Полный текст (400 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
تجاوبُ أحجارَ الكناسِ وتشتكي ... إلى كلِّ معروفٍ رأتهُ ومنكرِ
ذريني أطوف في البلادِ لعلني ... أخليكِ أو أغنيكِ عن سوءِ محضرِ
فإن فازَ سهمٌ للمنيةِ لم أكن ... جزوعاً وهل عن ذاك من متأخرِ
وإن فازَ سهمي كفكم عن مقاعدٍ ... لكم عند أدبارِ البيوتِ ومنظرِ
تقولُ لكَ الويلاتُ هل أنتَ تاركٌ ... ضبواً برجلٍ تارةً وبمنسرِ
ومستثبتٌ في مالكِ العامِ إنني ... أراكَ على الأقتادِ صرماءَ مذكرِ
فجوعٌ بها للصالحينَ مزلةٍ ... مخوفٍ رداها أن تصبكَ فأحذرِ
أبى الخفضَ من يغشاكِ من ذي قرابةٍ ... ومن كلِّ سوآرِ المعاصمِ تعتري
ومستهنئِ زيدٌ أبوهُ فلا أرى ... لهُ مدفعاً فاقني حياءكِ واصبري
لحا اللهُ صعلوكاً إذا جنَّ ليلهُ ... مضى في المشاشِ آلفاً كلَّ مجزرِ
يعدُّ الغنى من نفسهِ كلِّ ليلةٍ ... أصابَ قراها من صديقٍ ميسرِ
ينامُ عشاءً ثمَّ يصبحُ ناعساً ... يحتُّ الحصى عن جنبهٍ المتعفرِ
قليلُ التماسِ المالِ إلاَّ لنفسهِ ... إذا هو أضحى كالعريشِ المحورِ
يعينُ نساءَ الحيِّ ما يستعنهُ ... فيمسي طليحاً كالبعيرِ المحسرِ
ولكنَّ صعلوكاً صفيحةُ وجههِ ... كضوءِ شهابِ القابسِ المتنورِ
مطلاً على أعدائهِ يزجرونهُ ... بساحتهم زجرَ المنيحِ المشهرِ
وإن بعدوا لا يأمنونَ اقترابهُ ... تشوفَ أهلِ الغائبِ المتنظرِ
فذلكَ إن يلقَ المنيةَ يلقها ... حميداً وإن يستغنِ يوماً فأجدرِ
أيهلكُ معتمٌّ وزيدٌ ولم أقم ... على ندبٍ يوماً ولي نفسُ مخطرِ
ويوماً على نجدٍ وغاراتِ أهلها ... ويوماً بأرضٍ ذاتِ شتٍّ وعرعرِ
يناقلنَ بالشمطِ الكرامِ أولي النهى ... نقابَ الحجازِ في السريحِ المسيرِ
يريحُ عليَّ الليلُ أضيافَ ماجدٍ ... كريمٍ ومالي سارحاً مالُ مقترِ
سلي الساغبَ المعترَّ يا أمَّ مالكٍ ... إذا ما اعتراني بين ناري ومجزري
أأبسطُ وجهي إنهُ أولُ القرى ... وأبذلُ معروفي لهُ دونَ منكري
سيفزعُ بعدَ اليأسِ من لا يخافنا ... كواسعُ في أخرى السوام المنفرِ
يطاعنُ عنها أولُ الخيل بالقنا ... وبيضٍ خفافٍ ذاتِ لونٍ مشهرِ
وقال عروة بن الورد:
أفي نابٍ منحناها فقيراً ... لهُ بطنابنا طنبٌ مصيتُ
وفضلةُ سمنةٍ ذهبت إليهِ ... وأكثرُ حقهِ ما لا نقوتُ
تبيتُ على المرافقِ أمُّ وهبٍ ... وقد نامَ العيونُ لها كتيتُ
وإنَّ حميتنا أبداً حرامٌ ... وليسَ لجارِ منزلنا حميتُ
وربتَ شعبةٍ آثرتُ فيها ... يداً جاءت تعيرُ لها هتيتُ
وربتَ جوعةٍ لم يدرَ فيها ... أخو شبعٍ على ماذا أبيتُ
يؤامرني أميري ذاتَ نفسي ... وقد ألقت مراسيها البيوتُ
يقولُ الحقُّ مطلبهُ جميلٌ ... وقد طلبوا إليكَ فلم يقيتوا
فقلتُ لهُ ألا احيَ وأنت حرٌّ ... ستشبعُ في حياتكَ أو تموتُ
إذا ما فاتني لم أستقلهُ ... حياتي والملائمُ لا يفوتُ
وقد علمت سليمى أن رأيي ... ورأيَ المحلِ مختلفٌ شتيتُ
وأني لا يريني البخلُ رأيي ... سواءٌ إن عطشتُ وإن رويتُ
وأني حينَ تشتجرُ العوالي ... عوالي اللبِّ ذو رأيٍ زميتُ
قؤولٌ ذاتَ علمي حيثُ علمي ... وأما العلمُ أخطاني صموتُ
وأكفي ما علمتُ بفضلِ علمي ... وأسألُ ذا البيانِ بما عييتُ
وقال عروة بن الورد:
أليسَ ورائي أن أدبَّ على العصا ... فيشمتَ أعدائي ويسأمني أهلي
رهينةَ قعرِ البيتِ كلَّ عشيةٍ ... يطيفُ بي الولدانُ أهدجُ كالرألِ
أقيموا بني لبنى صدورَ مطيكم ... فإنَّ منايا الناسِ شرٌّ من الهزلِ
فإنكمُ لن تبلغوا كلَّ همتي ... ولا إربتي حتى تروا منبتَ الأثلِ
ولو كنتُ مثلوجَ الفؤادِ إذا بدت ... بلادُ الأعادي لا أمرُّ ولا أحلي
رجعتُ على حرسينِ إذ قالَ مالكٌ ... هلكتَ وهل يلحي على بغيةٍ مثلي
لعلَّ ارتيادي في البلادِ وحيلتي ... وشدي حيازيمَ المطيةِ بالرحلِ
стр. 107
سيدفعني يوماً إلى ربِّ هجمةٍ ... يدافعُ عنها بالعقوقِ وبالبخلِ
قليلٌ تواليها وطالبُ وترها ... إذا صيحَ فيها بالفوارسِ والرجلِ
إذا ما هبطنا منهلاً في مخوفةٍ ... بعثنا ربيئاً في المرابيءِ كالجذلِ
يقلبُ في الأرضِ الفضاء بطرفهِ ... وهنَّ مناخاتٌ ومرجلنا يغلي
وقال عروة بن الورد:
ألم تعرف منازلَ أمِّ عمرو ... بمنعرجِ النواصفِ من أبانِ
وقفتُ بها ففاضَ الدمعُ مني ... كمنحدرٍ من النظمِ الجمانِ
ولكن لا يلبثُ وصلَ حيٍّ ... وجدةَ وجههِ مرُّ الزمانِ
ومولى قد أثارَ عليَّ حرباً ... وكانت قبلُ واضعةَ الجرانِ
فواكلني وإياها وأغضى ... وجرت حربَ معضلةٍ عوانِ
فكنتُ لزازها حتى تجلت ... ولم أبعث لها أحداً مكاني
ومكروبٍ كشفتُ الكربَ عنهُ ... بضيقةِ مأزقٍ لما دعاني
فقلتُ لهُ أتاكَ أتاكَ فانهض ... وليثٌ حينَ أنهضُ غيرَ وانِ
فلما إن تبرزَ كانَ ذئباً ... نعدُّ وكانَ ذلكَ ما جراني
فما أنا عندَ هيجا كلَّ يومٍ ... بمثلوجِ الفؤادِ ولا جبانِ
يصافيني الكريمُ إذا التقينا ... ويبغضني اللئيمُ إذا رآني
عبيد بن أيوب
وقال عبيد بن أيوب العنبري وهو من اللصوص:
لقد خفتُ حتى لو تمرُّ حمامةٌ ... لقلتُ عدوُّ أو طليعةُ معشرِ
وخفتُ خليلي ذا الصفاءِ ورابني ... وقيلَ فلانٌ أو فلانةُ فاحذرِ
فأصبحتُ كالوحشيِّ يتبعُ ما خلا ... ويتركُ مأنوسَ البلادِ المدعثرِ
إذا قيلَ خيرٌ قلتُ هذي خديعةٌ ... وإن قيلَ شرٌّ قلتُ حقُّ فشمرِ
كتبت هذه القطعة لحسنها ولم تدخل في الأخبار.
وقال أيضاً:
أراني وذئبَ القفرِ خدنينِ بعدما ... تدانا كلانا يشمئزُّ ويذعرُ
إذا ما عوى جاوبتُ سجعَ عوائهِ ... بترنيمٍ محزونٍ يموتُ وينشرُ
تذللتهُ حتى دنا وألفتهُ ... وأمكنني لو أنني كنتُ أغدرُ
ولكنني لم يأتمني صاحبٌ ... فيرتابَ بي ما دامَ لا يتغيرُ
وللهِ درُّ الغولِ أيُّ رفيقةٍ ... لصاحبِ قفرٍ خائفٍ يتقترُ
تغنت بلحنٍ بعدَ لحنٍ وأوقدت ... حواليَّ نيراناً تبوخُ وتزهرُ
أنستُ لها لما بدت وألفتها ... وحتى دنت واللهُ بالغيبِ أبصرُ
فلما رأت ألاَّ أهالَ وأنني ... وقورٌ إذا طار الجنانُ المطيرُ
دنت بعدَ ذاكَ الروعُ حتى ألفتها ... وصافيتها واللهُ بالغيبِ أخبرُ
ألم ترني حالفتُ صفراءَ نبعةً ... ترنُّ إذا ما رعتها وتزمجرُ
تزمجرُ غيري أحرقوها بضرةٍ ... فباتت لها تحتَ الخباءِ تذمرُ
لها فتيةٌ ماضونَ حيثُ رمت بهم ... شرابهمُ غالٍ من الجوفِ أحمرُ
إذا افتقرت راشتهمُ بغناهمُ ... عطاءً لهم حتى صفا ما يكدرُ
ألمَّ خيالٌ من أميمةَ طارقٌ ... وقد تليت من آخرِ الليلِ غبرُ
فيا فرحاً للمدلجِ الزائرِ الذي ... أتاني في ربطاته يتبخترُ
فثرتُ وقلبي مقصدٌ للذي بهِ ... وعينيَّ أحياناً تجمُّ فتغمرُ
إلى ناعجٍ أما أعالي عظامهِ ... فشمٌّ وسفلاها على الأرضِ تمهرُ
فقلتُ لهُ قولاً وحادثتُ شدهُ ... بأعوادٍ ميسٍ نقشهنَّ محبرُ
أيا جملي إن أنتَ زرتَ بلادها ... برحلي وأجلادي فأنتَ محررُ
وهل جملٌ مجتابُ ما حالَ دونها ... من الأرضِ أو ريحٌ تروحُ وتبكرُ
وكيفَ ترجيها وقد حالَ دونها ... من الأرضِ مخشيُّ التنائفِ مذعرُ
وأنتَ طريدٌ مستسرٌّ بقفرةٍ ... مراراً وأحياناً تصبُّ فتظهرُ
فيا ليتَ شعري هل يعودنَّ مربعٌ ... وقيظٌ بأكنافِ الظليفِ ومحضرُ
أقاتلتي بطالةٌ عامريةٌ ... بأردانها مسكٌ ذكيٌّ وعنبرُ
وقال عبيد بن أيوب أيضاً:
كأن لم أقد سبحانكَ اللهُ فتيةً ... لندفعَ ضيماً أو لوصلٍ نواصلهْ
على علسياتٍ كأنَّ هويها ... هويَّ القطا الكدري نشت ثمائلهْ
وفارقتهم والدهرُ موقفُ فرقةٍ ... عواقبهُ دار البلى وأوائلهْ
وأصبحتُ مثلَ السهمِ في قعرِ جعبةٍ ... نضيا فضاً قد طالَ فيها قلاقلهْ
стр. 108
وأصبحتُ ترميني العدى عن جماعةٍ ... على ذاكَ رامٍ من بدت لي مقاتلهْ
فمنهم عدوٌّ لي مخالٍ مكاشحٍ ... وآخرُ لي تحتَ العضاهِ حبائلهْ
وعاديةٌ تعدو عليَّ كثيبةٌ ... لها سلفٌ لا ينذرُ القتلَ قاتلهْ
فناشدتهم باللهِ حتى أظلني ... من الموتِ ظلٌّ قد علتني عواملهْ
فلما التقينا لم يزل من عديدهم ... صريعٌ هواءٌ للترابِ جحافلهْ
ولو كنتُ لا أخشى سوى فردِ معشرٍ ... لقرَّ فؤادي واطمأنت بلابلهْ
وسرتُ بأوطاني وصرتُ كأنني ... كصاحبِ ثقلٍ حطَّ عنهُ مثاقلهْ
ألم ترني حالفتُ صفراءَ نبعةً ... لها ربذيٌّ لم تثلم معابلهْ
وطالَ احتضاني السيفَ حتى كأنهُ ... يناطُ بجلدي جفنه وحمائلهْ
وجربتُ قلبي فهو ماضٍ مشيعٌ ... قليلٌ لخلانِ الصفاءِ غوائلهْ
وساخرةٍ مني ولكن تبينت ... شمائل بسامٍ عجالٍ رواحلهْ
قليلُ رقادِ العينِ تراكُ بلدةٍ ... إلى جوزِ أخرى لا تبنُّ منازلهْ
على مثلِ جفنِ السيفِ يرفعُ آلهُ ... مصاصاتُ عتقٍ وهو طاوٍ ثمائلهْ
ووادٍ مخوفٍ لا تسارُ فجاجهُ ... بركبٍ ولا تمشي لديهِ أراجلهْ
به الأسدُ والأسباد من علقت بهِ ... فقد ثكلتهُ عندَ ذاكَ ثواكلهْ
تباشرنَ بي لما برزتُ لعادةٍ ... تعودتها والعادُ جمُّ خوابلهْ
فقلتُ تنكبنَ الطريقَ لمختطٍ ... أخي شقةٍ غولٍ على من ينازلهْ
فكلمتُ من لم يدرِ ما عربيةٌ ... ومن عاشَ في لحمِ الأنيسِ أشابلهْ
فلما التقينا خامَ منهنَّ خائمٌ ... وآخرُ ذو طيرٍ تحومُ حواجلهْ
فما رمتُ جوفِ الغيلِ حتى ألفتهُ ... وأعجبني أسرابهُ ومداخلهْ
فإني وبغضي الإنسَ من بعدِ حبها ... ونأييَ ممن كنتُ ما إن أزايلهْ
لكالصقرِ جلى بعدما صادَ فتيةً ... قديراً ومشوياً ترفُّ خرادلهْ
أهابوا به فازداد بعداً وهاجهُ ... على النأيِ يوماً طلُّ دجنٍ ووابلهْ
أزاهدةٌ فيَّ الأخلاءُ أن رأت ... فتى مطرداً قد أسلمتهُ تبائلهْ
وقد تزهدُ الفتيانُ في السيفِ لم يكن ... كهاماً ولم تعمل بغشٍ صياقلهْ
فلا تعترض في الأمرِ تكفى شؤونهُ ... ولا تنصحن إلاَّ لمن هو قابلهْ
ولا تخذلِ المولى إذا ما ملمةٌ ... ألمت ونازل في الوغى من ينازلهْ
ولا تحرم المرءَ الكريمَ فإنهُ ... أخوكَ ولا تدري لعلكَ سائلهْ
وقال عبيد بن أيوب أيضاً:
ليت الذي سخرت مني ومن جملي ... ذاقت كما ذقتُ من خوفٍ وأسفارِ
ومن طلابٍ وطلابٍ ذوي حنقٍ ... يرمونَ نحويَ من غيظٍ بأبصارِ
إما تريني وسربالي يطيرُ كما ... طارت عقيقةُ قرمٍ غيرِ خوارِ
إن يقتلوني فآجالُ الكماةِ كما ... خبرتِ قتلٌ وما بالقتلِ من عارِ
وإن نجوتُ لوقتٍ غيرهِ فعسى ... وكلُّ نفسٍ إلى وقتٍ ومقدارِ
يا ربِّ قد حلفَ الأعداءُ واجتهدوا ... أيمانهم أنني من ساكنِ النارِ
أيحلفونَ على عمياءَ ويحهمُ ... ما علمهم بعظيمِ العفوِ غفارِ
إني لأرجو من الرحمنِ مغفرةً ... ومنةً من قوامِ الدينِ جبارِ
وما أخافُ هلاكاً بين عفوهما ... وما يفوتهما المستوهلُ الساري
إليهما منهما أنجو على وجلٍ ... كما نجا خائفٌ خاشٍ لآثاري
أنا الغلامُ عتيقُ اللهِ مبتهلٌ ... بتوبةٍ بعدَ إحلاءٍ وإمرارِ
خليتُ بابات جهلٍ كنتُ أتبعها ... كما يودعُ سفرُ عرصةَ الدارِ
إني لأعلمُ أني سوفَ يتركني ... صحبي رهينةُ تربٍ بينَ أحجارِ
فرداً برابيةٍ أو وسطَ مقبرةٍ ... تسفي عليَّ رياحُ البارحِ الذاري
الخطيم المحرزي
وقال الخطيم المحرزي من بني عبشمس، وهو من اللصوص، يستعطف قومه وهو مسجون بنجران:
أبت ليَ سعدٌ أن أضامَ ومالكٌ ... وحيُّ الربابِ والقبائلُ من عمرو
وإن أدعُ في القيسيةِ الشمِّ تأتني ... قرومٌ تسامى كلهم باذخُ القدرِ
وإن تلقَ ندماني يخبركَ أنني ... ضعيفُ وكاءِ الكيسِ لم أغذَ بالفقرِ
وتشهدُ لي العوذُ المطافيلُ أنني ... أبو الضيفِ أقري حينَ لا أحدٌ بقري
стр. 109
فلولا قريشٌ ملكها ما تعرضت ... لي الجنُّ بلهَ الإنسُ قد علمت قدري
وما ابنُ مراسٍ حينَ جئتُ مطرداً ... بذي علةٍ دوني ولا حاقدِ الصدرِ
عشيةَ أعطاني سلاحي وناقتي ... وسيفي جداً من فضلِ ذي نائلٍ غمرِ
خليلي الفتى العكليّ لم أرَ مثلهُ ... تحلبُ كفاهُ الندى شائعُ القدرِ
كأنَّ سهيلاً نارهُ حينَ أوقدت ... بعلياء لا تخفى على أحدٍ يسري
وتيهاءَ مكسالٍ إذا الليلُ جنها ... تزملَ فيها المدلجونَ على حذرِ
بعيدةِ عينِ الماءِ تركضُ بالضحى ... كركضكَ بالخيلِ المقربةِ الشقرِ
فلاةٍ يخافُ الركبُ أن ينطقوا بها ... حذارَ الردى فيها مهولةٍ قفرِ
سريعٍ بها قولُ الضعيفِ ألا اسقني ... إذا خبَّ رقراقُ الضحى خببَ المهرِ
سمت لي بالبينِ اليماني صبابةٌ ... وأنتَ بعيدٌ قد نأيتَ عن المصرِ
أتيحَ لذي بثٍّ طريدٍ تعودهُ ... همومٌ إذا ما باتَ طارقها يسري
بنجرانَ يقري الهمَّ كلَّ غريبةٍ ... بعيدةِ شأوٍ الكلمِ باقيةَ الأثرِ
يمثلها ذو حاجةٍ عرضت لهُ ... كئيبٌ يؤسى بينَ قرنةَ والفهرِ
فقالَ وما يرجو إلى الأهلِ ردةً ... ولا أن يرى تلكَ البلاد يدَ الدهرِ
لعمركَ أني يومَ نعفِ سويقةٍ ... لمعترفٌ بالبينِ محتسبُ الصبرِ
غداةَ جرت طيرُ الفراقِ وأنبأت ... بنأيٍ طويلٍ من سليمى وبالهجرِ
ومرت فلم يزجرُ لها الطيرُ عائفٌ ... تمرُّ لها من دونِ أطلالها تجري
سنيحاً وشرُّ الطيرِ ما كان سانحاً ... بشؤمى يديهِ والشواحجُ في الفجرِ
فما أنسَ مل أشياءِ لا أنسَ طائعاً ... وإن أشقذتني الحربُ إلاَّ على ذكرِ
عيوفُ الذي قالت تعزَّ وقد رأت ... عصى البين شقت واختلافاً من النجرِ
عليكَ السلامُ فارتحل غير باعدٍ ... وما البعدُ إلاَّ في التنائي وفي الهجرِ
وعفت لجفنِ العينِ جائلَ عبرةٍ ... كما ارفضَّ نجمٌ من جمانٍ ومن شذرِ
تهللَ منها واكفٌ مطرت بهِ ... جمومٌ بملءِ الشأنِ مائحةُ القطرِ
وقالت تعلم أنَّ عندي معشراً ... يرونكَ ثأراً أو قريباً من الثأرِ
فقلتُ لها إني ستبلغ مدتي ... إلى قدرٍ ما بعدهُ لي من قدرِ
ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةً ... بأعلى بليِّ ذي السلامِ وذي السدرِ
وهل أهبطن روضَ القطا غير خائفٍ ... وهل أصبحنَّ الدهرَ وسط بني صخرِ
وهل أسمعن يوماً بكاءَ حمامةٍ ... تنادي حماماً في ذرى تنضبٍ خضرِ
وهل أرين يوماً جيادي أقودها ... بذاتِ الشقوقِ أو بأنقائها العفرِ
وهل تقطعنَّ الخرقَ بي عيدهيةٌ ... نجاةٌ من العيديِّ تمرحُ للزجرِ
طوت لقحاً مثلَ السرارِ وبشرت ... بأصهبَ خطارٍ كخافيةِ النسرِ
هبوعٌ إذا ما الريمُ لاذَ من اللظى ... بأولِ فيءٍ واستكنَّ من الهجرِ
وباشرَ معمورَ الكناسِ بكفهِ ... إلى أن يكونَ الظلُّ أقصرَ من شبرِ
وقد ضمرت حتى كأنَّ وضينها ... وشاحَ عروسٍ جالَ منها على خصرِ
حديثةُ عهدٍ بالصعوبةِ ديثت ... ببعضِ الركوبِ لا عوانٍ ولا بكرِ
تخالُ بها غبَّ السرى عجرفيةً ... على ما لقينَ من كلالِ ومن حسرِ
ولو مرَّ ميلٌ بعد ميلٍ وأصبحت ... عتاقُ المطايا قد تعادينَ بالفترِ
وهل أرين بين الحفيرةِ والحمى ... حمى النيرِ أو يوماً بأكثبة الشعرِ
جميعَ بني عمي الكرامِ وإخوتي ... وذلكَ عصرٌ قد مضى قبلَ ذا العصرِ
أخلايَ لم يشمت بنا ذو شناءةٍ ... ولم تضطرب مني الكشوحُ على غمرِ
ولا منهمُ حتى دعتنا غواتنا ... إلى غايةٍ كانت بأمثالنا تزري
أتيناهمُ إذ أسلمتهم حلومهم ... فكنا سواءً في الملامةِ والعذرِ
فلأياً بلأيٍ ما نزعتا وقبلهُ ... مددنا عنانَ الغيِّ متسقاً يجري
فكنا لأقوامٍ عظاتٍ وقطعت ... وسائلُ قربى من حميمٍ ومن صهرِ
لحى اللهُ من يلحى على الحلمِ بعدما ... دعتنا رجالٌ للفخارِ وللعقرِ
وجاؤوا جميعاً حاشدينَ نفيرهم ... إلى غايةٍ ما بعدها ثمَّ من أمرِ
стр. 110
وقلتُ لهم إن ترجعوا بعدَ هذهِ ... جميعاً فما أمي بأمِّ بني بدرِ
قدحنا فأورينا على عظمِ ساقنا ... فهل بعدَ كسرِ الساقِ للعظمِ من جبرِ
بني محرزٍ هل فيكمُ ابنُ حميمةٍ ... يقومُ ولو كانَ القيامُ على جمرِ
بما يؤمنُ المولى وما يرأبُ النأي ... وخيرُ الموالي من يريشُ ولا يبري
كما أنا لو كان المشردُ منكمُ ... لأبليتُ نجحاً أو لقيتُ على عذرِ
لأعطيتُ من مالي وأهلي رهينةً ... ولا ضاقَ بالإصلاحِ مالي ولا صدري
بني محرزٍ من تجعلونَ خليفتي ... إذا نابكم يوماً جسيماً من الأمرِ
بني محرزٍ كنتم وما قد علمتمُ ... كفاريةٍ خرقاءَ عيت بما تفري
رأت خللاً ما كلهُ سدُّ خرزها ... وأثأى عليها الخرزُ من حيثُ لا يدري
بني محرزٍ إن تكنسِ الوحشُ بينكم ... وبيني وتبعدُ من قبوركمُ قبري
فقد كنتُ أنهى عنكمُ كلَّ ظالمٍ ... وأدفعُ عنكم باليدين وبالنحرِ
معنى إذا خصمٌ أدلَّ عليكمُ ... بني محرزٍ يوماً شددتُ لهُ أزري
بحدِّ سنانٍ يستعدُّ لمثلهِ ... ورقمِ لسانٍ لا عييٍّ ولا هذرِ
وقال الخطيم أيضاً لسليمان بن عبد الملك وقد استجار به:
وقائلةٍ يوماً وقد جئتُ زائراً ... رأيتُ الخطيمَ بعدنا قد تخددا
أما إنَّ شيبي لا يقومُ بهِ فتىً ... إذا حضرَ الشحُّ اللئيمَ الضفنددا
فلا تسخري مني أمامةُ أن بدا ... شحوبي ولا أنَّ القميصَ تقددا
فإني بأرضٍ لا يرى المرءُ قربها ... صديقاً ولا تحلى بها العينُ مرقدا
إذا نامَ أصحابي بها الليلُ كلهُ ... أبت لا تذوقُ النومَ حتى ترى غدا
أتذكرُ عهدَ الحارثيةِ بعدما ... نأيتَ فلا تستطيعُ أن تتعهدا
لعمرك ما أحببتُ عزةَ عن صبىً ... صبتهُ ولا تسبي فؤادي تعمدا
ولكنني أبصرتُ منها ملاحةً ... ووجهاً نقياً لونه غيرَ أنكدا
منَ الخفراتِ البيضِ خمصانةِ الحشا ... ثقال الخطا تكسو الفريدا المقلدا
فقد حليت عيني بها وهويتها ... هوى عرضٍ ما زال مذ كنتُ أمردا
كأنَّ منَ البردي ريانَ ناعماً ... بحيثُ ترى منها سواراً ومعضدا
تهادى كعومِ الركِّ كعكهُ الصبا ... بأبطحِ سهلٍ حينَ تمشي تأودا
يهيمُ فؤادي ما حييتُ بذكرها ... ولو أنني قد متُّ هامَ بها الصدا
لها مقلتا مكحولةٍ أمُّ جؤذرٍ ... تراعي مها أضحى جميعاً وفردا
وأظمى نقياً لم تغلل غروبهُ ... كنورِ أقاحٍ فوقَ أطرافهِ الندى
لدى ديمٍ جادت وهبت لهُ الصبا ... تلقينَ أياماً من الدهرِ أسعدا
فلا والذي من شاءَ أغوى فلم يكن ... لهُ مرشدٌ يوماً ومن شاءَ أرشدا
يمينُ بلاءٍ ما علمتُ بسيئٍ ... عليها وإن قالَ الحسودُ فأجهدا
وإني لمشتاقٌ إلى اللهِ أشتكي ... غليلَ فؤادٍ قد يبيتُ مسهدا
وما لامني في حبِّ عزةَ لائمٌ ... من الناسِ إلاَّ كانَ عندي من العدا
ولا قالَ لي أحسنتُ إلاَّ حمدتهُ ... بما قالَ لي ثمَّ اتخذت لهُ يدا
فلو كنت مشعوفاً بعزةَ مثل ما شعفتُ ... بها ما لمتني يا ابنَ أربدا
إذن لازدهاك الشوقُ حتى ترى الصبا ... من الجهلِ في أدنى المعيشة أحمدا
وما لمتني في حبها بل عذرتني ... فأصبحتَ من وجدٍ بعزةَ مقصدا
لياليَ أهلانا جميعاً وعيشنا ... رفيعٌ وشعبا الحيِّ لم يتبددا
لها بينَ ذي قارٍ فرملِ مخفقٍ ... من القفِّ أو من رملهِ حينَ أربدا
أواعسُ في برثٍ من الأرضِ طيبٍ ... وأوديةٌ ينبتنَ سدراً وغرقدا
أحبُّ إلينا من قرى الشامِ منزلاً ... وأجبالها لو كانَ أن أتوددا
أعوذُ بربي أن أرى الشام بعدها ... وعمانَ ما غنى الحمامُ وغردا
فذاكَ الذي استنكرتُ يا أمَّ مالكٍ ... وأصبحتُ منهُ شاحبَ اللونِ أسودا
وإني لماضي الهمِّ لو تعلمينهُ ... وركابُ أهوالٍ يخافُ بها الردى
ومسعرُ حربٍ كنتُ ممن أشبها ... إذا ما الجبانُ النكسُ هابَ وعردا
