وأما المرحلة الثالثة التي مرت بها الخلافة الأموية في الأندلس، فهي مرحلة عصر الفتنة التي استمرت من سنة ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ (١٠٠٩ - ١٠٣١ م) وأعقبها سقوط الدولة فمنذ أن سيطر المنصور بن أبي عامر على الدولة الأموية، وحجر على الخليفة هشام المؤيد بالله، واستبد بالأمر من دونه، وطارد الأمويين وضيق عليهم، واستهان بأهل البيوت المساندة للبيت الأموي، وأهمل ذكرها، وأخل بتركيبة الجيش، وحكم البلاد بصورة سلطوية ورأي فردي لا يقبل النقاش، منذ أن فعل ذلك، لابد أن نتوقع رد فعل عنيف يتحالف فيه الجميع على إزالة هذا الكابوس، رغم أن ذلك الجمع المتحالف لا يكن أعضاؤه الود بعضهم لبعض، لكن المصلحة اختطت لهم جادة واحدة وأجبرتهم على السير فيها.
فالحاكم السلطوي المستبد، الذي لا يرى إلا ذاته، ويحكم بالقهر والغلبة، يحدث عقب وفاته فراغ سياسي هائل، لا يمكن ملؤه بسهولة، وإن ساد الهدوء الأعوام القلائل التالية لعهده، فلكونها لازالت متأثرة بشخصيته، ولكن هذا التأثير لا يلبث أن يزول، فيحل المحذور وتعم الفوضى.
وهذا ما حدث عقب وفاة المنصور، فقد قام بالأمر من بعده ولده المظفر، مستفيداً من شخصية والده التي ألقت بظلالها على سنوات حكمه، وما أن توفي المظفر حتى هان أمر العامريين على الجميع، وأصبحت عملية إزالتهم مسألة وقت لا أكثر، وبدلاً من أن يعمد شنجول
стр. 72
إلى الإبطاء بتلك الإزالة، نراه يدفع بعجلتها بكل حماقة بقوة نحو النهاية، وذلك بادعائه لولاية العهد.
ولم يكن التنظيم للحركة التي دُبرت ضد سلطة العامريين، وليد عهد شنجول، بل إن البذرة الأولى يمكن القول بأنها قد وضعت في عهد والده المنصور، وذلك في سنة ٣٦٧ هـ (٩٧٨ م) عندما تم ترشيح عبد الرحمن بن عبيد الله ابن عبد الرحمن الناصر لدين الله من قبل بعض الفقهاء والقضاة ليتولى الخلافة بدلاً من المؤيد، ثم جرت محاولة أخرى سنة ٣٧٩ هـ (٩٨٩ م) كان الوزير عبد الله بن عبد العزيز المرواني أحد منظميها.
وفي عهد عبد الملك المظفر كانت المحاولة الإنقلابية أكثر قوة وأشد وضوحاً، فقد اختار أصحاب المحاولة هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر لتولي الخلافة، وكادت أن تنجح لولا أنها أُحبطت في اللحظات الأخيرة.
ورغم الإخفاق الذي صاحب تلك المحاولات، إلا أن الأمر لا يعني الحكم بفشل المحاولات القادمة، بل على العكس من ذلك، إذ يمكن القول بأنها كانت مقدمات لعمل مستقبلي ناجح.
وهذا ما حصل في عهد شنجول، فالتنظيم السري الذي سبق وأن أُعد في عهد عبد الملك المظفر، والذي كان هشام بن عبد الجبار هو المرشح
стр. 73
في ذلك التنظيم لنيل الخلافة، نجده يستمر في عهد شنجول، وذلك عندما قام محمد بن هشام بن عبد الجبار (١) بقيادة تنظيم سري هو امتداد للمحاولة السابقة لوالده، فقد اختار محمد من أصحابه إثنى عشر رجلاً جعلهم نقباء (٢)، وكان رئيسهم الذي يبث دعوته بين العامة، ويأخذ البيعة منهم سرا، يدعى صاعد بن عبد الوهاب الحرَّار وصف بأنه كان في الجهل آية (٣).
وقد كثر الإرجاف في قرطبة، بقرب ظهور أحد الأمويين، وبادر الفتى الأكبر إلى سيده شنجول ينصحه بعدم مغادرة قرطبة، وحذره من الأمويين، فأجابه شنجول قائلاً "والله لو اجتمع بنو مروان إلى مرقدي وأنا نائم ما أيقظوني (٤) " فكان رده هذا أقوى دليل على ضعف رأيه واستهتاره بالآخرين.
