← История

История · id 7331

نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس

سالم بن عبد الله الخلف

Полный текст (939 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

هذه الأحداث جعلت الأمير الحكم يعيش أزمة نفسية لازمته سنيه الأخيرة إلى أن توفى يوم الخميس (٢٦) من شهر ذي الحجة سنة (٢٠٦) هـ (١) (مايو (٨٢٢) م) فتولى الإمارة من بعده ابنه الأمير عبد الرحمن (٢) "الأوسط". وقد كان الأمير عبد الرحمن قد اعتنى والده بتربيته وتثقيفه عناية فائقة، فنشأ نشأة طيبة، واكتسب ثقافة عالية، واتصف بصفات فريدة أطنب المؤرخون في ذكرها (٣). ولأنه عندما تولى الإمارة وجد بلاداً موطأة ورعية مؤدبة (٤)، لذا فقد تفرغ لتزيين دولته، منطلقاً في ذلك من رصيد ثقافي يمتلكه، من هنا فقد كانت فترة حكمه فترة متميزة، وساعد على

стр. 37

ذلك التميز أن الفقهاء استعادوا مكانتهم في عهده (١)، فنتج عن هذه الأمور استقرار اجتماعي، الأمر الذي سمح للنشاط الاقتصادي بالنمو والإزدهار، وبذلك حصل تغير ملموس سواء بالنسبة لرسوم الإمارة أو على مستوى الوسط الاجتماعي وذلك بسبب الروافد الثقافية القادمة من المشرق. وبعد وفاة الأمير عبد الرحمن الأوسط ليلة الخميس ٣ ربيع الآخر سنة (٢٣٨) هـ (٢) (٢٢ سبتمبر (٨٥٢) م) تولى الإمارة من بعده ابنه الأمير محمد (٣) الذي أثنت عليه المصادر، ووصفته بأنه كان كاملاً عاقلاً على أخلاق جميلة ومكارم حميدة (٤)، محباً للعلوم، مؤثراً لأهل الحديث، حسن

стр. 38

السيرة (١)، امتاز بالذكاء والفطنة (٢)، ذا دراية بالأمور وبصيرة بوجوه الرأي (٣). وقد تأثرت دولته بوجود رجلين إداريين في وقتين مختلفين، ففي النصف الأول من عهده امتازت إدارته بالانضباط والحزم، وذلك لوجود حاجب رشيد هو عيسى بن شهيد (٤) الذي كان على مستوى كبير من الكفاءة وحتى بعد وفاته سنة (٢٤٣) هـ (٨٥٧ م) لم يختل نظام الإدارة إذ خلفه على منصبه عيسى بن الحسن ابن أبي عبد ة (٥)، لأنه كان لا يقل عن

стр. 39

سلفه كفاءة ومروءة، ولكن الوضع تغير كلية بعد أنه أصبح الوزير هاشم بن عبد العزيز (١) هو الغالب على الأمير محمد المدبر لدولته، فقد أفسد على الأمير منهجه "بشرهه وصلفه، وحمله على غير المنهج من محمود طرقه، وعدل عن اختيار ثقات العمال من الشيوخ والكهول وأولي السوابق والأصول إلى الأحداث واللاحقين من أولي الشره والخيانة ودناءة الأصول والبراءة من عهدة الحياء والمروءة (٢) " فكانت النتيجة فساد الحال وانخفاض دخل الدولة بسبب سوء سيرة الولاة، وتبدل نفوس القائمين على الأعمال، فكان ذلك مدعاة لرفض الرعية لهذا الوضع، الأمر الذي ترتب عليه اندلاع الفتن في الداخل، وكثرت التهديدات من الخارج، فعاشت

стр. 40

الدولة أياماً عصيبة "حتى خُرقت الهيبة وزال صدر الحرمة (١) " وما توفي الأمير محمد حتى كانت الفتنة مستعرة في معظم أرجاء الأندلس (٢). ولعل أشد حركة واجهت الأمير محمد هي حركة عمر بن حفصون (٣)، ويكفي للدلالة على ذلك أنها

