصبُ متالعاً ... أو الركنَ من سلمَى إذَنْ لتضعضعا
وما وجدُ أظآرٍ ثلاثٍ روائمٍ ... رأينَ مجرّاً من حوارٍ ومصرَعا
يذكرِنَ ذا البثِّ الحزينِ حنينهُ ... إذا حنتِ الأولَى سجعنَ لها معا
إذا شارفٌ منهنَّ قامتْ فرجعتْ ... حنيناً فأبكى شجوها البركَ أجمعا
بأوجدَ مني يومَ فارقتُ مالكاً ... وقامَ بهِ الناعي الرفيعُ فأسمعا
ألمْ يأتِ أنباءُ المحلِّ سراتكمْ ... فيغضبَ منكمُ كلُّ من كانَ موجعا
بمشمتهِ إنْ صادفَ الحرْبُ مالكاً ... ومشهدهِ ما قد رأى من تمنعا
أآثرتَ هدماً بالياً وسويَّةً ... وجئتَ بهِ تسعى بشيراً مقزَّعا
فلا تفرحنْ يوماً بنفسِكَ إنني ... أرى الموتَ طلاعاً على من توقعا
لعلكَ يوماً أنْ تلِمَّ ملمةٌ ... عليكَ من اللائي يدعنكَ أجدَعا
نعيتَ امرءاً لوْ كانَ لحمُكَ عندهُ ... لواراهُ مجموعاً لهُ أو ممزَّعا
آخر المختار من شعر متممٍ
كعب الغنوي
وقال كعب بن سعد الغنوي، يرثي أخاه شبيباً: الطويل
стр. 286
تقولُ سليمى ما لجسمكَ شاحباً ... كأنكَ يحميكَ الشرابَ طبيبُ
تتابعُ أحداثٍ تخرَّمْنَ إخوتِي ... وشيبنَ رأسِي والخطوبُ تشيبُ
لعمرِي لئنْ كانتْ أصابتْ مصيبةٌ ... أخي والمنايا للرجالِ شعوبُ
لقدْ كانَ أمّا حلْمُهُ فمرَوَّحٌ ... علينا وأمّا جهلُهُ فعزيبُ
حليمٌ إذا ما سورةُ الجهلِ أطلَقَتْ ... حبا الشيبِ للنفسِ اللجوجِ غلوبُ
أخِي ما أخِي لا فاحشٌ عندَ بيتهِ ... ولا ورَعٌ عندَ اللقاءِ هيوبُ
هوَ العسلُ الماذِيُّ حلماً ونائلاً ... وليثُ إذا يلْقَى العدُوَّ غضوبُ
أخو شتواتٍ يعلمُ القومُ أنهُ ... سيكثرُ ما في قدرِهِ ويطيبُ
حبيبٌ إلى الزُّوّارِ غشيانُ بيتهِ ... جميلُ المحيا شبَّ وهوَ أديبُ
هوتْ أمهُ ما يبعثُ الصبحُ غادياً ... وماذا يؤذِّي الليلُ حينَ يؤوبُ
هوتْ عرسُهُ ماذا تضمنَ قبرُهُ ... منَ المجدِ والمعروفِ حينَ يثيبُ
إذا ما تراءتْهُ الرِّجالُ تحفظُوا ... فلمْ تنطَقِ العوراءُ وهوَ قريبُ
فتًى لا يبالِي أن يكونَ بجسمهِ ... إذا نالَ خلاتِ الكرامِ شحوبُ
حليفُ الندَى يدعُو الندَى فيجيبهُ ... قريباً ويدعوهُ الندَى فيجيبُ
فتًى أريحِيٌّ كانَ يهتزُّ للندَى ... كما اهتزَّ مِن ماءِ الحدِيدِ قضيبُ
كعالِيَةِ الرمْحِ الرُّدَيْنِيِّ لمْ يكنْ ... إذا ابتدَرَ الخيرَ الرجالُ يخيبُ
مفيدٌ ملقِّي الفائداتِ معاوِدٌ ... لفِعْلِ النَّدَى للمكرُماتِ كسُوبُ
كسُوبُ خلالِ الخيرِ من كلِّ جانبٍ ... إذا جاءَ جياءٌ بهنَّ ذَهوبُ
ترى عرصاتِ الحيِّ تُمْسِي كأنَّها ... إذا غابَ لَمْ يحلُلْ بهنَّ عريبُ
وحدثتُماني إنما الموتُ في القرَى ... فكيفَ وهانا هضبةٌ وكثيبُ
وماءُ سَماءٍ كانَ غيرَ محمةٍ ... ببريةٍ تجرِي عليهِ جنوبُ
فلو كان ميتٌ يفتدَى لافتديْتُهُ ... بما لمْ تكنْ عنهُ النفوسُ تطيبُ
بعينيَّ أو يُمْنَى يَدَيَّ وقيلَ لِي ... هوَ الغانِمُ الجذلانُ حينَ يؤوبُ
وداعٍ دَعا هلْ منْ يجيبُ إلى الندَى ... فلمْ يستجبهُ عندَ ذاكَ مجيبُ
فقلتُ ادعُ أخَرى وارفعِ الصوتَ دعوةً ... لعلَّ أبا المغوارِ منكَ قريبُ
يجبكَ كما قدْ كانَ يفعلُ إنَّهُ ... بأمثالِها رحبُ الذراعِ أريبُ
أتاكَ سريعاً واستجابَ إلى الندَى ... كذلكَ قبلَ اليومِ كانَ يجيبُ
يبيتُ الندَى يا أمَّ عمرو ضجيعهُ ... إذا لمْ يكنْ في المنقياتِ حلوبُ
فعشنا بخيرٍ حقبةً ثُمَّ جلحَتْ ... علينا التي كلَّ الرجالِ تصيبُ
فأبقتْ قليلاً فانياً وتجهزتْ ... لآخرَ والراجِي الحياةَ كذوبُ
وأعلَمُ أنَّ الباقِيَ الحيَّ منهُما ... إلى أجلٍ أقْصَى مداهُ قريبُ
ليبكِكَ شيخٌ لمْ يجدْ من يعينهُ ... وطاوِي الحشا نائِي المزارِ غريبُ
تروحَ تزهاهُ صباً مستطيفةٌ ... بكلِّ ذُرى والمسترادُ جديبُ
كأنَّ أبا المغوارِ لمْ يوفِ مرقبَاً ... إذا ربأَ القومَ الغزاةَ رقيبُ
ولمْ يدعُ فتياناً كراماً لميسرٍ ... إذا اشتدَّ من ريحِ الشتاءِ هبوبُ
فإنْ غابَ منهمْ غائبٌ أو تخاذَلُوا ... كفى ذاكَ وضاحُ الجبينِ خصيبُ
لقدْ أفسدَ الموتُ الحياةَ وقدْ أتى ... على يومهِ علقٌ إليَّ حبيبُ
فإنْ تكنِ الأيامُ أحْسَنَّ مرةً ... إليَّ فقدْ عادتْ لهنَّ ذنوبُ
أتى دونَ حلوِ العيشِ حتى أمرَهُ ... نكوبٌ على آثارِهِنَّ نكوبُ
ليبككَ أرماحٌ شهدنَ الوغَى ... ضحًى فأبنَ ولمْ تخضبْ لهنَّ كعوبُ
وإنِّي لباكيهِ وإنِّي لصادقٌ ... عليهِ وبعضُ القائلينَ كذوبُ
لعمرُكُما إنَّ البعيدَ الذي مضَى ... وإنَّ الذي يأتِي غداً لقريبُ
ألا هلْ أتَى أهلَ المقانِبِ إنَّهُ ... أقامَ وعرَّى الناجياتِ شبيبُ
فتَى الحربِ إنْ حارَبْتَ كانَ سمامَها ... وفي السفرِ مفضالُ اليدينِ وهوبُ
إذا ذرَّ قرنُ الشمسِ عللْتُ بالأسَى ... ويأوِي إليَّ الحزنُ حينَ تغيبُ
الشنفرى
стр. 287
وقال الشنفرى الأزدي: الطويل
أقيموا بني عمِّي صدورَ مطيكمْ ... فإني إلى أهلٍ سواكمْ لأميلُ
فقدْ حمتِ الحاجاتُ والليلُ مقمِرٌ ... وزمتْ لطياتٍ مطايا وأرحلُ
وفي الأرضِ منأًى للكريمِ عن الأذَى ... وفيها لمنْ خافَ القِلَى متعزَّلُ
لعمركَ ما في الأرضِ ضيقٌ على امرئٍ ... سرَى راغباً أو راهباً وهوَ يعقلُ
ولِي دونكُم أهلونَ سيدٌ عملَّسٌ ... وأرقَطُ زهلولٌ وعرفاءُ جيألُ
همُ الأهلُ لا مستودعُ السرِّ ذائعٌ ... لديهمْ ولا الجانِي بما جرَّ يخذَلُ
وكلٌّ كمِيٌّ باسلٌ غيرَ أننِي ... إذا عرضتْ أولى الطرائدِ أبْسَلُ
وإنْ مدتِ الأيدِي إلى الزادِ لمْ أكُنْ ... بأعجلِهِمْ إذْ أجشعُ القومِ أعجلُ
وما ذاكَ إلاَّ بسطةٌ عنْ تفضُّلٍ ... عليهمْ وإنَّ الأفضلَ المتفضلُ
وإني كفانِي فقدَ منْ ليسَ جازياً ... بنعمَى ولا في قربهِ متنفلُ
ثلاثةُ أصحابٍ فؤادٌ مشيعٌ ... وأبيضُ إصليتٌ وصفراءُ عيطلُ
هتوفٌ من الملْسِ الجيادِ يزيُنها ... رصائعُ قدْ نيطَتْ إليها ومحمَلْ
إذا زالَّ عنْها السهمُ حنتْ كأنَّها ... مرزأةٌ ثكلَى ترنُّ وتعولُ
ولستُ بمِهيافٍ يعشِّي سوامَهُ ... مجدعَةً سقبانُها وهيَ بهَّلُ
ولا خالِفٍ دارِيَّةٍ متغزلٍ ... يروحُ ويغدُو داهناً يتكحلُ
ولستُ بعلٍّ شرهُ دونَ خيرهِ ... ألفَّ إذا ما رعتهُ اهتاجَ أعزَلُ
ولستُ بمحيارِ الظلامِ إذا نحتْ ... هدَى الهوجَلِ العسيفِ يهماءُ هوجلُ
إذا الأمعزُ الصوان لاقَى مناسِمِي ... تطايرَ منهُ قادِحٌ ومفلَّلُ
أديمُ مطالَ الجوعِ حتى أميتهُ ... وأضربُ عنهُ الذكرَ صفحاً فأذهلُ
وأستفُّ تربُ الأرضِ كيلا يُرَى لهُ ... عليَّ من الطولِ امرؤٌ متطولُ
ولولا اجتنابُ الذامِ لمْ يلْفَ مشرَبٌ ... يعاشُ بهِ إلاَّ لديَّ ومأكَلُ
ولكنَّ نفساً حرةً لا تقيمُ بي ... على الضيمِ إلاَّ ريثما أتحولُ
وأطوي على الخمصِ الحوايا كما انطوتْ ... خيوطهُ مارِيٍّ تغارُ وتقتلُ
وأغدُو على القوتِ الزهيدِ كما غدا ... أزلُّ تهاداهُ التنائفُ أطحلُ
غدا طاوياً يعارضُ الريحَ هافياً ... يخوتُ بأذنابِ الشعابِ ويعسلُ
فلما لواهُ القوتُ منْ حيثُ أمَّهُ ... دَعا فأجابتْهُ نظائرُ نحلُ
مهرتةٌ فوهٌ كأنَّ شدوقها ... شقوقَ العصِيِّ كالحاتٌ وبسلُ
فضجَّ وضجتْ بالبراحِ كأنها ... وإيّاهُ نوحٌ فوقَ علياءَ ثكَّلُ
وأغضَى وأغضتْ وائتَسَى وائْتَسَتْ لهُ ... مراميلُ عزاها وعزتْهُ مرمِلُ
شكا وشكتْ ثمَّ ارْعَوى بعدُ وارعوَتْ ... وللصبرُ إنْ لمْ ينفعِ الصبرُ أجملُ
وفاءَ وفاءَتْ عن قريٍب وكلُّها ... على نكظٍ مما يكاتِمُ مجملُ
وتشربُ أسآرِي القطا الكدرُ بعدما ... سرَتْ قرباً أحناؤها تتصلصلُ
هممتُ وهمتْ بالبراحِ وأسدَلَتْ ... وشمرَ منِّي فارِطٌ متمهلُ
فوليتُ عنها وهيَ تكبُو لعقرهِ ... ينازعُهُ منها ذقونٌ وحوصَلُ
كأنَّ وغاها حجرتيهِ وحولَهُ ... أضاميمُ من سفرِ القبائلُ نزلُ
فعبتْ غشاشاً ثمَّ مرَّتْ كأنَّها ... مع الصبحِ ركبٌ من أحاظَةَ مجفلُ
وآلفُ وجهَ الأرضِ عندَ افتراشِها ... بأهدَى تثنيهِ سناسِنُ قحلُ
وأعدلَ منحوضٍ كأنَّ فصوصَهُ ... كعابٌ دحاها لاعبٌ فهيَ مثلُ
فإنْ تبتئسْ بالشنفَرَى أمُّ قسطلٍ ... لما اغتبطتْ بالشنفرى قبلُ أطوَلُ
تنامُ إذا ما نامَ يقظَى عيونُها ... سراعاً إلى مكروهِهِ تتغلغلُ
وإلفُ همومٍ لا يزالُ تعودُهُ ... عياداً كحمَّى الربعِ بلْ هي أثقلُ
إذا وردتْ أصدرتُها ثمَّ إنَّها ... تثوبُ فتأتي منْ تحيتُ ومنْ علُ
فإما ترينِي كابْنَةِ الرمْلِ ضاحياً ... على رقةٍ أحْفَى ولا أتنعلُ
فإنِّي لمولَى الصبرِ أجتابُ بزهُ ... على مثلِ قلبِ السمعِ والحزمَ أفعلُ
وأعدِمُ أحياناُ وأغنَى وإنما ... ينالُ الغِنَى ذو البغيةِ المتبذلُ
стр. 288
ولا جشعٌ من خلةٍ متكشفٌ ... ولا مرحٌ تحتَ الغنَى يتخيلُ
ولا تزدهِي الأطماعُ حلْمِي ولا أُرَى ... سؤولاً بأعْقابِ الأحاديثِ أُنْمِلُ
وليلةِ ضرٍّ يصطلِي القوْسَ رَبُّها ... وأقطُعَهُ اللاتِي بها يتنبَّلُ
دعستُ على غطشٍ وبغشٍ وصحبتي ... سعارٌ وأرزِيزٌ ووجرٌ وأفكلُ
فأيمتُ نسواناً وأيتمتُ إلدةً ... وعدتُ كما أبدأتُ والليْلُ أليَلُ
وأصبحَ عني بالغميصاءِ جالساً ... فريقانِ مسؤولٌ وآخرَ يسألُ
فقالوا لقد هرتْ بليلٍ كلابُنا ... فقلنا أذئبٌ عسَّ أمْ عسَّ فرعُلُ
ولمْ تك إلاَّ نبأةٌ ثمَّ هومتْ ... فقلنا قطاً قدْ ريعَ أمْ ريعَ أجدَلُ
فإنْ يكُ منْ جنٍّ لأبرحَ طارِقاً ... وإنْ يكُ إنْساً ماكها الإنسُ تفعلُ
ويومٍ منَ الشعْرَى يذوبُ لعابُهُ ... أفاعِيهِ في رمضائِهِ يتململُ
نصبتُ لهُ وجهِي ولكنَّ دونهُ ... ولا سِترَ إلاَّ الأتحمِيُّ المرعبلُ
وضافٍ إذا هبتْ لهُ الريحُ طيَّرتْ ... لبائدَ عنْ أعطافِهِ ما ترَجَّلُ
بعيدٍ بِمَسِّ الدهْنِ والفَلْيِِ عهدهُ ... لهُ عبسٌ جافٍ عن الغسلِ محولُ
وخرقٍ كظهرِ الترسِ رحبٍ قطعتهُ ... بعاملتينِ ظهرهُ ليسَ يعملُ
فألحقْتُ أولاهُ بأخراهُ موفياً ... على قنةٍ أقعِي مراراً وأمثلُ
ترودُ الأراوِي الصحمُ حولِي كأنها ... عذارى عليهنَّ الملاءُ المذيلُ
ويركدْنَ بالآصالِ حولِي كأننِي ... منَ العصمِ أدْفَى ينتحِي الكيحَ أعقلُ
وقال الشنفري أيضاً، وهي مفضليةٌ: الطويل
أرَى أمَّ عمرو أزمعتْ فاستقلَّتِ ... وما ودعتْ جيرانَها إذْ تولتِ
وقدْ سبقتنا أمُّ عمرٍو بأمرِها ... وكانتْ بأعناقِ المطِيِّ أظلَّتِ
بعينَيَّ ما أمْسَتْ فباتَتْ فأصبحَتْ ... فقضتْ أموراً فاستقلتْ فولتِ
فواكبدِي على أميمةَ بعدما ... تولتْ فهبها نعمةَ العيشِ زلتِ
لقدْ أعجبتنِي لا سقوطاً قناعُها ... إذا ما مشتْ ولا بذاتِ تلفتِ
تبيتُ بعيدَ النومِ تهدِي غيوقَها ... لجارتِها إذا الهديَّةُ قلتِ
تحلُّ بمنجاةٍ من اللومِ بيتُها ... إذا ما بيوتٌ بالمذمَّةِ حلتِ
كأنَّ لها في الأرضِ نسياً تقصُّهُ ... على أمها وإنْ تحدثكَ تبلتِ
أميمةُ لا يُخْزِي نثاها حليلُها ... إذا ذكرَ النسوانُ عفتْ وجلتِ
إذا هوَ أمسَى آبَ قرةَ عينهِ ... مآبَ السعيدِ لمْ يقلْ أينَ ظلتِ
فدقتْ وجلَّتْ واسبكرَّتْ وأكملتْ ... فلوْ جنَّ إنسانٌ من الحُسْنِ جنتِ
فبتنا كأنَّ البيتَ حجرَ حولَنا ... بريحانةٍ ريحتْ عشاءً وطلتِ
بريحانةٍ من بطنِ حليةَ نورَتْ ... لها أرَجٌ ما حولَها غيرُ مسنتِ
وباضعةٍ حمرِ القسِيِّ بعثتُها ... ومن يغزُ يغنمْ مرةً ويشمتِ
خرجنْا من الوادِي الذي بينَ مشعلٍ ... وبينَ الجبا هيهاتَ أنشأتُ سربتِي
أمشِّي على الأرضِ التي لمْ تضرُّنِي ... لأنكِيَ قوماً أو أصادِفَ حمتِي
أمشي على أيْنِ الغزاةِ وبعدها ... يقربني منها رواحِي وغدوتِي
وأمُّ عيالٍ قدْ شهدتُ تقوتهمْ ... إذا أطعمتهمْ أو تحتْ وأقلَّتِ
تخافُ علينا العيلَ إنْ هيَ أكثرتْ ... ونحنُ جياعٌ أيَّ آلٍ تألَّتِ
مصعلكَةٍ لا يقصرُ السترُ دونها ... ولا ترتجَى للبيتِ إنْ لمْ تبيتِ
لها وفضةٌ فيها ثلاثونَ سيحفاً ... إذا آنستْ أولَى العدِيِّ اقشعرَّتِ
وتأتي العدِيَّ بارزاً نصفُ ساقِها ... تجولُ كعيرِ العانةِ المتفلتِ
إذا فزعُوا طارتْ بأبيضَ صارِمٍ ... ورامتْ بها في جفرها ثمَّ سلتِ
تراها كأذنابِ الحسيلِ صوادِراً ... وقدْ نهلتْ من الدماءِ وعلتِ
شفينا بعبدِ اللهِ بعضَ غليلِنا ... وعوفٍ لدى المعدَى أوانَ أدَلَّتِ
جزينا سلامانَ بنَ مفرجَ قرضَها ... بما قدَّمَتْ أيديهمُ وأزلَّتِ
ألا لا تزرنِي إنْ تشكيتُ خلتِي ... شفانِي بأعلَى ذي الحميرةِ عدوتِي
وهنئَ بي قومِي وما إنْ هنأتُهُمْ ... وأصبحتُ في قومٍ وليسُوا بمنبتي
стр. 289
وإني لحلوٌ إنْ أريدَتْ حلاوتي ... ومرٌّ إذا نفسُ العزوفِ أمرَّتِ
أبيٌّ لما آبَى سريعٌ مباءَتِي ... إلى كلٍّ نفسٍ تنتحِي في مسرتِي
إذا ما أتتنِي ميتتِي لمْ أبالِها ... ولمْ تذرِ خالاتِي الدموعَ وعمتِي
وقال الشنفري، وهي من اختيار أبي تمام الطائي، يرثي خالهُ تأبط شراً: المديد
إنَّ بالعشبِ الذي دونَ سلعٍ ... لقتيلاً دمهُ ما يُطَلُّ
خلفَ العبءَ عليَّ وولَّى ... أنا بالعبءِ لهُ مستقلُّ
ووراءَ الثارِ منِّي ابنُ أختٍ ... مصعٌ عقدتْهُ ما تحلُّ
مطرقٌ يرشحُ سماً كما أطْ ... قَ أفعَى ينفثُ السمَّ صلُّ
خبرٌ ما نابنا مصمئلٌّ ... جلَّ حتى دقَّ فيهِ الأجلُّ
بزنِي الدهرُ وكانَ غشوماً ... بأبيٍّ جارُهُ ما يذَلُّ
شامِسٌ في القُرِّ حتى إذا ما ... ذكتِ الشعرَى فبردٌ وظلُّ
يابسُ الجنبينِ من غيرِ يؤسٍ ... ونديُّ الكفينِ شهمٌ مدلُّ
مسهلٌ في الحيِّ أحوَى رفلٌّ ... وإذا يغزُو فسمعٌ أزَلُّ
ولهُ طعمانِ أرْيٌ وشريٌ ... وكلا الطعمينِ قدْ ذاقَ كلُّ
يركَب الهولَ وحيداً ولا يص ... حبُهُ إلاَّ اليمانِي الأفلُّ
وفتوٍّ هجروا ثمَّ أسرَوا ... ليلهُمْ حتى إذا انْجابَ حلُّوا
كلَّ ماضٍ قدْ تردَّى بماضٍ ... كسنا البرقِ إذا ما يسلُّ
فاحتسَوا أنفاسَ نومٍ فلمّا ... ثملُوا رعتهُمُ فاشمعلُّوا
فلئنْ فلَّتْ هذيلٌ شباهُ ... لبما كانَ قديماً يفلُّ
وبما يبرِكُهُمْ في مناخٍ ... جعجعٍ ينقبُ فيهِ الأظلُّ
صليتْ منِّي هذيلٌ بخرقٍ ... لا يملُّ الشرَّ حتى يملُّوا
يوردُ الصعدةَ حتى إذا ما ... أنهلتْ كانَ لها منهُ علُّ
تضحكُ الضبعُ لتقلَى هذيلٍ ... وترى الذئبَ لها يستهِلُّ
وعتاقُ الطيرِ تهفو بطاناً ... تتخطاهمْ فما تستقِلُّ
حلتِ الخمرُ وكانتْ حراماً ... وبلأْيٍ ما ألَمَّتْ تحلُّ
فاسقنيها يا سوادَ بنَ عمرٍو ... إنَّ جسمِي بعدَ خالِي لخلُّ
تأبط شراً
وقال تأبط شراً، واسمه ثابت بن جابر بن سفيان بن عدي بن كعب بن حرب ابن تيم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس عيلان بن مضر بن نزار، وهي مفضلية: البسيط
يا عيدُ مالكَ من شوقٍ وإيراقِ ... وكرِّ طيفٍ على الأهوال طراقِ
يسرِي على الأيْنِ والحياتِ محتفياً ... نفسي فداؤكَ منْ سارٍ على ساقِ
إني إذا خلةٌ ضنتْ بنائِلها ... وأمسكتْ بضعيفِ الحبلِ أحذاقِ
نجوتُ منها نجائِي منْ بجيلةَ إذْ ... ألقيتُ ليلةَ خبتِ الرهطِ أرواقي
ليلةَ صاحُوا وأغروا بي سراعهُمُ ... بالعيكتينِ لدَى معدَى ابن براقِ
كأنَّما حتحثُوا حصاً قوادِمُهُ ... أوْ أمَّ خشفٍ بذِي شثٍّ وطباقِ
لا شيءَ أسرَعُ مني ليْسَ ذا عذَرٍ ... أوْ ذا جناحٍ بجنبِ الرَّيْدِ خفاقِ
حتَّى نجوتُ ولمّا ينزعُوا سلَبِي ... بوالِهٍ منْ قبيضِ الشدِّ غيداقِ
ولا أقولُ إذا ما خلَةٌ صرَمَتْ ... يا ويحَ نفسِيَ من شوقٍ وإشفاقِ
لكنما عولِي إنْ كنتُ ذا عولٍ ... على بصيرٍ بكسبِ الحمدِ سباقِ
سباقِ غاياتِ مجدٍ في عشيرتهِ ... مرجعِ القولِ هداً بينَ أرفاقِ
عارِي الظنابيبِ ممتدٍّ نواشرُهُ ... مدلاجِ أدْهَمَ واهِي الماءِ غساقِ
حمّالِ ألْوِيَةٍ شهادِ أنديَةٍ ... قوالِ محكمَةٍ جوابِ آفاقِ
فذاكَ همِّي وغزْوِ أستغيثُ بهِ ... إذا استغثتُ بضافِي الرأْسِ نغاقِ