стр. 74
وعندما خرج شنجول بجيشه إلى جليقية، واطمأن محمد بن هشام لبعده، جهر بحركته، وذلك يوم الثلاثاء (١٦) جمادى الآخرة سنة (٣٩٩) هـ (١٥ فبراير ١٠٠٩) وهجم أصحابه على صاحب المدينة عبد الله بن عمر، فقبضوا عليه (١)، ثم قتلوه بأمر محمد بن هشام، فلما رأى العوام رأس صاحب المدينة، انثالوا على ابن هشام من كل حدب وصوب فيهم من العنازين والجزارين والسفلة وسائر غوغاء الأسواق ما لا يحصون كثرة، فخطب بهم خطبة بين لهم فيها سبب قيامه، وحرَّضَهم على ابن أبي عامر، وأذن لهم بنهب مدينة الزاهرة، فاستهواهم الطمع وأمر بكسر السجن العام، فخرج من كان فيه من اللصوص والذعار وأصحاب الجرائم، فانضموا إليه، وتسلحوا بما وصلت إليه أيديهم، وزحفت هذه الجموع الغوغائية على قصر الخليفة الذي حاول جاهداً أن يسكن ثائرتهم، لكنه فشل، فانصرف وأمر خدمه بالكف عنهم، وأمام هجوم أولئك الغوغائيين أضطر الخليفة إلى إصدار أمره بفتح أبواب القصر لابن هشام، فدخل
стр. 75
واستولى عليه، وذلك في ليلة الأربعاء وزحفت جموع هائلة من العوام نحو مدينة الزاهرة، فلم يتمكنوا من دخولها تلك الليلة (١).
وفي تلك الليلة أصدر محمد بن هشام أوامره بتولية ابن عمه محمد بن المغيرة خطة الشرطة، فأجلسه على كرسيها عند باب القصر، وقلد خطة الحجابة ابن عمه الآخر عبد الجبار، وأما أنه قد اسند ولاية العهد لسليمان بن هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر (٢)، فهذا غير صحيح، فقد ذكر ابن حزم أن سليمان هذا قد تسمى بولاية العهد دون أن يسميه به خليفة (٣).
وأخيراً أتم محمد بن هشام بن عبد الجبار مراده، فخلع الخليفة هشام المؤيد بالله في نفس الليلة، وأخذ البيعة لنفسه، فابتدأت خلافته يوم الأربعاء (١٧) من جمادى الآخرة سنة (٣٩٩) هـ (١٨ مارس (١٠٠٩) م)
стр. 76
واتخذ لنفسه لقب "المهدي" لكن العامة كانت تلقبه بالمنقش لهشاشته وطيشه وخفته (١).
ويعتبر الخليفة المهدي "آخر من ولي الأمر من بني مروان بالأندلس ولاية تامة، يعزل فيها ويولي من آخر شرقها إلى آخر غربها، وكذلك في كثير من بلاد البربر" (٢).
وقد استقبل القرطبيون حركة المهدي بسرور عظيم، فأقاموا الولائم والأعراس ليالي متتالية، ينتقلون من موضع إلى آخر بالمزامر والملاهي (٣).
والعجيب أنه بعد سيطرة المهدي على قصر الخلافة، كَلَّف حاجبه ومعه صاحب المدينة أن يثبتا في الديوان اسم كل من يأتيهما لاستلام العطاء (٤) "فلم يتخلف عن أخذ ماله واستحلال نهبه والدخول في فتنته فقيه ولا عالم ولا عدل ولا إمام ولا حاج ولا تاجر إلا قام في نصرته بما قوي عليه من لسانه ويده، وتكلف حمل السلاح وإن كان لا يغني عن نفسه
стр. 77
فضلاً عن غيره" (١). هذا وعندما تعرضت المصادر لأسباب حركة المهدي، اختلفت في تعليلها فهناك من عزا الأمر إلى الذلفاء أم المظفر وحرصها الشديد على الانتقام لابنها من أخيه عبد الرحمن المتهم بوضع السم له (٢)، وهناك من جعل السبب في ذلك يعود إلى حقد المهدي على العامريين بسبب قتلهم والده (٣)، بينما نظر ابن خلدون إلى الزاوية القبلية في هذه المسألة، فاتخذ من تحويل الأمر من المضرية إلى اليمنية سبباً كافياً لاندلاع الفتنة (٤).