стр. 41

استمرت إلى أوائل القرن الرابع الهجري (١) (العاشر الميلادي). وبعد وفاة الأمير محمد عقب صلاة عصر يوم الخميس (٢٨) صفر (٢٧٣) هـ ـ (٢) (٤ أغسطس (٨٨٦) م) تولى الإمارة ابنه الأمير المنذر (٣)، فتصدى لتلك الفتن بكل كفاءة واقتدار، إلا أنه لم يتمكن من إخمادها بسبب وفاته، إذ أن مدة إمارته لم تتجاوز سنتين، وفي هذا يقول ابن عذاري فيما يرويه عن بعض الشيوخ " أنه لو عاش المنذر عاماً واحداً

стр. 42

زائداً لم يبق برية (١) منافق (٢) " وذلك لشجاعته وحزمه وفي يوم السبت (١٥) من شهر صفر سنة (٢٧٥) هـ (٣) (٣٠ يونيو (٨٨٨) م) توفي الأمير المنذر وهو محاصر لقلعة ابن حفصون ببشتر (٤). فتولى الإمارة من بعده أخوه

стр. 43

الأمير عبد الله (١)، وهذه حالة فريدة في تاريخ الدولة الأموية بالأندلس، إذ أن نظام الحكم فيها وراثي محدد في الولد بعد أبيه (٢). وقد تباينت الآراء في الأمير عبد الله بين ذم وثناء (٣)، واتُهم بقتل أخيه الأمير المنذر (٤)، وعندما تولى الإمارة كانت الفتن مندلعة في كافة أرجاء الأندلس (٥)، حتى أن قصر الإمارة في قرطبة لم يعد بمنأى عنها (٦)، وأصبحت الإمارة الأموية تكتفي في أكثر أيام الأمير عبد الله بأخذ مقدار

стр. 44

من المال من بعض أهل الطموح، ليعتبر ذلك إعلاناً للتبعية (١)، وهذا في الوقت الذي كانت فيه سلطة الأمير الحقيقية لا تتجاوز قرطبة وقراها المجاورة، وهي السمة الغالبة على أكثر سني حكمه. ورغم أن الأمير لم يفقد رباطة جأشه أمام تلك الشدائد (٢)، إلا أنه بالمقابل كان يشعر بإحباط داخلي فقد معه الثقة بالآخرين، الأمر الذي نتج عنه قتله لاثنين من إخوته، ومثلهما من أبنائه، وظل طيلة سني حكمه في صراع مع ثوار الأندلس حتى وفاته ليلة الخميس الأول من شهر ربيع الأول سنة (٣٠٠) هـ (٣) (١٦ أكتوبر (٩١٢) م). هذا هو عصر الإمارة الذي امتد أكثر من قرن ونصف القرن تعاقب خلال تلك الحقبة على الحكم سبعة أمراء، وإذا كان الأمير عبد الرحمن بن معاوية قد استغرق فترة حمكه في مواجهات مستمرة مع مناوئيه، فإن تلك الفترة تعتبر فترة تأسيس للدولة وترسيخ لقواعدها، ووضع أسسها العامة إدارياً وعسكرياً، والتي كفل الأخذ بها -بعون الله تعالى- استمرارية حكم

стр. 45

الأمويين في الأندلس مدة تزيد على ثلاثة أضعاف ما عاشته دولة أسلافهم في المشرق. كما تُعد فترة حكم الأمير عبد الرحمن الأوسط مرحلة قطف الثمرة التي غرس شجرتها وحفها بعناية من سبقه من آبائه. وأما ما يخص الصراع الذي شهده عصر الإمارة فيمكن تقسيمه إلى قسمين، جرى كل قسم منهما في مدة زمنية معينة منفصلة عن الأخرى. فالقسم الأول من الصراع الذي جرى في النصف الأول من ذلك العصر، كان صراعاً بين أفراد البيت الأموي، وذلك من أجل الوصول إلى السلطة. وعندما اختفى هذا النمط من الصراع، ظهر في النصف الثاني من عصر الإمارة صراع من نوع آخر، يتمثل في حركات وفتن متعددة، اندلعت في أرجاء البلاد، كان معظمها ذا طبيعة شعوبية أو عنصرية، وإذا كان بعض قادتها قد اكتفوا بالدفاع عن مكتسباتهم فقط، فإن بعضهم الآخر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد أخذ يهاجم قرطبة عاصمة الإمارة. وهناك حركات مناوئة قادها العرب، أرادوا من خلالها الإعلان عن وجودهم القوي في المجتمع الأندلسي،