وأزدادُ في رغمِ العدوَ لجاجةً ... وأمكنُ من رأسِ العدوِّ المهندا
стр. 111
ويعجبني نصُّ القلاصِ على الوجا ... وإن سرنَ شهراً بعدَ شهرٍ مطردا
عواسفُ خرقٍ ما لهنَّ تئيةٌ ... إذا ملنَ في سهبٍ تعرفنَ قرددا
يخصنَ بأيديهنَّ بيداً عريضةً ... وليلاً كأثناءِ الرويزي أسودا
إذا مالَ جلُّ الليلِ واطرقَ الكرى ... أثرنَ قطاً من آخرِ الليلِ هجدا
ورحلي على هوجاءَ حرفٍ شملةٍ ... ذمولٍ إذا التاثَ المطيُّ وهودا
موثقةِ الأنساءِ مضبورةِ القرى ... تسومُ بهادٍ في القلادةِ أقودا
على مرساتِ الجندلِ الصمِّ رفعت ... بهنَّ كما رفعتَ ظلاً ممددا
لها عجزٌ تمت ورجلٌ قبيضةٌ ... تشلُّ يداً ما الخطو فيها بأحردا
بها أثرٌ في موضعِ النسعِ لاحبٌ ... ومصدرُ فضل النسعِ من حيثُ أوردا
جرى النسعُ منصباً من الرحلِ وارداً ... فلما مضى من خلفهِ الرحلُ أصعدا
إلى كاهلٍ منها إذا شدَّ فوقهُ ... بأحبلهِ الميسُ العلافيُّ أوفدا
كأنَّ أمامَ الرحلِ منها وخلفهُ ... صفيحاً لدى صفقي قراها مسندا
سفينةُ برٍّ تحتَ أودعَ لا تني ... براكبها تجتابُ سهباً عمردا
إذا امتدَّ أثناءُ الزمامِ ازدهت بهِ ... كما يزدهي الذعرُ الظليمَ الخفيددا
تذاءبُ أحياناً مراحاً وحدةً ... زهتها فما باليتُ ألاَّ تزيدا
بذي شقةِ جوابِ أرضٍ تقاذفت ... بهِ سارَ حتى غارَ ثمتَ أنجدا
أعذني عياذاً يا سليمانُ إنني ... أتيتكَ لما لم أجد عنكَ مقعدا
لتؤمنني خوفَ الذي أنا خائفٌ ... وتبلعني ريقي وتنظرني غدا
فراراً إليكَ من واريَ ورهبةً ... وكنتَ أحقَّ الناسِ أن أتعمدا
وأنتَ امرؤٌ عودتَ نفسكَ عادةً ... وكل امرئٍ جارٍ على ما تعودا
تعودتَ ألاَّ تسلمَ الدهرَ خائفاً ... أتاكَ ومن آمنتهُ أمنَ الردى
أجرتَ يزيدَ بن المهلبِ بعدما ... تبينَ من بابِ المنيةِ موردا
ففرجتَ عنهُ بعدما ضاقَ أمرهُ ... عليهِ وقد كانَ الشريدَ المطردا
سننتَ لأهلِ الأرضِ في العدلِ سنةً ... فغارَ بلاءُ الصدقِ منكَ وأنجدا
وأنتَ المصفى كل أمركَ طيبٌ ... وأنتَ ابنُ خيرِ الناسِ إلاَّ محمدا
وأنتَ فتى أهلِ الجزيرةِ كلها ... فعالاً وأخلاقاً وأسمحهم يدا
وأنتَ من الأعياصِ في فرعِ نبعةٍ ... لها ناضرٌ يهتزُّ مجداً وسوددا
وقال أيضاً:
نزلنا بمخشيِّ الردى آجن الصرى ... تناذرهُ الركبانُ جدبِ المعللِ
غشاشا ملا حتى روينَ وعلقوا ... أداوى سقوا فيها ولما تبللِ
وأشعثَ راضٍ في الحياةِ بصحبتي ... وإن متُّ آسى فعلَ خرقٍ شمردلِ
تبدلَ بالنعمى بئيساً وشفهُ ... مخاوفُ تزري بالغريرِ المغفلِ
طريدٍ مطا حتى كأنَّ ثيابهُ ... على جلدِ مسجونٍ وإن لم يكبلِ
دنا لي فأعداني وقالَ وقد بدت ... شواهدُ مشهورٍ أغرَّ محجلِ
وقالَ وقد مالت بهِ نشوةُ الكرى ... نعاساً ومن يعلق سرى الليلِ يكسلِ
أنخ نعطِ أنضاءَ النعاسِ دواءها ... قليلاً ورفه عن قلائصَ كللِ
فقلتُ لهُ كيفَ الإناخةُ بعدما ... حد الليلَ عريانُ الطريقةِ منجلي
ألا ترهبُ الأعداءَ أن يمحلوا بنا ... أو البعثَ من ذاك الأميرِ الموكلِ
وأشعثَ قد ألقى الوسادةَ فانطوى ... إلى دفِّ منجاةِ الذراعينِ عيهلِ
وقد ضمرت حتى كأنَّ وضينها ... وشاحٌ بكفي ناهدٍ لم تسربلِ
وهنَّ يقطعنَ اللغامَ كأنهُ ... سبائخُ من قطنٍ بأذرعِ غزلِ
فألقى بثنييهِ على شرخِ رحلها ... أخو قفراتٍ ثمَّ قالَ لها حلِ
إذا وثبت من مبركٍ غادرت بهِ ... دماً من أظلٍّ راعفٍ لم ينعلِ
ألم تعلمي يا عمركِ اللهُ أنني ... أضمنُ سيفي حقَّ ضيفي ومرجلِ
إذا الشولُ راحت وهي حدب ظهورها ... يسفنَ مقذى مقرمٍ لم يجزلِ
فأجلت وقد أمكنتهُ من عقيرةٍ ... تخيرتها سمنى أيانقَ بزلِ
أفزَّ نساً من بعدِ ساقٍ أثرها ... لعابُ الفرندِ الخالصِ المتنخلِ
ولستُ بقوالٍ إذا قالَ صاحبي ... لكَ الخيرُ مرني أنتَ ما شئتَ أفعلِ
стр. 112
ولكنني أقضي لهُ فأريحهُ ... ببزلاءَ تنجيهِ من الشكِّ فيصلِ
وداعٍ دعا والليلُ من دونِ صوتهِ ... بهيمٌ كلونِ السندسِ المتجللِ
دعا دعوةً عبد العزيزِ وعرقلاً ... وما خيرُ هيجا لا تحشُّ بعرقلِ
ألا أيها الغادي لغيرِ طريقهِ ... تناهُ ولما تعيَ بالمتنزلِ
ولما أقل فاها لفيكَ فإنما ... ختلتَ رقيبَ الوحشِ غيرَ مختلِ
لعمركَ إنَّ المستثيرَ عداوتي ... لكالمتبغي الثكلَ من غيرِ مثكلِ
السمهري بن بشر
وقال السمهري بن بشر العكلي وهو من اللصوص:
ألا حيّ ليلى قد ألمَّ لمامهما ... وكيفَ معَ القومِ الأعادي كلامها
تعلل بليليَ إنما أنتَ هامةٌ ... منَ الهامِ يدنوُ كلَّ يومٍ حمامها
وبادر بليلى أوبةَ الركبِ إنهم ... متى يرجعوا يحرم عليكَ لمامها
وكيفَ أحييها وقد نذروا دمي ... وأقسمَ أقوامٌ مخوفٌ قسامها
لأجتنبنها أو ليبتدرنني ... ببيضٍ عليها الأثرُ فقمٌ كلامها
لقد طرقت ليلى ورجلي رهينةٌ ... فما راعني في السجنِ إلاَّ سلامها
فلما ارتفقتُ للخيالِ الذي سرى ... إذا الأرضُ قفرٌ قد علاها قتامها
فقلتُ نساءُ الجنَّ هولنها لنا ... ليحزنَّ عيناً ما يجفُّ سجامها
كأنَّ وميضَ البرقِ بيني وبينها ... إذا حانَ من بينِ الحديثِ ابتسامها
فإلاَّ تكن ليلى طوتك فإنهُ ... شبيهٌ بليلى دلها وقوامها
فقمتُ بأثوابي فألقيتُ قاتراً ... على مثلِ فحلِ الشولِ ناوٍ سنامها
طروحٌ مروحٌ فوقَ رحٍّ كأنما ... يناطُ بجذعٍ من أوالَ زمامها
طواها اعتقالُ الرجلَ في مدلهمةٍ ... إذا شركُ الموماةِ أودى نظامها
على شعبتي ميس وأدماءِ حرةٍ ... يطيرُ بأجوالِ الفلاةِ لغامها
ونبئتُ ليلى بالغريينَ سلمت ... عليَّ ودوني طخفةٌ فرجامها
فإنَّ التي أهدت على نأي دارها ... سلاماً لمردودٌ عليَّ سلامها
عديدَ الحصى والأثلِ من بطن بيشةٍ ... وطرفائها مام دامَ فيها حمامها
ألا ليتنا نحيا جميعاً بغبطةٍ ... وتبلى عظامي حينَ تبلى عظامها
كذلكَ ما كانَ المحبون قبلنا ... إذا ماتَ موتاها تزاورَ هامها
جحدر بن معاوية
وقال جحدر بن معاوية العكلي، وكان من اللصوص من بني محرز بطن من عكل:
تأوبني فبتُّ لها كنيعاً ... همومٌ لا تفارقني حوانِ
هيَ العوادُ لا عوادُ قومي ... أطلنَ عيادتي في ذا المكانِ
إذا ما قلتُ قد أجلينَ عني ... ثنى ريعانهنَّ عليَّ ثانِ
فإنَّ مقرَّ منزلهنَّ قلبي ... فإن أنفهتهُ فالقلبُ آنِ
أليس اللهُ يعلمُ أنَّ قلبي ... يحبكَ أيها البرقُ اليماني
وأهوى أن أعيدَ إليكَ طرفي ... على عدواءَ من شغلٍ وشانِ
نظرتُ وناقتايَ على تعادٍ ... مطاوعتا الأزمةِ ترحلانِ
إلى ناريهما وهما قريبٌ ... تشوقانِ المحبَّ وتوقدانِ
وهيجني بلحنٍ أعجميٍّ ... على غصنينِ من غربٍ وبانِ
فكانَ البانُ أن بانت سليمى ... وفي الغربِ اغترابٌ غيرُ دانِ
أليسَ الليلُ يجمعُ أمَّ عمرو ... وإيانا فذاكَ بنا تدانِ
بلى ونرى الهلالَ كما تراهُ ... ويعلوها النهارُ كما علاني
فما بينَ التفرقِ غيرُ سبعٍ ... بقينَ من المحرمِ أو ثمانِ
فيا أخويَّ من جشمِ بن سعدٍ ... أقلاَّ اللومَ إن لم تنفعا لي
إذا جاوزتما سعفاتِ هجرٍ ... وأوديةَ اليمامةِ فانعياني
إلى قومٍ إذا سمعوا بنعيي ... بكى شبانهم وبكى الغواني
وقولا جحدرٌ أمسى رهيناً ... يحاذرُ وقعَ مصقولٍ يمانِ
يحاذرُ صولةَ الحجاج ظلماً ... وما الحجاج ظلاماً لجانِ
ألم ترني غذيتُ أخا حروبٍ ... إذا لم أجنِ كنتُ مجنَّ جانِ
فإن أهلك قربَّ فتىً سيبكي ... عليَّ مخضبٍ رخصِ البنانِ
ولم أكُ ما قضيتُ ديونَ نفسي ... ولا حقَّ المهندِ والسنانِ
وقال جحدر أيضاً في إبراهيم بن عربي والي اليمامة:
إني أرقتُ لبرقٍ ضافني ساري ... كأنَّ في العينِ منهُ مسَّ عوارِ
стр. 113
أو حرَّ فلفلةٍ كانت بها قذيت ... لما يرى قشرها عن حرها الباري
إنَّ الهمومَ إذا عادتكَ واردةً ... إن لم تفرج لها وردٌ بإصدارِ
كانت عليكَ سقاماً تستكينُ لهُ ... وأنصبتكَ لحاجاتٍ وإذكارِ
فصرتُ في السجنِ والحراسُ تحرسني ... بعدَ التلصصِ في برٍّ وأمصارِ
وسيرِ حرفٍ تجوبُ الليلَ جافلةً ... عومَ السفينةِ في ذي اللجةِ الجاري
يا نفسَ لا تجزعي إني إلى أمدٍ ... وكلُّ نفسٍ إلى يومٍ ومقدارِ
وما يقربُ يومي من مدى أملي ... فاقني حياءك ترحالي وتسياري
إني إلى أجلٍ إن كنتِ عالمةً ... إليهِ ما منتهى علمي وآثاري
للهِ أنتِ فإن يعصمكِ فاعتصمي ... وإن كذبتِ فحسبي اللهُ من جارِ
أدعيهِ سراً وناديهِ علانيةً ... واللهُ يعلمُ إعلاني وإسراري
وما السعادةُ في الدنيا لذي أملٍ ... إنَّ السعيدَ الذي ينجو من النارِ
سقياً لسجنك من سجنٍ وساكنهِ ... بديمةٍ من ذهابِ الماءِ مدرارِ
بكلِّ جونٍ رواياهُ مطبعةٌ ... واهي العزالي من الجوزاءِ جرارِ
وقد دعوتُ وما آلو لأسمعهُ ... أبا الوطيدِ ودوني سجنُ دوارِ
في جوفٍ ذي شرفاتٍ سدَّ مخرجهُ ... ببابِ ساجٍ أمينِ القفل صرارِ
أدعوهُ دعوةَ مظلومٍ لينصرني ... ثمَّ استغثتُ بذي نعمى وأخطارِ
أشكو إلى الخيرِ إبراهيم مظلمتي ... في غيرِ جرمٍ وإخراجي من الدارِ
الدهرَ أرسفُ في كبلٍ أعالجهُ ... وحلقةٍ قاربوا فيها بمسمارِ
أدورُ فيهِ نهاري ثمَّ منقلبي ... بالليلِ أدهمَ مزرورٌ بأزرارِ
كأنهُ بينَ أستارين قدهما ... سراةُ أورقَ مطليٌّ من القارِ
يا أقربَ الناسِ من حمدٍ ومكرمةٍ ... وأبعدَ الناسِ من ذمٍّ ومن عارِ
وأعظمَ الناسِ عفواً عندَ مقدرةٍ ... وليثَ غابٍ على أعدائهِ ضارِ
وردٌ هزبرٌ يميتُ القرنَ صولتهُ ... وضمهُ بين أنيابٍ وأظفارِ
أنعم عليَّ بنعمى منكَ سابغةٍ ... من سيبِ أروعَ نفاعٍ وضرارِ
أوفى اليمامةِ من يعلق بذمتهِ ... يأخذ يداهُ بحبلٍ غيرِ خوارِ
طهمان بن عمرو
وقال طهمان بن عمرو الكلابي وهو من اللصوص، وهي جيدة على ايطائه فيها:
سقى دار ليلى بالرقاشينِ مسبلٌ ... مهيبٌ بأعناقِ الغمام دفوقُ
أغرُّ سماكيٌّ كأنَّ ربابهُ ... بخاتيُّ صفت فوقهنَّ وسوقُ
كأنَّ سناهُ حينَ تقدعهُ الصبا ... وتلقحُ أخراهُ الجنوبَ حريقُ
وباتَ بحوضى والسبالِ كأنما ... ينشرُ ريطٌ بينهنَّ صفيقُ
وما بي عن ليلى سلوٌّ ومالها ... تلاقٍ كلانا النأيَ سوفَ يذوقُ
سقاكِ وأن أصبحتِ واهيةَ القوى ... شقائقَ عرضٍ ما لهنَّ فتوقُ
ولو أنَّ ليلى الحارثيةَ سلمت ... عليَّ مسجى في الثيابِ أسوقُ
حنوطي وأكفاني لديَّ معدةُ ... وللنفسِ من قربِ الوفاةِ شهيقُ
إذن لحسبتُ الموتَ يتركني لها ... ويفرجُ عني غمهُ وأفيقُ
ونبئتُ ليلى بالعراقِ مريضةً ... فماذا الذي تغني وأنتَ صديقُ
سقى اللهُ مرضى بالعراقِ فإنني ... على كلِّ شاكٍ بالعراقِ شفيقُ
وإني على لا ينزلُ الناسُ منزلاً ... تحميتِ من قلبي بهِ لحقيقُ
وإني لليلى بعدَ شيبِ مفارقي ... وبعدَ تحني أعظمى لصديقُ
وإني من أن يلغى بكِ القومُ بينهم ... أحاديثَ أجنيها عليكِ شفيقُ
لعلكَ بعدَ السجنِ والقيدِ أن ترى ... تمرُّ على ليلى وأنتَ طليقُ
طليقُ الذي نجا من الكربِ بعدما ... تلاحمَ من دربٍ عليكَ مضيقُ
وقد جعلت أخلاقُ قومكِ إنها ... من الزهدِ أحياناً عليكِ تضيقُ
ألا طرقت ليلى على نأي دارها ... وليلى على شحطِ المزارِ طروقُ
أسيراً يعضُّ القيدُ ساقيةِ فيهما ... من الحلقِ السمرِ اللطافِ وثيقُ
وكم دونَ ليلى من تنايفَ بيضها ... صحيحٌ بمدحي أمهِ وفليقُ
ومن ناشطٍ ذبِّ الريادِ كأنهُ ... إذا راحَ من بردِ الكناسِ فنيقُ
يثيرُ الرخامى بالعشيِّ كأنما ... على وجههِ مما يثيرُ دقيقُ
стр. 114
وغبراءَ مغطيٍّ بها الآلُ لا يرى ... لها من ثنايا المنهلينِ طريقُ
فقلتُ وحرباءُ الضحى متشمسٌ ... وللبرقِ يرمحنَ المتانَ نقيقُ
على ظهرِ مذعانٍ كأنَّ جرانها ... يمانٍ نضا جفنينِ فهو دلوقُ
هل الهجرُ إلاَّ أن أصدَّ فلا أرى ... بأرضكِ إلاَّ أن يضمَّ طريقُ
تقولُ ابنةُ الطائي ما لكَ لا أرى ... بكفيكَ من مالٍ يكادُ يليقُ
رأت صرمةً حدباً يحفُّ عديدها ... غواشٍ يغشي ربها وحقوقُ
يزينُ ما أعطيتُ مني سماحةٌ ... ووجهٌ إلى من يعتريهِ طليقُ
تروكٌ لطيراتِ السقيهِ تكرماً ... وذو نزلٍ عندَ اللقاءِ غلوقُ
وإنَّ بنا عن جارنا أجنبيةً ... حياءً وللمهدي إليهِ طريقُ
يرى جارنا الجنبَ الوحيشَ ولا يرى ... لجارتنا منا أخٌ وصديقُ
القتال الكلابي
وقال القتال واسمه عبد الله بن مجيب الكلابي وهو من اللصوص وكان قد حبس في أيام مروان بن الحكم حبسه بعض ولاة المدينة فيما كان اتهم به من أمر ابن هبار وخشي القتال أن يقاد فقتل صاحب السجن وخرج وقال:
نظرتُ وقد جلى الدجى طاسمُ الصوى ... بسلعٍ وقرنُ الشمسِ لم يترجلِ
إلى ظعنٍ بينَ الرسيسِ فعاقل ... عوامدَ للشيقينِ أو بطنِ خنثلِ
ألا حبذا تلك الديارُ وأهلها ... لو أنَّ عذابي بالمدينةِ ينجلي
برزتُ بها من سجنِ مروانَ غدوةً ... فآنستها بالأيمِ لما تحملِ
وآنستُ حيا بالمطالي وجاملاً ... أبابيلَ هطلى بين راعٍ ومهملِ
ومردٍ على جردٍ يسارٍ لمجلسٍ ... كرامٍ بأيديهم موارنُ دبلِ
بكيتُ بخلصى شنةٍ شدَّ فوقها ... على عجلٍ مستخلفٍ لم تبللِ
على شارفٍ تعدو إذا مالَ ضفرها ... عسيرِ القيا صعبةٍ لم تذللِ
جديدٍ كلاها منهجٍ حجراتها ... فللماءِ سحٌّ من طبابٍ مشلشلِ
أقولُ لأصحابي الحديدِ تروحوا ... إلى نارِ ليلى بالعقوبينِ نصطلي
يضيءُ سناها وجهَ ليلى كأنما ... يضيءُ سناها وجهُ أدماءَ مغزلِ
غلا عظمها واستعجلت عن لدانها ... وشبت شباباً وهي لما تربلِ
بدت بينَ أستارٍ عشاءً يلفها ... تنازعُ أرواحٍ جنوبٍ وشمألِ
يكادُ بأثقابِ اليلنجوج جمرها ... يضيءُ إذا ما سترها لم يجللِ
ومن دونِ حوثُ استوقدت هضبُ شابةٍ ... وهضبُ تعارٍ كلُّ عنقاءَ عيطلِ
يغني الحمامُ الورقُ في قذفاتهِ ... ويحرزُ فيها بيضهُ كلُّ أجدلِ
ولما رأيتُ البابَ قد حيلَ دونهُ ... وخفتُ لحاقاً من كتابٍ مؤجلِ
رددتُ على المكروهِ نفساً شريسةً ... إذا وطنت لم تستقد للتذللِ
إذا قلتُ رفهني من السجنِ ساعةً ... تدارك بها نعمى عليَّ وأفضلِ
يشدُّ وثاقي عابساً ويتلني ... إلى حلقاتٍ في عمودٍ مرملِ
أقولُ لهُ والسيفُ يعصبُ رأسهُ ... أنا ابنُ أبي أسماءَ غيرُ التنحلِ
عرفتُ ندايَ من نداهُ وجرأتي ... وريحاً تغشاني إذا اشتدَّ مسحلي
وقال القتال أيضاً:
صرمت شميلةُ وجهةً فتجلدِ ... من ذا يقولُ لها علينا تقصدِ
أشميلَ ما أدراكِ إن عاصيتني ... إنَّ الرشادَ يكونُ خلفكِ من غدِ
يا ظبيةً عطفت لآدمَ شادنٍ ... هلا أويتِ لقلبِ شيخٍ مقصدِ
فإذا أرادَ الوصلَ لا تصلينهُ ... ووصلتِ أصحابَ الشبابِ الأغيدِ
وتطربت حاجاتُ ذبٍّ فاضلٍ ... أهواءَ حبٍّ في أناسِ مصعدِ
حضروا ظلالَ الأثلِ فوقَ صعائدٍ ... ورموا فراخَ حمامهِ المتغردِ
وشميلَ ما يدريكِ أن ربَ ماجنٍ ... طامٍ عيالمهُ مخوفِ المرصدِ
جاهرتهُ بزمامِ ذاتِ برايةٍ ... وحدي سوى أجدٍ وسيفٍ مفردِ
ومشيتُ في أعطافهِ متدنياً ... وأحطتُ أقفرُ من حيالِ الموردِ
وقفرتُ أنظرُ هل لنا بأنيسهِ ... عهدٌ صفائحَ في إزارٍ ملبدِ
ثم التفعتُ بصدرِ هوجاءِ السرى ... في لاحبٍ أقصُ النعافَ معبدِ
تعلو النجادَ بمضرحي لم يذق ... لبأَ الإماءِ غداةَ غبِّ المولدِ
أدنو إلى المعروفِ ما استدنيتني ... فإذا أقادُ معاسراً لم أنقدِ
стр. 115
وشميلَ لا تسلنني بكِ واسألي ... أصحابَ رحلي بالفلاةِ الصيهدِ
والخيلُ إذ جاءت بريعانٍ لها ... حزقاً توقصُ بالقنا المتقصدِ
والقومَ إذ درهوا بأبلجَ مصعبٍ ... حنقٍ يجورُ على السبيلِ ويهتدي
أني أكونُ لهُ شجاً بمناقلٍ ... ثبتِ الجنانِ ويعتلي بالقرودِ
حتى تلينَ قناتهُ وقناتنا ... عندَ الحفاظِ صليبةٌ لم تنأدِ
وإذا القرومُ سمت لنا أعناقها ... نحنو إليها بالهجانِ المزبدِ
وإذا تروفدتِ الخطوبُ وجدتني ... وأبا أبي وأبي عظيمي المرفدِ
فأبي الذي حبسَ الضبابَ وقد غدت ... عصباً تجهزُ للنجاءِ الأجردِ
وتطايرت عبسٌ فأصبحَ منهمُ ... وادي الدواهن خالياً لم يوردِ
وأتى عكاظَ فقالَ أني مانعٌ ... يا ابنَ الوحيدِ عكاظَ فاذهب فاقعدِ
عقرَ النجائبَ والخيولَ فأصبحت ... عقرى تعطبُ كلها عطبٌ ردي
يومَ الخيالِ فلم تخايل جعفرٌ ... إلاَّ بجهدِ نجائهم حتى الغدِ
فإذا تهددُ من دخيلِ أباءةٍ ... تمشي الهوينا في ظلالِ الغرقدِ
ضارِ بهِ علقُ الدماءِ كأنهُ ... رئبالُ ملكٍ في قباءٍ مجسدِ
فإذا خفضتُ خفضتُ تحتَ ضبارمٍ ... أحمت وقائعهُ سلوكَ الفدفدِ
وإذا رفعتُ رفعتُ لستُ بآمنٍ ... من خبطةٍ بالنابِ يفسدُ واليدِ
وقال القتال أيضاً:
لطيبةَ ربعٌ بالكليبينِ دارسُ ... فبرقُ نعاجٍ غيرتهُ الروامسُ
وقفتُ بهِ حتى تعالت لي الضحى ... أسياً وحتى ملَّ فتلٌ عرامسُ
وما إن تبينُ الدارُ شيئاً لسائلٍ ... ولا أنا حتى جنني الليلُ آيسُ
على آلةٍ ما ينبري لي مساعدٌ ... فيسعدني إلاَّ البلادُ الأمالسُ
تجوبُ على ورقٍ لهنَّ حمامةٌ ... ومنثلمٌ تجري عليهِ الأداهسُ
وسفعٍ كذودِ الهاجريِّ بجعجعٍ ... تحفرُ في أعقارهنَّ الهجارسُ
مواثلُ ما دامتِ خزازٌ مكانها ... بجبانةٍ كانت إليها المجالسُ
تمشي بها ربدُ النعامِ كأنها ... رجالُ القرى تجري عليها الطيالسُ
وما مغزلٌ من وحشِ عرنانَ أتلعت ... بسنتها أخلت عليها الأواعسُ
تصدى لملطومِ الألدينِ ضاعها ... لهُ أتحمياتٌ وأنفٌ خنابسُ
إذا واجهتهُ الشمسُ صدَّ بوجهه ... سوى خدها إذ أشرقت وهو ناعسُ
بذي جدتينِ جدةٍ حبشيةٍ ... ومغربةٍ تجري عليها القراطسُ
ترعى الفضاءَ كلَّ مجرى سحابةٍ ... وفي النفسِ منهُ رأفةٌ وهواجسُ
إذا اعتزلتهُ لا يزالُ بعينها ... حذاراً عليهِ شخصُ رامٍ يخالسُ
تذكرني شبهاً لطبيةَ إذ بدت ... لنا وصوارُ الوحشَ في الظلِ كانسُ
ترددُ أمثالَ الأساودِ أرسلت ... بمتني خذولٍ يغتديها أشامسُ
كأنَّ سحيقَ المسكِ من صنِّ فارةٍ ... يشابُ بها غادٍ من الثلج قارسُ
تصبُّ عليهِ قرقفٌ بابليةٌ ... بأنيابها والليلُ بالطلِّ لابسُ
فصدت حياءً والمودةُ بيننا ... وأبيضُ بلٌّ بالظعائنِ حابسُ
فإما تريني قد تجللَ لمتي ... رداعُ الشبابِ فاسألي ما أمارسُ
بأني أعني بالمصاعبِ حقبةً ... من الدهرِ حتى هنَّ حدبٌ حرامسُ
إذا مصعبٌ قضيتُ يوماً قضاءهُ ... فأني لقرمٍ مصعبٍ متشاوشُ
فأذهبتهم شتى فلاقوا بليةً ... من الشرِّ لا يحظى بها من أقايسُ
وقال أيضاً يمدح عبد الله بن حنظلة الكلابي:
ظعنت قطاةُ فما تقولكَ صانعاً ... وقعدتَ تشكو في الفؤادِ صوادعا
وكأنها إذ قربت أجمالها ... أدماءُ لم ترشح غزالاً خاضعا
بغمت فلم يصحب لها فاستقبلت ... من عاقلٍ شعباً يسلنَ دوافعا
ظلت تعجبُ من سوالفِ عوهجٍ ... أدماءَ تلتقطُ البريرَ اليانعا
دع ذا ولكن حاجتي من جعفرٍ ... رجلٌ تطلعَ للأمورِ مطالعا
يهنا ابنُ حنظلةَ الثناءَ يتمهُ ... قدماً ويبنيهِ بناءً رافعا
وإذا الرفاقُ مع الرفاقِ أهمها ... عجرُ المتاعِ أتت فناءً واسعا
بحراً تنازعهُ البحورُ تمدهُ ... إنَّ البحورَ ترى لهنَّ شرايعا
ويبيتُ يستحيي الأمورَ وبطنهُ ... طيانُ طيَّ البردِ يحسبُ جائعا
стр. 116
من غيرِ لا عدمٍ ولكن شيمةٌ ... إن الكرامَ همُ الكرامُ طبائعا