كالحقفِ دملَكَهُ النامونَ قلتَ لهُ ... ذو ثلتينِ وذو بهمٍ وأرباقِ
وقلةٍ كسنانِ الرمحِ بارزةٍ ... ضحيانةٍ في شهورِ الصيفِ محراقِ
بادرتُ قنتها صحبي وما كسلُوا ... حتى نميتُ إليها بعد إشراقِ
لا شيءَ في ريْدِها إلاَّ نعامتُها ... منْها هزيمٌ ومنها قائِمٌ باقِ
بشرثَةٍ خلقٍ يوقَى البنانُ بِها ... شدَدْتُ فيها سريحاً بعدَ إطراقِ
يا مَنْ لعذالَةٍ خذالَةٍ أشِبٍ ... حرقَ باللومِ جلدِي أيَّ تحراقِ
стр. 290
يقولُ أهلكتَ مالاً لوْ قنعتَ بهِ ... من ثوبِ صدقٍ ومنْ بزٍّ وأعلاقِ
أعاذِلِي إنَّ بعضَ اللوْمِ معنفَةٌ ... وهلْ متاعٌ وإنْ أبقيتُهُ باقِي
إنِّي زعيمٌ لئن لمْ تتركِي عذلِي ... أنْ يسألَ الحيُّ عنِّي أهلَ آفاقِ
أنْ يسألَ الحيُّ عنِّي أهلَ معزَبةٍ ... فلا يخبرُهُمْ عنْ ثابتٍ لاقِي
سدِّدْ خلالكَ من مالٍ تجمعُهُ ... حتى تلاقِيَ ما كلُّ امرئٍ لاقِي
لتقرَعِنَّ عليَّ السنِّ منْ ندمٍ ... إذا تذكرْتِ يوماً بعضَ أخلاقِي
الأحوص
وقال الأحوص بن محمد بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري، يمدح يزيد عبد الملك:
ألا لا تلمْهُ اليومَ أن يتبَلَّدا ... فقدْ مُنعَ المحزونُ أنْ يتَجلَّدا
نظرْتُ رجاءً بالمُوقَّرِ أنْ أرى ... أكاريسَ يحتلونَ خاخاً ومُنْشَدا
وأوفَيتُ من نَشْزٍ من الأرضِ يافعٍ ... وقدْ يَشعَفُ الإيفاءُ من كانَ مُقصدا
فحالَتْ لطَرفِ العينِ من دونِ أرضِها ... وما أتْلي بالطَّرفِ حتى تردَّدا
سُهوبٌ وأعلامٌ كأنَّ سرابَها ... إذا استنَّ يُغْشيها المُلاءُ المُعَضّدا
وقلتُ ألا يا ليتَ أسماءَ أصقبَتْ ... وهلْ قولُ ليتٍ جامعٌ ما تبدّدا
وإنّي لأهواها وأهوى لُقِيَّها ... كما يشتهي الصادي الشرابَ المبرَّدا
علاقةٌ حُبٍّ لَجَّ في سَنَنِ الصِّبا ... فبَلَّى وما يزدادُ إلاّ تجدُّدا
وكيفَ وقدْ لاحَ المشيبُ وقطّعَتْ ... مُدى الدهرِ حبلاً كانَ للوصلِ مُحْصِدا
لكلِّ مُحبٍّ عندَها من شفائِهِ ... مَشارعُ تحميها الظَّمانَ المصرَّدا
أتحسِبُ أسماءُ الفؤادَ كعهدِهِ ... وأيامِهِ أمْ تحسِبُ الرأسَ أسودا
لياليَ لا نلقى وللعيشِ لذّةٌ ... منَ الدهرِ إلاّ صائداً أو مُصَيَّدا
وعهدي بها صفراءَ رُوداً كأنّما ... نضا عرَقٌ منها على اللونِ مُجْسَدا
مُهَفْهَفةُ الأعلى وأسفلُ خَلْقِها ... جرى لحمُهُ ما دونَ أن يَتخدَّدا
منَ المُدْمِجاتِ الحُورِ خَودٌ كأنّها ... عِنانُ صَناعٍ أنعمَتْ أنْ تُجوَّدا
كأنَّ ذكيَّ المسكِ تحتَ ثيابِها ... وريحَ الخُزامى ظَلَّةً تنضحُ الندى
كأنَّ خَذولاً في الكِناسِ أعارَها ... غداةَ تبدَّتْ عُنْقَها والمُقلَّدا
بكيْتُ الصِّبا جَهدي فمنْ شاءَ لامَني ... ومنْ شاءَ آسى في البكاءِ وأسعدا
فإنّي وإنْ أجريْتُ في طلبِ الصِّبا ... لأعلمُ أنّي في الصِّبا لستُ أوْحَدا
إذا كنتَ عِزهاةً عنِ اللهوِ والصِّبا ... فكُنْ حجراً من يابسِ الصخرِ جلْمدا
هلِ العيشُ إلاّ ما تلَذُّ وتشتهي ... وإن لامَ فيهِ ذو الشَّنانِ وفَنَّدا
لعَمري لقدْ لاقَيْتُ يومَ مُوقَّرٍ ... أبا خالدٍ في الحيِّ نجمَكَ أسعُدا
وأعطيْتَني يومَ التقَيْنا عطيَّةً ... منَ المالِ أمستْ يسَّرتْ ما تشدَّدا
وأوقدْتَ ناري باليَفاعِ فلمْ تدَعْ ... لنيرانِ أعدائي بنُعماكَ مُوقَدا
وأصبحَتِ النُّعمى التي نِلتَني بها ... وقدْ رجعَتْ أهلَ الشماتةِ حُسَّدا
ولمْ أكُ للإحسانِ لما اصْطَفَيْتَني ... كَفُوراً ولا لاعاً منَ المصرِ قُعْدُدا
فلمّا فرَجْتَ الهمَّ عني وكُربَتي ... حَبَوْتُكَ منّي طائعاً مُتعمِّدا
ثناءَ امرئٍ أثْنى بما قدْ أنلْتَهُ ... وشُكرَ امرئٍ أمسى يرى الشُّكرَ أرْشدا
فأُقسمُ لا أنفكُّ ما عشتُ شاكراً ... لنُعماكَ ما طافَ الحمامُ وغرَّدا
وقد قلتُ لمّا سِيلَ عمّا أنلْتَني ... ليزدادَ رَغماً من يحبُّ ليَ الرَّدا
عطاءَ يزيدٍ كلَّ شيءٍ أحوزُهُ ... منَ ابْيضَ منْ مالٍ يُعَدُّ وأسودا
وما كان مالي طارِفاً عن تجارةٍ ... وما كان ميراثاً منَ المالِ مُتْلَدا
ولكنْ عطاءً من إمامٍ مبارَكٍ ... ملا الأرضَ معروفاً وعدلاً وسُؤددا
شكَوتُ إليهِ ثِقْلَ غُرْمٍ لوَ انَّهُ ... وما أشتكي منهُ على الفيلِ بَلَّدا
فلمّا حمدْناهُ بما كانَ أهلَهُ ... وكانَ حقيقاً أنْ يُسَنَّى ويُحمَدا
стр. 291
فإنْ أشكُرِ النُّعمى التي سلفَتْ لهُ ... فأعظِمْ بها عندي إذا ذُكرتْ يدا
تَبلَّجَ لي واهتزَّ حتى كأنّما ... هزَزْتُ بهِ للمجدِ سيفاً مُهنَّدا
أخو فجَرٍ لم يدرِ ما البخلُ ساعةً ... ولا أنَّ ذا جودٍ على البذلِ أنْفَدا
أهانَ تِلادَ المالِ للحمدِ إنّهُ ... إمامُ هُدىً يجري على ما تعوَّدا
يُشرِّفُ مجداً من أبيهِ وجدِّهِ ... وقدْ أورَثا بُنيانَ مجدٍ مُشيَّدا
شريفُ قُريشٍ حينَ يُنسبُ والذي ... أقرَّتْ لهُ بالمُلكِ كهلاً وأمْردا
وليسَ عطاءٌ كانَ في اليومِ مانِعي ... إذا عدتُ من إعطاءِ أضعافِهِ غدا
أقيمُ بحمدٍ ما أقمتُ وإنْ أبِنْ ... إلى غيرِكمْ لم أحمدِ المُتَوَرَّدا
وكم لكَ عندي من عطاءٍ ونعمةٍ ... تسوءُ عدوّاً غائبينَ وشُهَّدا
تَسُورُ بهِ عندَ العطيّةِ شِيمةٌ ... هيَ الجُودُ منهُ غيرَ أنْ يَتجوَّدا
فلو كانَ بذلُ المالِ والعُرفُ مُخْلِداً ... منَ الناسِ إنساناً لكنتَ المُخلَّدا
وقال الأحوص:
ألا نَوِّلي قبلَ الفراقِ قَذُورُ ... فقدْ حانَ من صَحبي الغَداةَ بُكورُ
نَوالَ محبٍّ غيرَ قالٍ مُودّعٍ ... وداعَ الفراقِ والزمانُ خَتُورُ
إذا أدلجتْ منكمْ بنا العِيسُ أو غدَتْ ... فلا وصْلَ إلاّ ما يُجِنُّ ضميرُ
مودّة ذي وُدٍّ تعرَّضَ دونَهُ ... تَشائي نوىً لا تُستطاعُ طَحُورُ
فإنْ تَحُلِ الأشغالُ دونَ نَوالِكُمْ ... وينأى المَزارُ فالفؤادُ أسيرُ
ويركدُ ليلٌ لا يزالُ تَطاوُلاً ... فقدْ كانَ يجلو الليلُ وهو قصيرُ
ويُسعدُنا صَرفُ الزمانِ بوَصلِكمْ ... لياليَ مَبْداكُمْ قَذُورُ حصيرُ
ونَغنى ولا نتخشى الفراقَ ونلتقي ... وليسَ علينا في اللقاءِ أميرُ
كذلكَ صرفُ الدهرِ فيهِ تَغلُّظٌ ... مِراراً وفيهِ للمُحبِّ سرورُ
إذا سُرَّ يوماً بالوِصالِ فإنّهُ ... بأسخاطِهِ بعدَ السرورِ جديرُ
لعَمرُ أبيها ما جزَتْنا بوُدِّها ... ولا شكرتْهُ والكريمُ شَكورُ
وتنأى يكادُ القلبُ يُبدي تَشوُّقاً ... لوَ انَّ اشتِياقاً للمحبِّ يَضيرُ
وتدنو فتَنْوِيلي إذا الدارُ أصفَنَتْ ... قليلٌ وعذْلٌ بعدَ ذاكَ كثيرُ
فإنْ زرتَ ليلى بعدَ طُولِ تَجنُّبٍ ... تأبَّضَ منقوصُ اليدَيْنِ غَيُورُ
يرى حسرةً أن تَصْقِبَ الدارُ مرّةً ... ولو حالَ بابٌ دونَها وسُتورُ
هجرْتُ فقالَ الناسُ ما بالُ هجْرها ... وزرتُ فقالوا ما يزالُ يزورُ
أزورُ على أنْ ليسَ ينفكُّ كلّما ... أتيتُ عدوٌّ بالبنانِ يُشيرُ
وما كنتُ زَوّاراً ولكنَّ ذا الهوى ... إذا لم يزُرْ لا بدَّ أنْ سَيزورُ
وقد أنكروا بعدَ اعتِرافٍ زيارَتي ... وقدْ وغِرَتْ فيها عليَّ صدورُ
وشطَّتْ ديارٌ بعدَ قُربٍ بأهلِها ... وعادَتْ لهمْ بعدَ الأمورِ أمورُ
ولستُ بآتٍ أهلَها غيرَ زائرٍ ... ولا زائرٌ إلاّ عليَّ نصيرُ
وقد جهِدَ الواشونَ كَيما أطيعُهمْ ... بهِجْرَتِها إنّي إذنْ لصبورُ
وقد علموا واستيْقَنوا أنَّ سُخطَهمْ ... عليَّ جميعاً في رِضاكِ يسيرُ
وقد علمَتْ أنْ لنْ أطيعَ بصُرمِها ... مَقالةَ واشٍ ما أقامَ ثَبيرُ
وأنْ ليسَ للوُدِّ الذي كانَ بيننا ... ولو سخطَتْ أخرى المَنونِ ظهورُ
لعَمرُ أبيها إنَّ كِتمانَ سِرِّها ... لها في الذي عندي لها لَيَسيرُ
وما زلتُ في الكُتمانِ أكْني بغيرِها ... فيُنْجِدُ ظنُّ الناسِ بي ويَغُورُ
أُحدِّثُ أنّي قد سلوْتُ وكلّما ... تذكّرتُها كانَ الفؤادُ يطيرُ
يقولونَ أظهِرْ صُرْمَها واجتِنابَها ... ألا وصْلُها للواصلينَ طَهورُ
أبى اللهُ أن تلقى لوَصلِكَ غِرَّةٌ ... كما بعضُ وَصلِ الغانياتِ غرورُ
تُصيبُ الهدى في حُكمِها غيرَ أنّها ... إذا حكمَتْ حُكماً عليَّ تجورُ
وما زالَ منْ قلبي لسَوْدةَ ناصرٌ ... يكونُ على نفسي لها ووزيرُ
فما مُزنةٌ بحرِيّةٌ لاحَ برقُها ... تَهلَّلَ في غُمٍّ لهُنَّ صَبِيرُ
стр. 292
ولا الشمسُ في يومِ الدُّجُنَّةِ أشرقَتْ ... ولا البدرُ بالميساقِ حينَ يُنيرُ
ولا شادنٌ ترنو بهِ أمُّ شادنٍ ... بجوٍّ أنيقِ النَّبتِ وهو خَضيرُ
بأحسنَ من سُعْدى غداةَ بدَتْ لنا ... بوجهٍ عليهِ نضرةٌ وسرورُ
لَعمرُكَ إنّي حينَ أكْني بغيرِها ... وأتركُ إعلاناً بها لًصَبورُ
أغارُ عليها أن تُقبِّلَ بعلَها ... لَعمرُ أبيها إنّني لغَيُورُ
أقولُ لِعَمرٍ وهو يَلْحى على الصِّبا ... ونحنُ بأعلى السَّيِّرَيْنِ نسيرُ
عشيّةَ لا حِلمٌ يَرُدُّ عن الصِّبا ... ولا صاحبي فيما لقِيتُ عَذُورُ
لقد منعَتْ معروفَها أمُّ جعفرٍ ... وإنّي إلى معروفِها لفقيرُ
وقد جعلَتْ مما لقيتُ من الذي ... وجدْتُ بيَ الأرضُ الفضاءُ تمورُ
أطاعَتْ بنا من قدْ قطعتُ منَ اجْلِها ... ثلاثاً تِباعاً إنّها لكفورُ
فلا تَلحَيَنْ بعدي مُحبّاً ولا تُعِنْ ... على لَومِهِ إنَّ المحبَّ ضَريرُ
أزورُ بيوتاً لاصِقاتٍ ببيتِها ... ونفسيَ في البيتِ الذي لا أزورُ
أدورُ ولولا أن أرى أمَّ جعفرٍ ... بأبياتِكمْ ما درتُ حيثُ أدورُ
وقال الأحوص يمدح عمر بن عبد العزيز:
يا بيتَ عاتِكةَ الذي أتعَزَّلُ ... حذَرَ العِدى وبهِ الفؤادُ مُوَكَّلُ
هل عيشُنا بكِ في زمانِكِ راجعٌ ... فلقدْ تفحَّشَ بعدَكِ المُتعَلِّلُ
أصبحْتُ أمنحْكِ الصدودَ وإنّني ... قسَماً إليكِ معَ الصدودِ لأمْيَلُ
فصددْتُ عنكِ وما صددْتُ لبِغضةٍ ... أخشى مَقالةَ كاشِحٍ لا يغفلُ
يأتي إذا قلتُ استقامَ يَحُطُّهُ ... خلفلإ كما نظرَ الخِلافَ الأقبلُ
ولوَ انَّ ما عالجْتُ لِينَ فؤادِهِ ... فقسا اسْتُلِينَ بهِ للنَ الجَندلُ
ولئنْ صددْتِ لأنتِ لولا رِقْبَتي ... أشهى من اللائي أزورُ وأدخلُ
وتَجنُّبي بيتَ الحبيبِ أحبُّهُ ... أُرضي البغيضَ بهِ حديثٌ مُعْضِلُ
إنَّ الشبابَ وعيشَنا اللذَّ الذي ... كنّا به زمَناً نُسَرُّ ونُجْذَلُ
ولَّتْ بَشاشَتُهُ وأصبحَ ذِكرُهُ ... شَجَناً يُعَلُّ بهِ الفؤادُ ويُنهَلُ
إلاّ تذكُّرُ ما مضى وصَبابةٌ ... مُنِيَتْ لقلبِ مُتيَّمٍ لا يذهَلُ
أوْدى الشبابُ وأخلقَتْ لذّاتُهُ ... وأنا الحريصُ على الشبابِ المُعولُ
تبكي لِما قلَبَ الزمانُ جديدَهُ ... خلَقاً وليسَ على الزمانِ مُعوَّلُ
والرأسُ شامِلُهُ البياضُ كأنّهُ ... بعدَ السوادِ بهِ الثَّغامُ المُحْوِلُ
وشفيقةٍ هبَّتْ عليَّ بسُحرةٍ ... جهلاً تلومُ على الثَّواءِ وتَعذُلُ
فأجبتُها إنْ قلتُ لستِ مُطاعةً ... فذَري تَنصُّحَكِ الذي لا يُقبلُ
إنّي كفاني أنْ أعالجَ رِحلةً ... عُمَرٌ ونبوةُ من يَضُنُّ ويبخلُ
بنَوالِ ذي فجَرٍ يكونُ سِجالُهُ ... عِصَماً إذا نزلَ الزمانُ المُمْحِلُ
ماضٍ على حدَثِ الأمورِ كأنّهُ ... ذو رَونقٍ عضْبٌ جلاهُ الصَّيقلُ
يُغضي الرجالُ إذا بدا إعظامُهُ ... فِعلَ الخَشخاشِ بدا لهنَّ الأجدلُ
ويروْنَ أنّ لهُ عليهمْ سَورةً ... وفضيلةً سبقَتْ له لا تُجهلُ
مُتحمِّلٌ ثِقْلَ الأمورِ حَوى لهُ ... شرفَ المكارمِ سابقٌ مُتمهِّلُ
ولهُ إذا نُسبَتْ قريشٌ فيهمِ ... مجدُ الأرومةِ والفَعالُ الأفضلُ
ولهُ بمكّةَ إذْ أميّةُ أهلُها ... إرثٌ إذا ذكرَ القديمُ مُؤثَّلُ
أغنَتْ قرابَتْهُ وكانَ لُزومُهُ ... أمراً أبانَ رَشادَهُ من يعقِلُ
ولقدْ بدأتُ أريدُ وُدَّ مَعاشرٍ ... وعَدوا مواعدَ أخلفَتْ إذْ حُصِّلوا
حتى إذا رجعَ اليقينُ مَطامعي ... يأساً وأخلَفَني الذين أؤمِّلُ
زايلْتُ ما صنعوا إليكَ بنَقلِهِ ... عجلٌ وعندَكَ عنهُمُ مُتحوَّلُ
ووعدْتَني في حاجَتي وصدقْتَني ... ووفَيْتَ إذْ كذبوا الحديثَ وبدَّلوا
وشكَوتُ غُرْماً فادحاً فحملْتَهُ ... عنّي وأنتَ لمثلِهِ مُتحمِّلُ
فأعِدْ فِدىً لكَ ما أحوزُ بنعمةٍ ... أخرى تَرُبُّ بها نَداكَ الأولُ
стр. 293
فلأشكُرَنَّكَ حُسنَ ما أولَيْتَني ... شُكراً تُحَلُّ بهِ المَطيُّ وتُرحَلُ
مِدَحاً يكونُ لكمْ غرائبُ شِعرِها ... مبذولةً ولغيرِكمْ لا تُبذَلُ
وإذا تَنخَّلتُ القَريضَ فإنّهُ ... لكمُ يكونُ خِيارُ ما أتنخَّلُ
أُثني عليكمْ ما بقيتُ فإنْ أمُتْ ... تَخلُدْ غرائبُها لكمْ تُتَمَثَّلُ
فلَعمرُ منْ حجَّ الحجيجُ لوجهِهِ ... تَهوي بهمْ خُوصٌ طلائحُ ذُبَّلُ
إنَّ امرءاً قد نالَ منكَ قَرابةً ... يرجو منافعَ غيرِها لمُضلَّلُ
تعفو إذا جهِلوا بحِلمِكَ جهلهمْ ... وتُنيلُ إنْ طلبوا النَّوالَ فتُجزِلُ
وتكونُ مَعقِلَهُمْ إذا لم يُنجِهمْ ... من شرِّ ما يخشَوْنَ إلاّ مَعقِلُ
حتى كأنّكَ يُتَّقى بكَ دونَهمْ ... منْ أُسْدِ بِيشَة خادرٌ مُتَبسِّلُ
وأراكَ تفعلُ ما تقولُ وبعضُهمْ ... مَذِقُ الحديثِ يقولُ ما لا يفعلُ
وأرى المدينةَ حينَ كنتَ أميرَها ... أَمِنَ البريءُ بها ونامَ الأعزلُ
وقال الأحوص:
ما ضرَّ جيرانَنا إذا انتجَعوا ... لو أنّهمْ قبلَ بينِهمْ ربَعُوا
إنَّ لُبَيْنى قدْ ضَرَّ أقْرَبُها ... ولو أرادوا أنْ ينفعوا نفعوا
هم باعَدوا بالذي كَلِفْتُ بهِ ... أليسَ باللهِ بئسَ ما صنعوا
أحْمَوا على عاشقٍ زيارَتَهُ ... فهْوَ بهِجرانِ بيتِهمْ فَظِعُ
بانوا فقدْ فجَّعوا ببَينِهمِ ... ولم يبالوا أحزانَ من فجَعوا
وهْوَ كأنَّ الهُيامَ خالطَهُ ... وشابَهُ غيرُ حبِّها وجَعُ
تصُدُّ عنها من غيرِ هيبتِهمْ ... مخافةً أنَّ يمسَّها طمعُ
لمَنعِهمْ أُكْلِفَ الفؤادُ بها ... وليسَ يهوى إلاّ التي منعوا
كأنَّ من لامَني لأصرِمَها ... كانوا لِلُبْنى ببَينِهمْ شفعوا
أعطي لُبَيْنى منّي وإنْ نزحَتْ ... صفْواً من الوُدِّ خالقٌ صنَعُ
فاللهُ بيني وبينَ قيّمِها ... يفِرُّ منّي بها وأتَّبِعُ
كأنَّ لُبْنى صَبيرُ غاديةٍ ... أو دميةٌ زُيِّنَتْ بها البِيَعُ
أو ظبيةٌ مُطْفِلٌ أطاعَ لها ... بقْلٌ بجوٍّ ومَشْرَعٌ كرَعُ
لم ترْعَ يوماً جدباً بمَسرحِها ... ولم يرُعْها في مَرتَعٍ فزَعُ
أرْخُ لَعوبٌ كأنَّ مَضحكَها ... برقٌ تلألأَ في المزنِ يلتَمِعُ
تَعقِصُ وحْفاً كأنَّ مُرسَلَهُ ... أساوِدٌ شَبَّ لونَها جرَعُ
على نقيِّ اللِّيتَيْنِ مُعتدلٍ ... لا وَقَصٌ هابَهُ ولا هَنَعُ
من نسوةٍ خُرَّدٍ مُشابِهُها ... منَ الظباءِ العيونُ والتِّلَعُ
أوانِسٌ أمْرُهُنَّ ما أشِرَتْ ... هُنَّ للُبْنى في أمرِها تَبَعُ
يضعْنَ لهوَ الصِّبا مواضعَهُ ... فلا جفاءٌ يُرى ولا خَرَعُ
إذا مشتْ قاربَتْ على مهَلٍ ... مشياً مَكِيثاً واللونُ مُنتقِعُ
تَدافُعُ السيلِ مالَ في جرَعٍ ... ينعرجُ الطَّورَ ثمّ يندفِعُ
بل ليتَ شِعري عمّنْ كلِفْتَ بهِ ... منْ خَثعَمٍ إذْ نآوكَ ما صنعوا
إذْ شطّتِ الدارُ عن ديارِهمِ ... أأمسكوا بالوِصالِ أمْ قطعوا
بل همْ على خيرِ ما عهدتْ وما ... ذاكَ إلاّ التأميلُ والطمعُ
قدْ يحفظُ الوُدَّ والصفاءَ إذا ... كانَ كريماً والشِّعْبُ مُنصدِعُ
كأنّهمْ إذْ غدَتْ بأجمَعِهمْ ... في الفجرِ بُزْلُ الجِمالِ تَهتَرِعُ
دلُّوا على بَكْرَةٍ أضرَّ بها ... نُزّاعُها أو أفاضَها نزَعُ
قد شَفَّ قلبي وهاجَ فُرقَتُهمْ ... شوقاً فنفسي لها جس تقعُ
هلْ لي منَ الشوقِ إذْ كَلِفْتُ بها ... شافٍ فإنّي بحُبِّها طَمِعُ
قدْ ضمّنَتْ حُبَّها أخا كُرَبٍ ... قد شفَّهُ الشوقُ فهْوَ مُوتَزَعُ
لا بدَّ من نظرةٍ أُسَرُّ بها ... منكِ لُبَيْنى والحبلُ مُنقطِعُ
قد هيَّجَ الشوقَ منزِلٌ لهمُ ... بالجوِّ أمسى وأهلُهُ بِدعُ
وزوَّدوني في النفسِ شَوقَهمُ ... فالعينُ منّي بالدمعِ تَندرِعُ