стр. 46

وأنه ليس بإمكان الإمارة الأموية أن تتجاهلهم، وذلك مثل بني الحجاج (١) في إشبيلية (٢). هذه الحركات هزت أركان الإمارة الأموية، وتركت آثارها على المستوى العام للأندلس، وربما لا نبعد عن الصواب عندما نقول إنها كانت أمراً متوقعاً، وذلك نتيجة للتفاعلات الحضارية والثقافية الواردة إلى

стр. 47

الأندلس من أقطار شتى، بالإضافة إلى التنافس الاجتماعي القوي بين أفراد المجتمع الأندلسي، كل هذا نتج عنه أفكار ورؤى وتطلعات تجسدت في حركات مناوئة. الغرض منها إثبات الذات لزعماء تم تجاهلهم، وإحداث تغيير يلبي مصالح المجتمع، ويلغي استئثار فئة معينة من فئات المجتمع بأوضاع تميزهم عن البقية دون وجه حق. لأجل ذلك فإن إطلاق مصطلح "عصر دويلات الطوائف الأولى (١) " على النصف الثاني من عصر الإمارة، والذي يشغل تقريباً فترة النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) هو تعبير مختصر عن وضع كانت البلاد تعيشه طيلة تلك الفترة. أما عصر الخلافة الذي استمر مائة وست سنوات، فيمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل، الأولى منها هي مرحلة عصر قوة الخلافة، وهو العصر الذي كان الخليفة فيه متمتع بكافة المؤهلات التي تمكنه ليس فقط من إصدار القرارات، بل مع ضمان سرعة تنفيذها. وهذه المرحلة لم يكتب لها البقاء طويلاً، إذ أن عمرها لا يتجاوز نصف قرن، وذلك إذا جعلنا تاريخها يبدأ من إعلان الأمير عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله (٢) نفسه خليفة في

стр. 48

الأندلس، وذلك يوم الخميس مستهل ذي الحجة سنة (٣١٦) هـ (١) (١٥ يناير (٩٢٩) م). وكانت الإمارة الأموية في الأندلس في مطلع القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) لا تسيطر إلا على قرطبة وقراها، فتمكن الخليفة عبد الرحمن بن محمد الشهير بالناصر من بسط نفوذه على المدن التي خرجت عن نطاق سيطرة قرطبة، وكان يعتمد على المركزية المطلقة في الحكم، شديد التمسك بها (٢)، حتى أنه كان يناقشها مع بعض الوفود الدبلوماسية التي تقدم إلى قرطبة لزيارته (٣)، ولكنه مع كل هذا كان يجيد التعامل مع أنصاره ومناوئيه على السواء، فقد امتاز بالوفاء بالعهد، وإكرام من أتاه طائعاً، الأمر الذي ساعده كثيراً في السيطرة على البلاد (٤).

стр. 49

كما عُرف عن الخليفة عبد الرحمن الناصر حزمه ويقظته وعدم خلوده للراحة، ومما يدل على ذلك، أنه بالرغم من استمرار حكمه مدة خمسين سنة وسبعة أشهر وثلاثة أيام، إلا أنه عندما أخذ يعد الأيام التي صفى له سرورها من هذه المدة الطويلة، لم يجد إلا أربعة عشر يوماً فقط (١). وبعد حياة حافلة بالمنجزات الهائلة توفي الخليفة عبد الرحمن الناصر وذلك يوم الأربعاء ٣ رمضان سنة (٣٥٠) هـ (٢) (١٦ أكتوبر (٩٦١) م) فتولى الخلافة من بعده ابنه الحكم المستنصر بالله (٣)، وذلك يوم الخميس ٤