والحق أن الخوض في أسباب اندلاع فتنة المهدي، ليس بالأمر اليسير إذ أن الأمر يتعلق بجميع أفراد المجتمع على مختلف فئاتهم، وتفاوت ثقافاتهم، ومن المعلوم أن الظواهر الاجتماعية لا يمكن أن يرد سبب ظهورها إلى عامل واحد، فكيف والأمر يتناول قضية اشترك الجميع بها؟
فإذا نظرنا إلى المهدي نجده يحصل من الذلفاء على الأموال (٥)، ومن الأمويين وفتيانهم على المساعدات المادية والمعنوية (٦)، ثم أن من قاد العامة
стр. 78
الغوغائيين واقتحم بهم قصر الخلافة ومدينة الزاهرة هم عشرة رجال بين حجام وجزار وحائك وزبَّال (١).
وعلى هذا يمكن القول بأن حركة المهدي والتي اشتركت فيها أطراف عدة، هي في حقيقتها تعبير عن رفض المجتمع الأندلسي لواقع عانى منه طويلاً، وبالذات سيطرة العامريين على الخلافة الأموية التي هي رمز قوي لجمع كلمة المسلمين في الأندلس، وبذلك فإن جميع الأسباب التي ذكرت من قبل أدت مجتمعة إلى ظهور حركة المهدي.
وبإمعان النظر في المشاركين في الفتنة، نجد أن لكل منهم غاية سعى لتحقيقها، فالانتقام رغبة الذلفاء، وإقصاء العامريين جملة هدف الأمويين والقرشيين عامة، والمتعة المستعجلة غاية العوام، والطمع مرام البقية، وأما المهدي فحب السلطة والرئاسة قادته إلى مثل هذا، وهؤلاء جميعهم عمتهم فتنة أعمتهم عن رؤية العواقب.
وأي حركة يكون العوام محور ارتكازها، لا يمكن أن تأتي بخير، إذ أن كلاً منهم لا يرى إلا منفعته الآنية فقط، فهم "لا تدفع صولتهم إذا هاجوا، ولا يؤمن هيجانهم إذا سكنوا، إن أخصبوا طغوا في البلاد، وإن أجدبوا آثروا العناد" (٢).
стр. 79
ويصدق هذا الوصف على أتباع المهدي من الغوغائيين والسفلة، فبعد أن عمهم المهدي بعطائه، بقيت قرطبة عدة أيام لم يوجد فيها حجام ولا كنَّاف ولا ذو مهنة ذليِّه (١).
ولذا فليس من المستغرب أن يصطدم من اشترك في هذه الفتنة بالحقيقة المرة بمجرد أن اتضحت الأمور وانكشفت الوقائع، ولكن بعد فوات الأوان، بعد أن وضع المهدي قانونه الجديد في أن الخلافة لا يمكن الوصول إليها، إلا بالفتن والاضطرابات.
ويمكن القول بأن الحلف الذي قام بين القوى التي ساندت المهدي، كان حلفاً تكتيكيا، يتضح ذلك في موقف المهدي من الصقالبة (٢) العامريين، وهو الجناح العامري الذي تقوده الذلفاء،
стр. 80
فقد قام المهدي ليلة الأحد (٢٨) رجب سنة (٣٩٩) هـ (٢٨ مارس ١٠٠٩) بنفي جماعة من الصقالبة العامريين عن قرطبة (١)، وفي يوم الخميس (١٥) شعبان سنة (٣٩٩) هـ (١٤ إبريل ١٠٠٩) طرد صقالبة القصر وسد أبوابه (٢).
وكما بدد المهدي شمل الصقالبة العامريين، فقد ألحق الأذى بالعوام الذين سبق وأن استظهر بهم، فبعدما استوثق الأمر له، أسقط منهم سبعة آلاف رجل، كان قد كتبهم في جيشه (٣)، ثم وجه ضربته للأمويين فنزع الخليفة هشام المؤيد بالله من منصبه، وتولى الخلافة بدلاً منه (٤)، ولكي
стр. 81
يأمن ردة الفعل من أي جهة أقدم على خطوة في غاية الغرابة، فقد أخرج هشام المؤيد من القصر، وفرض عليه الإقامة الجبرية في دار الحسن بن حي بقرطبة، ثم أعلن نبأ وفاته (١).
