Полный текст (400 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ولربَّ خصمٍ جاهدينَ ذوي شذًى ... تقدي صدورهمُ بهترٍ هاترِ
لدٍّ ظأرتهمُ على ما ساءهمْ ... وخسأتُ باطلهمْ بحقٍّ ظاهرِ
بمقالةٍ من حازمٍ ذي مرَّةٍ ... يدأُ العدوَّ زئيرهُ للزائرِ
عبد يغوث
وقال عبد يغوث بن وقاص الحارثيّ، وكان أسره التيم يوم الكلاب، وهي مفضلية قرأتها على شيخي ابن الخشاب:
ألا لا تلوماني كفى اللَّومُ ما بيا ... فما لكما في اللَّومِ خيرٌ ولا ليا
ألمْ تعلما أنَّ الملامةَ نفعها ... قليلٌ وما لومي أخي من شماليا
فيا راكباً إمَّا عرضتَ فبلِّغنْ ... ندامايَ من نجرانَ ألاَّ تلاقيا
أبا كربٍ والأيهمينِ كليهما ... وقيساً بأعلى حضرموتَ اليمانيا
جزى الله قومي بالكلابِ ملامةً ... صريحهمُ والآخرينَ المواليا
ولو شئتُ نجَّتني من الخيلِ نهدةٌ ... ترى خلفها الحوَّ العتاقِ تواليا
ولكنَّني أحمي ذمارَ أبيكمُ ... وكانَ الرِّماحُ يختطفنَ المحاميا
أقولُ وقد شدُّوا لساني بنسعةٍ ... أمعشرَ تيمٍ أطلقوا عن لسانيا
أمعشرَ تيمٍ قد ملكتمُ فأسجحوا ... فإنَّ أخاكمْ لم يكنْ من بوائيا
أحقاً عبادَ الله أن لستُ سامعاً ... نشيدَ الرِّعاءِ المعزبينَ المتاليا
وتضحكُ منِّي شيخةٌ عبشميَّةٌ ... كأنْ لم تري قبلي أسيراً يمانيا
وقد علمتْ عرسي مليكةُ أنَّني ... أنا اللَّيثُ معدوّاً عليهِ وعاديا
وقد كنتُ نحَّارَ الجزورِ ومُعملَ ال ... مطيِّ وأمضي حيثُ لا حيَّ ماضيا
وأنحرُ للشَّربِ الكرامِ مطيَّتي ... وأصدعُ بينَ القينتينِ ردائيا
وكنتُ إذا ما الخيلُ شمَّصها القنا ... لبيقاً بتصريفِ القناةِ بنانيا
وعاديةٍ سومَ الجرادِ وزعتها ... بكرِّي وقد أنحوْ إليَّ العواليا
كأنِّي لم أركبْ جواداً ولم أقلْ ... لخيليَ كرِّي نفِّسي عن رجاليا
ولم أسبأِ الزِّقَّ الرَّويَّ ولم أقلْ ... لأيسارِ صدقٍ أعظموا ضوءَ ناريا
جميل بن معمر
وقال جميل بن عبد الله بن معمر بن الحارث بن خيبر بن نهيل بن ظبيان وهو من قضاعة بن مرة بن مالك بن حمير بن سباء بن يشجب وعلماء مضر تزعم أن قضاعة من معد ولذلك قال جميل:
أنا جميلٌ في السِّنامِ من معدّ
من القضاعين في الرُّكنِ الأشدِّ
ما تبتغي الأعداءَ منّي ولقد
أعرمُ بالشَّتمِ لساني ومردّ
ألم تسألِ الرَّبعَ القواءَ فينطقُ ... وهل تخبرنكَ اليومَ بيداءُ سملقُ
بمختلفِ الأرواحِ بينَ سويقةٍ ... وأحدبَ كادتْ بعدَ عهدكَ تخلقُ
أضرَّتْ بها النَّكباءُ يوماً وليلةً ... ونفخُ الصَّبا والوابلُ المتبعِّقُ
وقفتُ بها حتَّى تجلَّتْ عمايتي ... وملَّ الوقوفَ العنتريسُ المنوَّقُ
وقال خليلي إنَّ ذا لسفاهةٌ ... إلاّ تزجرُ القلبَ اللَّجوجَ فتلحقُ
تعزَّ وإن كانت عليكَ كريمةً ... لعلَّكَ من أسبابِ بثنةَ تعتقُ
فقلتُ له إنَّ البعادَ يشوقني ... وبعضُ بعادِ البينِ والنَّأيِ أشوقُ
لعلَّكَ مشتاقُ ومبدٍ صبابةً ... ومظهرُ شكوًى إن أناسٌ تفرَّقوا
شأتكَ وأحْذتكَ الهوى ثعلبيَّةٌ ... شآكَ بها حيٌّ يمانونَ شرَّقوا
وقد حالَ أجبالُ المقطَّمِ دونها ... فذو النَّخلِ من وادي نطاةَ فتعنقُ
وحالتْ دروءُ التّيهِ بيني وبينها ... وركنٌ من الأجبالِ أبيضُ أعنقُ
فلا وصلَ إلاّ أن تقرِّبَ بيننا ... مبينةُ عتقِ ذاتِ نيرينِ خيفقُ
زورَّةُ أسفارٍ إذا حطَّ رحلها ... رأيتَ بدفَّيها تباشيرَ تبرقُ
إذا ما اكتست نيّاً مخيلاً فإنَّها ... رهينةُ بيُّوتٍ من الهمِّ يطرقُ
جماليَّةٌ نرمي بها كلَّ قفرةٍ ... لأصدائها بعدَ العشيَّةِ منطقُ
يبذُّ العتاقَ الناجياتِ ذميلها ... ويهلكنَ في موضوعها بينَ تعنقُ
لها عينٌ ثورٍ في حجاجٍ كأنَّها ... إذا ضمَّها الأنساعُ وقبٌ محلَّقُ
وضبعانِ موَّارانِ في صعدائها ... إذا جعلتْ من صيهبِ الجرَّ تعرقُ
لها حاركٌ فوقَ الجرانِ تمدُّهُ ... إذا استنَّ آلُ الأمعزِ المترقرقُ
стр. 72
وأتلعُ نهَّاضٌ إذا عجستْ به ... مع الجريِ فيهِ عزَّةٌ وتطرُّقُ
أضرَّتْ بها الحاجاتُ حتَّى كأنَّما ... ألحَّ عليها جازرٌ متعرِّقُ
وكنتُ إذا رجِّيتُ أن تسقبَ النَّوى ... بها بعد نأيٍ والدِّيارُ تصفِّقُ
أحلَّتْ شهورُ الحرمِ بيني وبينها ... وجرِّعَ بالغيظِ الغيورُ المحنَّقُ
وبيضٍ رعابيبٍ تثنِّي خصورها ... إذا قمنَ أعجازٌ ثقالٌ وأسؤقُ
تنضَّيتُ من وجدٍ إليهنَّ بعدما ... كربنَ وأحشائي من الهولِ تخفقُ
بذي شطبٍ قد أخلصَ القينُ وشيهُ ... له حينَ تُغشيهِ الكريهةُ رونقُ
فمنهنَّ من غضَّ الأناملِ خشيةٍ ... ومنهنَّ لمّا أن رأتني تصفَّقُ
فأتبعتهمْ طرفي وقد زالَ رُكنهمْ ... وقد جعلَ الإنسانُ بالماءِ يغرقُ
ولولا جدالي ضقنَ ذرعاً بزائرٍ ... أتاهمْ به الحبُّ الذي ليسَ يمذقُ
ويومَ رثيماتٍ سما لكَ حبُّها ... ويومَ أخيٍّ كادتِ النَّفسُ تزهقُ
أنائلَ للودُّ الذي كان بيننا ... نضا مثلَ ما ينضو الخضابُ فيخلقُ
أنائلَ والله الذي أنا عبدهُ ... لقد جعلتْ نفسي من البينِ تُشفقُ
أنائلَ ما للعيشِ بعدكِ لذَّةٌ ... ولا مشربٌ إلاّ السِّمالُ المرنَّقُ
أنائلَ ما تنأينَ إلاّ كأنَّني ... بنجمِ الثُّريَّا ما نأيتِ معلَّقُ
أنائلَ ما رؤيا زعمتِ رأيتها ... لنا عجباً لو أنَّ رؤياكِ تصدقُ
أنائلَ إن الخيرَ يعتادُ ذا الهوى ... إذا النَّومُ أجلتهُ الهمومُ فيأرقُ
ومن يكُ ذاكمْ حظُّهُ من صديقهِ ... فيوشكُ باقي ودِّهِ يتمزَّقُ
وقال جميل أيضاً:
ألا ليتَ أيامَ الصَّفاءِ جديدُ ... ودهراً تولَّى يا بثينَ يعودُ
فنغنى كما كنَّا نكونُ وأنتمُ ... صديقٌ وإذ ما تبذلينَ زهيدُ
وما أنس مِ الأشياءِ لا أنسَ قولها ... وقد قرَّبتْ نضوي أمصرَ تريدُ
ولا قولها لولا العيونُ التي ترى ... أتيتكَ فأعذرني فدتكَ جدودُ
خليليَّ ما أخفي من الوجدِ ظاهرٌ ... فدمعي بما أخفي الغداةَ شهيد
ألا قد أرى والله أن رُبَّ عبرةٍ ... إذا الدارُ شطَّتْ بيننا سترودُ
إذا قلتُ ما بي يا بثينةُ قاتلي ... من الوجدِ قالتْ ثابتٌ ويزيدُ
وإن قلتُ ردِّي بعضَ عقلي أعشْ به ... مع النَّاسِ قالتْ ذاكَ منكَ بعيدُ
إذا فكَّرتْ قالتْ قد أدركتُ ودّهُ ... وما ضرَّني بخلٌ ففيمَ أجودُ
فلا أنا مرجوعٌ بما جئتُ طالباً ... ولا حبُّها فيما يبيدُ يبيدُ
جزتكِ الجوازي يا بثينُ ملامةً ... إذا ما خليلٌ بانَ وهو حميدُ
وقلتُ لها بيني وبينك فاعلمي ... من الله ميثاقٌ لنا وعهودُ
وفدْ كان حبّيكمْ طريفاً وتالداً ... وما الحبُّ إلاّ طارفٌ وتليدُ
وإنَّ عروضَ الوصلِ بيني وبينها ... وإنْ سهَّلتهُ بالمنى لصعودُ
فأفنيتُ عيشي بانتظاري نوالها ... وأبلتْ بذاكَ الدَّهرَ وهو جديدُ
فليتَ وُشاةَ النَّاسِ بيني وبينها ... يذوفُ لهمْ سمّاً طماطمُ سودُ
وليتَ لهمْ في كلِّ ممسًى وشارقٍ ... تضاعفُ أكبالٌ لهمْ وقيودُ
ويحسبُ نسوانٌ من الجهلِ أنَّني ... إذا جئتُ إيّاهنَّ كنتُ أريدُ
فأقسمُ طرفَ العينِ أن يعرفَ الهوى ... وفي النَّفسِ بوْنٌ بينهنَّ بعيدُ
فأعرضنَ إنِّي عن هواكنَّ معرضٌ ... تماحلَ غيطانٌ بكنَّ وبيدُ
لكلِّ لقاءِ نلتقيهِ بشاشةٌ ... وكلُّ قتيلٍ عندهنَّ شهيدُ
علقتُ الهوى منها وليداً فلم يزلْ ... إلى اليومِ ينمي حبُّها ويزيدُ
يذكّرنيها كلُّ ريحٍ مريضةٍ ... لها بالتِّلاعِ القاوياتِ وئيدُ
ألا ليتَ شعري هلْ أبيتنَّ ليلةً ... بوادي القرى إنِّي إذن لسعيدُ
وهل ألقيَنْ سُعدى من الدَّهرِ مرَّةً ... وما رثَّ من حبلِ الصَّفاءِ جديدُ
وقد تلتقي الأهواءُ من بعدِ يأسةٍ ... وقد تطلبُ الحاجاتُ وهي بعيدُ
وهل أزجرنْ حرفاً علاةً شملَّةً ... بخرقٍ تباريها سواهمُ قودُ
على ظهرِ مرهوبٍ كأنَّ نسورهُ ... إذا جارَ هلاَّكُ الطَّريقِ وفودُ
стр. 73
سبتني بعينيْ جؤذرٍ وسطَ ربْربٍ ... وصدرٍ كفاثورِ الرُّخامِ وجيدُ
تزيفُ كما زافتْ إلى سلفاتها ... مباهيةٌ طيَّ الوشاحِ ميودُ
إذا جئتها يوماً من الدَّهرِ زائراً ... تعرَّضَ منقوصُ اليدينِ صدودُ
يصدُّ ويغضي عن هواي ويجتني ... عليَّ ذنوباً إنَّه لعنودُ
فأصرمها عمداً كأني مجانبٌ ... ويغفلُ عنَّا تارةً فنعودُ
فمن يعطَ في الدنيا قريناً كمثلِها ... فذلك في عيشِ الحياةِ رشيدُ
يموتُ الهوى منِّي إذا ما لقيتها ... ويحيا إذا فارقتُها فيعود
ألم تعلمي يا أمَّ ذي الودعِ أنَّني ... أضاحكُ ذكراكمْ وأنتِ صلودُ
وقال جميل أيضاً:
لقد لامني فيها أخٌ ذو قرابةٍ ... حبيبٌ إليهِ في نصيحتهِ رشدي
فقالَ أفقْ حتَّى متى أنتَ هائمٌ ... ببثْنةَ فيها لا تعيدُ ولا تُبدي
فقلتُ له مهما قضى الله ما ترى ... علينا وهل مما قضى الله من ردِّ
فأنْ يكُ رشداً حبُّها أو غوايةٌ ... فقد جئتهُ ما كان مني على عمدِ
بثينُ أثيبي بالمودَّةِ أو ردِّي ... فؤادي فقد تجزى المودَّةَ بالودِّ
أفي النَّاسِ أمثالي أحبُّوا فحبُّهمْ ... كحبِّيَ أم أحببتُ من بينهمْ وحدي
فلمْ أرى مثلَ النَّاسِ لم يغلبوا الهوى ... ولم أرَ داءً كالهوى كيفَ لا يعدي
أكانَ كذا يلقى المحبُّونَ قبلنا ... بما وجدوا أو لم يجدْ أحدٌ وجدي
فقد جدَّ ميثاقُ الإلهِ بحبِّها ... وما للذي لا يتَّقي الله من عهدِ
فلا وأبيها الخيرِ ما خنتُ عهدها ... ولا ليَ علمٌ بالذي فعلتْ بعدي
وما زادها الواشونَ إلاّ كرامةً ... عليَّ وما زالتْ مودَّتها عندي
نزيدُ نماءً كلَّ يومٍ وليلةٍ ... وأمنحها فيما أسرُّ وما أبدي
إذا صقبتْ زدتُ اشتياقاً وإنْ نأتْ ... أرِقتُ لبينِ الدَّارِ منها وللبعدِ
أبى القلبُ إلاّ حبِّ بثنةَ لم يردْ ... سواها وحبُّ القلبِ بثنةَ لا يجدي
سبتكَ بمصقولٍ ترفُّ أشورهُ ... إذا ابتسمتْ في طيبِ ريحٍ وفي بردِ
كأنَّ عتيقَ الرَّاحِ خالطَ ريقها ... وصفوَ غريضِ المزنِ صفِّقَ بالشَّهْدِ
تأرّجُ بالمسكِ الأحمِّ ثيابها ... إذا عرقتْ فيها وبالعنبرِ الوردِ
وقال جميل أيضاً:
حلَّتْ بثينةُ من قلبي بمنزلةٍ ... بينَ الجوانحِ لم ينزلْ بها أحدُ
صادتْ فؤادي بعينيها ومبتسمٍ ... كأنَّهُ حينَ أبدتهُ لنا بردُ
عذبٍ كأنَّ ذكيَّ المسكِ خالطهُ ... والزَّنجبيلُ وماُ المزنِ والشُّهدُ
وجيدِ أدماءَ تحنوهُ إلى رشإٍ ... أغنَّ لم يتَّبعها مثلهُ ولدُ
رجراجةٌ رخصةُ الأطرافِ ناعمةٌ ... يكادُ من بدنها في البيتِ ينخضدُ
خذْلٌ مخلخلها وعثٌ مؤزَّرها ... هيفاءُ لم يغذها بؤسٌ ولا ومدُ
هيفاءُ مقبلةً عجزاءُ مدبرةً ... تمَّتْ فليس يرى في خلقها أودُ
نعمَ لحافُ الفتى المقرورِ يجعلها ... شعارهُ حينَ يُخشى القرُّ والصّردُ
وما يضرُّ امرأً يمسي وأنتِ له ... أن لا يكونَ من الدُّنيا له سبدُ
يا ليتنا والمنى ليستْ مقرِّبةً ... أنَّا لقيناكِ والأحراسُ قد رقدوا
فيستفيقَ محبٌّ قد أضرَّ به ... شوقٌ إليكَ ويشفى قلبهُ الكمدُ
تلْكمْ بتينةُ قد شفَّتْ مودَّتها ... قلبي فلم يبقَ إلاّ الرُّوحُ والجسدُ
وعاذلونَ لَحوني في مودَّتها ... يا ليتهمْ وجدوا مثلَ الذي أجدُ
لمّا أطالوا عتابي فيكِ قلتُ لهمْ ... لا تفرطوا بعضِ هذا اللَّومِ واقتصدوا
قد مات قبلي أخو نهدٍ وصاحبهُ ... مرقِّشٌ واشتفى من عروةَ الكمدُ
وكلُّهمْ كان من عشقٍ منيَّتهُ ... وقد وجدتُ بها فوقَ الذي وجدوا
إنّي لأرهبُ أو قد كدتُ أعلمه ... أنْ سوفَ توردني الحوضَ الذي وردوا
وقال جميل أيضاً:
طربتُ وهاجَ الشَّوقُ منّي وربَّما ... طربتُ فأبكاني الحمامُ الهواتفُ
وأصبحتُ قد ضمَّنتُ قلبي حزازةً ... وفي الصَّدرِ بَلبالٌ تليدٌ وطارفُ
وأصبحتُ أكمي النَّاسَ أسرارَ حبِّها ... وللحبِّ أعداءٌ كثيرٌ وقارفُ
стр. 74
فكم غُصَّةٍ في عبرةٍ قد وجدتها ... وهيَّجها منِّي العيونُ الذَّوارفُ
إذا ذكرتكِ النَّفسُ ظلتُ كأنَّني ... يقرفُ قرحاً في فؤادي قارفُ
وقلتُ لقلبٍ قد تمادى به الهوى ... وأبلاهُ حبٌّ من بثينةَ رادفُ
لَعمركَ لولا الذِّكرُ لانقطعَ الهوى ... ولولا الهوى ما حنَّ للبينِ آلفُ
كلفتُ بحمّاءِ المدامعِ طفلةٍ ... حبيبٌ إلينا قربها لو تناصفُ
منَ اللُّفِّ أفخاذاً إذا ما تقلَّبتْ ... منَ الليلِ وهناً أثقلتها الرَّوادفُ
شفاءُ الهوى أمثالها منتهى المنى ... بها يقتدي البيضُ الكرامُ العفائفُ
قطوفُ الخطا عند الضُّحى عبلةُ الشَّوى ... إذا استعجلَ المشيَ العجالُ النَّحائفُ
أناةٌ كأنَّ الرِّيقَ منها مدامةٌ ... بُعيدَ الكرى أو ذافهُ المسكَ ذائفُ
فتلكَ التي هامَ الفؤادُ بذكرها ... سفاهاً وبعضُ الذِّكرِ للقلبِ شاعفُ
وما أنس من الأشياءِ لا أنسَ قولها ... غداةَ انصداعِ الشَّعبِ هل أنتَ واقفُ
ولا قولها بالخيفِ أنَّى أتيتنا ... حذارَ الأعادي أو متى أنتَ عاطفُ
ولا قولها لي يا جميلُ احفظنَّني ... ونفسكَ من بعضِ الذينَ تلاطفُ
بني عمِّيَ الأدنينَ منهم وغيرهمْ ... من الناسِ ضمَّتهمْ إليكَ المعارفُ
ولا عينها إذ يغسلُ الدَّمعُ كحلها ... وتبدي لنا منها الهوى وهيَ خائفُ
وقالت ترفَّقْ في مقالةِ ناصحٍ ... عسى الدَّهرُ يوماً بعدَ نأيٍ يساعفُ
فإنْ تدُنْ منَّا يرجعِ الودُّ راجعٌ ... وإلا فقد بانَ الحبيبُ الملاطفُ
فولَّيتُ محزوناً وقلتُ لصاحبي ... هو الموتُ إن بانَ الحبيبُ المؤالفُ
وصاحَ ببينِ الدَّارِ منَّا ومنهمُ ... غداةَ ارتحلنا للتَّفرُّقِ هاتفُ
فكمْ قد قطعنا دونكمْ من مجاهلٍ ... وموماةِ أرضٍ دونهنَّ نفانفُ
على كلِّ عيديِّ النَّجارِ مُراكلٍ ... وأدمٍ تبارى وهيَ قودٌ حراجفُ
حراجيجُ أمثالُ القنا تهصُ السُّرى ... إذا نفضتْ هاماتهنَّ الرَّواجفُ
سروا ما سروا من ليلهمْ ثمَّ عرَّسوا ... سُحيراً وقد مالتْ بهنَّ السَّوالفُ
على كلِّ ثنيٍ من يديْ أرحبيَّةٍ ... طوى النَّحضَ عنها نازحاتٌ تنائفُ
إذا جاوزوا أعلامَ أرضٍ بدتْ لهم ... مهامهُ يُخشى في هداها المتالفُ
وقال جميل أيضاً:
عفا بردٌ من أمِّ عمرٍو فلفْلفُ ... فأُدمانُ منها فالصَّرائمُ مألفُ
وعهدي بها إذ ذاكَ والشَّملُ جامعُ ... لياليَ جمْلٌ بالمودَّةِ تسعفُ
فأصبحَ قفراً بعدما كان حقبةً ... وجمْلُ المنى تشتو به وتصيِّفُ
ففرَّقنا صرفٌ من الدَّهرِ لم يكنْ ... له دونَ تفريقٍ من الحيِّ مصرفُ
فليسَ بها إلاّ ثلاثٌ كأنَّها ... حمائمُ سفعٌ حولَ أورقَ عكَّفُ
أأن هتفتْ ورقاءُ ظلتَ سفاهةً ... تبكّي على جملٍ لورقاءَ تهتفُ
وقد نزحَ الدَّمعَ البكاءُ لذكرها ... من العينِ أغرابٌ تفيضُ وتغرفُ
وليسَ بكاءُ المرءِ بالعزفِ والتُّقى ... ولكنَّ عزفَ المرءِ عن ذاكَ أعرفُ
فلو كانَ لي بالصَّرمِ يا بثنَ طاقةٌ ... صرمتُ ولكنّي على الصَّرمِ أضعفُ
لها في سوادِ القلبِ مِ الحبِّ ميعةٌ ... هيَ الموتُ أو كادتْ على الموتِ تشرفُ
وما ذكرتكِ النَّفسُ يا بثنُ مرَّةً ... من الدَّهرِ إلاّ كادتْ النَّفسُ تتلفُ
وإلا علتني عبرةٌ واستكانةٌ ... وفاضَ لها جارٍ من الدَّمعِ يذرفُ
وما استطرفتْ نفسي حديثاً لِخلَّةٍ ... أسرُّ به إلاّ حديثكِ أظرفُ
لعمركَ لا ينفكُّ حبُّكِ فاعلمي ... جوًى لازمي ما دامتِ العينُ تطرفُ
أمنصفتي جملٌ فتعدلَ بيننا ... إذا حكمتْ والعادلُ الحكمَ ينصفُ
تعلَّقْتها والنَّفسُ منِّي صحيحةٌ ... فما زال ينمي حبُّ جملٍ وتضعفُ
إلى اليومِ حتَّى سلَّ جسمي وشفَّني ... وأنكرتُ من نفسي الذي كنتُ أعرفُ
شعفتُ بجملٍ بعدَ إذ كنتُ سالياً ... ومثلُ الذي ألقى من الحبِّ يشعفُ
صيودٌ كغصنِ البانِ ما فوقَ حقْوها ... وما تحتهُ منها نقاً يتقصَّفُ
стр. 75
من البيضِ معطارٌ يزينُ لبانها ... جمانٌ وياقوتٌ ودرٌّ مؤلَّفُ
لها مقلتا ريمٍ وجيدُ جدايةٍ ... وبطنٌ كطيِّ السَّابريَّةِ أهيفُ
من السَّاجياتِ الطَّرفِ حورٍ كأنَّها ... نعاجٌ غذاهنَّ الأريضُ فلفلفُ
تسوِّفُ دَيني وهي ذاتُ يسارةٍ ... فحتى متى ديني لديها يسوَّفُ
على ذاكَ إنِّي لا بخيلُ عليهمُ ... ولا فاحشٌ فيما أطالبُ ملحفُ
لقد أخلفتْ ظنّي وكانت مخيلةً ... وكم من مخيلٍ يُرتجى ثمَّ يخلفُ
فلمْ يكُ لي إلاّ التَّلهُّفُ إذ نأتْ ... وظنَّتْ وما يجدي عليَّ التَّلهُّفُ
وقد صدفتْ عنّي بغيرِ جريرةٍ ... وما ليَ ذنبٌ عندها حينَ تصدفُ
عليكِ سلامُ الله أمَّ مطرِّفٍ ... وإن كانَ هذا الحبُّ لا يتصرَّفُ
تقول وقد فاضتْ من العينِ عبرةٌ ... أفقْ إنّ جهلاً منكَ هذا التَّكلُّفُ
وكانت تحيدُ الأسدُ عنّي مخافتي ... فهل يقتلنِّي ذو رعاثٍ مطرَّفُ
تكلَّفتَ جملاً وهي عنكَ بخيلةٌ ... فهيهاتَ منكَ اليومَ ما تتكلَّفُ
ألا أيّهذا اللاَّئمي أن أحبّها ... تأمَّلْ كذا أيّي وأيُّكَ أعنفُ
أجدَّكَ لم تحببْ فتخفقَ رسْلةٌ ... برحلكَ أو باقي الهِبابِ مشرِّفُ
علندًى كعيرِ العونِ قد شقَّ نابهُ ... على الأينِ فيه عزَّةٌ وتعجرفُ
أمَ أنتَ امرؤٌ ترعيَّةٌ جُلُّ همِّهِ ... جمالٌ ومعزًى لا تزالُ تؤنَّفُ
شماريخُ كالقنوانِ نعَّمَ نبتها ... طويلُ القرا هوهاءةُ اللُّبِّ أجوفُ
إذا نفرتْ عن ظهرِ غيبٍ رأيتهُ ... من الشَّدِّ أجلى بعدَ إذ هو أغضفُ
إذا مرضتْ منها عناقُ رأيتهُ ... بسكِّينه من حولها يتلهَّفُ
محبٌّ لصغراها بصيرٌ بنسلها ... حفوظٌ لأخراها أحَيدبُ أحنفُ
إذا ولجَ النَّاسُ الظِّلالَ فإنّهُ ... معَ الشاءِ حتَّى يسرحَ الشاءَ محقفُ
له محنةٌ سودٌ ربابٌ كأنَّها ... إذا وردتْ ماءً براذينُ ترجفُ
بناتُ خداريٍّ كأنَّ قرونها ... إذا أشرفتْ فوقَ الجماجمِ علَّفُ
وراسيةٌ قعراءُ ضمَّنَ شربها ... إذا هتفَ القُمريُّ جونٌ معلَّفُ
طباقاءُ لم يشهدْ خصوماً ولم ينخْ ... قلاصاً إلى أكوارها حينَ تُعكفُ
ولم يشهدِ الفتيانَ ليلاً يلفُّهمْ ... على شعبِ الأكوارِ حمراءُ حرجفُ
فلولا ابنةُ العذريّ لم ترَ ناقتي ... شلال ولم أعسفْ بها حيثُ أعسفُ
وما كنتُ أدري ما الكراتيمُ قبلها ... فقد كلَّفتنيهنَّ فيما أكلَّفُ
فإن تسألي يا بثنَ عنّا فإنّنا ... لنا المجدُ قدماً والعديدُ المضعَّفُ
قضاعةٌ قومي إنْ قومي ذؤابةٌ ... بفضلِ المساعي في الملمّاتِ تعرفُ
لنا سابقانِ الملكُ والعزُّ والنَّدى ... قديماً وفي الإسلامِ ما لا يعنَّفُ
إذا انتهبَ الأقوامُ مجداً فإنَّنا ... لنا معرفا مجدٍ وللنَّاسِ معرفُ
فما سادنا قومٌ ولا ضامنا عدًى ... إذا شجرَ القومَ الوشيجُ المثقَّفُ
لنا حومةٌ يحمى الحريمَ بعزِّها ... عديدُ الحصى لم يحصها المتكلِّفُ
على كلِّ مسحاجٍ إذا ابتلَّ لبدها ... تهافتَ منها ثائبٌ متغضِّفُ
وكنّا إذا ما معشرٌ أجحفوا بنا ... ومرَّتْ جواري طيرهمْ وتعيَّفوا
وضعنا لهمْ صاعَ القصاصِ رهينةً ... بما سوفَ نوفيها إذا النَّاسُ طفّفوا
ترى النّاسَ ما سرنا يسيرونَ خلفنا ... وإن نحنُ أومأنا إلى الناسِ وقَّفوا