إنّي وأيدي الخِفافِ يُعملُها ... شُعثٌ إلى البيتِ قَلَّ ما هجعوا
стр. 294
ما إنْ أردْنا وِصالَ غيرِهمِ ... ولا قطعْناهمُ كما قطعوا
وقال الأحوص يمدح الوليد:
أمَنْزلَتَيْ مَيٍّ على القِدَمِ اسْلَما ... فقدْ هِجْتُما للشوقِ قَلباً مُتيَّما
وذكَّرْتُما عصرَ الشبابِ الذي مضى ... وجِدَّةَ حبلٍ وصلُهُ قد تَجذَّما
فإنّي إذا حلَّتْ ببِيشٍ مُقيمةً ... وحلَّ بوَجٍّ سالماً أو تتهَّما
عراقيّةٌ شطَّتْ وأصبحَ نفعُها ... رجاءً وظنّاً بالمَغيبِ مُرَجَّما
أُحبُّ دُنوَّ الدارِ منها وقدْ أبى ... بها صَدْعُ شَعْبِ الدارِ أنْ يتلاءَما
بكاها وما يدري سوى الظنِّ ما بكى ... أحَيَّاً يُرَجِّي أمْ تراباً وأعظُما
نأتْ وأتى خوفُ الطَّواعِينِ دونَها ... وقدْ أنعمَتْ أخيارُها أنْ تَصرَّما
وُعدتُ بها شهرَيْنِ ثُمَّتَ لم يزلْ ... بكَ الشوقُ حتى غِبتَ حَولاً مُحرَّما
أفالآنَ لما جلَّ ذو الأثْلِ دونَها ... ندمْتَ ولم تندمْ هنالكَ مَندَما
سلمْتَ بذِكراها وما حُكمُ ذِكرِها ... بفارعةِ الظُّهرانِ إلاّ لتَسْقَما
فدعْها وأحدِثْ للخليفةِ مِدحةً ... تُزِلْ عنكَ بؤسى أو تُفِدْ لكَ مَغنَما
فإنَّ بكفَّيهِ مفاتيحَ رحمةٍ ... وغيثَ حَياً يحيى بهِ الناسُ مُرْهِما
إمامٌ أتاهُ المُلكُ عَفواً ولم يُصِبْ ... على مُلكِهِ مالاً حراماً ولا دما
تَخيَّرهُ ربُّ العبادِ لخَلْقِهِ ... وَلِيّاً وكانَ اللهُ بالناسِ أعلما
فلما ارتضاهُ اللهُ لمْ يدَعْ مُسلماً ... لبَيعتِهِ إلاّ أجابَ وسَلَّما
ينالُ الغِنى والعزَّ من نالَ وُدَّهُ ... ويرهَبُ موتاً عاجلاً إنْ تَنقَّما
ألمْ ترَهُ أعطى الحَجيجَ كأنّما ... أنالَ بما أعطى منَ المالِ دِرهما
تفقَّدَ أهلَ الأخشبَيْنِ فكلَّهمْ ... أنالَ وأعطى سَيْبَهُ المُتَقَسَّما
فراحوا بما أسدى إلى كلِّ بلدةٍ ... بحمدٍ يهُزُّونَ المَطِيَّ المُخَزَّما
كشمسِ نهارٍ أبَتْ للناسِ إنْ بدَتْ ... أضاءَتْ وإنْ غابَتْ محَتْهُ فأظلما
ترى الراغبينَ المُرْتَجينَ نَوالَهُ ... يُحيُّونَ بَسّامَ العشِيّاتِ خِضْرِما
كأنّهمُ يستمطِرونَ بنَفعِهِ ... ربيعاً مرَتْهُ المُعصِراتُ فأثْجَما
تَلِيدُ الندى أرْسى بمكّةَ مجدُهُ ... على عهدِ ذي القَرنَيْنِ أو كانَ أقدما
همُ بيَّنوا منها مَناسكَ أهلِها ... وهمْ حجَروا الحِجرَ الحرامَ وزَمزما
وهمْ منعوا بالمرجِ منْ بطنِ راهِطٍ ... ببِيضِ الصَّفيحِ حَوضَهمْ أنْ يُهَدَّما
عليهمْ منَ الماذيِّ جدْلٌ تَخالُها ... تَرِيكَ سيولٍ في نِهاءٍ مُصَرَّما
فمن يكتُمُ الحقَّ المبينَ فإنّني ... أبَيتُ بما أُعطَيتُ ألاّ تَكلُّما
وإنّي لأرجو منْ نَداكَ رَغيبةً ... أفيدُ غِنىً منها وأفرُجُ مَغرما
مُشابهُ صدقٍ من أبيكَ وشِيمةٌ ... أبَتْ لكَ بالمعروفِ إلاّ تقدُّما
فإنّكَ من أعزَزْتَ عَزَّ ومن تُرِدْ ... هَضِيمَتَهُ لم يُحْمَ أنْ يتهضَّما
قضَيتَ قضاءً في الخلافةِ لم تدَعْ ... لذي نخوةٍ يرجو الخلافةَ مَرغَما
رضِيتُ لهمْ ما قد رضُوا لنفوسِهمْ ... وأفْلَجْتَ من قد كان بالحقِّ أعصما
وقدْ رامَ أقوامٌ رَداكَ فعالجوا ... على رَغمِهمْ أمراً من اللهِ مُحكَما
قضى فعصَوه رغبةً عن قضائِهِ ... فلم يجدوا عمّا أرادوكَ مَرغَما
أبى لهمُ أنْ يخلُصوا من هَوانِهِ ... وأنْ ينزِعوا إكرامَ من كانَ أكرما
ولم يتركوا ذا لُبْسةٍ رأيُهُ عَماً ... ولم يتركوا ذا الدَّرْءِ حتى تَقوَّما
بأسيافِها بعدَ العَما نصروا الهدى ... يقينَ البيانِ لا الحديثِ المُرجَّما
وقال الأحوص وهو بالشام، وأقام بعمّان، وهي مدينة البلقاء فارق ليلةً، وقال ويمدح فيها:
أقولُ بعمّانٍ وهلْ طَربي بهِ ... إلى أهلِ سَلْعٍ إنْ تشوَّقْتُ نافعُ
أصاحِ ألمْ تحزُنْكَ ريحٌ مريضةٌ ... وبرقٌ تَلالا بالعَقيقتَيْنِ رافعُ
فإنَّ غريبَ الدارِ مما يشوقُهُ ... نسيمُ الرياحِ والبروقُ اللوامعُ
стр. 295
نظرْتُ على فَوتٍ وأوفى عشيّةً ... بنا منظرٌ من حِصنِ عمّانَ يافعُ
لأُبصِرَ أحياءً بِخاخٍ تضمَّنتْ ... منازلَهمْ منها التلاعُ الدَّوافعُ
ومن دونِ ما أسمو بطرْفي لأرضِهمْ ... مَعانٌ ومُغبَرٌّ من البيدِ واسعُ
فأبدَتْ كثيراً نظرَتي من صَبابَتي ... وأكثرُ منهُ ما تُجِنُّ الأضالعُ
وللعينِ أسرابٌ تفيضُ كأنّما ... تُعَلُّ بكُحلِ الصابِ منها المدامعُ
لَعمرُ ابنةِ الزيْدِيِّ إنَّ ادِّكارَها ... على كلِّ حالٍ للفؤادِ لرائعُ
وإنّي إليها حيثُ طارَتْ بها النَّوى ... منَ الغَورِ أو جَلْسِ البلادِ لنازعُ
وقدْ ثبتَتْ في القلبِ منكِ مودّةٌ ... كما ثبتَتْ في الراحتَيْنِ الأصابعُ
أهُمُّ لأنسى ذِكرَها فيشُوقُني ... رفاقٌ إلى أهلِ الحجازِ نَوازِعُ
فيا ليتَ أنّا قد تعسَّفتِ المَلا ... بنا قُلُصٌ يَلْحَبْنَ والفجرُ ساطعُ
مَوارِقُ منْ أعتاقِ ليلٍ كأنّها ... قَطاً قارِبٌ ماءَ النُّمَيرةِ ساطعُ
رَوايا تأنِّيها على كلِّ مَنهلٍ ... قليلٌ إذا ما أمكنَتْها المشارعُ
طَوَيْنَ أدواى أحْكَمَ اللهُ صُنعَها ... إذا لم تعالِجْ خَرْزَهُنَّ الصَّوانعُ
بفتوى نحورٍ ما يكَلِّفْنَ مُمسِكاً ... حناجرَها لمّا استقَيْنَ المَقامعُ
بُغِثْنَ بها زغباً برأسِ مفازةٍ ... تَضمنَّها منها رُباً وأجارِعُ
مُلبَّدةٌ غُبْراً جُثوماً كأنّها ... أفانِيُّ لولا رُوسُها والأكارِعُ
تَبوَّأْنَ بَيضاً في أفاحيصِ قَفرةٍ ... فهُنَّ بفَيْفاءِ الفلاةِ ودائعُ
وإنّا عَدانا عن بلادٍ نُحبُّها ... إمامٌ طَبانا خَيرُهُ المُتتابعُ
أغَرُّ لمروانٍ وليلى كأنّهُ ... حسامٌ جلَتْ عنهُ الصَّياقلُ قاطعُ
هوَ الفرعُ من عَبدَيْ منافٍ كأنّهُ ... إليهِ انتهَتْ أحسابُهمْ والدَّسائعُ
إذا ما بدا للناظرينَ كأنّهُ ... هلالٌ بدا في ظلمةِ الليلِ طالعُ
فكلُّ غنيٍّ قانعٌ بنَوالِهِ ... وكلُّ عزيزٍ عندَهُ مُتواضعُ
هوَ الموتُ أحياناً يكونُ وإنّهُ ... لغيثُ حَياً يحيا بهِ الناسُ واسعُ
فما أحدٌ يبدو له من حجابِهِ ... فينظرُ إلاّ وهْوَ بالذلِّ خاشعُ
فنحنُ نُرجِّي نفعَهُ ونخافُهُ ... وكِلتاهُما منهُ برِفقٍ نُصانِعُ
لهُ دِسَعٌ فيها حياةٌ وسَورَةٌ ... تُميتُ وحِلمٌ يَفضُلُ الحِلمَ بارعُ
رمى أهلَ نَهرَي بابلٍ إذْ أضلَّهُمْ ... أزْلُّ عُمانيٌّ بهِ الوشمُ راضعُ
بتسعينَ ألفاً كلُّهمْ حينَ يُبتلى ... جميعُ السلاحِ باسلُ النفسِ دارِعُ
منَ الشامِ حتى صبحتهمْ جُموعُهُ ... بأرضِهمْ والمقْرباتُ النزائعُ
فلمّا رأوا أهلَ اليقينِ تخاذلوا ... ورامُوا النجاةَ والمنايا شوارعُ
على ساعةٍ لا عُذرَ فيها لظالمٍ ... ولا لهمُ من سطوةِ اللهِ مانعُ
فظلَّ لهمْ يومٌ بهمْ حلَّ شرُّهُ ... تزولُ لهم فيهِ النجومُ الطوالعُ
يَحُوسُهمُ أهلُ اليقينِ فكلُّهمْ ... يلوذُ حِذارَ الموتِ والموتُ كانعُ
وكم غادرَتْ أسيافُهمْ من مُنافقٍ ... يَمجُّ دماً أوداجُهُ والأخادعُ
قتيلٌ نرى ما لا ينالُ وفاتُهُ ... ولاقى ذميماً موتَهُ وهْوَ خالِعُ
عَوى فاستجابَتْ إذْ عوى لعُوائِهِ ... عبيدٌ لهمْ في كلِّ أمرٍ بدائعُ
وما زالَ ينوي الغَيَّ من نَوْكِ رأيِهِ ... بعمياءَ حتى احْتَرَّ منه المَسامعُ
وحتى استُبيحَ الجَمعُ منهمْ فأصبحوا ... كبعضِ الأُلى كانتْ تصيبُ القوارعُ
فأضحوا بنَهرَيْ بابلٍ ورؤوسُهمْ ... تُجيزُ بها البيدَ المطايا الخواضعُ
فريقانِ مقتولٌ صريعٌ بذَنْبِهِ ... شقيٌّ ومأسورٌ عليهِ الجوامعُ
لَعمري لقدْ ضلَّتْ ودارَتْ عليهمِ ... بما كرهوا تلكَ الأمورُ الفظائعُ
عصائبُ ولّتْكَ ابنَ دَحْمةَ أمرَها ... وذلكَ أمرٌ يا بنَ دَحمةَ ضائعُ
أفالآنَ لمّا بايَعوا لضلالةٍ ... دعَوْتَ فهَلاً قبلَ إذْ لم يُبايِعوا
стр. 296
ومنْ دونِ ما حاولتَ من نكْثِ عهدِهمْ ... وأمِّكَ موتٌ يا بنَ دَحمةَ ناقعُ
فذُقْ غِبَّ ما قد جئتَ إنّكَ ضَلَّةٌ ... إلى جُرمِ ما لاقَيْتَ عطشانَ جائعُ
كفرْتَ الذي أسدوا إليكَ وسدَّدوا ... من الحُسنِ والنُّعمى فخدُّكَ ضارِعُ
هلَ انتَ أميرَ المؤمنينَ فإنّني ... بودِّكَ من وُدِّ البريّةِ قانعُ
مُتمِّمُ أجرٍ قد مضى وصنيعةٍ ... لكمْ عندَنا إذْ لا تُعَدُّ الصنائعُ
وكم من عدوٍّ كاشِحٍ ذي كَشاحةٍ ... ومُستمِعٍ بالغيبِ ما أنتَ صانعُ
وقال الأحوص:
أفي كلِّ يومٍ حَبَّةُ القلبِ تُقرَعُ ... وعيني لبَينٍ من ذوي الوُدِّ تَدمَعُ
ألَلْجِدُّ إنّي مُبتلىً كلَّ ساعةٍ ... بهمٍّ لهُ لوعاتُ حزنٍ تَطلَّعُ
إذا ذهبَتْ عني غَواشٍ لعَبْرَةٍ ... أظلُّ لأُخرى بعدَها أتوقَّعُ
فلا النفسُ من تَهْمامِها مُستريحةٌ ... ولا بالذي يأتي من الدهرِ يَقنعُ
ولا أنا باللائي تَسنَّيْتُ مُرْزأ ... ولا بذوي خَلْصِ الصَّفا مُتمتِّعُ
وأولعَ بي صرفُ الزمانِ وعَطفُهُ ... لتَقطيعِ وصْلٍ خُلّةٌ حينَ تقطعُ
وهاجَ ليَ الشوقَ القديمَ حمامةٌ ... على الأيْكِ بينَ القريتَيْنِ تَفجَّعُ
مُطوَّقةٌ تدعو هديلاً وتحتَها ... لهُ فنَنٌ ذو نضرةٍ يتزعْزَعُ
وما شَجوُها كالشجوِ منّي ولا الذي ... إذا جزعَتْ مثلُ الذي منهُ أجزَعُ
فقلتُ لها لو كنتِ صادقةَ الهوى ... صنعْتِ كما أصبحْتُ للشوقِ أصنعُ
ولكنْ كتمْتُ الوجدَ إلاّ تَرنُّماً ... أطاعَ له منّي فؤادٌ مُروَّعُ
وما يستوي باكٍ لشَجوٍ وطائرٌ ... سوى أنّهُ يدعو بصوتٍ ويسجَعُ
فلا أنا فيما قد بدا منكِ فاعلَمي ... أصَبُّ بعيداً منكِ قلباً وأَوجَعُ
ولوْ أنَّ ما أُعنى بهِ كانَ في الذي ... أوَمِّلُ منْ معروفِهِ اليومَ مَطمَعُ
ولكنّني وُكِّلْتُ منْ كلِّ باخلٍ ... عليَّ بما أُعنى بهِ وأُمَنَّعُ
وفي البخلِ عارٌ فاضحٌ ونقيصةٌ ... على أهلهِ والجودُ أبقى وأوسعُ
أجِدَّكَ لا تنسى سُعادَ وذِكرها ... فيرقأُ دمعُ العينِ منكَ فتهجَعُ
طربْتَ فما تنفكُّ يحزُنُكَ الهوى ... مُودِّعُ بَينٍ راحلٍ ومُودَّعُ
أبى قلبُها إلاّ بِعاداً وقسوةً ... ومالَ إليها وُدُّ قلبِكَ أجمعُ
فلا هي بالمعروفِ منكَ سخيّةٌ ... فتُبرمُ حبلَ الوصْلِ أو تَتبرَّعُ
ولا هو إمّا عاتبٌ كانَ قابلاً ... من الهائمِ الصَّبِّ الذي يتضرَّعُ
أفِقْ أيُّها المرءُ الذي بهمومِهِ ... إلى الظاعنِ النائي المحَلَّةِ ينزِعُ
فما كلُّ ما أمَّلتَهُ أنتَ مُدركٌ ... ولا كلُّ ما حاذَرْتَهُ عنكَ يُدفَعُ
ولا كلُّ ذي حرصٍ يُزادُ بحرصِهِ ... ولا كلُّ راجٍ نفعَهُ المرءُ ينفعُ
وكم سائلٍ أمْنِيَّةً لوْ ينالُها ... لظَلَّ بسوءِ القولِ في القومِ يقنعُ
وذي صَممٍ عندَ العِتابِ وسَمعُهُ ... لِما شاءَ منْ أمرِ السفاهةِ يسمعُ
ومن ناطقٍ يُبدي التكلُّمُ عِيَّهُ ... وقدْ كانَ في الإنصافِ عنْ ذاكَ مَرْبَعُ
ومن ساكتٍ حِلماً على غيرِ ريبةٍ ... ولا سَوْأةٍ من خِزيَةٍ يَتقنَّعُ
وقال الأحوص يمدح عبد العزيز:
أقْوَتْ رُواوَةُ منْ أسماءَ فالسَّنَدُ ... فالسَّهْبُ فالقاعُ من عَيْرَيْنِ فالجُمُدُ
فعرشُ خاخٍ قَفارٍ غيرَ أنَّ بهِ ... ربْعاً أقامَ به نُؤْيٌ ومُنتضَدُ
وسُجَّدٌ كالحماماتِ الجُثومِ بهِ ... ومُلْبدٌ من رمادِ القِدرِ مُلْتَبِدُ
وقدْ أراها حديثاً وهْيَ آهلةٌ ... منها بواطنُ ذاكَ الجِزعِ فالعَقِدُ
إذ الهوى لم يُغيِّرْ شَعْبَ لِيَّتِهِ ... شَكْسُ الخليقةِ ذو قاذورةٍ وحَدُ
يظلُّ وجْداً وإنْ لم أنْوِ رؤيتَهُ ... كأنّهُ إذْ يراني زائراً كَمِدُ
فيا لها خُلّةٌ لو أنّها بهوىً ... منها تُثيبُكَ بالوجْدِ الذي تجِدُ
قامَتْ تُريكَ شَتيتَ النبْتِ ذا أشُرٍ ... كأنّهُ من سَواري صيِّفٍ برَدُ
стр. 297
أهدى أهِلَّتَهُ نَوءُ السَّماكِ لها ... حتى تناهَتْ بهِ الكثبانُ والجرَدُ
ومُقلتَيَّ مُطْفِلٍ فرْدٍ أطاعَ لها ... بَقْلٌ ومَرْدٌ صفاً مُكّاؤُهُ غَرِدُ
يَزينُ لَبَّتَها درٌّ تكنَّفَهُ ... نُظّامُهُ فأجادوا السَّرْدَ إذْ سرَدوا
درٌّ وشَذْرٌ وياقوتٌ يُفصِّلُهُ ... كأنّهُ إذْ بدا جمرُ الغضا يقِدُ
وقدْ عجبْتُ لِما قالتْ بذي سلَمٍ ... ودمعُها بسحيقِ الكُحلِ يطَّرِدُ
قالتْ أقِمْ لا تبْنِ منها فقلتُ لها ... إنّي وإنْ كنتُ ملْعوجاً بيَ الكمَدُ
لتاركٌ أرضَكمْ منْ غيرِ مَقْلِيَةٍ ... وزائرٌ أهلَ حُلُوانٍ وإنْ بَعُدوا
إنّي وجَدِّكِ يدعوني لأرضِهمِ ... قُربُ الأواصرِ والرفْدِ الذي رفدوا
كذاكَ لا يزْدَهيني عنْ بني كرمٍ ... ولو ضِنِيتُ بهنَّ البُدَّنُ الخُرُدُ
بلْ ليتَ شِعري وليتٌ غيرُ مَدْرِكَةً ... وكلُّ ما دونَهُ ليتٌ لهُ أمَدُ
هلْ تُبْلِغَنِّي بني مروانَ إنْ شحطَتْ ... عنّي ديارُهمُ عَيرانَةٌ أجُدُ
عِيديّةٌ علِقتْ حتى إذا عقدَتْ ... نَيّاً وتَمَّ عليها تامِكٌ قَرِدُ
قرَّبتُها لقُتودي وهْيَ عافيَةٌ ... كالبرجِ لمْ يعْرَها منْ رحلةٍ عمَدُ
يسعى الغلامُ بها تمشي مُشفّعةً ... مشيَ البغِيِّ رأتْ خُطّابَها شهِدوا
تُرْعَدُ وهْيَ تُصادِيهِ خَصائلُها ... كأنّها مَسَّها من قَرَّةٍ صَرَدُ
حتى شددْتُ عليها الرَّحلَ فانْجردَتْ ... مَرَّ الظَّليمِ شأتْهُ الأُبَّدُ الشُّرُدُ
وشواشةٌ سَوطُها النَّقرُ الخفيُّ بها ... ورَفعُها الأرضُ تَحْليلٌ إذا تَخِدُ
كأنَّ بَوّاً أمامَ الرَّكبِ تتْبعُهُ ... لها نقولُ هواها أينما عَمِدوا
تَنسلُّ بالأمْعزِ المَرهوبِ لاهيةً ... عنهُ إذا زجرَ الرُّكبانُ أو جلَدوا
كأنَّ أوْبَ يدَيْها بالفَلاةِ إذا ... لاحَتْ أماعِزُها والآلُ يطَّرِدُ
أوْبَ يدَيْ سابحٍ في الآلِ مجتهدٍ ... يهوى يُقَحِّمُهُ ذو لُجّةٍ زَبِدُ
قومٌ ولادَتُهمْ مجدٌ ينالُ بهِ ... من معشرٍ ذُكروا في مجدِ مَن ولَدُوا
الأكرمونَ طَوالَ الدهرِ إنْ نُسبوا ... والمُجتَدُونَ إذا لا يُجتدى أحدُ
والمانعونَ فلا يُسْطاعُ ما منعوا ... والمُنجزونَ لما قالوا إذا وعدوا
والقائلونَ بفصْلِ القولِ إنْ نطقوا ... عندَ العزائمِ والمُوفونَ إنْ عهدوا
مَن تُمسِ أفعالُهُ عاراً فإنّهمُ ... قومٌ إذا ذُكرَتْ أفعالُهمْ حُمدوا
قومٌ إذا انتسبوا ألفَيْتَ مجدَهمُ ... منْ أوّلِ الدهرِ حتى ينفدَ الأبدُ
إذا قُريشٌ تسامَتْ كانَ بيتُهمُ ... منها إليهِ يصيرُ المجدُ والعددُ
لا يبلغُ الناسَ ما فيهمْ إذا ذُكِروا ... مِلْ مجدِ إنْ جحفوا في المجدِ أو قَصَدوا
همُ خيرُ سكّانِ أهلِ الأرضِ تعلمُهُ ... لو كان يُخبرُ عن سُكّانِهِ البلدُ
يبقى التُّقى والغِنى في الناسِ ما عَمِروا ... ويُفقَدانِ جميعاً إنْ همُ فُقِدوا
وما مدحْتُ سِوى عبدَ العزيزِ وما ... عندي لحَيٍّ سوى عبدِ العزيزِ يَدُ
إذا اجتهدْتُ ليُحصي مجدَهمْ مِدَحي ... لم أعْشُرِ المجدَ منهمْ حينَ أجتهدُ
إنّي رأيتُ ابنَ ليلى وهو مُصطنَعٌ ... مُوفَّقاً أمرُهُ حيثُ انتوى رشَدُ
أقامَ بالناسِ لمّا إنْ نبا بهمِ ... دونَ الإقامةِ غَورُ الأرضِ والنجَدُ
والمُجتَدي مُوقِنٌ أنْ ليسَ مُخْلفَهُ ... سَيْبُ ابنِ ليلى الذي ينوي ويعتمِدُ
لو كانَ ينقُصُ ماءَ النيلِ نائلُهُ ... أمسى وقدْ حانَ منْ جَمّاتِهِ نفَدُ
يَبني على مجدِ آباءٍ لهُ سلَفوا ... يَنْمي لمنْ وَلَدوا المهدَ الذي مَهَدوا
يحمي ذمارَهمُ في كلِّ مُفْظِعَةٍ ... كما تعرَّضَ دونَ الخِيسةِ الأسدُ
صقرٌ إذا معشرٌ يوماً بدا لهمُ ... منَ الأنامِ وإنْ عَزُّوا وإنْ مَجدوا
رأيتَهمْ خُشَّعَ الأبصارِ هَيبَتَهُ ... كما استكانَ لضوءِ الشارقِ الرَّمَدُ
أوله وقال الأحوص:
стр. 298
ألْمِمْ على طَلَلٍ تَقادَمَ مُحْوِلٍ ... نَحَلُ الزمانُ وعهدُهُ لمْ يَنْحَلِ
وافق الفراغ منه تاسع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وستين وثمان مائة من الهجرة النبوية على يد فقير رحمة ربه الكريم علي بن محمد المنظراوي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين وسلامه.