ربَ أمرِ قومِ قد حفظتَ عليهمُ ... لولا الإلهُ وأنتَ أصبحَ ضائعا
تبعوكَ إذ ضاقَ السبيلُ عليهمُ ... وأبى بلاؤكَ أن تكونَ التابعا
وتبيتُ ناركَ باليفاعِ كأنها ... شاةُ الصوارِ علا مكاناً يافعا
غرضاً لكلِّ مدفعٍ يرمى بهِ ... رمي السهامِ ترى لهنَّ مواقعا
وورثتَ ستةَ أفحلٍ مسعاتهم ... مجدُ الحياةِ وكنتَ أنتَ السابعا
وإذا تنازعُ قرمَ قومٍ سوقةٍ ... في المجدِ سمحَ كارهاً أو طائعا
ما ضاعَ مجدُ أبٍ ورثتَ تراثهُ ... إذ كانَ مجدُ أبٍ لآخرَ ضائعا
سبقَ ابنُ حنظلةَ السعاةُ بسعيهِ ... للغايةِ القصوى سريعاً وادعا
عضت بعبد الله إذ عضت بهِ ... عضت بعبدِ الله سيفاً قاطعا
تبدي الأمورُ لهُ إذا ما أقبلت ... ما كنَّ في أدبارهنَّ صوانعا
عبيد الله بن الحر
وقال عبيد الله بن الحر بن عمرو بن خال بن المجمع بن مالك بن كعب ابن سع بن عوف بن حريم بن جعفي الجعفي، وجعله السكري مع اللصوص ولم يكن لصاً، إنما كان لا يعطي الأمراء طاعة، وكان يضم إليه جماعة ويغير بهم:
ألم تعلمي يا أمَّ توبةَ أنني ... على حدثانِ الدهرِ غيرُ بليدِ
فإن لم أصبحِ شاكراً بكتييةٍ ... فعالجتُ بالكفين غلَّ حديدِ
وقد علمت خيلي بساباطَ أنني ... إذا حيلَ دونَ الطعنِ غيرُ عنودِ
أكرُّ وراءَ المحجرينَ وأدعي ... مواريثَ آباءٍ لنا وجدودِ
إذا فرغت أسيافنا من كتيبةٍ ... نبذنا بأخرى في الصباحِ ركودِ
وإن خرجوا من غمرةٍ ردها لهم ... دعايَ وتحريضي لهم ونشيدي
أقولُ لهم تموا فدىً والدي لكم ... ومالي جميعاً طارفي وتليدي
أفديهم بالوالدين وفيهمِ ... نوافذُ طعنٍ مثلُ حرِّ وقودِ
ترى النضخَ من وقعِ الأسنةِ بينهم ... جسيداً بلباتٍ لهم وخدودِ
وغيرَ ألوانَ الأسنةِ بيننا ... بأحمرَ من صونِ العروقِ فصيدِ
فدارت رحانا واستدارت رحاهمُ ... وكانَ جلادٌ دونَ كلِّ وعيدِ
وأبسلَ أهلُ المأقطين نفوسهم ... مضاربةً إذ طارَ كلُّ شرودِ
دعوني إلى مكروهها فأجبتهم ... وما أنا إذ يدعونني ببعيدِ
أقدمُ مهري في الوغا ثمَّ أنتحي ... على قربوسِ السرجِ غيرَ صدودِ
إذا ما اتقوني بالسيوفِ غشيتهم ... بنفسٍ لما تخشى النفوسَ ورودِ
فما رمتُ حتى صرعَ القومُ نشوةً ... سكارى وما ذاقوا شرابَ حدودِ
ولكنَّ وقعَ المشرفيةٍ بينهم ... لتجهزَ من يدنو لدارِ خلودِ
كأنَّ رؤوسَ الدارعينَ عشيةً ... من الحنظلِ الملقى بكلِّ صعيدِ
فأقلعتِ الغماءُ عنهم وفرجت ... ونحنُ بها من كاتمٍ وشهيدِ
وقال عبيد الله بن الحر أيضاً، وقد أخرج امرأته من السجن، وكان في مائة وثمانين فارساً معهم الفؤوس والكلاليب لمكابرة السجن، وقاتلهم يومئذ بالكوفة، وخرج آخر النهار منها، وأودع امرأته في بيوت جعفي:
ألم تعلمي يا أمَّ توبةَ أنني ... أنا الفارسُ الحامي حقائقَ مذحجِ
وأني صبحتُ السجنَ في رونقِ الضحى ... بكلِّ فتىً حامي الذمار مدججِ
فما إن برحنا السجنَ حتى بدا بنا ... جبينٌ كقرنِ الشمسِ غيرُ مشنجِ
وخدٌّ أسيلٌ من فتاةٍ حييةٍ ... ألا فسقاها كلُّ مزنٍ مبعجِ
فما العيشُ إلا أن أزوركِ خالياً ... كعادتنا من قبلِ حربي ومخرجيِ
وما أنتِ إلاَّ منيةُ النفس والهوى ... عليكِ سلامٌ من حبيبٍ مسحجِ
وما زلتُ محزوناً بحبسكِ واجماً ... وإني لما تلقينَ من بعدهِ شجي
فبالله هل أبصرتِ مثليَ فارساً ... وقد ولجوا عليكِ من كلِّ مولجِ
ومثليَ حامي دونَ مثلكِ إنني ... أشدُّ إذا ما غمرةٌ لم تفرجِ
أضاربهم بالسيفِ عنكَ لترجعي ... إلى الأمنِ والعيشِ الرفيعِ المخرفجِ
إذا ما أحاطوني كررتُ عليهم ... ككرِّ أبي شبلينِ في الخيسِ محرجِ
دعوتُ إليَّ الشاكريَّ ابنَ كاملٍ ... فولى حثيثاً ركضهُ لم يعرجِ
стр. 117
ولو يدعني باسمي كررتُ عليهم ... خيولَ كرامِ الضربِ أكثرها الوجي
ولا غروَ إلاَّ قولُ سلمى ظعينتي ... أما أنتَ يا ابنَ الحرٍّ بالمتحرجِ
دعِ القومَ لا تقتلهمُ وانجُ سالماً ... وشمر هداكَ اللهُ بالخيلِ واخرجِ
وإني لأرجو يا ابنةَ الخير أن أرى ... على خيرِ أحوالِ المؤمل فارتجي
ألا حبذا قولي لأحمرَ طييءٍ ... ولابن خليدٍ قد دنا الصبحُ فادلجِ
وقولي لذا أقضم وقولي لذا ارتحل ... وقولي لذا من بعدها ذاك أسرجِ
وسيري بفتيانٍ كرامٍ أحبهم ... مغذاً وضوءُ الصبحِ لم يتبلجِ
يطيعونَ متلافاً مفيداً معذلاً ... بهِ يرتجي عفوَ الغنى كل مرتجي
وقال عبيد الله بن الحر أيضاً في حبس مصعب:
من مبلغُ الفتيانَ أنَّ أخاهمُ ... أتى دونهُ بابٌ منيعٌ وحاجبهْ
بمنزلةٍ ما كانَ يرضى بمثلها ... إذا قامَ غنتهُ كبولٌ تجاوبهْ
على الساقِ فوقَ الكعبِ أسودُ صامتٌ ... شديدٌ يداني خطوهُ ويقاربهْ
وما ذاكَ من جرمٍ أكونُ اجترمتهُ ... ولكن سعى الساعي بما هو كاذبهْ
وقد كانَ في الأرضِ العريضةِ مسلكٌ ... وأيُّ امرءٍ أعيت عليهِ مذاهبهْ
دعاني إليهِ مصعبٌ فأجبتهُ ... نهاري وليلي كلهُ أنا دائبهْ
أروحُ وأغدو دائماً وكأنما ... أبادرُ غنماً في الحياةِ أناهبهْ
فكان حبائي إذ أنختُ ببابهِ ... حجولٌ وأحراسٌ وصعبٌ مراتبهْ
فإني لم أنكث لهم عهدَ بيعةٍ ... ولم آتِ أمراً محدثاً أنا راهبهْ
فأني لكم مثلي يذببُ عنكمُ ... إذا الصفُّ دارت للقراع كتائبهْ
وإني من قومٍ سيذكر فيهمُ ... بلائي إذا ما غصَّ بالماءِ شاربهْ
كأنَّ عبيدَ اللهِ لم يمسِ ليلةً ... موطنةً تحتَ السروجِ جنائبهْ
ولم يدعُ فتياناً كأنَّ وجوههم ... مصابيحُ في داجٍ توارت كواكبهْ
لعمركَ إني بعدَ عهدي ونصرتي ... لكالسيفِ فلت بعدَ حدِّ مضاربهْ
وقد علمَ المختارُ أني لهُ شجى ... إذا صدَّ عنهُ كلُّ قرنٍ يكالبهْ
أكرُّ عليهِ الخيلُ تدمى نحورها ... أطاعنهُ طوراً وطوراً أضاربهْ
فكم من صريعٍ قد تركتُ بمعزلٍ ... عكوفاً عليه طيرهُ وثعالبهْ
وحصنٍ منيعٍ قد صبحتُ بغارةٍ ... وأهلِ نعيمٍ يضربُ الطبلَ لاعبهْ
وقال أيضاً وهو في السجن:
لنعمَ ابنُ أختِ القوم يسجنُ مصعبٌ ... لطارقِ ليلٍ خائفٍ ولنازلِ
ونعمَ الفتى يا ابنَ الزبيرِ سجنتمُ ... إذا قلقت يوماً ضفورُ الرحائلِ
فلو متُّ في قومي ولم آتِ عجزةً ... يضعفني فيها امرؤٌ غيرَ عادلِ
لأكرم بها من ميتةٍ إن لقيتها ... أطاعنُ فيها كلُّ خرقٍ منازلِ
وما كنتُ أخشى أن أراني مقيداً ... على غيرِ جرمٍ وسطَ بكر بن وائلِ
وألفيتني يا ابنَ الزبير كأنما ... رميتُ بسهمٍ من سهامكَ ناصلِ
فإن أنفلت لا تجمعُ الشمسُ بيننا ... ولا الليلُ إلا في القنا والقنابلِ
متى أدعُ فتيانَ الصعاليكِ يركبوا ... ظماءَ الفصوصِ نائماتِ الأباجلِ
تشبهها الطيرَ السراعَ إذا اغتدت ... بفرسانها في السبسبِ المتماحلِ
تطيرُ معَ الأيدي إذا ارتفعت لها ... شمائلها ألحقنها بالمساحلِ
يقودُ رعانَ الخيلِ بي وبصحبتي ... كميتُ الأعالي بربريُّ الأسافلِ
علينا دلاصٌ من تراثِ محرقٍ ... وتركٌ جلا عنها مداسُ الصياقلِ
ومطرداتٌ من رماحِ ردينةٍ ... وأتراسُ جونٌ علقت بالشمائلِ
فلو شئتَ لم تسجن صديقاً ولم تهب ... إليكِ بصقعاءِ المناكبِ بازلِ
من الجربِ يمريها ودرتها دمٌ ... إذا أمتريت أخلافها بالمناصلِ
أنا ابنُ أبي قيسٍ فإن كنتَ سائلاً ... بقيسٍ تجدهم ذروةً في القبائلِ
ألم ترَ قيساً قيسَ عيلانَ برقعت ... لحاها وباعت نبلها بالمغازلِ
ومازلتُ أرجو الأزدَ حتى رأيتها ... تقصرُ عن بنيانها المتطاولِ
ومقتلُ مسعودٍ ولم يثأروا بهِ ... وصارتِ سيوفُ الأزد مثل المناجلِ
وما خيرُ عقلٍ أورثَ الأزدَ ذلةً ... تسبُّ بهِ أحياؤهم في المحافلِ
стр. 118
على أنهم شمطٌ كأنَّ لحاهمُ ... لحاءُ تيوسٍ حليت عن مناهلِ
دريد بن الصمة
وقال دريد بن الصمة الجشمي من جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن يرثي عبد الله أخاه وقتله بنو عبس:
أرثَّ جديدُ الحبلِ من أمَّ معبدِ ... بعاقبةٍ وأخلفت كلَّ موعدِ
وبانت ولم أحمد إليكَ نوالها ... ولم ترجُ فينا ردةَ اليومِ أو غدِ
كأنَّ حمولَ الحيِّ إذ تلعَ الضحى ... بناصفةِ السحناءِ عصبةُ مذودِ
أو الأثأبُ العمُّ المحزمُ سوقهُ ... بشابةَ لم يخبط ولم يتعضدِ
أعاذلَ مهلاً بعضَ لومكِ واقصدي ... وإن كانَ علمُ الغيبِ عندكِ فارشدي
وقلتُ لعارضٍ وأصحابِ عارضِ ... ورهطِ بني السوداءِ والقومُ شهدي
وقلتُ لهم إنَّ الأحاليف أصبحت ... مطنبةٌ بينَ الستار وثهمدِ
علانيةً ظنوا بألفي مدحجٍ ... سراتهم في الفارسي المسردِ
ولما رأيتُ الخيلَ قبلاً كأنها ... جرادٌ تباري وجهةَ الريحِ مغتدِ
أمرتهمُ أمري بمنعرجِ اللوى ... فلم يستبينوا النصحَ إلا ضحى الغدِ
فلما عصوني كنتُ منهم وقد أرى ... غوايتهم وأنني غيرُ مهتدي
وهل أنا إلاَّ من غزيةَ إن غوت ... غويتُ وإن ترشد غزيةُ أرشدِ
دعاني أخي والخيلُ بيني وبينهُ ... فلما دعاني لم يجدني بقعددِ
أخي أرضعتني أمهُ بلباتها ... بثديِ صفاءٍ بيننا لم يجددِ
فجئتُ إليهِ والرماحُ تنوشهُ ... كوقعِ الصياصي في النسيجِ الممددِ
وكنتُ كأمِّ البوِّ ريعت فأقبلت ... إلى جلدٍ من مسكِ سقبٍ مقددِ
فطاعنتُ عنهُ الخيلَ حتى تنهنهت ... وحتى علاني حالكُ اللونِ أسودِ
قتالَ امرئٍ آسى أخاهُ بنفسهِ ... ويعلمُ أنَّ المرءَ غيرُ مخلدِ
تنادوا فقالوا أردتِ الخيلُ فارساً ... فقلتُ أعبدُ اللهِ ذلكمُ الردي
فإن يكُ عبدُ اللهِ خلى مكانهُ ... فما كانَ وقافاً ولا طايشَ اليدِ
ولا برما إذا الرياحُ تناوحت ... برطبِ العضاهِ والهشيمِ المعضدِ
كميشُ الإزارِ خارجٌ نصفُ ساقهِ ... صبورٌ على العزاءِ طلاعُ أنجدِ
قليلٌ تشكيهِ المصيباتِ حافظٌ ... من اليوم أعقابَ الأحاديثِ في غدِ
إذا هبطَ الأرضَ الفضاءَ تزينت ... لرؤيتهِ كالمأتمِ المتبددِ
وكنتُ كأني واثقٌ بمصدرٍ ... يمشي بأكنافِ الخبيبِ بمشهدِ
وهونَ وجدي أنني لم أقل لهُ ... كذبتَ ولم أبخل بما ملكت يدي
وغارةِ بينِ الليلِ واليومِ فلتةٍ ... تداركتها ركضاً بسيدٍ عمردِ
سليم الشظا عبلِ الشوى شنجِ النسا ... طويلِ القرى نهدٍ أسيلِ المقلدِ
يفوتُ طويلَ القومِ عقدُ عذارهِ ... منيفٍ كجذعِ النخلةِ المتجردِ
فإن تمكنِ الأيامُ والدهرُ تعلموا ... بني قاربٍ أنا غضابٌ بمعبدِ
وقال دريد أيضاً:
هل مثلُ قلبكَ في الأهواءِ معذورُ ... والشيبُ بعدَ شبابِ المرءِ مقدورُ
قد خفَّ صحبي وأشكوني وأرقني ... خودٌ ترببها الأبوابُ والدورُ
لما رأيتُ بأن جدوا وشيعني ... يومَ الصبابةِ والمنصورُ منصورُ
واكبتهم بأمونٍ جسرةٍ أجدٍ ... كأنها فدنٌ بالطينِ ممدورُ
وجناءَ لا يسأمُ الإيضاعَ راكبها ... إذا السرابُ اكتساهُ الحزنُ والقورُ
كأنها بينَ جنبي واسطٍ شببٌ ... وبينَ ليانَ طاوي الكشحِ مذعورُ
يا آلَ سفيانَ ما بالي وبالكمُ ... أنتم كثيرٌ وفي الأحلامِ عصفورُ
إذا غلبتم صديقاً تبطشونَ بهِ ... كما تهدمُ في الماءِ الجماهيرُ
وأنتمُ معشرٌ في علوكم شنجٌ ... بزخُ الظهورِ وفي الأستاهِ تأخيرُ
يا آلَ سفيانَ إني قد شهدتكمُ ... أيامَ أمكمُ حمراءُ مئشيرُ
هلاَّ نهيتم أخاكم عن سفاهتهِ ... إذ تشربونَ وغاوي الخمرِ مزجورُ
لن تسبقوني ولو أمهلتكم شرفاً ... عقبي إذا أبطأ الفحجِ اليحاميرُ
إلى الصراخِ وسربالي مضاعفةٌ ... كأنها مفرطٌ بالسيءِ ممطورُ
بيضاءُ لا ترتدى إلا على فزعٍ ... من نسجِ داوودَ فيها السكُ مقتورُ
قد علمَ القومُ إني من سرانهم ... إذا تقلصَ في البطنِ المذاكيرُ
стр. 119
إذا طردنا كسونا الخيلَ أنضيةً ... وإن طردنا كأنا خلفنا زورُ
قومٌ إذا اختلفَ الهيجاءُ واختلفت ... صبرٌ إذا عردَ العزلُ العواويرُ
لقد أروعُ سوامَ الخيلِ ضاحيةً ... بالجردِ يركضها الشعثُ المغاويرُ
يحملنَ كلَّ هجانٍ صارمٍ ذكرٍ ... وتحتهمُ شزبٌ قبٌّ محاضيرُ
أوعدتمُ إبلي كلاَّ سيمنعها ... بنو غزيةَ لا ميلُ ولا عورُ
كأنَّ ولدانهم لما اختلطنَ بهم ... تحتَ العجاجةِ بالأيدي العصافيرُ
تنجو سوالفها من ساطعٍ كدرٍ ... كما تجللتِ الوعثَ اليعافيرُ
متنطقاً بحسامٍ غيرِ منقضمٍ ... عضبِ المضاربِ فيهِ السمُّ مذرورُ
وعاملٍ مارنٍ صُمِّ معاقمهُ ... فيهِ سنانٌ حديدُ الحدِّ مطرورُ
وقال دريد أيضاً:
إن يكُ رأسي كالثغامةِ نسلهُ ... يطيفُ بي الولدانُ أحدبَ كالقردِ
رهينةَ قعرِ البيتِ كلَّ عشيةٍ ... كأني أرادى أن أصوبَ في مهدِ
فمن بعدَ فضلٍ في شبابٍ وقوةٍ ... ورأسٍ أثيثٍ حالكِ اللونِ مسودِ
فقد أبعثُ الوجناءَ يدمى أظلها ... على ظهرِ سبسابٍ كحاشيةِ البردِ
فأوردتها ماءً قليلاً أنيسهُ ... حديثاً بعهدِ الناسِ أو غيرَ ذي عهدِ
فأعكسها في جمةٍ فنضأتها ... فآنستُ ما أبغي وأتعبتها تردي
إلى علمٍ ناءٍ كأنَّ مسافهُ ... مخللُ كتانٍ من النأي والبعدِ
وخيلٍ كأسرابِ القطا قد وزعتها ... على هيكلٍ نهدِ الجزارةِ مرمدِ
سوابقها يخرجنَ من متنصفٍ ... خروجَ القواري الخضرِ من سبلِ الرعدِ
وغيثٍ من الوسميِّ حوِّ تلاعهُ ... علتهُ جمادى بالبوارقِ والرعدِ
تبطنتهُ تعدو ببزيَ نهدةٌ ... جلالةُ ما بينَ الشراسيفِ واللبدِ
وتخطو على صمٍّ كأنَّ نسورها ... نوى القسبِ يستوقدنَ في الظربِ الصلدِ
لها حضرٌ كيفَ الحريقُ وعقبها ... كجمِّ الخسيفِ بعدَ معمعةِ الوردِ
قليلُ البتاتِ غيرَ قوسٍ وأسهمٍ ... وأبيضَ قصالِ الضريبةِ محتدِّ
وأسمرَ مربوعٍ متلٍّ كعوبهُ ... يصرفُ فيهِ لهذماً وادقَ الحدِّ
وقال دريد أيضاً في الخنساء وخطبها فكرهته لكبره:
وقاكِ اللهُ يا ابنةَ آلِ عمرو ... من الفتيانِ أمثالي ونفسي
ولا تلدي ولا ينكحكِ مثلي ... إذا ما ليلةٌ طرقت بنحسِ
إذا عقبُ القدورِ تكونُ ماءً ... تحبُّ حلائلُ الأبرامِ عرسي
وقد علمَ المواضعُ في جمادى ... إذا استعجلنَ عن حزٍّ بنهسِ
بأني لا أبيتُ بغيرِ لحمٍ ... وأبدأُ بالأراملِ حينَ أمسي
وأني لا ينادي الحيُّ ضيفي ... وضيفي لا يبيتُ خبيثَ نفسي
وتزعمُ أنني شيخٌ كبيرٌ ... وهل نبأتها أني ابنُ أمسِ
تريدُ أفيحجَ القدمينِ شثناً ... يبادرُ بالجدايرِ كلَّ كرسِ
وأصفرُ من قداحِ النبعِ صلبٌ ... خفيُّ الوسمِ من ضرسِ ولمسِ
دفعتُ إلى المفيضِ إذا استقلوا ... على الركباتِ مطلعَ كلِّ شمسِ
وإن أكدي فتامكةٌ تؤدي ... وإن أوري فإني غيرُ شكسِ
ومرقصةٍ رددتُ الخيلَ عنها ... بموزعةِ التوالي ذاتِ فلسِ
وما قصرت يدي عن عظمِ أمرٍ ... أهمُّ بهِ وما سهمي بنكسِ
وما أنا بالمزجي حينَ يسمو ... عظيمٌ مل أمورِ ولا بوهسِ
وقد أجتازُ عرضَ الخرقِ ليلاً ... بأعيسَ من جمالِ العيدِ جلسِ
كأنَّ على تنائفهِ إذا ما ... أضاءت شمسهُ أثوابَ برسِ
وقال دريد أيضاً:
غشيتُ برابغٍ طللاً محيلاً ... أبت آياتهُ إلاَّ تحولا
تعفت غيرُ سفعٍ ماثلاتٍ ... يطيرُ سواده سملاً جفولا
سواكنهُ جوامعُ بينَ جأبٍ ... يساقطُ بينَ سمنتهِ النسيلا
إذا ما صاحَ حشرجَ في سحيلٍ ... وإرنانٍ فأتبعهُ سحيلا
وظلمانٍ مجوفةٍ بياضاً ... وعينٍ ترتعي منهُ بقولا
وقفتُ بها سراةَ اليومِ صحبي ... أكفكفُ دمعَ عيني أن يسيلا
ألا أبلغ وشاةَ الناسِ أني ... أكونُ لهم على نفسي دليلا
بأني قد تركتُ وصالَ هندٍ ... وبدلَ ودها عندي ذهولا
فإني آتي التي تهوونَ منها ... فقد عاصيتها زمناً طويلا
стр. 120
فلا تلدي ولا ينكحكِ مثلي ... إذا طردَ السفا هيفاً نصولا
وأجدبتِ البلادُ فكنَّ غبراً ... وعادَ القطرُ منزوراً قليلا
فإنكِ إن سألتِ سراةَ قومي ... إذا ما حربهم نتجت فصيلا
ألستُ أعدُّ سابغةً ونهداً ... وذا حدينِ مشهوراً صقيلا
وأعفو عن سفيههمِ وأرضى ... مقالةَ من أرى منهم خليلا
بجنبِ الشعبِ يرهقني إذا ما ... مضى فيهِ الرعيلُ رأى رعيلا
ونحنُ معاشرٌ خرجوا ملوكاً ... تفكُّ عن المكبلةِ الكبولا
متى ما تأتِ نادينا تجدنا ... جحاجحةً خضارمةً كهولا
وشباناً إذا فزعوا تغشوا ... سوابغَ يسحبونَ لها ذيولا
الشمردل بن شريك
وقال الشمردل بن شريك اليربوعي:
بانَ الخليطُ فأدلجوا بسوادِ ... وأجدَّ بينهمُ على ميعادِ
لما بدا وهجُ السمومِ وعارضت ... هيفُ الجنوبِ أوائلَ الأورادِ
وتصوبت سورُ الإخاذِ وذكرت ... بالعدِّ من هو بالتنوفةِ بادِ
وجرى السرابُ على الأماعزِ بعدما ... خبَّ السفا بظواهرِ الأسنادِ
كرهوا الرواحَ فقوضوا بأصيلةٍ ... ودعا برائحةِ الجمالُ منادي
بجوازيءٍ كصفا الأسيلِ تربعت ... مستنَّ أوليةٍ وصوبَ عهادِ
في سامقٍ غردِ الذبابِ ترى لهُ ... صحناً بكلِّ قرارةٍ ووهادِ
حتى إذا عفتِ السحوجُ وغمها ... نيُّ الكلي ومواضعُ الأقتادِ
طارت عقايقها وقد علقَ السفا ... خدماً بجلتها من الأقيادِ
وسعى القطينُ فصافحت برؤوسها ... خدرُ الأزمةِ أيديَ الأوغادِ
وعرفنَ عادتهنَّ ثمَّ منعنها ... من كبرياءِ بهنَّ غير شرادِ
جنى إذا علقت أزمتها البرى ... راجعنَ دلَّ نجابةٍ وقيادِ
غلبُ الرقابِ كأنَّ هامُ رؤوسها ... من فوقِ أعينها مقابرُ عادِ
من كلِّ مختلفِ الشؤونِ مفرجٍ ... صعقِ الشباةِ يهمُّ بالإيعادِ
وكسينَ من ربذِ الأشلةِ زينةً ... حينَ استبانَ من الصباحِ هوادي
ثمَّ استقلَّ منعماتٌ كالدمى ... شمسُ العتابِ قليلةُ الأحقادِ
كذبُ المواعدِ لا يزالُ أخو الصبا ... منهنَّ بينَ مودةٍ وبعادِ
حتى ينالَ حبالهنَّ تخلباً ... عقلَ الشريدِ وهنَّ غيرُ شرادِ
والحبُّ يعطفُ بعدَ هجرٍ بيننا ... وبهيجُ مغتبطاً لغيرِ تعادِ
كالحائماتِ يرينَ شرباً دونهُ ... رصدُ الشريعةِ والقلوبُ صوادي
ولقد نظرتَ وردَّ نظرتك الهوى ... بكثيبِ تلعةَ والقلوبُ صوادي
والآلُ يتضعُ الحدابَ وتغتلي ... بزلُ الجمالِ إذا تشنعَ حادي
كالزنبريِّ تقاذفتهُ لجةٌ ... يصدعنها بكلاكلٍ وهوادي
في موجِ ذي حدبٍ كأنَّ سفينهُ ... دونَ السماءِ على ذرى أطوادِ
إنا لننفعُ من أردنا نفعهُ ... ويخافُ صولتنا الذين نعادي
والموتُ يولعُ كلَّ يومِ وقيعةٍ ... منا بأهلِ سماحةٍ وذيادِ
أمثالِ عقبةَ والعلاءِ وعامرٍ ... والسجفِ غير مغمرَّ وزيادِ
كانوا إذا نهلَ القنا بأكفهم ... سلبوا السيوفَ أعالي الأغمادِ
فتيانُ مكرمةٍ وشيبٌ سادةٌ ... مثرونَ ليسَ بحورهم بثمادِ
وهمُ الحماةُ إذا النساءُ استعبرتِ ... والمطعمونَ عشيةَ الصرادِ
ولقد علمتُ ولو مضوا لسبيلهم ... وأطالَ ذكرهمُ ضميرُ فؤادي
إنَّ المصابَ وإن تلبثَ بعدهُ ... كرواحِ مرتحلٍ وآخرَ غادي
وقال أيضاً:
طربتُ وذو الحلمِ قدِ يطربُ ... وليسَ لعهدِ الصبا مطلبُ
خلا واسطٌ وكأن لم يكن ... بهِ منزلُ الحيَّ والربربُ
قياماً تفادينَ فوقَ الكثيب ... تداعى بهِ بدنٌ كعبُ
ثقالُ الروادفِ نجلُ العيونِ ... لهنَّ فؤادك مستصحبُ
وأسرعَ في البينِ قيلُ الوشاةِ ... ولا يعدمُ الناسَ من يشغبُ
ولا يلبثُ الدهرُ ذا سلوةٍ ... تراوحهُ الشرقُ والمغربُ
ومرُّ الليالي وأيامها ... وبدءُ الحوادثِ والعقبُ
وكم من نعيمٍ ومن عبرةٍ ... تقضى إلى أجلٍ يكتبُ
فإن يكُ صحبكَ لم يربعوا ... وقالوا ترحلنا أصوبُ
стр. 121
فودع سليمةَ إنَّ الفؤادَ ... غداً عن زيارتها أجنبُ