وقد ذكرت المصادر التاريخية أن المهدي أحضر رجلاً يهودياً أو نصرانيا ميتاً (٢)، كان شديد الشبه بهشام المؤيد، وقدمه للوزراء على أنه الخليفة هشام، وأنه مات حتف أنفه، فشهدوا على ذلك (٣).
وذكر الرقيق القيرواني (٤) وتابعه النويري (٥) أن الذين شهدوا على وفاة الخليفة المؤيد كانوا من أصحاب المهدي، وفي رواية أكثر تفصيلاً و أولى بالقبول من غيرها، وصاحبها شاهد عيان في هذه القضية، ذكر ابن حزم ما نصه: "أندرنا للجبل لحضور دفن المؤيد هشام ابن الحكم المستنصر، فرأيت أنا وغيري نعشاً فيه شخص مكفن وقد شهد غسله شيخان
стр. 82
جليلان حكمان من حكام المسلمين ومن عدول القضاة في بيت، وخارج البيت أبي وعظماء البلد" (١).
فابن حزم ذكر أنه لم يشهد المتوفى، وأن الأمر في ذلك اقتصر على رجلين فقط، كما أن الرقيق القيرواني ذكر أن الشهود كانوا فقط من أصحاب المهدي، وعلى هذا يمكن القول بأن المهدي استغل عدم معرفة الناس بالمؤيد، لأنهم لم يكونوا يرونه، وإن خرج فمتقنعاً كالنساء، ولوجود الشبه بينه وبين ذلك الميِّت، فقد انطلت حيلة المهدي على الشيخين، ليتخلص بذلك من عقبة كؤود.
وقد حضر الجنازة ألوف من الناس، صلوا على الميِّت، وتبعوا جنازته إلى قبره، حيث دُفن يوم الاثنين (٢٦) شعبان (٢) سنة (٣٩٩) هـ (٢٥ إبريل ١٠٠٩) وبسبب كل ما مضى انصرفت عن المهدي نفوس الموالي والخواص واضطربت عليه بنو أمية (٣).
стр. 83
ثم أضاف المهدي إلى حماقاته السابقة حماقة أخرى، فقد تجاهل قوة ضارة في المجتمع الأندلسي، وأعني بها الطوائف البربرية التي جعلها المنصور بن أبي عامر عماد دولته، فسلط المهدي عليهم رجاله، فاحتقروهم وأهانوا زعيمهم زاوي بن زيري بن مناد (١)، وقام بعض سفهاء قرطبة بنهب دور البربر، ولما اشتكى زعماؤهم من هذا الفعل، أمر المهدي بضرب رقاب المعتدين (٢).
стр. 84
وعز على المهدي أن يختتم هذه الصورة العجيبة إلا بإبراز الوجه الحقيقي له، لتهون أمام هذا المنظر كل أفعاله السابقة، فقد أظهر من الخلاعة والمجون ما لم يخطر ببال غيره، فباختصار لقد كان المهدي رجلاً فاسداً مختل الدين والعقل (١). هذه الأفعال المشينة للمهدي بالإضافة لسيرته الأخلاقية المتدنية، وحدت القوى المعارضة، وجعلتها تقف أمامه في صف واحد، ولعل أول من وقف ضده من تلك القوى، هي تلك الفئة التي أسقطها المهدي من ديوانه، بالإضافة إلى العبيد العامريين، فنصبوا عليهم هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر ولقبوه بـ"الرشيد" (٢) وفشل المهدي في ثني الرشيد عن تمرده، بالرغم من إطلاقه لسراح ولده سليمان (٣)، فقد تقدم الرشيد ومن معه فهاجموا أحد أسواق قرطبة وأحرقوه (٤)، إلا أن أنصاره خذلوه عندما رأوا قيام العامة مع المهدي،
стр. 85
فأُسر الرشيد وقُتل صبراً بين يدي المهدي وذلك يوم الخميس الخامس من شهر شوال سنة (٣٩٩) هـ (١) (٢ يونيو (١٠٠٩) م).