أنيف بن حكيم
وقال أُنَيْف بن حكيم الطائي ثم النبهاني:
تذكّرتَ حُبَّى واعتراكَ خبالُها ... وهَيهاتَ حُبَّى ليسَ يُرْجى وِصالُها
وهيهاتَ منْ رَمّانَ مَن حلَّ باللِّوى ... أُصولُ الغَضى من دونها وسَيالُها
كأنْ لم تكنْ حُبَّى صديقاً ولمْ تكنْ ... أوالِفَ أخلاطاً جِمالي جِمالُها
غداةَ الشَّرى إذْ هيَّجَ الشوقُ والبُكا ... لعينَيكِ من حُبَّى القلوب احتمالُها
فاتبعتُهمْ طَرفي وقدْ حالَ دونَهمْ ... غواربُ قاراتِ المَلا فتِلالُها
أُشبِّهُهُنَّ النخلَ حيناً وتارةً ... أقولُ سَفِيناتٌ تعومُ ثِقالُها
فلا وَصْلَ إلاّ أنْ يُقرِّبَ بينَنا ... زِوِرَّةُ أسفارٍ أمينٍ مَحالُها
ألا هلْ أتى أهلَ المدينةِ عَرضنُا ... حِلالاً منَ المعروفِ يُعرفُ حالُها
على عاملينا والسيوفُ مصونةٌ ... بأغمادِها ما زايلَتْها نِصالُها
عرَضْنا كتابَ اللهِ والحقُّ سُنّةٌ ... هيَ النصفُ ما يخفى علينا اعتدالُها
وجئنا إلى فِرْتاجَ سمعاً وطاعةً ... نؤدي زكاةً حينَ حانَ عِقالُها
وفي فَيْدَ صدّقْنا وجاءَتْ وفودُنا ... إلى فَيْدَ حتى ما تُعَدُّ رجالُها
وسارتْ إلى جَرْمٍ من القومِ عُصبةٌ ... فأدّتْ بنو جرْمٍ وجاءَتْ رِجالُها
فلمْ تدرِ حتى راعَنا بكتيبةٍ ... تروعُ ذوي الألبابِ والدِّينِ خالُها
دعا كلُّ ذي تَبْلٍ وصاحبِ دِمْنةٍ ... قبائلَ من شتّى غِضاباً سِبالُها
فقالوا أغِرْ بالناسِ تُعطِكَ طَيّئٌ ... إذا وطِئتْها الخيلُ واجتِيحَ مالُها
ومنْ دونِ ما مَنّى أميّةُ غَمرةً ... من الموتِ ما يخفى لحينٍ خِلالُها
جمعْنا لهمْ من عمروِ غَوثٍ ومالكٍ ... كتائبَ تَرْدي المُقْرِفينَ نَكالُها
فلمّا رأيناهمْ يريدونَ سُنّةً ... سوى النصفِ ما يخفى علينا انفِتالُها
لها عَجزٌ بالرملِ فالحزْنِ فاللِّوى ... وقدْ جاوزَتْ حَيَّيْ جَديسٍ رِعالُها
على شاخصاتِ الطَّرفِ تُمْرى كأنّها ... أجادِلُ دجْنٍ لثَّقتها طِلالُها
فلمّا تلاقيْنا إلى دَيرِ عاقدٍ ... إلى حيثُ أفضى طَلحُها وسَيالُها
دعَوا لنزارٍ وانتمَيْنا لطيِّئٍ ... كأُسدِ الشَّرى إقْدامُها ونِزالُها
وتحتَ نحورِ الخيلِ حَرْشَفُ رِجْلةٍ ... تُتاحُ لغَرّاتِ القلوبِ نِبالُها
فلمّا ارتميْنا بيَّنَ الرمْيُ بينَنا ... لسائلةٍ عنّا حَفِيٍّ سؤالُها
فلمّا فزِعْنا للرماحِ تَضلَّعتْ ... طِوالُ القَنا منها وعُلَّتْ نِهالُها
فلمّا عصيْنا بالسيوفِ تقطَّعتْ ... وسائلُ كانتْ قبلُ سِلْماً حبالُها
بمأثورةٍ من عندِ داوودَ يُختلى ... بها الهامُ والأيدي حديثٍ صقالُها
تُغشَّى بهنَّ الهامُ حتى كأنّها ... خذاريفُ أو بيضٌ يُجرُّ قِلالُها
صبرْنا لها حتى اتَّقتْ بظهورِها ... نزارٌ وزلَّتْ من نزارٍ نِعالُها
فولَّوا وأطرافُ الرماحِ عليهمِ ... قوادِرُ مرْبوعاتُها وطوالُها
لهَوا عن أميريهمْ وعنْ مُستكِنّةٍ ... عزيزةِ دنيا أسلمَتْها رجالُها
لها زفَراتٌ من بوادرِ عِثْيَرٍ ... يَشُقُّ انهمالَ المعْدنيِّ انسِحالُها
ينادي أمَيَّ الكَرَّ والخيلُ عُبَّسٌ ... تُجاذبُ أيدي القومِ مِيلٍ جِلالُها
ألمْ تكُ قدْ أخبرتَ أنكَ مانِعي ... وإنَّ جهاداً طيِّئٌ وقتالُها
فقالوا عليكَ الفَجَّ آثارَ منْ مضى ... منَ الفَلِّ لمْ تُسلبْ عليكَ حِلالُها
بناها ذوو الأحسابِ والدينِ والتُّقى ... وأحسنُ أخلاقِ الرجالِ جَمالُها
العديل بن فرْخ
стр. 299
وقال العديل بن فرْخ بن معن بن أسود بن عمرو بن عوف بن ربيعة بن شُنَى بن الحارث، وهو السيّاب بن ربيعة بن عجل بن لُجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دُعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، وأمّ العديل درْنا من بني مُحلَم، شيبانية:
ما بالُ عينكَ أسبلَتْ إسْبالا ... منْ أنْ عرفَتْ لمنزلٍ أطلالا
قبلي وقبلَكَ فاقْبلَنَّ نصيحتي ... ضرَبَ الحليمُ لذي الصِّبا أمثالا
إنّي لأكرَمُ شاعرٍ في وائلٍ ... عمّاً أغَرَّ إذا نُسبتُ وخالا
وأباً بهِ أعلو وتُعرفُ غُرَّتي ... ضخمُ الدَّسيعةِ سيّداً مِفْضالا
فإذا افتخرْتُ فخَرْتُ غيرَ مُغرِّبٍ ... بالأكرمينَ الأكثرينَ رجالا
بربيعةَ الأثرَينَ في أيامِها ... والأطولينَ فوارعاً وجبالا
تلقاهمُ في الحربِ حينَ تَكمَّشتْ ... بيضَ الوجوهِ على العدوِّ ثِقالا
والخيلُ تعلمُ أنّنا فرسانُها ... عندَ الصباحِ إذا رأيْنَ قتالا
الضاربينَ إذا أردتَ طِرادَهمْ ... والنازلينَ إذا أردتَ نِزالا
والضاربينَ إذا الكتائبُ أحجمَتْ ... غرباً يُذبّحُ مِلْ عِدا الأبطالا
فصبَحْنَ من أسدٍ حُلولاً باللِّوى ... موتاً أزلْنَ بهِ العدوَّ فزالا
وقتلتُ يربوعاً بهنَّ ودارِماً ... وأخذْنَ منهمْ حاجباً وعِقالا
ووطئْنَ يومَ الشيّطينَ بكَلْكَلٍ ... عُمَراً ومن سعدٍ أبَرْنَ حِلالا
ومنَ الرِّبابِ لقَيْنَهُ فقتلْنَهُ ... زيدَ الفوارسِ بالنِّصالِ فمالا
عن ظهْرِ أجردَ سابحٍ ذي مَيْعةٍ ... نقْلٍ إذا ما خالطَ الأجْرالا
وأخذْنَ من أفناءِ قيسٍ كلّها ... ساداتِها والسبيَ والأموالا
فَتبدّلتْ منّا سَبايا منهمُ ... بعدَ النعيمِ مَدارِعاً وشِمالا
وإذا عددْتُ فَعالَ قومي بيّنوا ... فوقَ الخلائقِ بسْطةً وفَعالا
وإذا نطقتُ معَ المقاولِ لمْ أدَعْ ... للقائلينَ إذا نطقتُ مَقالا
وقال العُديل:
ألا مَن لهَمٍّ أبى لمْ يرِمْ ... ضميركَ باتَ رفيقاً لِهَمْ
أبيتُ أكابدُهُ مَوْهِناً ... ونامَ الخَلِيُّ ولمّا أنَمْ
رأيتُ الهمومَ تَشِينُ الفتى ... ولو كانَ ذا أمْرةٍ أو عزَمْ
أرى الدهرَ يُومِن رُذّالَهُ ... فيَوماً بَئيساً ويوماً نِعَمْ
رهينَ المنايا فإنْ عِفْنَهُ ... وأخطأْنَهُ لمْ يدعْهُ الهرَمْ
كأنْ لم يعِشْ قبلَها ساعةً ... إذا كانتِ النفسُ عندَ الكِظمْ
وأيقنَ أصحابُهُ بالفِراقِ ... وأضحى ثَويَّ ضريحِ الرَّجَمْ
فإنْ أكُ ودّعتُ جهلَ الصِّبا ... ورَثَّ قُوى حبلِهِ فانْجَذَمْ
تَناسيْتُهُ بعدَ أجدادِهِ ... ليخْلِقَ حتى وهى فانصرَمْ
فقدْ استَبي البيضَ مثلَ الدمى ... عليهنَّ خَزُّ فريدِ العجَمْ
يجُدْنَ لنا بلذيذِ الحديثِ ... وهُنَّ لنا غيرُ ذاكُمْ حُرُمْ
أوانسُ من يلتمسْ سِترَها ... يجدْ ذاكَ حَلَّ مَحلَّ العُصُمْ
بكلِّ قَطُوفٍ أناةِ القيامِ ... رَقُودِ الضُّحى عَبلةٍ كالصنَمْ
رداحِ التوالي إذا أدبرَتْ ... هَضيم الحشا شَختَة المُلتزَمْ
مُنعّمةٌ لم تُلْحِها السَّمُومُ ... يُضيءُ سنا وجهِها في الظُّلَمْ
تَغوَّلُ حتى تروقَ الحليمُ ... وذا الجهلِ تُورثُ خَبْلَ السقَمْ
تكونُ أمانيّةٌ إنْ نأتْ ... وإنْ تدْنُ منهُ يكُنْ كالسدَمْ
وتَبسِمُ عن واضحٍ لونُهُ ... شَتيتٍ كلونِ أقاحي الرِّهَمْ
كأنَّ الجُمانَ على مُغْزِلٍ ... خَذولٍ لها رَشأٌ قدْ قرَمْ
تظلُّ تُصفِّقُ من حولِهِ ... وتحنو إليهِ إذا ما بَغَمْ
وقد أُعمِلُ العِيسَ حتى تَؤوبَ ... حَسيراً تجُرُّ نِعالَ الخدَمْ
بدأتُ بها وهي ملمومةٌ ... كِنازُ البَضيعِ وآةٌ زِيَمْ
فما أُبْتُ حتى ارعوى جهلُها ... وآضتْ لهَيْداً كعُودِ السلَمْ
ركبتُ بها كلَّ مجهولةٍ ... قِفارٍ وهاجرةٍ كالضَّرَمْ
يَحارُ الدليلُ نهاراً بها ... إذا ما التوى آلُها بالعلَمْ
стр. 300
إذا ما تَوقَّلَ حِرباؤُها ... على الجِذْلِ ثمَّ نما واطَّخَمْ
فأبقى على ذاكَ منّي الزمانُ ... كريمَ الإخاءِ رَكوبَ البُهَمْ
سَبوقاً لغاياتِ يومِ المدى ... إذا ما الجيادُ علَكْنَ اللُّجَمْ
فما المُتَجرِّدُ في عصرِهِ ... إذا ما ارتدى زبَداً واستحَمْ
بأجوَدَ منّي لدى غايةٍ ... ومَدِّ اليدَيْنِ ونَعتِ الكرَمْ
أجيءُ إليها أمامَ الجِيادِ ... إذا ما البطيءُ كَبا أو قحَمْ
هنّي العِنانِ ولم أجتهِدْ ... إذا رفعوا فوقَهُنَّ الجِذَمْ
منازلَ أنزلَنِيها أبي ... ومنْ يَبتَني مثلَها لا يُلَمْ
عليَّ تعطّفَ من وائلٍ ... إذا قمتُ كلُّ جَوادٍ خِضَمْ
بهمْ يُكسرُ العظمُ من غيرِهمْ ... ويُرأبُ منهمْ إذا ما انفصَمْ
نَحُلُّ على الثِّغرِ عندَ الحروبِ ... فننْكي العدوَّ ونحوي الغُنُمْ
لنا سُرّةُ الأرضِ قد تعلمونَ ... ونارُ الملوكِ وأرضُ النِّعَمْ
نفَيْنا القبائلَ عن حرِّها ... بأرعَنَ ذي غابةٍ كالأجَمْ
كثير الدواعي بَعيدِ المسيرِ ... كمثلِ الظلامِ إذا ما ادلهَمْ
متى تَتتابعُ أخاديدَهُ ... تجدْهُ يُسَعِّرُ أعلى الأكُمْ
ومَلْكٍ أقمْنا له رأسَهُ ... وإنْ كانَ من قبلَنا لم يَقُمْ
عدلْنا صَراهُ بنَشّاجةٍ ... تَمُجُّ النَّجيعَ كشِدْقِ الأصَمْ
وجيشٍ غزانا كثير الصَّهيلِ ... فلاقى الذي كانَ منّا اجترَمْ
قَريْنا النسورَ صانديدَهُ ... ووَكْنَ البُغاثِ وجُونَ الرَّخَمْ
ونحنُ إذا سَنَةٌ أمحلَتْ ... وآضَتْ مُحولاً كلَونِ الأدَمْ
وزَفَّ القَريعُ أمامَ الإفالِ ... وينسى التخيُّلَ عندَ القطَمْ
ورُوِّحَتِ الشَّوْلُ في إثرِهِ ... وصَفَّ الإماءُ عليها الحُزُمْ
وأمسَتْ تَروَّحُ خُطّابُها ... بنَكباءَ عاريةٍ في شبَمْ
نُقيمُ فنُطعمُ لحمَ السَّنامِ ... إذا ما الشتاءُ علينا أزَمْ
وقال العُديل أيضاً يمدح محمد بن الحَجّاج:
هل للظعائنِ قبلَ البَينِ تَكليمُ ... أمْ حبلُهنَّ غَداةَ البَينِ مَصرومُ
ولَّيْنَ منّا برَهنٍ لا فَكاكَ لهُ ... وعَبرةٍ جشأتْ منها الحَيازيمُ
من لوعةِ البَينِ إذ راحَ القَطينُ بهمْ ... ومُضمَرٌ من دَخيلِ الحُبِّ مَكتومُ
أعرضْنَ لمّا رأينَ الشيبَ شامِلَهُ ... والشَّيبَ عندَ كِعابِ الخِدرِ مَصرومُ
زُرناكَ والعِيسُ خُوصُ في أزِمَّتِها ... هُوجُ الرياحِ لحاديها هَماهيمُ
منْ كلِّ صَهباءَ نَسْتَجْري الزِّمامَ بها ... تَبْري لها سَهوةُ الضَّبعَيْنِ عُلْكومُ
تنفي الحصى عن أظَلَّيْها بمُشتبَهٍ ... منَ المفاوزِ يستَعوي بهِ البُومُ
كأنَّ حاديها مما تُكلِّفُهُ ... أعضادُها منْ سوادِ الليلِ مأمومُ
كلَّفتُهُ السيرَ حتى في مفاصلِهِ ... ربْوٌ وحتى صَميمُ العظْمِ مَوصومُ
والعيسُ جائلةُ الأنْساعِ يَسعَفُها ... حامي الأجيجِ من الأيامِ مَسمومُ
بمُستوىً من ردى الدوِيِّ ليسَ بهِ ... للقومِ إلاّ سُرى البِيضِ المَتاهيمُ
تَعريجَ منزلةٍ إلاّ على عُرُضٍ ... ثمَّ انجذابٌ بسَيرٍ فيهِ تَقحيمُ
ينفُضْنَ تحتَ الحصى في كلِّ منزلةٍ ... أزرارُ مُعْلَقةٍ فيها الخَياشيمُ
بسابغاتٍ من الألحَيْ كأنَّ بها ... سُبوتَ حَضْرَمَ تثنيها الأباهيمُ
ينوِينَ فرْجَ ثَقيفٍ في أرُومَتِها ... إذا ثقيفٌ سمَتْ منها الخراشيمُ
ينوِينَ أبيضَ مثلَ السيفِ أورثَهُ ... أبو عَقيلٍ ثناءً ليسَ مَهدومُ
بحرٌ أجادَتْ بهِ غرّاءُ مُنجِبةٌ ... من فرعِ سعدٍ لها مجدٌ وتكريمُ
كمْ من أبٍ لكَ يُسْتسقى الغَمامُ بهِ ... جزْلٍ مواهبُهُ بالخيرِ مَوسومُ
ونائلٍ منكَ جزْلٍ لا تُتَبِّعُهُ ... مَنّاً ولا فيهِ إنْ أعطيْتَ تأثيمُ
الواهبُ المائةَ الأشباهَ حاديةً ... والجُردُ تتْبعُها البيضُ الرغاميمُ
والمشتري الحمدَ إنَّ الحمدَ ذو مهَلٍ ... والتاركُ البخلَ إنَّ البخلَ مذمومُ
стр. 301
يغدو إذا ما غدا تنْدى أناملُهُ ... في باذخٍ قصُرَتْ عنهُ السَّلاليمُ
نِعمَ المُناخُ أنخْنا بعدَ شُقَّتِنا ... والوفدُ مُعطىً فمَحْبُوٌّ ومحرومُ
لقدْ بسطْتَ لساني بعدَ غُصتِهِ ... وقدْ جبرْتَ جناحي وهْوَ مهضومُ
وقدْ أتيتَ الذي كانتْ تُحدِثُني ... نفسي فأكتمُهُ والسرُّ مكتومُ
بحقِّ منْ عَدَّ آباءً تَعدُّهمُ ... إنَّ اللَّهاميمَ منهنَّ اللهاميمُ
أعطاكَ ذو العرشِ ما أعطى كرامَتَهُ ... رَبُّ الرسولُ لهُ سِيمى وتَسْويمُ
ما مُزْبِدٌ من خليجِ البحرِ مُنجَرِدٌ ... جَوْنُ الأواذِيِّ تعلوهُ العَلاجيمُ
يوماً بأجوَدَ منهُ حينَ تسألُهُ ... إذا الصَّبا حارَدَتْ واعتَلَّتِ الكُومُ
ما زلتَ تركبُ مكروهَ الأمورِ لها ... حتى زجَتْ لكَ بالملْكِ الخواتيمُ
أنتَ الربيعُ الذي جادتْ مَواطِرُهُ ... وكلُّ منْ لمْ يصبْهُ الغيثُ محرومُ
قِيسوا المئينَ فإنّي قد بقيتُ لكمْ ... غَمْرَ الجِرّاءِ إذا التفَّ الأضاميمُ
مُستَعفي السَّوطِ خَرّاجاً على مهَلٍ ... في مَبْرَكٍ ثَبتَتْ فيهِ الجراثيمُ
وقال العُديل يفتخر:
صرَمَ الغواني فاستراحَ عواذلي ... وصحَوتُ بعدَ صَبابةٍ وتَمايُلِ
وذكرتُ يومَ لِوى عُنيْقٍ نِسوةً ... يأررَجْنَ بينَ أكِلّةٍ ومراحلِ
لعبَ النعيمُ بهنَّ في أطلالِهِ ... حتى لبسْنَ زمانَ عيشٍ غافلِ
يأخذْنَ زينتَهُنَّ أحسنَ ما ترى ... وإذا عطَلْنَ فهنَّ غيرُ عواطلِ
وإذا خَبأنَ خدودَهُنَّ أرَيْنَنا ... حدَقَ المها وأخذنَ نبْلَ النابلِ
يَلبسْنَ أرديَةَ الشبابِ لأهلِها ... ويمُدُّ بالحبلَيْنِ حبلَ الباطلِ
بَيضُ الأنُوقِ كَسِرِّهِنَّ ومنْ يُرِدْ ... بَيضَ الأنوقِ فوكرُها بمعاقلِ
زعمَ الغواني أنَّ جهلَكَ قد صحا ... وسَوادَ رأسِكَ قصدَ شَيبٍ شاملِ
ورأكَ أهلُكَ منهمُ ورأيتَهمْ ... ولقدْ يكونُ معَ الشبابِ الخاذلِ
فإذا تطاولَتِ الحبالُ رأيتَنا ... بفروعِ أرعنَ فوقَها مُتطاوِلِ
وإذا سألْتَ ابْنَيْ نزارٍ بَيَّنا ... مجدي ومنزلَتي من ابْنَيْ وائلِ
حدبَتْ بنو بكرٍ عليَّ وفيهمِ ... كلُّ المكارمِ والعديدِ الكاملِ
خطَروا ورائيَ بالقَنا وتجمَّعتْ ... منهمْ قبائلُ أُردِفَتْ بقبائلِ
إنَّ الفوارسَ من لُجَيْمِ لم يزَلْ ... فيهمْ مَهابةُ كلِّ أبيضَ فاعلِ
مُتعَمِّمٌ بالتاجِ يسجدُ حولَهُ ... منْ أهلِ هَوْذةَ للمكارمِ حاملِ
أو رهْطُ حنظلةَ الذينَ رماحُهمْ ... سَمُّ الفوارسِ حتْفَ موتٍ عاجلِ
قومٌ إذا شهروا السيوفَ رأوا لها ... حقاً ولمْ يكُ سَلُّها بالباطلِ
ولئن فخرْتَ بهمْ لمثلِ قديمِهمْ ... بسطَ المفاخرَ من لسانِ القائلِ
أولادَ ثعلبةَ الذين بمثلِهمْ ... حلمَ الحليمُ ورُدَّ جهلُ الجاهلِ
أهلُ العرارةِ والنُّبوحِ ترى لهمْ ... حلقَ المجالسِ بالصعيدِ القابلِ
ولمَجْدِ يَشْكُرَ سَورةٌ عاديّةٌ ... وأبٌ إذا ذُكرَ وليسَ بخاملِ
وبنو القُدارِ إذا عددْتَ صَنيعَهمْ ... وضَحَ القُدارُ لهمْ بكلِّ مَحافلِ
وإذا فخرْتَ بتَغلِبَ ابنةَ وائلٍ ... فاذكُرْ مكارمَ من ندىً وأوائلِ
ولتَغلِبَ الغَلْباءَ عِزٌّ بَيِّنٌ ... عاديّةٌ ويَزيدُ فوقَ الكاهلِ
قسَطوا على النعمانِ وابنِ مُحرِّقِ ... وابنَيْ قَطامِ بعزّةٍ وتَناوُلِ
بالمُقْرباتِ يبِتْنَ دونَ رحالِهمْ ... كالقدِّ بينَ أجِلّةٍ وصَواهلِ
أولادِ أعوجَ والصَّريح كأنّها ... عِقْبانُ يومَ دُجُنّةٍ ومَخائلُ
يلفِظْنَ بعدَ أُزومِهِنَّ على الشبا ... علَق الشكيم بألسُنٍ وجَحافلِ
قومٌ همُ قتلوا ابنَ هندٍ عَنوةً ... وقَنا الرماحِ يذُدْنَ وِردَ الناهلِ
منهمْ أبو حنَشٍ وكانَ بكفِّهِ ... رِيُّ السِّنانِ ورِيُّ صدرِ العاملِ
ومُهلهَلُ الشعراءِ إنْ فخروا بهِ ... وندى كُلَيْبٍ عندَ فضلِ النائلِ
стр. 302
حجبَ المنيّةَ دونَ واحدِ أمِّهِ ... منْ أنْ تبيتَ وصدرها ببلابلِ
وكفى مُجالسةَ السِّبابِ ولم يكنْ ... يَستَبُّ مجلسُهُ وحقّ النازلِ
حتى يُجيرَ على الملوكِ فلمْ يرمْ ... حدَباً ولا صَعراً لرأسٍ مائلِ
في كلِّ حيٍّ للهُذَيلِ ورَهْطِهِ ... نَعَمٌ وأخْذُ كريمةٍ وتناوُلِ
بِيضٌ كرامٌ رَدَّهنَّ لعنوةٍ ... أسَلُ القَنا وأُخذْنَ غيرَ أراملِ
أبناؤُهن من الهُذيلِ ورهطِهِ ... مثلُ الملوكِ وعِشْنَ غيرَ عواملِ
وقال العُديل أيضاً:
صحا من طِلابِ البِيضِ قبلَ مَشيبِهِ ... وواضعِ طرْفِ العينِ فهوَ خَفيضُ
كأنْ لمْ أكنْ أرعى الصِّبا ويقودُني ... منَ الحيِّ أحوى المُقلتَيْنِ غَضيضُ
دعاني لهُ يوماً هوىً فأجابَهُ ... فؤادٌ إذا يلقى المِراضَ مريضُ
لمُستأنِساتٍ بالحديثِ كأنّها ... تَهلُّلُ غُرٍّ بَرقُهنَّ وَمِيضُ
وإنَّ لساني عنكمُ قدْ علمتمُ ... لعَفٌّ وإنّي دونَكمْ لعَضوضُ
وإنّي لِما حمَّلْتُمُ من مُلمّةٍ ... تضيقُ بها أعطانُكمْ لنَهوضُ
يُخَشُّونَني الحَجّاجَ حتى كأنّما ... يُحرَّكُ عظمٌ في الفؤادِ مَضيضُ
إذا ذُكرَ الحجاجُ أضمرتُ خِيفةً ... إلى القلبِ حتى في الفؤادِ مَضيضُ
ودونَ يدِ الحجاج منْ أنْ تنالَني ... بساطٌ أيدي الناعِجاتِ عريضُ
مَهامِهُ أشباهٌ كأنَّ سرابَها ... مُلاءٌ بأيدي الغاسلاتِ رَحيضُ
إذا كُلِّفَتْها العِيسُ زَيَّلَ بينَها ... حَزابِيّ يجري آلُها وغُموضُ
إذا استوقدَتْ منها الأماعزُ غادرَتْ ... بها جُندَبَ المَعْزاءِ وهْوَ رَكوضُ
قليلٌ بها السارونَ إلاّ تَعِلّةٌ ... مَطِيٌّ جرتْ أحقابُهُ وغُروضُ
إذا قَلَّصَتْ خُوصَ العيونِ كأنّها ... قِداحٌ نَحاها باليدَيْنِ مُفِيضُ
ترى الحُرّةَ الوَجناءَ يضربُ حاذَها ... ضئيلٌ كفرّوج الدجاجِ جَهيضُ
وقال العُديل أيضاً:
لَعمرُكَ إنّي يومَ بَينِ ظعائنٍ ... غدَوْنَ ولمْ يَنظُرْنَني لحزينُ
ظعائنُ يَنوينَ الكثيبَ وأهلَهُ ... غدَونَ وقلبي عندهنَّ رهينُ
كما حاجةٌ منْ أمِّ زيدٍ تعودُني ... وقد غالَني لو تعلمينَ شُؤونُ
تقولُ بذلْتُ الوُدَّ منكَ لغيرِنا ... وقطّعتَ حبلَ الوصْلِ وهو متينُ
أراكَ تَخطّانا إذا جئتَ زائراً ... وقدْ شهَرَتْنا في هواكَ عيونُ
لججْتَ بهِجرانِ البيوتِ كأنّما ... عليكَ بهِجرانِ البيوتِ أمينُ
تراجعْنَ بالأيدي السلامُ وكلُّنا ... بصاحبِهِ يومَ الفِراقِ ضَنينُ
كأنَّ الخُدورَ ألجأتْ في ظلالِها ... نِعاجَ الملا ليستْ لهنَّ قرونُ
قطعْتُ حبالَ الوصْلِ منهنَّ بعدَما ... تَطاوحْنَ حتى ما لهنَّ قرينُ
منَ الأنسِ إلاّ مستفيدٌ لقولِنا ... ولا الجنّ إلاّ قد ألمَّ يَدِينُ