وما رحتُ حتى تولى النهارُ ... وقال صحابي ألا تركبُ
فرحتُ وفي الصدرِ من بينها ... كصدعِ الزجاجةٍ لا يشعبُ
فويلُ امها خلةً لو تدومُ ... على ما تقولُ ولا تكذبُ
ولكنَّ أكثرَ موعودها ... كبرقٍ ألاحَ بهِ الخلبُ
من البيضِ لم توذِ جاراتها ... ولم يك فيهم لنا نيربُ
ولم يفزعِ الحيُّ من صوتها ... أمامَ بيوتهم تصخبُ
قطوفٌ تهادى إذا أعنقت ... كما يطأُ الموعثَ المتعبُ
كأنَّ علالةَ أنيابها ... شمولٌ بماءِ الصفا تقطبُ
كميتٌ لسورتها نفحةٌ ... كرائحةِ المسكِ أو أطيبُ
تزيدُ الجوادَ إلى جوده ... ويفترُ عنها وما ينصبُ
وتصعدُ لذتها في العظامِ ... إذا خالطت عقلَ من يشربُ
وقد جلبت لكَ من أرضها ... سليمةُ والوصلُ قد يجلبُ
على حينَ ولى مراحُ الشبابِ ... وكادت صبابتهُ تذهبُ
فلما رأت أنَّ في صدرهِ ... من الوجدِ فوقَ الذي يحسبُ
أدلت لتقتلهُ بالعتابِ ... فكادَ على عقلهِ يغلبُ
ونحنُ على نزواتِ العتابِ ... كلانا بصاحبهِ معجبُ
إذا جئتُ قالت تجنبننا ... وكيفَ زيادةُ من يرقبُ
بهجرِ سليمة مرَّ السنيحُ ... فلم تدرِ ما قالَ إذ ينعبُ
وماذا عليكَ إذا فارقت ... أصاحَ الغرابُ أمِ الثعلبُ
فيا حاجةَ القلب لما استوى ... ظلاماً بأحداجها المنقبُ
وأدلجتِ الشمسُ يحدُ القطينُ ... بها ليلةَ اندفعَ الموكبُ
يضيءُ سناها رقاقَ الثيابِ ... فلا الوجهُ أحوى ولا مغربُ
سرت بالسعودِ إلى أن بدا ... لها القاعُ فالحزمُ فالمذنبُ
فما درةٌ تتوافى التجارُ ... إلى غايصٍ عندهُ تطلبُ
رمى صدفيها بأجرامهِ ... كما انقضَّ بازلهُ مرقبُ
بأحسنَ منها ولا مغزلٌ ... أطاعَ لها المكرُ والحلبُ
بسفحٍ مجودٍ ولاهُ الخريفُ ... منَ الدلوِ ساريةٌ تهضبُ
وظلماءَ جشمتنا سيرها ... ولم يبدُ فيها لنا كوكبُ
وهاجرةٍ صادقٍ حرها ... تكادُ الثيابُ بها تلهبُ
كأنَّ الحرابيَّ من شمسها ... تلوحُ بالنارِ أو تصلبُ
ورقاصةِ الآلِ فوقَ الحدابِ ... يظلُّ السرابُ بها يلعبُ
وتحتَ قتوديَ زيافةٌ ... خنوفٌ إذا صخبَ الجندبُ
جماليةُ الخلقِ مضبورةٌ ... على مثلها يقطعُ السبسبُ
وخودٌ إذا القومُ قالوا ارفعوا ... ضربنَ وجالت وما تضربُ
كأنَّ قتودي وأنساعها ... تضمنهنَّ وأي أحقبُ
مرنٌّ يحاذرُ روعاتهِ ... سماحيجُ مثلُ القنا شزبُ
إذا امتنعت بعدَ أطهارها ... فلا الطوعَ تعطي ولا تغضبُ
رعى ورعينَ حديقَ الرياضِ ... إلى أن تجرمتِ العقربُ
وهاجت بوارحُ ذكرنهُ ... مناهلَ كانَ بها يشربُ
فظلت إلى الشمسِ خوصَ العيونِ ... تناجي أيخفضُ أمِ يقربُ
فبيتنَ عيناً من الجمجمانِ ... تنازعها طرقٌ نيسبُ
بها ساهرُ الليلِ عاري العظامِ ... عرى لحمهُ أنهُ يدأبُ
قليلُ السوامِ سوى نبلهِ ... وقوسٌ لها وترٌ مجذبُ
فلما شرعنَ رمى واتقى ... بسهمٍ ثنى حدهُ الأثأبُ
فحصنَ فثارَ على رأسهِ ... من القاعِ معتبطٌ أصهبُ
فكادَ بحسرةِ ما فاتهُ ... يجنُّ من الوجدِ أو يكلبُ
فإن يكُ لوني علاهُ الشحوبَ ... فإنَّ أخا الهمِّ من يشحبُ
وقد عجمتني شدادُ الأمورِ ... فلا أستكينُ إذا أنكبُ
لئن أبدتِ الحربُ أنيابها ... وقامَ لها ذائدٌ مرهبُ
وما زالَ عندي ذو هيئةِ ... حسامٌ أصولُ بهِ مقضبُ
من القلعياتِ لا محدثٌ ... كليلٌ ولا طبعٌ أجربُ
تلذُّ اليمينُ انتضاءً بهِ ... إذا الغمدُ عن متنهِ يسلبُ
أعاذلَ إني رأيتُ الفتى ... إذا ماتَ بالبخلِ لا يندبُ
ولو كنتُ قطبةَ أو مثلهُ ... ذممتُ ولم يبقَ ما أكسبُ
تراهُ يحارشُ أصحابهُ ... قياماً كما احترشَ الأكلبُ
على معظمٍ أيهم نالهُ ... فذلكِ فيهم هو المتربُ
стр. 122
وقال الشمردل أيضاً يرثى أخاه وائلاً:
لعمري لإن غالت أخي دارُ فرقةٍ ... وآبَ إلينا سيفهُ ورواحلهْ
وحلت بهِ أثقالنا الأرضُ وانتهى ... بمثواهُ منها وهو عفٌّ منازلهْ
لقد ضمنت جلدَ التقى كان يتقى ... بهِ جانبُ الثغرِ المخوفِ زلازلهْ
وصولٌ إذا استغنى وإن كانَ مقتراً ... من المالِ لم يحفِ الصديقَ مسايلهْ
هضومٌ لأيتامِ الشتاءِ كأنما ... يراهُ الحيا أيتامهُ وأراملهْ
رخيصُ نضيج القدرِ يغلي بنيئهِ ... إذا بردت عندَ الصلاءِ أناملهْ
أقولُ وقد رجمتُ عنهُ وأسرعت ... إليَّ بأخبارِ اليقين محاصلهْ
إلى اللهِ أشكو لا إلى الناسِ فقدهُ ... ولوعةَ حزنٍ أوجعَ القلبَ داخلهْ
وتحقيقَ رؤيا في المنامِ رأيتها ... فكانَ أخي رمحي ترفضَ عاملهْ
سقى جدثاً أعرافُ غمرةَ دونهُ ... بهضبةَ كتمانِ الربيعِ ووابلهْ
بمثوى غريبٍ ليسَ منا مزارهُ ... بدانٍ ولاذو الودِّ منا يواصلهْ
إذا ما أتى يومٌ من الدهرِ بيننا ... فحياكَ عنا شرقهُ وأصائلهْ
وكلُّ سنا صبحٍ أضاءَ ومغربٍ ... من الشمسِ وافى جنحَ ليلٍ أوائلهْ
تحيةَ من أدى الرسالةَ حييت ... إلينا ولم ترجع بشيءٍ رسائلهْ
أبى الصبرُ أنَّ العينَ بعدك لم يزل ... يخالطُ جفنيها قذى ما تزايلهْ
تبرضَ بعدَ الجهدِ من عبراتها ... بقيةُ دمعٍ شجوها لكَ باذلهْ
وكنتُ أعيرُ الدمعَ قبلك من بكى ... فأنت على من ماتَ بعدك شاغلهْ
تذكرني هيفُ الجنوبِ ومنتهى ... نسيم الصبا رميساً عليهِ جنادلهْ
وهاتفةٌ فوقَ الغصونِ تفجعت ... لفقدِ حمامٍ أفردتها حبائلهْ
منَ الورقِ بالأصيافِ نواحةُ الضحى ... إذا الغرقدُ التفت عليهِ غياطلهْ
وسورةُ أيدي القومِ إذ حلتِ الحبى ... حبى الشيبِ واستعوى أخا الحلم جاهلهْ
فعينيَّ إذ أبكاكما الدهرُ فابكيا ... لمن نصرهُ قد بانَ عنا ونائلهْ
وإن ما نحت عينا حزينٍ فما نحا ... عليهِ لبذلٍ أو لخصمٍ يجادلهْ
أخي لا بخيلٌ في الحياةِ بمالهِ ... عليَّ ولا مستبطأ الفرضِ خاذلهْ
أقامَ حميداً بينَ تثليثَ دارهُ ... وبيشةَ لا يبعد أخي وشمائلهْ
وتهجيرهُ بالقومِ بعدَ كلالهم ... إذا اجلوذَ الخمسَ البعيدَ مناهلهْ
على مثل جونيِّ العطاشِ من القطا ... تجاهدَ لما أفزعتهُ أجادلهْ
وشعثٍ يظنونَ الظنونَ سما بهم ... لنائي الصوى يثني الضعيفَ تهاولهْ
بخرقٍ من الموماةِ قودٍ رعانهُ ... يكادُ إذا أضحى تجولُ مواثلهْ
تشبهُ حسراهُ القراقيرَ يرتمي ... بها ذو حدابٍ يضربُ البيدَ ساحلهْ
إذا النشزُ فوقَ الآلِ ظل كأنهُ ... قرى فرسٍ يغشى الآجلة كاهلهْ
وسدمٍ سقى منها الخوامسَ بعدما ... ضرحنَ الحصى حتى توقدَ جائلهْ
إذا استعبرت عوذُ النساءِ وشمرت ... مآزرَ يومٍ لا توارى خلاخلهْ
وثقنَ بهِ عندَ الحفيظةِ فارعوى ... إلى صوتهِ جاراتهُ وحلائلهْ
إلى ذائدٍ في الحربِ لم يكُ خاملاً ... إذا عاذَ بالسيفِ المجردِ حاملهْ
كما ذادَ عن عريسةِ الغيلِ مخدرٌ ... يخافُ الردى ركبانهُ وأراجلهْ
فما كنتُ أرى لامرئٍ عندَ موطنٍ ... أخاً بأخي لو كانَ حياً أبادلهْ
وكنتُ بهِ أخشى القتالَ فعزني ... عليهِ من المقدارِ ما لا أقاتلهْ
لعمركَ إنَّ الموتَ منا لمولعٌ ... بمن كان يرجى نفعهُ ونوافلهْ
فما البعدُ إلاَّ أننا بعدَ صحبةٍ ... كأن لم نبايت وائلاً ونقابلهْ
سقى الضفراتِ الغيثُ ما كانَ ثاوياً ... بهنَّ وجادت تستهلُّ هواطلهْ
وما بي حبَّ الأرضِ إلاَّ جوارها ... صداهُ وقولٌ ظنَّ أني قائلهْ
وقال الشمردل أيضاً:
إنَّ الخليطَ أجدَّ منكَ بكورا ... وترى المحاذرَ بالفراقِ جديرا
صرموا حبالكَ فاتضعتِ لحاجةٍ ... تبكي الحزينَ وتترحُ المحبورا
بالقنفذين غداةَ لو كلمتنا ... دهقانُ ما كتمَ الفؤادُ ضميرا
لما تخايلَ غدوةً أترابها ... رفعنَ فوقَ ذرى الجمالِ خدورا
стр. 123
رحلت هوادجهنَّ كلُّ ربحلةٍ ... قامت تهاونُ خلقها الممكورا
صمتُ الخلاخل في رواءِ خدلةٍ ... بيضٍ تقلُّ روادفاً وخصورا
سلمنَ قبلَ وداعهنَّ لغربةٍ ... ورعى الهوى بقراً أوانسَ حورا
دارَ الجميع بروضةِ الخيلِ اسلمي ... وسقيتِ مرتجزَ العشيِّ مطيرا
ولقد أرى بك حاضراً ذا غبطةٍ ... إذ لا أخافُ على الشقاقِ أميرا
يا أمَّ نجدةَ لو رأيتِ مطينا ... بعدَ الكرى ومناخهنَّ هجيرا
لرأيتِ جائلةَ الغروضِ وفتيةً ... وقعت كلاكلها بهم تغويرا
من كلِّ يعملةِ النجاءِ شملةٍ ... قوداءَ يملأ نحرها التصديرا
ترمي النجادَ بمقلتي متوجسٍ ... لهقٍ تروحَ ناشطاً مذعورا
أمسى بمحنيةٍ يحكُّ بروقهِ ... حقفاً يهيلُ ترابهُ المحدورا
من صوبِ ساريةٍ كأنَّ بمتنهِ ... منها الجمانُ ولؤلؤاً منشورا
طالت عليهِ وباتَ من نفحِ الصبا ... وجلاً يوقرُ جأشهُ توفيرا
حتى غدا حبقاً وحققَ ذعرهُ ... عاري الأشاجع ما يزالُ ضريرا
يشلي قوانصَ من كلابِ محاربٍ ... طلساً يجلنَ إذا سمعنَ صفيرا
حاذرنَ شدةَ محصفٍ ذي شرةٍ ... حاضرنهُ فوجدنهُ محضيرا
حتى ارعوى لحميةٍ لحقتِ بهِ ... والكبرياءُ يشيعُ المكثورا
ينهسنَ كاذتهُ ويمنعُ لحمهُ ... طعنٌ يصيبُ فرائصاً ونحورا
قالت حبابةُ ما لجسمكَ ناحلاً ... وكساكَ منزلةِ الشبابِ قتيرا
والجفنُ ينحلُ ثمَّ يوجدُ نصلهُ ... عندَ الضريبةِ صارماً مأثورا
هلاَّ سألتِ إذا اللقاحُ تروحت ... هدجاً وراحَ قريعها مقرورا
ألاَّ أحفَّ على الدخانِ ولا أرى ... سبلَ السماحةِ يا حبابَ وعورا
إني لأبذلُ للبخيلِ إذا اعترى ... مالي وأتركُ مالهُ موفورا
وإذا طلبتُ ثوابَ ما آتيتهُ ... فكفى بذاكَ لسائلي تذكيرا
فذرا عتابي كلما صبحتما ... عذالتي لتقصدا وتجورا
وإذا رشادُ الأمرِ صارَ إليكما ... فتربصا بي أن أقولَ أشيرا
وقال أيضاً:
بانَ الخليطُ بحبلِ الودِّ فانطلقوا ... وزيلَ البينُ من تهوى ومن تمقُ
ليتَ المقيمُ مكانَ الظاعنين وقد ... تدنو الظنونَ وينأى من بهِ تثقُ
وما استحالوا عن الدارِ التي تركوا ... عني كأنَّ فؤادي طائرٌ علقُ
وفي الخدورِ مهاً لما رأينَ لنا ... نحواً سوى نحوهنَّ أغرورقَ الحدقُ
أريننا أعيناً نجلاً مدامعها ... دافعنَ كلَّ دوى أمسى بهِ رمقُ
بموطنٍ يتقى بعضَ الكلامِ بهِ ... وبعضهُ من غشاشِ البينِ مسترقُ
ثم استمروا يشقونَ السرابَ ضحى ... كأنهم نخلُ شطي دجلةَ السحقُ
فما رأيتُ كما تفري الحداةُ بهم ... ولا كنظرةِ عينٍ جفنها غرقُ
إذا أقولُ لهم قد حانَ منزلهم ... وضرجَ البزلَ من أعطافها العرقُ
حثوا نجائبَ تلوي من خزايمها ... جذبَ الأزمةِ في أزرارها الحلقُ
من كلِّ أشحجَ نهاضٍ تخالُ بهِ ... جناً يخالطهُ من سومهِ عنقُ
يغتالُ نسعي وضينِ الخدرِ محزمه ... مساندٌ شدَّ منهُ الدايُ والطبقُ
رحبُ الفروجِ إذا ما رجلهُ لحقت ... سيراً بمائرةٍ في عضدها دفقُ
حتى إذا صحرت شمسُ النهارِ وقد ... أفضى الجبيلُ وزالَ الحزمُ والنسقُ
تورعوا بعدما طال الحزيزُ بهم ... وكادَ ضاحي ملاءِ القزِّ يحترقُ
وفيهم صورٌ ما بذها أحدٌ ... منَ الملوكِ وما تجري بهِ السوقُ
من كلِّ ميالةٍ خرسٍ خلاخلها ... لأياً تقومُ وبعدَ اللأي تنتطقُ
تسقي البشامَ ندىً يجري على بردٍ ... ما في مراكزهِ جذُّ ولا ورقُ
غرثى لوشاحِ صموتِ الحجل ما انصرفت ... إلاَّ تضوعَ منها العنبرُ العبقُ
كالشمسِ يوم سعودٍ أو مرشحةٍ ... بالأسحمينِ دعاها توأمٌ خرقُ
حيِّ الديارَ التي كانت مساكننا ... قفراً بها لرياحِ الصيفِ مخترقُ
وكلُّ مهتزمٍ راحَ الشمالُ بهِ ... تكشفَ الخيلِ في أقرابها بلقُ
فاستقبلتهُ الصبا تهدي أوائلهُ ... فاستكرهَ السهلَ منهُ وابلٌ بعقُ
стр. 124
وما توهمُ من سفعٍ بمنزلةٍ ... حالفنَ ملتبداً يعرى وينسحقُ
تعيرهُ الريحُ طوراً ثمَّ ترجعهُ ... كما استعيرَ رداءُ اليمنةِ الخلقُ
وقد يكونُ الجميعُ الصالحونَ بها ... حتى إذا اصفرَّ بعدَ الخضرة الورقُ
شقَّ العصا بينهم من غيرِ نائرةٍ ... مستجذبٌ لم يغطهُ خافضٌ أنقُ
كأنَّ فصحَ النصارى كان موعدهم ... هذا مقيمٌ وهذا ظاعنٌ قلقُ
يا أمَّ حربٍ برى جسمي وشييبني ... مرُّ الخطوبِ التي تبري وتعترقُ
ونامَ صحبي واحتمت لعادتها ... بالكوفةِ العينُ حتى طالَ ذا الأرقُ
أرعى الثريا تقودُ التالياتِ معاً ... كما تتابعَ خلفَ الموكبِ الرفقُ
معارضاتٍ سهيلاً وهو معترضٌ ... كأنهُ شاةُ رملٍ مفردٍ لهقُ
قلبي ثلاثةُ أثلاثٍ لباديةٍ ... وحاضرٍ وأسيرٍ دونهُ غلقُ
لكلهم من فؤادي شعبةٌ قسمت ... فشفني الهمُّ والأحزانُ والشفقُ
إن يجمعِ اللهُ شعباً بعدَ فرقتهِ ... فقد تريعُ إلى مقدارها الفرقُ
وإن يخنا زمانٌ لا نعاتبهُ ... فقد أرانا وما في عظمنا رققُ
يخشى العدوَّ ولا يرجو ظلامتنا ... إذا تفرعَ حكمُ المجلسِ الرهقُ
ونكرمُ الضيفَ يغشانا بمنزلةٍ ... تحتَ الجليدِ إذا ما استنشقَ المرقُ
نبيتُ نلحفهُ طوراً ونغبقهُ ... شحمَ القرى وقراحُ الماءِ يغتبقُ
إذ هيجت قزعاً تحدوهُ نافجةٌ ... كأنما الغيمُ في صرادها الخرقُ
وقد علمتُ وإن خفَّ الذي بيدي ... إنَّ السماحةَ مني والندى خلقُ
ولا يؤنبُ أضيافي إذا نزلوا ... ولا يكونُ خليلي الفاحشُ النزقُ
ولو شهدتِ مقامي بالحسامِ على ... رأسِ المسناةِ حيثُ استبتِ الفرقُ
إذن لسركَ إقدامي محافظةً ... بالسيفِ صلتاً وداجي الليلِ مطرقُ
إذ قلتُ للنفسِ عودي بعدَ ما جشأت ... وما ازدهاني بذاكَ الموطنِ الفرقُ
وما استكنتَ إلى ما كانَ من ألمٍ ... وقد يهونُ ضربَ الأذرعِ الحنقُ
حتى انجلى الروعُ في ظلماءَ داجيةٍ ... ما كادَ آخرها للصبحِ ينفرقُ
وقال الشمردل أيضاً:
أأنكرتَ أطلالَ الرسومِ وقد ترى ... بها غانياتٌ دلهنَّ وثيقُ
يقارفننا بالودِّ نحفي فريقهُ ... ومنهُ بأظلالِ الأراكِ فريقُ
وما أنصفت ذلفاءُ أما دنوها ... فهجرٌ وأما نأيها فيشوقُ
تباعدُ ممن واصلت وكأنها ... لآخرَ ممن لا تودُّ صديقُ
لقد علمَ المستودعُ السرَّ أنني ... ستورٌ لهُ صدري عليهِ شفيقُ
وأني امرؤٌ تعتادني أريحيةٌ ... بمالي إن حلت عليهِ حقوقُ
إذا العزبُ اجتابَ الدخانَ وأصبحت ... بليلاً وأمسى الغيمُ وهو رقيقُ
فإن أنجحَ الواشي وأصبحَ بيننا ... وبينكِ مغبرُّ الفجاجِ معيقُ
فجادكِ وسميٌّ كأنَّ ربابهُ ... قطارُ عباديٍّ عليهِ وسوقُ
هزيمٌ إذا حلت عزاليهُ الصبا ... يرى لبناتِ الماءِ فيهِ نغيقُ
وظلمةِ ليلٍ دونَ ذلفاءَ قستها ... إذا لم يكن للطلمساءِ فتوقُ
بأعيسَ من حرِّ المهارى يزينهُ ... نجارٌ كلونِ الأخدريِّ عتيقُ
لقوداءَ شملالِ السرى قاعَ فوقها ... بهِ من قرومِ الناعجاتِ فنيقُ
ترى الصلبَ منهُ والضلوعَ كأنها ... سقائفُ ساجٍ سمرهنَّ وثيقُ
لدى شعشعانٍ في الزمامِ يقودهُ ... خريعٌ كسبتِ الموسميِّ خفوقُ
يرنُّ الحصى من وقعهِ ثم ترتمي ... بهِ يسراتٌ رجعهنَّ رشيقُ
تقاذفَ قرقورِ الصراري أجملت ... بهِ نيرجٌ تحدو الجهامَ خريقُ
مللتُ لهُ طولَ الثواءِ وقد ثوى ... ثلاثَ ليالٍ في الوثاقِ يتوقُ
يردُّ الجبينُ بالجرانِ كأنهُ ... إذا قامَ جذعٌ من أوالَ سحوقُ
ونادى منادٍ بالأذانِ وقد غدا ... برحلي موارُ اليدين خليقُ
فما ذرَّ قرنُ الشمسِ حتى ارتمت بهِ ... منَ القورِ بينَ المكرعاتِ طريقُ
شبيب بن البرصاء
وقال شبيب بن البرصاء المري، وهي مفضلية قرأتها حفظاً على شيخي أبي محمد بن أحمد بن الخشاب:
ألم ترَ أنَّ الحيَّ فرقَ بينهم ... نوىً يوم صحراءِ الغميمِ لجوجُ
стр. 125
نوىً شطنتهم عن هوانا وهيجت ... لنا طرباً إنَّ الطروبَ يهيجُ
فلم تذرفِ العينانِ حتى تحملت ... معَ الصبحِ أحفاضٌ لهم وحدوجُ
وحتى رأيتُ الحيَّ تسفي ديارهم ... مزعزعةٌ جنحَ الظلامِ دروجُ
فأصبحَ مسرورٌ ببينكَ معجبٌ ... وباكٍ لهُ عندَ الديارِ نشيجُ
فإن تكُ هندٌ جنةً حيلَ دونها ... فقد يعزفُ اليأسَ الفتى فيعيجُ
إذا احتلتِ الرنقاءَ هندٌ مقيمةً ... وقد حالَ دوني من دمشقَ بروجُ
وبدلتُ أرضَ الشيح منها وبدلت ... تلاعَ المطالي سخبرٌ ووشيجُ
فلا وصلَ إلاَّ أن تقربَ بيننا ... قلايصُ يخدينَ المثانيَ عوجُ
ومخلفةٌ أنيابها جدليةٌ ... تشدُّ حشاها نسعةٌ ونسيجُ
لها ربذاتٌ بالنجاءِ كأنها ... دعائمُ أرزٍ بينهنَّ فروجُ
إذا هبطت أرضاً عزازاً تحاملت ... مناسمُ منها راعفٌ وشجيجُ
ومغبرةِ الآفاقِ يجري سرابها ... على أكمها قبلَ الضحى فيموجُ
قطعتُ إذا الأرطى ارتدى في ظلالهِ ... جوازئُ يرعينَ الفلاةَ دموجُ
لعمرو ابنةِ المريِّ ما أنا بالذي ... لهُ أن تنوبَ النابياتُ ضجيجُ
وقد علمت أمُّ الصبيينِ أنني ... إلى الضيفِ قوامُ السناتِ خروجُ
وإني لأغلي اللحم نيأً وإنني ... لممن يهينُ اللحمَ وهو نضيجُ
إذا المرضعُ العوجاءُ بالليلِ عزها ... على ثديها ذو ودعتينِ لهوجُ
إذا ما ابتغى الأضيافُ من يبذلُ القرى ... قرت لي مقلاتُ الشتاءِ خدوجُ
جماليةٌ بالسيفِ من عظمِ ساقها ... دمٌ جاسدٌ لم أجلهُ وسحوجُ
كأنَّ رحالَ الميسِ في كلِّ موقفٍ ... عليها بأجوازِ الفلاةِ سروجُ
عوف بن الأحوص
وقال عوف بن الأحوص الكعبي، وهي مفضلية قرأتها على شيخي ابن الخشاب:
هدمتِ الحياضُ فلم يغادر ... لحوضٍ من نصابيهِ إزاءُ
لخولةَ إذ همُ مغنىً لأهلي ... وأهلكِ ساكنونَ معاً رياءُ
فلأياً ما تليقُ رسوم دارٍ ... وما أبقى منَ الحطبِ الصلاءُ
وإني والذي حجت قريشٌ ... محارمهُ وما جمعت حراءُ
وشهرِ بني أميةَ والهدايا ... إذا حبست مضرجها الدماءُ
أذمكَ ما ترقرقَ ماءُ عيني ... عليَّ إذن من اللهِ العفاءُ
أقرُّ بحبكم ما دمتُ حياً ... وألزمهُ وإن بلغَ الفناءُ
ولا تتعوجوا في الحلمِ عمداً ... كما يتعوجُ العودُ السراءُ
ولا أفتي لكم من دونِ حقٍّ ... فأبطلهُ كما بطلَ الحجاءُ
فإني والحكومةَ يا ابنَ كلبٍ ... عليَّ وإن تكفنني سواءُ
خذوا دأباً بما أثايتُ فيكم ... فليسَ لكم على دأبٍ علاءُ
وليسَ لسوقةٍ فضلٌ علينا ... وفي أشياعكم لكمُ بواءُ
فهل لكَ في بني حجرِ بن عمرو ... فتعلمهُ وأجهلهُ ولاءُ
أو العنقاءِ ثعلبةَ بن عمرو ... دواءُ القومِ للكلبى شفاءُ
وما إن خلتكم من آلِ نصرٍ ... ملوكاً والملوكُ لهم غلاءُ
ولكن نلتَ مجدَ أبٍ وخالٍ ... وكانَ إليهما ينمي العلاءُ
أبوكَ بجيدٌ والمرءُ كعبٌ ... فلم تظلم بأخذك ما تشاءُ
ولكن معشرٌ من جذمِ قيسٍ ... عقولهمُ الأباعرُ والرعاءُ
وقد شجيت أنِ استمسكتُ منها ... كما يشجى بمسعرهِ الشواءُ
قتاةُ مذربٍ أكرهتُ فيها ... شراعياً مقالمهُ ظماءُ
وقال أيضاً وهي مفضلية وقرأتها على شيخي ابن الخشاب:
ومستنبحٍ يخشى القواءَ ودونهُ ... من الليلِ بابا ظلمةٍ وستورها
رفعتُ لهُ ناري فلما اهتدى لها ... زجرتُ كلابي أن يهرَّ عقورها
فلا تسأليني وأسألي ما خليقتي ... إذا ردَّ عافي القدرِ من يستعيرها
وكانوا قعوداً حولها يرقبونها ... وكانت فتاةُ الحيِّ ممن ينيرها
ترى أنَّ قدري لا تزالُ كأنها ... لذي القرةِ المقرورِ أمٌّ يزورها
مبرزةً لا يجعلُ السترُ دونها ... إذا أخمدَ النيرانُ لاحَ بشيرها
إذا الشولُ راحت ثمَّ لم تفدِ لحمها ... بألبانها ذاقَ السنانَ عقيرها
وإني لتراكُ الضغينةِ قد بدا ... ثراها من المولى فما استثيرها
стр. 126
تسوقُ صريمٌ شاءها من جلاجلٍ ... إليَّ ودوني ذاتُ كهفٍ وقورها
إذا قيلتِ العوراءُ وليتُ سمعها ... سواي ولم أسأل بها ما دبيرها
فماذا نقمتم من بنينَ وسادةٍ ... بريءٍ لكم من كلِّ غمرٍ صدورها
همُ رفعوكم بالسماءِ فكدتمُ ... تنالونها لو أنَّ حياً يطورها