برزنا وأصحرنا لكلِّ قبيلةٍ ... بأسيافنا إذ يؤكلُ المتضعَّفُ
وقال جميل أيضاً:
عاودتُ من جملٍ قديمَ صبابتي ... وأخفيتُ من وجدي الذي كان خافيا
أتعذرُ لا بلْ لا محالةَ أنهُ ... ملومٌ إذا ذو الشَّيبِ رامَ التَّصابيا
حبيبٌ دعا عن طولِ ليلٍ حبيبهُ ... صبا صبوةً لما أطالَ التقائيا
إذا قلتُ أنساها تردَّدَ حبُّها ... كذي الدَّيْنِ يقضي مغرماً كان كاليا
أقولُ لداعي الحبِّ والحجرُ بيننا ... ووادي القرى لبَّيكَ لما دعانيا
فلمْ تنكرِ الدَّاعي ولكنَّ حبَّها ... أصيلٌ ويبلى كالذي كنتُ باليا
стр. 76
فما أحدثَ النَّأيُ المفرِّقُ بيننا ... سلوّاً ولا طولُ اجتماعٍ تقاليا
كأنْ لم يكنْ نايٌ إذا كان بعدهُ ... تلاقٍ ولكنْ لا إخالُ تلاقيا
خليليَّ إنْ لم تبكيا ليَ ألتمسْ ... خليلاً إذا أنزفتُ دمعاً بكى ليا
وقالَ خليلي إنَّ تيماءَ موعدٌ ... لبثنَ إذا ما الصَّيفُ ألقى المراسيا
ألمْ يكُ إذ أهلي وأهلكِ جيرةٌ ... تخبِّرني إن بنتُ ألا تلاقيا
ذري ردَّ قولٍ قد مضى كنتُ قلتهُ ... ولِعتِ به أو ضلَّةً من ضلاليا
فإنَّكِ لو تجلينَ نحو تِهامةٍ ... أو الرُّكنِ من حورانَ أصبحتُ جاليا
وقد خفتُ أن يغترَّني الموتُ بغتةً ... وفي النَّفسِ حاجاتٌ إليكِ كما هيا
وإنّي لتُنسيني الحفيظةُ كلَّما ... لقيتكِ يوماً أن أبثَّكِ ما بيا
ألم تعلمي يا عذبةَ الماءِ أنّني ... أظلُّ إذا لم أُسقَ ماءكِ صاديا
وما زلتِ بي يا بثنَ حتَّى لو أنَّني ... من الوجدِ أستبكي الحمامَ بكى ليا
وددتُ على حبِّي الحياةَ لو أنَّها ... يزادُ لها في عمرها من حياتيا
فأقسمتُ لا ألحو محبّاً ولا أرى ... له لاحياً إلاّ دعوتُ الجوازيا
وإلا اعترتني عبرةٌ بعدَ فترةٍ ... وإلا تداعى الحبُّ منّي تداعيا
فلا تسمعوا قولاً لهمْ إن تظاهروا ... عليَّ بلومٍ أنتَ سدَّيتهِ ليا
فما زادني الواشون إلاّ صبابةً ... ولا زادني النَّاهونَ إلاّ تماديا
إذا علمتْ وجدي بها وصبابتي ... فإنَّ المنايا قاصداتٌ وشاتيا
وقال جميل أيضاً:
لقد أورثتْ قلبي وكان مصحَّحاً ... بثينةُ صدعاً يومَ طارَ رداؤها
إذا خطرتْ من ذكرِ بثنةَ خطرةٌ ... عصتني شؤونُ العينِ فانهلَّ ماؤها
فإنْ لم أزرها عادني الشَّوقُ والهوى ... وعاودَ قلبي من بثينةَ داؤها
وكيفَ بنفسٍ أنتِ هيَّجتِ سُقمها ... ويمنعُ منها يا بُتينُ شفاؤها
لقد كنتُ أرجو أن تجودي بنائلٍ ... فأخلفَ نفسي من جداكِ رجاؤها
فلو أنَّ نفسي يا بثينُ تُطيعني ... لقد طالَ عنكمْ صبرها وعزاؤها
ولكن عصتني واستبدَّتْ لإمرها ... فأنتِ هواها يا بثينُ وشاؤها
فأحيي هداك الله نفساً مريضةً ... طويلاً بكمْ تهيامها وعناؤها
وكمْ وعدتنا من مواعدَ لو وفتْ ... بوأيٍ فلم تنجزْ قليلٍ غناؤها
وكم لي عليها من ديونٍ كثيرةٍ ... طويلٌ تقاضيها بطيءٌ قضاؤها
تجودُ به في النَّومِ غيرِ مصرَّدٍ ... ويحزنُ أيقاظاً عليها عطاؤها
إذا قلتُ قد جادتْ لنا بنوالها ... أبتْ ثمَّ قالت خطَّةٌ لا أشاؤها
أعاذلتي فيها لكِ الويلُ أقصري ... من اللَّومِ عنّي اليومَ أنتِ فداؤها
فما ظبيةٌ أدماءُ لاحقةٌ الحشا ... بصحراءِ قوٍّ أفردتها ظباؤها
تراعي قليلاً ثمَّ تحنو إلى طلا ... إذا ما دعتهُ والبغامُ دعاؤها
بأحسنَ منها مقلةً ومقلَّداً ... إذا جليتْ لم يستطاعُ اجتلاؤها
وتبسمُ عن غُرٍّ عذابٍ كأنَّها ... أقاحٍ حكتها يومَ دجنٍ سماؤها
إذا اندفعتْ تمشي الهوينى كأنَّها ... قناةٌ تعلَّتْ لينها واستواؤها
إذا قعدتْ في البيتِ يشرقُ بيتها ... وإن برزتْ يزدادُ حسناً فناؤها
قطوفٌ ألوفٌ للحجالِ يزينها ... معَ الدَّلِّ منها جسمها وحياؤها
منعَّمةٌ ليستْ بسوداءَ سلفعٍ ... طويلٌ لجيرانِ البيوتِ نداؤها
فدتكِ من النّسوانِ كلُّ شريرةٍ ... صخوبٍ كثيرٍ فُحشها وبذاؤها
فهذا ثنائي إن نأتْ وإذا دنتْ ... فكيفَ علينا ليتَ شعري ثناؤها
وقال جميل أيضاً:
وغرِّ الثَّنايا من ربيعةَ أعرضتْ ... حروبُ معدٍّ دونهنَّ ودوني
تحمَّلنَ من ماءِ الثُّديِّ كأنَّما ... تحمَّلنَ من مرسًى ثقالَ سفينِ
فلمَّا دخلنَ الخيمَ سدَّتْ فروجهُ ... بكلِّ لبانٍ واضحٍ وجبينِ
وعالَينِ رقماً فوقَ كلِّ عذافرٍ ... إذا حثَّ رخوُ الأخدعينِ ذقونِ
كأنَّ الخدورَ أولجتْ في ظلالها ... ظباءُ الملا ليستْ بذاتِ قرونِ
إلى رجّحِ الأعجازِ حورٍ نمى بها ... مع العتقِ والأحسابِ صالحُ دينِ
стр. 77
تبادرنَ أبوابَ الحجالِ كما مشى ... حمامُ ضحًى في أيكةٍ وفنونِ
وقال خليلي طالعاتٌ من الصَّفا ... فقلتُ تأمَّلْ ليسَ حيثُ تريني
قرضْنَ شمالاً ذا العشيرةِ كلَّهُ ... وذاتَ اليمينِ البرْقَ برقَ هجينِ
فأصعدْنَ في سرَّاءَ حتَّى إذا انتحتْ ... شمالاً نحا حاديهمُ ليمينِ
فلمَّا تعسَّفنَ الأداهمَ فُتْنني ... وسمَّحَ للبينِ المشتِّ قريني
فألقتْ عصاها واستقرَّ بها النَّوى ... على جنبِ نهيٍ ذي شرائعَ جونِ
أبيني لنا قبلَ الفراقِ أبيني ... بثينةُ حقّاً صرمكمْ بيقينِ
فلو أرسلتْ يوماً بثينةُ تبتغي ... يميني ولو عزَّتْ عليَّ يميني
لأعطيتها ما جاءَ يبغي رسولها ... وقلتُ لها بعدَ اليمينِ سليني
سليني ما لي يا بثينَ فإنَّما ... يبيِّنُ عندَ المالِ كلُّ ضنينِ
فما لكِ لمَّا خبَّرَ النَّاسُ أنَّني ... أسأتُ بظهرِ الغيبِ لم تسليني
فأبليَ عذراً أو أجيءَ بشاهدٍ ... من النَّاسِ عدلٍ أنَّهم ظلموني
ولستُ وإن عزَّتْ عليَّ بقائلٍ ... لها بعدَ صرمٍ يا بثينَ صليني
لحى الله من لا ينفعُ الودُّ عندهُ ... ومن حبلهُ إنْ مدَّ غيرُ متينِ
ومن هو إنْ تحدثُ له العينُ نظرةً ... يقضّبْ لها أسبابَ كلِّ قرينِ
ومن هو ذو لونينِ ليسَ بدائمٍ ... على خلقٍ خوَّانُ كلِّ أمينِ
فليتَ رجالاً فيكَ قد نذروا دمي ... وهمُّوا بقتلي يا بثينَ لقوني
أرادوا لكيما يقتلوني ولا يدوا ... دمي ثمَّ إنَّ الواقياتِ تقيني
إذا ما رأَوني مقبلاً من ثنيَّةٍ ... يقولونَ من هذا وقد عرفوني
وكيفَ لا توفي دماؤهمْ دمي ... ولا مالهمْ ذو كثرةٍ فيدوني
حلفتُ بربِّ الرّاقصاتِ إلى منًى ... هويَّ القطا يجتزنَ بطنَ دفينِ
لأيقنَ هذا القلبُ أن ليسَ لاقياً ... سُليمى ولا أمَّ الجُسيرِ لحينِ
من البيضِ لم تعقدْ نطاقاً بخصرها ... ولم يرْخِ متنيها ارتكاضُ جنينِ
كأنَّ دموعَ العينِ إذ شطَّتِ النَّوى ... ببثنةَ يسقيها رذاذُ معينِ
جلتْ برداً غرّاً ترفُّ غروبهُ ... عِذابَ الثَّنايا لم تشبْ بأجونِ
وقال جميل أيضاً:
أمنْ آلِ ليلى تغتدي أم تروَّحُ ... وللمغتدي أمضى هموماً وأسرحُ
ظللنا لدى ليلى وظلَّتْ ركابنا ... بأكوارها محبوسةً ما تسرَّحُ
إذا أنتَ لم تظفرْ بشيءٍ طلبتهُ ... فبعضُ التَّأنِّي في اللُّبانةِ أنجحُ
وقامتْ تراءى بعدما نامَ صحبتي ... لنا وسوادُ اللَّيلِ قد كادَ يجلحُ
بذي أشرٍ كالأقحوانِ يزينهُ ... ندى الطَّلِ إلاّ أنَّه هو أملحُ
كأنَّ خزامى عالجٍ في ثيابها ... بعيدَ الكرى أو فأرَ مسكٍ تذبَّحُ
كأنَّ الذي يبتزُّها من ثيابها ... على رملةٍ من عالجٍ متبطِّحُ
وبالمسكِ تأتيكَ الجنوبُ إذا جرتْ ... لكَ الخيرُ أم ريّا بثينةَ تنفحُ
من الخفراتِ البيضِ خودٌ كأنَّها ... إذا ما مشتْ شبراً من الأرضِ تُنزحُ
منعمةٌ لو يدرجُ الذَّرُ بينها ... وبين حواشي ثوبها ظلَّ يجرحُ
إذا ضربتها الرِّيحُ في المرطِ أجفلتْ ... مآكمها والرّيحُ في المرطِ أفضحُ
ترى الزُّلَّ يلعنَّ الرِّياحَ إذا جرتْ ... وبثنةُ إن هبَّتْ لها الرِّيحُ تفرحُ
إذا الزُّلُّ حاذرنَ الرِّياحَ رأيتها ... من العجبِ لولا خشيةُ الله تمرحُ
وإنّي وإنْ لم تسمعي لمقالتي ... لأحمدُ نفسي في التَّنائي وأمدحُ
ويرتاحُ قلبي والتَّنوفةُ بيننا ... لذكراكِ أو ينهلُّ دمعي فيسفحُ
وبثنةُ قد قالتْ وكلُّ حديثها ... إلينا ولو قالتْ بسوءٍ مملَّحُ
تقولُ بني عمِّي عليكَ أظنَّةٌ ... وأنتَ العدوُّ المسرفُ المتنطِّحُ
وقالتْ عيونٌ لا تزالُ مطلَّةً ... علينا وحولي من عدوِّكَ كشَّحُ
إذا جئتنا فانظر بعينٍ جليَّةٍ ... إلينا ولا يغرُركَ من يتنصَّحُ
رجالٌ ونسوانٌ يودّونَ أنَّني ... وإيّاكَ نخزى يا بن عمّي ونفضحُ
стр. 78
وقالتْ تعلَّمْ أنَّ ما قلتَ باطلٌ ... أيادي سبا منهنَّ إن كنتَ تمزحُ
وحولي نساءٌ إن ذكرتَ بريبةٍ ... شمتنَ وما منهنَّ إلاّ سيفرحُ
ووالله ما يدري جميلُ بن معمرٍ ... أليلى بقوٍّ أم بثينةُ أنزحُ
وكلتاهما أمستْ ومن دونِ أهلها ... لعوجِ المطايا والقصائدِ مسبحُ
أمنْ أجلِ أن عجنا قليلاً ولم نقلْ ... لليلى كلاماً لا أبا لك تكْلحُ
فمتْ كمداً أو عشْ ذميماً فإنَّها ... جيوبٌ لليلى تحفظُ الغيبَ نصَّحُ
سلوا الواجدينَ المخبرينَ عن الهوى ... وذو البثِّ أحياناً يبوحُ فيصرحُ
أتقرحُ أكبادُ المحبِّينَ كالذي ... أرى كبدي من حبِّ بثنةَ يقرحُ
فوالله ثمَّ الله إنِّي لصادقٌ ... لذكركِ في قلبي ألذُّ وأملحُ
من النّسوةِ السُّودِ اللَّواتي أمرْنني ... بصرمكِ إنِّي من ورائكَ منفحُ
لقد قلنَ ما لا ينبغي أن يقلنهُ ... وينضحنَ جلداً لم يكن فيكَ ينضحُ
بكى بعلُ ليلى أن رأى القومَ عرَّجوا ... صدورَ المطايا وهي في السَّيرِ جنَّحُ
ووالله ما أدري أصرمٌ تريدهُ ... بثينةُ أم كانتْ بذلكَ تمزحُ
عشيَّةَ قالتْ لا يكنْ لكَ حاجةٌ ... رأيتكَ تأسو باللّسانِ وتجرحُ
فقلتُ أصرمٌ أم دلالٌ وإنْ يكنْ ... دلالٌ فهذا منكِ شيءٌ مملَّحُ
إليَّ وإنْ حاولتِ صرمي وهجرتي ... فما قبلي منْ جانبِ الأرضِ أفسحُ
ألمْ تعلمي وجدي إذا شطَّتِ النَّوى ... وكنتُ إذا تدنو بك الدَّارُ أفرحُ
فإنِّي عرضتُ الودَّ حتَّى رددتهِ ... وحتّى لحى فيكِ الصَّديقُ وكشَّحُ
فأشمتِّ أعدائي ووسيءَ بما رأى ... صديقي ولا في مرجعٍ كنتُ أكدحُ
فهلاَّ سألتِ الرَّكبَ حينَ يلفُّني ... وإيَّاهمُ خرقٌ من الأرضِ أفيحُ
أَأُكرمُ أصحابي وأبذلُ ذا يدي ... وأعرضُ عن جهلِ الصَّديقِ وأصفحُ
وأُكثرُ قولاً والحبيبِ موكَّلٌ ... سقى أهلَ جملٍ حيثُ أمسوا وأصبحوا
أجشُّ هزيمُ الرَّعدِ دانٍ ربابهُ ... له هيدبٌ جمُّ العثاثينَ رجَّحُ
ذكرتكِ يومَ النَّحرِ يا بثنُ ذكرةً ... على قرنٍ والعيسُ بالقومِ جنَّحُ
عواطفَ بالعينِ بينَ مسرَّةٍ ... لقاحاً وأُخرى حائلٍ تتلقَّحُ
دهنَّ بأسقاطِ اللُّغامِ كأنَّهُ ... إذا قطَّعتهُ الرِّيحُ قزٌّ مسرَّحُ
ويومَ وردْنا قرحَ هاجتْ ليَ البكا ... من الورقِ حمَّاءُ العلاطينِ تصدحُ
ويومَ وردْنا الحجرَ يا بثنُ عادَني ... لكِ الشَّوقُ حتَّى كدتُ باسمكِ أُفصحُ
وليلةَ بتْنا بالجنينةِ هاجَني ... سنا بارقٍ منْ نحوِ أرضكِ يلمحُ
فعدتُ لهُ والقومُ صرعى كأنَّهمْ ... لدى العيسِ بالأكوارِ خشبٌ مطرَّحُ
أراقبهُ حتَّى بدا متبلِّجٌ ... منَ الصُّبحِ مشهورٌ وما كدتُ أُصبحُ
وليلةَ بتْنا ذاتَ حاجٍ ذكرتكمْ ... هدواً وقدْ نامَ الخليُّ المصحَّحُ
وبتُّ كئيباً لادِّكاري وصحبَتي ... على مشرعٍ فانهلَّتِ العينُ تسفحُ
ويومَ معانٍ قالَ لي فعصيتهُ ... أفقْ عنْ بثينَ الكاشحُ المتنصِّحُ
ويومَ نزلْنا بالحبالِ عشيةً ... وقد حُبستْ فينا الشَّراةُ وأذرحُ
ذكرتكمُ فانهلَّتْ العينُ إنَّها ... إذا لمْ يكنْ صبرٌ أخفُّ وأروحُ
وليلةَ عرَّسنا بأوديةِ الغضا ... ذكرتكِ إنَّ الحبَّ داءٌ مبرِّحُ
ويومَ تبوكٍ كدتُ منْ شدَّةِ الأسى ... عليكِ بما أُخفي منَ الوجدِ أصرحُ
سلمة بن الخرشب
وقال سلمة بن الخرشب الأنماري في يوم الرَّقم، والرّقم موضع، وهي مفضلية:
إذا ما غدوتمْ لأرضِنا ... بني عامرٍ فاسْتظهروا بالمرائرِ
فإنَّ بني ذبيانَ حيثُ علمتمُ ... بجزعِ البتيلِ بينَ بادٍ وحاضرِ
يسدُّونَ أبوابَ القبابِ بضمَّرٍ ... إلى عننٍ مستوثقاتِ الأواصرِ
فأمسَوا حلالاً ما يفرِّقُ بينهمْ ... على كلِّ ماءٍ بين فيدَ وساجرِ
وأصعدتِ الحطَّابُ حينَ تقاربوا ... على خشبِ الطَّرفاءِ فوقَ العواقرِ
نجوتَ بنصلِ السَّيفِ لا غمدَ فوقهُ ... وسرجٍ على ظهرِ الرِّحالةِ قاترِ
стр. 79
فأثنِ عليها بالَّذي أنتَ أهلهُ ... ولا تكْفرنْها لا فلاحَ لكافرِ
فلو أنَّها تجري على الأرضِ أُدركتْ ... ولكنَّها تهفو بتمثالِ طائرِ
خداريَّةٍ فتخاءَ ألثقَ ريشَها ... سحابةُ يومٍ ذي أهاضيبَ ماطرِ
فدًى لأبي أسماءَ كلُّ مقصِّرٍ ... منَ القومِ من ساعٍ بوترٍ وواترِ
بذلتَ المخاضَ البزلَ ثمَّ عشارها ... ولم تنهَ منها عنْ صفوفٍ مظائرِ
مقرِّنُ أفراسٍ له برواحلٍ ... فغاولْنهمْ مستقبلاتِ الهواجرِ
فأدْركتَهم شرقَ المروْراتِ مقصراً ... بقيَّةُ نسلٍ من بناتِ القراقرِ
فلمْ تنجُ إلاّ كلُّ خوصاءَ تدَّعي ... بذي شرفاتٍ كالقنيقِ المخاطرِ
وإنَّكَ يا عامِ ابنَ فارسٍ قرزلٍ ... معيدٌ على قيلِ الخنا والهواجرِ
هرقنَ بساحوقٍ جفاناً كثيرةً ... وأدَّينَ أُخرى من حَقينٍ وحازرِ
وقال سلمة أيضاً:
تأوَّبهُ خيالٌ مِن سُليمى ... كما يعتادُ ذا الدَّينِ الغريمُ
فإنْ تقبلُ بما علمتْ فإنِّي ... بحمدِ اللهِ وصَّالٌ صرومُ
ومختاضٍ تبيضُ الرُّبدُ فيهِ ... تُحوميَ نبتهُ فهوَ العميمُ
غدوتُ بهِ تُدافعُني سبوحٌ ... فراشُ نسورِها عجمٌ جريمُ
منَ المتلفِّتاتِ بجانبَيْها ... إذا ما بلَّ محزمَها الحميمُ
إذا كانَ الحزامُ بقصرَيَيها ... إماماً حيثُ يمتسكُ البريمُ
تُدافعُ حدَّ طُبيَيْها وحيناً ... يعادلهُ الجراءُ فيستقيمُ
كميتٌ غيرُ محلفةٍ ولكنْ ... كلونِ الصِّرفِ علَّ بهِ الأديمُ
تعادى منْ قوائِمها ثلاثٌ ... بتحجيلٍ وقائمةٌ بهيمُ
كأنَّ مسيحتَيْ ورقٍ عليها ... نمتْ قرطيهِما أٌذنٌ خذيمُ
تعوَّذُ بالرُّقى من غيرِ خبلٍ ... ويعقدُ في قلائدِها التَّميمُ
وتُمكنُنا إذا نحنُ اقتنصْنا ... منَ الشَّحَّاجِ أسعلهُ الجميمُ
هويَّ عقابِ عردةَ أشأزتْها ... بذي الضَّمرانِ عكرشةٌ درومُ
أول هذه القصيدة في المفضليات:
تأوّبه خيالٌ من سليمى
ووجدت لها في أشعار بني عبس ثلاثة أبيات وهي:
تكلَّمْ أيُّها الطَّللُ القديمُ ... عفتْ فيهِ أُجيرةُ فالحريمُ
تأبَّدَ ما بدا للرِّيحِ منهُ ... وآلاءٌ بتيمُنَ لا تريمُ
إذا ما قلتُ أقصرَ عنْ صباهُ ... فكانَ كحينِ محتضرُ السَّقيمُ
بشامة بن عمرو
وقال بشامة بن عمرو بن حزن بن هلال بن وائلة بن سهم بن مرة، وهي مفضلية وقرأتها علي شيخي أبي محمد بن الخشاب حفظاً:
هجرتَ أُمامةَ هجراً جميلاً ... وحمَّلكَ النَّأيُ عبئاً تقيلا
وحمِّلتَ منها على نأيِها ... خيالاً يُوافي ونيْلاً قليلا
ونظرةَ ذي شجنٍ وامقٍ ... إذا ما الرَّكائبُ جاوزنَ ميلا
أتتْنا تُسائلُ ما بثُّنا ... فقلْنا لها قدْ عزمْنا الرَّحيلا
وقلنا لها كنتِ قدْ تعلمينَ ... منذُ ثوى الرَّكبُ عنَّا عفولا
فبادَرَتاها بمستعجلٍ ... منَ الدَّمعِ ينضحُ خدّاً أسيلا
وما كانَ أكثرَ ما نوَّلتْ ... منَ القولِ إلاّ صفاحاً وقيلا
وعذرتُها أنَّ كلُّ امرئٍ ... معدٌّ لهُ كلَّ يومٍ شكولا
كأنَّ النَّوى لم تكنْ أصقبتْ ... ولمْ تأتْ قومَ أديمٍ حلولا
فقرَّبتُ للرَّحلِ عيرانةً ... عذافرةً عنتريساً ذمولا
مداخلةَ الخلقِ مضبورةً ... إذا أخذَ الحاقفاتُ المقيلا
لها قردٌ تامكٌ نيُّهُ ... تزلُّ الوليَّةُ عنهُ زليلا
تطرَّدُ أطرافَ عامٍ خصيبٍ ... ولمْ يدنِ عبدٌ إليها فصيلا
توقَّرُ شازرةٌ طرفَها ... إذا ما ثنيتُ إليها الجديلا
بعينٍ كعينِ مفيضِ القداحِ ... إذا ما أراغَ يريدُ الحويلا
وحادرةٍ كنَفَيها المسي ... حُ تنضحُ أوبرَ شتّاً غليلا
وصدرٍ لها مهيعٌ كالخلي ... فِ تخالُ بأنَّ عليهِ شليلا
ومرَّتْ على كشبٍ غدوةً ... وحاذتْ بجنبِ أريكٍ أصيلا
توطَّأ أغلظُ حزَّانهِ ... كوطءِ القويِّ العزيزِ الذَّليلا
إذا أقبلتْ قلتَ مذعورةٌ ... من الرُّمدِ تلحفُ هيقاً ذمولا
стр. 80
وإنْ أدبرتْ قلتَ مشحونةٌ ... أطاعتْ لها الرِّيحُ قلعاً جفولا
وإنْ أعرضتْ راءَ فيها البصيرُ ... ما لا يكلِّفهُ أنْ يفيلا
يداً سرحاً مائراً ضبعُها ... تسومُ وتقدمُ رِجلاً زجولا
وعوجاً تناطحنَ نحنَ المطايا ... بهنَّ وتهدي مشاشاً كهولا
تعزُّ المطيَّ جماعَ الطَّريقِ ... إذا أدلجَ القومُ ليلاً طويلا
كأنَّ يديْها إذا أرقلتْ ... وقدْ جرنَ ثمَّ اهتدينَ السَّبيلا
يدا عائمٍ خرَّ في غمرةٍ ... قد أدركهُ الموتُ إلاّ قليلا
وخُبِّرتُ قومي ولمْ آتهمْ ... أجدُّوا بأعلى شويسٍ حلولا
فإمَّا هلكتُ ولمْ أتهمْ ... فأبلغْ أماثلَ سهمٍ رسولا
فإنْ قومكمْ خيِّروا خصلتيْ ... نِ كلتاهما جعلوها عدولا
خزيُ الحياةِ وحربُ الصَّديقِ ... وكلاًّ أراهُ طعاماً وبيلا
فإنْ لمْ يكنْ غيرُ إحداهُما ... فسيروا إلى الموتِ سيراً جميلا
ولا تقعِدوا وبكمْ منَّةٌ ... كفى بالحوادثِ للمرءِ غولا
وحشُّوا الحروبَ إذا أُوقدتْ ... رماحاً طوالاً وخيلاً فحولا
ومنْ نسجِ داوودَ موضونةً ... ترى للقواضبِ فيها صليلا
ولكنَّكمْ وعطاءَ الرِّها ... نِ جرَّتِ الحربُ جلاً جليلا
كثوبِ ابنِ بيضٍ وقاهمْ بهِ ... فسدَّ على السَّالكينَ السَّبيلا
مزرد بن ضرار
وقال مزرد بن ضرار بن صيفي الذبياني وهو أخو الشماخ وهي مفضلية:
ألا يا لقومٍ والسفاهةُ كاسمها ... أعائدتي من حبِّ سلمى عوائدي
سويقةُ بلبالي إلى فلجاتها ... فذو الرمثِ أبكتني لسلمى معاهدي
معاهدُ ترعى بينها كل رعلةٍ ... غرابيبُ كالهندِ الحوافي الحوافدِ
تراعي بذي الغلانِ صعلاً كأنهُ ... بذي الطلحِ جاني علفٍ غيرُ عاضدِ
وقالت ألا تثوي فتقضي لبابةً ... أبا حسنٍ فينا وتبلو مواعدي
أتاني وأهلي في جهينةَ دارهم ... بنصعٍ فرضوى من وراءِ المرابدِ
تأوهُ شيخٍ قاعدٍ وعجوزهِ ... حزينينِ بالصعلاءِ ذاتِ الأساودِ
وعالا وعاما حين باعا بأعنزٍ ... وكلبينِ لعبانيةً كالجلامدِ
هجاناً وحمراً معطراتٍ كأنها ... حصى مغرةٍ ألوانها كالمجاسدِ
تدققُ أوراكٌ لهنَّ عرضنةٌ ... على ماءِ يمؤودٍ عصا كل ذائدِ
أزرعَ بن ثوبٍ إن جاراتِ بيتكم ... أزلنَ وألهاكَ ارتغاءُ الرغائدِ
وأصبحَ جاراتُ ابنِ ثوبٍ بواشماً ... منَ الشرِّ يشويهنَّ شيَّ القدائدِ
تركتُ ابنَ ثوبٍ وهو لا سترَ دونهُ ... ولو شئتُ غنتني بثوبٍ ولائدي
صقعتُ ابن ثوبٍ صقعةً لا حجى لها ... يولولُ منها كلُّ آسٍ وعائدِ
فردوا لقاحَ الثعلبيَّ أداؤها ... أعفُّ وأتقى من أذىً غيرِ واجدِ
وإن لم تردوها فإنَّ سماعها ... لكم أبداً من باقياتِ القلائدِ
وما خالدٌ منا وإن حلَّ فيكمُ ... أبانينِ بالنائي ولا المتباعدِ
تسفهتهُ غرماً لهُ إذ رأيتهُ ... غلاماً كغصنِ البانةِ المتغايدِ