стр. 50

رمضان (١) (١٧ أكتوبر)، وقد كان الخليفة الحكم معروفاً بحسن السيرة (٢) والفضل والعدل (٣)، رفيقاً بالرعية (٤)، من أهل الدين والعلم، إماماً في معرفة الأنساب، حافظاً للتواريخ، مميزاً للرجال (٥)، مكرماً للقادمين عليه من العلماء، جماعة للكتب، آثر العلم على لذات الملوك (٦). وعندما استلم الحكم المستنصر بالله الخلافة كان لديه رصيد هائل من التجربة التي اكتسبها من طول ملازمته لوالده، ويبدو أنه كان متأثراً به لدرجة أن الناس لم يعدموا من عبد الرحمن الناصر إلا شخصه، أما ماعدا ذلك فكأنه كان موجوداً بينهم (٧)، وذلك إذا استثنينا عدم اتباع الخليفة الحكم المستنصر بالله للمركزية المطلقة في إدارة الدولة، فقد

стр. 51

كان حاجبه جعفر بن عثمان المصحفي (١) هو القائم بتدبير الأمور الموكل إليه تصريفها (٢). وقد كان الخليفة المستنصر بالله شديد الاهتمام برعيته، مراقباً الله تعالى فيهم، فوظف الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي الذي كانت تعيشه دولته، فيما يعود بالمنفعة على الرعية، وتفرغ هو لطلب

стр. 52

العلم ومجالسة العلماء (١)، وبذل بلا حدود في سبيل اقتناء الكتب، حتى تجمعت لديه مكتبة قل نظيرها (٢). وعندما شعر الخليفة الحكم، المستنصر بالله، بالضعف في بدنه، سارع إلى أخذ البيعة بولاية العهد من بعده لابنه هشام (٣)، وذلك في يوم السبت مستهل جمادى الآخرة سنة (٣٦٥) هـ (٤) (٥ فبراير (٩٧٦) م).

стр. 53

وأما المرحلة الثانية من مراحل عصر الخلافة، فهي التي سيطر فيها العامريون على الخلافة، فبعد أن توفي الخليفة الحكم ليلة الأحد لثلاث خلون من شهر صفر سنة (٣٦٦) هـ (١) (الأول من أكتوبر (٩٧٧) م) حرص مجلس

стр. 54

الوصاية المكوَّن من الحاجب جعفر المصحفي وغالب بن عبد الرحمن الناصري (١) ومحمد بن عبد الله بن أبي عامر (٢)

стр. 55

بالإضافة إلى صبح والدة هشام (١)، على تنفيذ وصية الخليفة بتولية ابنه هشام من بعده (٢) فتم لهم ذلك. وقد وقع الخليفة الصبي تحت سيطرة ابن أبي عامر، الذي أصبح أمر الدولة بيده، وذلك بعد أن تجاوز كافة الموانع المادية والأخلاقية التي كانت تحول بينه وبين هدفه، وبذلك قوي أمره، ولم يعد للخليفة أي سلطان. وقد أثار تسلط ابن أبي عامر على الخليفة سخط الأمويين، فدبر عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر (٣٦٧) هـ (٣) (٩٧٧ م) محاولة انقلابية للتخلص من ابن أبي عامر وإقصاء هشام عن الخلافة، ودبر الأمر مع عبد الرحمن بعض وجهاء المجتمع الأندلسي وبايعوه بالخلافة، منهم عبد الملك بن منذر بن سعيد البلوطي (٤)، صاحب خطة

стр. 56

الرد (١)، وزياد بن أفلح (٢)، صاحب المدينة، إلا أن المؤامرة فشلت، فقتُل عبد الرحمن بن عبيد الله، كما صُلب عبد الملك بن منذر على باب السدة (٣)، وذلك يوم الخميس للنصف من جمادى الآخرة سنة (٣٦٨) هـ (٤) (يناير ٩٧٩).

стр. 57

ومنذ تلك المحاولة الانقلابية الفاشلة شعر ابن أبي عامر بخطورة الأمويين عليه، فاستخدم معهم أسلوباً قاسياً، لشل حركتهم، وجعلهم دائماً تحت رقابته، فقد بث عليهم العيون، وفرض عليهم الإقامة الجبرية في منازلهم، لا يغادرونها إلا لضرورة قصوى، كما منع الزيارات عنهم إلا لمن يأذن فيه من غلام أو وكيل أو معلم أو طبيب، وفوق كل ذلك كان يصطحبهم معه أثناء خروجه للغزوات، حتى ذلوا وانكسرت نفوسهم واشتغل كل منهم بأمره (١). وإمعاناً من ابن أبي عامر في الاحتياط لنفسه، ولشدة إعجابه بالخليفة عبد الرحمن الناصر وحرصاً منه على التشبه به، ابتدأ سنة (٣٦٨) هـ (٩٧٩ م) ببناء مدينة الزاهرة (٢)، وبعد اكتمالها انتقل إليها واستوطنها ونقل إليها كافة دواوين الدولة (٣)، وأمر كل من له حاجة أن يأتي إلى مدينته بدلاً من قصر الخليفة وأصبح هو الآمر الناهي، بعد أن