وقدْ قيلَ حتى ما أبالي حديثَهُ ... أقاويلَ مِينَتْ باطلٌ وظنونُ
أقاويلُ أقوامٍ وقالَةُ نسوةٍ ... يقُلْنَ ولمّا يأتِهنَّ يقينُ
فإنَّ الذي حُدّثْتِ رَقَّى حديثَهُ ... عدوٌّ لحبلِ المسلمينِ لَعينُ
معَ الشانئِ الغَيرانِ شيءٌ كأنّهُ ... منَ الوجْدِ مَبهوتُ الفؤادِ طَعينُ
يُرائيكَ إلاّ إن سألتُكَ مالَهُ ... ويُمسي منَ الشَّنآنِ وهْوَ بَطينُ
وليسَ بمُعطيكَ المُواخاةَ كلَّها ... أخٌ لكَ ما لمْ يرْعَ حينَ تَبينُ
بعينَيْكَ أحداجٌ لدَوْمةَ إذْ غدَتْ ... لها نِيبَّةٌ تُنئي الحبيبَ شَطُونُ
غدَتْ من رَجا الوادي كأنَّ حُمولَها ... لعينِ البصيرِ المُستَبينِ سَفينُ
على كلِّ نَعّابٍ يُباري زِمامَهُ ... بهِ من أغاني الحُداةِ جنونُ
إذا خضَلَتْ أعطافُهُ غضِبتْ لهُ ... قوائمُ عُوجٌ تنتَحي وتَلينُ
ورأسٌ كبِرْطيلِ الحديدِ يَزِينُهُ ... مَشافرُ مَضبوحِ الجِرانِ ذَقُونُ
وما كانَ ضَرَّ العامِريّاتِ لو بدا ... لنا يومَ فلْجٍ أسْؤُقٌ وعيونُ
وقال العُديل أيضاً:
أجِدَّكَ لا تَنهى وإنْ كنتَ أشْيبا ... فؤادَكَ ذا الأهواءِ أنْ يَتطرَّبا
стр. 303
وقدْ كانَ أحياناً إذا اقتادَهُ الهوى ... عصا في هواهُ العاذلينَ فأصحبا
فأصبحتُ ذا صغْوٍ إلى اللهوِ بعدَما ... وهى منكَ باقي حبلِهِ فَتقضَّبا
تمنّى المَنى القلبُ اللَّجوجُ وقدْ ترى ... بعينِكَ إنْ لمْ يطلُبِ اللهوَ مَطْلَبا
وكيفَ طِلابُ البِيضِ أو تَبَعُ الصِّبا ... وقد صِرتُ من شيبٍ تَغشّاكَ أشيبا
وكان طلاب الغانيات كأنما ... تباعده منهن أن يتقربا
على أنَّ من سلمى خيالاً إذا نأتْ ... بها الدارُ لم يُخلِفْكَ أنْ يتأوَّبا
يُلمُّ فيأتي بالسلامِ ودونها ... بلادٌ ترى أعلامَها الغُبْر نضبّا
إذا كُلِّفَتْها العيسُ قطَّعَ بَينَها ... فيافيَ يترُكْنَ الأيانقَ لُغَّبا
تراهُنَّ بعدَ البُدْنِ من شدّةِ السُّرى ... دقاقاً كأقواسِ المعَطَّفِ شُزَّبا
عرفتُ لها داراً بمدفَعِ داحِسٍ ... قِفاراً عفَتْ إلاّ نَعاماً ورَبْرَبا
رعَيءنَ الندى حتى إذا يبِسَ الثَّرى ... وخفَّتْ رياحُ الصيفِ شرقاً ومغرِبا
ولاحَتْ منَ الصبحِ الثريّا ولم يجِدْ ... صدى إبلٍ إلاّ المهايعَ مَشرَبا
دعَتْ بالجِمالِ البُزْلِ للظعنِ بعدَما ... تَجذَّبَ راعي الإبلِ ما قدْ تَحلَّبا
بكلِّ سَنيدِ المَنكبَيْنِ تَخالُهُ ... منَ البُدنِ لمّا زالَ بالحملِ أغلبا
عَلَنْدىً كأنَّ الحُصَّ لونَهُ ... إذا الخطْوُ عن أعلى صلاهُ تَقوَّبا
مُنعَّمةٌ كالريمِ لمْ تخشَ فاقةً ... عليها ولم تتْبَعْ شقيّاً مُعذَّبا
رمَتْهُ بسهمِ الجهلِ فاصطادَ قلبَهُ ... سُلَيمى وقدْ مالوا بعزَّى وجرَّبا
فلمْ أرَ ممّنْ يسكُنْ المِصرَ مثلَها ... جمالاً ولا اللائي رمَيْنَ المحَصَّبا
تُكرِّمُهُ بالوُدِّ وهْوَ يَشُفُّهُ ... إليها هوىً مما بدا أو تغيَّبا
إذا حدَّثَ الركبَ العِجالَ بذِكرِها ... طَرُوقاً وقد ملُّوا الجبالَ وأطْنبا
تَهدَّى شبابٌ بالغواني وإنّني ... لمثْنٍ وما أخشى بهِ أنْ أكذَّبا
على الصيدِ من بكرٍ ذوي التاجِ إنّهمْ ... كِرامُ القِرى حشدٌ إذا السرْحُ أجدبا
إذا قطْرُ آفاقِ السماءِ رأيتَهُ ... منَ المحْلِ مُحمرَّ الجوانبِ أصهبا
وجدْتَ الجفانَ الرُّوحَ حولَ بيوتِهمْ ... لمنْ باتَ في ناديهمِ أنْ يُحَجَّبا
مُبرَّزةً فيها البوائكُ كلّما ... خلَتْ جَفْنةٌ عُلَّتْ سَديفاً مُشَطّبا
أولئكَ قومي من يَقِسْهُمْ بقومِهِ ... يُلاقِ وعُوراً دونَهمْ إذْ تذَبْذَبا
لنا عددٌ أربى على عددِ الحصى ... ومجدٌ تِلادٌ لمْ يكنْ مُتأشّبا
لنا باذخٌ نالَ السماءَ فروعُهُ ... جَسيمٌ أبَتْ أركانُهُ أنْ تَصوَّبا
فنحنُ حُدَيّا الجِنِّ والإنسِ كلِّها ... فِصالاً لمنْ عدَّ القديمَ ومَحْسَبا
وإنّا أحقُّ الناسِ بالباعِ والندى ... وأكثرَهُ قوماً إذا عُدَّ مُصعَبا
وأكثرَهُ بيتاً طويلاً عِمادُهُ ... وأكثرهمْ بَدءاً إذا هُزَّ مِحْرَبا
كريماً ترى الأبطالَ تعلم أنّهُ ... أخو نجدةٍ ماضٍ إذا ما تَلبَّبا
منيعاً تفادى الخيلُ منهُ كأنّما ... يُحاذِرْنَ وطّاءَ الفَريسِ مُهَيَّبا
غَذِيّاً أبا شِبْلَيْنِ يشغَلُ قِرنَهُ ... إذا عضَّ لمْ يَنْكُلْ حشاها ونَيَّبا
بنا يُتَّقى الثغرُ المخوفُ لقاؤُهُ ... إذا ما دعا داعي الصباحِ وثَوَّبا
وكمْ من رئيسٍ قد غزانا فلمْ يؤُبْ ... إلى قومِهِ إلاّ طليقاً مُسَيَّبا
أتاهُمْ بلا نهبٍ وأسلَم جيشَهُ ... أسيراً مُهاناً أو قتيلاً مُلَحّبا
ونحنُ عبأْنا يومَ حِنْوِ قُراقِرٍ ... لحَلْبَةِ كِسرى والذي كانَ أشَّبا
فوارسَ صدقٍ لا يبالونَ من ثَوى ... إذا كسَفوا يوماً أغرَّ مُحبَّبا
على كلِّ شَوهاءِ العَنانِ كأنّها ... عُقابٍ إذا ما العِطفُ منها تَحلَّبا
وأجردَ عُريانٍ كأنَّ لجامَهُ ... إذا ما تراقى علْقَ جِذْعاً مُشَذّبا
إذا اغْتربَتْ منّا هِجانٌ كريمةٌ ... وجدْتَ ابنَها إذا عُدَّ خالاً ومُنجِبا
стр. 304
تَمجَّدَ ما يعلو الرجالَ وينتمي ... إذا قامَ في يومِ الحفيظةِ مُغْضَبا
وإنْ كانَ من حيٍّ كرامٍ أعزّةٍ ... وكانَ خِيارُ الحيِّ منهمْ مُرَكّبا
وكانتْ سَراةُ الحيِّ تعلمُ أنّهُ ... أعزَّهُمُ عزّاً وأكرمَهمْ أبا
مُزاحم العقيلي
وقال مُزاحم بن الحارث بن مُصرِّف بن الأعلم بن خُويلد بن عوف بن عامر بن عُقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وسُئل جَرير عن أشعر الناس، فقال غلامٌ بناصفة يأكل لحوم الوحش يعني مُزاحماً:
خليليَّ عُوجا بي على الرَّبْعِ نسألِ ... متى عهدُهُ بالظاعنِ المُتحمِّلِ
فإنْ تُعْجِلاني بانصرافٍ أهجِكُما ... على عَبْرَةٍ أو تَرْقئا عينَ مُعْوِلِ
فإنّكما إنْ تدعُوانِي لمثلِها ... وطاوَعْتُماني في الذي قلتُ أفعَلِ
فعُجْتُ وعاجا فوقَ بيداءَ أصفقَتْ ... بها الريحُ جَولانَ الترابِ المُنخَّلِ
وما هاجَهُ من دِمنةٍ بانَ أهلُها ... وأمسَتْ قوىً بينَ الحصيرِ ومُحْبَلِ
كأنَّ حصاها من تقادُمِ عهدِها ... صِعابُ الأعالي أُبَّدٌ لمْ تَحَلَّلِ
وهابٍ كجُثمانِ الحمامةِ أجفلَتْ ... بهِ ريحُ تَرْجٍ والصَّبا كلَّ مُجْفَلِ
تكادُ مغانيَها تقولُ منَ البِلى ... لسائلِها عن أهلِها لا تَعمَّلِ
وقفْتُ بها فانْهَلَّتِ العينُ بعدَما ... قرَتْ حِقَباً أسبالها لم تَهلَّلِ
ذهاباً جرَتْ نفحَيْنِ جَوداً ودِيمةً ... كما انهلَّ غرباً زارِع فوقَ جدولِ
عَزاءً على ما فاتَ من وصْلِ خُلّةٍ ... ورَيْق شبابٍ شَلَّهُ الشيبُ مُنْجَلي
ألا لا تُذَكِّرْني أميمةَ إنّها ... متى ما يُراجِعْ ذِكرُها القلبُ يجهلِ
سجنْتُ الهوى في الصدرِ حتى تطلَّعتْ ... بناتُ الهوى يُعْوِلْنَ من كلِّ مِعوَلِ
ومثلُ ليالينا بخَطْمَةَ واللِّوى ... بُكِينَ وأيامٍ قِصارٍ بمأْسَلِ
إذِ العيشُ لم ينكَدْ ولم يظهرِ الأذى ... على أحدٍ والأرضُ لم تَتزلزَلِ
وإذْ أنا في رُودِ الشبابِ الذي مضى ... أغرُّ كنصلِ السيفِ أحوى المُرَجَّلِ
حبيبٌ إلى البِيضِ الأوانسِ نازلٌ ... ليَ الجاهُ من ألبابِها كلَّ منزِلِ
تَخطّى إليَّ الكاشحينَ عيونُها ... إذا حضرَتْ دونَ الحديثِ المُفصَّلِ
تُطالعُني من خلِّ كلِّ خَصاصةٍ ... وكُفَّةِ ديباجٍ وسِترٍ مُهوَّلِ
طِلاعَ المها الرَّقْديّ رِيعَ وفوقَهُ ... أراكٌ وأرْطىً من قساءٍ وحَومَلِ
بنُجْلٍ كأعناقِ المها العِينِ أتلعَتْ ... لِطافِ العيونِ لذّةِ المُتأمِّلِ
ترى في سنا الماذِيِّ في العصرِ والضحى ... على غفَلاتِ الزَّينِ والمُتجمّلِ
وجوهاً لوَ انَّ المُدلجينَ اعْتَشَوا بها ... صدَعْنَ الدُّجى حتى ترى الليلَ ينجلي
نواعمَ يركُلْنَ الذيولَ برَخْصةٍ ... سِباطٍ وخَدْلاتٍ رِواءِ المُخلْخَلِ
ولُفَّ كأفخاذِ البَخاتِيّ ردَّها ... إلى مَعْلَفٍ تَنْهاتهُ بابِ مُكْبَلِ
أباحَتْ لهنَّ المَشرفيّةُ والقَنا ... أباطحَ نجْدٍ من فلاةٍ ومَنهَلِ
فهُنَّ يُصرِّفْنَ النَّوى بينَ عالجٍ ... ونَجرانَ تصريفَ الأديبِ المُذلَّلِ
لهُنَّ على الريّانِ في كلِّ صَيفةٍ ... فما ضمَّ ميْثُ الأزوَرَيْنِ فجُلْجُلِ
خيامٌ إذا خَبَّ السَّفا عرضَتْ لها ... جوائزُ تُعْلى بالثُّمامِ المُظلِّلِ
مكانسُ بَيضٍ كلُّ بيضاءَ تلتقي ... عليها رِواقا فارسيٍّ مُكلَّلِ
وبِيضٍ رغَبْتُ الوصلَ منها ومثلَها ... تركْتُ سُدىً في مُحسنِ القولِ مجمِلِ
حِذاراً على نفسي هَوايَ وللفتى ... مَتالفُ زَلاّتٌ إذا لم تأمَّلِ
ويومَ تلافَيْتُ الصِّبا أنْ يَفوتَني ... بصهباءَ تطوي تَفْنَفَ البيدِ عَنْسَلِ
تُلاعبُ حاذَيْها وتَطَّرِحُ الشذى ... بأصهبَ ضافٍ سابغِ المُتذَيِّلِ
تُنيفُ بهِ طَوراً وطَوراً تَخالُهُ ... مَخاريقَ بالأقرابِ أو نفْحَ مِشْمَلِ
لها وَرِكٌ كالجَوبِ لُزَّ فَقارُهُ ... نمَتْ صُعُداً في ناشزِ الخَلْقِ مُكمَلِ
стр. 305
وتُلحِقُها عَجْلى رَقوصٌ رمَتْ بها ... على مارنٍ كالمِرضَخِ المتَبذِّلِ
كسبّاحةٍ في لُجّةِ البحرِ سَوَّمَتْ ... بها الرومُ تزهاها أفنينُ شَمْأَلِ
مَفاصلُها السفلى ظِماءٌ ولحمُها ... كِنازُ الأعالي من خَصيلٍ ودُخَّلِ
إذا ضمَرتْ لم يقلقِ النِّسْعُ واحْتبى ... بهِ جَوزُ حدباءِ الحَصيرَينِ عَيْهَلِ
تظلُّ إذا ما أُسمعتْ عاجِ أو بدا ... لها السوطُ غضْبى في الحديدِ المُسلسلِ
يُباري سَديساها إذا ما تَلمَّجتْ ... شباً مثلَ إبزيمِ السلاحِ المُؤسَّلِ
تمدُّ ذراعَيْها دِلاثٌ شِمِلّةٌ ... بمجرى صَفيحاتٍ من المَيسِ فُصَّلِ
وأتْلَعَ قادَ المَنكِبَيْنِ كأنّهُ ... يَمانٍ نضا من ذي نِجادَيْنِ مُنْعَلِ
إذا بركَتْ خَوَّتْ على ثَفِناتِها ... كجَلسةِ مَقرورٍ لدى النارِ مُصطَلي
ونَضّاخةُ الذِّفْرى رَجوفٌ كأنّها ... عَلاةٌ أُنيخَتْ بينَ كِيرٍ ومِعوَلِ
يصيحُ سَديساها إذا ما تلمَّجَتْ ... بِرُوقٍ حِدادٍ في مِراحٍ وأفْكِلِ
لها حُرَّتا وحشيّةٍ راعَ سمعَها ... أنيسٌ مُهيبٌ بينَ سمْعٍ مُؤَلَّلِ
وكمْ دونَ جدوى من فلاةٍ كأنّها ... إذا ضربَتْها الريحُ سَحْقٌ مُهَلْهَلُ
تموتُ الرياحُ الهُوجُ في حجراتِها ... وأيْهاتَ من أقطارِها كلُّ مَنهَلِ
قطعْتُ بشَوشاةٍ كأنَّ قُتودَها ... على خاضبٍ يعلو الأغرَّيْنِ مُجْفِلِ
كأنَّ عمودَيْ قامةٍ رجَفا بهِ ... برَوقَيْهِما أفْنانُ بانٍ مُشعَّلِ
يخافُ على بَيضاتِهِ الليلَ قدْ دنا ... وتَهْتانَ وكّافِ الجِنابَيْنِ مُخْضِبِ
أطافَ بهِ طَوفَيْنِ ثمَّ ثنى لهُ ... نصيحةَ وُدٍّ من جِرانٍ وكَلكَلِ
فلمّا تجلّى ما تجلّى من الدُّجى ... وشمَّرَ صعْلٌ كالخيالِ المُخيَّلِ
غدَوْنَ كبُهْمِ الخابِطينَ خِلافَها ... وخَلفَ مُزَجٍّ يحسِرُ الكفَّ مُحْوِلِ
أذلكَ أم كُدْرِيَةٌ ظلَّ فرخُها ... لقىً بشَرْوَرى كاليتيمِ المُعيَّلِ
كُداريّةٌ ليستْ بزَعْزاءَ حَمشَةٍ ... ولا قُذَّتَيْ لغْبٍ على فُوقٍ مُغزِلِ
غدَتْ من عليها بعدَما تَمَّ ظِمئُها ... تَصِرُّ وعنْ قَيضٍ بزِيزاءَ مَجهَلِ
غُدُوّاً طوى يومَينِ غيرَ انطلاقِها ... كمِيلَيْنِ عن سَيرِ القَطا غيرَ مُؤتَلي
إذا عرضَتْ داوِيّةٌ صَيْخَدِيّةٌ ... بها غمراتٌ من سرابٍ وإزْمِلِ
سمَتْ غيرَ إصعادٍ فيغتالُ شأوَها ... سُمُوٌّ ولمْ تجنحْ بجِيدٍ وكَلكَلِ
تُقلِّبُ منها مَنكبَيْنِ كأنّما ... خوافِيهما حُجْرِيَّةٌ لمْ تَفَلَّلِ
فجاءَتْ تَهادى من بعيدٍ كأنّها ... دَلاةٌ هوَتْ من قَطْعِ رِمْثٍ مُوصَّلِ
إلى ناعمِ البَرْدِيِّ وسْطَ عيونِهِ ... علاجيمُ جُونٌ بينَ صُدٍّ ومَحفِلِ
فلمّا دنَتْ للماءِ وانضمَّ ريشُها ... إلى جَوزِها وحشيّةٌ لم تُهوَّلِ
إلى منهَلٍ خالي الجبا لمْ تجِدْ بهِ ... أنيساً ولا إرصادَ شبْكٍ مُحبَّلِ
شفَتْ ما بها من لوحةٍ مُستكِنَّةٍ ... وخلَّتْ لأفواجٍ توارَدْنَ نُهَّلِ
تَواقَعْنَ بالبطحاءِ يَحسُونَ ماءَها ... كحَسوِ النصارى صِرفَ دَنٍّ مُفَلْفَلِ
فراحَتْ تُنادي باسمِها شِمَّرِيَّةٌ ... سقَتْ في لطيفِ الطَّيِّ للماءِ محملِ
مُعرَّىً وثيقَ العقدِ كَفْتاً كأنّهُ ... إلى المُنحنى من جِيدِها جِرْوُ حَنظَلِ
فقدْ علِمتْ إلاّ الأمانيَّ أنها ... بجِدّاءَ إلاّ تسبِقِ الليلَ تثكَلِ
فزادَتْ على البَدءِ الذي استوردَتْ لهُ ... أفانينَ من باقي الذخيرةِ مُفْضِلِ
فجاءَتْ ومن أخرى النهارِ بقيّةٌ ... أضَرَّ بها سُلاّفُ أدعَجَ مُقبِلِ
فلمّا دنَتْ من عهدِهِ وتبيَّنتْ ... معارفَ منهُ بينَ قُفٍّ وإرْمِلِ
دعَتْهُ فناداها وما اعوجَّ صدرُها ... بمثلِ الذي قالتْ لهُ لمْ تبدَّلِ
فبَشَّتْ بهِ إذْ كانَ حقّاً وسبْقَها ... دُجىً قد أظلَّتْها ولمّا تَجلَّلِ
فباتَتْ تُسَقِّيهِ بأرضٍ تَنُوفةٍ ... كلَدِّ الشَّجى حتى ارتوى غيرَ مُعجَلِ
стр. 306
كما سجرَتْ ذااللَّهْدِ أمٌّ حَفِيّةٌ ... بيُمنى يدَيْها من يدَيْها من نَدِيٍّ مُعَسَّلِ
وباتَتْ تُلقّيها لَهاةً كأنّما ... بواطِنُها من جيّدِ الوَرْسِ تَطَّلي
وباتَتْ تُسقِّيهِ مَجاجاً كأنّهُ ... إذا جاءَ من حيزومِها ماءُ مِفصَلِ
فأصبحَ جَحْناً مُزْلِغَبّاً وأصبحَتْ ... تُراطِنُهُ في مُسْتَرادٍ ومَهْبَلِ
قَطاً لِقَطاً ما يُبتلى مُستقرُّهُ ... مُتونُ الفلا عن ذي مَقيلٍ بمَعزلِ
ولم يلتمسْ فحلاً أبوها وإنّما ... بناتُ أبيها كلُّ أرقطَ مُحْثَلِ
وقال مُزاحم أيضاً:
لصفراءَ هاجَتْكَ الغداةَ رسومُ ... كأنَّ بقاياها الجُرودَ وشُومُ
تراها على طولِ القَواءِ جديدةً ... وعهدُ المغاني بالحُلولِ قديمُ
منازلُ أمّا أهلُها فتحمَّلوا ... فبانوا وأمّا خيمُها فمقيمُ
بكتْ دارُهم من بعدِهمْ وتَهلَّلتْ ... دموعي فأيَّ الجازعينَ ألومُ
أَمُسْتَعْبِرٌ بالدارِ يبكي من الهوى ... أم آخرُ يبكي شَجوَهُ ويَهيمُ
خليلَيَّ هلْ بادٍ بهِ الشيبُ إنْ بكى ... وقدْ كانَ يُشكى بالعزاءِ مَلومُ
علَتْهُ غواشي عَبرةٍ ما يرُدُّها ... لها من شجونِ المأقِيَيْنِ سُجومُ
وقدْ يفرِطُ الجهلُ الفتى ثمَّ تَرعوي ... خِلافَ الصِّبا للجاهلينَ حُلومُ
وما ذاكَ إلاّ منْ جميعٍ تَفرَّقَتْ ... بهمْ نِيّةٌ بعدَ الجوارِ قَسُومُ
تَؤمُّ بهِ الآفاقَ حتى تُبِينَهُ ... مُعاودةٌ قَطْعَ الفِراقِ جَذُومُ
كما انشقَّ بُرْدُ العصْبِ منّي فأصبحوا ... فمُحتملٌ ولَّى وباتَ مُقيمُ
فذلكَ دأبٌ للنَّوى ليسَ مُخلِفي ... إذا كانَ لي جارٌ عليَّ كريمُ
فما للنَّوى لا بارَكَ اللهُ في النَّوى ... وأمرٌ لها بعدَ الخِلاجِ عَرِيمُ
كأنَّ لها ذَحْلاً عليَّ فتَبْتغي ... أذاتي وغَيظي إنّها لظلومُ
وفيمنْ تولّى حاجةٌ لكَ إنْ تمُتْ ... فعلَّ وإنْ تُبْلِلْ يُبِلَّ سقيمُ
فسلِّ الهوى إنْ لم تُساعِفْكَ نِيّةٌ ... بجدوى لأعناقِ المَطيِّ حَمومُ
بمائرةِ الضّبعَيْنِ أخلصَ مَتنَها ... صَلاً كرِتاجِ الهاجرِيِّ عقيمُ
سِنادٍ أُمرَّتْ في اعتدالٍ وخَلقُها ... مُضَبَّرُ أوساطِ العِظامِ جَريمُ
كأحقَبَ من وحشِ الغَميمِ بمَتنِهِ ... وليتَيْهِ من عضِّ الحميرِ كُدومُ
أطاعَ لهُ بالمِذْنبَيْنِ وَكَتْنَةٍ ... نَصِيٌّ وأحوى دُخَّلٍ وجَميمُ
فقدْ صارَ مَجدولاً أقَبَّ كأنّهُ ... عِنانٌ خلَتْ فيهِ يدٌ وشَكيمُ
يَسُوفُ بأنفَيْهِ اليَفاعَ كأنّهُ ... عنِ النفْلِ من فرْطِ النشاطِ كَعيمُ
شديدُ مُسَدّى البطنِ مُنكَفِتُ الحشا ... لهُ بالقَواري رَنّةٌ ونَهيمُ
أُشِبَّ بمِشْحاجِ العَشيّاتِ ضَمْعَجٍ ... فأفردَ عنها الجحشَ فهْوَ يتيمُ
لها ولَهُ دَورٌ بكلِّ قَرارةٍ ... ونقْعٍ بمُستلقى الفضاءِ قَويمُ
ندى الصيفِ حتى جاوبَ العِشْرِقُ السَّفا ... وهبَّتْ رياحٌ واستقلَّ نُجومُ
ولاحَهُما بعدَ النَّسيءِ ظَماءةٌ ... ولمْ يكُ عن وِردِ المياهِ عُكومُ
فراحا كأعطالِ المنيحَيْنِ فيهما ... ذبولٌ ولمّا يَصْمُلا وسُهومُ
نِجاداً يَرِدْنَ الماءَ حتى بدا لهُ ... وقدْ حانَ من ذاتِ العِشاءِ غيومُ
أشاءٌ وبَردِيٌّ تَنازَعَ سُوقَهُ ... برَبواءَ مأدُ الماءِ فهْوَ عَميمُ
فلمّا دنا خافَ الجِنانَ كما اتقى ... على نفسِهِ خاشي العقابِ جَريمُ
وبالأُفقِ الغربيِّ والشمسُ حيّةٌ ... سَبائبُ من أخرى النهارِ قُتومُ
وجاءَتْ تَقَدَّى في الدُّجى أخدرِيّةٌ ... على هَولِ نفْرِ الواديَيْنِ تدومُ
وفي قُتَرِ الناموسِ تحتَ صَفيحةٍ ... أخو قنَصٍ للهادياتِ كَلومُ
فلما دنَتْ دفْعُ اليدَيْنِ وأعرضَتْ ... لهُ صفحةٌ من جَوزِها وصَميمُ
تنكَّبَ من زَوراءَ يلحقُ نبلَها ... إلى الصيدِ عجزٌ في الشِّمالِ طَحومُ
بأخضرَ مَطرورِ الوَقيعةِ سَنَّهُ ... وحشَّرَهُ بالأمسِ فهْوَ زَليمُ
стр. 307
فأخطأَها وانفلَّ عن ظهرِ خالدٍ ... منَ الجَندِ مَردودُ الشَّباةِ رَثيمُ
فجالَتْ على وحشِيِّها بعدَ دَنْوَةٍ ... منَ الموتِ واستولى أحَذُّ رَجومُ
وأصبحَ يَحويها كأنَّ صِفاقَهُ ... منَ الترسِ في أولى الجيادِ لَطيمُ
بمَرْقَبةٍ عَلياءَ يرفعُ طرْفَهُ ... بها علَمٌ دونَ السماءِ جَسيمُ
تكشَّفُ عن طاوي الغِرارِ كأنّهُ ... فلافلُ جُونٌ عهدُهُنَّ قديمُ
كقَوسٍ منَ الشِّريانِ ليسَ بفَجوِها ... فُطورٌ ولا بالطائفينَ وصومُ
أذلكَ أمْ كُدْرِيَّةٌ هاجَ وِردَها ... منَ القَيظِ يومٌ صاخدٌ وسَمومُ
غدَتْ كنواةِ المُقْلِ لا مُضمحلّةٌ ... وناةٌ ولا عَجلى الفُتورِ سَؤومُ
لتسقي زُغْباً بالتَّنوفةِ لم تكنْ ... خِلافَ مُولاّها لهُنَّ حَميمُ
تَرابِكَ في الأرضِ الفلاةِ ومنْ يضَعْ ... بمَوضِعِها الأولادَ فهْوَ مُليمُ
جُنوحاً بزِيزاةٍ كأنَّ متونَها ... أفاني حَياً بعدَ النباتِ حَطيمُ