ملوكٌ على أنَّ التحيةَ سوقةٌ ... ألاياهمُ يوفى بها ونزورها
فإلاَّ يكن مني ابنُ زحرٍ ورهطهُ ... فمني رياحٌ عرفها ونكيرها
وكعبٌ فإني لابنها وحليفها ... وناصرها حيثُ استمرَّ مريرها
لعمري لقد أشرفتُ يومَ عنيزةٍ ... على رغبةٍ لو شدَّ نفساً ضميرها
ولكنَّ هلكَ المرءِ ألاَّ تمرهُ ... ولا خيرَ في ذي مرةٍ لا يغيرها
الأخنس بن شهاب
وقال الأخنس بن شهاب التغلبي، وهي مفضلية قرأتها على شيخي ابن الخشاب حفظاً:
لابنةِ حطانَ بنِ عوفٍ منازلٌ ... كما رقشَ العنوانَ في الرقِّ كاتبُ
ظللتُ بها أعرى وأشعرُ سخنةً ... كما اعتادَ محموماً بخيبرَ صالبُ
تظلُّ بها ربدُ النعامَ كأنها ... إماءٌ تزجى بالعشيِّ حواطبُ
خليليَّ هوجاءُ النجاءِ شملةٌ ... وذو شطبٍ لا يجتويهِ المصاحبُ
وقد عشتُ دهراً والغواةُ صحابتي ... أولئكَ خلصاني الذينَ أصاحبُ
رفيقاً لمن أعيى وقلدَ حبلهُ ... وحاذرَ جراهُ الصديقُ الأقاربُ
فأديتُ عني ما استعرتُ من الصبا ... وللمالِ مني اليومَ راعٍ وكاسبُ
لكلِّ أناسٍ من معدٍّ عمارةٍ ... عروضٌ إليها يلجؤونَ وجانبُ
لكيزٌ لها البحرانِ والسيفُ كلهُ ... وإن يأتها بأسٌ من الهندِ كاربُ
تطايرُ عن أعجازِ حوشٍ كأنها ... جهامٌ أراقَ ماءهُ فهوَ آئبُ
وبكرٌ لها برُّ العراقِ وإن تشأ ... يحل دونها من اليمامةِ حاجبُ
وصارت تميمٌ بينَ قفٍّ ورملةٍ ... لها من حبالٍ منتأى ومذاهبُ
وكلبٌ لها خبتٌ فرملةُ عالجٍ ... إلى الحرةِ الرجلاءِ حيثُ تحاربُ
وغسانُ حيٌّ عزهم في سواهمُ ... يجالدُ عنهم مقنبٌ وكتائبُ
وبهراءُ حيٌّ قد عرفنا مكانهم ... لهم شركٌ حولَ الرصافةِ لاحبُ
وغارت إيادٌ في السوادِ ودونها ... برازيقُ عجمٌ تبتغي من تضاربُ
ولخمٌ ملوكُ الناسِ يجبى إليهمُ ... إذا قالَ منهم قائلٌ فهو واجبُ
ونحنُ أناسٌ لا حجازَ بأرضنا ... مع الغيثِ ما نلقى ومن هوَ غالبُ
ترى رائداتِ الخيلِ حولَ بيوتنا ... كمعزى الحجازِ أعوزتها الزرائبُ
فيغبقنَ أحلاباً ويصبحنَ مثلها ... فهنَّ من التعداءِ قبٌّ شوازبُ
فوارسها من تغلبَ ابنةَ وائلٍ ... حماةٌ كماةٌ ليسَ فيها أشائبُ
همُ الضاربونَ الكبشَ يبرقُ بيضهُ ... على وجههِ من الدماءِ سبائبُ
بجأواءَ ينفي وردها سرعانها ... كأنَّ وضيحَ البيضِ فيها الكواكبُ
وإن قصرت أسيافنا كانَ وصلها ... خطانا إلى القومِ الذينَ نضاربُ
فللهِ قومٌ مثلُ قومي سوقةً ... إذا اجتمعت عندَ الملوكِ العصائبُ
أرى كلَّ قومٍ ينظرونَ إليهمُ ... وتقصرُ عما يفعلونَ الذوائبُ
أرى كلَّ قومٍ قاربوا قيدَ فحلهم ... ونحنُ خلعنا قيدهُ فهوَ ساربُ
معن بن أوس
وقال معن بن أوس بن نصر بن زياد بن أسحم بن ربيعة بن عدي بن ثعلبة بن ذؤيب بن سعد بن عداء بن عثمان بن مزينة:
عفا وخلا ممن عهدتُّ بهِ خمُّ ... وشاقكَ بالمسحاءِ من شرفٍ رسمُ
عفا حقباً من بعدِ ما خفَّ أهلهُ ... وحنت بهِ الأرواحُ والهطلُ السجمُ
يلوحُ وقد عفا منازلهُ البلى ... كما لاحَ فوقَ المعصمِ الخدلِ الوشمُ
مدامنُ حيٍّ صالحين رمت بهم ... نوى الشحطِ إذا ردوا الجمالَ وإذا زموا
بعينيكَ راحوا والحدوجُ كأنها ... سفاينُ أو نخلٌ مدللةٌ زعمُ
وفي الحيِّ نعمٌ قرةُ العينِ والمنى ... وأحسنُ من يمشي على قدمٍ نعمُ
وكانت لهذا القلبِ نعمُ زمانةً ... خبالاً وسقماً لا يعادلهُ سقمُ
منعمةٌ لم تغدَ في رسلِ كلبةٍ ... ولم تتجاوب حولَ كلتها البهمُ
стр. 127
سبتني بعينى جؤذرٍ بخميلةٍ ... وجيدٍ كجيدِ الرئم زينهُ النظمُ
ووحفٍ يثنى في العقاصِ كأنهُ ... عليها إذا دنت غدايرهُ كرمُ
وأقنى كحدِ السيفِ يشرفُ قبلها ... وأشنبَ رفافِ الثنايا لهُ ظلمُ
لها كفلٌ رابٍ وساقٌ عميمةٌ ... وكعبٌ علاهُ النحضُ ليسَ لهُ حجمُ
تصيدُ ألبابَ الرجالِ بأنسها ... ويقتلهم منها التدللُ والنعمُ
لباخيةٌ عجزاءُ جمٌّ عظامها ... نمت في نعيمٍ واتمهلَّ بها الجسمُ
توالدها بيضٌ حرايرُ كالدمى ... نواعمُ لا سودٌ قصارٌ ولا خثمُ
وأجدادُ صدقٍ لا يعابُ فعالهم ... همُ النضدُ السرُّ الغطارفةُ الشمُ
مطاعيمُ في البؤسى لمن يعتريهم ... إذا يشتكى في العامِ ذي السنةِ الأزمُ
مصاليتُ أبطالٌ إذا الحربُ شمرت ... بأمثالهم يومَ الوغى يكشفُ الهمُ
إذا انتسبت مدت يديها إلى العلى ... وصدقها الإسلامُ والحسبُ الضخمُ
كأني إذا لم ألقَ نعماً مجاورٌ ... قبائلَ من ياجوج من دونها الردمُ
وذي رحمٍ قلمتُ أظفارَ ضغنهِ ... بحلمي عنهُ وهو ليسَ لهُ حلمُ
يحاولُ رغمي لا يحاولُ غيرهُ ... وكالموتِ عندي أن يعزى بهِ الرغمُ
فإن أعفُ عنهُ أغضِ عيناً على قذىً ... وليسَ لهُ بالصفحِ عن ذنبهِ علمُ
وإن أنتصر منهُ أكنُ مثلَ رائشٍ ... سهامَ عدوِّ يستهاضُ بها العظمُ
صبرتُ على ما كانَ بيني وبينهُ ... وما يستوي حربُ الأقارب والسلمُ
ويشتمُ عرضي في المغيب جاهداً ... فليسَ لهُ عندي هوانُ ولا شتمُ
إذا سمته وصلَ القرابةِ سامني ... قطيعتها تلكَ السفاهةُ والإثمُ
وإن أدعهُ للنصفِ يأبى ويعصني ... ويدعُ لحكمٍ جائرٍ غيرهُ الحكمُ
وقد كنتُ أكوي الكاشحينَ وأشتفي ... وأقطعُ قطعاً ليسَ ينفعهُ الحذمُ
فلولا اتقاءُ اللهِ والرحمُ التي ... رعايتها حقُّ وتعطيلها ظلمُ
إذن لعلاهُ منصلي أو خطمتهُ ... بوسمٍ شنارٍ لا يشابههُ وسمُ
ويسعى إذا أبني ليهدمَ صالحي ... وليسَ الذي يبني كمن شأنهُ الهدمُ
يودُّ لو أني معدمٌ ذو خصاصةٍ ... وأكرهُ جهدي أن يخالطهُ عدمُ
ويعتدُّ غنماً للحوادثِ نكبتي ... وما إن لهُ فيها سناءٌ ولا غنمُ
أكونُ لهُ إن ينكب الدهرُ مدرهاً ... أكالبُ عنهُ الخصمَ إذا عضهُ الخصمُ
وألجمُ عنهُ كلَّ أبلخَ طامحٍ ... ألدَّ شديدِ الشغبِ غايتهُ الغشمُ
ويشركهُ في مالهِ بعدَ ودهِ ... على الوجدِ والإعدامِ قسمٌ هو القسمُ
بكفِّ مفيدٍ يكسبُ الحمدَ بالندى ... ويعلمُ أنَّ البخلَ يعقبهُ الذمُ
نجيبٌ يجيبُ المستغيثَ إذا دعا ... ويسمو إلى كسبِ العلاءِ إذا يسمو
فتىً لا يبيتُ الهمُّ يقدعُ قلبهُ ... كذي الهمِّ والهيابُ يفزعهُ الهمُ
إذا همَّ أمضى همهُ غيرَ متعبٍ ... ويفرجُ عنهُ الشكُّ في أمرهِ العزمُ
أخو ثقةٍ جلدُ القوى ذو مخارجٍ ... مخالط حزمٍ حينَ يلتمسُ الحزمُ
يكونُ لهُ عندَ النوائبِ جنةً ... ومعقلَ عزَّ حيثُ تمتنعُ العصمُ
فما زلتُ في ليني لهُ وتعطفي ... عليهِ كما تحنو على الولدِ الأمُ
وقولي إذا أخشى عليهِ مصيبةً ... ألا اسلم فذاكَ الخالُ ذو العقدِ والعمُ
وصبري على أشياءَ منهُ تريبني ... وكظمي على غيظي وقد ينفعُ الكظمُ
لأستلَّ منهُ الضغنَ حتى سللته ... وقد كانَ ذا حقدٍ يضيقُ بهِ الجرمُ
دفنتُ انثلاماً بيننا فرقعتهُ ... برفقي وتأليفي وقد يرقعُ الثلمُ
وأبرأتُ غلَّ الصدرِ منهُ توسعاً ... بحلمي كما يشفى بالآدويةِ الكلمُ
وأطفأتُ نارَ الحربِ بيني وبينهُ ... فأصبحَ بعدَ الحرب وهو لنا سلمُ
المثقب العبدي
وقال المثقب العبدي، واسمه عائذ بن محصن بن ثعلبة بن وائلة بن عدي بن حرب بن دهن بن عذرة بن منبّه بن نكرة بن لكبز بن أفصى بن عبد القيس. وهي مفضلية، وقرأتها علي شيخي أبي محمد بن الخشاب في جملة المفضليات، وفي ديوانه:
ألا إنَّ هنداً أمسِ رثَّ جديدُها ... وضنّتْ وما كانَ المَتاعُ يؤودُها
стр. 128
فلو أنَّها من قبلُ دامت لبانةً ... على العهدِ إذ تصطادُنِي وأصيدُها
ولكنّها ممّا يميط بودّه ... بشاشة أدنَى خلّةٍ يستفيدُها
أجدّك ما يدريكَ أنْ ربَّ بلدَةٍ ... إذا الشّمسُ في الأيّام طالَ ركودُها
وصاحت صواديحُ النّهارِ وأعرضتْ ... لوامعُ يُطوَى ريطُها وبُرودُها
قطعتُ بفتلاءِ اليدْينِ ذريعَةٍ ... يغولُ البلاد سومُها وبرِيدُها
فبتُّ وباتَتْ كالنَّعامَةٍ ناقتِي ... وباتَت عليها صفنَتي وقتودُها
وأغضَبْ كما أغضَيتُ عيني فعرسَتْ ... على الثَّفناتِ والجرانِ هجودُها
على طرُقٍ عندُ الأراكَةِ ربَّةٍ ... توازِي شريمَ البحرِ وهوَ قعيدُها
كأنَّ جنيباً عندَ معقدِ غرزِها ... تحاولهُ عن نفسِهِ ويرِيدُها
تهالكَ منهُ في الرَّخاءِ تهالُكاً ... تهالُكَ إحدى الجونِ حانَ ورودُها
فنهنَهْتُ منها والمناسِمُ ترتمي ... بمعزاءَ شتىً لا يُرَدُّ عنودُها
وأيقنتُ إن شاءَ الإلهُ فإنَّهُ ... سيبلغني أجلادُها وقصيدُها
فإنَّ أبا قابوسَ عندِي بلاؤُهُ ... جزاءً بنعمىَ لا يحلُّ كنودُها
رأيتُ زنادَ الصّالحينَ نمينَهُ ... قدْيماً كما بذَّ النجومَ سعودُها
ولو علمَ اللهُ الجبالَ عصينَه ... لجاءَ بأمراسِ الجبالِ يقودُها
فإن تكُ منّا في عمانَ قبيلةٌ ... تواصتْ بأجنابٍ وطالَ عنودُها
فقدْ أدركتها الحادثاتُ فأصبحَتْ ... إلى خير من تحتَ السمّاء وفودُها
إلى ملكٍ بذَّ الملوكَ فلمْ تسَع ... أفاعيلَهُ حزمُ المُلوكِ وجودُها
وأيُّ أناسٍ لا أباحَ بغارةٍ ... يوازي كبيداتِ السّماءِ عمودُها
وجأواءَ فيها كوكبُ الموتِ فخمةٍ ... تقمِّصُ بالأرضِ الفضاءِ وثيدُها
لها فرطٌ يحمي النّهابَ كأنَّهُ ... لوامعُ عقبانٍ يروعٌ طريدُها
وأمكن أطرافَ الأسنَّةِ والقَنا ... يعاسيبُ قودٌ كالشِّنان خدودُها
تنبَّعَ من أعضادها وجلُودِها ... حميماً وآضتْ كالحماليجِ سودُها
وطارَ قشاريُّ الحديدِ كأنَّهُ ... نخالةُ أقواعٍ يطيرُ حصيدُها
بكلِّ مقصّيٍّ ولكِّ صفيحةٍ ... تتابعَ بعدَ الحارِشيِّ خدودُها
فأنعم أبيتَ اللَّعنَ إنّك أصبحتْ ... لديكَ لكيزٌ كَهلُها ووليدُها
وأطلقهُمُ تمشِي النّساءُ خلالهُمْ ... مفكّكةً وسطَ الرِّحالِ قيودُها
وقال المثقب أيضاً، وهي مفضلية قرأتها على شيخي أبي محمد بن الخشاب:
أفاطمَ قبلَ بينكِ متّعيني ... ومنعُكِ كما سألْتُ كأنْ تبيني
فلا تعدي مواعدَ كاذباتٍ ... تمرُّ بها رياحُ الصّيفِ دونِي
فإنّي لو تخالفُنِي شمالي ... لما أتبَعتُها أبداً يميني
لمَن ظعنٌ تطالِعُ منْ صبيبٍ ... فما خرجَتْ من الوادِي لحينِ
مررْنَ على شرافِ فذاتِ رجلٍ ... ونكّبنَ الذَّرانحَ باليمين
وهنَّ كذاكَ حينَ قطعنَ فلجاً ... كأنَّ حمولهُنَّ على سفينِ
يشَبَّهنَ السَّفينَ وهنَّ بُخْتٌ ... عراضاتُ الأباهرِ والشّؤونِ
وهنَّ على الرّجائز واكناتٌ ... قواتلُ كلِّ أشجعَ مستكينِ
كغزلانٍ خذَلنَ بذاتِ ضألٍ ... تنوشُ الدّانياتِ من الغضونِ
ظهرنَ بكلّةٍ وسدلنَ رقماً ... وثقّبنَ الوصاوصَ للعيونِ
أرينَ محاسناً وكننَّ أخرى ... من الدِّبياجِ والبشرِ المصونِ
ومن ذهبٍ يلوحُ على تريبٍ ... كلونِ العاجِ ليسَ بذي غضونِ
وهنَّ على الظّلامِ مطلّباتٌ ... طويلاتُ الّذوائبِ والقرونِ
بتهليةٍ أريشُ بها سهامي ... تبذُّ المرشقاتِ من القطين
علونَ رباوةً وهبطنَ غيباً ... فلمْ يرجعنَ قائلةً لحِينِ
فقلتُ لبعضهنَّ وشدَّ رحلِي ... لهاجرَةٍ نصبتُ لها جبينِي
لعلَّكِ إنْ صرَمتِ الحبْلَ منّي ... كذاكَ أكونُ مصحِبَتي قروني
فسلِّ الهمَّ عنكَ بذاتِ لوثٍ ... عذافرَةٍ كمطرقةِ القيونِ
بصادقَةِ الوجيفِ كأنَّ هِرّاً ... يباريها ويأخُذُ بالوَضينِ
كسَاها تامكاً قِرداً عليها ... سوادِيُّ الرَّضيخِ من اللّجين
стр. 129
إذا قلقت شدَدتُ لها سنافاً ... أمامَ الزّور من قلقِ الوضينِ
كأنّ مواقعَ الثَّفناتِ منها ... معرَّسُ باكراتِ الوردِ جونِ
يجدُّ تنفُّسُ الصُّعداء منها ... قوى النّسعِ المحرَّم ذي المُتُونِ
تصكُّ الجانبينِ بمشفتِرٍّ ... له صوتٌ أبحُّ منَ الرَّنينِ
كأنَّ نفيَّ ما تنفِي يداها ... قذافُ غريبةٍ بيدي معينِ
تشدُّ بدائمِ الخطرانِ جثلٍ ... خوايةَ فرجِ مقلاتٍ دهينِ
وتسمعُ للذّبابِ إذا تغنّى ... كتَغريدِ الحمامِ على الغصونِ
فألقيتُ الزّمامَ لها فنامَتْ ... لعادتِها منَ السّدَفِ المبين
كأن مناخها ملُقى لحام ... على معزائها وعلى الوجينِ
كأنَّ الكورَ والأنساعَ منها ... على قرواء ماهرةٍ دهينِ
يشقًّ الماءَ جؤجؤُها ويعلُو ... غواربَ كلِّ ذي حدبٍ بطينِ
غدتْ قوداءَ منشقّاً نساها ... تجاسرُ بالنّخاعِ وبالوتِينِ
إذا ما قمتُ أرحلُها بليلٍ ... تأوَّهُ آهةَ الرَّجلِ الحزينِ
تقولُ إذا درأتُ لها وضيني ... أهذا دينُهُ أبداً وديني
أكلَّ الدَّهرِ حلٌّ وارتحالٌ ... أما يبقي عليَّ ولا يقيني
فأبقى باطلي والحدُّ منها ... كدُكان الدّرابنة المطينِ
ثنيتُ زمامَها ووضعتُ رحلِي ... ونمرُقَةً رفدتُ بها يمينِي
فرحتُ بها تعارض مسبطرّاً ... على ضحضاحهِ وعلى المُتونِ
إلى عمرو ومن عمْرٍو أتتنِي ... أخي النّجداتِ والحلمِ الرَّصينِ
فأمّا أن تكونَ أخي بحقٍّ ... فأعرفَ منكَ غثّي من سميني
وإلاَّ فاطرحِني واتّخذني ... عدُوّاً أتّقيكَ وتتَّقيني
وما أدري إذا وجّهت وجهاً ... أريدُ الخيرَ أيُّهُما يليني
أألخيرُ الّذي أنا أبتَغيهِ ... أم الشّرُّ الذي هو يبتغينِي
وقال المثقب أيضاً: الرمل
لا تقولَنَّ إذا ما لم تردْ ... أنْ تتمَّ الوعدَ في شيءٍ نعمْ
حسنٌ قولُ نعمْ من بعدِ لا ... وقبحٌ قولُ لا بعدَ نعمْ
إنَّ لا بعدَ نعمْ فاحشَةٌ ... فبلا فابدأْ إذا خفتَ النّدمْ
فإذا قلتْ نعمْ فاصبر لها ... بنجاحِ الوعدِ إنّ الخلفَ ذمْ
واعلم أنَّ الذَّم نقصٌ للفتى ... ومتى لا يتقِِ الذمَّ يذُمْ
أكرمُ الجارَ وأرعَى حقّه ... إنَّ عرفانَ الفتى الحقَّ كرمْ
لا تراني راتعاً في مجلِسٍ ... في لحُومِ النَّاسِ كالسَّبعِ الضَّرِمْ
إنَّ شرَّ النّاسِ من يكشرُ لي ... حينَ يلقانِي وإنْ غبتُ شتمْ
وكلامٍ سيِّئٍ قد وقرَتْ ... أذني عنهُ وما بِي مِن صممْ
فتصبّرتُ امتعاضاً أنْ يرَى ... جاهلٌ أنِّي كما كانَ زعمْ
ولبعضُ الصَّفحِ والإعراضِ عنْ ... ذي الخنا أبقى وإنْ كان ظلمْ
إنَّما جادَ بشأسٍ خالدٌ ... بعدما حاقتْ به إحدى الظُلَمْ
من منايا يتخاسيْنَ بهِ ... يبتدرْنَ الشّخصَ من لحمٍ ودمْ
مترعُ الجفنةِ ربعِيُّ النَّدَى ... حسنٌ مجلِسُهُ غيرُ لطَمْ
يجعلُ الهنْءَ عطايا جمَّةً ... إنَّ بعضَ المالِ في العرضِ أمَمْ
لا يبالي طيِّبَ النَّفسِ بهِ ... تلفَ المالِ إذا العرْضُ سلِمْ
الحارث بن ظالم
وقال الحارث بن ظالم المرّي في قتل خالد بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة حين قتله وهرب، وهي مفضلية، وقرأتها على شيخي أبي محمد؟
نأتْ سلمَى وأمسَتْ في عدُوِّ ... تحُتُّ إليهمُ القلُص الصعِّايا
وحلَّ النَّعفَ من قنَوين أهْلِي ... وحلَّت روضَ بيشةَ فالرَّبابا
وقطَّعَ وصلَها سيفِي وأنِّي ... فجعْتُ بخالدٍ عمْداً كلابا
وأنَّ الأحوصين تولَّياها ... وقد غضِبا عليَّ فما أصابا
على عمْدٍ كسَوتُهُما قبُوحاً ... كما أكسُو نساءَهُمُ السِّلابا
وأنّي يومَ غمرةَ غيرَ فخرٍ ... تركتُ النَّهبَ والأسرَى الرّغابا
فلستُ بشاتمٍ أبداً قريشاً ... مصيباً رغمُ ذلكَ منْ أصابا
فما قومي بثعلبةَ بنِ سعدٍ ... ولا بفزارةَ الشُّعرَى رقابا
стр. 130
وقومِي إن سألتِ بنُو لؤَيٍّ ... بمكّةَ علَّمُوا النّاسَ الضِّرابا
سفِهنا باتّباعِ بني بغيضٍ ... وتركِ الأقربينَ بنا انتسابا
سفاهةَ فارطٍ لمّا تروَّى ... هراقَ الماءَ واتَّبَعَ السَّرابا
لعمرُكَ إنَّني لأحِبٌّ كعْباً ... وسامةَ إخوتِي حبِّي الشَّرابا
فما غطفانُ لي بأبٍ ولكنْ ... لؤيٌّ والدي قولاً صوابا
فلمّا أن رأيتُ بني لؤيٌّ ... عرفتُ الودَّ والنَّسبَ القُرابا
رفعتُ الرُّمحَ إذْ قالوا قريشٌ ... وشبَّهتُ الشَّمائِلُ والقبابا
صحبتُ شظيَّةً منهمُ بنَجدٍ ... تكونُ لمنْ يحاربهُمْ عذابا
وحشَّ رواحةُ الجُمحِيُّ رحلِي ... بناقتِهِ ولم ينظُرْ ثوابا
فيا للهِ لمْ أكسِبْ أثاماً ... ولم أهتكْ لذي رحمٍ حجابا
أقامُوا للكتائبِ كلَّ يومٍ ... سيوفَ المشرفيَّةِ والحِرابا
فلو أنِّي أشاءُ لكنْتُ منهمْ ... وما سيَّرْتُ أتَّبِعُ السَّحابا
ولا قظْتُ الشّرّبةَ كلَّ يومٍ ... أعدِّي عن مياههمِ الذُّبابا
مياهاً ملحةً بمبيتِ سوءٍ ... تبيتُ سقابُهم صردَى سغابا
كأنَّ التّاجَ معقودٌ عليهمْ ... إذا وردتْ لقاحُهُمُ شِزابا
عامر الخصفي
وقال عامر الخصفيّ بن محارب يردّ على ابن الحمام، وهي مفضلية؟
من مبلغٌ سعدَ بن ذبيانَ مالكاً ... وسعدَ بن ذبيانَ الّذي قد تختَّما
فريقيْ بَنِي ذبيانَ إذ زاغَ رأيُهُمْ ... وإذ أطعِمُوا صاباً علينا وشًبرُما
جنيتُمْ علينا الحربَ ثمَّ ضجعتُمُ ... إلى السِّلمِ لمّا أصبَحَ الأمرُ مبْهما
فما إنْ شهدْنا خمرَكُمْ إذ شرِبْتُمُ ... على دهشٍ واللهِ شربَةَ أشْأما
وما إنْ جعَلنا غايتَيْكُمْ بهضبةٍ ... يظلُّ بها الغفرُ الرَّجيل مخطَّما
وما إن جعلنا بالمضيق رجالنا ... فقلنا ليرْمِ الخيلَ منْ كانَ أحزما
ويومٍ يودُّ المرءُ لو ماتَ قبلَهُ ... ربطنا له جأشاً وإنْ كانَ معْظَما
دَعونا بَني ذهلٍ إليهِ وقومَنا ... بني عامرٍ إذ لا ترَى الشَّمسُ منجَما
ويومَ زجيحٍ صبَّحتْ جمعَ طيِّئٍ ... عناجيجَ يحملنَ الوشيجَ المُقوَّما
نراوحُ بالقلعِ الأصمِّ رؤوسهم ... إذا القلعُ الرُّوميُّ عنها تثلَّما
وإنّا لنثنِي الخيلَ قبّاً شوازِباً ... على الثَّغرِ يغشيها الكمِيَّ المكلَّما
ونضربُها حتَّى نحلِّلَ نفرَها ... وتخرُجَ ممّا تكرَهُ النّفسُ مقدَما
أثعلبَ لولا ما تدعَّونَ بينَنا ... من الحلفِ قد سدَّى بعقدٍ وألحما
لقدْ لقيتْ شولٌ بجنبَيْ بوانةٍ ... نصيّاً كأعرافِ الكوادنِ أسحما
فأبقتْ لنا آباؤهُم من تراثهمْ ... دعائمَ مجدٍ كانَ في النَّاس معلَما
ونرسِي إلى جرثومةٍ أدركتْ لنا ... حديثاً وعاديّاً من المجدِ خضرِما
بني منْ بنى منهمْ بناءً فمكّنوا ... مكاناً لنا منهُ رفيعاً وسلّما
أولئكَ قومي إنْ يلُذْ ببيوتِهِمْ ... أخُو حدثٍ يوماً فلنْ يتهضَّما
وكم فيهمُ من سيِّدٍ ذي مهابَةٍ ... يهابُ إذا ما رائدُ الحربِ أضرَما
لنا العزَّةُ القعساءُ نختطمُ العدَى ... بها ثمَّ نستعصي بها أن نخطَّما
همُ يطدُونَ الأرضَ لولاهمُ ارتمتْ ... بمن فوقَها من ذي بيانٍ وأعجَما
وهم يدعمُونَ القومَ في كلِّ موطنٍ ... بكلِّ خطيبٍ يتركُ القومُ كظَّما
نقومُ فلا يعيْا الكلامَ خطيبُنا ... إذا الكربُ أنسَى الجبْسَ ما قدْ تعلّما
وكنّا نجوماً كلّما انقضَّ كوكبٌ ... بدا أزهرٌ منهنَّ ليسَ بأقتَما
بدا زاهِرٌ منهنَّ تأوي نجومُهُ ... إليهِ إذا مسْتأسِدُ الشّرِّ أظلَما
ألا أيّها المستخبِرِي ما سألتنِي ... بأيّامنا في الحربِ إلاَّ لتعلَما
فما يستطيعُ الناسَ عقداً نشدُّهُ ... وننقضُهُ منهُمْ وإنْ كانَ مبرَما
يغنّي حصيْنٌ بالحجازِ بناتِهِ ... وأعيا عليهِ الفخرُ إلاَّ تهكُّما
وإنَّا لنشفِي صورةَ التَّيسِ مثلَهُ ... ونضرِبُه حتَّى نبُلَّ استَهُ دَما
معود الحكماء
стр. 131
وقال معاوية بن مالك بن جعفر بن كلاب، وهو معوّد الحكماء وهي مفضلية، قرأتها على ابن الخشّاب:
أجدَّ القلبُ منْ سلمَى اجتِنابا ... وأقصَرَ بعدَ ما شابتْ وشابا
وشابَ لداتُهُ وعدَلْنَ عنهُ ... كما أنضَيتَ من لبسٍ ثيابا