وأراد المهدي أن يكافئ العامة على موقفها، فأباح لها نهب دور البربر، ونادى مناديه أن من أتى برأس بربري فله كذا وكذا، فجرى من العامة شيء عظيم، إذ راح ضحية طيشهم وعبثهم الكثير من العلماء والفقهاء وغيرهم، وسبيت النساء، وتم قتل الحوامل منهن، وبلغ من حرص العامة على نيل المكافأة أن قتلوا سبعة عشر رجلا من أهل تلمسان (٢) في ساعة واحدة، كانوا قد قدموا للجهاد، كما قتلوا آخرين
стр. 86
من أهل خراسان والشام على أنهم من البربر (١)، الأمر الذي دفع الكثيرين للهرب، وكان من بين الهاربين ابن أخ للرشيد يدعى سليمان بن الحكم (٢)، فوجد البربر فيه ضالتهم، إذ لابد لهم من أموي يسيرون خلفه، لأن الناس لن يقبلوا أن يلي الخلافة إلا أحد أبناء تلك الأسرة المجيدة، ومن أجل ذلك بايع البربر سليمان بن الحكم وذلك في (٢٧) شوال (٣٩٩) هـ (٣) (٢٦ يونيو (١٠٠٩) م) ولكي يدركوا ثأرهم استعانوا بشانجة بن غرسيه
стр. 87
بن فردلند (١) قومس (٢) قشتالة الذي أطلقت عليه بعض المصادر التاريخية الإسلامية اسم ابن مامه النصراني (٣)، فلما وصلت رسل البربر إليه، وجدوا أن رسل المهدي وواضح (٤)
стр. 88
صاحب طليطلة والثغر الأوسط (١) عنده، وقدَّمت الرسل هدية سنية، لكن شانجة الذي كان يراقب ما يجري عند جيرانه المسلمين أراد أن يضرب القوة الإسلامية مرة واحدة، فأعلن عن تأييده للبربر (٢). وأقبل بجموعه يريد قرطبة، فاستعد المهدي للقائه ورتب قواته، ومن المضحك أن قيادة جيشه كان فيها طبيب ووكيل بل وقوم من الحواتين والجزارين وأشباههم (٣). فدارت الدائرة عليهم، وقتل من أهل قرطبة أكثر من عشرة
стр. 89
آلاف رجل (١)، وذلك يوم السبت (١٤) ربيع الأول سنة (٤٠٠) هـ (٢) (٦ نوفمبر (١٠٠٩) م) وحاول المهدي أن ينقذ ما يمكن إنقاذه، فأخرج هشاماً المؤيد وأبرزه للناس، لكن ذلك لم يغن عنه شيئاً إذ أن سليمان بن الحكم قد دخل قرطبة وبويع في المسجد الجامع بالخلافة وذلك في يوم الثلاثاء (١٧) من ربيع الأول سنة (٤٠٠) هـ (٩ نوفمبر (١٠٠٩) م (٣)) وتلقب بـ" الظافر بحول الله مضافاً إلى المستعين بالله" (٤).
стр. 90
هرب المهدي من قرطبة والتجأ إلى طليطلة، فوصلها في أول جمادى الأولى سنة (٤٠٠) هـ (١) (٢١ ديسمبر (١٠٠٩) م) فقام واليها الفتى واضح بمناصرته، واتفق مع قومس برشلونة (٢) ريموند بوريل Ramon borrell (٣) وأخيه أرمنجول Armengol (٤) على مناصرة المهدي لقاء أن يتنازل للنصارى عن مدينة سالم، وأن يلتزم لكل رجل منهم دينارين في كل يوم وما يقوم به من الطعام والشراب وغير ذلك، وعلى أن لهم كل ما حازوه من عسكر البربر من السلاح والدواب والأموال، وأن نساء
стр. 91
البربر ودماءهم وأموالهم حلال لهم لا يحول أحد بينهم وبينها إلى غير ذلك من الشروط التي التزم بها واضح (١).