стр. 58

حجر على الخليفة، وسد بابه، وأدار على قصره سوراً وثيقاً، وأيده بحراسة مشددة فلا يطمع أحد بمقابلة الخليفة إلا بإذن ابن أبي عامر، ولتبرير فعله هذا أشاع في الناس أن الخليفة قد فوض إليه أمر تدبير الدولة ليتفرغ هو لعبادة ربه (١)، وبذلك ضمن التحرر نهائياً من الخليفة وسلطانه. وكان ابن أبي عامر "المنصور" يتدرج في مناصب الدولة، وفي كل مرة يُظهر أمر الخليفة بمنحه منصباً جديداً أو لقباً إضافياً، وإن كان الواقع يشير إلى أن الخليفة ليس له من الأمر شيء، إذ لم يبق له من رسوم الدولة سوى السكة والخطبة (٢). ورغبة من المنصور في ترك أثر له على العمارة فقد ابتدأ سنة (٣٧٧) هـ (٩٨٧ م) بإجراء التوسعة من الناحية الشرقية لجامع قرطبة، دونما اهتمام بالزخرفة (٣)، كما بدأ في سنة (٣٧٨) هـ (٩٨٨ م) ببناء القنطرة (٤) على نهر

стр. 59

الوادي الكبير (١)، وكان فراغه منها في النصف من سنة (٣٧٩) هـ (٩٨٩ م) بعد أن بلغت تكاليف البناء حوالي مائة وأربعين ألف دينار (٢). ويبدو أن التدابير التي اتبعها المنصور، واستبداده بالسلطان دون الخليفة، واجراءاته التعسفية ضد الآخرين، أثارت الناس ضده، حتى أقربهم منه كرهه وكره تصرفاته، ولذا فقد تم تدبير حركة عصيان قام بها ابنه عبد الله بن المنصور بن أبي عامر (٣)،

стр. 60

وعبد الرحمن بن مطرف (١)، صاحب سرقسطة (٢)، والوزير عبد الله بن عبد العزيز المرواني (٣) صاحب طليطلة، بالإضافة إلى جماعة من وجوه أهل

стр. 61

قرطبة من الجند والخدم وغيرهم، إلا أن التدبير فشل، فقد اطلع المنصور على المخطط، وانتهى الأمر بفرض الإقامة الجبرية على المرواني في داره، ومقتل كل من عبد الرحمن بن المطرف سنة (٣٧٩) هـ (١) (٩٨٩) وعبد الله بن المنصور في يوم الأربعاء (١٦) من جمادى الآخرة سنة (٣٨٠) هـ (٢) (١١ أغسطس (٩٩٠) م). هذا ولم يكتف المنصور بأن أمضى حياته مسيطراً على الخليفة وسالباً لسلطانه: بل حرص على أن يسير خَلَفُه وفق منهجه سواء مع الخليفة خاصة أو مع الأمويين بوجه عام، ويتضح ذلك جلياً من وصيته لابنه عبد الملك، فقد جاء فيها: " … وصاحب القصر - أي الخليفة - قد علمت مذهبه، وأنه لا يأتيك من قبله شيء تكرهه، والآفة ممن يتولاه، ويلتمس الوثوب باسمه، فلا تنم عن هذه الطائفة جملة، ولا ترفع عنها سوء ظن ولا تهمة، وعاجل بها من خفته على أقل بادره .... وإياك أن تضع يدك في يد مرواني ما طاوعتك بنانك، فإني أعرف ذنبي إليهم" (٣).