فإن تكُ نبلُها طاشَتْ ونبلِيْ ... فقدْ نَرَمي بها حقَباً صِيابا
فتصطادُ الرِّجالَ إذا رمتُهمْ ... وأصطادُ المخبّأةَ الكعابا
فإنَّ تكُ لا تصيدُ اليومَ شيئاً ... وآبَ قنيصُها سلْماً وخابا
فإنَّ لها منازلَ خاوياتٍ ... على نملَي وقفْتُ بها الرِّكابا
من الأجزاعِ أسفلَ من نميْلٍ ... كما رجّعتَ بالقلمِ الكتابا
كتابَ محبِّرٍ هاجٍ بصيرٍ ... ينمِّقُهُ وحاذَرَ أنْ يعابا
وقفتُ بها القَلوصَ فلم تجبني ... ولو أمسَى بها حيٌّ أجابا
وناجيةٍ بعثْتُ على سبيلٍ ... كأنَّ على مغابنها ملابا
ذكرتُ بها الإيابَ ومنْ يسافِرْ ... كما سافرتُ يدَّكرِ الإيابا
رأيتُ الصّدعَ من كعبٍ فأودَى ... وكانَ الصَّدعُ لا يعِدُ ارتئابا
فأمسى كعبُها كعْباً وكانتْ ... منَ الشَّنأنِ قد دعيتْ كعابا
حملتُ حمالةَ القُرَشيِّ عنْهمُ ... ولا ظُلماً أردتُ ولا اختِلابا
أعوِّدُ مثلَها الحكماءَ بعدِي ... إذا ما نائبُ الحَدَثانِ نابا
سبقتُ بها قدامةَ أو سُميراً ... ولو دعيا إلى مثْلٍ أجابا
وأكفِيها معاشِرَ قد أرتْهُمْ ... منَ الجَرباءِ فوقَهُمُ طِبابا
يهرُّ معاشِراً منِّي ومنهُمُ ... هريرَ النَّاب حاذرَتِ الِعصابا
سأحمِلُها ويعقلُها غنِيٌّ ... وأورِثُ مجدَها أبَداً كلابا
فإنْ أحْصُرْ بها نفسِي فإنّي ... أتيتُ بها غداتئذٍ صوابا
وكنتُ إذا العظيمَةُ أفظعتْهُمْ ... نهضْتُ ولا أدبُّ لها دِبابا
بحمدِ اللهِ ثمَّ عطاءِ قومٍ ... يفكّونَ الغنائِمَ الرِّقابا
إذا نزلَ السَّحابُ بأرضِ قومٍ ... رعيناهُ وإن كانوا غضابا
بكلِّ مقلِّصٍ عبْلٍ شواهُ ... إذا وضعتْ أعنَّتُهُنَّ ثابا
ودافعةِ الحزامِ بمرفقيْها ... كشاةِ الرَّملِ آنستِ الرِّكابا
جابر بن حني
وقال جابر بن حنيٍّ التّغلبي، وهي مفضلية، وقرأتها على شيخي ابن الخشاب:
ألا يا لقومٍ للجديدِ المصَرَّمِ ... وللحلمِ بعدَ الزّلّة المتوهَّمِ
وللمرءِ يعتادُ الصَّبابةَ بعدما ... أتى دُونَها ما فرْطُ حولٍ مجرَّمِ
فيا دارَ سلمَى بالصَّرِيمةِ فاللّوَى ... إلى مدفعِ القيْقياءِ فالمتثلَّمِ
ظللتُ على عرفانِها ضيْفَ قفزةٍ ... لأقضِيَ منها حاجةَ المتلوِّمِ
أقامتْ بها بالصَّيْفِ ثمَّ تذكَّرتْ ... مصائرَها بينَ الجواءِ فعيهَمِ
تعوِّجُ رهباً في الزِّمامِ وتنثنِي ... إلى مُهذباتٍ في وشيجٍ مقوَّمِ
أنافتْ وزافَتْ في الزِّمامِ كأنَّها ... إلى غرْضِها أجْلادُ هرٍّ مؤوَّمِ
إذا زالَ رعنٌ عن يدَيْها ونحرِها ... بدا رأسُ رعنٍ واردٍ متقدِّمِ
وصدَّتْ عنِ الماءِ الرَّواء لجوفِها ... دويٌّ كدُفِّ القينةِ المُترنمٌ
تصعَّدُ في بطحاءِ عرقٍ كأنَّما ... ترقَّى إلى أعلى أريكٍ بسلَّم
لِتعلبَ أبكي إذْ أثارتْ رماحُها ... غوائلَ شرٍّ بينَها متثلِّمِ
وكانوا همُ البانينَ قبلَ اختلافهمْ ... ومنْ لا يشِدْ بنيانَهُ يتهدَّمِ
بحيٍّ ككوثلِّ السَّفينةِ أمرهُمْ ... إلى سلفٍ عادٍ إذا احتلَّ مرزمِ
أنفتُ لهمْ من عقْلِ قيْسٍ ومرثدٍ ... إذا وردُوا ماءً ورمحِ ابن مرثَمِ
ويوماً لدَى الحشّار من يلْوِ حقَّهُ ... يبزبزْ وينزعْ ثوبهُ ويظَلَّمِ
وفي كلِّ أسواقِ الحجازِ إتاوةٌ ... وفي كلِّ ما باع امرؤٌ مكْس درهمِ
ألا تستَحِي منّا ملوكٌ وتتَّقي ... محارمَنا لا يَبُؤ الدَّمُ بالدَّمِ
نعاطِي الملوكَ السَّلمَ ما قصدوا بنا ... وليسَ علينا قتْلُهُمْ بمُحّرَّمِ
وكائنْ أزَرْنا الموتَ من ذي تحيَّةٍ ... إذا ما ازْدَرانا أو آسفَّ لمأثَمِ
стр. 132
وقدْ زعمتْ بهراءُ أنَّ رماحَنا ... رماحُ نصارى لا تخوضُ إلى الدَّمِ
فيومَ الكلابِ قد أزالَتْ رماحُنا ... شُرحبيلَ إذ آلى أليَّةَ مقسمِ
ليستلبنَّ أدراعَنا فأزالَهُ ... أبو حنشٍ عن ظهرِ شقّاءَ صلْدمِ
تناولَهُ بالرُّمْحِ ثمَّ ثنى بهِ ... فخرَّ صريعاً لليدَينِ وللفمِ
وكان معادِينا تهرُّ كلابُهُ ... مخافَةَ جمعٍ ذِي زُهاءٍ عرمرَمِ
يرَى النّاسُ منّا جلدَ أسْودَ سالخٍ ... وفروةَ ضِرغامٍ من الأسْدِ ضيغَمِ
المرقش الأكبر
وقال المرقّش الأكبر، وهو عمرو بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة وقيل عوف وهو عم المرقش الأصغر عمّ طرفة، وهي مفضلية، وقرأتها في جملة المفضليات على شيخي ابن الخشاب ﵀:
أمِنْ آلِ أسماءَ الطُّلولُ الدَّوارسُ ... تخطِّطُ فيها الطِّيرُ قفرٌ بسابسُ
ذكرتُ بها أسماءَ لو أنَّ وليَها ... قريبٌ ولكنْ حبستنِي الحوابِسُ
ومنزلِ ضنكٍ لا أريدُ مبيتَهُ ... كأنِي بهِ منْ شدَّةِ الرَّوعِ آنسُ
لتبصرَ عينِي أنْ رأتنِي مكانها ... وفي النَّفسِ إنْ خلَّى الطَّريقَ الكواديسُ
وجيفاً وإبساساً ونقْراً وهزَّةً ... إلى أن تكلَّ العيسُ والمرءُ حادسُ
ودويَّةٍ غبراءَ قدْ طالَ عهدُها ... تهالكُ فيها الوردُ والمرءُ ناعسِ
قطعتُ إلى معرُوفِها منكراتِها ... بعيهامةٍ تنسَلُّ واللّيلُ دامسُ
تركتُ بها ليلاً طويلاً ومنزلاً ... وموقدَ نارٍ لمْ ترمُهُ القوابِسُ
وتسمعُ تزقاءُ منَ البومِ حولنا ... كما ضربتْ بعدَ الهدوءِ النّواقيسُ
فيصبحُ باقي رحلِها حيثُ عرّستْ ... منَ اللّيلِ قد دبَّت عليه الرَّوامسُ
وتصبحُ كالدَّوداةِ ناطَ زمامُها ... إلى شُعبِ الجوارِي العوانسُ
ولمّا أضاءَ النّارَ عندَ شِوائِنا ... عرانا عليها أطلَسُ اللَّونِ بائسُ
نبذْنا إليهِ حزَّةً منْ شِوائنا ... حياءً وما فحشِي على منْ أجالِسُ
فآضَ بها جذلانَ ينفضُ رأسَهُ ... كما آبَ بالنَّهبِ الكمِيُّ المخالِسُ
وأعرضَ أعلامٌ كأنَّ رؤوسَها ... رُؤُسُ جبالٍ في خليجٍ تغامسُ
إذا علَمٌ خلَّفتهُ يهتدي به ... بدا علمٌ في الآلِ أغبَرُ طامسُ
تعاللتُها وليسَ طبِّي بدرِّها ... وكيفَ التماسُ الدّرِّ والضّرعُ يابسُ
بأسمرَ عالٍ صدرهُ منْ جلازهِ ... وسائرُهُ منَ العلاقةِ نائسُ
وقال أيضاً:
ألا بانَ جيرانِي ولستُ بعائفِ ... أدانَ بهمْ صرفُ النَّوَى أمْ مخالفي
وفي الحيِّ أبكارٌ سبينَ فؤادَهُ ... علالةُ ما زوَّدنَ والحبُّ شاعفي
دقاقُ الخصورِ لم تعفّرْ قُرونُها ... لشجوٍ ولم يحضرْنَ حمّى المزالفِ
نواعمُ أبكارٌ سرائرُ بدَّنٌ ... حسانُ الوجوه ليّناتُ السّوالفِ
يهدّلنَ في الآذانِ من كلِّ مذْهَبٍ ... لهُ ربدٌ يعيا به كلُّ واصفِ
إذا ظعنَ الحيُّ الجميعُ احتبستهمْ ... مكانَ النَّديم للنَّجيِّ المساعفِ
فصرنَ شقيّاً لا يبالينَ غيّه ... يعوّجْنَ من أعناقِها بالمواقفِ
نشرنَ حديثاً آنساً فوضعنَهُ ... خفيضاً فلا يلغَى به كلُّ طائفِ
فلمّا تبنَّى الحيُّ جئنَ إليهمِ ... فكانَ النّزولُ في حجورِ النّواصفِ
تنزَّلنَ عن دومٍ تهفُّ متونُهُ ... مزيَّنةٌ أكنافُها بالزَّخارِفِ
بودِّكَ ما قومِي على أنْ هجرتُهُمْ ... إذا أشجذَ الأقوامَ ريحُ أظائِفِ
وكانَ الرِّقادُ كلَّ قدحٍ مقرَّمٍ ... وعادَ الجميعُ نجعةً للزَّعانفِ
جديرونَ ألاَّ يحبسُوا مجتدِيهمِ ... للحمٍ وألاّ يدرؤوا قدحَ رادِفِ
عظامُ الجفانِ بالعشيّاتِ والضُّحى ... مشاييطُ للأبْدانِ غيرُ التَّوارفِ
إذا يسروا لم يورثِ اليسرُ بينهُمْ ... فواحشُ ينعَى ذكرُها بالمصايفِ
فهلْ تبلغنِّي دارِ قوميَ جسرَةٌ ... خنوفٌ علنديً جعلدٌ غيرُ شارفِ
سديسٌ عليها كبرةٌ أو بويزلٌ ... جماليَّةٌ في سيرها كالتَّقاذُفِ
وقال المرقش الأكبر أيضاً: السريع
стр. 133
هل بالدِّيار أنْ تجيبَ صممْ ... لو كان رسمٌ ناطقاً كلَّمْ
الدّارُ قفزٌ والرُّسومُ كما ... رقشَ في ظهرِ الأديمْ قلمْ
ديارُ أسماءَ التي تبلَتْ ... قلبِي فعينِي ماؤُها يسجَمْ
أضحَت خلاءً نبتُها ثئدٌ ... نوَّرَ فيها زهرُهُ واعتمْ
بلْ هلْ شجتكَ الظعنُ باكرةً ... كأنَّهنَّ النَّخلُ من ملهَمْ
النَّشْرُ مسكٌ والوُجُوهُ دَنا ... نيرُ وأطرافُ الأكفِّ عنمْ
لم يشجُ قلبي ملْ حوادثِ إلا ... اَّ صاحبِي المتروكُ في تغلمْ
ثعلبُ ضرّابُ القوانِسِ بالسَّيْ ... فِ وهادِي القومِ إذْ أظلَمْ
فاذهبْ فدىً لكَ ابنُ عمِّكَ لا ... يخْلُدُ إلاَّ شابةٌ وإرَمْ
لو كانَ حيٌّ ناجياً لنجا ... من يومه المزلَّمُ الأعصَمْ
في باذخاتٍ من عمايةَ أو ... يرفعُهُ دونَ السّماءِ خيمْ
من دونِهِ بيضُ الأنوقِ وفَو ... قهُ طويلُ المنكبينِ أشمْ
يرقاهُ حيثُ شاءَ منهُ وإ ... مّا تنسِهِ منيَّةٌ يهرمْ
فغالَهُ ريبُ الحوادِثِ حَ ... تْى زلَّ عن أريّادِهِ فحطِمْ
ليسَ على طولِ الحياةِ ندمْ ... ومن وراءِ المرءِ ما يعلمْ
يهلِكُ والدٌ ويخلفُ موْ ... لودٌ وكلُّ ذي أبٍ يتيمْ
والوالداتُ يستفدْنَ غنىً ... ثم على المقدار من تُعقَمْ
ما ذنبنا في أنْ غزا ملكٌ ... من آل جفنة حازمٌ مرغِمْ
مقابلٌ بينَ العواتِكِ وال ... غلَّفِ لا نكْسٌ ولا توأمْ
حارَبَ واستعوَى قراضِبَةٌ ... ليسَ لهمْ ممّا يحازُ نعمْ
بيضٌ مصاليتٌ وجوهُهُمُ ... ليستْ مياهُ بحارِهِمْ بعمَمْ
فانقضَّ مثلَ الصَّقرِ يتبَعُهُ ... جيشٌ كغلاّنِ الشّريفِ لِهَمْ
إنْ يغضَبُوا يغضبْ لذاكَ كما ... ينسلُّ من خرشائهِ الأرقَمْ
فنحنُ أخوالكَ عمرَكَ وال ... خالُ لهُ معاظمٌ وحرَمْ
لسنا كأقوامٍ مطاعِمهُمْ ... كسبُ الخَنا ونهكةُ المحرَمْ
إنْ يخصِبُوا يعيَوا بخصْبهِمِ ... أو يجدبُوا فهُمْ بها ألأمْ
عامَ ترى الطّيرَ دواخِلَ في ... بيوتِ قومٍ معهمْ ترتمْ
ويخرجُ الدّخانُ من خللِ ال ... سّترِ كلونِ الكودنِ الأصحَمْ
حتّى إذا ما الأرضُ زيّنَها ... النّبتُ وجنَّ روضُها وأكمْ
ذاقوا ندامةً فلو أكلُوا ... الخطبانَ لم يوجدْ لهُ علقمْ
لكنّنا قومٌ أهابَ بنا ... قومُنا عفافةٌ وكرمْ
أموالُنا نقي النُّفوسَ بها ... منْ كلِّ ما يدني إليهِ الذّمْ
لا يبعدِ اللهُ التّلبّبَ وال ... غاراتِ إذ قالَ الخميسُ نعمْ
والعدوَ بينَ المجلِسيْن إذا ... وليَّ العشيُّ وقدْ تنادَى العمْ
يأتي الشَّبابُ الأقورين ولا ... تغبطْ أخاكَ أنْ يقالَ حكمْ
المرقش الأصغر
وقال المرقش الأصغر، وهو أشعر من الأكبر، وأطول عمراً، وهو ربيعة بن سفيان بن سعد بن مالك، وهو عم طرفة:
أمنْ رسمِ دارٍ ماءُ عينيكَ يسفحُ ... غدا من مقامٍ أهلُهُ وتروّحوا
تزجِّي به خنسُ الظّباءِ سخالَها ... جآذِرُها بالجوِّ وردٌ وأصبَحُ
أمن بنتَ عجلانَ الخيالُ المطرَّحُ ... ألمَّ ورحلي ساقطٌ متزحزحُ
فلمّا انتبهتُ للخيالِ فراعنِي ... إذا هو رحْلِي والبلادُ توضَّحُ
ولكنّهُ زورّ يوقِّظُ نائماً ... ويحدثُ أشجاناً بقلبكَ تجرَحُ
بكلِّ مبيتٍ تعترِينا ومنزِلٍ ... فلو أنَّها إذْ تدلجُ اللّيلَ تصبحُ
فولّتْ وقدْ بثّتْ تباريحَ ما ترى ... ووجدِي بها إذ تحدرُ الدَّمْعُ أبرَحُ
وما قهوةٌ صهبْاءُ كالمسكِ ريحُها ... تعلّى على النّاجودِ طوراً وتقدَحُ
ثوتْ في سباء الدّنّ عشرين حجّةً ... يطانُ عليها قرمدٌ وتروَّحُ
سباها رجالٌ من يهودَ تباعدُوا ... لجيلانَ يدْنيها إلى السّوقِ مربحُ
بأطيبَ من فيها إذا جئْتُ طارقاً ... منَ الليلِ بلْ فوها ألذُّ وأنصحُ
غدونا بضافٍ كالعسيبِ مجَلَّلٍ ... طويناهُ حيناً فهوَ شزْبٌ ملوّحُ
أسيلٌ نبيلٌ ليس فيهِ معابةٌ ... كميتٌ كلونِ الصّرفِ أرجلُ أقرحُ
стр. 134
على مثلهِ آتي النّديَّ مخايلاً ... وأغمزُ سرّاً أيُّ أمريَّ أربَحُ
ويسبقُ مطروداً ويلحقُ طارداً ... ويخرجُ من غمِّ المضيقِ ويجرحُ
تراهً بشكّاتِ المدجِّجِ بعدما ... تقطّعُ أقرانُ المغيرَةِ تجمَحُ
شهدْتُ به في غارةٍ مسبطرَّةٍ ... يطاعنُ أولاها فئامٌ مصبّحُ
كما انتفجَتْ من الظّباء جدايةٌ ... أشمُّ إذا ذكّرتهُ الشّدَّ أفيحُ
يجمّ جمومَ الحسْي جاشَ مصيقهُ ... وجرّدهُ من تحتُ غيلٌ وأبطحُ
وقال أيضاً:
ألا يا اسلمِي لا صرمَ لي اليومَ فاطمِا ... ولا أبداً ما دامَ وصلُكِ دائما
رمتكَ ابنةَ البكرِيِّ عنْ فرعِ ضالةٍ ... وهنَّ بنا خوصٌ يخلنَ نعائما
تراءتْ لنا يومَ الرَّحيل بواردٍ ... وعذبِ الثّنايا لم يكنْ متراكما
سقاهُ حبيُّ المزْنِ في متهلّلٍ ... من الشّمسِ روّاه رباباً سواجما
أرتكَ بذاتِ الضَّالِ منها معاصماً ... ووجهاً أسيلاً كالوذيلةِ ناعما
صحا قلبُهُ منها على أنَّ ذكرَةً ... إذا خطرتْ دارَتْ به الأرضُ قائما
تبصَّرْ خليلي هل ترى من ظعائنٍ ... خرجنَ سِراعاً واقتعدنَ المفائِما
تحمّلنَ من جوِّ الوريعةِ بعدما ... تعالى النّهارُ واجترعنَ الصّرائما
تحلّينَ ياقوتاً وشذْراً وصيغَةً ... وجزعاً ظفاريّاً ودرّا توائِما
سلكنَ القرَى والجزعَ تحدَى جمالُهُمْ ... وورّكنَ قوّاً واجتزعنَ المخارِما
ألا حبَّذا وجهٌ يُرينا بياضهُ ... ومنسدلاتٍ كالمثاني فواحِما
وإنِّي لا ستحيي فطيْمة خائفاً ... خميصاً وأستحيي فطيمةَ طاعِما
وإنِّي لأستحييكِ والخرْقُ بينَنا ... مخافةَ أن تلقَى أخاً ليَ صارِما
وإنّي وإنْ كلّت قلوصي لراجمٌ ... بها وبنفسي يا فطيمَ المراجما
ألا يا اسْلَمي بالكوكبَ الطَّلْقِ فاطما ... وإنْ لم يكنْ صرفُ النّوَى متلائما
ألا يا اسلمي ثمَّ اعلمي أنَّ حاجتِي ... إليكِ فردِّي من نوالكِ فاطِما
متى ما يشأْ ذو الودِّ يصرِمْ خليلَهُ ... ويعبدْ عليهِ لا محالةَ ظالِما
وآلي جنابٌ حلفةً فأطعتهُ ... فنفسَكَ ولِّ اللَّومَ إنْ كنتَ لائما
فمن يلقَ خيراً يحمدِ النّاسُ أمرَهُ ... ومن يغوِ لا يعدمْ على الغيِّ لائما
ألمْ ترَ أنَّ المرءَ يجذِمً كفَّهُ ... ويجشَمُ منْ لوْمِ الصَّدِيقِ المجاشِما
أمنْ حلمٍ أصبحتَ تنكتُ واجِماً ... وقد تعتري الأحلامُ منْ كانَ نائِما
وقال أيضاً: مجزوء
لابنةِ عجلانَ بالجوِّ رسومْ ... لمْ يتعفَّيْنَ والعَهدُ قديمْ
لابنةِ عجلانَ إذْ نحنُ معاً ... وأيُّ حالٍ من الدَّهرِ تدُومْ
أضحتْ قِفاراً وقدْ كانَ بها ... في سالفِ الدَّهرِ أربابُ الهجومْ
بادوا وأصبحَتُ منْ بعدِهمْ ... أحسبُني خالداً ولا أريمْ
يا ابنةَ عجلانَ ما أصبرَنِي ... على خطُوبٍ كنحْبٍ بالقدومْ
كأنَّ فيها عقاراً قرقفاً ... نشَّ من الدَّنِّ فالكأسُ رذومْ
في كلِّ ممسىً لها مقطرَةٌ ... فيها كباءٌ معدٌّ وحميمْ
لا تصطلِي النّارَ باللَّيلِ ولا ... توقظُ للزّادِ بلْهاءُ نؤومْ
أرَّقنِي اللّيْلَ برقٌ ناصبٌ ... ولمْ يعنِّي على ذاكَ حمِيمْ
من لخيالٍ تسدَّى موهناً ... أشعرنِي الهمَّ فالقلْبُ سقيمْ
وليلةٍ بتُّها مسهِرَةٍ ... قدْ كرَّرتها علَى عينِي الهمومْ
لم أغتمضْ طولَها حتّى انقضتْ ... أكلؤُها بعدَ ما نامَ السَّليمْ
تبكي على الدَّهْرِ والدَّهرُ الذي ... أبكاكَ فالدَّمعُ كالشَّنِّ هزيمْ
فعمركَ اللهَ هلْ تدرِي إذا ... لمتَ في حبِّها فيمَ تلومْ
تؤْذي صديقاً وتبدي ظنّةً ... تحرقُ منها وسهماً ما تشِيم
كمْ منْ أخي ثروةٍ رأيْتُهُ ... حلَّ على مالهِ دهرٌ غشومْ
ومن عزيزِ الحمَى ذي منعةٍ ... أضحى وقدْ أثّرَتْ فيهِ الكلومْ
بينا أخو نعمَةٍ إذْ ذهبتْ ... وتحوَّلَتْ شقوةٌ إلى نعيمْ
وبينما ظاعنٌ ذو شقّةٍ ... إذْ يحلُّ رحْلاً وخفَّ المقيمْ
أوس بن غلفاء
стр. 135
وقال أوس بن غلفاء الهجيميّ، يهجو يزيد بن الصّعق الكلابيّ:
جلبْنا الخيلَ من جنبَيْ أريكٍ ... إلى لجأٍ إلى ضلعٍ الرِّخام
بكلِّ منفّقِ الجرذانِ مجرٍ ... شديدِ الأسرِ للأعداءِ حامِ
أصَبنا منْ أصبْنا ثمَّ فئنا ... إلى أهلِ الشّريفِ إلى شمامِ
وجدْنا منْ يقودُ يزيدُ منهمْ ... ضعافَ الأمرِ غيرَ ذوي نظامِ
فأجرِ يزيدُ مذْموماً أو انزعْ ... على علبٍ بأنفكَ كالخطامِ
كأنَّكَ عيرُ ساليًةٍ ضروطٍ ... كثير الجهلِ شتّامُ الكرامِ
فإنَّ النّاسَ قدْ علموكَ شيْخاً ... تهوّكُ بالنّواكَةِ كلَّ عامِ
وإنّكَ من هجاءِ بنِي تميمٍ ... كمزدادِ الغرامِ إلى الغرامِ
همُ منُّوا عليكَ فلمْ تثبْهُمْ ... فتيلاً غيرَ شتْمٍ أو خصامِ
وهمْ تركوكَ أسلحَ من حبارَى ... رأتْ صقراً وأشردَ من نعامِ
وهمْ ضرَبُوكَ ذاتَ الرّأسِ حتىً ... بدتْ أمُّ الدّماغ من العظامِ
إذا يأسونَها نشرتْ عليهمْ ... شرَنبثةُ الأصابعِ أمّ هامِ
فمنَّ عليكَ أنَّ الجلدَ وارَى ... غثيثتَها وإحرامُ الطّعامِ
وهمْ أدّوا عليكَ بنِي عداءٍ ... بأفوقَ ناصلٍ وبشرِّ ذامِ
وحيّيْ جعفرٍ والحيَّ كعباً ... وحيَّ بني الوحيدِ بلا سوامِ
فإنّا لمْ يكنْ ضبّاءُ فينا ... ولا ثقفٌ ولا ابنُ أبي عصامِ
ولا فضحُ الفضوحِ ولا شييْمٌ ... ولا سلماكُمُ صمّي صمامِ
قتلتُمْ جاركُمْ وقذفتُمُوه ... بأمّكمُ فما ذنبُ الغلامِ
ألا منْ مبلِغُ الجرميِّ عنّي ... وخيرُ القولِ صادقةُ الكلامِ
فهلاَّ إذْ رأيتَ أبا معاذٍ ... وعلبةَ كنتَ فيها ذا انتقامِ
أراهُ مجامعَ الورِكينِ منها ... مكانَ السَّرجِ أثبتَ بالحزامِ
كثير بن عبد الرحمن
وهو حبي وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعيّ يمدح عبد الملك بن مروان:
خليليَّ إنْ أمُّ الحكيمِ تحمّلتْ ... وأخلتْ لخيماتِ العذيبْ ظلالَها
فلا تسقِياني من تهامةَ بعدَها ... بلالاً وإنْ صوبُ الرَّبيعِ أسالَها
وكنتمْ تزينونَ البلاطَ ففارقتْ ... عشيّةَ بنتُمْ زينها وجمالها
فقد أصبحَ الرّاضون إذ أنتمُ بها ... مسوسُ البلادِ يشتكونَ وبالها
فقد أصبحتْ شتّى تبثُكَ ما بها ... ولا الأرضَ ما يشكو إليكَ احتلالها
إذا شاءَ أبكتْهُ منازلُ قد خلتْ ... لعزَّةَ يوماً أو مناسبُ قالَها
فهل يصبحنْ يا عزُّ من قد قتلتهِ ... منَ الهمِّ خلواً نفسهُ لا هوىً لها
وما أنسَ ملْ أشياء لا أنسَ ردَّها ... غداةَ الشَّبا أجمالهَا واحتمالَها
وقد لقَّنا في أوَّلِ الدَّهرِ نعمةٌ ... فعشنا زماناً آمنينَ انفتالَها
كآلفةٍ إلفاً إذا صدَّ وجهَةً ... سوى وجههِ حنَّتْ لهُ فارعوى لها
فلستُ بناسيها ولستُ بتاركٍ ... إذا أعرضَ الأدمُ الجوازي سؤالها
أأدرِكُ من أمِّ الحكيِّمِ غبطَةً ... بها خبَّرتني الطّيرُ أم قد أنى لَها
أقولُ إذا ما الطّيرُ مرَّتْ سحيقةً ... لعلّك يوماً فانتظرْ أنْ تنالَها
فإنْ تكُ في مصرٍ بدارِ إقامةٍ ... مجاورةً في السّاكنينَ رمالَها
ستأتيكَ بالرُّكبان خوضٌ عوامدٌ ... يعارضنَ مبراةً شددْتُ حبالها
عليهنَّ معتمُّون قد وهبُوا لَها ... صحابتَهُمْ حتّى تجذّ وصالَها
متى أخشىَ عدوَى الدّار بيني وبينها ... أصلْ بنواحِي النّاجياتِ حبالَها
على ظهرِ عاديٍّ تلوحُ متونُهُ ... إذا العيسُ عالتهُ اسبطرَّ فعالها
وحافيةٍ منكوبةٍ قدْ وقيتُها ... بنعلي ولم أعقدْ عليها قبالَها
لهنَّ منَ النَّعلِ الذي قدْ حذوْتُها ... منَ الحقِّ لو دافعتُها مثلُ ما لها
إذا هبطتْ وعثاً من الخطّ دافعتْ ... عليها رذايا قد كللْنَ كلالَها
إذا رحلَتْ منها قلوصٌ تبغمتْ ... تبغُمَ أمِّ الخشفِ تبغي غزالَها
تذكّرِتُ أنَّ النَّفسَ لم تسلُ عنكُمُ ... ولم تقضِ منْ حبِّي أميَّةَ بالها
وأنّي بذي دورانَ تلقَى بكَ النّوى ... على بردى تظعانَها فاحتمالَها
стр. 136
أصاريمَ حلّتْ منهمُ سفْحَ راهطٍ ... فأكنافَ تبنى مرجها فتلالَها
كأنَّ القيانَ الغرَّ وسطَ بيوتِهمْ ... نعاجٌ بجوٍّ منْ رماحَ خلا لَها