تحنُّ لقاحُ الثعلبي صبابةً ... لأوطانها من غيقةٍ فالفدافدِ
وعاعى ابن ثوبٍ في الرعاءِ بصبةٍ ... حيالٍ وأخرى لم ترَ الفحلً والدِ
فيا آلَ ثوبٍ إنما ذودُ خالدٍ ... كنارِ اللظى لا خيرَ في ذودِ خالدِ
بهن دروءٌ من نحازٍ وغدةٍ ... لها ذرباتٌ كالثديِّ النواهدِ
جربنَ فما يهنأنَ إلا بغلقةٍ ... عطينٍ وأبوالِ النساءِ القواعدِ
فلم أرَ رزءاً مثلهُ إذ أتاكمُ ... ولا مثلَ ما يهدى هديةَ شاكدِ
فيا لهفى ألا تكونَ تعلقت ... بأسبابِ حبلٍ لابنِ دارةَ ماجدِ
فيرجعها قومٌ كأنَّ أباهمُ ... ببيشةَ ضرغامٌ طوالُ السواعدِ
ولو جارها اللجلاجُ أو لو أجارها ... بنو باعثٍ لم تنزُ في حبلِ صائدِ
ولو كنَّ جاراتٍ لآلِ مساحقٍ ... لأدينَ هوناً معنقاتِ المواردِ
ولو في بني الثرماءِ حلت تحدبوا ... عليها بأرماحِ حدادِ الحدائدِ
مصاليتُ كالأسيافِ ثم مصيرهم ... إلى خفراتٍ كالقنا المترائدِ
ولكنها في مرقبٍ متناذرٍ ... كأنَّ بها منه قروضَ الجداجدِ
стр. 81
وقلتُ ولم أملك: رزامَ بنَ مازنٍ ... إلى آيةٍ فيها حياءُ الخرائدِ
وقال مزرد أيضاً، مفضلية، وقرأتها في جملة المفضليات علي شيخي ابن الخشاب:
صحا القلبُ عن سلمى وملَّ العواذلُ ... وما كادَ لأياً حبُّ سلمى يزايلُ
فؤاديَ حتى طارَ غي شبيبتي ... وحتى علا وخطٌ من الشيبِ شاملُ
يقنئهُ ماءُ اليرناءِ تحتهُ ... شكيرٌ كأطرافِ الثغامةِ ناصلُ
فلا مرحباً بالشيبِ من وفدِ زائرٍ ... متى يأتِ لا تحجب عليهِ المداخلُ
وسقياً لريعانِ الشبابِ فإنهُ ... أخو ثقةٍ في الدهرِ إذ أنا جاهلُ
إذ الهو بليلى وهيَ لذٌّ حديثها ... لطالبها مسؤولُ خيرٍ فباذلُ
وبيضاءَ فيها للمخالم صبوةٌ ... ولهوٌ بمن يرنو إلى اللهوِ شاغلُ
لياليَ إذ تصبي الحليمَ بدلها ... وتمشي خزيلَ الرجعِ فيهِ تفاتلُ
وعيني مهاةٍ في صوارٍ مرادها ... رياضٌ سرت فيها الغيوثُ الهواطلُ
وأسحمَ ريانِ القرونِ كأنهُ ... أساودُ رمانَ السباطُ الأطاولُ
وتخطو على برديتين غذاهما ... نميرُ المياهِ والعيونُ الغلاغلُ
فمن يكُ معزالَ اليدينِ مكانهُ ... إذا كشرت عن نابها الحربُ خاملُ
فقد علمت فتيانُ ذبيانَ أنني ... أنا الفارسُ الحامي الذمارَ المقاتلُ
وأني أردُّ الكبشَ والكبشُ جامحٌ ... وأرجعُ رمحي وهو ريانُ ناهلُ
وعندي إذا الحربُ العوانُ تلقحت ... وأبدت هواديها الخطوبُ الزلازلُ
طوالُ القرى قد كادَ يذهبُ كاهلاً ... جوادُ المدى والعقبِ والخلقُ كاملُ
أجشُّ صريحيٌّ كأنَّ صهيلهُ ... مزاميرُ شربٍ جاوبتها جلاجلُ
متى يرَ مركوباً يقل بازُ قانصٍ ... وفي مشيهِ عند القيادِ تساتلُ
تقوكُ إذا أبصرتهُ وهوَ صائمٌ ... خباءٌ على نشزِ أو السيدُ ماثلُ
خروجُ أضاميمٍ وأحصنُ معقلٍ ... إذا لم يكن إلا الجيادَ معاقلُ
مبرزُ غاياتٍ وأن يتلُ عانةً ... يذرها كذودٍ عاثَ فيها مخايلُ
يرى طامحَ العينين يرنو كأنهُ ... مؤانسُ ذعرٍ فهو بالأذنِ خاتلُ
إذِ الخيلُ من غبّ الوجيفِ رأيتها ... وأعينها مثلَ القلاتِ حواجلُ
وقلقلتهُ حتى كأنَّ ضلوعهُ ... سفيفُ حصيرٍ فرقتهُ الرواملُ
يرى الشدَّ والتقريبَ نذراً إذا عدا ... وقد لحقت بالصلبِ منهُ الشواكلُ
لهُ طحرٌ عوجٌ كأنَّ بضيعها ... قداحٌ براها صانعُ الكفِّ نابلُ
وصمُّ الحوامي ما يبالي إذا عدا ... أوعثُ نقاً عنت لهُ أم جنادلُ
وسلهبةٌ جرداءُ باقٍ مريسها ... موثقةٌ مثلُ الهراوةِ حائلُ
كميتٌ عبناةُ السراةِ نمى بها ... إلى نسبِ الخيلِ الصريحُ وجافلُ
منَ المسبطراتِ الجياد طمرةٌ ... لجوجٌ هواها السبسبُ المتماحلُ
صفوحٌ بخديها وقد طالَ جريها ... كما قلبَ الكفَّ الألدُّ المجادلُ
يفرطها عن كبةِ الخيلِ مصدقٌ ... كريمٌ وشدٌّ ليسَ فيهِ تخاذلُ
وإن ردَّ من فضلِ العنانِ توردت ... هويَّ قطاةٍ أتبعتها الأجادلُ
مقربةٌ لم تقتعد غيرَ غارةٍ ... ولم تمترِ الأطباءَ منها السلائلُ
إذا ضمرت كانت جدايةَ حلبٍ ... أمرت أعاليها وشدَّ الأسافلُ
فقد أصبحت عندي تلاداً عقيلة ... ومن كل مالٍ متلداتٌ عقائلُ
وأحبسها ما دام للزيتِ عاصرٌ ... وما طافَ فوقَ الأرضِ حافٍ وناعلُ
ومسفوحةٌ فضفاضةٌ تبعيةٌ ... وآها القتير تجتويها المعابلُ
دلاصٌ كظهرِ النونِ لا يستطيعها ... سنانٌ ولا تلكَ الحظاءُ الدواخلُ
موشحةٌ كالنهي دانٍ حبيكها ... لها حلقٌ بعدَ الأناملِ فاضلُ
مشهرةٌ تحنى الأصابعُ نحوها ... إذا اجتمعت يومَ الحفاظِ القبائلُ
وتسبغةٌ في تركةِ حميريةٍ ... دلامصةٍ ترفضُّ عنها الجنادلُ
كأنَّ شعاعَ الشمسِ في حجراتها ... مصابيحُ رهبانٍ زهتها القنادلُ
وجوبٌ يرى كالشمسِ في طخيةِ الدجى ... وأبيضُ ماضٍ في الضريبةِ قاصلُ
سلافُ حديدٍ ما يزالُ حسامهُ ... ذليقاً وقدتهُ القرونُ الأوائلُ
стр. 82
إذا ما عدا العادي بهِ نحو قرنهِ ... وقد سامهُ قولاً فدتكَ المناصلُ
وأملسُ هنديٌّ متى يعلُ حدهُ ... ذرى البيضِ لا تسلم عليهِ الكواهلُ
ألستَ نقياً لا تليقُ بكَ الذرى ... ولا أنتَ إن طالت بكَ الكفُّ ناكلُ
حسامٌ خفيُّ الجرسِ عندَ استلالهِ ... صفيحتهُ مما تنقي الصياقلُ
ومطردٌ لدنُ الكعوبِ كأنما ... تغشاهُ منباعٌ منَ الزيتِ سائلُ
أصمُّ إذا ما هزَّ مارت سراتهُ ... كما مارَ ثعبانُ الكثيبِ الموائلُ
لهُ فارطٌ ماضي الغرارِ كأنهُ ... هلالٌ بدا في ظلمةِ الليلِ ناحلُ
فدع ذا ولكن ما ترى رأيَ عصبةٍ ... أتتنيَ منهم مندياتٌ عضائلُ
يهزونَ عرضي بالمغيبِ ودونهُ ... لقرمهمِ مندوحةٌ ومآكلُ
على حينَ أن جربتُ واشتدَّ جانبي ... وأنبحَ مني رهبةً من أناضلُ
وجاوزتُ رأسَ الأربعينَ فأصبحت ... قناتيَ لا يلفى لها الدهرَ عادلُ
وقد علموا في سالفِ الدهرِ أنني ... معنٌّ إذا جدَّ الجراءُ ونابلُ
زعيمٌ لمن قاذفتهُ بأوابدٍ ... يغني بها الساري وتحدى الرواحلُ
تكرُّ فما تزدادُ إلا استنارةً ... إذا رازتِ الشعرَ الشفاهُ العواملُ
مذكرةٍ تلقى كثيراً رواتها ... ضواحٍ لها في كلِّ أرضٍ أزاملُ
فمن أرمه منها ببيتٍ يلح بهِ ... كشامةِ وجهٍ ليس للشامِ غاسلُ
كذاك جزائي في الهديّ وإن أقل ... فلا البحرُ منزوحٌ ولا الصوتُ صاحلُ
فعدِّ قريضَ الشعر إن كنتَ مغزراً ... فإنَّ غزيرَ الشعرِ ما شاءَ قاتلُ
لنعتِ صباحي طويلٍ شقاؤهُ ... لهُ رقمياتٌ وصفراءُ ذابلُ
بقينَ لهُ مما يبري وأكلبٌ ... تقلقلُ في أعناقهنَّ السلاسلُ
سخامٌ ومقلاءُ القنيصِ وشيظمٌ ... وجدلاءُ والسرحانُ والمتناولُ
بناتُ سلوقيينِ كانا حياتهُ ... فماتا فأودى شخصهُ فهوَ خاملُ
وأيقنَ إن ماتا بجوعٍ وخيبةٍ ... وقال لهُ الشيطانُ إنكَ عائلُ
فطوفَ في أصحابهِ يستثيبهم ... فآبَ وقد أكدت عليهِ المسائلُ
إلى صبيةٍ مثلِ المغالي وخرملٍ ... روادٍ ومن شرِّ النساءِ الخراملُ
فقالَ لها هل من طعامٍ فإنني ... أذمُّ إليكِ الناسَ أمكِ هابلُ
فقالت نعم هذا الطويُّ وماؤهُ ... ومحترقٌ من حائلِ الجلدِ قاحلُ
فلما تناهت نفسهُ من طعامهِ ... وأمسى طليحاً ما يعانيهِ باطلُ
تغشى يريدُ النومَ فضلَ ردائهِ ... فأعيا على العينِ السهادَ البلابلُ
عبدة بن الطبيب
وقال عبدة بن الطبيب واسمه يزيد بن عمرو بن وعلة بن أنس بن عبد الله بن عبد نهم بن جشم بن عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم:
هل حبلُ خولةَ بعدَ الهجرِ موصولُ ... أم أنتَ عنها بعيدُ الدارِ مشغولُ
حلت خويلةُ في دارٍ مجاورةً ... أهلَ المدائنِ فيها الديكُ والفيلُ
يقارعونَ رؤوسَ العجمِ ضاحيةً ... منهم فوارسُ لا عزلٌ ولا ميلُ
فخامر العقلَ من ترجيعِ ذكرتها ... رسٌّ لطيفٌ ورهنٌ منكَ مكبولُ
رسٌّ كرسِّ أخي الحمى إذا غبرت ... يوماً تأوبهُ منها عقابيلُ
وللأحبةِ أيامٌ تذكرها ... وللنوى قبلَ يومِ البينِ تأويلُ
إنَّ التي ضربت بيتاً مهاجرةً ... بكوفةِ الجندِ غالت دونها غولُ
فعدِّ عنها ولا تشغلكَ عن عملٍ ... إنَّ الصبابةَ بعدَ الشيبِ تضليلُ
بجسرةٍ كعلاةِ القينِ دوسرةٍ ... فيها على الأينِ إرقالٌ وتبغيلُ
عنسٍ تشيرُ بقنوانٍ إذا زجرت ... من خصبةٍ بقيت فيها شماليلُ
قرواءُ مقذوفةٌ بالنحضِ يشعفها ... فرطَ المراحِ إذا كلَّ المراسيلُ
وما يزالُ لها شأوٌ يوقرهُ ... محرفٌ من سيورِ الغرفِ مجدولُ
إذا تجاهدَ سيرُ القومِ في شركٍ ... كأنهُ شطبٌ بالسروِ مرمولُ
نهجٍ ترى حولهُ بيضَ القطا قبصاً ... كأنه بالأفاحيصِ الحواجيلُ
حواجلٌ ملئت زيتاً مجردةً ... ليست عليهنَّ من خوصِ سواجيلُ
وقل ما في أداوي القوم فانجردوا ... وفي الأداوى بقياتٌ صلاصيلُ
стр. 83
والعيسُ تدلكُ دلكا عن ذخائرها ... ينحزنَ منهنَّ محجونٌ ومركولُ
ومزجياتٍ بأكوارٍ محملةٍ ... شوارهنَّ خلالَ القومِ محمولُ
تهدي الركابَ سلوفٌ غيرُ غافلةٍ ... إذا توقدتِ الحزانُ والميلُ
رعشاءُ تنهضُ بالذفرى مواكبةٌ ... في مرفقيها عن الدفينِ تفتيلُ
عيهمةٌ ينتحي في الأرضِ منسمها ... كما انتحى في أديمِ الصرفِ إزميلُ
تخدي به قدماً طوراً وترجعهُ ... فحدهُ من ولافِ القبصِ مفلولُ
ترى الحصى مشفتراً عن مناسمها ... كما تجلجلُ بالوغلِ الغرابيلُ
كأنها يوم وردِ القوم خامسةٌ ... مسافرٌ أشعبُ الروقينِ مكحولُ
مجتابُ نصعٍ جديدٍ فوقَ نقبتهِ ... وبالقوائمِ من خالٍ سراويلُ
مسفعُ الوجهِ في أرساغهِ خدمٌ ... وفوقَ ذاكَ إلى الكعبينِ تحجيلُ
باكرهُ قانصٌ يسعى بأكلبهِ ... كأنهُ من صلاءِ الشمسِ مملولُ
يأوي إلى سلفعٍ شعثاءَ عاريةٍ ... في حجرها تولبٌ كالقردِ مهزولُ
يشلي ضواريَ أشباهاً مجوعةً ... فليسَ منها إذا أمكنَّ تهليلُ
يتبعنَ أشعثَ كالسرحانِ منصلتاً ... لهُ عليهنَّ قيدَ الرمحِ تمهيلُ
فضمهنَّ قليلاً ثم هاجَ بهِ ... سفعٌ بآذانها شينٌ وتنكيلُ
فاستثبتَ الروعُ في إنسانِ صادقةٍ ... لم تجرِ من رمدٍ فيها الملاميلُ
فانصاعَ وانصعنَ تهفو كلها سدكٌ ... كأنهنَّ من الضمرِ المزاجيلُ
فاهتزَّ ينفضُ مذريينِ قد عتقا ... مخاوضٌ غمراتِ الموتِ مخذولُ
شروى شبيهينِ مكروباً كعوبهما ... في الجنبتينِ وفي الأطرافِ تأسيلُ
كلاهما يبتغي نهكَ القتال بهِ ... إنَّ السلاحَ غداةَ الروعِ محمولُ
يخالسُ الطعنَ إيشاغاً على دهشٍ ... بسلهبٍ سنخهُ في الشأنِ ممطولُ
حتى إذا مضَّ طعناً في جواشنها ... وروقهُ من دمِ الأجوافِ معلولُ
ولى وصرعنَ في حيثُ التبسنَ بهِ ... مضرجاتٌ بأجراحٍ ومقتولُ
كأنه بعدَ ما جدَّ النجاءُ بهِ ... سيفٌ جلا متنهُ الأصناعُ مسلولُ
مستقبلَ الريحِ يهفو وهو مبتركٌ ... لسانهُ عن شمالِ الشدقِ معدولُ
يخفي الترابَ بأظلافٍ ثمانيةٍ ... في أربعِ مسهنَّ الأرضَ تحليلُ
مردفاتٍ على أطرافها ذمعاً ... كأنها بالعجاياتِ الثآليلُ
له جنابانِ من نقعٍ يثورهُ ... ففرجهُ من حصى المعزاءِ مكلولُ
ومنهلٍ آجنٍ في جمهِ بعرٌ ... مما تسوقُ إليهِ الريحُ إجفيلُ
كأنهُّ ودلاءُ القومِ إذ نهزوا ... حمٌّ على ودكٍ في القدرِ مجمولُ
أوردتهُ القومَ قد رانَ النعاسُ بهم ... فقلتُ إذ نهلوا من جمهِ قيلوا
حدَّ الظهيرةِ حتى يرحبوا أصلاً ... إنَّ السقاءَ لهُ رمٌّ وتبليلُ
لما وردنا رفعنا ظلَّ أرديةٍ ... وفارَ للقومِ باللحمِ المراجيلُ
ورداً وأشقرَ لم ينهئهُ طابخهُ ... ما غيرَ الغليُ منهُ فهوَ مأكولُ
ثمتَ قمنا إلى جردٍ مسومةٍ ... أعرافهنَّ لأيدينا مناديلُ
ثم ارتحلنا على عيسٍ مخدمةٍ ... يزجي رواكعها مرنٌ وتنعيلُ
يد لحنَ بالماءِ في وفرٍ مخربةٍ ... منها حقائبُ ركبانٍ ومعدولُ
ترجو فواضلَ ربٍّ سيبهُ حسنٌ ... وكلُّ خيرٍ لديهِ فهوَ مقبولُ
ربٌّ حبانا بأموالٍ مخولةٍ ... وكلُّ شيءٍ حباهُ اللهُ تخويلُ
والمرءُ ساعٍ لأمرٍ ليسَ يدركهُ ... والعيشُ شحٌّ وإشفاقٌ وتأميلُ
وعازبٍ جادهُ الوسميُّ في صفرٍ ... تسري الذهابُ عليهِ فهوَ موبولُ
ولم تسمع بهِ صوتاً فيفزعها ... أوابدُ الربدِ والعينُ المطافيلُ
كأنَّ أطفالَ خيطانِ النعامِ بهِ ... بهمٌ مخالطهُ الحفانُ والحولُ
أفزعتُ منهُ وحوشاً وهيَ ساكنةٌ ... كأنها نعمٌ في الصبحِ مشلولُ
بساهمِ الوجهِ كالسرحانِ منصلتٍ ... طرفٍ تكاملَ فيهِ الحسنُ والطولُ
خاظي الطريقةِ عريانٌ قوائمهُ ... قد شفهُ من ركوبِ البردِ تذبيلُ
كأنَّ فرحتهُ إذ قامَ معتدلاً ... شيبٌ يلوحُ بالحناءِ مغسولُ
يغلو بهنَّ ويثني وهو مقتدرٌ ... في كفتهنَّ إذا استرغبنَ تعجيلُ
стр. 84
وقد غدوتُ وقرنُ الصبح منفتقٌ ... ودونهُ من سوادِ الليلِ تجليلُ
إذ أشرفَ الديكُ يدعو بعضَ أسرتهِ ... لدى الصباحِ وهم قومٌ معازيلُ
إلى التجارِ فأعداني بلذتهِ ... رخوُ الإزارِ كنصلِ السيفِ مشمولُ
خرقٌ يجدُّ إذا ما الأمرُ جدَّ بهِ ... مخالطُ اللهوِ واللذاتِ ضليلُ
حتى أتكأنا على فرشٍ يزينها ... من جيدِ الرقمِ أزواجٌ تهاويلُ
فيها الدجاجُ وفيها الأسدُ مخدرةً ... من كلِّ شيءٍ يرى فيها تماثيلُ
في كعبةٍ شادها بانٍ وزينها ... فيها ذبالٌ يضيءُ الليلَ مفتولُ
لنا أصيصٌ كجذمِ الحوضِ هدمهُ ... وطءُ العراكِ لديهِ الزقُّ مغلولُ
والكوبُ أزهرُ معصوبٌ بقلتهِ ... فوقَ السياعِ منَ الريحانِ إكليلُ
مبردٌ بمزاجِ الماءِ بينهما ... حبٌّ كجوزِ حمارِ الوحشِ مبزولُ
والكوبُ ملآنُ طافٍ فوقهُ زبدٌ ... وطابقُ الكبشِ في السفودِ مخلولُ
يسعى بها منصفٌ عجلانُ ينفضهُ ... فوقَ الخوانِ وفي الصاعِ التوابيلُ
ثم اصطبحنا كميتاً قرففاً أنفاً ... من طيبِ الراحِ واللذاتُ تعليلُ
صرفاً مزاجاً وأحياناً يعللنا ... شعرٌ كمذهبةِ السمانِ محمولُ
تذري حواشيهُ جيداءُ آنسهٌ ... في صوتها لسماعِ الشربِ ترتيلُ
تغدو علينا تلهينا ونصفدها ... تلقى البرودُ عليها والسرابيلُ
وقال عبدة أيضاً وهي مفضلية:
أبنيَّ إني قد كبرتُ ورابني ... بصري وفيَّ لمصلحٍ مستمتعُ
فلئن هلكتُ لقد بنيتُ مساعياً ... يبقى لكم منها مآثرُ أربعُ
ذكرُ إذا ذكرَ الكرامُ يزينكم ... ووراثةُ الحسبِ المقدمِ تنفعُ
ومقامُ أيامِ لهنَّ فضيلةٌ ... عندَ الحفيظةِ والمجامعُ تجمعُ
ولهى منَ الكسبِ الذي يغنيكمُ ... يوماً إذا احتضرَ النفوسَ المطمعُ
أوصيكمُ بتقى الإلهِ فإنهُ ... يعطي الرغائبَ من يشاءُ ويمنعُ
وببرَّ والدكم وطاعةِ أمرهِ ... إنَّ الأبرَّ منَ البنينَ الأطوعُ
إنَّ الكبيرَ إذا عصاهُ أهلهُ ... ضاقت يداهُ بأمرهِ ما يصنعُ
ودعوا الضغائنَ لا تكن من شأنكم ... إنَّ الضغائنَ للقرابةِ توضعُ
واعصوا الذي يزجي النمائمَ بينكم ... متنصحاً ذاكَ السمامُ المنقعُ
يزجي عقاربهُ ليبعثَ بينكم ... حرباً كما بعثَ العروقَ الأخدعُ
حرانَ لا يشفي غليلَ فؤادهِ ... عسلٌ بماءٍ في الإناءِ مشعشعُ
لا تأمنوا قوماً يشبُّ صبيهم ... بينَ القوابلِ بالعداوةِ ينشعُ
فضلت عداوتهم على أحلامهم ... وأبت ضبابُ صدورهم لا تنزعُ
قومٌ إذا دمسَ الظلامُ عليهم ... حدجوا قنافذَ بالنميمةٍ تمزعُ
أمثالُ زيدٍ حينَ أفسدَ رهطهُ ... حتى تشتتَ أمره فتصدعوا
إنَّ الذينَ ترونهم إخوانكم ... يشفي غليلَ صدورهم أن تصرعوا
وثنيةٍ من أمرِ قومٍ غرةٍ ... فرجت يدايَ فكانَ فيها المطلعُ
ومقامِ خصمٍ قائمٍ ظلفاتهُ ... من زلَّ طارَ لهُ ثناءٌ أشنعُ
أصدرتهم فيهِ أقومُ درأهم ... عضَّ الثقافِ وهم ظماءٌ جوعُ
فرجعتهم شتى كأنَّ عميدهم ... في المهدِ يمرثُ ودعتيهِ مرضعُ
ولقد علمتُ بأنَّ قصري حفرةٌ ... غبراءُ يحملني إليها شرجعُ
فبكى بناتي شجوهنَّ وزوجتي ... والأقربونَ إليَّ ثمَّ تصدعوا
وتركتُ في غبراءَ يكرهُ وردها ... تسفي عليَّ الريحُ حينَ أودعُ
فإذا مضيتُ إلى سبيلي فابعثوا ... رجلاً لهُ قلبٌ حديدٌ أصمعُ
إنَّ الحوادثَ يخترمنَ وإنما ... عمرُ الفتى في أهلهِ مستودعُ
يسعى ويجمعُ جاهداً مستهتراً ... جداً وليسَ بآكلٍ ما يجمعُ
ذو الإصبع العدواني
وقال ذو الإصبع العدواني واسمه حرثان بن السموءل وهي مفضلية:
إنكما صاحبيَّ لن تدعا ... لومي ومهما أضع فلن تسعا
إنكما من سفاهِ رأيكما ... لن تجنباني الشكاةَ والقذعا
لم تعقلا جفرةً عليَّ ولم ... أوذِ نديماً ولم أنل طبعا
إلاَّ بأن تكذبا عليَّ ولن ... أملكَ أن تكذبا وأن تلعا
стр. 85
أجعلُ مالي دونَ الأذى عرضاً ... وما وهى م الأمورِ فانصدعا
إن تزعما أنني كبرتُ فلم ... ألفَ بخيلاً نكساً ولا ورعا
أما ترى شكتي رميحَ أبي ... سعدٍ فقد أحملُ السلاحَ معا
السيفَ والرمحَ والكنانةَ وال ... نبلَ جميعاً محشورةً صنعا
قومَ أفواقها وأترصها ... أنبلُ عدوانَ كلها صنعا
ثمَّ كساها أحمَّ أسود في ... ناناً وكانَ الثلاثَ والتبعا
إما تري قوسهُ فنابئةُ الأز ... رِ هتوفاً تخالها ضلعا
إما تري نبلهُ فخشرمُ خشا ... ءَ إذا مسَّ دبرهُ لكعا
إما تري سيفهُ فأبيضُ قصا ... لٌ إذا مسَّ معظماً قطعا
ثم ابتعثنا أسودَ رابيةٍ ... مثلَ السعالي عقائلاً ترعا
ليسوا بعالينَ دارَ مكرمةٍ ... إلاَّ تبددنَ نحوها صدعا
وأول هذه القصيدة في رواية أخرى
أهلكنا الليلُ والنهارُ معا ... والدهرُ يأتي مصمماً جذعا
والشمسُ في رأسِ فلكةٍ نصبت ... يرفعها في السماءِ من رفعا
السعدُ يجري أمامها صعداً ... ونحسها أي ذاكَ ما صنعا
فيسعدُ النائمُ المدثرُ بالسع ... دِ ويلقى الشقاء من سبعا
فإنها والأنامَ من تلفٍ ... ما حمَّ من أمرِ غيبةٍ وقعا
أمرٌ بليطِ السماءِ ملتبكٌ ... والناسُ في الأرضِ فرقوا شيعا
ذلكَ من ربهم بقدرتهِ ... ما شاءَ من غيرِ هيبةٍ صنعا
ويفرقُ الجمعُ بعدَ ثروتهِ ... ما شاءَ من بعدِ فرقةٍ جمعا
كما سطا بالإرامِ عادِ وبالحج ... رِ وأزكى لتبعٍ تبعا
فليسَ فيما أصابني عجبٌ ... إن كانَ شيباً أنكرتِ أو صلعا
وكنتُ إذ رونقُ الأديمِ بهِ ... ماءُ شبابي تخالهُ شرعا
لا أقبلُ البيتَ في الندي ولا ... يعجبني ماؤهُ فأنتجعا
والحيُّ فيهِ الفتاةُ ترمقني ... حتى مضى شأوُ ذاكَ فانقطعا
والمهرُ صافي الأديمِ أصنعهُ ... يطيرُ عنهُ عفاؤهُ قزعا
أقصرُ من قيدهِ وأودعهُ ... حتى إذا السربُ ريعَ أو فزعا
كأنَّ أمامَ الجيادِ يقدمها ... يهزُّ لدناً وجؤجؤاً تلعا
فغامسَ الموتُ أو حمى ظعناً ... أو ردَّ نهباً لأيِّ ذاك سعى
وقال أيضاً وهي مفضلية:
يا من لقلبٍ شديدِ الهمِّ محزونِ ... أمسى تذكرَ ريا أم هارونِ
أمسى تذكرها من بعدِ ما شحطت ... والدهرُ ذو غلظةٍ حيناً وذو لينِ
وقد غنينا وشملُ الدارِ يجمعنا ... نطيعُ رياً وريا لا تعاصيني
نرمي الوشاةَ فلا نخطي مقاتلهم ... بخالصٍ من صفاءِ الودِّ مكنونِ
لي ابنُ عمٍّ على ما كانَ من خلقٍ ... مختلفانِ فأرميهِ ويرميني
أزرى بنا أننا شالت نعامتنا ... فخالني دونهُ أو خلتهُ دوني