وأقبلت جموع المهدي وواضح ومعهما النصارى، والتقت بجموع البربر التي يقودها المستعين، وذلك في موضع يعرف بدار البقر (٢)، وكادت الهزيمة تحل بالمهدي ومن معه، إذ أن البربر قتلوا الملك النصراني أرمنجول وعدداً كبيراً من جيشه إلا أن المستعين لم يصمد ففر بمن معه إلى شاطبه (٣)، عند ذلك اضطر البربر إلى الانسحاب من المعركة، ثم عرجوا على مدينة الزهراء فأخذوا أولادهم وأمتعتهم ثم انصرفوا إلى الجنوب
стр. 92
الأندلسي (١)، متجهين إلى الجزيرة الخضراء (٢)، وذلك في يوم الجمعة (١٦) شوال سنة (٤٠٠) هـ (٢ يونيو ١٠١٠) فاغتنم عوام قرطبة الفرصة، فنهبوا ما وجدوا في مدينة الزهراء، ودخل المهدي قرطبة وأخذ البيعة لنفسه وبذلك بدأت دولته الثانية (٣).
ولم يهدأ المهدي في قرطبة بل إنه سارع إلى ترتيب قواته ومن معه من النصارى، فسار الجميع بأثر البربر للقضاء عليهم، فالتقى الجمعان في وادي آره (٤)، فقاتل البربر قتال المستميت. إذ أن هذه هي الفرصة الأخيرة
стр. 93
لهم للمحافظة على كيانهم ووجودهم في الأندلس، فهزموا قوات المهدي هزيمة منكرة، واحتوى البربر ما كان في معسكر خصومهم من سلاح ومال ودواب، وذلك في يوم الخميس السابع من ذي القعدة سنة (٤٠٠) هـ (١) (٢٢ يونيو ١٠١٠) فانصرف المهدي وواضح ومن كتبت له النجاة من قواتهما، إلى قرطبة، حيث ارتكبت فيها تلك الجموع ومن معها من عوام قرطبة والنصارى مالا يخطر ببال (٢)، وعندما وصلت الأخبار بأن البربر قد أقبلوا يريدون قرطبة، استعد المهدي للحصار، وأصاب أهل قرطبة الجزع الشديد بسبب رحيل النصارى عنهم وإقبال البربر إليهم (٣).
стр. 94
ورغم كل هذه البلايا والشدائد التي عاشها المهدي، إلا أنه كان عديم الالتجاء إلى الله تعالى، بل أن شره بازدياد، وفساده في يومه أشد من أمسه (١)، فسلط الله عليه نصيره واضح الصقلبي "الفتى" فدبر الأمر مع بعض العبيد العامريين، فدخلوا عليه فكتفوه، وأخرجوا هشاماً المؤيد من مقره، وأقعدوا المهدي بين يديه، فأخذ يحاسبه ثم أمر بقتله، فقتل، وذلك يوم الأحد الثامن من شهر ذي الحجة (٤٠٠) هـ (٢٤ يوليو ١٠١٠) وبذلك بدأت الدولة الثانية للخليفة هشام المؤيد (٢)، الذي استمر في الخلافة إلى أن دخل البربر قرطبة بقيادة المستعين بالله يوم الاثنين (٢٧) شوال سنة (٤٠٣) هـ (٣) (١٠ مايو (١٠١٣) م) فبويع
стр. 95
بالخلافة (١) بدلاً من المؤيد الذي اختلفت المصادر بشأنه (٢).
هذا وقد كانت الأندلس عند مقتل المهدي مقسمة سياسياً إلى أقسام عدة، فقرطبة ومنطقة الثغور شمال الأندلس كانت تحت سيطرة المهدي، وأما الشرق الأندلسي فقد خضع للصقالبة العامريين، حيث أقاموا هناك ممالك عدة، في حين أن المستعين بالله كان قد بسط
стр. 96
نفوذه على الجنوب الشرقي للأندلس بالإضافة إلى مدينتي سبتة (١) وطنجة (٢) وبلاد غمارة من أرض العدوة الغربية.
وعندما تولى سليمان المستعين بالله الخلافة، بادر إلى تقسيم أعمال المدن الأندلسية على بعض ذوي النفوذ وبالذات من البربر، فقد وضع
стр. 97
المناصب بأيديهم، وقسم المناطق الخاضعة لسيطرته على قبائلهم (١)، كما جعل علي بن حمود (٢) والياً على سبته، وأخاه القاسم (٣) على طنجة
стр. 98
وأصيلا (١)، وفي هذا يقول ابن عذاري: "إن سليمان هذا أول دولة البرابر بقرطبة" (٢).