стр. 62

وبعد أن أمضى المنصور زهاء ربع قرن وهو مسيطر على أمور الدولة، أفنى خلالها رجالات الأندلس (١)، وأذل الأمويين، وأخمل ذكر أرباب البيوتات الشهيرة التي هي عماد ملك بني أمية (٢)، وأحدث تغييراً كبيراً في الدولة، حتى أنه غير سياسة بني أمية بالكلية، "فعوَّض باللين

стр. 63

غلظة، وبالسكون حركة، وبالأناة بطشه وبالموادعة محاربة (١) " وبعد كل هذا توفي المنصور ليلة الاثنين لثلاث بقين من شهر رمضان المبارك سنة (٣٩٢) هـ (أغسطس ١٠٠٢) ودفن بقصره في مدينة سالم (٢). وقد قام بالأمر من بعد المنصور ابنه عبد الملك (٣)، بناء على عهد صوري مُنح له من الخليفة الغلوب على أمره، ولاه فيه الحجابة مكان أبيه، وأوصاه بتدبير شؤون الدولة (٤).

стр. 64

وحرصاً من عبد الملك على كسب محبة أبناء المجتمع الأندلسي، فقد افتتح عهده بان أصدر أوامره بإسقاط سدس الجباية المفروضة عليهم (١)، كما بادر إلى تجهيز الجيوش وتولي قيادتها ضد نصارى الشمال (٢). وكان الوزير عيسى اليحصبي (٣) هو المدبر لدولة عبد الملك، إلا أنه عندما شعر بتغيره ناحيته، عمل على التخلص منه وصرف الخلافة لهشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، لكن اطلاع الحاجب على تلك المؤامرة، مكنه من إفشالها، وبالتالي قتل مدبرها اليحصبي ليلة العاشر من ربيع الأول سنة (٣٩٧) هـ (٤) (٤ ديسمبر (١٠٠٦) م).

стр. 65

وبعد مقتل اليحصبي بثلاثة أيام، تم إلقاء القبض على هشام بن عبد الجبار، فاعتقله عبد الملك في حجرة خاصة لمدة يومين، ثم نقله إلى حبس سبق وأن أعده له، فكان أخر العهد به (١). وإذا ألقينا نظرة على حال الخليفة وأهل القصر، نجد أن الخليفة لم يكن يظهر إلا مستخفياً عن أعين الناس، في نزه مستمرة أبلغه عبد الملك المظفر فيها غايته، ومع ذلك لم يشهد الخليفة صلاة قط (٢). وبعد سبع سنوات قضاها الحاجب عبد الملك المظفر، وهو يحكم الدولة نيابة عن الخليفة المؤيد بالله، أدركته الوفاة قبالة دير أرملاط، وذلك في يوم الجمعة (١٨) صفر من سنة (٣٩٩) هـ (٣) (٢٣ أكتوبر ١٠٠٨). وقد قام بالأمر من بعده أخوه عبد الرحمن بن المنصور الملقب بـ"شنجول" (٤) الذي كان شاباً معروفاً بفساد

стр. 66

الأخلاق (١)، افتتح عهده بالخلاعة والمجانة (٢)، قلده الخليفة المؤيد بالله الحجابة مكان أخيه، ولقبه بالمأمون في كتاب أصدره بهذه الشأن، لكن شنجول أضاف لقباً آخر، هو الناصر فكان يدعى بـ"الحاجب الأعلى المأمون ناصر الدولة" (٣). وقد تعامل شنجول مع المنصب بكل غرور، من أجل هذا أتت تصرفاته سيئة غريبة، كما أنه تقرب إلى الخليفة بكافة السبل، حتى تمكن من استصدار قرار منه باسناد ولاية العهد إليه (٤). وبذلك أصبح منصب الحجابة

стр. 67

معطلا، فولاه ولده عبد العزيز (١)، ولقبه بـ"سيف الدولة" (٢). وحسب شنجول أن الدنيا قد صفت له بعد أن حقق