لاهِ ابنَ عمكَ لا أفضلتَ في حسبٍ ... شيئاً ولا أنتَ دياني فتحزوني
ولا تقوتُ عيالي يومَ مسغبةٍ ... ولا بنفسكَ في العزاءِ تكفيني
فإن ترد عرضَ الدنيا بمنقصتي ... فإنَّ ذلكَ مما ليسَ يشجيني
ولا ترى فيَّ غيرَ الصرمِ منقصةً ... وما سواهُ فإنَّ الله يكفيني
لولا أياصرُ قربى لستَ تحفظها ... ورهبةُ اللهِ فيمن لا يعاديني
إذن بريتكَ برياً لا انجبارَ لهُ ... إني رأيتكَ لا تنفكُّ تبريني
إنَّ الذي يقبضُ الدنيا ويبسطها ... إن كانَ أغناكَ عني سوفَ يغنيني
اللهُ يعلمني والله يعلمكم ... والله يجزيكمُ عني ويجزيني
ماذا عليَّ وإن كنتم ذوي رحمي ... ألا أحبكمُ إذ لم تحبوني
لو تشربون دمي لم يروَ شاربكم ... ولا دماؤكمُ جمعاً ترويني
لي ابنُ عمٍّ لو أنَّ الناسَ في كبدٍ ... لظلَّ محتجزاً بالنبلِ يرميني
إنكَ إلاَّ تدع شتمي ومنقصتي ... أضربكَ حيثُ تقولُ الهامةُ اسقوني
كلُّ أمرئٍ صائرٌ يوماً لشيمتهِ ... وأن تخلقَ أحياناً إلى حينِ
إني لعمركَ ما بابي بذي غلقٍ ... على الصديق ولا خيري بممنونِ
ولا لساني على الأدنى بمنطلقٍ ... بالمنكراتِ ولا فتكي بمأمونِ
لا يخرجُ القسرُ مني غيرَ مغضبةٍ ... ولا ألينُ لمن لا يبتغي لينِ
стр. 86
وأنتمُ معشرٌ زيدٌ على مئةٍ ... فأجمعوا أمركم شتى فكيدوني
فإن علمتم سبيلَ الرشدِ فانطلقوا ... وإن جهلتم طريقَ الرشدِ فأتوني
يا ربَّ ثوبٍ حواشيهِ كأوسطهِ ... لا عيبَ في الثوبِ من حسنٍ ومن لينِ
يوماً شددتُ على فوهاءَ فاهقةٍ ... يوماً من الدهرِ تاراتٍ تواتني
قد كنتُ أعطيكمُ مالي وأمنحكم ... ودي على مثبتٍ في الصدرِ مكنونِ
يا ربَّ حيٍّ شديدِ الشغب ذي لجبٍ ... ذعرتُ من راهنٍ منكم ومرهونِ
رددتُ باطلهم من رأسِ قائلهم ... حتى يظلوا خصوماً ذا أفانينِ
يا صاحِ لو لنتَ لي ألفيتني يسراً ... سمحاً كريماً أجازي من يجازيني
عروة بن أذينة
وقال عروة بن أذينة الكناني:
أعرصةُ الدارِ أم توهمها ... هاجتكَ أم غلةٌ تجمجمها
من حبِّ سعدى شقت عليكَ وقد ... شطت نواها وغارَ قيمها
وأصبحت لا تزارُ صارمةً ... من غيرِ ذنبٍ من ليسِ يصرمها
حدت نبالي عنها وما نفعت ... وألحقت بالفؤادِ أسهمها
يومَ تراءت كأنها أصلاً ... مزنةُ بحرٍ يخفى تبسمها
حينَ توسمتها فأرمضني ... بعدَ اندمالٍ مني توسمها
تجلو شتيتاً أغرَّ ريقته ... معسولةٌ طيبٌ تنسمها
كأنَّ مستانها تلمُّ بهِ ... لطايمُ المسكِ حينَ يلثمها
دوايةُ المقلتينِ مشرقةٌ ... بالحسنِ يجري في مائها دمها
كفضةِ الكنزِ أشربت ذهباً ... يكادُ طرفُ الجليسِ يكلمها
إذا بدت لم تزل لهُ عجباً ... يونقهُ دلها وميسمها
نقدَ المها العينِ كلما ذكرت ... بالدمعِ حتى يفيضَ أسجمها
لا تبعدن خلةٌ مساليةٌ ... لم يبقَ منها إلا تزممها
إني كريمٌ آبى الهوانَ من الخ ... لةِ قد رابني تجهمها
وأعدلُ النفسَ وهي آلفةٌ ... عن الهوى للردى يقدمها
لمرةِ الحزمِ لا أفرطها ... أنقضُ ما دونها وأبرمها
أهدى لها مخطئ الرشادِ كما ... يهدي لأمِّ الطريقِ مخرمها
لا أجعلُ الجايرَ الملولَ وذا ال ... شيمةِ لا يستقيمُ منسمها
كجلدةِ البوِّ لا تزالُ بهِ ... مغرورةً أمهُ تشممها
يعرفها أنفها وتنكرها ... بالعينِ منها فكيفَ ترأمها
إني امرؤٌ من عشيرةٍ صدقٍ ... أصونُ أعراضها وأكرمها
وأتقي سخطها وأمنعها ... ممن يزني بها ويشتمها
أحمي حماها ولن تصادفني ... في يومِ كربٍ ألمَّ أسلمها
قد علمت أنني أخو ثقةٍ ... أهينُ أعداءها وأكرمها
وأنني قرمها تقدمني ... في العزِّ والمكرماتِ أكرمها
لنا منَ العزِّ القديمِ ومن ... سرِّ بيوتِ الكرامِ أجسمها
وإننا في الوغى ذوو نقمٍ ... وجمرةٌ يتقى تضرمها
يتبعنا الناسُ في الأمورِ كما ... يتبعُ نظمَ الجوزاءِ مرزمها
ملوكنا في الملوكِ أعدلهم ... حكماً وعندَ الفضالِ أعظمها
نحنُ العرانينُ من ذرى مضرٍ ... أغزرها نائلاً وأحلمها
بيضٌ بهاليلُ صيدُ مملكةٍ ... يرى شريفاً من قامَ يخدمها
تهضمُ أعداءها وما أحد ... ممن تظلُّ السماءُ يهضمها
إنَّ قريشاً هم الذرى نسباً ... وقائلُ الصدقِ من يفخمها
تعلمُ الناسَ كلما جهلوا ... ولن ترى عالماً يعلمها
يمنعها اللهُ أن تذلَّ وما ... قدمَ من فضلها ويعصمها
كلُّ معدٍّ وكلُّ ذي يمنٍ ... نرمها ملكها ونخطمها
في عصبةٍ من بني خزيمة تن ... في العارَ لا يرتجى تظلمها
موسرها ذو ندى يعاشُ بهِ ... وكالغنيِّ السريِّ معدمها
منا النبيُّ الأميُّ سنتهُ ... فاضلةٌ نافعٌ تعلمها
وأهلُ بدرٍ منا خيارهمُ ... وأفهمُ العالمينَ أفهمها
يقضي لهُ اللهُ بالذي سبقت ... وما وعاهُ الكتابُ محكمها
يأبى لي الذمَّ رأيُ ذي حسبٍ ... وافٍ ونفسٍ باقٍ تكرمها
وشيمةٌ سهلةٌ مقدمةٌ ... لم يكُ ذو عسرةٍ يوحمها
والأرضُ فيها عما كرهتُ إذن ... منادحٌ واسعٌ ترغمها
نحنُ البقايا وكلُّ صالحةٍ ... تهدي إلى الخيرِ حينَ نقسمها
وقال عروة بن أذينة أيضاً:
стр. 87
يا ديارَ الحيِّ بالأجمة ... لم تكلم سائلاً كلمةْ
أينَ من كنا نسرُّ بهِ ... فيكِ والأهواءُ ملتئمةْ
إذ حرى شعبُ المشاشِ لنا ... ومصيفٌ تلعةُ الرخمةْ
ومنَ البطحاءِ قد نزلوا ... دارَ زيدٍ فوقها العجمةْ
ثمُّ حلوا حلةً لهمُ ... بطنَ وادٍ قنةَ السلمةْ
وانتحوا بالفرشِ تتبعهم ... منةٌ من نفسكَ السقمةْ
إنَّ للدينا وزهرتها ... نعمةً لا بدَّ منصرمةْ
وكفى حزناً لنا ولهم ... بعدَ وصلٍ عاقهُ الشأمةْ
إنَّ تبدلنا بهم بدلاً ... ليسَ من ابدالهم بلمةْ
فكأني يومَ بينهمِ ... جسدٌ ليست لهُ نسمةْ
لا بديعٌ صرمُ غانيهٍ ... أصبحت بالصرمِ معتزمةْ
إننا قومٌ ذوو حسبٍ ... عامرٌ منا وذوا الخدمةْ
والرئيسُ العدلُ إذ عرست ... حربُ أعداءٍ لنا ضرمةْ
فهجمنا الموتَ فوقهمُ ... بالطواغي ظاهرَ الأكمةْ
وقريناهمُ أسنتنا ... وسيوفاً تقتلُ الحرمةْ
حلفوا لا يأتلون لنا ... وتركنا الخطةَ الهشمةْ
وأبى رأيَ الضعيفِ لنا ... مرةٌ جأواءُ معتزمةْ
فرجعنا بالقنا قصداً ... وسيوفِ الهندِ منثلمةْ
وعتاقُ الطيرِ عاكفةٌ ... وضباعُ الجزعِ متخمةْ
ورمينا الناسَ عن عرضٍ ... وقدورُ الحربِ محتدمةْ
بمصاليتِ الوغا ثبتٍ ... وعناجيجٍ لها نحمةْ
مصغياتٍ في أعنتها ... تحملُ الأبطالَ مستلمةْ
وعلى شعبٍ هبطنَ بنا ... أهلُ شعبٍ خطةً أضمةْ
غارةٌ أردت نساءهمُ ... في طحونِ الوردِ ملتهمةْ
ربما منهم منعمةٌ ... سافرٌ ليست بملتثمةْ
غودرت تنعى الملوكَ كما ... غودرت في المعطنِ الحلمةْ
لم تعظمهم أسنتنا ... إذ لهم من فوقهم عظمةْ
وكأنَّ الملكَ بينهمُ ... إذ لقونا طاحَ عن نشمةْ
نكشفُ الغما إذا نزلت ... كشفَ بدرٍ ليلةَ الظلمةْ
بأسودِ الغيلِ مخدرةً ... تمنعُ الأشبالَ مستلمةْ
ونقي الأحسابَ وافرةً ... بوجوهِ المالِ محتزمةْ
شيخنا القاضي قضيتهُ ... في حطيمِ الكعبةِ الحرمةْ
في زمانِ الناسِ إذ حلفوا ... كقرومِ القرةِ القطمةْ
حكموهُ في دمائهمِ ... فاستبانَ الحجةَ الفهمةْ
وقضاءٌ لا يقالُ لهُ ... فيمَ تقضي بيننا ولمةْ
وقال عروة بن أذينة أيضاً:
أفي رسومِ محلٍّ غير مسكونِ ... من ذي الأجارع كادَ الشوقُ يبكيني
قفرٍ عفا غيرَ أوتادٍ منبذةٍ ... ومنحنٍ خطَّ دونَ السيلِ مدفونِ
وهامدٍ كسحيقِ الكحلِ ملتبدٍ ... أكنافَ ملمومةٍ أثباجها جونِ
عوارفٌ ذللٌ أمست معطلةً ... في منزلٍ ظلَّ فيهِ الدمعُ يعصيني
وبالسقا والى مثنى قراينهِ ... رسمٌ بهِ كان عهدُ الربربِ العينِ
أيامَ سعدى هوى نفسي ونيقتها ... من لامَ زينها عندي بتزيينِ
للظبيةِ البكرِ عيناها وتلعتها ... في حسنِ مبتسمٍ منها وعرنينِ
تنوء منها إذا قامت بمردفةٍ ... كأنها الغرُّ من أنقاءِ معرونِ
لا بعدُ سعدى مريحي من جوى سقمٍ ... يوماً ولا قربها إن حمَّ يشفيني
أمست كأمنيةٍ سعدى ملاوذةً ... كانت بها النفسُ أحياناً تمنيني
إذا الوشاة لحوا فيها عصيتهمُ ... وخلتُ أن بسعدى اللومَ يغريني
وما اجننابكُ من تهوى تباعدهُ ... ظلماً وتهجرهُ حيناً إلى حينِ
إني امرؤٌ لم يخن ودي مكاذبةٌ ... ولا الغنى حفظَ أهلِ الودِّ ينسيني
وقد علمتُ وما الإسرافُ من خلقي ... أنَّ الذي هو رزقي سوفَ يأتيني
أسعى لهُ فيعنيني تطلبهُ ... ولو قعدتُ أتاني لا يعنيني
وأنَّ حظَّ امرئٍ غيري سيأخذهُ ... لا بدَّ لا بدَّ أن يحتازهُ دوني
فلن أكلفَ نفسي فوقَ طاقتها ... حرصاً أقيمُ بهِ في معطنِ الهونِ
أبيتُ ذلك رأياً لستُ قاربهُ ... ولا معرضهُ عرضي ولا ديني
من كانَ من خدمِ الدنيا أشتَّ بهِ ... حتى يقالَ صحيحٌ مثل مجنونِ
نعالج العيشَ أطوارَّ تقلبهُ ... فيهِ أفانين تطوى عن أفانينِ
стр. 88
باليسرِ والعسرِ والأحداثُ معرضةٌ ... لا بدَّ من شدةٍ فيها ومن لينِ
حتى تكلَّ وتلقى في تطردها ... أطباقَ ملهىً بها حيرانَ مفتونِ
ولو تخفضَ لم ينقض تخفضهُ ... مكتوبَ رزقٍ له ما عاشَ مضمونِ
فما امرؤٌ لم يضع ديناً ولا حسباً ... بفضلِ مالٍ وقى عرضاً بمغبونِ
كم من فقيرٍ غنيّ النفسِ تعرفهُ ... ومن غنيٍّ فقيرِ النفسِ مسكينِ
ومن مواخٍ طوى كشحاً فقلتُ لهُ ... إنَّ انطواءك هذا عنكَ يطويني
لا تحسبنَّ مواخاتي مقصرةً ... ولا رضاكَ وقد أذنبتَ يرضيني
لا خيرَ عندكَ في غيبٍ وفي حضرٍ ... إلاَّ أهاويلُ من خلطٍ وتلوينِ
بأيِّ رأيكَ في أمرٍ عنيتُ بهِ ... وفضلِ مالكَ يوماً كنتَ تكفيني
فليتَ شعري وما أدري فتخبرني ... بأيّ قرضي منَ الأيامِ تجزيني
أبالذي كانَ مني مرةً حسناً ... أم بالقبيحِ وما أقبحتُ ترميني
فما حفظتَ وما أحسنتَ رعيتهُ ... سراً أمنتَ عليهِ غيرَ مأمونِ
عجزاً عن الخيرِ تلويهِ وتمطلهُ ... بخلاً عليَّ بهِ والشرَّ تقضيني
ما كنتَ ممن تجاريني بديهتهُ ... ولا منَ الأمدِ الأقصى يغاليني
منتكَ نفسك أمراً لا تولفهُ ... حتى تولفَ بينَ الضبِّ والنونِ
النونُ يهلكُ في بيداءَ مقفرةٍ ... والضبُّ يهلكُ بينَ الماءِ والطينِ
لا تغضبنَّ فإني غيرُ معتبهِ ... من كنتُ أوليتهُ ما كانَ يوليني
وقال عروة بن أذينة:
أما قتلتَ ديارَ الحيِّ عرفانا ... يومَ الكفايةِ بعدَ الحيِّ إذ بانا
إلاَّ توهمَ آياتٍ بمنزلةٍ ... هاجت عليكَ لباناتٍ وأحزانا
قف ساعةً ثمَّ أما كنتَ مدكراً ... وباكياً عبرةً يوماً فمل آنا
ولو بكيتُ الصبا يوماً وميعتهُ ... إذن بكيتُ على ما فاتَ أزمانا
من شرةٍ من شبابٍ لستُ راجعهُ ... حتى يزورَ ثبيراً صخرُ لبنانا
لم يعطَ قلبكَ عن سعدى ولو بخلت ... صبراً ولم تسقِ عنها النفسَ سلوانا
فاقصد برأيكَ عنها قصدَ مجتنبِ ... ما لا تطيقُ فقد دانتكَ أديانا
عهدي بها صلتةَ الخدين واضحةً ... حوراءَ مثلَ مهاةِ الرملِ مبدانا
مقنعةً في اعتدالِ الخلقِ خرعبةً ... تكسو الترائبَ ياقوتاً ومرجانا
يصفو لنا العيشُ والدنيا إذا رضيت ... وقد تكدرُ ما لم ترضَ دنيانا
لولا الحياءُ طلبنا يوم ذي بقرٍ ... ممن تغورَ قصدَ البيتِ أظعانا
بيضُ السوالفِ يورثنَ القلوبَ جوى ... لا يستطيعُ لهُ الإنسانُ كتمانا
قالَ العواذلُ قد حاربتَ في فننٍ ... منَ الصبا وشباب الغصنِ ريعانا
ومن يطعهنَّ يقرع سنهُ ندماً ... ولا يكنَّ لهُ في الخيرِ أعوانا
لا يرضَ من سخطةٍ والحقُّ مغضبةٌ ... من كانَ من فضلنا المعلومِ غضبانا
تلقى ذرى خندفٍ دوني وتغضبُ لي ... إذا غضبتُ بنو قيس بن عيلانا
حياً حلالاً نفى الأعداءَ عزهمُ ... حتى أطرنا بهم مثنى ووحدانا
أوفى معدٍّ وأولاهم بمكرمةٍ ... وأعظمُ الناسِ أحلاماً وسلطانا
من شاءَ عدَّ ملوكاً لا كفاء لهم ... منا ومن شاءَ منا عدَّ فرسانا
إذا الملوكُ اجرهدت غيرَ نازعةٍ ... كانوا لها في احتدامِ الموتِ أقرانا
حتى تلينَ وما لانوا وقد لقيت ... أعداؤنا حرباً منهم وليانا
فهم كذلك من كادوا فإنَّ لهُ ... إن لم يمت منهمُ ذلاً وإثخاناً
لا ينكرُ الناسُ إنا من ورائهم ... في الحربِ نرعاهمُ واللهُ يرعانا
أحياؤنا خيرُ أحياءٍ وأكرمهم ... وخيرُ موتى من الأمواتِ موتانا
منا الرسولُ نخيرُ الناسَ كلهمُ ... ولا نحاشي من الأقوامِ إنسانا
وذاكَ نورٌ هدى اللهُ العبادَ بهِ ... من بعدِ خبطهم صماً وعميانا
فأبصروا فاستبانَ الرشدُ مشعرةً ... بعدَ الضلالِ قلوبَ الناسِ إيمانا
فينا الخلافةُ والشورى وقادتها ... فمن له عندَ أمرٍ مثلَ شورانا
أو مثلُ أولنا أو مثلُ آخرنا ... أو مثلُ أنسابنا أو مثلُ مقرانا
وكلُّ حيٍّ لهُ قلبٌ يعيشُ بهِ ... في الناسِ أصبحَ يرجونا ويخشانا
стр. 89
نبغي قريشاً ويأبى اللهُ ربهمُ ... إلاَّ اصطناعهم نصراً وإحسانا
وما قريشٌ إذا عضت حروبهمُ ... يوماً بأكلةِ جافي الدينِ غرثانا
وما أرادهمُ باغٍ يغشهمُ ... يبغي الزيادةِ إلاَّ أزدادَ نقصانا
قومٌ إذا الحمدُ لم يوجد لهُ ثمنٌ ... ألفيتَ عندهم للحمدِ أثمانا
قماقمُ العزِّ لا يغرى خطيبهمُ ... ولا يقومُ إذا ما قامَ خزيانا
قد جربتهم حروبُ الناسِ واقتبست ... منهم ثواقبُ نارِ الحربِ نيرانا
فلم يلينوا لهم في كلّ معجمةٍ ... ولم يروا منهمُ في الحربِ إدهانا
إذا الشياطينُ رامتهم بأجمعهم ... لم يبقِ منهم جنودُ اللهِ شيطانا
هم العرانينُ والأثرونَ قبصَ حصىً ... وجوهرِ السرِّ والعيدانِ عيدانا
والأكرمونَ نصاباً في أرومتهم ... والأثقلونَ على الأعداءِ أركانا
وقال عروة بن أذينة أيضاً:
صرمت سعيدةُ ودها وخلالها ... منا وأعجبها البعادُ فما لها
سمعت من الواشي البعيدِ بصرمنا ... قولاً فأفسدها وغيرَ حالها
وإذا المودةُ لم تكن مصدوقةً ... كرهَ اللبيبُ بعقلهِ استقبالها
ولقد بلوتُ وما ترى من لذةٍ ... في العيشِ بعدكَ قربها ووصالها
عصرَ الشبابِ وما تجدُّ مودةً ... للغانياتِ ولا هوىً إلاَّ لها
حتى رأينا للصريمةِ آيةً ... مثلَ النهارِ وعددت أشغالها
وتجرمت عللَ الذنوبِ فأصبحت ... قد زايلتكَ وزودتكَ خبالها
وطوت حبالاً من حبالكَ بعدما ... وصلت بهِ أخرى الزمانِ حبالها
حوراءُ واضحةٌ تزالُ صبابةً ... ما عشتَ تذكرُ حسنها وجمالها
وحديثها الحسنُ الجميلُ وعقلها ... ذاكَ الأصيلُ إذا أردتَ محالها
ومقالها في الكاشحينَ فأوشكت ... ما نسيت في الكاشحينَ مقالها
وغدايرٌ سودٌ لها ومقلدٌ ... بيضٌ ترايبهُ ينيفُ شكالها
وأغرَّ مثلَ البدرِ زانَ أسالةً ... منهُ محاسنُ لا تعدُّ خصالها
ومفلجٍ خصرِ الغروب ومضمرٍ ... خلى لأثناءِ الوشاحِ مجالها
وعجيزةٌ نفخٌ وساقٌ خدلةٌ ... بيضاءُ تفصمُ كظةً خلخالها
عشنا بها زمناً كظلِّ سحابةٍ ... مرت ولم ينفعكَ شيمكَ خالها
وبلا ولا ولقد وحتى مرةً ... تقريبها وبعادها ومطالها
تدنو فتطمعُ ثمَّ تصرفُ قولها ... يأساً فيقطعُ صرمها إجلالها
تلقى بها عندَ الدنوِّ زمانةً ... وتريكَ ما شحطَ المزارُ خيالها
طيفٌ إذا لم يدنُ منكَ رأيتهُ ... في زيها متميلاً تمثالها
ويزيدها أيضاً عليَّ كرامةً ... أني وربكَ لا أرى أمثالها
إن تمسِ ساليةً وليسَ بذكرها ... كلفاً أخافُ بهجريَ استقالتها
فلقد بكتها العينُ حيناً كلما ... ذكرت سعيدةَ راجعت تهمالها
معنيةً تذري الدموعَ صبابةً ... بعدَ العزاءِ ترى البكا أشفى لها
واليأسُ أحسنُ من رجاءٍ كاذبٍ ... إذ لم يكن وصلُ الصديقِ بدا لها
ويلُ أمها لولا التنقض خلةً ... لو كانَ أقطعها البعادُ وهالها
كانت على رأيٍ فأصبحَ كاشحٌ ... عن رأيها في الكاشحينَ أزالها
منهم لها دونَ الصديقِ بطانةٌ ... نرجوهمُ ليعلوهم ما عالها
أنى وكيفَ لها بذلك بعدما ... غالَ المودةَ عندها ما غالها
وأتت رضى أعدائها بصديقها ... عمداً لتقطعَ ودها ودلالها
بل هل عرفتَ لها الديارَ بناعقٍ ... معفوةً لبسَ البلى أطلالها
وتناءجت فيها البوارحُ كلما ... راحت تحنُّ تعسفت أذيالها
تعفو الصبا ذيلَ الدبورِ وتارةً ... يدعو لها نفسُ الجنوبِ شمالها
يسهكنَ أمثالَ الروائمِ ولهاً ... فقدت فرجعتِ الحنينَ فصالها
في كلِّ منزلةٍ لعبنَ بدمنها ... وخلصنَ إذ خفَّ الدقاقُ جلالها
ونخلنها نخلَ الطحينِ مقيمةً ... كلُّ الرياحِ تعيرها غربالها
ثمَّ استعنَّ على الديارِ مخيلةٌ ... حلت على عرصاتها أثقالها
دهماءُ واهيةُ الكلى بحريةٌ ... نحرت بها المستمطراتُ هلالها
فإذا يمرُّ حبيٌّ زاخرٌ ... بالدارِ جادَ بوبلهِ فأسالها
стр. 90
فتركنها صلدى العراصِ وطلقت ... أدبارها ورواجعاً أقبالها
فتظلُّ تعرفُ ما عرفتَ توهماً ... منها وتنكرُ واقفاً أبدالها
متبلداً بعدَ الأنيسِ ولا ترى ... إلاَّ الوحوشَ يمينها وشمالها
عيناً مخدمةَ الشوا وكأنها ... بلقُ السوابقِ كشفت أجلالها
وعواطفَ الأرآم تزجي خذلاً ... فيهِ سواكنُ بالربا أطفالها
من كلِّ واضحةِ السراةِ فريدةٍ ... في روضةٍ أنفٍ تمجُّ ظلالها
وجدايةٍ مثلِ السبيكةِ نومت ... في عازب مرحِ النباتِ غزالها
وسنانَ خرَّ من النعاسِ كأنما ... أسقي المدامةَ لا يردُّ فضالها
صهباءَ من زبدِ الكرومِ تبالغت ... في عقلهِ متصرفاً جريالها
يرعينَ كلَّ خميلةٍ وسرارةٍ ... رضعت بها خلفَ الربيعِ سخالها
وترى بها ربدَ النعامِ كأنها ... جوفُ الخيامِ هوى الثمامُ خلالها
من كلِّ أزعرَ نقنقٍ ونعامةٍ ... تقرو برعلتها الصغارِ رمالها
مثلِ الجهامةِ كلما خلفت لها ... أرجُ العشيةِ راجعت إجفالها
زعرٌ مخرجةُ الزفوفِ وربها ... في الرأيِ خفةَ حلمها وضلالها
والعونُ تنتجعُ الفلاةَ فأضمرت ... منها البطونَ وأعرضت أكفالها
قبٌّ محملجةٌ طوى أقرابها ... جريُ الفحول بها وهذبَ آلها
ينفي الجحاشَ ولا يقاربُ عوذها ... إلا الشماعُ ويستحثُّ حيالها
فإذا أرنَ بها شنونٌ قارحٌ ... تركت لشرتها الخفافُ ثقالها
وإذا أرادَ الوردَ هاجَ بلفهِ ... عنفَ الأجيرِ على القلاصِ دنا لها
يضربنَ صفحةَ وجههِ وجبينهُ ... في الروعِ قد وسقت لهُ أحمالها
إلا أوارنَ كلّ بكرٍ عايطٍ ... تهدي لمستنِّ الرياح نسالها
ألقت عقيقةَ شتوةٍ عن لونها ... قبلَ المصيفِ فخرقت سربالها
هذا ومهلكةٍ ترقصُ شمسها ... كالرجعِ في رهجِ الوديقةِ آلها
غبراءُ ديمومٌ يحارُ بها القطا ... عصباً يفرقُ بعدهُ أرسالها
جاوزتها بهبابِ ذاتِ برايةٍ ... ضمت عرى عقدِ النسوعِ محالها
سرح إذا رميت بها مجهولةٌ ... مرتُ المنازلِ فارقت أميالها
في كلِّ خاشعةِ الحزون مضلةٍ ... كالترسِ يعسفُ سهلها وجبالها
تهدي مواعجَ قد أضرَّ بها الوجى ... بعدَ المراحِ وأعملت أعمالها
يخبطنَ في الخرقِ البعيدِ إذا وهت ... أخفافهنَّ منَ السريحِ نعالها
فإذا بدت أعلامُ أرضٍ جاوزت ... أعلامها فرمت بها أهوالها
حتى رجعتُ بها وقد أكللتها ... لاقى إرانَ مطردٍ أكلالها
مثل الشجارِ حشاشةً منهوكةً ... قد كانَ ذلك قيدها وعقالها