لهمْ أندياتٌ بالعشِيِّ وبالضُّحَى ... بهاليلُ يرجُو الرّاغبونَ نوالَها
كأنّهمُ قصراً مصابيحُ راهبٍ ... بموزنَ روّى بالسّليط ذبالها
يجوسُونَ عرضَ العبقريَّةِ نحوَها ... تمسُّ الحواشِي أو تلمَّ نعالَها
همُ أهلِ ألواحِ السَّرير ويمنَةٌ ... قرابينُ أردافاً لها وشمالها
يحيّون بهلولاً به ردَّ ربَّهُ ... إلى عبد شمسٍ عزَّها وجمالَها
مسائحُ فوديْ رأسهِ مسبغلّةٌ ... جرَى مسكُ دارينَ الأحمُّ خلالها
أحاطتْ يداهُ بالخلافةِ بعدَما ... أرادَ رجالٌ آخرونَ اغتيالَها
فما تركُوها عنوةً عنْ مودَّةٍ ... ولكنْ بحدِّ المشرفيّ استقالَها
هو المرءُ يجزي بالمودَّة أهلها ... ويحذُو بنعلِ المستثيبِ قبالَها
بلوهُ فأعطوهُ المقادةَ بعدَما ... أدبَّ البلادَ سهلَها وجبالها
مقانبَ خيلٍ لا تزالُ مطلَّةً ... عليهمْ فملُّوا كلَّ يومٍ قتالَها
دوافعَ بالرَّوحاءِ طوراً وتارَةً ... مخارمَ رضْوى مرجَها فرمالَها
يقيِّلنَ بالبزواءِ والجيشُ واقفٌ ... مزادَ الرَّوايا يصطببنَ فضالَها
وقدْ قابلتْ منها ثرىً مستثيلةً ... مباضعَ في وجهِ الضُّحَى فثعالَها
يعاندنَ في الأرسانِ أجوازَ برزةٍ ... عتاقَ المطايا مسنفاتٍ حبالَها
فغادرنَ عسبِ الوالقيّ وناصحٍ ... تخصُّ به أمُّ الطَّريق عيالها
على كلِّ خنذيذِ الضُّحى متمطّرٍ ... وخيفانةٍ قدْ هذَّبَ الجرْيُ آلَها
وخيلٍ بعاناتٍ فسنِّ سميرةٍ ... لهُ لا يردُّ الذّائدونَ نهالَها
إذا قيلَ خيلُ الله يوماً ألا اركبي ... رضيتُ بكفِّ الأردنيّ انسحالَها
إذا عرضتْ شهباءُ خطّارةُ القنا ... تريكَ السّيوفَ هزَّها واستلالَها
رميتَ بأبناءِ الفقيميّةِ الوغَى ... يؤمّونَ مشيَ المشبلاتِ ظلالها
كأنَّهمُ آسادُ حليةَ أصبحتْ ... خوادرَ تحمِي الخلَّ ممّنْ دنا لَها
إذا أخذوا أدراعَهًم فتسربَلُوا ... مقلّصَ مسرودَاتِها ومذالَها
رأيتَ المنايا شارعاتٍ فلا تكنْ ... لها سنناً نصباً وخلِّ مجالَها
وحربٍ إذا الأعداءُ أنشتْ حياضَها ... وقلّبَ أمراسُ السّوانِي محالَها
وردتَ على فرّاطِهمْ فدهمتهُمْ ... بأخطارِ مَوتٍ يلتهِمنَ سجالَها
وقاريةٍ أحواضَ مجدِكَ دونَها ... ذياداً يبيلُ الحاضِناتِ سِخالَها
وشهباءَ تردي السّلوقيّ فوقَها ... سَنا بارِقاتٍ تكرَهُ العينُ خالَها
قصدتَ لها حتَّى إذا ما لقيتَها ... ضربْتَ ببُصرِيّ الصّفيحِ قذالَها
وكنتَ إذا نابتْكَ يوماً ملمَّةٌ ... نبلْتَ لها أبا الوليدِ نِبالَها
سموتَ فأدركتَ العلاءَ وإنّما ... يلقّى عليّاتِ العلا من سَما لَها
وصلْتَ فنالتْ كفُّكَ المجدَ كلّهُ ... ولمْ تبلُغِ الأيدي السَّوامي مصالَها
على ابن أبي العاصي دلاصٌ حصينةٌ ... أجادَ المسدّي سردَها وأذالَها
يؤودُ ضعيفَ القومِ حملُ قتيرها ... ويستضلعُ الطّرفَ الأشمَّ انشلالَها
وسوداءَ مطراقٍ إلى آمن الصّفا ... أبيٍّ إذا الحاوي دنا فصدَا لَها
كففتَ يداً عنْها وأرضيتَ سمعَها ... من القولِ حتّى صدّقتهُ وعالَها
وأشعرتَها نفْثاً بليغاً فلو ترَى ... وقد جعلَتْ أنْ ترعِيَ النَّفسَ بالَها
تسلَّلتُها من حيثُ أدركَها الرُّقى ... إلى الكفِّ لمَّا سالمَتْ وانسلالَها
وإنّي امرؤٌ قد كنتُ أحسنتُ مرّةً ... وللمرءِ آلاءٌ عليَّ استطالَها
فأقسمُ ما منْ خلّةٍ قدْ خبرتُها ... من النّاس إلاّ قدْ فضلتَ خلالَها
وما ظنّةٌ في جنبكَ اليومَ منهمُ ... أزنُّ بها إلا اضطلَعتَ احتمالَها
وكانوا ذوي نعمَى فقدْ حالَ دونَها ... ذوُو أنعُمٍ فيها مضى فاستحالَها
فلا تكفرُوا مروانَ آلاءَ فعلهِ ... بني عبدَ شمسٍ واشكرُوهُ فعالَها
стр. 137
أبوكمْ تلافَي قبَّةَ الملكِ بعدَما ... هوى سمكُها وغيَّر النّاسُ حالَها
إذا النَّاسُ سامُوها حياةً زهيدَةً ... هي القتلُ والقتلُ الذي لا شوى لَها
أبى اللهُ للشّمِّ الآلاءِ كأنَّهمْ ... سيوفٌ أجادَ القينُ يوماً صقالَها
فلله عيناً من رأى من عصابةٍ ... تناضلُ عن أحسابِ قومٍ نضالها
وإنَّ أميرَ المؤمنينَ هوَ الذي ... غزا كامناتِ النُّصحِ منّي فنالَها
وإنّي مدلٌّ أدَّعي أنَّ صحبةً ... وأسبابَ عهدٍ لم أقطّعْ وصالَها
فلا تجعلنِّي في الأمورِ كعصبَةٍ ... تبرّأتُ منها إذ رأيتُ ضلالَها
عدوٍّ ولا أحرَى صديقٍ ونصحُها ... ضعيفٌ وبثُّ الحقِّ لمّا بدا لها
تبلّجَ لمّا جئتُ وأخضَرَّ عودُهُ ... وبلَّ وسيلاتِي إليهِ بلالَها
وقال كثير أيضاً، وحكى أنه قال: هي خير قصائدي:
ألا يا لقومٍ للنَّوى وانفتالها ... وللصّرمِ من أسماءَ ما لم تدالِها
على شيمةٍ ليست بجدِّ طليقةٍ ... إلينا ولا مقلِيَّةٍ من شمِالها
هو الصَّفحُ منها خشيةً أن تلومها ... وأسبابُ صرمٍ لم تقعْ بقبالها
ونحنُ على مثلٍ لأسماءَ لم نجزْ ... إليها ولم تقطعْ قديمَ خلالِها
وشوقِي إذا استيقنتُ أن قدْ تخيَّلتْ ... لبينِ نوى أسماءُ بعضَ اختيالِها
وأسماءُ لا مشنُوعةٌ بملامةٍ ... إلينا ولا معذورةٌ باعتلالِها
وإنّي على سقمِي بأسماءَ والّذي ... تراجعُ منِّي النِّفسُ بعدَ اندِمالها
لأرتاحُ من أسماءَ للذِّكرِ قدْ خلا ... وللرَّبعِ من أسماءَ بعدَ احتمالها
وإنْ شحطتْ يوماً بكيتُ وإنْ دنَتْ ... تذلّلْتُ واستكثرتُها باعتزالِها
وأجمعُ هجراناً لأسماءَ إنْ دنتْ ... بها الدَّارُ لا من زهدةٍ في وصالِها
فما وصلَتنا خلّةٌ كوصالِها ... ولا ما حلتْنا خلَّةٌ كمحالِها
فهل تجزينْ أسماءُ أورقَ عودُها ... ودامَ الذي تثرَي به من جمالِها
حنيني إلى أسماءَ والخرقُ دونَها ... وإكرامِيَ القومَ العدَى منْ جلالِها
هل أنتَ مطيعِي أيَّها القلبُ عنوةً ... ولم تلحُ نفْساً لم تلَمْ في احتيالِها
فتجْعلَ أسماءَ الغداةَ كحاجَةٍ ... أجمَّتْ فلمّا أخلفتْ لمْ تبالِها
وتجهلَ من أسماءَ عهدَ صبابَةٍ ... وتحذُوَها مِن نعلِها بمثالِها
لعمرُ أبي أسماءَ مادام عهدُها ... على قولَها ذاتَ الزُّمَين وحالِها
وما صرمَتْ إذ لم تكنْ مستثيبَةً ... بعاقبةٍ حبلَ امرئٍ من حبالِها
فواعجباً من شوبها عذبَ مائِها ... بملحٍ وما قد غيَّرتْ من مقالها
ومن نشرِها ما حمّلتْ من أمانةٍ ... ومن وأيها بالوعدِ ثمَّ انتقالها
وكنّا نراها باديَ الرَّأي خلَّةً ... صدُوقاً على ما أعطيتْ من دلالِها
وليلةِ شفَّانٍ يبلُّ ضريبُها ... بنا صفحاتِ العِيسِ تحتَ رحالِها
سريتُ ولولا حبُّ أسماءَ لم أبتْ ... تهزهزُ أثوابي فنونُ شمالِها
وقال كثير أيضاً:
ألا حيِّيا ليلى أجدَّ رحيلي ... وآذنَ أصْحابي غداً بقفُولِ
تبدَّت لهُ ليلى لتغْلِبَ صبرَهُ ... وهاجتكَ أمُّ الصَّلتِ بعدَ ذهولِ
أريد لأنسَى ذكرَها فكأنّما ... تمثّل لي ليلى بكلِّ سبيلِ
إذا ذكرتْ ليلى تغشّتكَ عبرَةٌ تعلُّ بها العينانِ بعدَ نهولِ
وكم من خليلٍ قال لي لو سألتَها ... فقلتُ نعم ليلى أضنُّ بخيلِ
وأبعدهُ نيلاً وأوشكُهُ قلىً ... وإنْ سئلتْ عرفاً فشرُّ مسولِ
حلفتُ بربِّ الرّاقصاتِ إلى منىً ... خلالَ الملا يمددنَ كلَّ جديلِ
تراها وِفاقاً بينهنَّ تفاوتٌ ... ويمددنَ بالإهلالِ كلَّ أصيلِ
تواهقْنَ بالحجّاج منْ بطنِ نخلةٍ ... ومن عزورٍ والخبتِ خبتِ طويلِ
بكلِّ حرامٍ خاشعٍ متوجِّهٍ ... إلى اللهِ يدعوهُ بكلِّ نقيلِ
على كلِّ مذعانِ الرّواحِ معيدَةٍ ... ومخشيّةٍ ألاّ تعيدَ هزيلِ
شوامذَ قدْ أرتجنَ دونَ أجنّةٍ ... وهوجٍ تبارَى في الأزمَّةٍ حولِ
يمينَ امرئٍ مستغلطٍ بأليَّةٍ ... ليكذبَ قيلاً قدْ ألحَّ بقيلِ
стр. 138
لقد كذبَ الواشونَ ما بحتُ عندهمْ ... بليلى ولا أرسلتُهُمْ برسولِ
فإن جاءكِ الواشُون عنّي بكذبَةٍ ... فروها ولم يأتوا لها بحويلِ
فلا تعجلِي يا ليلَ أنْ تتفَهَّمي ... بنصحٍ أتى الواشونَ أم بحبولِ
وإنْ طبتِ نفساً بالعطاءِ فأجز لي ... وخيرُ العطايا ليلَ كلُّ جزيل
وإلاَّ فإجمالٌ إليَّ فإنّني ... أحبُّ من الأخلاقِ كلَّ جميلِ
فإنْ تبذلي لي منك يوماً مودّةً ... فقدماً صنعتُ القرضَ عندَ بذولِ
وإنْ تبخلي يا ليلَ عنِّي فإنني ... توكّلنِي نفسِي بكلِّ بخيلِ
ولستُ براضٍ من خليلي بنائلٍ ... قليلٍ ولا راضٍ لهُ بقليلِ
وليس خليلي بالملول ولا الّذي ... إذا غبتُ عنه باعني بخليلِ
ولكن خليلي منْ يدومُ وصالُهُ ... ويحفظُ سرِّي عندَ كلِّ دخيلِ
ولم أرّ من ليلى نوالاً أعدُّهُ ... ألا ربَّما طالبتَ غيرَ منيلِ
يلومكَ في ليلَى وعقلكَ عندَها ... رجالٌ ولم تذهبْ لهمْ بعقولِ
يقولون ودِّعْ عنكَ ليلَى ولا تهِمْ ... بقاطعةِ الأقرانِ ذاتِ حليلِ
فما نقعتْ نفسِي بما أمروا بهِ ... ولا عجتُ من أقوالهِمُ بفتيلِ
تذكرتُ أترابَاً لعزَّةَ كالمَها ... حبينَ بليطٍ ناعمٍ وقبولِ
وكنتُ إذا لاقيتُهُنَّ كأنني ... مخالطةٌ عقلي سلافُ شمُولِ
تأطَّرنَ حتَّى قلتُ لسنَ بوارِحاً ... رجاءَ الأمانِي أنْ يقلنَ مقيلِي
فلأياً بلأيٍ ما قضينَ لُبانةُ ... من الدّارِ واستقللنَ بعدَ طويلِ
فلمّا رأى واستيقنَ البينَ صاحبي ... دعا دعوةً يا حبتَرَ بنَ سلولِ
وقلتُ وأسررتُ النّدامةَ ليتني ... وكنتُ امرأٌ أغتشُّ كلَّ عذولِ
سلكتُ سبيلَ الرّائحاتِ عشيَّةً ... مخارمَ نصْعٍ أو سلكْنَ سبيلِي
فأسعدتُ نفساً بالهوَى قبل أنْ ترَى ... عوادِيَ نأيٍ بينَنا وشغُولِ
ندمتُ على ما فاتِني يومَ بينِهمْ ... فوا حسرَتا ألاَّ يرينَ عويلِ
كأنَّ دموعَ العينِ واهيةُ الكُلَى ... وعتْ ماء غربٍ يومَ ذاكَ سجيلِ
تكنَّفَها خرقٌ تواكلنَ خرزَها ... فأرخينَهُ والسيَّرُ غيرُ بجيلِ
أقيمي فإنَّ الغورَ يا عزَّ بعدَكمْ ... إليَّ إذا ما بنتِ غيرُ جميلِ
كفَى حزناً للعينِ أنْ راءَ طرفُها ... لعزَّةَ عيراً آذنت برحيلِ
وقالوا نأتْ فاخترْ من الصبَّرِ والبُكا ... فقلتُ البُكا أشفَى إذن لغليلي
فولَّيتُ محزوناً وقلتُ لصاحبي ... أقاتلتي ليلَى بغيرِ قتِيلِ
لعزَّةَ إذ يحتلُّ بالخيفِ أهلُها ... فأوحشَ منها الخيفُ بعدَ حلولِ
وبدِّل منها بعدَ طولِ إقامةٍ ... تبعُّتَ نكباء العشِيِّ جفولِ
لقدْ أكثرَ الواشونَ فينا وفيكمُ ... ومالَ بنا الواشون كلَّ ممِيلِ
وما زلتُ في ليلَى لدُنْ طرَّ شاربي ... إلى اليومِ كالمقصَى بكلِّ سبيلِ
وقال كثير يمدح عزة وكان يحبها:
خليلَيَّ هذا ربعُ عزَّةَ فاعقِلا ... قلوصَيْكما ثمَّ أبكيا حيثُ حلَّتِ
وما كنْتُ أدرِي قبلَ عزَّةَ ما البُكا ... ولا موجعاتِ القلبِ حتَّى تولَّتِ
وما أنصفَتْ أمّا النِّساءُ فبغّضتْ ... إلينا وأمّا بالنَّوالِ فضنَّتِ
فقدْ حلفَتْ جُهداً بما نحرتُ لهُ ... قريشُ غداةَ المأزمينَ وصلَّتِ
أنادِيك ما حجَّ الحجيجُ وكبَّرَتْ ... بفيفاء آلٍ رفقةٌ وأهلَّتِ
وكانتْ لقطعِ الحبلِ بيني وبينها ... كتاذرةٍ نذراً وفتْ فأحلَّتِ
فقلتُ لها يا عزَّ كلُّ مصيبةٍ ... إذا وطِّنتْ يوماً لها النَّفس ذلَّتِ
ولم يلقَ إنسانٌ من الحبِّ ميعةً ... تغمُّ ولا عمياءَ إلاَّ تجلَّتِ
فإنْ سألَ الواشُونَ فيمَ صرمتَها ... فقلْ نفسُ حرٍّ سُلِّيتْ فتَسلتِ
كأنِّي أنادِي صخرةً حينَ أعرضتْ ... منَ الصّمِّ لو تمشِي بها العصمُ زلّتِ
صفوحٌ فما تلقاكَ إلاَّ بخيلَةً ... فمنْ ملَّ مِنها ذلكَ الوصلَ ملَّتِ
أباحتْ حمىً لم يرعَهُ النّاسُ قبلَها ... وحلَّتَ تلاعاً لم تكنْ قبلُ حلَّتِ
стр. 139
فليتَ قلوصي عندَ عزَّةَ قيّدتْ ... بحبلٍ ضعيفٍ عرَّ منها فضلّتِ
وغودرَ في الحيّ المقيمينَ رحلُها ... وكانَ لها باغٍ سوايَ فبلَّتِ
وكنتُ كذيِ الظّلعِ لمّا تحاملتْ ... على ظلْعها بعدَ العثارِ استقلّتِ
أريدُ الثّواءَ عندَها وأظُنّها ... إذا ما أطلنا عندَها المكثَ ملَّتِ
يكلّفها الخنزيرُ شتمي وما بها ... هوانِي ولكنْ للمليكِ استذلّتِ
هنيئاً مريئاً غير داء مخامرٍ ... لعزَّةَ من أعراضنا ما استحلَّتِ
واللهِ ما قاربتُ إلاَّ تباعدَتْ ... بصرمٍ ولا أكثرتُ إلاَّ أقلَّتِ
ولي زفراتٌ لو يدمنَ قتلنني ... توالي التي تأتي المنى قد تولَّتِ
فإنْ تكنِ العتَبى فأهلاً ومرحباً ... وحقَّتْ لها العتبى لدينا وقلَّتِ
وإنْ تكنِ الأخرَى فإنَّ وراءَنا ... بلاداً إذا كلّفتُها العيسَ كلَّتِ
خليليَّ إنَّ الحاجبيَّةَ طلَّحتْ ... قلُوصيكُما وناقتِي قدْ أكلَّتِ
فلا يبعدنْ وصلٌ لعزَّةَ أصبحتْ ... بعاقبةٍ أسبابُهُ قدْ تولَّتِ
أسيئي بنا أو أحسنِي لا ملومَةً ... لدينا ولا مقليّةً إنْ تقلَّتِ
ولكنْ أنيلِي واذكُرِي من مودَّةٍ ... لنا خلَّةً كانت لديكُم فضلَّتِ
وإنِّي وإنْ صدَّتْ لمُثنٍ وصادقٌ ... عليها بما كانتْ لدينا أزلَّتِ
فما أنا بالدّاعي لعزَّةَ بالرَّدى ... ولا شامتٍ إنْ نعلُ عزَّةَ زلَّتِ
فلا يحسبِ الواشونَ أنَّ صابتِي ... بعزَّةَ كانتْ غمرةً فتجلَّتِ
فأصبحتُ قد أبللتُ من دنفٍ بها ... كما أدنفتْ هيماءُ ثمَّ استبلّتِ
فواللهِ ثمَّ اللهِ لا حلَّ بعدها ... ولا قبلها من خلَّةٍ حيثُ حلَّتِ
وما مرَّ منْ يومٍ عليَّ كيومها ... وإنْ عظمتْ أيامُ أخرى وجلَّتِ
وحلَّتْ بأعلَى شاهقٍ من فؤادهِ ... فلا القلبُ يسلاها ولا النَّفسُ ملَّتِ
فوا عجباً للقلبِ كيفَ اعترافُهُ ... وللنّفسِ لمّا وطّنت فاطمأنّتِ
وإني وتهيامي بعزَّةَ بعدما ... تخلّيتُ ممّا بيننا وتخلَّتِ
لكالمرتجي ظلَّ الغمامةٍ كلَّما ... تبوّأ منها للمقيل اضمحلّتِ
كأنّي وإيّاها سحابةُ ممحلٍ ... رجاها فلمّا جاوزتهُ استهلَّتِ
وقال كثير يمدح بشر بن مروان، وأمه قطية بنت بشر بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب:
ألمْ تربعْ فتخبرُكَ الطُّلولُ ... ببينةَ رسمُها رسمٌ محيلُ
تحمَّلَ أهلُها وجرى عليها ... رياحُ الصَّيفِ والسَّربُ الهطولُ
تحنُّ بها الدَّبورُ إذا أربَّتْ ... كما حنَّتْ مولَّهةٌ عجولُ
تعلٌّقَ ناشئاً من حبِّ سلمى ... هوىً سكنَ الفؤادَ فما يزولُ
سبتني إذْ شبابي لمْ يعقّبْ ... وإذ لا يستبلُّ لها قتيلُ
فلم يمللْ مودَّتها غلاماُ ... وقد ينسى ويطّرفُ الملولُ
فأدرككَ المشيبُ على هواها ... فلا شيبٌ نهاكَ ولا ذهولُ
تصيدُ ولا تصادُ ومن أصابتْ ... فلا قوداً وليسَ به حميلُ
هجانُ اللّونِ واضحةُ المحيّا ... قطيعُ الصّوتِ آنسةٌ كسولُ
وتبسِمُ عن أغرَّ لهُ غروبٌ ... فراتِ الرِّيقِ ليسَ بهِ فلولُ
كأنَّ صبيبَ غاديةٍ بلصبٍ ... تشجُّ بهِ شآميةٌ شمولُ
على فيها إذا الجوزاءُ كانتْ ... محلّقةً وأردفَها رعِيلُ
فدعْ ليلَى فقدْ بخلَتْ وصدَّتْ ... وصدِّعَ بينَ شعبينا الشّكولُ
وأحكِمْ كلَّ قافيةٍ جديدٍ ... تخبِّرُها غرائبَ ما تقولُ
لأبيضَ ماجدٍ تهدِي ثناءً ... إليهِ والثَّناءُ له قليلُ
أبي مروانَ لا تعدِلْ سواهُ ... به أحداً وأينَ بهِ عديلُ
بطاحيٌّ له نسبٌ مصفَّى ... وأخلاقٌ لها عرضٌ وطولُ
فقدْ طلبَ المكارمَ فاحتواها ... أغرُّ كأنَّهُ سيفٌ صقيلُ
تجنَّبَ كلَّ فاحشةٍ وعيبٍ ... وصافي الحمدَ فهوَ لهُ خليلُ
إذا السّبعونَ لم تسكتْ وليداً ... وأصبحَ في مباركها الفحولُ
وكانَ القطرُ أجلاباُ وصرّاً ... تهبُّ به شآميةٌ بليلُ
فإنَّ بكفّهِ ما دامَ خيّاً ... من المعروفِ أوديةٌ تسيلُ
стр. 140
تقولُ حليلتي لمّا رأتنِي ... أرقتُ وضافني همٌّ دخيلُ
كأنَّك قدْ بدا لكَ بعدَ مكثٍ ... وطولِ إقامةٍ فينا رحيلُ
فقلتُ أجلَ فبعضَ اللَومِ إنّي ... قديماً لا يلائمني العذولُ
وأبيضَ ينعسُ السِّرحانُ فيهِ ... كأنَّ بياضهُ ريطٌ غسيلُ
خدتْ فيهِ برحلِي ذاتُ لوثِ ... منَ العيديّ ناجيةٌ ذمولُ
سلوكٌ حينَ تشتبهُ الفيافِي ... ويخطِئُ قصدَ وجهتِه الدَّليلُ
إذا فضلَتْ معاقدُ نسعتيْها ... وأصبحَ ضفرُها قلقاً يجولُ
على قرواءَ قد ضمرتْ ففيها ... ولم تبلغْ سليقتَها ذبولُ
طوتْ طيَّ الرِّداءِ الخرقَ حتَّى ... تقاربَ بعدَهُ سرحٌ نصولُ
منَ الكتُمِ الحوافظِ لا سقوطٌ ... إذا سقطَ المطِيُّ ولا سؤولُ
تكادُ تطيرُ إفراطاً وسغباً ... إذا زجرَتْ ومدَّ لها الجدِيلُ
إلى القرمِ الّذي فاتتْ يداهُ ... بفعلِ الخيرِ بسطةَ منْ ينبلُ
إذا ما غاليَ الحمدِ اشتراهُ ... فما إنْ يستقلُّ ولا يقيلُ
أمينُ الصّدرِ يحفظُ ما تولّى ... كما يلفى القويُّ به النَّبيلُ
نقيٌّ طاهرُ الأثوابِ برٌّ ... لكلِّ الخيرِ مصطنِعٌ محيلُ
أبا مروانَ أنتَ فتى قريشٍ ... وكهلُهُمُ إذا عدَّ الكهولُ
تولّيه العشيرةُ ما عناها ... فلا ضيقُ الذّراعِ ولا بخيلُ
إليكَ تشيرُ أيديهمُ إذا ما ... رضُوا أو غالهُمْ أمرٌ جليلُ
كلا يوميهِ بالمعروفِ طلقٌ ... وكلُّ فعالِهِ حسنٌ جميلُ
جوادٌ سابقٌ في اليسرِ بحرٌ ... وفي العلاَّتِ وهّابٌ بذولُ
تأنَّسَ بالنّباتِ إذا أتاها ... لرؤيةِ وجههِ الأرضُ المحولُ
لبهجةِ واضحٍ سهلٍ عليهِ ... إذا رئيَ المهابةُ والقبولُ
لأهلِ الودّ والقربى عليهِ ... صنائعُ بتّها برٌّ وصولُ
أيادٍ قد عرفنَ مظاهراتٍ ... له فيها التّطاولُ والفضولُ
وعفوٌ عن مسيئهمِ وصفحٌ ... يعودُ به إذا غلقَ الحجولُ
إذا هوَ لم تذكّرهُ نهاهُ ... وقارَ الدّين والرّأيُ الأصيلُ
وللفقراء عائدةٌ ورحمٌ ... ولا يقصَى الفقيرُ ولا يعيلُ
جنابٌ واسعُ الأكنافِ سهلٌ ... وظلٌ في منادحِهِ ظليلُ
وكمْ من غارمٍ فرَّجتَ عنهُ ... مغارمَ كلٌّ محمَلِها ثقيلُ
وذي لددٍ أريتَ الشّدّ حتّى ... تبيّنَ واستبانَ لهُ السّبيلُ
وأمرٍ قد فرقتَ اللّبسَ منهُ ... بحلمِ لا يجورُ ولا يميلُ
نمى بكَ في الذّؤابَةِ في قريشٍ ... بناءُ العزٍّ والمجدُ الأثيلُ
أرومٌ ثابتٌ يهتزُّ فيهِ ... بأكرَمِ منبتٍ فرعٌ أصيلُ
وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعيّ ومات سنة خمس ومائة يوم مات عكرمة مولى ابن عباس، وصلّي عليهما بعد الظهر:
لعزّةَ من أيّامِ ذي الغصن هاجنِي ... بضاحي قرارِ الرّوضتينِ رسومُ
فروضةُ ألجامٍ تهيجُ لي البُكا ... وروضاتُ شوطي عهدهنَّ قديمُ
هي الدّارُ وحشاً غيرَ أنْ قدْ يحلّها ... ويغنى بها شخصٌ عليَّ كريمُ
فما برباعِ الدّارِ أنْ كنتُ عالماً ... ولا بمحلِّ الغانياتِ أهِيمُ
سألتُ حكيماً أينَ صارتْ بها النَّوى ... فخبَّرني ما لا أحبُّ حكيمُ
أجدُّوا فأمَّا آلُ عزَّةَ غدوةً ... فبانوا وأمّا واسطٌ فمُقِيمُ
فما للنّوى لا باركَ اللهُ في النَّوى ... وعهدُ النَّوى عندَ المحبِّ ذميمُ
لعمرِي لئنْ كانَ الفؤادُ من الهوَى ... بغَى سقماً إنّي إذاً لسقيمُ
فإمَّا ترينِي اليومَ أبدي جلادةً ... وإنّي لعمري تحتَ ذاكَ كليمُ
وما ظعنتْ طوعاً ولكن أزالها ... زمانٌ بنا بالصّالحينَ مشومُ
فوا حزناً لمّا تفرَّقَ واسطٌ ... وأهلُ التي أهذي بها وأحُومُ
وقالَ ليَ البلاَّغُ ويحكَ إنَّها ... بغيركَ حقّاً يا كثيرُ تهيمُ
أتشخصُ والشَّخصُ الذي أنتَ عادلٌ ... به الخلدَ بينَ العائداتِ سقيمُ
يذكّرنيها كلُّ ريحٍ مريضةٍ ... لها بالتِّلاعِ القاوياتِ نسيمُ
تمرُّ السِّنونَ الماضياتُ ولا أرى ... بصحنِ الشَّبا أطلالهُنَّ تريمُ
стр. 141
ولستُ ابنةَ الضّمريّ منكِ بناقمٍ ... ذنوبَ العدى إنّي إذن لظلومُ