إذا استقبلَتْها الريحُ طَمَّتْ رفيعةً ... وإنْ كسعَتْها الريحُ فهْيَ سَؤومُ
تُواشكُ رَجعَ المَنكبَيْنِ وترتمي ... إلى كَلْكَلٍ للهادِياتِ قَدُومُ
فما انخفضَتْ حتى رأتْ ما يَسرُّها ... وفيءُ الضحى قد آلَ فهْوَ ذَميمُ
أباطِحَ لم تنصَبْ على حيثُ تستقي ... بها شَرَكٌ للوارِداتِ مُقيمُ
سقَتْها سُيولُ المُوشِماتِ فأصبحَتْ ... علاجِمَ تجري مرّةً وتدومُ
فلما استقَتْ من باردِ الماءِ وانجلى ... عنِ النفسِ منها لوعةً وهمومُ
دعَتْ باسمِها حتى استقَتْ واستقلَّها ... قوادمُ حُجْنٌ ريشُهنَّ سليمُ
بجَوزٍ كحُقِّ الهاجريّةِ لَزَّهُ ... بأطرافِ عودِ الفارسيِّ لَطيمُ
فغنَّتْ عُنوناً وهْيَ صَغواءُ ما بها ... ولا بالخوافي الخافقاتِ حشومُ
على خطمِ جَونٍ قد بدا من ظلالِهِ ... غطاءٌ يكُفُّ الناظرينَ بَهيمُ
رمى بالنهارِ الغَورَ فالطيرُ جُنَّحٌ ... رفاقٌ بِعيدانِ العِضاهِ لزومُ
دعَتْهُنَّ عَجلى فاستجَبْنَ لصوتِها ... بمَهوىً وهنَّ كالكراتِ جُثومُ
يَنُؤْنَ إلى النَّقْناقِ حيثُ سمِعْنَهُ ... قِصار الخُطى ليستْ لهنَّ جُرومُ
تُراطِنُ وقْصاءَ القفا حَمْشةَ الشَّوى ... بدعوى القطا لحنٌ لهنَّ قديمُ
تَنُوفيّةُ الأوطانِ كالدُّرْجِ زانَهُ ... بأطرافِ عُودِ الفارسيِّ رُقومُ
فبِتْنَ قريراتِ العيونِ وقدْ جرى ... عليهنَّ شِربٌ فاستقَيْنَ مُنيمُ
صَبيبَ سِقاءِ نِيطَ قدْ نزلتْ بهِ ... مُعاوِدةٌ سِقْيَ الفراخِ رَؤومُ
فلمّا انجلَتْ عنها الدجى وتبيَّنتْ ... منَ الأرضِ والأجلاءِ حيثُ تَحومُ
أصادِعةٌ شَعبانُ منها أديمُها ... ونحنُ صِحاحٌ والأديمُ سليمُ
وأنتمْ بنو لُبنى ونحنُ فكُلُّنا ... لهُ جانبٌ يختارُهُ وحَريمُ
وقال مُزاحم أيضاً:
أشاقَتْكَ بالغَرَّيْنِ دارٌ تأبَّدتْ ... منَ الحيِّ واستَنَّتْ عليها العواصفُ
صَباً وشَمالاً نَيْرَجاً تَعْتَفِيها ... عَثانينُ نَوباتِ الجَنوبِ الزَّفازِفُ
ورائحةٌ غُرٌّ وجُونٌ يقودُها ... بأنجِيَةِ الماءِ الرّواءِ الدوالِفُ
وقفتُ بها لا قاضياً لي لُبانةً ... ولا مُستمِرٌّ في سَريحٍ فصارِفُ
طليحةَ أسفارٍ تنقَّيْتُ طَرقَها ... كما يتنقَّى جِدّةَ الغِلِّ طائفُ
سَراةَ الضحى حتى ألاذَ بخُفِّها ... بقيةُ منقوصٍ من الظلِّ صائفُ
وقفتُ بها حتى تعالَتْ ليَ الضحى ... ومَلَّ الوقوفَ المُبرياتُ العوارفُ
وقال زميلي بعدَ طولِ مُناخِنا ... إلى أيِّ حينٍ أنتَ في الدارِ واقفُ
فقلتُ حَلٍ طالَ الوقوفُ وسامحَتْ ... قرينةُ من عاتبْتُ والقلبُ آلِفُ
وما جَونةُ المِدْرى خَذولٌ دَنا لها ... بقُرىً مُلاحِيٌّ من المَرْدِ ناطِفُ
أصيبَ طَلاها وهْيَ قَبّاءُ لاحَها ... تَلمُّسُ حولِ العهدِ ما لا تصادفُ
طَليحٌ كجَفنِ السيفِ لم يشْفِ لُبَّها ... إهابٌ مُشَكَّىً في كُراعَيْنِ شاسِفُ
стр. 308
جرَتْ حزَناً حتى إذا ارتدَّ لُبُّها ... إليها وأعيَتْها البُغى والمَطارفُ
تَضمَّنَها أعطانُ وادٍ وغَيْضَةٌ ... وظِلُّ كِناسٍ لاذَ بالساقِ جائفُ
بأحسنَ من جدوى ولا ضوءُ مُزنةٍ ... تَكشَّفُ في داني الغَمامةِ صايفُ
ووجْدي بها وجْدُ المُضِلِّ بعيرَهُ ... بمكّةَ لم تعطِفْ عليهِ العواطفُ
رأى من رفيقَيْهِ جَفاءً وفاتَهُ ... بفُرقَتِها المُستعجِلاتُ الخوانِفُ
وقالوا تعرَّفْها المنازلَ من مِنىً ... وما كلُّ من وافى مِنىً أنا عارفُ
ولم أنسَ منها ليلةَ الجِزعِ إذْ مشتْ ... إليَّ وأصحابي مُنِيخٌ وواقفُ
فمدَّتْ بَناناً للصِّفاحِ كأنّهُ ... بناتُ النَّقا مالَتْ بهنَّ الأحاقفُ
تُذكِّرُني جدوى على النأيِ والعِدى ... طِوالُ الليالي والحَمامُ الهواتفُ
وإلفانِ رِيعا بالفِراقِ فمنهُما ... مُجِدٌّ ومقصورٌ لهُ القَيدُ راسِفُ
فقدْ باكرَ الغادي معَ القومِ سائقٌ ... عنيفٌ وللتالي معَ القيدِ واقفُ
ومنْ يرَ جدوى كالذي قد رأيتُها ... يشُقْهُ ويجهَدُهُ إليها التكاليفُ
كصَعدَةِ مُرّانٍ جرى تحتَ ظِلِّها ... خليجٌ أمَّرَتْهُ البحورُ الزَّعارفُ
ولو بذلَتْ أنْساً لأعصَمَ عاقلٍ ... برأسِ الشَّرى قدْ حوَّذَتْهُ المخاوِفُ
لظلَّ رهيناً خاشعَ الطرْفِ حطَهُ ... تَحلُّبُ جدوى والكلامُ الطرائفُ
وما عنبٌ جَونٌ بأعلى تَبالةٍ ... خَضيدٌ أمالَتْهُ الأكُفُّ القواطفُ
بأطيبَ من فيها وما ذقتُ طعمَهُ ... ولكنّني بالطيرِ والناسِ عارفُ
فما طِيبُها وَيْ أنْ يكونَ خيالُها ... عليَّ وأمثالُ الرواةِ القذائفُ
وتَغْلِقُ دوني بابَ صُرْمٍ وراءَهُ ... لغيري كَراماتُ المُحبِّ اللطائفُ
أبِيني أتَغويلٌ علينا فتُعْتِبي ... صدودُكِ هذا أم لعينِكِ طارفُ
وما زالَ عنّا الناسُ حتى ارتَووا بنا ... وحتى قلوبٌ عن قلوبٍ صَوادفُ
وحتى رأيْنا أحسنَ الوُدِّ بينَنا ... مُساكتةً لا يَقرُفُ الشرَّ قارِفُ
ركْبٍ عِجالٍ قد تَضمَّنتُ سَيرَهمْ ... بمَهلكَةٍ تمتدُّ فيها التنائفُ
فلاةِ فلاً لَمّاعةٍ من يَجُرْ بها ... عنِ القَزْدِ تجحفْهُ المنايا الجواحفُ
تناديهمْ والليلُ داجٍ وقدْ مضتْ ... برُكبانِهنَّ المُعْجِلاتُ الخَوانفُ
بحَيِّ هلا يتْبَعْنَ حرفاً زوى ... أمامَ المطايا سدْوُها المتقاذِفُ
تَقاذُفُ رَوْحاوَيْنِ يطَّرِدانِها ... تُباريهما حتى يَسَلَّ المُسالِفُ
تُحاذرُ أنَّى دارَ سَوْطِي بمُقلةٍ ... مُسيّرةٍ خوفٍ طَرفُها مُتشادِفُ
كقارورةِ العطّارِ في مُطمئِنِّها ... بقيّةُ أحوى صفَّقَ الماءَ ناصِفُ
دموعُ المآقي في خشاشٍ مُذكّرٍ ... لمُفتَرَعِ اللحْيَيْنِ فيها نَفانفُ
صُهابِيّةٌ ما بينَ مَقْبِصها إليَّ ... للمُستوي منها مَرَدٌ نفاِفُ
وقال مُزاحم أيضاً:
نظرْتُ وصُحبَتي بقصورِ حَجْرٍ ... برَيّا الطرْفِ غائرةَ الحِجاجِ
إلى ظُعُنِ الفُضَيلةِ طالعاتٍ ... خصورَ الرملِ واردةَ الهَماجِ
وتحتي من بناتِ العيدِ نِقْصٌ ... أضَرَّ بنَيِّهِ سَيرٌ هَجاجِ
إذا ما السوطُ شمَّرَ حالبَيْهِ ... وقلَّصَ بدْنَهُ بعدَ انحِضاجِ
رأيتَ دَسيعةً للرَّحلِ منهُ ... على دَحَمٍ مُخَوِّيةِ الفِجاجِ
ومَوماةٍ كظهرِ الترسِ تحمي ... تَماحُلَ بِيدِها خُدْلُ النعاجِ
بها يقعُ السحابُ بغيرٍ أُنسٍ ... ويُلْقحُ وحشَها بعدَ النتاجِ
قطعْتُ إذا القوارعُ أرَّقتْني ... بسَدْوِ مُقدِّمِ الضبعَيْنِ ناجِ
خَروجِ المنكِبَيْنِ منَ المطايا ... إذا ما قيلَ للشُّجُعاتِ عاجِ
كأنَّ زِمامَهُ يُثنى إلينا ... قناةُ رُدَيْنةٍ ذاتُ اعوجاجِ
كأنَّ ندى نوابعِ أخدعَيْهِ ... عصيرُ صنوبرٍ ذَفِرِ المُجاجِ
تَحدَّرَ من مُرَيْئِشةٍ تراها ... كعِفْرِيَةِ الغَيورِ من الدجاجِ
تقدَّمَ سَدْوَ لاحقةٍ أبُوضٍ ... تأطَّرَ خلفَها غيرَ انشِناجِ
стр. 309
إلى حاذٍ ألفَّ ترى صلاهُ ... وفَقْرَتَهُ كمَضْبورِ الرِّتاجِ
يمُدُّ جَديلَهُ المثني حتى ... يصيرَ مُورَّداً بعدَ انضِراجِ
وجَوزٌ جَهْضَمٌ جنحَتْ إليهِ ... زوافرُ فاعتدلْنَ على انتفاجِ
وقال مزاحم أيضاً:
يا للرجالِ لهَمٍّ باتَ يسلبُني ... لُبِّي ويَحلُبُ عيني دِرّةً هَمَلا
ألمْ ترَ الشيبَ في رأسي فيُعقِبُني ... من منزلٍ كنتُ من رَوعاتِهِ وَجِلا
من دِمْنَةٍ قدْ أحالَتْ بعدَ ساكنِها ... حولَيْنِ واستبدلَتْ من أهلِها بدلا
رُبْدَ النِّعامِ وآراماً تَريعُ بها ... مثلَ الهجائنِ في أوطانِها همَلا
إنَّ الديارِ التي حِيلتْ بذي سلَمٍ ... هاجَتْ عليكَ رَجيعَ الشوقِ مُختَبِلا
وما يهيجُكَ من سُفْعٍ برابيةٍ ... ودارسٍ مثلِ مُلقى الطَّوقِ قد نحلا
حكَّتْ به نَبْرَجٌ هوجاءُ كَلْكَلَها ... حتى تغيَّرَ واستنَّتْ به بلَلا
تهدي له من ترابِ الأرضِ مُعتَصِباً ... طوعَ السِّياقِ إذا حنَّتْ له جفَلا
قد قلتُ يومَ اللِّوى منْ بطنِ ذي عُشَرٍ ... لصاحبيَّ وقدْ أسمعتُ لو فعلا
لأريحيَّيْنِ كالسيفَيْنِ قد مرَدا ... على العواذلِ حتى شيَّبا العذلا
عُوجا عليَّ صدورَ العيسِ ويْحَكُما ... حتى نُحيِّ من كلثومةَ الطَّللا
فعوَّجا ضَمْعجاً في سيرِها دفَقٌ ... ومِرْجَماً كشَسِيبِ النبعِ مُبتَذلا
نِضوَيْنِ قد طالَ ما عنَّاهُما طرَبي ... أيامَ أتَّبِعُ الأهواءَ والغزلا
وعُجْتُ عارفةً للحبسِ ناجيةً ... تحتَ القتودِ تَبُذُّ الأيْنُقَ الرِّحَلا
حرفاً ترى في ذراعَيها إذا سنحَتْ ... والمِرفقَيْنِ إذا استعرضتها فتلا
طالَتْ مذارِعُها واشتدَّ مَحْزِمُها ... وموضعُ الرَّحلِ منها تَمَّ واعتدلا
تُلوي بأصهبَ ذَيّالٍ إذا ضمرَتْ ... يوماً وقلَّصَ حادي القومِ واعتدلا
وفي الخِشاشةِ منها طامحٌ أنِفٌ ... ونابُها فاطرٌ لمْ يعْدُ أن بَقَلا
ثَبْجاءُ مائرةُ الضَّبعَيْنِ تحسِبُها ... منَ الخلاءِ إذا ما أونِسَتْ جملا
أتِيكَ أمْ ناهزٌ في السيرِ مُضْطَلِعٌ ... مشيَ الرِّكابِ إذا استجهلَتهُ جَهِلا
بمثلِهِ تُطلبُ الحاجاتُ إنْ شحطَتْ ... دارٌ بهِ أو أُسَلِّي الهمَّ إنْ نزلا
أبو حَيَّة النميري
قال أبو حية، واسمه الهيثم بن الربيع بن زُرارة بم كبير بن جناب بن كعب بن مالك بن عامر بن نُمير بن عامر بن صعصعة، وكان مجنوناً يُصرع:
لعلَّ الهوى إنْ أنتَ حيَّيْتَ منزِلاً ... بأكبادَ مُرتدٌّ عليكَ عقابِلُهْ
محتْهُ الرياحُ الهُوجُ يَحْننَّ بالحصى ... ونَوءُ الثريّا الجَودُ منهُ ووابلُهْ
عفا غيرَ أُخدودَيْنِ جَرَّ عليهِما ... جدى كلِّ دَلْوِيٍّ تُجَنُّ أصائلُهْ
فلمّا سألتُ الرَّبْعَ أينَ تيمَّمَتْ ... نوى الحيّ لم ينطقْ وضُلِّلَ سائلُهْ
وكنتُ إذا خُبِّرْتُ أنَّ مُكَلَّفاً ... بكى أو تَعنّاهُ عِدادٌ يُماطلُهْ
منَ الحُبِّ زَرَّفتُ المُحبَّ فقد بكا ... فؤادي حتى أسلمتْهُ عواذلُهْ
كأنَّ فؤادي طائرٌ في حِبالةٍ ... رأى غيَّهُ لمّا اعْتفَتْهُ حبائلُهْ
عشيّةَ رَدَّ الحيُّ بُزْلاً يَزِينُها ... تمامٌ ونَيٌّ طارَ عنهُ خمائلُهْ
عقائلُ ما منهنَّ إلاّ عَدَبَّسٌ ... ذرى شوكُهُ أو فاطرُ النابِ باقلُهْ
ومرْتٍ إذا أمسى بهِ القومُ أعظمَتْ ... مَخاقَتَهمْ أهوالُهُ وغوائلُهْ
تأوّلتُ آياتٍ بهِ ورمَيْنَهُ ... بمِردى سِفارٍ ابنُ عامَيْنِ بازلُهْ
بأتلعَ فَعْمِ المنكبَيْنِ تقابلَتْ ... عليهِ المهارى أروعُ القلبِ جاهلُهْ
إذا قلتُ جاهٍ لَجَّ حتى يرُدَّهُ ... مِراسٌ ومكِيٌّ تأوَّبَ جادِلُهْ
كأنّي ورَحلي فوقَ جأبٍ خلا لهُ ... وإلفَيْهِ جَنْبا صارةٍ فجُلاجِلُهْ
رِباعٍ نفى عنها وعنهُ جِحاشَها ... فما هنَّ إلاّ مُلْمِعاتٍ قَتائلُهْ
شهورَ الندى حتى إذا هاجَ ناصلٌ ... عليهِ ورامَتْهُ بصُرْمِ حَلائلُهْ
стр. 310
غدا في ثلاثٍ مُرْبِعاً لاحقَ الحشا ... إذا هو أمسى راجعَتْهُ أفاكِلُهْ
فظلَّ بآرامَ النُّوَيْرِ كأنّهُ ... رَبِيئةُ قومٍ خائفُ القلبِ واجلُهْ
فلمّا رأيْنَ الليلَ جِنْحاً وقدْ بدا ... لها ولهُ الأمرُ الذي هو فاعلُهْ
تيمَّمَ عَيناً من أُثالَ رَوِيّةً ... عليها أخو بِيدٍ شديدٍ خصائلُهْ
يُعَشِّرُ في تَقريبِهِ وإذا انتحى ... عليهنَّ من قُفٍّ أرنَتْ جَنادلُهْ
وأوقدْنَ نيرانَ الحُباحِبِ والتقى ... حصىً يتراقى بينهنَّ ولاوِلُهْ
إذا قلنَ كلاّ قالَ والنَّقْعُ ساطعٌ ... بلى وهْوَ واهٍ بالجِراءِ أباجلُهْ
وإنْ أسهلَ اسْتَتْلَيْنَ نَقعاً كأنّهُ ... شَماطيطُ كتّانٍ تطيرُ رَعابلُهْ
فأوردَها والليلُ نَصفانُ بعدَما ... علاها حميمٌ ما رعَتْهُ شُلاشِلُهْ
يرَيْنَ نجومَ الليلِ فيها كأنّها ... مصابيحُ مِحرابٍ تُذَكّى قنادلُهْ
وفي الجانبِ الأدنى الذي ليس ضربةً ... برمحٍ بلى حَرّانُ زُرقٌ مَعابلُهْ
مُطِلٌّ بمَنحاةٍ لهُ في شِمالِهِ ... رَنينٌ إذا ما حرَّكتْها أناملُهْ
فَصَوَّبْنَ أعناناً وأدنَيْنَ أذرُعاً ... إليهنَّ والجَرْع انتهازاً تُداخلُهْ
رمى العَيرُ أذْناهُ على الفُقْرةِ التي ... تَليهِ وأدنى النَّجْبِ منهُ مَقاتلُهْ
فمَرَّ تُحَيْتَ المَرفقَيْنِ وصدَّهُ ... عنِ الجَوفِ إنْ لمْ يلقَ حتفاً يُعاجلُهْ
فيا لكَ إخطاءً ويا لكَ جَولةً ... ويا لكَ شدّاً يَعْبِطُ الأكْمَ وابِلُهْ
كما انقضَّ دَرِيٌّ على مُتَعَفْرِتٍ ... رجيمٍ تَدرَّى وحيَ سمعٍ يُخائلُهْ
أذلكَ أمْ ذَبُّ الرِّيادِ خلا لهُ ... لوىً وكثيبٌ مُزْبَئِرٌّ خمائلُهْ
رعى الخَطراتِ الحُوَّ فرْداً كأنّهُ ... حسامٌ جلا أطباعَ مَتْنَيْهِ صاقِلُهْ
طَباهُ عنِ الأُلاّفِ أيامُ سَلوةٍ ... يُناطحُ فيها ظِلَّهُ ويُخائِلُهْ
إذا رَيْدَةٌ من حيثُ ما نفحَتْ لهُ ... أتاهُ برَيّاها خليلٌ يُواصلُهْ
غدا والندى يَنصبُّ عنهُ كأنّهُ ... فريدُ العذارى ضيَّعَ السِّلْكَ ناصِلُهْ
وقال أبو حية أيضاً يذكر النِّشّاش، وهو ماء أكثره لنُمير ومن معهم من أفناء قيس:
ألا حيِّ من أجلِ الحبيبِ المَغانيا ... لبِسنَ البلى مما لبسْنَ اللياليا
وبُدِّلنَ أُدْماناً وبدِّلْنَ باقراً ... كبِيضِ الثيابِ المَرْوَزِيّةِ جازِيا
كأنَّ بها البَردَيْنِ أبلاقَ شِيمةٍ ... بُنِينَ إذا أشرفْنَ تلكَ الروابيا
نظائرُ أُلاّفٌ تَشِيعُ وتلتقي ... كما لاقتِ الزُّهْرُ العذارى العَذاريا
كما خَرَّ في أيدي التلاميذ بينَهمْ ... حصى جوهرٍ لاقَيْنَ بالأمسِ جالِيا
خبأنَ بها الغُنَّ الغِضاضَ فأصبحَتْ ... لهنَّ مَراداً والسِّخالَ مَخابيا
وما بدَلٌ من ساكنِ الدارِ أن ترى ... بأرجائِها القصوى النعاجَ الجوازيا
تحمَّلَ منها الحيُّ وانصرفَتْ بهمْ ... نوىً لم يكنْ منْ قادَها لكَ آوِيا
فإنْ أكُ ودّعتُ الشبابَ فلمْ أكنْ ... على عهدِ إذْ ذاكَ الأخلاء زاريا
حَناكَ الليالي بعدَ ما كنتَ مرّةً ... سَوِيَّ العصا لو كنَّ يُبقينَ باقيا
إذا ما تقاضى المرءَ يومٌ وليلةٌ ... تقاضاهُ شيءٌ لا يمَلُّ التَّقاضيا
وإنّي لَمِمّا أنْ أُجَشِّمَ صُحبَتي ... ونفسيَ والعيسَ الهمومَ الأقاصيا
وإني لَينْهاني عنِ الجهلِ إنّني ... أرى واضحاً منْ لِمَّتي كانَ داجيا
وطُولِ تَجاريبِ الأمورِ ولا أرى ... لذي نُهيَةٍ مثلَ التَّجاريبِ ناهيا
وهَمٍّ طرى من بعدِ ليلٍ ولا ترى ... لهَمٍّ طَرا مثلَ الصَّريمةِ قاضيا
وجَدّاءَ مِجْرازٍ تَخالُ سرابَها ... إذا اطَّردَ البيدُ السِّباعُ العواديا
عميقةِ بينَ المنهلَيْنِ دليلُنا ... بها أن نؤمَّ الفرقدَ المُتصابيا
إذا الليلُ غشّاها كسوراً عريضةً ... تغنَّتْ بها جِنُّ الخلاءِ الأغانيا
قطعتُ إلى مجهولِ أخرى أنيسَها ... بخُوصٍ يُقلِّبْنَ النِّطافِ الهَواميا
стр. 311
نَشُجُّ بهنَّ البِيدَ أمّاً وتارةً ... على شرَكٍ نرمي بهنَّ المَراميا
إذا قالَ عاجٍ راكبٌ زلجَتْ بهِ ... زَليجاً يُداني البرزخَ المُتماديا
فداءٌ لركْبٍ من نُميرٍ تداركوا ... حنيفةَ بالنِّشّاشِ أهلي ومالِيا
أصابوا رجالاً آمنينَ وربّما ... أصابَ بريئاً حُرْمُ منْ كانَ جانيا
فلمّا سعى فينا الصريخُ وربّما ... بلبَّيْكَ أنجدْنا الصريخَ المُناديا
ركِبْنا وقدْ جدَّتْ جَدادِ ولا ترى ... منَ القومِ إلاّ مُحْمِشَ الجَرْدِ حامِيا
نَزائعَ من أولادِ أعوجَ قلّما ... تَزالُ إلى الهَيجا صباحاً غواديا
بأُسدٍ على أكتافِهنَّ إذا عصوا ... بأسيافِهمْ كانوا حتوفاً قواضيا
وما يأتلي منْ كانَ منّا وراءَنا ... لحاقاً وما نحنو لمنْ كانَ تاليا
فلمّا لحقْناهمْ شددْنا ولمْ يكنْ ... كِلامٌ وجرَّدْنا الصَّفيحَ اليَمانيا
هوى بينَنا رِشْقانِ ثُمّتَ لمْ يكنْ ... رِماءٌ وألقى القوسَ من كانَ راميا
وكانَ امتِصاعاً تحسِبُ الهامَ تحتَهُ ... جنى الشَّرْيِ تُهويهِ السيوفُ المهاويا
فدُرْنا عليهم ساعةً ثمَّ خبَّبوا ... عباديدَ يعدُونَ الفِجاجَ الأقاصيا
وأسيافُنا يُسْقِطْنَ من كلِّ مَنكِبٍ ... وحبلٍ ويُذْرِينَ الفَراشَ المَذاريا
فلمّا تركْناهمْ بكلِّ قَرارةٍ ... جُثىً لمْ يُوارِ اللهُ منها المَعاريا
رجعْنا كأنَّ الأسْدَ في ظلِّ غابِها ... ضرَجْنا دماً منها الكُعوبَ الأعاليا
شكَكْنا بها في صدرِ كلِّ منافقٍ ... نَوافذَ يَنْشَحْنَ العروقَ العواصيا
ترى الأزرقِيَّ الحشْرَ في الصَّعدةِ التي ... وفى الدِّرعُ منها أربعاً وثمانيا
تصيدُ بكفَّيْ كلِّ أروَعَ ماجدٍ ... قلوبَ رجالٍ مُشْرِعينَ العواليا
وكنّا إذا قيلَ اظْعَنوا قد أُتيتُمُ ... أقمنا ولم يُصبِحْ بنا الظعنُ غاديا
بِحَيِّ حِلالٍ يَرْكزونَ رماحَهمْ ... على الظلْمِ حتى يصبحَ الأمنُ داجيا
جديرونَ يومَ الروعِ أنْ نخضِبَ القَنا ... وأن نتركَ الكبشَ المُدَجَّجَ ثاويا
وإنْ نِيلَ منّا لمْ نلعْ أن يُصيبَنا ... نوائبُ يلقَيْنَ الكريمَ المُحاميا
ونحنُ كفَيْنا قومَنا يومَ ناعتٍ ... وجُمْرانَ جَمعاً بالقنابلِ بارِيا
حنيفةَ إذْ لم يجعلِ اللهُ فيهمِ ... رشيداً ولا منهمْ عنِ الغيِّ ناهيا
أتَوْنا وهمْ عَرْضٌ وجئنا عصابةً ... فذاقوا الذي كنّا نُذيقُ الأعاديا
ضربْناهمُ ضربَ الجنابى على جِبىً ... غرائبَ تغشاهُ حِراراً صَواديا
بأسيافِ صدقٍ في أكُفِّ عصابةٍ ... كرامٍ أبَوا في الحربِ إلاّ تأسِيا
ترى المَشْرَفِيَّ العَضْبَ ضُرِّجَ مَتنُهُ ... دماً صارَ جَوناً بعدما كانَ صافيا
كأنَّ اليدَ استَلَّتْ لنا في عَجاجةٍ ... لنا ولهم قرناً من الشمسِ ضاحيا
إذا ما ضربْنا البَيضَ والبَيضُ مُطبَقٌ ... على الهامِ أدركْنَ الفِراخَ اللَّواطيا
ورأسٍ غزانا كيْ يصيبَ غنيمةً ... أتانا فلاقى غيرَ ما كانَ راجيا
هذَذْنا القفا منهُ وقدْ كانَ عاتياً ... بهِ الكِبْرُ يُلوي أخدَعَيْهِ الملاوِيا
ضربْناهُ أمَّ الرأسِ أو عَضَّ عندَنا ... بساقَيْهِ حِجْلٌ يتركُ العظمَ باديا