إني امرؤٌ أقري الهمومَ صرامةً ... وأقوتُ شحمَ ذرى المطيِّ رحالها
ولربَّ حيلةِ حازمٍ ذي هوةٍ ... يسرتها ولحازمٌ ما احتالها
ومقالةٍ في موطنٍ ذي مأقطٍ ... طبقتُ مفصلها ومرتُ عيالها
ولربَّ حجةِ خصمِ سوءٍ ظالمٍ ... حنقٍ عليَّ منحتهُ إبطالها
فرجعتهُ قد عادَ بعدَ تخمطٍ ... يقلي المشاغبةَ التي أجرى لها
ولربَّ عرفِ قد بذلتُ وخطةٍ ... أسهلتُ حزنَ طريقها أسهالها
ومكارمٍ سمحٍ بذلتُ كرامةً ... يوماً لهُ وقفيةً ما سالها
ومعالجِ الشحناءِ قد ألجمتهُ ... نكلاً وأسرتهُ فكانَ نكالها
ولربَّ قافيةٍ تكادُ حذوتها ... تلقى بخيرٍ سائلاً من قالها
أرسلتها مثلَ الشهابِ غريبةً ... لا تستطيعُ رواتها إرسالها
ولئن سألتَ بي العشيرةَ مرةً ... أحبارها العلماءَ أو أقيالها
لتنبئنكَ أنني ذو مأقطٍ ... أني إذا اللحنُ الصليبُ دعا لها
وليثنينَّ عليَّ منهم صادقٌ ... خيراً ومحمدةً تعدُّ فعالها
ولتلقيني لا ذكرتُ نساءها ... ذكرَ اللئيمِ ولا شتمتُ رجالها
فلتجرِ بعدَ الحادثاتِ بما جرت ... ولتجرينَّ كحالها أولى لها
وقال عروة بن أذينة أيضاً:
بخلت رقاشِ بودها ونوالها ... سقياً وإن بخلت لبخلِ رقاشا
ظفرت بودكَ إذ سبتكَ كأنها ... وحشيةً لا تستطيعُ حواشا
والودُّ يمنحُ غير من يجزى بهِ ... كالماءِ ضمنَ ناشحاً حشاشا
стр. 91
ولقد غشيتِ لنا رسومَ منازلٍ ... بدلنَ بعدَ تأنسٍ إيحاشا
أحبب بأوديةِ العقيقِ لحبها ... والعرصتينِ وبالمشاشِ مشاشا
لما وقفتُ بهنَّ بعدَ تأنسٍ ... ذرفت دموعكَ في الرداءِ رشاشا
ولربَّ سالٍ قد تذكرَ مرةً ... شجواً فأجهشَ أو بكى إجهاشا
أمسى إذا ذكرت يحادثُ نفسهُ ... وإذا نأت لقي الهمومَ غشاشا
شوقاً تذكرهُ فحنَّ صبابةً ... لما أرادَ عن الصبا إفراشا
وعلا بهِ الرأيُ الجسيمُ وزادهُ ... حلماً فعيشَ بهِ كذاكَ وعاشا
تمت مروءتهُ وساورَ همهُ ... غلباً وأتبعَ رأيهُ إكماشا
يبني مكارمَ ذاهبينَ جحاجحٍ ... كانوا ثمالَ أراملٍ ورياشا
من سرِّ ليثٍ لا تطيشُ حلومهم ... جهلاً إذا جهلَ اللئيمُ وطاشا
أصبحتُ أذكرُ من فناءِ عشيرتي ... حزناً إذا بطنُ الجواشنِ جاشا
بذهابِ ساداتٍ وأهل مهابةٍ ... حشدٍ إذا ما الدهرُ هاجَ جياشا
كانوا عتيقَ الطيرِ قبلُ فأصبحوا ... في الناسِ تزدحمُ البلادُ خشاشا
ورثوا المكارمَ عن كرامٍ سادةٍ ... لم يورثوا صلفاً ولا إفحاشا
وغبرتُ بعدهمُ ولستُ بخالدٍ ... مثلُ الوقيعةِ تحذرُ النجاشا
في مثلِ فضلاتِ السيوفِ بقيةً ... لم يخلقوا زمعاً ولا أوباشا
ولقد عرفتُ وإن حزنتُ عليهمِ ... أن سوفَ أخفضُ للحوادثِ جاشا
وملكتُ من أبدالِ سوءٍ بعدهم ... مثلَ الكلابِ تعادياً وهراشا
نعمَ الفوارسُ والثمالُ لأركبٍ ... بعد الطوى نزلوا بهم أوحاشا
لا بدَّ أنهمُ إذا ما أهكعوا ... سيعجلونَ قراهمُ نشناشا
ولقد عجبتُ لحاينٍ متعرضٍ ... أبدت عداوتهُ لنا استغشاشا
عبدٌ أساءَ بسبهِ أربابهُ ... منهم أصابَ مطاعماً ورياشا
تنعى الكرامَ ولستَ بالغَ مجدهم ... حتى تحولَ بركهِ أكماشا
ولوَ أنهُ يوماً تكلفَ شأوهم ... أبقى بهِ تعبُ السياقِ جراشا
أو كانَ أصعدَ في جبالِ قديمهم ... لاقى لها رتباً وكابدَ ناشا
نعشوا مفاقرهُ فأصبح كافراً ... حسنَ البلاءِ ولم يكن نعاشا
وكذاكَ كانَ أبوهُ يفعلُ قبلهُ ... وكلاهما في الدهرِ كانَ قماشا
يحيى السنينَ بهم ويكفرُ كلما ... وقعَ الربيعُ فمحضراً أكراشا
إني لأصبرُ في الحقوقِ إذا اعتزت ... وأميشُ قبلَ سؤالهِ الممياشا
وإذا الهمومُ تضيفتني لم أكن ... جلساً لطارقةِ الهمومِ فراشا
وقريتهنَّ زماعَ أمرٍ صارمٍ ... والعيسُ يحرمها السرى الإنفاشا
من بعدِ إذ كانت سنوه مرةً ... نعماً تساقطُ بالحمى الأعشاشا
فرجعتها بعدَ المراحِ خسيسةً ... قد زال تامكُ نيها منحاشا
ولربَّ كبشِ كتيبةٍ ملمومةٍ ... قدنا إليهِ كتائباً وكباشا
دسراً إذا حميَ الهياجُ بحدهِ ... وجعلتَ تسمعُ للرماحِ قراشا
فتسارعت فيهِ السيوفُ بوقعها ... نكباً وترعشُّ تحتها إرعاشا
وكذاكَ تصطادُ الكميَّ رماحنا ... ونجرها المتناول المنتاشا
ونعضُّ هامَ المعلمينَ سيوفنا ... بيضَ الظباتِ إلى الدماءِ عطاشا
وإذا المشاغبُ شاكَ منها شوكةً ... طالَ الضمارُ وأعيتِ النقاشا
وقال عروة أيضاً:
يا حبذا الدارُّ بالروحاءِ من دارِ ... وعهدُ أعصارها من بعدِ أعصارِ
هاجت عليَّ مغانيها وقد درست ... ما يردعُ القلبُ من شوقٍ وإذكارِ
يا صاحبيَّ اربعا إنَّ انصرافكما ... قبلَ الوقوفِ أراهُ غيرَ إعذارِ
فعرجا ساعةً نبكي الرسومَ بها ... واستخبرا الدارَ إن جادت بأخبارِ
وكيفَ تخبرنا دارٌ معطلةٌ ... قفرٌ وهابي رمادٍ بين أحجارِ
وعرصةٌ من عراصِ الأرضِ موحشةٌ ... ما إن بها من أنيسٍ غيرُ آثارِ
تغدو الرياحَ وتسري في مغابنها ... بمجلبٍ من غريبِ التربِ موارِ
فلا تزالُ من الأنواءِ صادقةٌ ... بحريةُ الخالِ تعفوها بأمطارِ
مقيمةً لم ترم عهدَ الجميع بها ... كأنما جعلت بواً لأظآرِ
إن تمسِ سعدى وقد حالت مودتها ... وأقصرت لانصرافٍ أيَّ إقصارِ
стр. 92
فقد غنينا زماناً ودنا حسنٌ ... على معاريضَ من لومٍ وإهجارِ
ومن مقالِ وشاةٍ حاسدينَ لها ... أن يدركوا عندنا فيها بإكثارِ
كنا إذا ما زرت في الودِّ نعتبها ... وآيةُ الصرمِ ألاَّ يعتبَ الزاري
إذ لذةُ العيشِ لم تذهب بشاشتها ... وإذ بنا عهد سلمى غيرُ ختارِ
حتى متى لا مبينُ اليأسِ يصرمني ... ولا تقضى من اللذاتِ أوطاري
من ضيعَ السرَّ يوماً أو أشادَ بهِ ... فقد منعتُ من الواشين أسراري
عهدي بها قسمت نصفينِ أسفلها ... مثلُ النقا من كثيبِ الرملةِ الهاري
وفوقَ ذاكَ عسيبٌ للوشاحِ بهِ ... مجرىً لكشحِ ألوفٍ السترِ معطارِ
في ميعةٍ من شبابٍ غربهُ عجبٌ ... لو كانَ يرجعُ غضاً بعدَ إدبارِ
هيهاتَ لا وصلَ إلاَّ أن تجددهُ ... بذاتِ معجمةٍ مرداةِ أسفارِ
ملمومةٍ نحتت في حسنِ خلقتها ... وأجفرت في تمامٍ أي إجفارِ
وأرغدت أشهراً بالقهبِ أربعةً ... في سرِّ مستأسدِ القريانِ محبارِ
ترعى البقاعَ وفرعَ الجزعِ من مللٍ ... مراتعَ العينِ من نقوى ومن دارِ
في فاخرِ النبتِ مجاجِ الثرى مرحٍ ... يخايلُ الشمسَ أفواجاً بنوارِ
قربتها عرمساً للرحلِ عرضتها ... أزواجَ لماعةِ الفودين مقفارِ
فلم تزل تطلبُ الحاجاتِ معرضةً ... حتى اتقتني بمخٍّ باردٍ رارِ
قد غودرت حرجاً لا قيدَ يمسكها ... وصلبها ناحلٌ محدودبٌ عاري
وقد برى اللحمَ عنها فهيَ قافلةٌ ... كما برى متنَ قدحِ النبعةِ الباري
تهجري ورواحي لا يفارقها ... رحلٌ وطولُ ادلاجي ثمَّ إبكاري
هذا وطارقِ ليلٍ جاء معتسفاً ... يعشو إلى منزلي لما رأى ناري
يسري وتخفضهُ أرضٌ وترفعهُ ... في قارسٍ من شفيفِ البردِ مرارِ
حتى أتى حينَ ضمَّ الليلُ جوشنهُ ... وقلتُ هل هو منجابٌ بإسحارِ
فاستنبحَ الكلبَ منحازاً فقلتُ لهُ ... حيٌّ كرامٌ وكلبٌ غيرُ هرارِ
أهلاً بمسراكَ أقبل غيرَ محتشمٍ ... لا يذهبُ النومُ حقَّ الطارقِ الساري
هذا لهذا وإنا حينَ تنسبنا ... من خندفٍ لسنامُ المحتدِ الواري
تغشى الطعانَ بنا جردٌ مسومةٌ ... تؤذي الصريخَ بتقريبٍ وإحضارِ
قبل عوابسُ بالفرسانِ نعرضها ... على المنايا بإقدامٍ وتكرارِ
منا الرسولُ وأهلُ الفضلِ أفضلهم ... منا وصاحبهُ الصديقُ في الغارِ
من عدَّ خيراً عددنا فوقَ عدتهِ ... من طيبينَ نسميهم وأبرارِ
منا الخلائف والمستمطرونَ ندىً ... وقادةُ الناسِ في بدوٍ وأمصارِ
وكلُّ قرمٍ معدي الأرومِ لنا ... منهُ المقدمُ من عزٍّ وأخطارِ
كم من رئيسٍ صدعنا عظم هامتهِ ... ومن همامٍ عليهِ التاجُ جبارِ
ومن عدوٍّ صبحنا الخيلَ عاديةً ... في جحفلٍ مثلِ جوزِ الليلِ جرارِ
قوداً مسانيفَ ترقى في أعنتها ... مقورةً نقعها يعلو بإعصارِ
لا يخلصُ الظبيُ من هضاءِ جمعهم ... ولا يفوتهمُ بالتبلِ ذو الثارِ
صيدُ القرومِ بنو حربٍ قراسيةٌ ... من خندفٍ لحصانِ الحجرِ مذكارِ
عزُّ القديمِ وأيامُ الحديثِ لنا ... لم نطعمِ الناسَ منا غيرَ أسآرِ
ألقت عليَّ بنو بكرٍ شراشرها ... ومن أديمهم من قدَّ أسياري
قد يشتكيني رجالٌ ما أصابهمُ ... مني أذى غيرَ أن أسمعتهم زاري
لا صبرَ للثعلبِ الضباحِ ليسَ لهُ ... حرزٌ على عدواتِ المشبلِ الضاري
لا تستطيعُ الكدى الأثمادُ راشحةً ... مدَّ البحورِ بأمواجٍ وتيارِ
وقال عروة بن أذينة:
أمن حبّ سعدى وتذكارها ... حبستَ تبلدُ في دارها
مديماً ونفسكَ معنيةٌ ... تكادُ تبوحُ بأسرارها
على اليأسِ من حاجةٍ أضمرت ... فشقت عليكَ بأضمارها
وقد أورثت لكَ منها جوىً ... نصيباً على بعدِ مزدارها
ألا حبذا كيفَ كانَ الهوى ... سعادُ وسالفُ أعصارها
وشرخُ الشبابِ الذي فاتنا ... ودنيا تولت بأدبارها
رأت وضحَ الشيبِ في لمتي ... فهاجَ تقضيَ أوطارها
فجنت من الشيبِ واسترجعت ... وأنفرها فوقَ إنفارها
стр. 93
مباعدةً بعدَ أزمانها ... بملحاءِ ريمٍ وأمهارها
فبتت قوى الحبلِ مصبوبةً ... على نقضها بعدَ إمرارها
وقد هاجَ شوقكَ بعدَ السلوِّ ... مشبوبةٌ من سنا نارها
بثغرةَ يوقدها ربربٌ ... كعينِ المها بينَ دوارها
حسانُ السوالفِ بيضُ الوجوهِ ... منها الخطى قدرُ أشبارها
تكادُ إذا دامَ طرفُ الجليسِ ... يكلمُ رقةَ أبشارها
يطفنَ بخودٍ لباخيةٍ ... كشمسِ الضحى تحت أستارها
أجرتكَ حبلكَ في حبها ... فطالَ العناءُ بأجرارها
وكم ليلةٍ لكَ أحييتها ... قصيرٌ بها ليلُ سمارها
بعونٍ عليهنَّ من بهجةٍ ... وحسنِ غضاضةِ أبكارها
خرجنَ إلينا على رقبةٍ ... خروجَ السحابِ لأمطارها
بزيٍّ جميلٍ كزهرِ الرياضِ ... أشرقَ زاهرُ نوارها
يعدنَ مواعدَ يلوينها ... فلا بدَّ من بعدِ إنظارها
فلو معسراتٌ فيدفعننا ... بعسرٍ عذرنا بأعسارها
ولكن يجدنَ فيمطلننا ... بليِّ الديونِ وإنكارها
ألم تعنكَ الظعنُ الموجعاتُ ... حبَّ القلوبِ بأبكارها
على كلِّ وهمٍ طويلِ القرى ... وعيهلةٍ عبرِ أسفارها
عراهمُ مرغدةٌ كالصروحِ ... قد عدلت بعدَ تهدارها
كأنَّ أزمتها في البرى ... أراقمُ نيطت بأذرارها
تفوتُ العيونَ ببعدِ المدى ... وتتبعها طرفَ أبصارها
وفتيانِ صدقٍ دعوا للصبى ... فشدوا المطي بأكوارها
فهذا لهذا وقل مدحةً ... تسيرُ غرائبُ أشعارها
محبرةً نسجها مترصٌ ... على حسنها وشيُ أنيارها
لأهلِ الندى وبناةِ العلى ... وصيدِ معدٍّ وأخيارها
كنانةُ من خندفٍ قادةٌ ... لوردِ الأمورِ وإصدارها
لنا عزُّ بكرٍ وأيامها ... ونصرُ قريشٍ وإنصارها
وما عزَّ من حانَ في حربهم ... بضغمِ الأسودِ وتهصارها
غلبنا الملوكَ على ملكهم ... وفتنا العداةَ بأوتارها
فضلنا العبادَ بكلِّ البلادِ ... عزاً أخذنا بأقطارها
وخندفُ تخطرُ من دوننا ... ومن ذا يقومُ لتخطارها
وقيسٌ وحيا نزارٍ معاً ... بحورٌ تجيشُ بتيارها
أبرت على الناسِ أيامهم ... فهم عارفونَ بأبرارها
تقرُّ القبائلُ من طولهم ... بفضلٍ فما بعدَ إقرارها
وقال عروة أيضاً:
سرى لكَ طيفٌ زارَ من أمِّ عاصمِ ... فأحبب بهِ من زورِ جافٍ مصارمِ
ألمَّ بنا والركبُ قد وضعتهمُ ... نواجي السرى قودٌ بأغبرَ قاتمِ
أناخوا فناموا قد لووا بأكفهم ... أزمةَ خوصٍ كالسمامِ سواهمِ
فبتُّ قريرَ العينِ ألهو بغادةٍ ... طويلةِ غصنِ الجيدِ ريا المعاصمِ
رخيمةُ أعلى الصوتِ خودٌ كأنها ... غزالٌ يراعي واشحاً بالصرائمِ
فيا لكَ حسناً من معرسِ راكبٍ ... ولذتهِ لو كنتَ لستَ بحالمِ
فطرتُ مروعاً لا أرى غيرَ أينقٍ ... وقعنَ بجوٍّ بينَ شعثِ المقادمِ
ثنى سيرهم دأبُ السرى فتجدلوا ... عن العيسِ إذا ملوا عناقَ القوادمِ
فقلتُ وأنى من عصيمةَ فتيةٌ ... أناخوا بخرقٍ لغباً كالنعائمِ
وقد رجمت شهراً يدورُ بها الكرى ... ذوائبهم ميلُ الطلى والعمائمِ
كتمتُ لها الأسرارَ غير مثيبةٍ ... ولا تصلحُ الأسرارُ إلاَّ بكاتمِ
فلم تجزني إلا البعادَ فليتني ... بذلكَ من مكتومها غيرُ عالمِ
لقد علمت قيسٌ وخندفُ أننا ... فسل كلَّ قومٍ علمهم بالمواسمِ
ضربنا معداً قاطبينَ على الهدى ... بأسيافنا نذري شؤونَ الجماجمِ
وقمنا على الإسلامِ حتى تبينت ... شرائعُ حقٍّ مستقيمِ المخارمِ
وقدنا الجيادَ المقرباتِ على الوجا ... إلى كلِّ كلحاً في الشكائمِ
إذا صبحت حياً عليهم ضيافةٌ ... بفرسانهم أعضضنهم بالأباهمِ
على كلِّ كردوسٍ يجالدُ حازمٌ ... رئيسٌ لمعروفِ الرئاسةِ حازمِ
فوارسها تدعو كنانةَ فيهمِ ... صناديدُ نزالونَ عندَ الملاحمِ
ونتبعُ أخراها كتائبَ مصدقٍ ... تزيفُ بأولاها حماةُ البوازمِ
стр. 94
مصاليتُ ورادونَ في حمسِ الوغى ... ردى الموتِ خواضونَ غبرَ العظائمِ
إذا قرعتنا الحادثاتُ سما لنا ... بنوا الحربِ والكافونَ ثقلَ المغارمِ
نجومٌ أضأت في البلادِ بأهلها ... وقام بها في الحقِ فيءُ المقاسمِ
ملوكٌ مناجيبُ الفحولِ خضارمٌ ... بحورٌ وأبناءُ البحورِ الخضارمِ
بنى ليَ عزَّ المكرماتِ مقدماً ... لنا المجدُ آباءٌ بناةُ المكارمِ
لهاميمُ من فرعي كنانةَ مجدهم ... تليدٌ لهُ عزُّ الأمورِ الأقادمِ
غلبنا على الملكِ الذي نحنُ أهلهُ ... معداً وفضضنا ملوكَ الأعاجمِ
وأنسابنا معروفةٌ خندفيةٌ ... فأنى لها بالشتمِ ضرُّ المشاتمِ
سبقنا أضاميم الزمانِ فقد مضى ... لنا السبقُ غاياتِ الذكورِ الصلادمِ
ونحنُ أكلنا الجاهليةَ أهلها ... غواراً وشذبنا مجيرَ اللطايمِ
وكان لنا المرباعُ غيرَ تنحلٍ ... وكل معدٍّ في جلودِ الأراقمِ
مضرينَ بالأعداءِ من كلِّ معشرٍ ... نهينُ معاطيسَ الأنوفِ الرواغمِ
إذا رامنا عريضُ قومٍ بشغبةٍ ... تذبذبَ عن مرداةِ مجدٍ قماقمِ
ونحنُ على الإسلامِ ضاربَ جمعنا ... فأعطيَ فلجاً كلُّ جمعٍ مصادمِ
ونحنُ ولاةُ الأمرِ ما بعدَ أمرنا ... مقالٌ ولا مغدىً لخصمٍ مخاصمِ
ورثنا رسولَ اللهِ إرثَ نبوةٍ ... ومخلافَ ملكٍ تالدٍ غير دائمِ
وعلياءَ من بيتِ النبيِّ تكنفت ... مناسبها حوماتِ أنسابِ هاشمِ
وملكاً خضماً سلَّ بالحقِّ سيفهُ ... على الناسِ حتى حازَ نقشَ الدراهمِ
وقامَ بدينِ اللهِ يتلو كتابهُ ... على الناسِ منا مرسلٌ جدُّ قائمِ
ففينا الندى والباعُ والحلمُ والنهى ... وصولاتُ أيدٍ بادراتِ الجرائمِ
وعزٌّ كنانيٌّ يقودُ خطامهُ ... معداً ولم يطمع بهِ حبلُ خاطمِ
لنا مقرمٌ سامٍ يهدُّ هديرهُ ... مساماتِ صيدِ المقرباتِ الصلاقمِ
وما زالَ منا للأمورِ مدبرٌ ... يقودُ الملوكَ ملكهُ بالخزايمِ
وراعٍ لأعقابِ العشيرةِ حافظٍ ... يجودُ بمعروفٍ كثيرٍ لسايمِ
لعمركَ ما زلنا فروعَ دعامةٍ ... لنا فضلها المعروفُ فوقَ الدعايمِ
وإني لطلاعُ النجادِ فواردٌ ... على الحزمِ قوامٌ كرامُ المقاومِ
عطوفٌ على المولى وإن ساءَ نصرهُ ... كسوبُ خلالَ الحمدِ عفُّ المطاعمِ
أبي إذا سيمَ الظلامةَ باسلٌ ... عزيزٌ إذا أعيت وجوهُ المظالمِ
ونحنُ أناسٌ أهلُ عزٍّ وثروةٍ ... ودفاعُ رجلٍ كالدبا المتراكمِ
مجالسُ فتيانٍ كرامٍ أعزةٍ ... ونادي كهولٍ كالنسورِ القشاعمِ
إذا فزعوا يوماً لروعٍ توهست ... جيادهمُ بالمعلمينَ الخلاجمِ
صبحناهمُ حرَّ الأسنةِ بالقنا ... ضحىً ثمَّ وقعُ المرهفاتِ الصوارمِ
فكانوا خلى حربٍ لنا التهمتهمُ ... ونحنُ بنو عصلِ الحروبِ الكواهمِ
وجارٍ منعناهُ فقرَّ جنابهُ ... ونامَ وما جارُ الذليلِ بنائمِ
وكنا لهُ ترساً من الخوفِ يتقي ... بنا شوكةَ الأعداءِ أهلِ النقايمِ
ومولى ثمالٍ كلُّ حقٍّ يربهُ ... على مالهِ حتى تلادِ الكرائمِ
ومعتركٍ بالشرِّ ينظرُ نظرةً ... ولا تنطقُ الأبطالُ غيرَ غماغمِ
بهِ قد شهدناهُ وفزنا بذكرهِ ... وجئنا بأسلابٍ لهُ وغنائمِ
وأصيدَ ذي تاجٍ غللنا يمينهُ ... إلى الجيدِ في يومٍ من الحربِ جاحمِ
فحثَّ حثيثَ الخيلِ يرجمُ عدوهُ ... بهِ حثَّ مشبوبٍ من النقعِ هاجمِ
وضيفٍ سرى أرغى هدواً بعيرهُ ... ليقرى فعجلنا القرى غيرَ عاتمِ
وكانت لنا دونَ العيالِ ذخيرةً ... نخصُّ بها حتى غدا غيرَ لائمِ
وداعٍ لمعروفٍ فزعنا لصوتهِ ... بلبيكَ في وجهٍ لهُ غيرِ واجمِ
فخيرتهُ مالاً طريفاً وتالداً ... يصونُ بهِ عرضاً لهُ غيرَ نادمِ
وذي شنآنٍ طافَ بي فانتهزتهُ ... بنابٍ حديدٍ حينَ يضغمُ كالمِ
فكيف يسامي ماجداً ذا حفيظةٍ ... جموحاً على درءِ الألدِّ المراجمِ
لئيمٌ ربا واللؤمُ في بطنِ أمهِ ... وقلدهُ في المهدِ قبلَ التمائمِ
стр. 95
أنا ابنُ حماةِ العالمينَ وراثةً ... وأعظمهم جرثومةً في الجرائمِ
وأمنعهم داراً وأكثرهم حصىً ... وأدفعهم عن جارهِ للمظالمِ
وقال عروة بن أذينة أيضاً:
أهاجتكَ دارُ الحيِّ وحشاً جنابها ... أبت لم تكلمنا وعيَّ جوابها
نعم ذكرتنا ما مضى وبشاشةً ... إذا ذكرتها النفسُ طالَ انتحابها
وعيشاً بسعدى لانَ ثمَّ تقلبت ... به حقبةٌ غالَ النفوسَ انقلابها
كأن لم يكن ما بيننا كانَ مرةً ... ولم تغنَ في تلكَ العراصِ قبابها
ألا لن يعودَ الدهرُ خلةَ بيننا ... ولكن إيابُ القارظينِ إيابها
وعهدي بها ذوابةُ الطرفِ تنتهي ... إلى رملةٍ منها هيالٍ حقابها
وما فوقهُ لدنُ العسيبِ وشاحهُ ... يغني الحشا أثناؤها واضطرابها
وتضحكُ عن حمشِ اللثاثِ كأنما ... نشا المسكِ في ذوبِ النسيلِ رضابها
على قرقفٍ شجت بماءِ سحابةٍ ... لشربٍ كرامٍ حينَ فتَّ قطابها
لها واردٌ دانٍ على جيد ظبيةٍ ... بسائلةٍ ميثاء عفرٍ ذئابها
دعاها طلاً خافت عليهِ بجزعها ... كواسبَ لحمٍ لا يمنُّ اكتسابها
إذا سمعت منهُ بغاماً تعطفت ... وراعَ إليهِ لبها وانسلابها
ألمت بنا طيفاً تسدى ودونهُ ... مخاريقُ حسمى قورها وهضابها
كأنَّ خزامى طلةً ضافها الندى ... وفارةَ مسكٍ ضمنتها ثيابها
فكدتُّ لذكراها أطيرُ صبابةً ... وغالبتُ نفساً زادَ شوقاً غلابها
إذا اقتربت سعدى لججتَ بهجرها ... وإن تغترب يوماً يرعكَ اغترابها
ففي أيِّ هذا راحةٌ لكَ عندها ... سواءٌ لعمري نأيها واقترابها
تباعدها عندَ الدنوِّ وربما ... دنت ثمَّ لم ينفع وشدَّ حجابها
وفي النأي منها ما علمتَ إذا النوى ... تجردَ ناويها وشدت ركابها
كفى حزناً ألاَّ تزالَ مريرةً ... شطونٌ بها تهوي يصيحُ غرابها
يقولُ لي الواشونَ سعدى بخيلةٌ ... عليكَ معنٍّ ودها وطلابها
فدعها ولا تكلف بها إذ تغيرت ... فلم يبقَ إلاَّ هجرها واجتنابها
فقلتُ لهم سعدى عليَّ كريمةٌ ... وكالموتِ بلهَ الصرمِ عندي عتابها
فكيفَ بما حاولتمُ إنَّ خطةً ... عرضتم بها لم يبقَ نصحاً خلابها
وسعدى أحبُّ الناسِ شخصاً لو أنها ... إذا أصقبت زيرت وأجدى صقابها
ولكن أتى من دونها كلمُ العدى ... ورجمُ الظنونِ جورها ومصابها