стр. 68

مراده، فاتجه بكليته إلى طلب ملذاته، وتلبية شهواته، وأحاط نفسه بمن هم على شاكلته من إخوان السوء وأدنياء القوم عمر بهم مجالسه (١). وضعف نظر شنجول عن رؤية أي شيء في الدولة يحتاج إلى إصلاح، ولذا فقد كان القرار الإصلاحي الأول الذي أصدره مفاجأة غير سارة لرجالات الدولة، فقد أمر الوزراء وأصحاب المناصب العليا بطرح القلانس الطوال المرقشة الملونة، والتي تميزهم عن غيرهم، وأمرهم بلبس العمائم البربرية وتوعد بالعقوبة من يخالفه (٢). وعندما أعلن الجهاد، لمواصلة المسيرة العسكرية لأبيه وأخيه، لم يستجب له إلا المرتزقة ويسير من المطوعة (٣)، ثم ارتكب حماقة كبيرة عندما خرج بمن استجاب له في أشد أوقات السنة برودة (٤)، وسلك طريقا يدعى بالعريان (٥)، فاقتحم أرض جليقية (٦)، من قبل طليطلة، وهو

стр. 69

على حاله في المجانة والخلاعة (١)، فلما وصل طليطلة بلغه نبأ اندلاع الفتنة في قرطبة، فكر راجعاً إليها، وعندما بلغ قلعة رباح (٢) تبرأ من ولاية

стр. 70

العهد، وأعلن اقتصاره على الحجابة، وأرسل كتاباً بذلك لكن أحداً لم يأبه به (١)، فعزم على دخول قرطبة وأصر على ذلك (٢)، رغم نصيحة البعض له بالفرار (٣)، فكان في إصراره حتفه، فقد قتل بمنزل أم هانئ عند دير أرملاط، وذلك عقب مغرب يوم الجمعة لأربع خلون من رجب سنة (٣٩٩) هـ (٤) (٤ مارس (١٠٠٩) م).

стр. 71

وأما المرحلة الثالثة التي مرت بها الخلافة الأموية في الأندلس، فهي مرحلة عصر الفتنة التي استمرت من سنة ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ (١٠٠٩ - ١٠٣١ م) وأعقبها سقوط الدولة فمنذ أن سيطر المنصور بن أبي عامر على الدولة الأموية، وحجر على الخليفة هشام المؤيد بالله، واستبد بالأمر من دونه، وطارد الأمويين وضيق عليهم، واستهان بأهل البيوت المساندة للبيت الأموي، وأهمل ذكرها، وأخل بتركيبة الجيش، وحكم البلاد بصورة سلطوية ورأي فردي لا يقبل النقاش، منذ أن فعل ذلك، لابد أن نتوقع رد فعل عنيف يتحالف فيه الجميع على إزالة هذا الكابوس، رغم أن ذلك الجمع المتحالف لا يكن أعضاؤه الود بعضهم لبعض، لكن المصلحة اختطت لهم جادة واحدة وأجبرتهم على السير فيها. فالحاكم السلطوي المستبد، الذي لا يرى إلا ذاته، ويحكم بالقهر والغلبة، يحدث عقب وفاته فراغ سياسي هائل، لا يمكن ملؤه بسهولة، وإن ساد الهدوء الأعوام القلائل التالية لعهده، فلكونها لازالت متأثرة بشخصيته، ولكن هذا التأثير لا يلبث أن يزول، فيحل المحذور وتعم الفوضى. وهذا ما حدث عقب وفاة المنصور، فقد قام بالأمر من بعده ولده المظفر، مستفيداً من شخصية والده التي ألقت بظلالها على سنوات حكمه، وما أن توفي المظفر حتى هان أمر العامريين على الجميع، وأصبحت عملية إزالتهم مسألة وقت لا أكثر، وبدلاً من أن يعمد شنجول

стр. 72

إلى الإبطاء بتلك الإزالة، نراه يدفع بعجلتها بكل حماقة بقوة نحو النهاية، وذلك بادعائه لولاية العهد. ولم يكن التنظيم للحركة التي دُبرت ضد سلطة العامريين، وليد عهد شنجول، بل إن البذرة الأولى يمكن القول بأنها قد وضعت في عهد والده المنصور، وذلك في سنة ٣٦٧ هـ (٩٧٨ م) عندما تم ترشيح عبد الرحمن بن عبيد الله ابن عبد الرحمن الناصر لدين الله من قبل بعض الفقهاء والقضاة ليتولى الخلافة بدلاً من المؤيد، ثم جرت محاولة أخرى سنة ٣٧٩ هـ (٩٨٩ م) كان الوزير عبد الله بن عبد العزيز المرواني أحد منظميها. وفي عهد عبد الملك المظفر كانت المحاولة الإنقلابية أكثر قوة وأشد وضوحاً، فقد اختار أصحاب المحاولة هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر لتولي الخلافة، وكادت أن تنجح لولا أنها أُحبطت في اللحظات الأخيرة. ورغم الإخفاق الذي صاحب تلك المحاولات، إلا أن الأمر لا يعني الحكم بفشل المحاولات القادمة، بل على العكس من ذلك، إذ يمكن القول بأنها كانت مقدمات لعمل مستقبلي ناجح. وهذا ما حصل في عهد شنجول، فالتنظيم السري الذي سبق وأن أُعد في عهد عبد الملك المظفر، والذي كان هشام بن عبد الجبار هو المرشح