وإذا نظرنا إلى تصرف المستعين في تقسيمه البلاد على البربر، ربما نجده مضطراً إلى هذا الفعل، فلعله بدأ يشعر بثقل وطأتهم عليه، إذ أنهم يعتبرون أنفسهم هم أصحاب الدولة، فهم الذين أوصلوه إلى ما هو فيه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فهو يدرك تماماً عدم الوفاق بين البربر وأهل قرطبة، ولأجل هذا سعى إلى إبعاد الطرفين عن بعضهما البعض، فوزع تلك الأراضي على قبائل البربر.
وأما تولية المستعين لعلي والقاسم الحموديين لكل من سبته وطجنة وأصيلاً فهو عمل رديء من الناحية السياسية، إذ أنه بذلك وضع مفاتيح
стр. 99
الأندلس من جهة الجنوب بيد أسرة غير موالية له، لأجل ذلك نجد القائد عبد الله البرزالي (١) يناقش المستعين في هذه التولية ويبين له خطرها، لكن الأخير تجاهل الأمر (٢).
وقد صدقت تحذيرات البرزالي، فقد أعلن علي بن حمود الثورة بعد أن اتفق مع خيران العامري (٣)، الذي لم يكن راضياً عن خلافة المستعين،
стр. 100
فقد كان خيران العامري يأمل بحياة المؤيد، بل إنه كان يخطب له على منابر المرية (١)، ولذا عندما أحس برغبة ابن حمود في القيام ضد المستعين، بادر بالموافقة وبالذات بعد أن أخبره ابن حمود أن كتاباً كان قد وصله من المؤيد يسند إليه فيه ولاية العهد ويفوضه بأخذ ثأره من المستعين (٢)، فدعا له خيران بولاية العهد، ووافقه على ذلك جماعة منهم صاحب مالقة (٣)
стр. 101
عامر بن فتوح الفائقي (١) الذي بادر إلى تسليم مالقة لابن حمود سنة (٤٠٥) هـ (٢)(١٠١٤) واجتمع خيران ومن وافقه بالمنكب (٣) سنة (٤٠٦) هـ (١٠١٥) وبايعوا علياً بن حمود على طاعة المؤيد (٤)، وعندما
стр. 102
بلغوا غرناطة (١) وافقهم أميرها، وساروا جميعاً إلى قرطبة فالتقوا بقوات المستعين فهزموها وأسروه (٢)، ودخل علي بن حمود قرطبة في يوم الأحد (٢٢) محرم سنة (٤٠٧) هـ (٣) (يوليو ١٠١٦) وقتل صبراً سليمان المستعين وأخيه ووالدهما، واستخرج جثة المؤيد، وجهزه وصلى عليه ودفنه بجوار والده (٤)، وبذلك انتهت دولة سليمان بن الحكم بعد ست سنين وعشرة
стр. 103
أشهر (١)، وهذه المدة وصفها ابن حيان بقوله: "وكانت كلها شداداً نكدات، صعاباً مشؤمات، كريهة المبتدأ والفاتحة، قبيحة المنتهى والخاتمة، لم يعدم فيها حيف، ولا فورق فيها خوف، ولا تم سرور، ولا فُقد محذور … دولة كفاها ذماً أن أنشأها شانجة، فقشعها أرمقند، وثبتتها الجلالقة، ومزقتها الإفرنجة، ودبرها فاجر شقي، ووزر لها خب دني، فتمخضت عن
стр. 104
الفاقرة الكبرى، وآلت بمن أتى بعدها إلى ما كان أعضل وأدهى، مما طوى بساط الدنيا، وعفى رسمها، وأهلك أهلها" (١).
ولأول مرة في الأندلس تخرج الخلافة عن الأمويين، وذلك عندما بويع علي ابن حمود بالخلافة عند باب السدة، واتخذ لقب: "الناصر لدين الله" (٢).
وما أن استراح الخليفة ابن حمود في القصر، حتى تصدع التحالف الذي كان قد أقامه، فالعبيد الصقالبة والعامريون أصحاب الممالك المتناثرة في شرق الأندلس، رفضوا الاعتراف بخلافته رغم مكاتبته لهم، وإغرائه إياهم بالوعود الجميلة (٣)، إذ أنه لا ينتمي للأسرة الأموية وعليه فلا حق له بالخلافة من وجهة نظرهم.