فأمست وقد جذت قوى الحبلِ بغتةً ... وهرت وكانت لا تهرُّ كلابها
وعادَ الهوى منها كظلِّ سحابةٍ ... ألاحت ببرقٍ ثمَّ مرَّ سحابها
فلا يبعدن وصلٌ لها ذهبت بهِ ... ليالٍ وأيامٌ عناناً ذهابها
ولا لذةُ العيش الذي لن يردهُ ... على النفسِ يوماً حزناً واكتئابها
ولا عبراتٌ يترعُ العينَ فيضها ... كما فاضَ من شكٍّ الصناع طبابها
إذا أغرقت إنسانها وسوادهُ ... تداعى بملءِ الناظرين انسكابها
ومن حبِّ سعدى لا أقولُ قصيدةً ... أرشحها إلاَّ لسعدى شبابها
لها مهلٌ من ودنا ومحلةٌ ... من القلبِ لم تحلل عليها شعابها
فإن تكُ قد شطت بها غربةُ النوى ... وشرفَ مزداراً عليكَ انتيابها
فقد كنتَ تلقاها وفي النفسِ حاجةٌ ... على غيرِ عينٍ خالياً فتهابها
وتشفقُ من إحشامها بمقالةٍ ... إذا حضرت ذا البثِّ غلقَ بابها
فلا وأبيها ما دعانا تهالكٌ ... إلى صرمها إن عنَّ عنا ثوابها
وما زال يثنيني على حبِّ غيرها ... وإكرامهِ إكرامها وحبابها
وقولي عسى أن تجزني الودَّ أو ترى ... فتعتبَ يوماً كيفَ دأبي ودأبها
وكم كلفتنا من سرى حدِّ ليلةٍ ... حبيبٌ إلى الساري المجدِّ انجيابها
كأن على الأشرافِ ضربَ جليدةٍ ... ندائفَ برسٍ جللتهُ حدابها
ومن فورِ يومٍ ناجمٍ متضرمٍ ... بأجوازِ موماةٍ تعاوى ذئابها
يظلُّ المها فيها إلى كلِّ مكنسٍ ... دموحاً إذا ما الشمسُ سالَ لعابها
ووالى الصريرَ الجندبُ الجونُ وارتقت ... حرابيُّ في العيدانِ حانَ انتصابها
стр. 96
تكادُ إذا فارت على الركبِ تلتظي ... وديقتها يشوي الوجوهَ التهابها
قطعتُ بمجذامِ الرواحِ شملةٍ ... إذا باخَ لوثُ العيسِ ناجٍ هيابها
سفينةُ برٍّ حينَ يستوقدُ الحصى ... ويزدالُ في البيدِ الشخوصَ سرابها
وإني لمن جرثومةٍ تلتقي الحصى ... عليها ومن أنسابِ بكرٍ لبابها
ومن مالكٍ آل القلمسِ فيهم ... لنا سرُّ أعراقٍ كريمٍ نصابها
وعبدُ مناةَ الأكثرونَ لعزهم ... بوادرُ يخشى حدها وذبابها
عرانينُ تنميها كنانةُ قصرةً ... نصابُ قريشٍ في الأرومِ نصابها
وفرعُ قريشٍ فرعنا وانتسابنا ... إلى والدٍ محضٍ إليهِ انتسابها
قرابتنا من بينِ كلِّ قرابةٍ ... وليس بدعوى جلَّ عنها اجتلابها
ومكةُ من ينكر من الناسِ يلقنا ... بمعرفةٍ بطحاؤها وخشابها
فنحنُ خيارُ الناسِ كلُّ قبيلةٍ ... تذلُّ بما نقضي عليها رقابها
ورثنا رسولَ اللهِ بعدَ نبوةٍ ... خلافةُ ملكٍ لا يرامُ اغتصابها
وعدلاً وحكماً تنتهي عندَ فضلهِ ... ونخمدُ نارَ الحربِ يصرفُ نابها
وما جبلٌ إلاَّ لنا فوقَ فرعهِ ... فروعُ جبالٍ مشمخرٌّ صعابها
وهل أحدٌ إلاَّ وطئنا بلادهُ ... بملمومةِ الأركانِ ذاكٍ شهابها
كتائبُ قد كادت كراديسُ خيلها ... يسدُّ استجاراً مطلعَ الشمس غابها
لو أنَّ جموعَ الجنِّ والإنسِ أجلبت ... لنا صدها عما تريدُ ضرابها
لنا نسبٌ محضٌ وأحلامُ سادةٍ ... بحورٌ لدى المعروفِ طامٍ عبابها
وألويةٌ يمشونَ للموتِ تحتها ... إذا خفقت مشيَ الأسودِ عقابها
همُ يحلبون الحربَ أخلافَ درها ... ويمرونها حتى يغيضَ حلابها
وهم خيرُ من هزَّ المطي وأقصرت ... جمار منى يوماً ولفت حصابها
وأكرمُ من يمشي على الأرضِ صفيت ... لهم طيبةٌ طابت وطابَ ترابها
ملوكٌ يدينونَ الملوكَ إذا أبوا ... فلم يأذنوا لم يرجَ كرهاً خطابها
وما في يدٍ نلنا بها من ذا حميةٍ ... وإن ذاقَ طعمَ الذلِّ إلا احتسابها
إذا ما رضوا كان الرضاءُ رضاءهم ... وإن غضبوا أوهى الأديمَ غضابها
ولولاهمُ لم يهتدِ الناسُ دينهم ... وضلوا ضلالَ النيبِ تعوي سقابها
ولم يهلكوا إلاَّ على جاهيلةٍ ... عصاها عليهم ترتبٌ وعذابها
ولكن بها بعدَ الإلهِ تبينوا ... شرائعَ حقٍّ كانَ نوراً صوابها
وما أخذت في أولِ الأمرِ عصبةٌ ... لنا صفرت من نصحِ جيبٍ عيابها
ونحنُ وجوهُ المسلمينَ وخيرهم ... نجاراً كما خيرُ الجيادِ عرابها
وقال عروة بن أذينة:
صرمتَ سعيدةَ صرماً نجاثا ... ومنتكَ عاجلَ بذلٍ فراثا
وأصبحتَ كالمستبيثِ الجوادِ ... فينا فأوجعهُ ما استباثا
كذي الكلمِ داملهُ ثمَّ خافَ ... منهُ خلافَ الجفوفِ انتكاثا
وللصرمِ هولٌ على ذي الهوى ... وإن لجَّ يدعو إليهِ احتثاثا
إذا ذاقهُ لم يجد راحةً ... تعدى ولم يلقَ منهُ غياثا
وعهدي بسعدى لها بهجةٌ ... كأمِّ الأديغمِ تقرو براثا
تنسسهُ وترى أنهُ ... صغيرٌ وقد رشحتهُ ثلاثا
خلالَ ظلالِ أراكِ الأميلِ ... يجني بريراً وطوراً كباثا
وما ذكرُ سعدى وقد باعدت ... وعادَ قوى الحبلِ منها رماثا
لعمري لئن ربعُ سعدى عفا ... بشوظى لقد ضمَّ بيضاً دماثا
فبنَّ وفيهنَّ ما لو أقامَ ... أقللتُ عمن يبينُ اكتراثا
كأنَّ القلائدَ في جيدها ... إلى حيثُ يعقدُ منها الرعاثا
منَ الدرِّ يحفلُ ياقوتهُ ... كجمر الغضا يتلظى مجاثا
على ظبيةٍ مغزلٍ أشرفت ... لخشفٍ لها لم يلحها ارتغاثا
وقد أضمنُ السرَّ مستودعاً ... يسايلُ من سالَ عنهُ نقاثا
وأطوي الخليلَ على حالةٍ ... إذا ضمنَ السرَّ إلا انقباثا
وضيفٍ خرجتُ إلى صوتهِ ... أرحبُ لم ير مني التباثا
أناخَ فعجلتُ حقَّ القرى ... وكنتُ بهِ لا أحبُّ اللباثا
ومولى مسيءٍ إلى نفسهِ ... كحاثي التراب عليهِ انبثاثا
يضلُّ عن الرشدِ في رأيهِ ... ويأبى إلى الغي إلاَّ انخثاثا
стр. 97
أقمتُ لهُ الزيغَ من رأيهِ ... وبالخيرِ نحوي منَ الشرِّ لاثا
وقومٍ غضابِ ولم أشكهم ... تغشونني حسداً وابتحاثا
ويهدونَ لي منهمُ غيبةً ... يعضلُ دوني عوجاً رثاثا
أمرُّ فيغضونَ من ظنتي ... كأنهمُ يكلحونَ الكراثا
وتعطي المحاولَ تحميلهم ... خلائق منهم لئاماً خباثا
لهم مجلسٌ يهجرونَ التقى ... وينتجثونَ القبيحَ انتجاثا
إذا أصبحوا لم يقولوا الخنا ... ولم يأكلوا الناسَ أضحوا غراثا
تجاوزتُ عن جهلهم رغبةً ... وهم يعرضونَ لحوماً غثاثا
ولو شئتُ نحيتُ عيدانهم ... عن النبعِ لم يكُ صمَّ اعتلاثا
ولكن نرى الحلمَ فضلاً ولا ... نحاولُ قطعَ الأصولِ اجتثاثا
ونزلتهم قدرَ أحسابهم ... موالي كانوا لنا أو تراثا
نكون لهم خطراً مثلهم ... ومن شاءَ خارَ بقولٍ وهاثا
إذا كانَ ليثُ الشرى ثعلباً ... وأصبحَ صقرٌ عتيقٌ بغاثا
أعدُّ أسامةَ أو ذا الشياحِ ... بلعاءَ في رهطهم أو قباثا
ألاكَ بنو الحربِ مشبوبةٍ ... تجرُّ الدماءَ وتلغي المغاثا
صناديدُ غلبٌ كأسدِ الغريفِ ... خضماً وهضماً وضغماً ضباثا
ولسنا كمن ينثني صدقهُ ... كأنَّ العدوَّ بهِ الملحَ ماثا
تطيعُ إذا النصحُ يوماً بدا ... وتأبى مراراً فتعصي حناثا
تم المختار من شعر عروة ابن أذينة الكناني الليثي
المتوكل الليثي
وقال المتوكل بن عبد الله بن نهشل بن مسافع بن وهب بن عمر بن لقيط بن يعمر بن عوف بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. وكان كوفياً منزله بالكوفة في عهد يزيد بن معاوية وكان يكنى أبا جهمة:
للغانياتِ بذي المجازِ رسومُ ... فببطنِ مكةَ عهدهنَّ قديمُ
فبمنحرِ الهدي المقلدِ من منى ... جددٌ يلحنَ كأنهنَّ وشومُ
هجنَ البكاءَ لصاحبي فزجرتهُ ... والدمعُ منهُ في الرداءِ سجومُ
قال انتظر نستحفِ مغنى دمنةٍ ... أنى انتوت للسائلين رميمُ
قلتُ انصرف إنَّ السؤالَ لجاجةٌ ... والناسُ منهم جاهلٌ وحليمُ
فأبى بهِ أن يستمرَّ عن الهوى ... لنجاحِ أمرٍ لبهُ المقسومُ
والحبُّ ما لم تمضين لسبيلهِ ... داءٌ تضمنهُ الضلوعُ مقيمُ
أبلغ رميمَ على التنائي أنني ... وصالُ إخوانِ الصفاءِ صرومُ
أرعى الأمانة للأمينِ بحقها ... فيبينُ عفا سرهُ مكتومُ
وأشدُّ للمولى المدفعِ ركنهُ ... شفقاً من التعجيزِ وهو مليمُ
ينأى بجانبه إذا لم يفتقر ... وعليَّ للخصمِ الألدِّ هضيمُ
إن الأذلةَ واللئامَ معاشرٌ ... مولاهمُ المتهضمُ المظلومُ
وإذا أهنتَ أخاك أو أفردته ... عمداً فأنتَ الواهنُ المذمومُ
لا تتبع سبلَ السفاهةِ والخنا ... إنَّ السفيهَ معنفٌ مشتومُ
وأقم لمن صافيتَ وجهاً واحداً ... وخليقةً إنَّ الكريمَ قؤومُ
لا تنهَ عن خلقٍ وتأتيَ مثلهُ ... عارٌ عليكَ إن فعلتَ عظيمُ
وإذا رأيتَ المرءَ يقفو نفسهُ ... والمحصناتِ فما لذاكَ حريمُ
ومعيري بالفقرِ قلتُ لهُ اقتصد ... إني أمامك في الزمانِ قديمُ
قد يكثرُ النكس المقصرِ همهُ ... ويقلُّ مالُ المرءُ وهو كريمُ
تراكُ أمكنةٍ إذا لم أرضها ... حمالُ أضغانٍ بهنَّ غشومُ
بل ربَّ معترضٍ رددتُ جماحهُ ... في رأسهِ فأقرَّ وهو لئيمُ
أغضى على حدِّ القذى إذ جئتهُ ... وبأنفهِ مما أقولُ وسومُ
أنضجتُ كيتهُ فظلَّ منكساً ... وسطَ النديِّ كأنهُ مأمومُ
متقنعاً خزيانَ أعلى صوتهِ ... بعدَ اللجاجةِ في الصراخِ نئيمُ
أقصر فأني لا يرومُ عضادتي ... يا بنَ الجموحِ موقعٌ ملطومُ
وإذا شربتَ الخمرَ فابغِ تعلةً ... غيري يئينُ بها إليك نديمُ
أنى تحاربني وعودكَ خروعٌ ... قصفٌ وأنتَ من العفافِ عديمُ
ما كان ظهري للسياطِ مظنةً ... زمناً كأني للحدودِ غريمُ
قد كنتُ قلتُ وأنتَ غيرُ موفقٍ ... ماذا زويملةُ الضلالِ يرومُ
أنتَ امرؤٌ ضيعتَ عرضكَ جاهلٌ ... ورضيتَ جهلاً أن يقالَ أثيمُ
стр. 98
إني أبى ليَ أن أقصرَ والدٌ ... شهمٌ على الأمرِ القوي عزومُ
وقصائدي فخرٌ وعزي قاهرٌ ... متمنعٌ يعلو الجبالَ جسيمُ
وأنا امرؤٌ أصلُ الخليلَ ودونهُ ... شمُّ الذرى ومفازةٌ ديمومُ
ولئن سئمتُ وصاله ما دامَ بي ... متمسكاً إني إذن لسؤومُ
لا بل أحيي بالكرامةِ أهلها ... وأذمُّ من هوَ في الصديقِ وخيمُ
وبذاكَ أوصاني أبي وأنا امرؤٌ ... فرعٌ خزيمةُ معقلي وصميمُ
لا أرفدُ النصحَ امرءاً يغتشني ... حتى أموتَ ولا أقولَ حميمُ
لمبعدٍ قربي يمتُّ بدونها ... إنَّ امرءاً حرمَ الهدى محرومُ
تلقى الدني يذمُّ من ينوي العلى ... جهلاً ومتنُ قناتهِ موصومُ
فعلَ المنافقِ ظلَّ يأبنُ ذا النهى ... في دينهِ ونفاقهُ معلومُ
هذا وإما أمسِ رهنَ منيةٍ ... فلقد لهوتُ لو أنَّ ذاك يدومُ
بكواعبٍ كالدرِّ أخلصَ لونها ... صونٌ غذينَ بهِ معاً ونعيمُ
في غيرِ غشيانٍ لأمرٍ محرمٍ ... ومعي أخٌ لي للخليلِ هضومُ
ولقد قطعتُ الخرقَ تحتي جسرةٌ ... خطارةٌ غبَّ السرى علكومُ
موارةُ الضبعينِ يرفعُ رحلها ... كتدٌ أشمُّ وتامكٌ مدمومُ
تقص الإكامَ إذا عدت بملاطسٍ ... سمرِ المناسمِ كلهنَّ رثيمُ
مدفوقةٌ قدماً تبوعُ في السرى ... أجدٌ مداخلةٌ الفقارِ عقيمُ
زيافةٌ بمقذها وبليتها ... من نضحِ ذفراها الكحيلُ عصيمُ
وجناءُ مجفرةٌ كأنَّ لغامها ... قطنٌ بأعلى خطمها مركومُ
أرمي بها عرضَ الفلاةِ إذا دجا ... ليلٌ كلونِ الطيلسانِ دهيمُ
تهدي نجايبَ ضمراً وكأنما ... ضمنَ الوليةَ والقتودَ ظليمُ
متواتراتٍ تعتلينَ ذواقناً ... فكأنهنَّ من الكلالةِ هيمُ
ولها إذا الحرباءُ ظلَّ كأنهُ ... خصمٌ ينازعهُ القضاةَ خصيمُ
عنسٌ كأنَّ عظامها موصولةٌ ... بعظامِ أخرى في الزمامِ سعومُ
ولقد شهدتُ الخيلَ يحملُ شكتي ... طرفٌ أجشُّ إذا ونينَ هزيمُ
ربذُ القوائمِ حينَ يندى عطفه ... ويمورُ من بعدِ الحميمِ حميمُ
ينفي الجيادَ إذا اصطككنَ بمأزمٍ ... قلقُ الرحالةِ والحزامِ عذومُ
وإذا علت من بعدِ وهدٍ مرقباً ... عرضت لها ديمومةٌ وحزومُ
يهدي أوائلها الموقفُ غدوةً ... ويلوحُ فوقَ جبينهِ التسويمُ
طالت قوائمهُ وتمَّ تليلهُ ... وابتزَّ سائرَ خلقهِ الحيزومُ
مسحنفرٌ تذري سنابكه الحصى ... فكأنَّ تذراهُ نوى معجومُ
ذو رونقٍ يذري الحجارةَ وقعهُ ... وبهنَّ للمتوسمينَ كلومُ
فكأنهُ من ظهر غيبٍ إذا بدا ... يمتلُّ هيقٌ في السرابِ يعومُ
هزجُ القيادِ أمراً شزراً هيكلٌ ... نزقٌ على فأسِ اللجامِ أزومُ
يهوي هويَّ الدلوِ أسلمها العرى ... فتصوبت ورشاؤها مجذومُ
متتابعٌ كفتٌ كأنَّ صهيلهُ ... جرسٌ تضمنَ صوتهُ الحلقومُ
صلبُ النسورِ لهُ معدٌّ مجفرٌ ... سبطُ الضلوعِ وكاهلٌ ملمومُ
متغاوثٌ في الشدِّ حين تهيجه ... كتغاوثِ الحسي الخسيف طميمُ
من آلِ أعوجَ لا ضعيفٌ مقصفٌ ... سغلٌ ولا نكدُ النباتِ ذميمُ
سلطُ السنابكِ لا يورعُ غربهُ ... فأسٌ أعدَّ لهُ معاً وشكيمُ
شنجُ النسا ضافي السبيبِ مقلصٌ ... بكظامةِ الثغرِ المخوفِ صرومُ
يرمي بعينيهِ الفجاجَ وربهُ ... للخوفِ يقعدُ تارةٌ ويقومُ
كالصقرِ أصبحَ باليفاعِ ولفهُ ... يومٌ أجادَ من الربيعِ مغيمُ
وقال المتوكل في امرأته أم بكر وكانت سألته الطلاق، فطلقها، وندم، ويمدح فيها عكرمة بن ربعي:
قفي قبلَ التفرقِ يا أماما ... وردي قبلَ بينكمُ السلاما
طربتُ وشاقني يا أمَّ بكرٍ ... دعاءَ حمامةٍ تدعو حماما
فبتُّ وباتَ همي لي نجياً ... أعزي عنكَ قلباً مستهاما
إذا ذكرت لقلبكِ أمُّ بكرٍ ... يبيتُ كانما اغتبقَ المداما
خدلجةٌ ترفُّ غروبُ فيها ... وتكسو المتنَ ذا خصلٍ سخاما
أيا قلبي فما تهوى سواها ... وإن كانت مودتها غراما
стр. 99
ينامُ الليلَ كلُّ خليِّ همٍّ ... وتأبى العينُ مني أن تناما
أراعي التالياتِ من الثريا ... ودمعُ العينِ منحدرٌ سجاما
على حينِ ارعويتُ وكانَ رأسي ... كأنَّ على مفارقهِ ثغاما
سعى الواشون حتى أزعجوها ... ورثَّ الحبلُ فانجذمَ انجذاما
فلستُ بزائلٍ ما دمتُ حيا ... مسراً من تذكرها هياما
ترجيها وقد شطت نواها ... ومنتكَ المنى عاماً فعاما
خدلجةٌ لها كفلٌ وبوصٌ ... ينوءُ بها إذا قامت قياما
مخصرةٌ ترى في الكشحِ منها ... على تثقيلِ أسفلها انهضاما
لها بشرٌ نقيُّ اللونِ صافٍ ... وأخلاقٌ يشينُ بها اللئاما
ونحرٌ زانهُ درُّ حليٌّ ... وياقوتٌ يضمنهُ النظاما
إذا ابتسمت تلألأ ضوءُ برقٍ ... تهللَ في الدجنةِ ثمَّ داما
وإن مالَ الضجيعُ فدعصُ رملٍ ... تداعى كانَ ملتبداً هياما
وإن قامت تأملَ من رآها ... غمامةَ صيفٍ ولجت غماما
وإن جلست فدميةُ بيتِ عيدٍ ... تصانُ فلا ترى إلا لماما
إذا تمشي تقولُ دبيبَ سيلٍ ... تعرجَ ساعةً ثمَّ استقاما
فلو أشكو الذي أشكو إليها ... إلى حجرٍ لراجعني الكلاما
أحبُّ دنوها وتحبُّ نأيي ... وتعتامُ الثناء لها اعتياما
كأني من تذكرِ أمِّ بكرٍ ... جريحُ أسنةٍ يشكو كلاما
تساقطُ أنفساً نفسي عليها ... إذا سخطت وتغتمُّ اغتماما
غشيتُ لها منازلَ مقفراتٍ ... عفت إلا أياصرَ أو ثماما
ونؤياً قد تهدم جانباهُ ... ومبناها بذي سلمِ الخياما
كأنَّ البختريةَ أمُّ خشفٍ ... تربعتِ الجنينةَ فالسلاما
تطوفُ بواضحِ الذفرى إذا ما ... تخلفَ ساعةً بغمت بغاما
صليني واعلمي أني كريمٌ ... وأنَّ حلاوتي خلطت عراما
وأني ذو مدافعةٍ صليبٌ ... خلقتُ لمن يضارسني لجاما
فلا وأبيكِ لا أنساكِ حتى ... تجاورَ هامتي في القبر هاما
لقد علمت بنو الشداخِ أني ... إذا زاحمتُ اضطلعُ الزحاما
فلستُ بشاعرِ السفسافِ منهم ... ولا الجاني إذا أشرَ الظلاما
ولكني إذا حاربتُ قوماً ... عبأتُ لهم مذكرةً عقاما
أقي عرضي إذا لم أخشَ ظلماً ... طغامَ الناسِ إنَّ لهم طغاما
إذا ما البيتُ لم تشدد بشيءِ ... قواعدُ فرعه انهدمَ انهداما
سأهدي لابنِ ربعيٍّ ثنائي ... ومما أن أخصَّ بهِ الكراما
لعكرمةُ بن ربعي إذا ما ... تساقا القومُ بالأسلِ السماما
أشدُّ حفيظةً من ليثِ غابٍ ... تخالُ زئيرهُ اللجبَ اللهاما
أخو ثقةٍ يرى يبني المعالي ... يضيمُ ويحتمي من أن يضاما
يرى قولاً نعم حقاً عليهِ ... وقولاً لا لسائلهِ حراما
فتى لا يرزأ الخلانَ إلاَّ ... ثناءهمُ يرى بالبخلِ ذاما
كأنَّ قدورهُ من رأسِ ميلٍ ... على علياءَ مشرفةٍ نعاما
تظلُّ الشارفُ الكوماءُ فيها ... مطبقةً مفاصلها عظاما
يحشُّ وقودها بعظامِ أخرى ... فلا ينفكُّ يحتدمُ احتداما
كأنَّ الطائفينَ بها صوادٍ ... رأت ريا وقد وردت حياما
لو أنَّ الحوشبينِ لهُ لكانا ... لمن يغشى سرادقهُ طعاما
لقد جاريتما يا ابني رويمٍ ... هزيمَ الغربِ ينثلمُ انثلاما
يقصرُ سعيُ أقوامٍ كرامٍ ... ويأبى مجدهُ إلا تماما
له بحرٌ تغمدَ كلَّ بحرٍ ... فما عدلَ الدوارجَ والسناما
يرى للضيفِ والجيرانِ حقاً ... ويرعى في صحابتهِ الذماما
إذا بردَ الزمانُ أهانَ فيه ... على الميسورِ والعسرِ السواما
يسابقُ بالتلادِ إلى المعالي ... حمامَ النفسِ إن لها حماما
أغرُّ تكشفُ الظلماءُ عنهُ ... يفرُّ من الملامةِ أن يلاما
نما ونمت بهم أعراقُ صدقٍ ... وحيٌّ كان أولهم زماما
كأنَّ الجارَ حين يحلُّ فيهم ... على الشمِّ البواذخِ من شماما
يقيمونَ الضرابَ لمن أتاهم ... ونارُ الحربِ تضطرمُ اضطراما
هو المعطي الكرامَ وكلًّ عنسٍ ... صموتٍ في السرى تقصُّ الإكاما
стр. 100
وخنذيذٍ كمريخِ المغالي ... إذا ما خفَّ يعتزمُ اعتزاما
طويلِ الشخصِ ذي خصلٍ نجيبٍ ... أجش تقطُّ زفرته الحزاما
فلم أرَ سوقةً يربي عليهِ ... بنائلهِ ولا ملكاً هماما
وقال المتوكل أيضاً يمدح حوشباً الشيباني ويهجو عكرمة:
أجدَّ اليومَ جيرتكَ احتمالا ... وحثَّ حداتهم بهم الجمالا
فلم يأووا لمن تبلوا ولكن ... تولت عيرهم بهم عجالا
وقطعتِ النوى أقرانَ حيٍّ ... تحملَ عن مساكنه فزالا
علوا بالرقمِ والديباجِ بزلاً ... تخيلُ في أزمتها اختيالا
وفي الأظعانِ آنسةٌ لعوبٌ ... ترى قتلي بغيرِ دمٍ حلالا
حباها اللهُ وهي لذاك أهلٌ ... مع الحسبِ العفافةَ والجمالا
أميةُ يومَ دارِ القسرِ ضنت ... علينا أن تنولنا نوالا
دنت حتى إذا ما قلتُ جادت ... أجدت بعدُ بخلاً واعتلالا
لعمركَ ما أميةُ غيرُ خشفٍ ... دنا ظلُّ الكناسِ لهُ فعالا
إذا وعدتكَ معروفاً لوتهُ ... وعجلتِ التجرمَ والمطالا
تذكرني ثناياها مراراً ... أقاحي الرملِ باشرتِ الطلالا
لها بشرٌ نقيُّ اللونِ صافٍ ... ومتنٌ خطَّ فاعتدلَ اعتدالا
إذا تمشي تأودُ جانباها ... وكادَ الخصرُ ينخزلُ انخزالا
فإن تصبح أميةُ قد تولت ... وعادَ الوصلُ صرماً واعتلالا
تنوءُ بها روادفها إذا ما ... وشاحاها على المتنينِ جالا
فقد تدنو النوى بعد اغترابٍ ... بها وتفرقُ الحيَّ الحلالا
تعبسُ لي أميةُ بعدَ أنسٍ ... فما أدري أسخطاً أم دلالا
أبيني لي فربَّ أخٍ مصافٍ ... رزئتُ وما أحبُّ بهِ بدالا
أصرمٌ منكِ هذا أم دلالٌ ... فقد عنى الدلالُ إذن وطالا
أمِ استبدلتِ بي ومللتِ وصلي ... فبوحي لي بهِ وذري الختالا
فلا وأبيكِ ما أهوى خليلاً ... أقاتله على وصلي قتالا
فكم من كاشحٍ يا أمَّ بكرٍ ... من البغضاءِ يأتكلُ ائتكالا
لبستُ على قنادعَ من أذاهُ ... ولولا اللهُ كنتُ لهُ نكالا
يقولُ فتى ولو وزنوهُ يوماً ... بحبةِ خردلٍ رجحت وشالا
أنا الصقرُ الذي حدثتَ عنهُ ... عتاقُ الطيرِ تندخلُ اندخالا
قهرتُ الشعرَ قد علمت معدٌ ... فلا سقطاً أقولُ ولا انتحالا