стр. 73

في ذلك التنظيم لنيل الخلافة، نجده يستمر في عهد شنجول، وذلك عندما قام محمد بن هشام بن عبد الجبار (١) بقيادة تنظيم سري هو امتداد للمحاولة السابقة لوالده، فقد اختار محمد من أصحابه إثنى عشر رجلاً جعلهم نقباء (٢)، وكان رئيسهم الذي يبث دعوته بين العامة، ويأخذ البيعة منهم سرا، يدعى صاعد بن عبد الوهاب الحرَّار وصف بأنه كان في الجهل آية (٣). وقد كثر الإرجاف في قرطبة، بقرب ظهور أحد الأمويين، وبادر الفتى الأكبر إلى سيده شنجول ينصحه بعدم مغادرة قرطبة، وحذره من الأمويين، فأجابه شنجول قائلاً "والله لو اجتمع بنو مروان إلى مرقدي وأنا نائم ما أيقظوني (٤) " فكان رده هذا أقوى دليل على ضعف رأيه واستهتاره بالآخرين.

стр. 74

وعندما خرج شنجول بجيشه إلى جليقية، واطمأن محمد بن هشام لبعده، جهر بحركته، وذلك يوم الثلاثاء (١٦) جمادى الآخرة سنة (٣٩٩) هـ (١٥ فبراير ١٠٠٩) وهجم أصحابه على صاحب المدينة عبد الله بن عمر، فقبضوا عليه (١)، ثم قتلوه بأمر محمد بن هشام، فلما رأى العوام رأس صاحب المدينة، انثالوا على ابن هشام من كل حدب وصوب فيهم من العنازين والجزارين والسفلة وسائر غوغاء الأسواق ما لا يحصون كثرة، فخطب بهم خطبة بين لهم فيها سبب قيامه، وحرَّضَهم على ابن أبي عامر، وأذن لهم بنهب مدينة الزاهرة، فاستهواهم الطمع وأمر بكسر السجن العام، فخرج من كان فيه من اللصوص والذعار وأصحاب الجرائم، فانضموا إليه، وتسلحوا بما وصلت إليه أيديهم، وزحفت هذه الجموع الغوغائية على قصر الخليفة الذي حاول جاهداً أن يسكن ثائرتهم، لكنه فشل، فانصرف وأمر خدمه بالكف عنهم، وأمام هجوم أولئك الغوغائيين أضطر الخليفة إلى إصدار أمره بفتح أبواب القصر لابن هشام، فدخل

стр. 75

واستولى عليه، وذلك في ليلة الأربعاء وزحفت جموع هائلة من العوام نحو مدينة الزاهرة، فلم يتمكنوا من دخولها تلك الليلة (١). وفي تلك الليلة أصدر محمد بن هشام أوامره بتولية ابن عمه محمد بن المغيرة خطة الشرطة، فأجلسه على كرسيها عند باب القصر، وقلد خطة الحجابة ابن عمه الآخر عبد الجبار، وأما أنه قد اسند ولاية العهد لسليمان بن هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر (٢)، فهذا غير صحيح، فقد ذكر ابن حزم أن سليمان هذا قد تسمى بولاية العهد دون أن يسميه به خليفة (٣). وأخيراً أتم محمد بن هشام بن عبد الجبار مراده، فخلع الخليفة هشام المؤيد بالله في نفس الليلة، وأخذ البيعة لنفسه، فابتدأت خلافته يوم الأربعاء (١٧) من جمادى الآخرة سنة (٣٩٩) هـ (١٨ مارس (١٠٠٩) م)
следующие страницы →