وإنِّي لذُو وجدٍ لئنْ عادَ وصلُها ... وإنِّي على ربّي إذنْ لكرِيمُ
إذا برقتْ نحو البُويبِ سحابَةٌ ... لعينيكَ منها لا تجفُّ سجُومُ
ولستُ براءٍ نحو مصرَ سحابةٌ ... وإن بعدَتِ إلاَّ قعدتُّ أشيمُ
فقدْ يوجدُ النّكسُ الدّنيُّ عنِ الهوَى ... عزُوماً ويصبُو المرءُ وهوَ كريمُ
وقالَ خليلي ما لها إذ لقيتها ... غداةَ الشَّبا فيها عليكَ وجومُ
فقلتُ لهُ إنَّ المودَّةَ بيننا ... على غيرَ فحشٍ والصّفاءُ قديمُ
وإنِّي وإنْ أعرضتُ عنها تجلُّداً ... على العهدِ فيما بيننا لمقيمُ
وإنَّ زماناً فرّقَ الدَّهرُ بيننا ... وبينكُمُ في صرفِهِ لمشُومُ
أفي الدِّينِ هذا إنَّ قلبَكِ سالمٌ ... صحيحٌ وقلبي من هواكِ سقيمُ
وإنَّ بخوفي منكِ داءً مخامراً ... وخوفُكِ ممّا بي عليكِ سليمُ
لعمُركِ ما أنصفتني في مودَّتِي ... ولكنّني يا عزَّ عنكِ حلِيمُ
عليَّ دماءُ البدنِ إنْ كانَ حبُّها ... على النّأي أو طولُ الزَّمانِ يريمُ
وأقسمُ ما استبدلتُ بعدَكِ خلُّةً ... ولا لكِ عندي في الفؤادِ قسيمُ
وقال كثير يمدح يزيد بن عبد الملك:
لعزّةَ أطلالٌ أبتْ أنْ تكلَّما ... تهيجُ مغانيها الطَّروبَ المتيّما
كأنَّ الرّياحَ الذّارياتِ عشِيَّةً ... بأطلالِها ينسُجنَ ريطاً مسَهَّما
أبتْ وأبَى وجدِي بعزَّةَ إذْ نأتْ ... على عدواءِ الدّارِ أنْ تيصرَّما
ولكنْ سقَى صوبُ الرَّبيعِ إذا أتى ... على قلهيَّ الدّارِ والمتَخيَّما
بغادٍ منَ الوسمِيِّ لمّا تصوَّبتْ ... عثانينُ واديهِ على القعرِ ديَّما
سقَى الكُدْرَ فاللّعباءَ فالبُرقَ فالحمىَ ... فلوذَ الحصى منْ تغلمينِ فأظلما
فأروَى جنُوب الدّونكين فضاجعٍ ... فدرٍّ فأبلَى صادقَ الودقِ أسحما
تثجُّ رواياه إذا الرَّعدُ زجَّها ... بشابةَ فالقهبِ المزادَ المحذلِما
فأصبحَ منْ يرعَى الحمَى وجنوبَهُ ... بذِي أفقٍ مكّاؤهُ قد ترنَّما
ديارٌ عفتْ من عزَّةَ الصَّيفَ بعدما ... تجدُّ عليهنُّ الوشيعَ المنمنما
فإنْ أنجدتْ كان الهوى بكَ منجداً ... وإنْ أتهمتْ يوماً بها الدّارُ أتْهما
أجدَّ الصِّبا واللِّهو أنْ يتصرَّما ... وأن يعقِباكَ الشَّيبَ والحلمَ منهُما
لبستُ الصّبا واللهوَ حتّى إذا اتقضى ... جديدُ الصّبا واللهوِ أعرضتُ عنهُما
خليليَّ كانا صاحبيكَ فودَّعا ... فخذْ منهما ما نوَّلاكَ ودَعهُما
على إنَّ في قلبي لعزَّةَ وقرَةً ... منَ الحبِّ ما تزدادُ إلاَّ تيمُّما
يطالبُها مستَيقِناً لا تثيبُهُ ... ولكنْ يسلِّي النَّفسَ كي لا يلوَّما
يهابُ الّذي لم يؤتَ حلماً كلامَها ... وإنْ كانَ ذا حلمٍ لديها تحلّما
تروكٌ لسقطِ القولِ لا يهتدِي بهِ ... ولا هيَ تستوشِي الحديثَ المكتَّما
ويحسَبُ نسوانٌ لهنَّ وسيلةً ... من الحبِّ لا بلْ حبُّها كانَ أقدَما
وعلّقتُها وسطَ الجواري غريرةً ... وما قلّدتْ إلاّ التَّميمَ المُنظّما
عيوفُ القذَى تأبَى فلا تعرفُ الخنَا ... وترمِي بعينيها إلى منْ تكرَّما
إلى أنْ دعتْ بالدِّرعِ قبلَ لداتها ... وعادتْ تُرى منهنَّ أبهَى وأفخَما
وغالَ فضولَ الدّرعِ ذي العرضِ خلقُها ... وأتعبَتِ الحجلَينِ حتّى تقصّما
وكظّتْ سوارَيها فلا يألوانِها ... لدنْ جاورا الكفّينِ أنْ يتقدَّما
وتدْنِي على المتنينِ وحفاً كأنَّه ... عناقيدُ كرمٍ قد تدلّى فأنْعما
منَ الهيفِ لا تخزَى إذا الرِّيحُ الصقتْ ... على متنها ذا الطُّرّتينِ المنمنما
وكنتُ إذا ما جئتُها بعدَ هجرةٍ ... تقاصرَ يومئذٍ نهارِي وأغْيما
فأقسمتُ لا أنسَى لعزَّةَ نظرةً ... لها كدتُ أبدي الوجدَ منّي المجمجما
عشيّةَ أومَتْ والعيونُ حواضرٌ ... إليَّ برجعِ الكفِّ أنْ لا تكلَّما
стр. 142
فأعرضتُ عنها والفؤادُ كأنَّما ... يرى لو تناديه بذلكَ مغنما
فإنَّكِ عمرِي هلْ أريكِ ظعائناً ... بصحْنِ الشَّبا كالدَّومِ من بطنِ تريما
نظرتُ إليها وهيَ تنضُو وتكتسَي ... من القفرِ آلاً كلَّما زالَ أقتَما
وقد جعلتْ أشجانَ بركٍ يمينها ... وذاتَ الشِّمالِ منْ مريخةَ أشأما
مولّيةً أيسارَها قطنَ الحِمى ... تواعدْنَ شِرباً منْ حمامةَ معلما
نظرْتُ إليها وهي تحدْى عشيّةً ... فأتبعتهُمْ طرفيَّ حتىً تتمّما
تروعُ بأكنافِ الأفاهيدِ عيرُها ... نعاماً وحقْباً بالفدافدِ صيَّما
ظعائنُ يشفِينَ السَّقيمَ منَ الجوَى ... بهِ ويخبِّلنَ الصَّحيحَ المسلَّما
يهنَّ المنقىً عندهنَّ عنْ القذَى ... ويكرِ من ذا القاذورةِ المتكرِّما
وكنتُ إذا ما جئتُ أجللنَ مجلسِي ... وأظهرنَ منّي هيبةً لا تجهُّما
يحاذِرنَ منِّي غيرَةً قدْ علمنَها ... قديماً فما يضحكنَ إلا تبسّما
يكلّلن حدَّ الطَّرفِ عن ذي مهابةٍ ... أبانَ أولاتِ الدَّلِّ لمّا توسَّما
تراهنَّ إلاَّ أنْ يؤدِّينَ نظرَةً ... بمؤخرِ عينٍ أو يقلّبنَ معصما
كواظمَ لا ينطِقنَ إلاَّ محورةً ... رجيعةً قولٍ بعدَ أنْ يتفهَّما
وكنَّ إذا ما قلنَ شيئاً يسرُّهُ ... أسرَّ الرِّضا في نفسهِ وتجرَّما
فأقصَرَ عنْ ذاكَ الهوَى غيرَ أنَّه ... إذا ذكرتْ أسماءُ عاجَ مسلّما
وقال كثير:
عفتْ غيقةٌ من أهلِها فحريمها ... فبرقةُ حسمَي قاعُها فصريمُها
وهاجتْكَ أطلالٌ لعزَّةَ باللِّوى ... يلوحُ بأطرافِ البراقِ رسومُها
إلى المئبرِ الدّاني من الرَّملِ ذي الغضا ... تراها وقد أقوتْ حديثاً قديمُها
وكانَ خليلي يومَ رُحنْا وفتّحتْ ... من الصَّدرِ أشراجٌ وفضَّتْ ختومُها
أصابتْكَ نبلُ الحاجبيَّةِ إنَّها ... إذا ما رمتْ لا يستبلُّ كليمُها
كأنَّك مردُوعٌ منَ الشَّمسِ مطرَدٌ ... يقارفهُ من عقدةِ البقعِ هيمُها
أخو حيَّةٍ عطشَى بأرضٍ ظميَّةٍ ... تجلَّلَ غشياً بعدَ غشيٍ سليمُها
إذا شحطتِ يوماً بعزَّةَ دارُها ... عنْ الحيّ صفقاً فاستمرَّ مريرُها
فإنْ يمسِ قدْ شطَّت بعزَّةَ دارُها ... ولمْ يستقمْ والعهدُ منها زعيمُها
فقدْ غادرَتْ في القلبِ منِّي زمانةً ... وللعينِ عبراتٌ سريعاً سجومُها
فذوقي بما جشَّمتِ عيناً مشومةً ... قذاها وقد يأتي على العينِ شومُها
فلا تجزعِي لمّا نأتْ وتزحزحَتْ ... بعزَّة دوراتُ النَّوَى ورجُومُها
ولِي منْكِ أيّامٌ إذا شحطُ النَّوَى ... طوالٌ وليلاتٌ تزولُ نجومُها
قضى كلُّ ذي دينٍ فوفّى غريمَهُ ... وعزَّةُ ممطولٌ معنًّى غريمُها
إذا سمتُ نفسي هجرَها واجتنابَها ... رأتْ غمراتِ الموتِ فيما أسُومُها
إذا بنتِ بانَ العُرفُ إلاَّ أقلَّهُ ... منَ النَّاسِ واستعلى الحياةَ ذميمُها
وتخلِقُ أثوابَ الصِّبا وتنكَّرَتْ ... نواحٍ من المعروفِ كانتْ تقيمُها
فهل تجزينِّي عزَّةُ القرضَ بالهوى ... ثواباً لنفسٍ قد أصيبَ صميمُها
بأنّي لم تبلغْ لها ذا قرابةٍ ... أذاتي ولم أقررْ لواشٍ يذيمُها
متى ما تنالا بي الأولى يقصِبُونها ... إليَّ ولا يشْتَمْ لديَّ حميمُها
وقدْ علمتْ بالغيبِ أنْ لن أودَّها ... إذا هي لم يكرَمْ عليَّ كريمها
فإنْ وصلتْنا أمُّ عمروٍ فإنَّنا ... سنقبَلُ مِنها الودَّ أو لا نَلومُها
فلا تزجُرِ الغاوينَ عنْ تبعَ الصِّبا ... وأنتَ غويُّ النَّفسِ قدْماً سقيمُها
بعزَّةَ متبولٌ إذا هي فارقتْ ... معنىً بأسبابِ الهوى ما يريمُها
ولمَّا رأيتُ النَّفسَ نفساً مصابةً ... تداعَى عليها بنُّها وهمومُها
عزمتُ عليها أمرهَا فصرَمتُهُ ... وخيرُ بديعاتِ الأمورِ عزيمُها
وما جابَهُ المدرَى خذولٌ خلالَها ... أراكٌ بذي الرّيان دانٍ صريمها
بأحسنَ منها سنّةً ومقلّداً ... إذا ما بدتْ لبّاتُها ونظيمُها
стр. 143
وتفرُقُ بالمدرَى أثيثاً نباتُهُ ... كجنَّةِ غربيبٍ تدلَّتْ كرومُها
إذا ضحكتْ لم تنتهزْ وتبسّمتْ ... ثنايا لها كالمزْنِ غرٌّ ظلومُها
كأنَّ على أنيابها بعدَ رقدَةٍ ... إذا انتبهتْ وهناً لمنْ يستنيمُها
مجاجةُ نحلٍ في أباريق صفقةٍ ... بصهباءَ يجريَ في العظامِ هميمُها
ركودُ الحميّا وردةُ اللّونِ شابَها ... بماءِ الغوادِي غيرَ رنقٍ مديمُها
فإنْ تصدُفي يا عزَّ عنِّي وتصرمِي ... ولا تقبلِي منّي خلالاً أسُومُها
فقدْ أقطعُ الموماةَ يستنُّ آلُها ... بها جيفُ الحسرَى يلوحُ هشيمُها
على ظهرِ حرجوجٍ يقطّع بالفتى ... نعافَ الفيافي سبتُها ورسِيمها
وقدْ أزجرُ العوجاءَ أنقبَ خُفٌّها ... مناسِمُها لا يستبلُّ رثيمُها
وقد غيبتْ سمراً كأنَّ حروفَها ... مواثمُ مرضاخٍ يطيرُ جريمُها
وليلةِ إيجافٍ بأرضِ مخوفةٍ ... تقتنِي بجوناتِ الظّلامِ جهومُها
فبتُّ أساري ليلَها وضريبَها ... على ظهرِ حرجوجٍ نبيلٍ حزيمُها
تواهقُ أطلاحاً كأنَّ عيونَها ... وقيعٌ تعادتْ عن نطافٍ هزُومِها
أضَرَّ بها الإدلاجُ حتّى كأنَّها ... من الأينِ خرصانٌ نحاها مقيمُها
تنازعُ أشرافَ الإكامِ مطيّتي ... من اللّيلِ سيجاناً شديداً فحومُها
بمشرفةِ الأجداثِ خاشعةِ الصّوَى ... تداعَى إذا أمسَتْ صداها وبومُها
إذا استقبلتْها الرّيحُ حالَ رغامُها ... وحالفَ جولانَ السَّرابِ أرُومُها
يمشّي بحزّانِ الإكامِ والرُّبا ... كمستكبرٍ ذي موزجينِ ظليمُها
رأيتُ بها العوجَ اللَّهاميمَ تغتلِي ... وقدْ صقلتْ صقلاً وتلّتْ جسومُها
تراكلُ الأكوارِ في كلِّ صيهَبٍ ... منَ الحرِّ أثباجاً قليلاً لحومُها
ولو تسألينَ الرَّكبَ في كلِّ سربخٍ ... إذا العيسُ لم ينبسْ بليلٍ بغومُها
من الحجرة القصوَى وراءَ رحالِها ... إذا الأسدُ بالأكوارِ طافَ رزومُها
وجرَّبتُ إخوانَ الصَّفاءِ فمنهُمُ ... حيمدُ الوصالِ عندنا وذميمُها
وأعلمُ أنّي لن أسربلَ جنّةً ... منَ الموتِ معقوداً عليَّ تميمُها
ومن يبتدع ما ليسَ من سوسِ نفسِهِ ... يدعهُ وبغلبهُ على النَّفسِ خيمُها
وقال كثير أيضاً:
أشاقكَ برقٌ آخرَ اللّيلَ واصبُ ... تضمّنَهُ فرشُ الجبا فالمشاربُ
يجرُّ ويستأنِي نشاصاً كأنّهُ ... بغيقة حادٍ جلجلَ الصّوتَ جالبُ
تألّقَ واحمومَي وخيّمَ بالرُّيا ... أحمُّ الذُّرَى ذو هيدبٍ متراكبُ
إذا حرَّكتهُ الرِّيحُ أرزمَ جانبٌ ... بلا هرقٍ منهُ وأومضَ جانبُ
كما أومضتْ بالعينِ ثمَّ تبسَّمَتْ ... خريعٌ بدا منها جبينٌ وحاجبُ
يمجُّ النّدى لا يذكُرُ السّيرَ أهلَهُ ... ولا يرجعُ الماشِي بهِ وهوَ جادِبُ
وهبتُ لسُعدَى ماءَهُ ونباتَهُ ... وما كلَّ ودٍّ لمنْ ودَّ واهبُ
لتروى بهِ سعدَى ويروَى محلُّها ... وتغدقَ أعدادٌ بهِ ومشارِبُ
تذكّرتُ سعدَى والمطِيُّ كأنَّهُ ... بآكامِ ذي ريطٍ غطاطٌ قواربُ
فقدْ فتنَ ملْتجّاً كأنَّ نشيجهُ ... سعالُ جوٍ أعيتْ عليهِ الطَّبائبُ
فقلتُ ولم أملكْ سوابقَ عبرَةٍ ... سقى أهلَ بيسانَ الدُّجونُ الهواضبُ
وإنّي ولو صاحَ الوشاةُ وطرَّبوا ... لمتَّخذٌ سعدى شباباً فناسبُ
يقولونَ أجمعْ من عزيزةَ سلوةً ... وكيفَ وهل يسلُو اللّجوجُ المطالِبُ
أعزُّ أجدَّ الرَّكبُ أنْ يتزحزحوا ... ولم يعتبِ الزّاري عليك المعاتبُ
فأحيي هداكِ اللهُ منْ قدْ قتلتهِ ... وعاصِي كما يعصَى لديهِ الأقاربُ
وإن طلابي عانساً أمَّ ولدَةٍ ... لممّا تمنّيني النُّفوسُ الكواذبُ
ألا ليتَ شعرِي هلْ تغيّرَ بعدَنا ... أراكٌ فصرْما قادمِ فتناضبُ
فبرقُ الجبا أمْ لا فهنَّ كعهدنا ... تنزَّى على آرامِهنَّ الثَّعالِبُ
تقي اللهَ فيه أمَّ عمروٍ ونوّلي ... مودّتهُ لا يطلبنّكِ طالبُ
فمن لا يغمّض عينهُ عن صديقه ... وعن بعضِ ما فيه يمتْ وهوَ عاتبُ
стр. 144
ومن يتتبّع جاهداً كلَّ عثرةٍ ... يجدها ولا يسلمْ لهُ الدّهرَ صاحبُ
فلا تأمنيهِ أن يسرَّ شماتةً ... فيظهرُها إنْ أعقبتْهُ العواقبُ
كأنْ لم أقل واللّيلُ ناجٍ بريدُهُ ... وقد غالَ أميالَ الفجاجِ الرَّكائبُ
خليليَّ حثّا العيسَ نصبِحْ وقدْ بدتْ ... لنا من جبالِ الرّامتينِ مناكبُ
فو الله ما أدري أآتٍ على قلىً ... وبادِي هوانٍ منكمُ ومغاضبُ
سأملكُ نفسي عنكمُ إنْ ملكتُها ... وهلْ أغلبَنْ إلاَّ الذي أنا غالبُ
حليلةُ قذّافِ الدّيارِ كأنّهُ ... إذا ما تدانينا منَ الجيشِ هاربُ
إذا ما رأنِي بارِزاً حالَ دونَها ... بمخبطةٍ يا حسنَ من هو ضاربُ
ولو تنقبُ الأضلاعُ أُلفيَ تحتَها ... لسعدَى بأوساط الفؤادِ مطاربُ
بها نعمٌ من ماثلِ الحبِّ واضحٌ ... بمجتمع الأشراجِ ناءٍ وقاربُ
تضمَّنَ داءً منذُ عشرينَ حجَّةُ ... لكم ما تسليِّهِ السّنُونَ الكواذِبُ
وقال كثير:
عفا السَّفحُ من أمِّ الوليدِ فكبكبُ ... فنعمانُ وحشٌ فالرَّكيُّ المثقَّبُ
خلاءٌ إلى الأحواضِ عافٍ وقدْ يرَى ... سوامٌ بها فيه مراحٌ ومعزَبُ
على أنَّ بالأقوازِ أطلالَ دمنةٍ ... تجدُّ بها هوجُ الرِّياحِ وتلعَبُ
لعزَّةَ إذْ حبلُ المودَّةِ دائمٌ ... وإذ أنتَ متبولٌ بعزَّةَ معجَبُ
وإذ لا ترى في النّاسِ شيئاً يفوقُها ... وفيهنَّ حسنٌ لو تأمّلتِ مجنبُ
هضيمُ الحشا رودُ المطا بختريَّةٌ ... جميلٌ عليها الأتحميُّ المنشَّبُ
هي الحرَّةٌ الدَّلُّ الحصانُ ورهطُها ... إذا ذكرَ الحيُّ الصَّريحُ المهذّبُ
رأيتُ وأصحابي بأيلةَ موهِناً ... وقدْ لاحَ نجمُ الفرقدِ المتصوِّبُ
لعزَّةَ ناراً ما تبوخُ كأنَّها ... إذا ما رمقناها من البعُدِ كوكبُ
تعجَّبَ أصحابي لها حينَ أوقدَتْ ... وللمصطلُوها آخرَ اللّيلِ أعجَبُ
إذا ما خبتْ من آخرِ اللّيلِ خبوَةً ... أعيدَ لها بالمندَليِّ فتثقبُ
وقفنا فشبَّتْ شبَّةً فبدا لنا ... بأهضامِ واديها أراكٌ وتنضُبُ
ومنْ دونِ حيثُ استوقدَتْ منْ مجالخ ... مراحٌ ومغدىً للمطِيِّ وسبسبُ
أتتنا بريّاها وللعيسِ تحتنا ... وجيفٌ بصحراءِ الرّسيسِ مهذّبُ
جنوبٌ تسامي أوجُهَ الرّكبِ مسّها ... لذيذٌ ومسراها منَ الأرضِ طيّبُ
فيا طولَ ما شوقي إذا حالَ دونَها ... بصاقٌ ومن أعلام صندِدَ منكِبُ
كأنْ لم يوافقْ حجَّ عزَّةَ حجُّنا ... ولم يلقَ ركباً بالمحصَبَّ أركُبُ
حلفتُ لها بالرَاقصاتِ إلى منىً ... تغدُّ السّرَى كلبٌ بهنَّ وتغلِبُ
وربِّ الجيادِ السّابحاتِ عشيَّةً ... مع العصرِ إذ مرّتْ على الحبلِ تلحَبُ
لعزّةَ همُّ النَّفسِ منهنَّ لو ترَى ... إليها سبيلاً أو تلمُّ فتصقبُ
ألامُ على أمِّ الوليدِ وحبُّها ... جوىً داخلٌ تحتَ الشَّراسيفِ ملهبُ
ولو بذلتْ أمُّ الوليدِ حديثَها ... لعصمٍ برضوَى أصبحَتْ تتقرَّبُ
تهبَّطنَ من أكنافِ ضأسَ وأيلةٍ ... علينا ولو أغرَى بهنَّ المكلّبُ
تلعَّبُ بالعزهاةِ لم يدرِ ما الصّبا ... وييأسُ من أمِّ الوليدِ المجرِّبُ
ألا ليتنا يا عزَّ كنّا لذي غنىً ... بعيرين نرعى في الخلاء ونعزبُ
كلانا به عرٌّ فمن يرنا يقلْ ... على حسنِها جرباءَ تعدِي وأجربُ
إذا ما وردنا منهلاً صاحَ أهلُهُ ... علينا فما ننفكُّ نرمَي ونضرَبُ
نكونُ بعيريْ ذي غنىً فيضعُنا ... فلا هوَ يرعانا ولا نحنُ نطلبُ
يطرّدُنا الرِّعيانُ عنْ كلَّ تلعةٍ ... ويمنعُ منّا أنْ نرَى فيهِ نشرَبُ
وددتُّ وبيتِ اللهِ أنَّكِ بكرَةٌ ... هجانٌ وأنِّي مصعبٌ ثمَّ نهربُ
وقال كثير:
ألا طرقتْ بعدَ العشاءِ جنوبُ ... وذلكَ منها إنْ عجبتَ عجيبُ
تسدَّتْ ومرٌّ دونَنا وأراكُهُ ... ودونانُ أمسَى دونَها ونقيبُ
ونحنُ ببطحاءِ الحجُونِ كأنّنا ... مراضٌ لهمْ وسطَ الرّحالِ نحيبُ
стр. 145
فحيَّتْ نياماً لم يردُّوا تحيّةً ... إليها وفي بعضِ اللّمامِ شغوبُ
لقدْ طرقتنا في التّنائِي وإنّها ... على القربِ علمي للسُّرَى لهيوبُ
أحبُّكِ ما حنَّتْ بغورِ تهامَةٍ ... إلى البوِّ مقلاتُ النّتاجِ سلوبُ
وما سجعتْ من بطنِ وادٍ حمامةٌ ... يجاوبُها صاتُ العشِيِّ طروبُ
وإنّي ليثنيني الحياءُ فأنثني ... وأقعدُ والممشَى إليكِ قريبُ
وآتِي بيوتاً حولكُمْ لا أحبُّها ... وأكثرُ هجرَ البيتِ وهو حبيبُ
وأغضي على أشياءَ منكِ تريبُنِي ... وأدعَى إلى ما نابَكمْ فأجيبُ
وما زلتُ من ذكراكِ حتّى كأنني ... أميمٌ بأكنافِ الدِّيار سليبُ
وحتّى كأنِّي من جوى الحبِّ منكمُ ... سليبٌ بصحراءِ البريحِ غريبُ
أبثّكِ ما ألقَى وفي النَّفسِ حاجةٌ ... لها بين جلدِي والعظامٍ دبيبُ
أراكمْ إذا ما زرتُكُمْ وزيارتِي ... قليلٌ يرَى فيكُمْ إليَّ قطُوبُ
أبيني أتعويلٌ علينا بما أرَى ... منَ الحبِّ أم عندي إليكِ ذنوبُ
أبينِي فأمّا مستحيرٌ بعلّةٍ ... عليَّ وأمّا مذنبٌ فأتوبُ
حلفتُ وما بالصدِّقِ عيبٌ على امرئٍ ... يراهُ وبعضُ الحالفينَ كذوبَ
بربِّ المطايا السّابحاتِ وما بنتْ ... قريشٌ وأهدَتْ غافقٌ وتجيبُ
وملقَى الولايا من منىً حيثُ حلَّقَتْ ... إيادٌ وحلَّتْ غامدٌ وعتيبُ
يمينَ امرئٍ لم يغشَ فيها أثيمةً ... صدوقٍ وفوقَ الحالفينَ رقيبُ
لنعمَ أبو الأضياف يغشونَ نارهُ ... وملقى رحالِ العيس وهيَ لغوبُ
ومختبطُ الجادي إذا ما تتابعتَ ... على النّاسِ مثنى قرّةٍ وجدوبُ
وحامي ذمارِ القومِ فيما ينوبُهُمْ ... إذا ما اعترتْ بعدَ الخطوبِ خطوبُ
على كلِّ حالٍ إنْ ألمّتْ ملمّةٌ ... بنا عمرٌ والنّائباتُ تنوبُ
فتىً صمتُهُ حلمٌ وفصلٌ مقالُهُ ... وفي البأسِ محمودُ الثّناء صليبُ
خطيبٌ إذا ما قالَ يوماً بحكمةٍ ... من القولِ مغشِيُّ الّرواقِ مهيبُ
كثيرُ النّدَى يأتي النّدَى حيثُ ما أتى ... وإنْ غابَ غابَ العرفُ حيثُ يغيبُ
كريمُ كرامٍ لا يرى في ذوي النّدَى ... له في النّدى والمأثراتِ ضريبُ
أبيٌّ أبَى أنْ يعرفض الضّيمَ غالبٌ ... لأعدائهِ شهمُ الفؤادِ أريبُ
يقلّبُ عيني أزرقٍ فوقَ مرقبٍ ... يفاعٍ لهُ دونَ السَّماءِ لُصُوبُ
غدا في غداةٍ قرَّةٍ فانتحتْ لهُ ... على إثر ورّادِ الحمامِ جنوبُ
جنا لأبي حفصٍ ذرَى المجدِ والدٌ ... بنى دونَهُ للبانيينِ صعُوبُ
فهذا على بنيان هذاك يبتني ... بناهُ وكلٌّ منجبٌ ونجيبُ
وجدُّ أبيهِ قد ينافي على البنا ... بناهُ وكلٌّ شبَّ وهو أديبُ
فأنتَ على منهاجهمْ تقتدي بهمْ ... أمامَكَ ما سدُّوا وأنتَ عقيبُ
فأصبحتَ تحذُو من أبيكَ كما حذا ... أبوكَ أباهُ فعلهُ فتصيبُ
وأمسيتَ قلباً نابتاً في أرومةٍ ... كما في الأرومِ النّابتاتِ قلوبُ
أبوكَ أبو العاصي فمنْ أنتَ جاعلٌ ... إليهِ وبعضُ الوالدينِ نجيبُ
وأنتَ المنقّى منْ هنا ثمَّ منْ هنا ... ومنْ هاهُنا والسَّعدُ حينَ تؤوبُ
أقمتَ بهلكَي مالكٍ حين عضَّهُم ... زمانٌ يعرّ الواجدينَ عصيبُ
وأنتَ المرَجّى والمفدّى لمالكٍ ... وأنتَ حليمٌ نافعٌ ومصيبُ
وليتَ فلمْ تغفلْ صديقاً ولم تدعْ ... رفيقاً ولم يحرمْ لديكَ غريبُ
وأحييتَ من قدْ كان موّتَ مالهُ ... فإنْ متَّ من يدعى له فيجيبُ
مضيتَ لسوراتِ العلَى فاحتويتَها ... وأنتَ لسوراتِ العلاءِ كسُوبُ
وما النّاسُ أعطوكَ الخلافةَ والتّقى ... ولا أنتَ فاشكرْهُ يثبكَ مثيبُ
ولكنّما أعطاكَ ذلكَ عالمٌ ... بما فيك معطٍ للجزيلِ وهوبُ
وقال كثير:
أبائنةٌ سعدى نعمْ ستبينُ ... كما انبتَّ من حبلِ القرينِ قرينُ
أأن زمَّ أجمالٌ وفارقَ جيرَةٌ ... وصاحَ غرابُ البينِ أنتَ حزينُ
كأنّكَ لم تسمعْ ولم ترَ قبلَها ... تفرُّقَ ألاّفٍ لهنَّ حنينُ
следующие страницы →