ومن يدنو ولو شطت نواكم ... لكم في كلِّ معظمةٍ خيالا
تزورُ ودونها يهماءُ قفرٌ ... تشكى الناعجاتُ بها الكلالا
تظلُّ الخمسُ ما يطعمنَ فيهِ ... ولو موتنَ من ظمإٍ بلالا
سوى نطفٍ بعرمضهنَّ لونٌ ... كلونِ الغسلِ أخضرَ قد أحالا
بها ندرأ قوادمَ من حمامٍ ... ملقاةٍ تشبهها النصالا
إذا ما الشوقُ ذكرني الغواني ... وأسؤقها المملأةَ الخدالا
وأعناقاً عليها الدرُّ بيضاً ... وأعجازاً لها ردحاً ثقالا
ظللتُ بذكرهنَّ كأنَّ دمعي ... شعيبا شنةٍ سرباً فسالا
رأيتُ الغانياتِ صدفنَ لما ... رأينَ الشيبَ قد شملَ القذالا
سقى أرواحهنَّ على التنائي ... ملحُّ الودقِ ينجفلُ انجفالا
إذا ألقى مراسيهُ بأرضٍ ... رأيتَ لسيرِ ريقه جفالا
يزيلُ إذا أهرَّ ببطنِ وادٍ ... أصولَ الأثلِ والسمرَ الطوالا
على أنَّ الغوانيَ مولعاتٌ ... بأن يقتلنَ بالحدقِ الرجالا
إذا ما رحنا يمشينَ الهوينا ... وأزمعنَ الملاذةَ والمطالا
تركنَ قلوبَ أقوامٍ مراضاً ... كأنَّ الشوقَ أورثهم سلالا
قصدنَ العاشقينَ بنبلِ جنِّ ... قواصدَ يقتتلنهمُ اقتتالا
كواذبُ إن أخذنَ بوصلِ ودٍّ ... أثبنك بعدَ مرِّ الصرمِ خالا
فلستُ براجعٍ فيهنَّ قولاً ... إذا أزمعنَ للصرمِ انتقالا
تشعبَ ودهنَّ بناتِ قلبي ... وشوقُ القلبِ يورثه خيالا
نواعمُ ساجياتُ الطرفِ عينٌ ... كعينِ الإرخِ تتبعُ الرمالا
أوانسُ لم تلوحهنَّ شمسٌ ... ولم يشددنَ في سفرٍ رحالا
نواعمُ يتخذنَ لكلِّ ممسى ... مروطَ الخزِّ والنقبَ النعالا
يصنَّ محاسناً ويرينَ أخرى ... إذاً ذو الحلمِ أبصرهنَّ مالا
стр. 101
رأينا حوشباً يسمو ويبني ... مكارمَ للعشيرةِ لن تنالا
ربيعاً في السنينِ لمعتفيه ... إذا هبت بصرادٍ شمالا
حمولاً للعظائمِ أريحياً ... إذا الأعباءُ أثقلتِ الرجالا
وجدتُ الغرَّ من أبناءِ بكرٍ ... إلى الذهلينِ ترجعُ والفضالا
بنو شيبانَ خيرُ بيوتِ بكرٍ ... إذا عدوا وأمتنها حبالا
رجالاً أعطيت أحلامَ عادٍ ... إذ انطلقوا وأيديها الطوالا
وتيمُ اللهِ حيٌّ حيُّ صدقٍ ... ولكن الرحى تعلو الثفالا
أعكرمَ كنتَ كالمبتاعِ بيعاً ... أتى بيعَ الندامةِ فاستقالا
أقلني يا ابنَ ربعي ثنائي ... وهبها مدحةً ذهبت ضلالا
تفاوتني عمايَ بها وكانت ... كنظرةِ من تفرسَ ثمَّ مالا
حبوتك بالثناءِ فلم تثبني ... ولم أترك لممتدحٍ مقالا
فلستُ بواصلٍ أبداً خليلا ... إذا لم تغنِ خلته قبالا
وقال المتوكل أيضاً:
صرمتكَ ريطةُ بعدَ طولِ وصالِ ... ونأتكَ بعد تقتلٍ ودلالِ
علقَ الفؤادُ بذكرِ ريطةَ إنه ... شغلٌ أتيحَ لنا من الأشغالِ
أسديةٌ قذفت بها عنكَ النوى ... إن النوى ضرارةٌ لرجالِ
بل حالَ دونَ وصالها بعضُ الهوى ... وتبدلت بدلاً من الأبدالِ
إن الغواني لا يدمنَ وإنما ... موعودهنَّ وهنَّ فيءُ ظلالِ
حاشى حبيبةَ إنما هي جنةً ... لو أنها جادت لنا بنوالِ
خلطت ملاحتها بحسنِ تقتلِ ... وفخامةٍ للمجتلي وجلالِ
صفراءُ رادعةٌ تصافي ذا الحجى ... وتعافُ كلَّ ممزحٍ بطالِ
زعمَ المحدثُ أنها هي صعدةٌ ... عجزاءُ خدلةُ موضعِ الخلخالِ
خودٌ إذا اغتسلت رأيتَ وشاحها ... فوقَ الريمِ يجولُ كلَّ مجالِ
لا تبتغي مقةٌ إذا استنطقتها ... إلا بصدقِ مقالةٍ وفعالِ
ليست بآفكةٍ يظلُّ عشيرها ... منها وجارُ الحيِّ في بلبالِ
أبلغ حبيبةَ أنني مهدٍ لها ... ودي وإن صرمت جديدَ حبالي
إني امرؤٌ ليسَ الخنا من شيمتي ... وإذا نطقتُ نطقتُ غيرَ عيالِ
نزلت حبيبةُ من فؤادي شعبةً ... كانت حمى وحشاً من النزالِ
ووفت حبيبةُ بالذي استودعتها ... وركائبي مشدودةٌ برحالي
لا تطنزي بي يا حبيبُ فإنني ... عجلٌ لمن يهوى الفراقَ زوالي
كم من خليلٍ قد رفضتُ فلم يجد ... بعدي لموضع سره أمثالي
أبدى القطيعةَ ثمّ راجع حلمهُ ... بعد استماعِ مقالةِ الجهالِ
إني امرؤٌ أصلُ الخليلَ وإن نأى ... وأذبُّ عنهُ بحيلةِ المحتالِ
من يبلني بالودِّ يوماً أجزه ... بالقرضِ مثلَ مثالهِ بمثالي
فصلي حبيبتنا وإلاَّ فاصرمي ... أعرف وتقصرُ خطوتي وسؤالي
واعصي الوشاةَ فقد عصيتُ أقاربي ... ووصلتُ حبلكِ وارعوى عذالي
من تكرمي أكرم ومن يكُ كاشحاً ... يعلم وراءكِ بالمغيبِ نضالي
بل كيفَ أهجركم ولم ترَ مثلكم ... عينيَّ في حرمٍ ولا إحلالِ
أنتِ المنى وحديثُ نفسي خالياً ... أهلي فداؤكِ يا حبيبُ وماليِ
هل أنتِ إلا ظبيةٌ بخميلةٍ ... أدماءُ تثني جيدها لغزالِ
تسبي الرجالَ بذي غروبِ باردٍ ... عذبٍ إذا شرعَ الضجيعُ زلالِ
كالأقحوانِ يرفُّ عن غبِّ الندى ... في السهلِ بين دكادكٍ ورمالِ
وإذا خلوتَ بها خلوتَ بحرةٍ ... ريا العظامِ دميثةٍ مكسالِ
نعمَ الضجيعُ إذا النجومُ تغورت ... في كلِّ ليلةِ قرةٍ وشمالِ
تصبي الحليمَ بعينِ أحورَ شادنٍ ... تقرو دوافعَ روضةٍ محلالِ
وبواضحِ الذفرى أسيلٍ خدهُ ... صلتِ الجبينِ وفاحمٍ ميالِ
وبمعصمٍ عبلٍ وكفِّ طفلةٍ ... وروادفٍ تحتَ النطاقِ ثقالِ
أسديةٌ يسمو بها آباؤها ... في كلِّ يومِ تفاخرٍ ونضالِ
بينَ القصيرةِ والطويلةِ برزةٌ ... ليست بفاحشةٍ ولا متفالِ
كالشمسِ أو هي غيرُ أسوى إذ بدت ... في الصحوِ غبَّ دجنةٍ وحلالِ
إن تعرضي عنا حبيبُ وتبتغي ... بدلاً فلستُ لكم حبيبُ بقالِ
هل كانَ ودكِ غيرَ آلٍ لامعٍ ... يغشى الصوى ويزولُ كلَّ مزالِ
стр. 102
قد كانَ في حججٍ مضينَ لعاشقٍ ... طلبٌ لغانيةٍ وطولُ مطالِ
أسئمتِ وصلي أم نسيتِ مودتي ... إياكِ في حججٍ مضينَ خوالِ
إلاَّ يكن ودي يغيرهُ البلى ... والنأيُ عنكِ فإنَّ ودكِ بالي
منيتني أمنيةً فتركتها ... وركبتِ حالاً فانصرفتُ لحالي
يا صاحبيَّ قفا على الأطلالِ ... أسلِ الديارَ ولا تردُّ سؤالي
عن أهلها إني أراها بدلت ... بقرَ الصريمةِ بعدَ حيِّ حلالِ
قد كنتُ أحسبُ فيما مضى ... من يسلُ أو يصبر فلستُ بسالي
تمشي الرئالُ بها خلاءً حولها ... ولقد أراها غير ذاتِ رئالِ
فسقى مساكنَ أهلها حيثُ انتوت ... صوبُ الغمامِ بواكفٍ هطالِ
ردَّ الخليطُ جمالهم فتحملوا ... للبينِ بعدَ الفجرِ والآصالِ
وحدا ظعائنهم أجشُّ مشمرٌ ... ذو نيقةٍ في السيرِ والتنزالِ
رفعوا الخدورَ على نجايبَ جلةٍ ... من كلِّ أغلبَ بازلٍ ذيالِ
متدافعٍ بالحملِ غيرَ مواكلٍ ... شهمٍ إذا استعجلته شملالِ
يرمي بعينيهِ الغيوبَ مفتلٍ ... رحبِ الفروجِ عذافرٍ مرقالِ
طرقت حبيبةُ وهي فيهم موهناً ... إنَّ المحبَّ مخالطُ الأهوالِ
فاشتقتُ والرجلُ المحبُّ مشوقٌ ... وجرى دموعُ العينِ في السربالِ
لم تسرِ ليلتها حبيبةُ إذ سرت ... إلا لتشغفنا بطيفٍ خيالِ
أنى اهتديتِ لفتيةٍ غبَّ السرى ... قد خفَّ حلمهمُ مع الإرمالِ
متوسدي أيدي نواعجَ ضمرٍ ... متضمناتِ سآمةٍ وكلالِ
وضعوا رحالهم بخرقٍ مجهلٍ ... قمنٍ مطالعهُ من الإيغالِ
ترمي خيامهمُ شمالٌ زعزعٌ ... وتطيرُ بينَ سوافلٍ وعوالِ
من كلِّ ممهولِ اللبانِ مقلصٍ ... ذي رونقٍ يعلو القيادَ طوالِ
يرقى ويطعنُ في العنانِ إذا انتهى ... منهُ الحميمُ وهمَّ بالإسهالِ
لأياً بلأيٍ ما ينالُ غلامنا ... منهُ مكانَ معذرٍ وقذالِ
في ضمرٍ لم يبقِ طولُ قيادنا ... منهنَّ غيرَ جناجنٍ ومحالِ
يردينَ في غلسِ الظلامِ عوابساً ... صعرَ الخدودِ تكدسَ الأوعالِ
ويرينَ من خللِ الغبارِ إذا دعا ... داعي الصباحِ كأنهنَّ مغاليِ
والمشرفيةُ كلُّ أبيضَ باترٍ ... منها وآخرُ مخلصٍ بصقالِ
إذ لا ترى إلاَّ كمياً مسنداً ... تحتَ العجاجِ ملحبِ الأوصالِ
والخيلُ عقرى بين ذاكَ كأنما ... بنحورها نضحٌ من الجريالِ
للطيرِ منها والسباعِ ذخيرةٌ ... في كلِّ معتركٍ لها ومجالِ
تدني رجالاً من مواطنَ عندها ... أجرٌ ومنقطعٌ من الآجالِ
وقال المتوكل أيضاً:
خليليَّ عوجا اليومَ وانتظراني ... فإنَّ الهوى والهمَّ أمُّ أبانِ
هيَ الشمسُ تدنو لي قريباً بعيدها ... أرى الشمسَ ما أسطيعها وتراني
نأت بعدَ قربٍ دارها وتبدلت ... بنا بدلاً والدهرُ ذو حدثانِ
فهاجَ الهوى والشوقُ لي ذكرَ حرةٍ ... من المرجحناتِ الثقالِ حصانِ
شموسُ وشاحاها إذا ابتزَّ ثوبها ... على متنِ خمصانيةِ سلسانِ
رقودُ الضحى ريا العظامِ كأنها ... مهاةُ كناسٍ من نعاجِ قطانِ
شديدةُ إشراقِ التراقي أسيلةٌ ... عليها رقيباً مربإٍ حذرانِ
ومن دونها صعبُ المراقي مشيدٌ ... نيافٌ وصرارانِ مؤتلفانِ
خليليَّ ما لامَ امرأً مثلُ نفسهِ ... إذا هيَ لامت فاربعا وذراني
سبتني بجيدٍ لم يعطل ولبةٍ ... عليها ردافا لؤلؤُ وجمانِ
وأسحمَ مجاجِ الدهانِ كأنهُ ... بأيدي النساءِ الماشطاتِ مثاني
جرى ليَ طيرٌ أنني لم أنالها ... وإنَّ الهوى والنجرَ مختلفانِ
فعزيتُ قلباً كان صباً إلى الصبا ... وعديتُ والعينانِ تبتدرانِ
بأربعةٍ في فضلِ بردي ومحملي ... كما انهلَّ غربا شنةٍ خضلانِ
خليليَّ غضا اللومَ عني إنني ... على العهدِ لا مخنٍ ولا متوانِ
ستعلمُ قومي أنني كنتُ سورةً ... من العزِّ إن داعي المنون دعاني
ألا ربَّ مسرورٍ بموتي لو أتى ... وأخرَ لو أنعى لهُ لبكاني
ندمتُ على شتمِ العشيرةِ بعدما ... تغنى عراقيٌّ بهم ويماني
стр. 103
قلبتُ لهم ظهرَ المجنِّ وليتني ... عفوتُ بفضلٍ من يدي ولساني
بني عمنا إنا كما قد علمتمُ ... أولو خشنةٍ مخشيةٍ وزبانِ
على أنني لم أرمِ في الشعرِ مسلماً ... ولم أهجُ إلاَّ من رمى وهجاني
همُ بطروا الحلمَ الذي من سجيتي ... فبدلتُ قومي شدةً بليانِ
فلو شئتمُ أولادَ وهبٍ نزعتمُ ... ونحنُ جميعاً شملنا أخوانِ
نهيتُ أخاكم عن هجائي وقد مضى ... لهُ بعدَ حولٍ كاملٍ سنتانِ
فمنَّ ومناهم رجالٌ رأيتهم ... إذا ضارسوني يكرهونَ قراني
وكنتُ امرأً يأبى لي الضيمَ أنني ... صرومٌ إذا الأمر المهمُّ عناني
وصولٌ صرومٌ لا أقولُ لمدبرٍ ... هلمَّ إذا ما اغتشني وعصاني
خليليَّ لو كنتُ امرأً فيَّ سقطةٌ ... تضعضعتُ أو زلت بي القدمانِ
أعيشُ على بغيِ العداةِ ورغمهم ... وآتي الذي أهوى على الشنآنِ
ولكنني ثبتُ المريرةِ حازمٌ ... إذا صاح حلابي ملأتُ عناني
خليليَّ كم من كاشحٍ قد رميتهُ ... بقافيةٍ مشهورةٍ ورماني
فكانَ كذاتِ الحيضِ لم تبقِ ماءها ... ولم تنقِ عنها غسلها لأوانِ
تشمتُ للأعداءِ حين بدا لهم ... من الشرِّ داني الوبلِ ذو نفيانِ
فهابوا وقاعي كالذي هابَ خادراً ... شتيمَ المحيا خطوهُ متداني
تشبهُ عينيهِ إذا ما فجئتهُ ... سراجينَ في ديجورةٍ تقدانِ
كأنَّ ذراعيهِ وبلدةَ نحرهِ ... خضبنَ بحناءٍ فهنَّ قواني
عفرناً يضمُّ القرنَ منهُ بساعدٍ ... إلى كاهلٍ عاري القرا ولبانِ
أزبُّ هربتُ الشدقِ وردٌ كأنما ... يعلى أعالي لونه بدهانِ
مضاعفُ لونُ الساعدين مضبرٌ ... هموسُ دجى الظلماءِ غيرُ جبانِ
أبا خالدٍ حنت إليك مطيتي ... على بعدِ منتابٍ وهولِ جنانِ
كأنَّ ذراعيها إذا ما تذيلت ... يدا ماهرٍ في الماءِ يغتليانِ
إذا رعتها في سيرةٍ أو بعثتها ... عدت بي ونسعا ضفرها قلقانِ
جماليةٌ مثلُ الفنيقِ كأنما ... يصيحُ بفلقي رأسها صديانِ
أبا خالدٍ في الأرضِ نأيٌ ومفسحٌ ... لذي مرةٍ يرمى بهِ الرجوانِ
فكيفَ ينامُ الليلَ حرٌّ عطاؤهُ ... ثلاثٌ لرأسِ الحولِ أو مئتانِ
تناهت قلوصي بعد إسآدي السرى ... إلى ملكٍ جزلِ العطاءِ هجانِ
ترى الناسَ أفواجاً ينوبونَ بابهُ ... لبكرٍ من الحاجاتٍ أو لعوانِ
وقال المتوكل أيضاً:
نامَ الخليُّ فنومُ العينِ تسهيدُ ... والقلبُ مختبلٌ بالخودِ معمودُ
إن ساعفت دارها ضنت بنائلها ... وسقيها الصاديَ الحرانَ تصريدُ
شطت نواها وحانت غربةٌ قذفٌ ... وذكرُ ما قد مضى بالمرءِ تفنيدُ
إذ تستبيكَ بميالٍ لهُ حبكٌ ... وواضحٍ زانهُ اللباتُ والجيدُ
وذي طرائقَ لم تحمل بهِ ولداً ... فالكشحُ مضطمرٌ ريانُ ممسودُ
كأنَّ أردافها دعصٌ برابيةٍ ... مستهدفٌ نخلتهُ الريحُ منضودُ
خودٌ خدلجةٌ نضحُ العبيرِ بها ... يشفي مضاجعها لبسٌ وتجريدُ
لما رأت أنني لا بدَّ منطلقٌ ... وللفتى أجلٌ قد خطَّ معدودُ
قامت تكرهني غزوي وتخبرني ... أن سوفَ يخلدني روعٌ وتبليدُ
هل المنيةُ إلاَّ طالبٌ ظفرٌ ... وحوضها منهلٌ لا بدَّ مورودُ
والناسُ شتى فمهديٌ نقيبتهُ ... وجائرٌ عن سبيلِ الحقِّ محدودُ
وذو نوالٍ إذا ما جئتَ تسألهُ ... شيئاً ومستكثرٌ بالخيرِ موجودُ
والخيرُ والشرُّ إما كنتِ سائلتي ... شتى معاً وكذاكَ البخلُ والجودُ
إني امرؤٌ أعرفُ المعروفَ ذو حسبٍ ... سمحٌ إذا حاردَ الكومُ المرافيدُ
أجري على سنةٍ من والدي سبقت ... وفي أرومته ما ينبتُ العودُ
مطلبٌ بتراتٍ غيرِ مدركةٍ ... محسدٌ والفتى ذو اللبِّ محسودُ
عندي لصالحِ قومي ما بقيتُ لهم ... حمدٌ وذمٌّ لأهلِ الذمِّ معدودُ
أعيت صفاتي على من يبتغي عنتي ... فما يوهنُ متنيها الجلاميدُ
كم قد هجانيَ من مستقتلٍ حمقٍ ... فيهِ إذا هزَّ عندَ الحقِّ تغريدُ
جانٍ على قومهِ بادٍ مقاتلهُ ... كالعيرِ أحزنهُ دجنٌ وتقييدُ
стр. 104
كأنهُ كودنٌ تدمى دوابرهُ ... فيهِ من السوطِ والساقينِ تربيدُ
كزُّ الندى مجدهُ دينٌ يؤخرهُ ... ولؤمه حاضرٌ لا بدَّ منقودُ
من معشرٍ كحلت باللؤمِ أعينهم ... زرقٌ بهم ميسمٌ منهُ وتقليدُ
ما زلتُ أقدمهم حتى علوتهمُ ... وهزني رافدٌ منهم ومرفودُ
وقد نهيتهمُ عني علانيةً ... لو كانَ ينفعهم نهيٌ وتوصيدُ
أمَّ الصبيينَ دومي إنني رجلٌ ... حبلي لأهلِ الندى والوصلِ ممدودُ
لا تسألي القومَ عن مالي وكثرتهِ ... قد يقترُ المرءُ يوماً وهو محمودُ
وسائلي عند جدِّ الأمرِ ما حسبي ... إذا الكماةُ التقى فرسانها الصيدُ
وقد أروعُ سوامَ الحيِّ تحملني ... شقاءٌ مثلُ عقابِ الدجنِ قيدودُ
حقباءُ سهلبةُ الساقينِ منهبةٌ ... في لحمها من وجيفِ القومِ تخديدُ
تؤخرُ السرجَ تأخيراً إذا جمزت ... عن متنها وحزامُ السرجِ مشدودُ
ترى بسنبكها وقعاً تبينه ... كأنهُ في جديدِ الأرضِ أخدودُ
في رأسها حين يندى عطفها صددٌ ... وفي مناكبها للشدِّ تحديدُ
كأنها هقلةٌ ربداءُ عارضها ... هيقٌ تأوبَ جنحَ الليلِ مطرودُ
كأنَّ هاديها إذ قامَ ملجمها ... جذعٌ تحسرَ عنهُ الليفُ مجرودُ
هشُّ المشاشِ هواءُ الصدرِ منتخبٌ ... مقلصٌ عن قميصِ الساقِ موطودُ
وفيلقٍ كشعاعِ الشمسِ مشعلةٍ ... تعشي البصيرَ إذا مالت بهِ البيدُ
قومي إذا ما لقوا أعداءهم صبروا ... واستوردوهم كما يستوردُ العودُ
ترى نوادرِ أطرافٍ بمزحفهم ... والهامُ بينهمُ مذرى ومقدودُ
والمشرفيةُ قد فلت مضاربها ... والسمهريةُ مرفضٌّ ومقصودُ
وفتيةٌ كسيوفِ الهندِ قلتُ لهم ... سيروا وأعناقهم غبَّ السرى غيدُ
أرمي بهم وبنفسي مهمهاً زلقاً ... وعرضَ مطردٍ أكنافه سودُ
تخدي بهم في الوغى قبٌ مساحلها ... جردٌ ضوامرُ أمثالُ القنا قودُ
فيهم فوارسُ لا ميلٌ ولا كشفٌ ... عليهم زغفٌ بالشكِّ مسرودُ
وقال المتوكل أيضاً:
يا ريطُ هل لي عندكم نائلُ ... أم لا فإني من غدٍ راحلُ
لا يكُ ما منيتنا باطلاً ... وشرُّ ما عيشَ بهِ الباطلُ
أفي لودي فاصرمي أو صلي ... أو لتلادي لكمُ باذلُ
يا ريطُ يا أختَ بني مالك ... أنتِ لقلبي شغلٌ شاغلُ
إنَّ ملاكَ الوصلِ أن تفعلي ... ما قلتِ إنَّ الموفيَ الفاعلُ
دومي على الودِّ الذي بيننا ... لا يقلِ الهجرَ لنا قائلُ
بوحيِ لا أو بنعم إنما ... مطلكِ هذا خبلٌ خابلُ
أو أيئسينا إنَّ من دونكم ... وحشاً يرى غرتها الخاتلُ
فإن في لا أو نعم راحةً ... إني لما استودعتني حاملُ
لم يبقَ من ريطةَ إلاَّ المنى ... عاجلها مستأخراً آجلُ
ليتَ الذي أضمرتُ من حبها ... ينحلُّ أو ينقلهُ ناقلُ
كلفها قلبي وعلقتها ... ولا يرى من ودها طائلُ
يا أسمَ كوني حكماً بيننا ... عدلاً فإنَّ الحكمَ العادلُ
من هوَ لا مفشي الذي بيننا ... يوماً من الدهرِ ولا باخلُ
فلم تثب أختُ بني مالكٍ ... ولم تجد لي بالذي آملُ
لا هيَ تجزيني بودي لها ... ولا امرؤٌ عن ذكرها ذاهلُ
لسانها حلوٌ ومعروفها ... حيثُ يحلُّ الأعصمُ العاقلُ
يا ريطَ هل عندكم دائمٌ ... إني لمن واصلني واصلُ
كم لامني يا ريطَ من صاحبٍ ... فيكِ وبعضُ القومِ لي قائلُ
وعاذلٍ قلتُ لهُ ناصحٍ ... نفسكَ أرشد أيها العاذلُ
فقالَ لي: كيفَ تصابي إمرئٍ ... والشيبُ في مفرقهِ شاملُ
ريطةُ لو كنتَ بها خابراً ... آنسةٌ مجلسها آهلُ
مثلُ نوارِ الوحشِ لم يرمها ... رامٍ من الناسِ ولا حابلُ
مثلُ مهاةِ الرملِ في ربربٍ ... يتبعها ذو جدةٍ خاذلُ
أصيلةٌ يألفها ذو الحجى ... ويتقيها البرمُ الجاهلُ
في كلِّ ممسى منهمُ زائرٌ ... لا شنأُ الوجهِ ولا عاطلُ
يعتسفُ الأصرمُ من دونها ... أغبرَ مرهوبَ الردى ماحلُ
هل أنتَ إن ريطةُ شطتُ بها ... عنكَ النوى من سقمٍ وائلُ
стр. 105
أقفرَ من ريطةَ جنبا منى ... فالجزعُ من مكةَ فالساحلُ
ألاَّ رسوماً قد عفا آيها ... معروفها ملتبدٌ ناحلُ
كأنَّ دارَ الحيِّ لما خلت ... غربلَ أعلى تربها ناخلُ
من نسجِ ريحٍ درجت فوقها ... جالَ عليها تربها الجائلُ
بينَ جنوبٍ وصباً تغتدي ... طاوعها ذو لجبٍ هاطلُ
كأنما الوحشُ بها خلفةً ... بعدَ الأنيسِ النعمُ الهاملُ
وقد أراها وبها سامرٌ ... منهم وجردُ الخيلِ والجاملُ
تغيرت ريطةُ عن عهدنا ... وغالَ ودي بعدها غائلُ
وكلُّ دنيا ونعيمٍ لها ... منكشفٌ عن أهلهِ زائلُ
لا والذي يهوى إلى بيته ... من كلِّ فجِّ محرمٌ ناحلُ
ما لي من علمٍ بها باطنٍ ... وقد براني حبها الداخلُ
هل يبلغني دارها إن نأت ... أغلبُ خطارُ السرى ذائلُ
ناجٍ ترى المرفقَ عن زوره ... كأنما يفتلهُ فاتلُ
يا ريطَ يا ريطَ ألم تخبري ... عنا وقد يحمدنا السائلُ
والجارُ والمختبطُ المعتفي ... معروفنا والآخرُ النازلُ
إن تسألي عنا يقل سادةٌ ... فيهم حلومٌ وندىً فاضلُ
نهينُ للضيفانِ شحمَ الذرى ... فمنهمُ الواردُ والناهلُ
نحنُ بنو الشداخِ لم يعلهم ... حافٍ من الناسِ ولا ناعلُ
تناذرَ الأعداءُ إيقاعنا ... فارسهم والآخرُ الراجلُ
خيولنا بالسهلِ مشطونةً ... مثلُ السعالى والقنا الذابلُ
نعدها إن كادنا معشرٌ ... أو نزلت حربٌ بنا حائلُ
في كلِّ ملتفٍّ لفرسانها ... منهم عقيرٌ وفتىً مائلُ
يعدونَ بالأبطالِ نحوَ الوغى ... وهمهنَّ الشرفُ القابلُ
عوجٌ عناجيجُ تباري الوغى ... مثلُ المغالي لحمها ذابلُ
يخرجنَ من أكدرَ معصوصبٍ ... وردَ القطا يحفزها الوابلُ
بكلِّ كهلٍ وفتى نجدةٍ ... يصدُّ عنهُ البطلُ الباسلُ
يروي بكفيهِ غداةَ الوغى ... صدرَ سنانِ الرمحِ والعاملُ
أروعُ واري الزندِ ذو مرةٍ ... تشقى بهِ المتليةُ البازلُ
تم المختار من شعر المتوكل الليثي واخترن أكثر شعره.