وإنّا لنُنْضي الحربُ منّا جماعةً ... وكعْباً لنا والحمدُ للهِ عاليا
وإنّي لا أخشى وراءَ عشيرَتي ... عدوّاً ولا يخشوْنَهُ من ورائيا
أبى ذاكَ أنّي دونَ أحسابِ عامرٍ ... مِذَبٌّ وإنّي كنتُ للضَّيمِ آبيا
وإنّي من القومِ الذين ترى لهمْ ... سِجالاً وأبواباً تُفيضُ المقاريا
إذا الناسُ ماجُوا أو وزنْتَ حُلومَهمْ ... بأحلامِنا كنّا الجبالَ الرواسيا
وبالشِّعْبِ أسْهَلْنا الحضيضَ ولمْ نكنْ ... بشِعبِ الصَّفا ممّنْ أرادَ المخابيا
أتيْنا معَ ابنِ الجَونِ وابنَيْ مُحرِّقٍ ... مَعَدٌّ يسوقونَ الكِباشَ المَذاكيا
بنو عُدَسٍ فيهمْ وأفناءُ خالدٍ ... قُرومٌ تَسامى عزّةً وتَباغيا
стр. 312
لَقُونا بدُفّاعٍ كأنَّ أتِيَّهُ ... أتِيُّ فُراتيٍّ يدُقُّ الصواريا
فلمّا رمَيْناهمْ بكلِّ مؤزَّرٍ ... بغُضْفٍ تَخيَّرْنَ الظُّهارَ الخوافيا
على كلِّ عِجزٍ من رَكوضٍ ترى لها ... هِجاراً يُقاسي طائفاً مُتعاديا
مشَيْنا إليهمْ في الحديدِ كأنّنا ... قياسِرُ لاقَتْ بالعَنِيّةِ طالِيا
إذا نحنُ لافَفْناهمُ أخذتْهمُ ... مَخاريقُ لا تُبقي منَ الروحِ باقيا
وقال أبو حيّة أيضاً:
حيِّ الديارَ عِراصُهُنَّ خَوالِ ... بحَمادِ ساقَ رسومُهنَّ بَوالِ
مُحتلُّ أحْوِيَةٍ عليهمْ بهجةٌ ... بسواءِ مُشْرِفةٍ بهمْ مِحْلالِ
فقَأوا بها أُنُفَ الربيعِ وفقَّأوا ... فيها سَوابيَ ما تجِفُّ سِخالِ
فترى المِئينَ منَ العشائرِ حولَهمْ ... وترى مُسَدَّمةً قُرومَ جِمالِ
فإذا غشيْتَهمُ سمعتَ هوادراً ... وصَواهلاً ورأيتَ أحسنَ حالِ
وترى بأفنيةِ البيوتِ مَصنونةً ... جُرْداً يَجُلْنَ معاً بغيرِ جِلالِ
كانوا بها فتقسَّمتْهمْ نِيّةٌ ... شَعواءُ ليسَ زِيالُها كزِيالِ
قذفَتْهمُ فِرَقاً فمنهمْ راكنٌ ... ومُؤَوِّبٌ لهواكَ غيرَ مُبالِ
يا دارُ وَيْبَكِ ما لعهدِكِ بعدَنا ... أأتى عليكِ تَجرُّمُ الأحوالِ
إنْ كانَ غيّرَكِ الزمانُ فلا أرى ... بملاكِ غيرَ خوالدٍ أمثالِ
سُفْع المناكبِ قدْ كُسِينَ مَعرّةً ... من قَدرِ منزلةٍ بغيرِ جِعالِ
فلقدْ أرى بكِ إذْ زمانُكِ صالحٌ ... بِيضاً فواخرَ نعمةٍ وجَمالِ
نُجْلُ العيونِ كأنّما استوْهَبْنَها ... فوهبْنَهُنَّ خواذلَ الآجالِ
قالَ الكواعبُ يومَ أودٍ عمُّنا ... حُيِّيتَ يومَ ردَدْنَ جاه وِصالي
وفزعْنَ من شمَطٍ تَجلَّلَ مَفْرِقي ... حتى علا وضَحٌ كلونِ هلالِ
ولقدْ أناضلُهُنَّ أغراضَ الصِّبا ... خَلَواتِهِنَّ فما تَطيشُ نِبالي
ولقدْ أروحُ على الجوادِ وهكذا ... أمشي وأيَّ تَصرُّعٍ ودلالِ
كالسيفِ يقطُرُ أوْبكُمْ سالَمتَهُ ... وأسِيلَ أمسِ فِرِنْدَهُ بصِقالِ
وتَنُوفةٍ موصولةٍ بتنوفةٍ ... وصْلَيْنِ وصْلَ تَنائفٍ أغفالِ
ترمي مُؤوَّبةً إلى أمثالِها ... غُبرَ الفِجاجِ مَخوفةَ الأهوالِ
كلَّفْتُهُنَّ هِبابَ كلِّ مُبرِّزٍ ... صدَراً وكلَّ نجيبةٍ شِملالِ
صَغواءَ منْ أنَفِ الزِّمامِ قويةٍ ... بعدَ الكَلالِ عتيدةَ الإرْقالِ
وكأنَّ أحبُلَها ومَيْساً قاتراً ... والمرءُ فوقَ مُلمَّعٍ ذَيّالِ
أمسى بحَومَلَ تحتَ طَلِّ مُخِيلَةٍ ... نحَرتْ عشيَّتُها سِرارَ هلالِ
تحبو إليهِ كأنّما أرواقُها ... بُخْيُ العراقِ دلَحْنَ بالأثقالِ
باتَتْ تُكَفَّى وجهَهُ مأمورةٌ ... خَيْرى مُفرَّغةٌ بغيرِ دَوالِ
حتى إذا انصدعَ العمودُ كأنّهُ ... هادي أغرَّ جرى بغيرِ جِلالِ
وغدا تلألأُ صفحَتاهُ كأنّهُ ... مصباحُ في دُبُرِ الظلامِ ذُبالِ
غاداهُ مُهتلِكٌ ترى أطمارَهُ ... يَهفونَ عاقدَ شَطرِهِ بعِقالِ
يسعى بمُغْفَلَةٍ قَواضٍ ساقَها ... ريشُ الظُّهارِ وزَمَّها بنِصالِ
ومصونةٍ دُفعتْ فلمّا أدبرتْ ... رُدَّتْ طوائفُها على الإقبالِ
خُطمتْ بأسمرَ من نواشرَ نأملُّها ... فيهِ كنأمِ مُصابةٍ مِثْكالِ
ومُغَرَّثاتٍ قد طُوِينَ كأنّها ... لمّا غدتْ وغدا أراقمُ ضالِ
فانصاعَ حينَ رأى البصيرةَ يحتذي ... منهُ أكارعَ ما لهُنَّ توالي
لا يأتَلي يدعُ الرِّقاقَ كأنّهُ ... في السابِريِّ وهنَّ غيرُ أوالي
جعلَ الصَّبا في مَنخِرَيْهِ كأنّهُ ... مِرِّيخُ فَوتَ لُحِيِّهِنَّ مُغالِ
حتى إذا انقطعَتْ بهِ في فِقْرةٍ ... وبهنَّ مَيْعةُ شاهدٍ ومِطالِ
ولهثْنَ كَرَّ مُغامرٌ ذو نجدةٍ ... يحمي ويَشرُكُ كلَّ إربةِ حالِ
يحمي ويطرحُهُنَّ غيرَ مُكذِّبٍ ... طرْحَ المُفيضِ رِبابةَ الأنفالِ
ألفَيْنَهُ ذَرِبَ السلاحِ مقاتلاً ... وأردْنَ ولْغَ دمٍ بغيرِ قتالِ
стр. 313
كلاّ لقدْ شرِقَتْ قناةٌ هزَّها ... في كلِّ مَنْبِضِ غائبٍ وطِحالِ
وقال أبو حيّة:
ألا حَيِّ أطلالاً بهنَّ دُثورُ ... كأنَّ بقايا عهدِهنَّ سطورُ
مِدادُ يهوديَّيْنِ مَجْمَجهُ البِلى ... وفي الوحيَ من آيِ الكتابِ زَبورُ
ديارُ التي قالتْ لوَ انكَّ زُرتَنا ... وُصِلتَ ولكنْ لا نراكَ تزورُ
فقلتُ عداني أنَّ أهلَكِ ظَنَّةٌ ... عليَّ وأنّي قد علمْتُ شهيرُ
صددْتِ ولَجَّ الهجرُ منكِ وإنّني ... لمثلِكِ عن غيرِ القِلى لهَجورُ
أعَرْتُكِ وُدِّي أمَّ عثمانَ فارجِعي ... ودائعَ لم يبخلْ بهنَّ مُعيرُ
حياءٌ نهى عمّا عهدْتِ منَ الصِّبا ... ويأساً ومَثْلي بالحياءِ جديرُ
ألا حبّذا الماءُ الذي قابلَ النَّقا ... ومُرتَبَعٌ من أهلِنا ومصيرُ
وأيامُنا عامَ الخبِيَّيْنِ إنّني ... لهنَّ على العهدِ القديمِ ذَكورُ
إذِ الرأسُ أحوى حالِكُ اللونِ يرتدي ... جناحَيْهِ إذْ غصنُ الشبابِ نَضيرُ
وقدْ كانَ لي إذ ذاكَ منهنَّ مجلِسٌ ... قريبٌ ومنْ أسرارِهنَّ ضميرُ
فأعرضْنَ إعراضاً هوَ الصُّرْمُ عَينُهُ ... كأنْ لم يكنْ لي عندَهنَّ نَقيرُ
ألا طرقَتْنا أمُّ عثمانَ ليلةً ... مِدرى وقدْ كادَ السِّماكُ يَغورُ
ألمَّتْ بنَشوانَيْ كرىً صرعْتُهما ... بإحدى الفيافي غَرْبةٌ وفُتورُ
بعيدَيْنِ من مَهواهُما أدركَتهما ... وفاةٌ لها تَحليلةٌ فَنُشورُ
أناخا ولا الأرضُ التي يطلبانِها ... قريبٌ ولا ليلُ التِّمامِ قصيرُ
فقلتُ لها حُيِّيتِ من زائرٍ طوى ... مفاوزَ لا يُزجى بهنَّ حَسيرُ
وما خِلتُها كانتْ رَؤُوداً ولا سرَتْ ... إلى الركْبِ مِيلافُ الحِجالِ خَدورُ
أتتْكَ بها تَهويمةٌ غمَّضتْ بها ... معَ الصبحِ عينٌ لا تنامُ سَهورُ
وما أنتَ أمْ ما أمُّ عثمانَ بعدَما ... حبا لكَ من رملِ الغناءِ حَدورُ
عراقيّةٌ لمْ تبدُ يوماً ولم تكنْ ... شَطيرَ النَّوى لكنْ نَواكَ شَطيرُ
نَؤومُ الضحى لم نأْوِ إلاّ وتحتَها ... قَباطِيُّ ريشٍ تحتَهنَّ سريرُ
وبِتنا كأنّنا بَيَّتَتْنا لَطيمةٌ ... أتتْنا بها من سوقِ أبْيَنَ عِيرُ
شَراها بما اقتالوا شَمومٌ لمثلِها ... بشُمّاتِهِ الرِّبْحُ العظيمُ بصيرُ
ولمّا احتواها إحتواها غنيمةً ... مُخاطرُ أرباحِ الألوفِ جَسورُ
تمطَّتْ بهِ غُلْبٌ كأنَّ قُفِيَّها ... بهنَّ وأقْراءُ الأخادعِ قِيرُ
ولمّا أنيختْ بعدَما آبَ قبلَها ... ليومَيْنِ بالغُنْمِ العظيمِ يُشيرُ
تحكَّمَ فيها بالعراقِ كأنّهُ ... على الناسِ طُرّاً بالعراقِ أميرُ
وقيلَ هنيئاً ما رُزقتَ فإنّهُ ... على اللهِ رزّاقِ العبادِ يسيرُ
وما أطلقَ الأعباءَ حتى تضوَّعتْ ... بها سِكَكٌ ممّا لديهِ ودُورُ
وتِيهٍ تخطّتْها صُحبَتي ... نواهزُ في أعناقِهنَّ نُذورُ
رِكابُ نوىً أسآرُ هَمٍّ كأنّها ... جَوازٍ منَ الشِّيزى لهنَّ صَريرُ
طوَتْهُنَّ والبِيدَ الليالي فقدْ ذوتْ ... بطونٌ لها مُقورَّةٌ وظهورُ
وجُرِّدنَ واسْمَهْرَرْنَ حتى كأنّها ... قَناً طارَ عنها باليدَيْنِ شَكيرُ
وبينَ القُوى والرحْلِ منهنَّ وهْمةٌ ... بها وهْيَ حرفٌ جُرأةٌ وضريرُ
تَغالى بها فُتْلٌ مَطاويحٌ ينتحي ... بهنَّ حِذاءٌ بالفلاةِ جَميرُ
وأتْلَعُ نَهّاضٌ أَنِيفٌ يقودُهُ ... مُلَملم جُلمودِ الدماغِ ذَكيرُ
تراها إذا لجَّتْ وقُدّامَ عينِها ... خِشاشٌ وفوقَ الناظرَيْنِ حَريرُ
وفي الحلْقةِ الصُّفْرِ التي خُشمتْ بها ... مُطيرٌ لشَغْبِ الأخدعَيْنِ قَهورُ
كذي رُمَلٍ فرْدٍ رمتْهُ عشيّةٌ ... لها سبَلٌ مُستقبِلٌ وصَبيرُ
بأسحمَ نثّارٍ أجشَّ جرتْ لهُ ... صَباً رادَةٌ لم تجرِ فيهِ دَبورُ
إلى دفءِ أرطاةٍ إلى جَنبِ عجْمةٍ ... بها الشاةُ مَحبورُ المكانِ غَريرُ
لها واكفٌ يجري عليها كأنّهُ ... حصىً شِيفَ خانتْهُ السلوكُ قَشيرُ
стр. 314
فلمّا انجلَتْ عنهُ غياطلُ ليلةٍ ... منَ الدَّجنِ فيها حَثّةٌ وفُتورُ
غدا غدَوِيٌّ فوقَ عينَيْهِ شِكّةٌ ... كِلا مِغولَيْهِ اللَّهْذَمَيْنِ ضريرُ
منَ العينِ تدعوهُ الرياحُ كأنّهُ ... فَتيقٌ بهِ مما ألمَّ فُدورُ
وغاداهُ من جِلاّنَ ذئبُ مجاعةٍ ... شقيٌّ بهِ ضارورةٌ وفُقورُ
لهُ طلّةٌ شابَتْ وما مس جيبَها ... ولا راحتَيْها الشَّثْنَتَيْنِ عبيرُ
لَدُنْ فُطمتْ حتى علا كلَّ مَفرِقٍ ... لها من سِنِيها الأربعينَ قَتيرُ
كأنَّ ذراعَيْها وظِيفا نعامةٍ ... ووجهٌ لها لا ماءَ فيهِ نَكيرُ
ولَحْيانِ لا ينفكُّ في ناجِذَيْهِما ... أنِيضٌ شَوتْهُ شهوةً وقديرُ
إذا غابَ أو لم يغْدُ يوماً فإنّها ... بكلبَيْهِ مِغباشُ الغُدوِّ بَكورُ
ولمّا انجلى قبلَ الغُطاطِ انبرَتْ لهُ ... مَراريخُ في أعناقِهنَّ سُيورُ
فلمّا رأى ذاكَ الشقيُّ الذي غدا ... بغُضْفٍ لهُ زُرقٌ لهنَّ جَفيرُ
هِجاناً رأى منهُ على الشمسِ نُقْبةً ... تكادُ وإنْ جَنَّ الظلامُ تُنيرُ
وقاهُ بأمثالِ المَغالي كأنّها ... بأجنحةٍ فيها إليهِ تطيرُ
جلا عن مآقيها وعن حَجَباتِها ... خراطيمُ فيها دِقّةٌ وخصورُ
فدَأَبْنَهُ مِيلَيْنِ ثمَّ نزعْنَهُ ... إليهنَّ إذْ شُؤبوبهنَّ مَطيرُ
ليأخذْنَهُ أخذاً عنيفاً وأخْذُهُ ... عليهنَّ إلاّ أن يحينَ عسيرُ
إذا كُنَّ جَنبَيْهِ وكنَّ أمامَهُ ... ودُرْنَ بهِ لمْ يعيَ كيفَ يدورُ
يكُرُّ فيحمي عورةً لا يُضِيعُها ... وذو النجدةِ الحامي الكريم كَرورُ
يُخرِّقُ في آباطِهنَّ بلَهذمٍ ... يَطِرُّ إذا أمكَنَّهُ فيَغورُ
وبالكُرهِ ما يحنو لهنَّ وإنّهُ ... لمُستهزَمٌ لو يستطيعُ فَرورُ
لهُ في خَبارِ الهُبْرِ وثْبٌ إذا أتى ... عليهِ ونقْعٌ بالرَّقاقِ ذَميرُ
فتلكَ التي شبَّهتُ ذاكَ وقد جرتْ ... على سررٍ هِيفٍ لهنَّ ضُفورُ
نجاةٌ برى عنها عتيقٌ أثارَهُ ... سُرىً ورواحٌ مُغبِطٌ وبُكورُ
وأبلحَ عاتٍ لا يؤدّي أمانةً ... عليهِ ولاقاهُ عليهِ أميرُ
أقمتُ الصَّغا وأخدعَيْهِ بضربةٍ ... لها تحتَ بينِ المنكِبَيْنِ هديرُ
وقال أبو حية:
ألا يا نْعَمي أطلالُ خنساءَ وانْعمي ... صباحاً وإمساءً وإنْ لم تَكلَّمي
ولا زلتِ في أرواقِ واهيةِ الكُلى ... هَتُولٍ متى تُبْسِسْ بها الريحُ تُرزِمِ
عهدْنا بها الخنساءَ أيامَ ما ترى ... لخنساءَ مِثلاً والنَّوى لم تَخرَّمِ
وخنساءُ مِخماصُ الوِشاحَيْنِ خَطْوُها ... إلى الزوجِ أقتارٌ خُطى المُتجشِّمِ
ينوءُ بخَصْرَيْها إذا ما تأوَّدتْ ... نقا عُجمةٍ في صَعدةٍ لم تُوصَّمِ
خليليَّ من دونِ الأخلاّءِ قد ونَتْ ... عصا البينِ هلْ في البَينِ من مُتكلِّمِ
ألِمّا نُسائلْ قبلَ أن ترمي النَّوى ... بنافذةٍ نَبْضَ الفؤادِ المُتيَّمِ
يقفْ عاشقٌ لم يبقَ من روحِ نفسِهِ ... ولا عقلِهِ المسلوبِ غيرَ التوهُّمِ
وما تركَ اللائي يُرَيِّشْنَ صِيغةً ... هيَ الموتُ من لحمٍ عليهِ ولا دمِ
إذا هنَّ أحْذَيْنَ المراوِدَ بعدَما ... رقَدْنَ إلى قرنِ الضحى المُتجرِّمِ
عيونُ المها أو مثلَها سقطَتْ لها ... وأعيُنُ أرآمٍ صَرائدَ أسهُمِ
كما أصردَتْ حِضنَيْ جميلٍ وقبلَهُ ... عُرَيَّةَ والبَكّاءةَ المُترنَّمِ
رمتْهُ أناةٌ من ربيعةِ عامرٍ ... نَؤومُ الضحى في مأتمٍ أيَّ مأتمِ
وجاءَ كخَوطِ البانِ لا مُتتَرِّعاً ... ولكنْ بخلْقَيْهِ وقارٍ ومِيسَمِ
فقالَ صباحٌ قُلنَ غيرَ فواحشٍ ... صباحاً وما إنْ قلنَ غيرَ التذمُّمِ
فأنشدَ مشعوفاً بهندٍ وأهلِها ... نشيداً كخُشّابِ العراقِ المُنظَّمِ
وقُلنَ لها سرّاً وقَيْناكِ لا يَرُحْ ... صحيحاً وإنْ لم تقتليهِ فألْمِمي
فأدنَتْ قناعاً دونَهُ الشمسُ واتَّقتْ ... بأحسنِ موصولَيْنِ كفٌّ ومِعصَمِ
стр. 315
فراحَ ابنُ عَجِلانَ الغوِيُّ بحاجةٍ ... يُجاوبُ قُمْرِيَّ الحَمامِ المُهيَّمِ
وراحَ وما يدري أفي طلقةِ الضحى ... تَروَّحَ أو داجٍ منَ الليلِ مُظلمِ
وأغيدَ من طولِ السُّرى برَّحَتْ بهِ ... أفنانيُ نَهّاضٍ على الأيْنِ مِرْجَمِ
وأقتالُهُ من مَنكبَيْهِ كأنّها ... نوادرُ أعناقٍ رِبابةُ مُسْهِمِ
خواضعُ يَسْتَدِمينَ في كلِّ خِلقةٍ ... لوَتْها بكفَّيْهِ كِلابُ المُخشِّمِ
وأدراجِ ليلٍ بعدَ ليلٍ يجوبُهُ ... بهِ زَورُ أسفارٍ متى تُمسِ تُجذِمِ
سرَيْتُ بهِ حتى إذا ما تمزّقتْ ... توالي الدُّجى عن واضحِ الليلِ مُعْلِمِ
أنخْنا فلمّا أفرغَتْ في دماغِهِ ... وعينَيْهِ كأسُ النومِ قلتُ لهُ قُمِ
فما قامَ إلاّ بينَ أيدٍ تُقيمُهُ ... كما عطفَتْ ريحُ الصَّبا عودَ ساسَمِ
خطا الكُرهَ مغلوباً كأنَّ لسانَهُ ... لِما ردَّ من رجْعٍ لسانُ المُبَرْسَمِ
وودَّ بوُسْطى الخمسِ منهُ لو اننا ... رحَلْنا وقُلنا في المَناخِ لهُ نَمِ
فلمّا تغشّاهُ على الرحْلِ ينثَني ... مُسالَيْهِ عنهُ في وراءٍ ومُقْدَمِ
ضمَمْنا جناحَيْهِ بكلِّ شِمِلَّةٍ ... ومُرتَقِبِ اليُمنى كَتُومِ التزَغُّمِ
فأضحى وما يدري بأيّةِ بلدةٍ ... ولا أينَ منها مَيدةٌ لمْ تُصرَّمِ
يخِرُّ حِيالَ المَنكِبَيْنِ كأنّهُ ... نَخيعٌ على ذي قوةٍ مُتَغَمْغِمِ
أَميمُ كرىً أثْأى بهِ خطَلُ السُّرى ... وهَيْجات عُرْيانِ الأشاجعِ شَيْظَمِ
ومنهنَّ تحتَ الرحْلِ جلْسٌ جعلْنَها ... دواءً لنجوى الطارقِ المُتنوِّمِ
إذا المُنقِياتُ العِيدُ بلَّغْنَ أرقَلَتْ ... على الأيْنِ إرقالَ الفَنيقِ المُسدَّمِ
كأنَّ السُّرى ينجابُ في كلِّ ليلةٍ ... إلى الصبحِ عن نازِي الحماتَيْنِ صِلدِمِ
رعى الرملَ حتى استنَّ كلُّ مُزمزِمٍ ... على الشاةِ محبوكِ الذراعينِ كلْدِمِ
شُوَيْقٍ رعى الأنداءِ حتى تعذَّرتْ ... مَجاني اللِّوى من كوكبٍ مُتضرِّمِ
وآضَتْ بقايا كلِّ ثمْلٍ كأنّها ... عُصارةُ فَظٍّ أو دُوافةُ كُرْكُكِ
وهاجَتْ منض الغَورَيْنِ غَورَيْ تِهامةٍ ... نواشطُ يهجمْن الحصى كلّ مَهجَمِ
فلمّا رأى الشمسَ التي طالَ يومُها ... عليهِ دنتْ قالتْ لهُ أرضُهُ ارغَمي
جمى قلقٌ سهلُ الجِراءِ إذا جرى ... طغا ثبت ما تحتَ اللِّبانِ المُقدَّمِ
يُشِعْنَ إذا شقَّتْ عصاً يغتبِطْنَهُ ... يداهُ وإنْ يُدركْ قَطاهُنَّ يَكْدِمِ
يحيدُ ويخشى عازِبِيّاً كأنّهُ ... ذُؤالةُ في شِمطاطِهِ المُتخذّمِ
ترى رزقَهُ يوماً بيومٍ وإنّما ... غِناهُ إذا استغنى بفِلْقٍ وأسهُمِ
مُقِيتاً على صُلْتِ الهوادي كأنّها ... مُخَطَّطةٌ زُرقاً أعِنّةُ مُؤْدِمِ
رمى مِرفَقَ الدنيا فأرسلَ جوفُها ... إلى جوفِ أخرى مائراً لم يُثلَمِ
فذاكَ الذي شبَّهتُ حرفاً شبيهةً ... بهِ يومَ أُبْنا بعدَ حَمْسٍ مُقحَّمِ
تُقاسي الفِجاجَ اللامعاتِ وتَغتلي ... بأتْلَعَ مسفوح العَلابِيّ شَجْعَمِ
إلى جعفرٍ أطوي بها الليلَ والفلا ... إلى سَبِطِ المعروفِ غيرِ مُذمَّمِ
يُغالى بها شهرانِ وهْيَ مُغِذّةٌ ... إلى مُستقلٍّ بالنوائبِ خِضْرِمِ
وقال رفيقاكَ اللذانَ تجشَّما سُرى الليلِ ... من يَجشَمْ سُرى الليلِ يَجشَمِ
وأيدي المَهاري في فَيافٍ عريضةٍ ... هوابطَ من اخرى تَغلَّى وترتمي
لَعمري لقد أبعدتَ همّاً ومَنْسِماً ... وكم من غِنىً من بعدِ هَمٍّ ومَنسِمِ
فقلتُ لهمْ إنّي امرؤ ليسَ همَّتي ... ولا طلبي حظّي بأدنى التَّهَمُّمِ
فلا تُكثروا لَومي فليسَ أخوكُما ... بلَوّامِ أصحابٍ ولا بالمُلَوَّمِ
لعلَّكُما أنْ تسلَما وتَصاحبا ... بعافيةٍ من يصحَبِ اللهُ يَسلَمِ
وإنْ تُرْقِيا ريبَ المنونِ وتُقْدِما ... على جعفرٍ تَسْتوجِبا خيرَ مَقْدَمِ
وتعترِفا وجهاً أغَرَ وتنزِلا ... على سَعةٍ بالماجدِ المُتكرِّمِ
стр. 316
بأبيضَ نَهّاضٍ إلى سُورِ العُلى ... جراثيمُ يخطوها فتىً غيرُ توأمِ
وقال أبو حيّة يمدح مروان الحمار:
أشاقَتْكَ أظعانٌ دعَتْهنَّ نِيّةٌ ... يُوَطِّنُ شِعْباها الحزينَ على الهجرِ
ظعائنُ طَلاّبٍ ثرى الغيثِ قلَّما ... يُساعفْنَ إلاّ أنْ يُناسِمْنَ عن عُفْرِ
رعَيْنَ القرارَ الحُوَّ حتى إذا ارتمَتْ ... بنَبْلِ السَّفى أعرافَ غُوريّةٍ كُدْرِ
وجاءَتْ روايا الحيِّ من كلِّ مُسْمِلٍ ... بطَرْقٍ كماءِ الفظِّ من نُطَفٍ صُفْرِ
بقيّةُ أسْمالٍ زَواهُنَّ كوكبٌ ... مقَفٍّ ترى الحرباءَ في آلِهِ يجري
ورُدّتْ جِمالُ الحيِّ كُلْفاً تطايرَتْ ... عقائقُهُنَّ الغُبْسُ عن نُقَبٍ شُقْرِ
بما اسْتُوجِرَتْ من كل وادٍ مربةً ... مصابَ الثريا كلُ ناشئةٍ بكرِ
فعرضنَ واندَحَّتْ كُلاهُنَّ بعدَما ... طواهُنَّ إحناقُ المُسَدَّمةِ الذُّفْرِ
كأنَّ عصيمَ الورسِ منهنَّ جاسِداً ... بما سالَ من غِربانِهنَّ منَ الخُطْرِ
وزَمَّ القِيانُ التُّلْدُ كلّ مُلَهَّثٍ ... مُدالِقَ لَحْيَيْ لا مُذَكٍّ ولا بَكْرِ
لأحداجِ بِيضٍ كالدمى كلِّ بادنٍ ... رَداحٍ تَهادى المشيَ شِبراً إلى شِبرِ
إذا قُمنَ لم ينهضْنَ إلاّ قصيرةً ... خُطاهنَّ ممّا يتَّقِينَ منَ البُهْرِ
وعالَيْنَ أحداجاً لهنَّ كأنّما ... عُلِينَ بنُوّارِ المُكَلَّلَةِ القَفرِ
على كلِّ قَيْنِيٍّ يُغاليهِ صهوةٌ ... مُشرَّفةُ الأعلى مُداخلَةُ الأسرِ
دخلْنَ العلالِيَّ التي عملتْ لها ... أكُفٌّ أتَتْها عن يمينٍ وعن يَسْرِ