عروة بن الورد
قال عروة بن الورد بن زيد بن ناشب بن هدم بن لدم بن عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس، وكان يقال له عروة الصعاليك في امرأته أم وهب وكان أزارها أهلها في بني كنانة، فسقوه الخمر حتى سكر، ثم طلبوا إليه أن يخلي سبيلها فخلى سبيلها. وكانت له كارهة لأنه كان يغيب عنها الدهر في غاراته ومغازيه، فلما صحا وعرف ما صنع به ندم، وقال:
أرقتُ وصحبتي بمضيقِ عمقٍ ... لبرقٍ من تهامةَ مستطيرِ
تكشفَ عائذٍ بلقاءَ تنفي ... ذكورَ الخيلِ عن ولدٍ صغيرِ
إذا قلتُ استهلَّ على قديدٍ ... يحورُ ربابه حورَ الكسيرِ
سقى سلمى وأينَ محلُّ سلمى ... إذا حلت مجاورةَ السريرِ
إذا حلت بأرضِ بني عليٍّ ... وأهلي بينَ إمرةٍ وكيرِ
ذكرتُ منازلاً من أمِّ وهبٍ ... محلَّ الحيِّ أسفلَ ذي النقيرِ
وأحدثُ معهدٍ من أمِّ عمرو ... معرسنا فويقَ بني النضيرِ
فقالت ما تريدُ فقلتُ ألهو ... إلى الإصباحِ آثرَ ذي آثيرِ
بآنسةِ الحديثِ رضابُ فيها ... بعيدَ النومِ كالعنبِ العصيرِ
أطعتُ الآمرينَ بصرمِ سلمى ... فطاروا في بلادِ اليستعورِ
سقوني الخمرَ ثمَّ تكنفوني ... عداةُ اللهِ من كذبٍ وزورِ
وقالوا لستَ بعدَ فداءِ سلمى ... بمغنٍ ما لديكَ ولا فقيرِ
فلا وأبيكَ لا كاليومِ أمري ... ومن لكَ بالتدبرِ في الأمورِ
إذن لملكتُ عصمةَ أمِّ وهبٍ ... على ما كانَ من حسكِ الصدورِ
فيا للناسِ كيفَ ألومُ نفسي ... على شيءٍ ويكرههُ ضميري
ألا يا ليتني عاصيتُ طلقاً ... وجباراً ومن لي من أميرِ
وقال عروة بن الورد وكانت امرأته نهته عن الغزو:
أقلي عليَّ اللومَ يا ابنةَ منذرِ ... ونامي فإن لم تشتهي ذاكَ فاسهري
ذريني ونفسي أمَّ حسانَ إنني ... بها قبلَ أن لا أملكَ البيعَ مشتري
أحاديثَ تبقى والفتى غيرُ خالدٍ ... إذا هو أمسى هامةً فوقَ صيرِ
стр. 106
تجاوبُ أحجارَ الكناسِ وتشتكي ... إلى كلِّ معروفٍ رأتهُ ومنكرِ
ذريني أطوف في البلادِ لعلني ... أخليكِ أو أغنيكِ عن سوءِ محضرِ
فإن فازَ سهمٌ للمنيةِ لم أكن ... جزوعاً وهل عن ذاك من متأخرِ
وإن فازَ سهمي كفكم عن مقاعدٍ ... لكم عند أدبارِ البيوتِ ومنظرِ
تقولُ لكَ الويلاتُ هل أنتَ تاركٌ ... ضبواً برجلٍ تارةً وبمنسرِ
ومستثبتٌ في مالكِ العامِ إنني ... أراكَ على الأقتادِ صرماءَ مذكرِ
فجوعٌ بها للصالحينَ مزلةٍ ... مخوفٍ رداها أن تصبكَ فأحذرِ
أبى الخفضَ من يغشاكِ من ذي قرابةٍ ... ومن كلِّ سوآرِ المعاصمِ تعتري
ومستهنئِ زيدٌ أبوهُ فلا أرى ... لهُ مدفعاً فاقني حياءكِ واصبري
لحا اللهُ صعلوكاً إذا جنَّ ليلهُ ... مضى في المشاشِ آلفاً كلَّ مجزرِ
يعدُّ الغنى من نفسهِ كلِّ ليلةٍ ... أصابَ قراها من صديقٍ ميسرِ
ينامُ عشاءً ثمَّ يصبحُ ناعساً ... يحتُّ الحصى عن جنبهٍ المتعفرِ
قليلُ التماسِ المالِ إلاَّ لنفسهِ ... إذا هو أضحى كالعريشِ المحورِ
يعينُ نساءَ الحيِّ ما يستعنهُ ... فيمسي طليحاً كالبعيرِ المحسرِ
ولكنَّ صعلوكاً صفيحةُ وجههِ ... كضوءِ شهابِ القابسِ المتنورِ
مطلاً على أعدائهِ يزجرونهُ ... بساحتهم زجرَ المنيحِ المشهرِ
وإن بعدوا لا يأمنونَ اقترابهُ ... تشوفَ أهلِ الغائبِ المتنظرِ
فذلكَ إن يلقَ المنيةَ يلقها ... حميداً وإن يستغنِ يوماً فأجدرِ
أيهلكُ معتمٌّ وزيدٌ ولم أقم ... على ندبٍ يوماً ولي نفسُ مخطرِ
ويوماً على نجدٍ وغاراتِ أهلها ... ويوماً بأرضٍ ذاتِ شتٍّ وعرعرِ
يناقلنَ بالشمطِ الكرامِ أولي النهى ... نقابَ الحجازِ في السريحِ المسيرِ
يريحُ عليَّ الليلُ أضيافَ ماجدٍ ... كريمٍ ومالي سارحاً مالُ مقترِ
سلي الساغبَ المعترَّ يا أمَّ مالكٍ ... إذا ما اعتراني بين ناري ومجزري
أأبسطُ وجهي إنهُ أولُ القرى ... وأبذلُ معروفي لهُ دونَ منكري
سيفزعُ بعدَ اليأسِ من لا يخافنا ... كواسعُ في أخرى السوام المنفرِ
يطاعنُ عنها أولُ الخيل بالقنا ... وبيضٍ خفافٍ ذاتِ لونٍ مشهرِ
وقال عروة بن الورد:
أفي نابٍ منحناها فقيراً ... لهُ بطنابنا طنبٌ مصيتُ
وفضلةُ سمنةٍ ذهبت إليهِ ... وأكثرُ حقهِ ما لا نقوتُ
تبيتُ على المرافقِ أمُّ وهبٍ ... وقد نامَ العيونُ لها كتيتُ
وإنَّ حميتنا أبداً حرامٌ ... وليسَ لجارِ منزلنا حميتُ
وربتَ شعبةٍ آثرتُ فيها ... يداً جاءت تعيرُ لها هتيتُ
وربتَ جوعةٍ لم يدرَ فيها ... أخو شبعٍ على ماذا أبيتُ
يؤامرني أميري ذاتَ نفسي ... وقد ألقت مراسيها البيوتُ
يقولُ الحقُّ مطلبهُ جميلٌ ... وقد طلبوا إليكَ فلم يقيتوا
فقلتُ لهُ ألا احيَ وأنت حرٌّ ... ستشبعُ في حياتكَ أو تموتُ
إذا ما فاتني لم أستقلهُ ... حياتي والملائمُ لا يفوتُ
وقد علمت سليمى أن رأيي ... ورأيَ المحلِ مختلفٌ شتيتُ
وأني لا يريني البخلُ رأيي ... سواءٌ إن عطشتُ وإن رويتُ
وأني حينَ تشتجرُ العوالي ... عوالي اللبِّ ذو رأيٍ زميتُ
قؤولٌ ذاتَ علمي حيثُ علمي ... وأما العلمُ أخطاني صموتُ
وأكفي ما علمتُ بفضلِ علمي ... وأسألُ ذا البيانِ بما عييتُ
وقال عروة بن الورد:
أليسَ ورائي أن أدبَّ على العصا ... فيشمتَ أعدائي ويسأمني أهلي
رهينةَ قعرِ البيتِ كلَّ عشيةٍ ... يطيفُ بي الولدانُ أهدجُ كالرألِ
أقيموا بني لبنى صدورَ مطيكم ... فإنَّ منايا الناسِ شرٌّ من الهزلِ
فإنكمُ لن تبلغوا كلَّ همتي ... ولا إربتي حتى تروا منبتَ الأثلِ
ولو كنتُ مثلوجَ الفؤادِ إذا بدت ... بلادُ الأعادي لا أمرُّ ولا أحلي
رجعتُ على حرسينِ إذ قالَ مالكٌ ... هلكتَ وهل يلحي على بغيةٍ مثلي
لعلَّ ارتيادي في البلادِ وحيلتي ... وشدي حيازيمَ المطيةِ بالرحلِ
стр. 107
سيدفعني يوماً إلى ربِّ هجمةٍ ... يدافعُ عنها بالعقوقِ وبالبخلِ
قليلٌ تواليها وطالبُ وترها ... إذا صيحَ فيها بالفوارسِ والرجلِ
إذا ما هبطنا منهلاً في مخوفةٍ ... بعثنا ربيئاً في المرابيءِ كالجذلِ
يقلبُ في الأرضِ الفضاء بطرفهِ ... وهنَّ مناخاتٌ ومرجلنا يغلي
وقال عروة بن الورد:
ألم تعرف منازلَ أمِّ عمرو ... بمنعرجِ النواصفِ من أبانِ
وقفتُ بها ففاضَ الدمعُ مني ... كمنحدرٍ من النظمِ الجمانِ
ولكن لا يلبثُ وصلَ حيٍّ ... وجدةَ وجههِ مرُّ الزمانِ
ومولى قد أثارَ عليَّ حرباً ... وكانت قبلُ واضعةَ الجرانِ
فواكلني وإياها وأغضى ... وجرت حربَ معضلةٍ عوانِ
فكنتُ لزازها حتى تجلت ... ولم أبعث لها أحداً مكاني
ومكروبٍ كشفتُ الكربَ عنهُ ... بضيقةِ مأزقٍ لما دعاني
فقلتُ لهُ أتاكَ أتاكَ فانهض ... وليثٌ حينَ أنهضُ غيرَ وانِ
فلما إن تبرزَ كانَ ذئباً ... نعدُّ وكانَ ذلكَ ما جراني
فما أنا عندَ هيجا كلَّ يومٍ ... بمثلوجِ الفؤادِ ولا جبانِ
يصافيني الكريمُ إذا التقينا ... ويبغضني اللئيمُ إذا رآني
عبيد بن أيوب
وقال عبيد بن أيوب العنبري وهو من اللصوص:
لقد خفتُ حتى لو تمرُّ حمامةٌ ... لقلتُ عدوُّ أو طليعةُ معشرِ
وخفتُ خليلي ذا الصفاءِ ورابني ... وقيلَ فلانٌ أو فلانةُ فاحذرِ
فأصبحتُ كالوحشيِّ يتبعُ ما خلا ... ويتركُ مأنوسَ البلادِ المدعثرِ
إذا قيلَ خيرٌ قلتُ هذي خديعةٌ ... وإن قيلَ شرٌّ قلتُ حقُّ فشمرِ
كتبت هذه القطعة لحسنها ولم تدخل في الأخبار.
وقال أيضاً:
أراني وذئبَ القفرِ خدنينِ بعدما ... تدانا كلانا يشمئزُّ ويذعرُ
إذا ما عوى جاوبتُ سجعَ عوائهِ ... بترنيمٍ محزونٍ يموتُ وينشرُ
تذللتهُ حتى دنا وألفتهُ ... وأمكنني لو أنني كنتُ أغدرُ
ولكنني لم يأتمني صاحبٌ ... فيرتابَ بي ما دامَ لا يتغيرُ
وللهِ درُّ الغولِ أيُّ رفيقةٍ ... لصاحبِ قفرٍ خائفٍ يتقترُ
تغنت بلحنٍ بعدَ لحنٍ وأوقدت ... حواليَّ نيراناً تبوخُ وتزهرُ
أنستُ لها لما بدت وألفتها ... وحتى دنت واللهُ بالغيبِ أبصرُ
فلما رأت ألاَّ أهالَ وأنني ... وقورٌ إذا طار الجنانُ المطيرُ
دنت بعدَ ذاكَ الروعُ حتى ألفتها ... وصافيتها واللهُ بالغيبِ أخبرُ
ألم ترني حالفتُ صفراءَ نبعةً ... ترنُّ إذا ما رعتها وتزمجرُ
تزمجرُ غيري أحرقوها بضرةٍ ... فباتت لها تحتَ الخباءِ تذمرُ
لها فتيةٌ ماضونَ حيثُ رمت بهم ... شرابهمُ غالٍ من الجوفِ أحمرُ
إذا افتقرت راشتهمُ بغناهمُ ... عطاءً لهم حتى صفا ما يكدرُ
ألمَّ خيالٌ من أميمةَ طارقٌ ... وقد تليت من آخرِ الليلِ غبرُ
فيا فرحاً للمدلجِ الزائرِ الذي ... أتاني في ربطاته يتبخترُ
فثرتُ وقلبي مقصدٌ للذي بهِ ... وعينيَّ أحياناً تجمُّ فتغمرُ
إلى ناعجٍ أما أعالي عظامهِ ... فشمٌّ وسفلاها على الأرضِ تمهرُ
فقلتُ لهُ قولاً وحادثتُ شدهُ ... بأعوادٍ ميسٍ نقشهنَّ محبرُ
أيا جملي إن أنتَ زرتَ بلادها ... برحلي وأجلادي فأنتَ محررُ
وهل جملٌ مجتابُ ما حالَ دونها ... من الأرضِ أو ريحٌ تروحُ وتبكرُ
وكيفَ ترجيها وقد حالَ دونها ... من الأرضِ مخشيُّ التنائفِ مذعرُ
وأنتَ طريدٌ مستسرٌّ بقفرةٍ ... مراراً وأحياناً تصبُّ فتظهرُ
فيا ليتَ شعري هل يعودنَّ مربعٌ ... وقيظٌ بأكنافِ الظليفِ ومحضرُ
أقاتلتي بطالةٌ عامريةٌ ... بأردانها مسكٌ ذكيٌّ وعنبرُ
وقال عبيد بن أيوب أيضاً:
كأن لم أقد سبحانكَ اللهُ فتيةً ... لندفعَ ضيماً أو لوصلٍ نواصلهْ
على علسياتٍ كأنَّ هويها ... هويَّ القطا الكدري نشت ثمائلهْ
وفارقتهم والدهرُ موقفُ فرقةٍ ... عواقبهُ دار البلى وأوائلهْ
وأصبحتُ مثلَ السهمِ في قعرِ جعبةٍ ... نضيا فضاً قد طالَ فيها قلاقلهْ
стр. 108
وأصبحتُ ترميني العدى عن جماعةٍ ... على ذاكَ رامٍ من بدت لي مقاتلهْ
فمنهم عدوٌّ لي مخالٍ مكاشحٍ ... وآخرُ لي تحتَ العضاهِ حبائلهْ
وعاديةٌ تعدو عليَّ كثيبةٌ ... لها سلفٌ لا ينذرُ القتلَ قاتلهْ
فناشدتهم باللهِ حتى أظلني ... من الموتِ ظلٌّ قد علتني عواملهْ
فلما التقينا لم يزل من عديدهم ... صريعٌ هواءٌ للترابِ جحافلهْ
ولو كنتُ لا أخشى سوى فردِ معشرٍ ... لقرَّ فؤادي واطمأنت بلابلهْ
وسرتُ بأوطاني وصرتُ كأنني ... كصاحبِ ثقلٍ حطَّ عنهُ مثاقلهْ
ألم ترني حالفتُ صفراءَ نبعةً ... لها ربذيٌّ لم تثلم معابلهْ
وطالَ احتضاني السيفَ حتى كأنهُ ... يناطُ بجلدي جفنه وحمائلهْ
وجربتُ قلبي فهو ماضٍ مشيعٌ ... قليلٌ لخلانِ الصفاءِ غوائلهْ
وساخرةٍ مني ولكن تبينت ... شمائل بسامٍ عجالٍ رواحلهْ
قليلُ رقادِ العينِ تراكُ بلدةٍ ... إلى جوزِ أخرى لا تبنُّ منازلهْ
على مثلِ جفنِ السيفِ يرفعُ آلهُ ... مصاصاتُ عتقٍ وهو طاوٍ ثمائلهْ
ووادٍ مخوفٍ لا تسارُ فجاجهُ ... بركبٍ ولا تمشي لديهِ أراجلهْ
به الأسدُ والأسباد من علقت بهِ ... فقد ثكلتهُ عندَ ذاكَ ثواكلهْ
تباشرنَ بي لما برزتُ لعادةٍ ... تعودتها والعادُ جمُّ خوابلهْ
فقلتُ تنكبنَ الطريقَ لمختطٍ ... أخي شقةٍ غولٍ على من ينازلهْ
فكلمتُ من لم يدرِ ما عربيةٌ ... ومن عاشَ في لحمِ الأنيسِ أشابلهْ
فلما التقينا خامَ منهنَّ خائمٌ ... وآخرُ ذو طيرٍ تحومُ حواجلهْ
فما رمتُ جوفِ الغيلِ حتى ألفتهُ ... وأعجبني أسرابهُ ومداخلهْ
فإني وبغضي الإنسَ من بعدِ حبها ... ونأييَ ممن كنتُ ما إن أزايلهْ
لكالصقرِ جلى بعدما صادَ فتيةً ... قديراً ومشوياً ترفُّ خرادلهْ
أهابوا به فازداد بعداً وهاجهُ ... على النأيِ يوماً طلُّ دجنٍ ووابلهْ
أزاهدةٌ فيَّ الأخلاءُ أن رأت ... فتى مطرداً قد أسلمتهُ تبائلهْ
وقد تزهدُ الفتيانُ في السيفِ لم يكن ... كهاماً ولم تعمل بغشٍ صياقلهْ
فلا تعترض في الأمرِ تكفى شؤونهُ ... ولا تنصحن إلاَّ لمن هو قابلهْ
ولا تخذلِ المولى إذا ما ملمةٌ ... ألمت ونازل في الوغى من ينازلهْ
ولا تحرم المرءَ الكريمَ فإنهُ ... أخوكَ ولا تدري لعلكَ سائلهْ
وقال عبيد بن أيوب أيضاً:
ليت الذي سخرت مني ومن جملي ... ذاقت كما ذقتُ من خوفٍ وأسفارِ
ومن طلابٍ وطلابٍ ذوي حنقٍ ... يرمونَ نحويَ من غيظٍ بأبصارِ
إما تريني وسربالي يطيرُ كما ... طارت عقيقةُ قرمٍ غيرِ خوارِ
إن يقتلوني فآجالُ الكماةِ كما ... خبرتِ قتلٌ وما بالقتلِ من عارِ
وإن نجوتُ لوقتٍ غيرهِ فعسى ... وكلُّ نفسٍ إلى وقتٍ ومقدارِ
يا ربِّ قد حلفَ الأعداءُ واجتهدوا ... أيمانهم أنني من ساكنِ النارِ
أيحلفونَ على عمياءَ ويحهمُ ... ما علمهم بعظيمِ العفوِ غفارِ
إني لأرجو من الرحمنِ مغفرةً ... ومنةً من قوامِ الدينِ جبارِ
وما أخافُ هلاكاً بين عفوهما ... وما يفوتهما المستوهلُ الساري
إليهما منهما أنجو على وجلٍ ... كما نجا خائفٌ خاشٍ لآثاري
أنا الغلامُ عتيقُ اللهِ مبتهلٌ ... بتوبةٍ بعدَ إحلاءٍ وإمرارِ
خليتُ بابات جهلٍ كنتُ أتبعها ... كما يودعُ سفرُ عرصةَ الدارِ
إني لأعلمُ أني سوفَ يتركني ... صحبي رهينةُ تربٍ بينَ أحجارِ
فرداً برابيةٍ أو وسطَ مقبرةٍ ... تسفي عليَّ رياحُ البارحِ الذاري
الخطيم المحرزي
وقال الخطيم المحرزي من بني عبشمس، وهو من اللصوص، يستعطف قومه وهو مسجون بنجران:
أبت ليَ سعدٌ أن أضامَ ومالكٌ ... وحيُّ الربابِ والقبائلُ من عمرو
وإن أدعُ في القيسيةِ الشمِّ تأتني ... قرومٌ تسامى كلهم باذخُ القدرِ
وإن تلقَ ندماني يخبركَ أنني ... ضعيفُ وكاءِ الكيسِ لم أغذَ بالفقرِ
وتشهدُ لي العوذُ المطافيلُ أنني ... أبو الضيفِ أقري حينَ لا أحدٌ بقري
стр. 109
فلولا قريشٌ ملكها ما تعرضت ... لي الجنُّ بلهَ الإنسُ قد علمت قدري
وما ابنُ مراسٍ حينَ جئتُ مطرداً ... بذي علةٍ دوني ولا حاقدِ الصدرِ
عشيةَ أعطاني سلاحي وناقتي ... وسيفي جداً من فضلِ ذي نائلٍ غمرِ
خليلي الفتى العكليّ لم أرَ مثلهُ ... تحلبُ كفاهُ الندى شائعُ القدرِ
كأنَّ سهيلاً نارهُ حينَ أوقدت ... بعلياء لا تخفى على أحدٍ يسري
وتيهاءَ مكسالٍ إذا الليلُ جنها ... تزملَ فيها المدلجونَ على حذرِ
بعيدةِ عينِ الماءِ تركضُ بالضحى ... كركضكَ بالخيلِ المقربةِ الشقرِ
فلاةٍ يخافُ الركبُ أن ينطقوا بها ... حذارَ الردى فيها مهولةٍ قفرِ
سريعٍ بها قولُ الضعيفِ ألا اسقني ... إذا خبَّ رقراقُ الضحى خببَ المهرِ
سمت لي بالبينِ اليماني صبابةٌ ... وأنتَ بعيدٌ قد نأيتَ عن المصرِ
أتيحَ لذي بثٍّ طريدٍ تعودهُ ... همومٌ إذا ما باتَ طارقها يسري
بنجرانَ يقري الهمَّ كلَّ غريبةٍ ... بعيدةِ شأوٍ الكلمِ باقيةَ الأثرِ
يمثلها ذو حاجةٍ عرضت لهُ ... كئيبٌ يؤسى بينَ قرنةَ والفهرِ
فقالَ وما يرجو إلى الأهلِ ردةً ... ولا أن يرى تلكَ البلاد يدَ الدهرِ
لعمركَ أني يومَ نعفِ سويقةٍ ... لمعترفٌ بالبينِ محتسبُ الصبرِ
غداةَ جرت طيرُ الفراقِ وأنبأت ... بنأيٍ طويلٍ من سليمى وبالهجرِ
ومرت فلم يزجرُ لها الطيرُ عائفٌ ... تمرُّ لها من دونِ أطلالها تجري
سنيحاً وشرُّ الطيرِ ما كان سانحاً ... بشؤمى يديهِ والشواحجُ في الفجرِ
فما أنسَ مل أشياءِ لا أنسَ طائعاً ... وإن أشقذتني الحربُ إلاَّ على ذكرِ
عيوفُ الذي قالت تعزَّ وقد رأت ... عصى البين شقت واختلافاً من النجرِ
عليكَ السلامُ فارتحل غير باعدٍ ... وما البعدُ إلاَّ في التنائي وفي الهجرِ
وعفت لجفنِ العينِ جائلَ عبرةٍ ... كما ارفضَّ نجمٌ من جمانٍ ومن شذرِ
تهللَ منها واكفٌ مطرت بهِ ... جمومٌ بملءِ الشأنِ مائحةُ القطرِ
وقالت تعلم أنَّ عندي معشراً ... يرونكَ ثأراً أو قريباً من الثأرِ
فقلتُ لها إني ستبلغ مدتي ... إلى قدرٍ ما بعدهُ لي من قدرِ
ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةً ... بأعلى بليِّ ذي السلامِ وذي السدرِ
وهل أهبطن روضَ القطا غير خائفٍ ... وهل أصبحنَّ الدهرَ وسط بني صخرِ
وهل أسمعن يوماً بكاءَ حمامةٍ ... تنادي حماماً في ذرى تنضبٍ خضرِ
وهل أرين يوماً جيادي أقودها ... بذاتِ الشقوقِ أو بأنقائها العفرِ
وهل تقطعنَّ الخرقَ بي عيدهيةٌ ... نجاةٌ من العيديِّ تمرحُ للزجرِ
طوت لقحاً مثلَ السرارِ وبشرت ... بأصهبَ خطارٍ كخافيةِ النسرِ
هبوعٌ إذا ما الريمُ لاذَ من اللظى ... بأولِ فيءٍ واستكنَّ من الهجرِ
وباشرَ معمورَ الكناسِ بكفهِ ... إلى أن يكونَ الظلُّ أقصرَ من شبرِ
وقد ضمرت حتى كأنَّ وضينها ... وشاحَ عروسٍ جالَ منها على خصرِ
حديثةُ عهدٍ بالصعوبةِ ديثت ... ببعضِ الركوبِ لا عوانٍ ولا بكرِ
تخالُ بها غبَّ السرى عجرفيةً ... على ما لقينَ من كلالِ ومن حسرِ
ولو مرَّ ميلٌ بعد ميلٍ وأصبحت ... عتاقُ المطايا قد تعادينَ بالفترِ
وهل أرين بين الحفيرةِ والحمى ... حمى النيرِ أو يوماً بأكثبة الشعرِ
جميعَ بني عمي الكرامِ وإخوتي ... وذلكَ عصرٌ قد مضى قبلَ ذا العصرِ
أخلايَ لم يشمت بنا ذو شناءةٍ ... ولم تضطرب مني الكشوحُ على غمرِ
ولا منهمُ حتى دعتنا غواتنا ... إلى غايةٍ كانت بأمثالنا تزري
أتيناهمُ إذ أسلمتهم حلومهم ... فكنا سواءً في الملامةِ والعذرِ
فلأياً بلأيٍ ما نزعتا وقبلهُ ... مددنا عنانَ الغيِّ متسقاً يجري
فكنا لأقوامٍ عظاتٍ وقطعت ... وسائلُ قربى من حميمٍ ومن صهرِ
لحى اللهُ من يلحى على الحلمِ بعدما ... دعتنا رجالٌ للفخارِ وللعقرِ
وجاؤوا جميعاً حاشدينَ نفيرهم ... إلى غايةٍ ما بعدها ثمَّ من أمرِ
стр. 110
وقلتُ لهم إن ترجعوا بعدَ هذهِ ... جميعاً فما أمي بأمِّ بني بدرِ
قدحنا فأورينا على عظمِ ساقنا ... فهل بعدَ كسرِ الساقِ للعظمِ من جبرِ
بني محرزٍ هل فيكمُ ابنُ حميمةٍ ... يقومُ ولو كانَ القيامُ على جمرِ
بما يؤمنُ المولى وما يرأبُ النأي ... وخيرُ الموالي من يريشُ ولا يبري
كما أنا لو كان المشردُ منكمُ ... لأبليتُ نجحاً أو لقيتُ على عذرِ
لأعطيتُ من مالي وأهلي رهينةً ... ولا ضاقَ بالإصلاحِ مالي ولا صدري
بني محرزٍ من تجعلونَ خليفتي ... إذا نابكم يوماً جسيماً من الأمرِ
بني محرزٍ كنتم وما قد علمتمُ ... كفاريةٍ خرقاءَ عيت بما تفري
رأت خللاً ما كلهُ سدُّ خرزها ... وأثأى عليها الخرزُ من حيثُ لا يدري
بني محرزٍ إن تكنسِ الوحشُ بينكم ... وبيني وتبعدُ من قبوركمُ قبري
فقد كنتُ أنهى عنكمُ كلَّ ظالمٍ ... وأدفعُ عنكم باليدين وبالنحرِ
معنى إذا خصمٌ أدلَّ عليكمُ ... بني محرزٍ يوماً شددتُ لهُ أزري
بحدِّ سنانٍ يستعدُّ لمثلهِ ... ورقمِ لسانٍ لا عييٍّ ولا هذرِ
وقال الخطيم أيضاً لسليمان بن عبد الملك وقد استجار به:
وقائلةٍ يوماً وقد جئتُ زائراً ... رأيتُ الخطيمَ بعدنا قد تخددا
أما إنَّ شيبي لا يقومُ بهِ فتىً ... إذا حضرَ الشحُّ اللئيمَ الضفنددا
فلا تسخري مني أمامةُ أن بدا ... شحوبي ولا أنَّ القميصَ تقددا
فإني بأرضٍ لا يرى المرءُ قربها ... صديقاً ولا تحلى بها العينُ مرقدا
إذا نامَ أصحابي بها الليلُ كلهُ ... أبت لا تذوقُ النومَ حتى ترى غدا
أتذكرُ عهدَ الحارثيةِ بعدما ... نأيتَ فلا تستطيعُ أن تتعهدا
لعمرك ما أحببتُ عزةَ عن صبىً ... صبتهُ ولا تسبي فؤادي تعمدا
ولكنني أبصرتُ منها ملاحةً ... ووجهاً نقياً لونه غيرَ أنكدا
منَ الخفراتِ البيضِ خمصانةِ الحشا ... ثقال الخطا تكسو الفريدا المقلدا
فقد حليت عيني بها وهويتها ... هوى عرضٍ ما زال مذ كنتُ أمردا
كأنَّ منَ البردي ريانَ ناعماً ... بحيثُ ترى منها سواراً ومعضدا
تهادى كعومِ الركِّ كعكهُ الصبا ... بأبطحِ سهلٍ حينَ تمشي تأودا
يهيمُ فؤادي ما حييتُ بذكرها ... ولو أنني قد متُّ هامَ بها الصدا
لها مقلتا مكحولةٍ أمُّ جؤذرٍ ... تراعي مها أضحى جميعاً وفردا
وأظمى نقياً لم تغلل غروبهُ ... كنورِ أقاحٍ فوقَ أطرافهِ الندى
لدى ديمٍ جادت وهبت لهُ الصبا ... تلقينَ أياماً من الدهرِ أسعدا
فلا والذي من شاءَ أغوى فلم يكن ... لهُ مرشدٌ يوماً ومن شاءَ أرشدا
يمينُ بلاءٍ ما علمتُ بسيئٍ ... عليها وإن قالَ الحسودُ فأجهدا
وإني لمشتاقٌ إلى اللهِ أشتكي ... غليلَ فؤادٍ قد يبيتُ مسهدا
وما لامني في حبِّ عزةَ لائمٌ ... من الناسِ إلاَّ كانَ عندي من العدا
ولا قالَ لي أحسنتُ إلاَّ حمدتهُ ... بما قالَ لي ثمَّ اتخذت لهُ يدا
فلو كنت مشعوفاً بعزةَ مثل ما شعفتُ ... بها ما لمتني يا ابنَ أربدا
إذن لازدهاك الشوقُ حتى ترى الصبا ... من الجهلِ في أدنى المعيشة أحمدا
وما لمتني في حبها بل عذرتني ... فأصبحتَ من وجدٍ بعزةَ مقصدا
لياليَ أهلانا جميعاً وعيشنا ... رفيعٌ وشعبا الحيِّ لم يتبددا
لها بينَ ذي قارٍ فرملِ مخفقٍ ... من القفِّ أو من رملهِ حينَ أربدا
أواعسُ في برثٍ من الأرضِ طيبٍ ... وأوديةٌ ينبتنَ سدراً وغرقدا
أحبُّ إلينا من قرى الشامِ منزلاً ... وأجبالها لو كانَ أن أتوددا
أعوذُ بربي أن أرى الشام بعدها ... وعمانَ ما غنى الحمامُ وغردا
فذاكَ الذي استنكرتُ يا أمَّ مالكٍ ... وأصبحتُ منهُ شاحبَ اللونِ أسودا
وإني لماضي الهمِّ لو تعلمينهُ ... وركابُ أهوالٍ يخافُ بها الردى
ومسعرُ حربٍ كنتُ ممن أشبها ... إذا ما الجبانُ النكسُ هابَ وعردا
وأزدادُ في رغمِ العدوَ لجاجةً ... وأمكنُ من رأسِ العدوِّ المهندا
следующие страницы →