ولدَّدْنَ للأصعادِ أعناقَ ولَّهٍ ... إلى كلِّ وادٍ لا أُجاجٍ ولا بَثْرِ
لهُ أرجٌ من طِيبِ ما تلتقي بهِ ... لأينَعَ يندى من أراكٍ ومن سِدرِ
كأنَّ القطوعَ العبقريّةَ نُشِّرَتْ ... أسِرّةُ مُلْتَجٍّ حدائقُهُ خُضرِ
ويومٍ من الأيامِ قصَّرتُ طولَهُ ... بقانيةِ الأطرافِ ذاتِ حشاً ضَمرِ
لها كفَلٌ لأياً إذا ما تدافعَتْ ... بهِ قامَ جُهداً من ذَنوبٍ ومن خصرِ
كما هزَّ عَيْدانيّةً مَعْجُ رَيْدَةٍ ... جَنوبٍ بلا معجٍ شديدٍ ولا فَتْرِ
ولم أنسَ من سلمى وسلمى بخيلةٌ ... ودائعَ أدناهُنَّ مُذْ حِجَجٍ عشرِ
ولا قَولَها والقومُ قد أشرفَتْ لهمْ ... عيونٌ كحرِّ الجمرِ ظاهرةِ الغِمرِ
تعلَّمْ بأنَّ القومَ تغلي صدورُهمْ ... عليكَ فكنْ مما تخافُ على حِذْرِ
فقلتُ لها لا بَرْءَ منكِ ولا هوىً ... سواكِ ولا دَمُّوا بمُهجتِهِ نَجْري
لوَ انَّ سِباعَ الأرضِ دونَكِ أصبحتْ ... على كلِّ فجٍّ من أُسودٍ ومن نَمْرِ
رباضاً على أشبالِها لقطعتُها ... إليكِ بسيفي أو هلكتُ فلا أدري
وقائلةٍ قالتْ ألستِ براحلٍ ... ألستَ ترى ما قد أُصيبَ من الوَفْرِ
أغِثْ منْ أميرِ المؤمنينَ بنفحةٍ ... عيالَكَ تُبْلِتْ في صنائعِها الوُفْرِ
فقلتُ لها ذاكِ الذي ينتحي بهِ ... نهاري وليلي كلّ نائبةٍ صدري
لعَمرُكَ إذْ ما قلتُ ما أنا بالذي ... أصونُ المطايا قد علمتِ من السَّفْرِ
ولا يَثقُلُ الليلُ البهيمُ إذا دجا ... عليَّ إذا ما أثقلَ الليلُ من يَسري
وكنتُ إذا ما الهمُّ أطلقَ رحلَهُ ... إليَّ فقالَ ارحلْ شددْتُ لهُ أزري
وحمّلتُهُ أصلابَ خُوصٍ كأنّها ... قَنا الشَّوْحَطِ المُعوجِّ من قلقِ الضُّمْرِ
يَؤمُّ بها المَوماةَ زَولٌ كأنَّهمُ ... فِرِنْدِيّةُ القضبانِ ظاهرةُ الأُثْرِ
ألا يا بنَ خيرِ الناسِ إلاّ محمدا ... صَنيعاً وأولى الناسِ بالحمدِ والأجرِ
أتيناكَ من نجدٍ على قَطَرِيّةٍ ... لوى حلَقاً قُدّامَ أعيُنِها المُبْري
موائِرُ أعضادٍ مَغالي مَفازةٍ ... سِباط الذِّفاري لا جِعادٍ ولا زُعْرِ
بدأْنَ وتحتَ المَيسِ منهنَّ عاتقٌ ... أتارةُ أعوامٍ وهَبْرٌ على هبرِ
فجاءتْ وممّا أُنعلَتْ حَفَياتُها ... خِذامٌ بأرْساغِ المُهَلَّلَةِ الدُّبْرِ
стр. 317
فما أدركتْنا يا بنَ مروانَ دونَكمْ ... صلاةٌ لأُولى في مُناخٍ ولا فجرِ
ولا هيَ إلاّ وَقعةٌ كلّما الْتظى ... أُوارُ الحصى في كلِّ هاجرةٍ وغْرِ
وتَحليلٍ شُعْثٍ غَوَّروا رفعوا لهمْ ... بناءً بنَوهُ فوقَ ظُفْرٍ على ظُفرِ
إذا استَنْشَصَتْهُ الريحُ أو رسبَتْ لهُ ... علينا القُوى ضربَ الحبالةِ بالنَّسْرِ
تراهُ سماءً بينَ حَيلَيْنِ ما لهُ ... سوى ذاكَ ظِلٌّ من كِفاءٍ ولا سِترِ
إذا البارحُ الحامي الوَديقةِ لفَّهُ ... علينا ترى مُسْتَكْشِماً أشَرَ المُهْرِ
وقال أبو حية، وأدرك زمن هشام بن عبد الملك، يمدح يزيد بن عتّاب بن الأصمّ بن مالك:
قِفا حَيِّيا الأطلالَ من مَسقِطِ اللِّوى ... وهلْ في تحيّاتِ الرسومِ جَداءُ
وماذا تُحيِّي من رسومٍ تَبدَّلتْ ... شعوبُ النَّوى عنها وهنَّ قَواءُ
علاهُنَّ بعدَ الحيِّ كلُّ مُجَلجلٍ ... مَحاهُنَّ تيّارٌ لهُ وغُثاءُ
وأقفرَ وادِيهِنَّ واحتفَرَتْ بهِ ... ماكنسُ عِينٍ باقرٌ وظِباءُ
فشاقَكَ ممّا أحْرثَ الحيَّ منزلٌ ... رُكامُ الحصى والمجْنَحاتُ خلاءُ
ورَبعٌ بأعلى ذي الجِذاةِ كأنّما ... على مَتنِهِ منْ حضرَمَوتَ رداءُ
إذا انغمستْ أولى النجومِ تلعَّبتْ ... بهِ قصَباتٌ مُزنُهُنَّ رَواءُ
كأنَّ لم يُرى فيهِ الجميعُ ولم تَصِحْ ... بهمْ نيّةٌ تُغري الديارَ جَلاءُ
بلى ثمَّ أجْلَتْ نيّةٌ ليسَ بعدَها ... لرَيّا ولا أمِّ البنينَ لقاءُ
تذكَّرتُ عصراً قد مضى وصِحابةً ... ولم تكُ عمّا قدْ ذكرتُ عَداءُ
لياليَ تنْآها ولو شئتَ زُرتَها ... وكيفَ معَ الواشي المُطِلِّ تشاءُ
إليكَ ابنَ عَتابٍ رحَلْنا وساقَنا ... منَ الغَورِ جدْبٌ مُوصَدٌ وعِداءُ
وعامٌ كحدِّ السيفِ أمّا ربيعُهُ ... فنحْرٌ وأمّا قَيظُهُ ففناءُ
بمُعْصَوْصِياتِ السَّبْرِ صُعْرٍ من البُرى ... خواضعُ أدنى سيرِهنَّ نَجاءُ
إذا ما فلاةُ الخِمسِ أضحتْ كأنَّها ... مُنَطَّقةٌ أعلامُهنَّ مُلاءُ
قطعْنَ فلاةَ الخِمسِ لمّا لقِينَها ... غِشاشاً ولم يُرقَبْ أنىً وَضَحاءُ
مُضَبّرةَ الأصلابِ في ثَفِناتِها ... زُلوجٌ وفي أعضادِهنَّ عَداءُ
وكمْ قدْ تركْنا من مُعَرِّسِ ساعةٍ ... بهِ لحديدِ المِرفقَيْنِ عُواءُ
أصابَ طَلىً من حشْرَةٍ جاءَ فوقَهُ ... منَ الماءِ والغِرْسِ والفَضيضِ غطاءُ
جرى بينَ حاذَيْ عَنْتَرِيسٍ تَراغبَتْ ... على الرَّحْلِ منها جُفْرةٌ وبناءُ
يزُرنَ ابنَ عَتّابٍ ويرجونَ فِعلَهُ ... إذا حانَ من حاجاتِهنَّ قضاءُ
يزَرْنَ جَنابيّاً أغَرَّ كأنّهُ ... سَنا البدرِ فيهِ للظلامِ جِلاءُ
وجدْنا قِراكُمْ في حِياضٍ رَغيبةٍ ... وهنَّ على رَغْبٍ بهنَّ مِلاءُ
بَناهُنَّ عَتّابٌ وأوصاكَ بعدَهُ ... بهنَّ فلمْ يُهدمْ لهنَّ بناءُ
عَلالِيُّ مِنْ سعيِ الأصمِّ بن مالكٍ ... وكلُّ الذي أسدى الأصمُّ سَناءُ
إذا ضِيمَ قومٌ أو أقرُّوا ظَلامةً ... نفى الضيمَ عنكمْ عزّةٌ وإباءُ
وقمتُمْ بأسيافٍ حِدادٍ وألسُنٍ ... طِوالٍ وأرماحٍ بهنَّ دماءُ
وما قادَكمْ يوماً منَ الناسِ معشَرٌ ... وما زالَ فيكمْ قائدٌ ولِواءُ
إذا سارَ قومٌ للعُلى سرْتَ فوقَهمْ ... إلى شُرُفاتٍ ما بهنَّ خَفاءُ
بلغْتٌمْ نجومَ الليلِ فضلاً وعزّةً ... ومجداً فأنتمْ والنجومُ سَواءُ
وقال أبو حيّة:
أأبكاكَ رسمُ المنزلِ المُتقادمِ ... بأمْراسَ أقوى من حلولِ الأصارمِ
وجرَّتْ بها العَصرَيْنِ كلُّ مُطلّةٍ ... جَنونٍ ومَوجٍ طَمَّ فوقَ الجراثِمِ
إلى دَبْرِ شمسٍ لم يدَعْ سنَنُ الصَّبا ... ولا قصفُ زَمزامِ الأتِيِّ اللوالِمِ
سوى أنَّ دَوداةً مَلاعبَ صِبيةٍ ... على مُستوى منْ بينَ تِيكَ المخارمِ
وأخلاقٍ أنواءٍ تَعاوَرُن مَرْبعاً ... عليهنَّ رُوقاتُ القِيانِ الخوادمِ
سَجَوْنَ أديمَ الأرضِ حتى أحَلْنَهُ ... دونَ المُفعِماتِ الغواشمِ
стр. 318
فأنتَ ترى منهنَّ شَدْواً تكلَّفتْ ... بهِ لكَ آياتُ الرسومِ الطَّواسمِ
كما ضربَتْ وشماً يدا بارقِيّةٍ ... بنَجرانَ أقْرَتْهُ ظهورَ المعاصمِ
أناءتْ ولم تُنضِجْ فأنتَ ترى لها ... قروفاً نمَتْ منهنَّ دونَ البَراجمِ
إلى أذرُعٍ وشَّمْنَها فكأنّها ... عَلاهُنَّ ذَرُّ المغْضَناتِ الرَّواهمِ
فأمرَتْ بها عيناكَ لمّا عرفْتَها ... بمُبْتَدِرٍ نَظْمِ الفريدَيْنِ ساجمِ
غروباً وأجفاناً تفيضُ كأنما ... همتْ من مرشاتِ الشنانٍ الهزائمِ
لعِرفانِكَ الرَّبْعَ الذي صدعَ العصا ... بهِ البَين صَدعاً ليسَ بالمُتلائمِ
وقدْ كنتُ أدري أنَّ للبَينِ صَيحةً ... على الحيِّ من يومٍ لنفسِكَ ضائمِ
كصيحتِهِ يومَ اللِّوى حينَ أشرفَتْ ... بأسفلِ ذي بَيضٍ نعاجُ الصَّرائمِ
لبِسْنَ المُوشَّى العصْبَ ثمَّ خطَتْ بهِ ... لِطافُ الكُلى بُدْنٌ عِراضُ المآكمِ
يُدَرِّينَ بالداري كلَّ عشيّةٍ ... وحُمِّ المَداري كلّ أسحمَ فاحمِ
إذا هنَّ ساقَطْنَ الأحاديثَ للفتى ... سِقاطَ حصى المَرجانِ من كفِّ ناظمِ
رمَيْنَ فأنفَذْنَ القلوبَ ولا ترى ... دماً مائراً إلا جوىً في الحَيازمِ
وخبَّرَكِ الواشونَ ألاّ أحبُّكمْ ... بلى وستورِ اللهِ ذاتِ المحارمِ
أصُدُّ وما الهجرُ الذي تحسبينَهُ ... عزاءً بنا إلاّ ابتِلاعَ العَلاقمِ
حَياءً وبُقْياً أن تشيعَ نَميمةٌ ... بنا وبكمْ أُفٍّ لأهلِ النَّمائمِ
أما إنّهُ لوْ كانَ غيركَ أرقلَتْ ... إليهِ القَنا بالمُرهفَاتِ اللهاذمِ
ولكنْ وبيتِ اللهِ ما طَلَّ مسلماً ... كغُرِّ الثنايا واضحاتِ المَلاغمِ
إذا ما بدَتْ يوماً علاقاءُ أو بَدا ... أبو توأمٍ أو شِمتَ دَيرَ ابنِ عاصمِ
قياسرَ شِيعتْ بالهِناءِ وصُتّمَتْ ... مصَفّقةَ الأقيانِ قَينِ الجماجمِ
يُرَجِّعْنَ من رُقْشٍ إذا ما أسلْنَها ... وقَرْقَرْنَ أوْعَتْها جِراءُ الغَلاصمِ
بكيتَ وأذريتَ الدموعَ صَبابةً ... وشوقاً ولا يقضي لُبانةَ هائمِ
كأنْ لم أُبرِّحْ بالغَيورِ وأقتَتِلْ ... بتَفتيرِ أبصارِ الصِّحاحِ السقائمِ
ولمْ ألهُ بالحِدْثِ الألَفِّ الذي لهُ ... غدائرُ لم يُحرمْنَ فارَ اللطائمِ
إذِ اللهوُ يَطْبِيني وإذا استَمِيلُهُ ... بمُحْلَوْلَكِ الفَودَيْنِ وحْفِ المقادمِ
وإذ أنا مُنقادٌ لكلِّ مُقَوَّدٍ ... إلى اللهوِ حَلاّفِ البَطالاتِ آثمِ
مُهينِ المطايا مُتلِفٍ غيرَ أنّني ... على هُلْكِ ما أتلفتُهُ غيرُ نادمِ
أرى خيرَ يومَيَّ الخَسيسَ وإنْ غلا ... بيَ اللؤمُ لم أحفِلْ ملامةَ لائمِ
فإنَّ دماً لو تعلمينَ جَنَيْتِهِ ... على الحيِّ جاني مثلِهِ غيرُ سالمِ
وقال أبو حيّة يمدح عمرو بن كعب:
سَلِ الأطلالَ بينَ براقِ سَلِّي ... وبينَ العُفْرِ من جرَعِ الرَّ غامِ
وما أبقى الراومِسُ كلَّ قَيظٍ ... ولا المُتَهَدِّجاتِ منَ الغَمامِ
ولا مُعْرَوْرِفٌ نشطَتْ جَنوبٌ ... بهِ هوجاءُ من بلدٍ تَهامِ
منَ العرَصاتِ غيرَ مَخَدِّ نُؤْيٍ ... كباقي الوحي خُطَّ على إمامِ
وغيرِ خوالدٍ لُوِّحْنَ حتى ... بهنَّ علامةٌ ليستْ بشامِ
كأنَّ بها حماماتٍ ثلاثاً ... مثَلْنَ ولم يطِرْنَ معَ الحمامِ
بها ارْفَضَّتْ مَساربُ مُقلتَيْهِ ... كما ارفضَّ الفريدُ منَ النظامِ
جزى اللهُ الغوانيَ يومَ قَوٍّ ... ويومَ لقِيتُهنَّ بذي سَلامِ
بما أخلَفْنَني وطَلَلْنَ دَيني ... جزاءَ المجرمينَ منَ الأنامِ
إذا رَيَّشْنَ أعيُنُهنَّ يوماً ... فلمْ يوجدْ كإحداهُنَّ رامِ
أردْنَ عشيّةَ الشَّرْوَيْنِ قتلي ... ولمْ يَرْجَبْنَ سفكَ دمٍ حرامِ
وقُلنَ لطفلةٍ منهنَّ ليستْ ... بمِتفالٍ ولا هَمَشى الكلامِ
يجُولُ وِشاحُها قلقاً عليها ... تَلُوثُ المِرْطَ فوقَ نَقاً رُكامِ
تَهادى ثمَّ يبهَرُها رديفٌ ... رَبا بتثاقُلِ القصبِ الفِخامِ
стр. 319
كأنَّ الشمسَ سُنَّتُها إذا ما ... حلَفْنَ لتُسفِرَنَّ منَ اللِّثامِ
أزيدي قتلَهُ فرمَتْ فؤادي ... بنَبلٍ غيرِ شاهدةِ الكِلامِ
وما اللائي عَقيلَتُهنَّ ريّا ... بعَشّاتِ العِظامِ ولا دِمامِ
نُظورةُ نِسوةٍ مُتعالِماتٍ ... يزِدْنَ على المَلاحةِ والوَسامِ
أُلاكَ القاتلاتُ بغيرِ جُرمٍ ... وما يقتلْنَ غيرَ فتىً حُسامِ
وقالَ ببطنِ عاجنةٍ رفيقي ... وعيناهُ بأربعةٍ سِجامِ
رأى المَوماةَ تَذرَعُها المَهارى ... بهِ والسِّفْرَ منقطعَ الخِطامِ
وقد قلقتْ سَفائفُ مُدْرَجاتٌ ... كأنَّ جُرومَها أرْماثُ قامِ
أجِدَّكَ ما تذكّرُ بردَ خيمٍ ... بأبطحَ مُسْهِلٍ كِفَفَ الشُّمامِ
ولا البقرُ الذي قُصرتْ عليهِ ... حِجالُ الأرمنيّةِ في الخيامِ
لهنَّ منَ الأراكِ مُضرّجاتٌ ... ومما اختزْنَ من قُضُبِ البَشامِ
يمْحِنَ بهِ ذُرى برَدٍ تداعى ... بهِ المتَهلِّلات منَ الغمامِ
عشيّةَ صيِّفٍ وتَضمَّنتْهُ ... رِهاءٌ من عَمايةَ أو حوامي
فذكَرَني لياليَ صالحاتٍ ... فأعْداني بنُصْبٍ واحتِمامِ
فقلتُ لهُ تعزَّ فليسَ هذا ... بحينِ صبابةٍ للمُستهامِ
فلا تجزعْ لعلّكَ بعدَ شَحطٍ ... تُلِمُّ ولوْ يئستَ من اللِّمامِ
فلستَ وإنْ بكيتَ أشدَّ وجْداً ... ولكنّي امرؤٌ ثقتي أمامي
فقالَ عصيتَني ولرُبَّ ناهٍ ... عصيتُ ومَهْمهٍ حرَجِ القَتامِ
كأنَّ جبالَهُ والآلُ يطفو ... على أطرافِها قزَعُ الجَهامِ
كأنَّ الآبداتِ الرُّبْدِ فيهِ ... أُلاتُ الوحفِ من حِزَقِ النِّعامِ
سرحْنَ لبلدةٍ فرفضْنَ منها ... مَرابعُهنَّ منْ زمَعِ الكِلامِ
قوالسُ عُنصُلٍ أو طلْعُ شَرْيٍ ... بمأتى كلِّ مندفِعٍ نُعامِ
عُناةٌ يبتغونَ جنىً عليهمْ ... بِرادٌ من قبائلِ آلِ حامِ
يلوحُ بها المذَلَّقُ مِذْرَياهُ ... خروجَ النجمِ من صلَعِ الغِيامِ
كأنَّ شوي يدَيهِ جرى عليها ... نَؤورُ مُشِيطةٍ إحدى جُذامِ
قطعتُ بذاتِ ألواحٍ تَرامى ... بَزَوْلٍ لا ألفَّ ولا كَهامِ
وشُعثٍ أدلجوا وغدَوا وراحوا ... على عيسٍ مَناسمُها دَوامي
نَجائبَ من نِجارِ بناتِ رُهْمٍ ... كأنَّ رجالُهنَّ على نَعامِ
ترى الوهمَ الجُلالَ كأنَّ قاراً ... تحدَّرَ من نوابعِهِ الهوامي
إذا ما شدَّ أحبُلَهُ عليهِ ... تجافى حالباهُ عنِ الحِزامِ
كأنَّ الرحْلَ أشرفَ من قَراهُ ... قرا ذاتِ الوعولِ من الرِّجامِ
وليسَ إذا تُعُرِّمتِ المطايا ... بمنكودٍ ولا مَلِقِ العَرامِ
كأنَّ هديرَ أعْيَسَ في مخاضٍ ... وحُولٍ بالمرافضِ من رؤامِ
تَجرَّمَ قيظُهُ وجرَتْ عليهِ ... رياحُ البردِ طيّبةَ النِّسامِ
تَغمغُمُهُ إذا المُبْراةُ منهُ ... لوَتْها العُروتانِ منَ الزِّمامِ
وتحملُني مُوثّقةٌ أمُونٌ ... تُكلِّفُني الهمومَ إلى الهُمامِ
تَزِيفُ إذا المطايا واهفَتْها ... كما زافَ المُسَدَّمَ ذو الحِجامِ
إذا ارفضَّتْ صوائلُ أخدعَيْها ... وساقَطَ سَعمُها خبَطَ اللُّغامِ
وسافَهَتِ الزِّمامَ ولاعبَتْهُ ... بأتلعَ مثل آسيَةِ الرخامِ
رأيتَ تدوَّؤاً من ذاتِ لَوثٍ ... لَحيبِ الصُّلبِ واريَةَ السنامِ
كأنَّ قرونَ أوعالٍ مَذاكٍ ... منَ الفُدْرِ العواقلِ في شَمامِ
نَطحْنَ مَحالَها من جانبَيْهِ ... شِدادَ الأسرِ في طبقٍ لُؤامِ
تراها بعدَما قلقتْ قُواها ... كُلوءَ العينِ ريِّحةَ البُغامِ
تزورُ المُصطفى عمروَ بن كعبٍ ... تزورُ أغرَّ مرتفعَ المقامِ
إليهِ دؤوبُها وإذا أتتْهُ ... أتتْ بالشامِ خيرَ فتىً شآمِ
أتتْ مُتطَلِّقاً كِلتا يدَيهِ ... ربيعٌ مُمْرِعٌ غَدِقُ الرِّهامِ
معاويّاً منَ الأثرَيْنِ تنمي ... إلى عاديّةِ الحِسَبِ التِّمامِ
فتىً لا يمنعُ المعروفَ منهُ ... تَبسُّلُ شَتوَةٍ ومحِلُّ عامِ
стр. 320
وما مَدُّ الفراتِ إذا تسامى ... بموجٍ ذي قَصيفٍ والتِطامِ
بأغزرَ منكَ نافلةً إذا ما ... تحادبَ ظهْرَ جارفةٍ أُزامِ
ولا وردٌ بلحظةَ أو بتَرْجٍ ... منَ المُتوهِّساتِ دُجى الظلامِ
حمى أجَماتِهِ فتُركْنَ قفراً ... وأحمى ما أحالَ على الإجامِ
تطايرَ من يليهِ ومن يليها ... تَطايُرَهمْ من اللَّجبِ اللُّهامِ
وما ينفكُّ يسحبُ كلَّ يومٍ ... قتيلاً من رجالٍ أو سَوامِ
كأنَّ أسنّةً ذُلقتْ فلمّا ... تلمَّظ كلُّ مُلتهبٍ هُذامِ
عطفْنَ خوارجاً من أهرَتَيْهِ ... محيطاتٍ بمَنخرِهِ الضُّخامِ
بأنجدَ سَورةً من كلِّ يومٍ ... كأنَّ أجيجَهُ سَنَنُ الضِّرامِ
وقال أبو حيّة يمدح الحكم بن صخر الثقفي:
ألا حيِّيا بالخبِيّ الديارا ... وهلْ ترجعَنَّ ديارٌ حِوارا
زمانَ الصِّبا ليتَ أيامَنا ... رجعْنَ لنا الصالحاتِ القِصارا
زمانٌ عليَّ غُرابٌ غُدافٌ ... فطيَّرَهُ الدهرُ عنّي فطارا
فلا يُبعدِ اللهُ ذاكَ الغُدافَ ... وإنْ كانَ لا هو إلاّ ادِّكارا
فأصبحَ موقعُهُ بائضاً ... محيطاً خِطاماً محيطاً عِذارا
فأما مَسايحُ قدْ أفحشَتْ ... فلا أنا أسطيعُ منها اعتذارا
وهازئةٍ إنْ رأتْ كَبْرَةً ... تَلفَّعَ رأسٌ بها فاستنارا
أجارَتِنا إنَّ ريبَ المَنو ... نِ قبلي عابَ الرجالَ الخِيارا
فإمّا ترَيْ لِمَّتي هكذا ... فأكثرتِ مما رأيتِ النِّفارا
فقدْ أرتَدي وحْفةً طَلّةً ... وقدْ أشعفُ العطراتِ الخِفارا
وقدْ كنتُ أسحبُ فضلَ الرِّداء ... وأُرخي على العقِبَيْنِ الإزارا
ورَقراقةٍ لا تطيقُ القِيا ... مَ إلاّ رويداً وإلاّ انبِهارا
خلَوتُ بها نَتجازى الحَدي ... ثَ شيئاً علاناً وشيئاً سِرارا
كأنَّ على الشمسِ منها الخِمارَ ... إذا هيَ لاثَتْ عليها الخِمارا
كأنَّ الخزامى يمُجُّ الندى ... بمَحنيَةٍ أُنُفاً والعرارا
تَقاَّمُ في نشرِ أثوابِها ... إذا الليلُ أردفَ جَوزاً وحارا
وأخّرَ جَوزاً وكانتْ لهُ ... خُداريّةٌ يعتكِرْنَ اعتِكارا
ويومِ تساقَطُ لذّاتُهُ ... كما ساقطَ المُدجَناتِ القطارا
تأنفْتُ لذّاتِهِ باكراً ... بَرَهْرهةً طَفلةً أو عُقارا
بكلتَيْها قدْ قطعتُ النَّها ... رَ خَوداً شَموعاً وكأسلً هِتارا
فأمّا الفتاةُ فمِلَكُ اليمينِ ... تنضِحُ نضْحاً عبيراً وقارا
وأمّا العُقارُ فوافى بهِ ... سَبيئةَ حولَيْنِ تَجْراً تِجارا
كأنَّ الشبابَ ولذّاتِهِ ... ورَيْقَ الصِّبا كانَ ثوباً مُعارا
وغيثٍ تَجنَّنَ قُريانُهُ ... يُخايلُ فيهِ المُرارُ المُرارا
علَوناهُ يَقدُمُنا سَلْهبٌ ... نُسكِّنُهُ تَئِقاً مُستطارا
قَصرْنا لهُ دونَ رزقِ العيالِ ... بُحّاً مَهاريسَ كُوماً ظُؤارا
مَقاحيدَ يَغْبِقْنَهُ ما اشتهى ... فيصبحُ أحسنَ شيءٍ شَوارا
فبِتْنا بأوسطِهِ سُرّةً ... نُصَهْصي النُّهاقَ بهِ والعِرارا
فلما أضاءَ لنا حاجبٌ ... منَ الشمسُ تحسِبُهُ العينُ نارا
رأينَ المها ورأينَ النَّعامَ ... وأحمِرةً بغَميسٍ نِعارا
فلما رأينا صِفاحَ الوجو ... هِ يَبرُقْنَ نَغْتَرهُنَّ اغتِرارا
غدَونا بهِ مثلَ وقْفِ العَرو ... سِ أهيفَ بطناً مُمَرّاً مُغارا
قذفْنا الحَرُوريَّ في شِدقِهِ ... وأُبطِنَ مُلَحَمُ فيهِ العِذارا
فلما عقلْنا عليهِ الغُلا ... مَ قِرنَيْنِ لا يُنكرانِ الغِوارا
حذرناهُ من فلكٍ بافعٍ ... يغيبُ الرَّقاقَ ويطفو الخُبارا
كأنَّ غُلَيِّمنا مُعْصِماً ... ونحنُ نرى جانبَيءهِ الشَّرارا
يمرُّ بهِ برَدٌ سابحٌ ... يُشَقِّقُ من كلِّ بينٍ دبارا
كأنَّ مُلأتُهُ مُدْبِراً ... حريقُ الغَريفِ إذا ما استدارا
هشيمٌ منَ الغافِ مُستوقدٌ ... يُسنِّنُ ريحاً وزادَ استعارا
وشدَّدَ أزرقَ مثلَ الشِّها ... بِ كنّا انتقَيْناهُ زُرقاً حِشارا
следующие страницы →