ومما دفعهم أيضاً إلى رفض ابن حمود، موقف خيران العامري منه، فقد حرضهم عليه، بل دعاهم للقيام ضده، والسبب في ذلك يعود إلى اليوم الأول الذي دخل فيه خيران قصر الخلافة، ولم يجد المؤيد حيا، فقد
стр. 105
مع ابن حمود، وأنه في خطر منه (١)، ولذا انسل من قرطبة وذهب إلى دار ملكه في المرية، وهناك بحث عن أموي يسير خلفه ليحقق من ورائه أطماعه، ويرضى نفسه الطموحة، وفي الوقت نفسه يضمن عدم بقاء ابن حمود في الخلافة، إذ لا بقاء له في الحكم مع قيام أموي يطالب بإرثه.
وفي سنة (٤٠٧) هـ (١٠١٧)(٢) عثر خيران على رجل أموي يدعى عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك ابن عبد الرحمن الناصر (٣) وكان أصلح من بقي من بني أمية (٤)، فبايعه خيران ومن معه بالخلافة كما بايعه أصحاب دول الطوائف ولقبوه بالمرتضى (٥)، إذ أن هدفهم متفق مع هدف
стр. 106
خاب أمله، إذ كان يطمع باستعادة مكانته في ظل الخليفة الضعيف، كما أدرك أن لا مجال له خيران. ثم اجتمعوا في مكان يعرف بالرياحين، وذلك في شهر ذي الحجة سنة (٤٠٨) هـ (إبريل (١٠١٨) م) ومعهم الفقهاء والعلماء، وبايعوا المرتضى على أن تكون الخلافة شورى وليست وراثة (١).
وما أن علم الخليفة علي بن حمود بهذا التجمع، وأن أهل قرطبة يتطلعون للمرتضى حتى غير ابن حمود سياسته تجاههم، فبدل اللين شدة، وأذاقهم الذل وأراهم القهر بالظلم والطغيان، وألزمهم مغارم عسيرة، فضاقوا به، وابتهلوا إلى الله بالدعاء عليه، فسلط الله تعالى عليه ثلاثة
стр. 107
من صقالبة القصر (١)، فقتلوه وهو في الحمام، وذلك ليلة السبت أول ذي القعدة سنة (٤٠٨) هـ (٢) (٢١ مارس ١٠١٨).
وقد شجع الموت المفاجئ لابن حمود الخليفة الأموي المرتضى على المسير إلى قرطبة إلا أنه عرَّج على غرناطة، فدعى زاوي بن زيري إلى الدخول في طاعته (٣)، فرفض طلبه (٤)، فنشبت معركة حامية بين المرتضى وقواته وبين زيري والصنهاجيين، إلا أن خيران والعبيد العامريين خانوا المرتضى، فتخلوا عنه في المعركة، وتركوه وحيدا، فغادر أرض المعركة،
стр. 108
فتمت مطاردته حيث قتل بقرب وادي آش (١) وذلك سنة (٤٠٩) هـ (٢) (١٠١٩ م).
وقد أرسل زاوي بن زيري إلى القاسم بن حمود بخبر نتيجة المعركة، كما أرسل له نصيبه من الغنائم، ومن بينها سرادق المرتضى نفسه فضربه القاسم على شاطئ نهر قرطبة، مما أثار حزن أهلها على خليفة أموي طال انتظارهم له (٣).
وهكذا أدى الصقالبة الذين يفترض أنهم الحريصون والأمناء على الخلافة الأموية، خدمة كبرى للحموديين، إذ أنهم بنتيجة هذه المعركة قد ساعدوهم من حيث لا يشعرون على تثبيت حكمهم في قرطبة، وفي الوقت نفسه قضوا على أي أمل في إعادة الدولة الأموية إلى سابق عهدها، كما أنهم حكموا بالتفوق للبربر على الجماعة الأندلسية الذين لم يعد
стр. 109
بالإمكان إقناعهم بالاجتماع على كلمة واحدة، وفي هذا يقول ابن حيان "فحل بهذه الواقعة على جماعة من الأندلس مصيبة سوداء أنست ما قبلها، ولم يجتمع لهم على البربر جمع بعد، وأقروا بالإدبار، وباءوا بالصغار" (١).
كما كانت هذه المعركة سبباً في رحيل الزعيم الصنهاجي الشهير زاوي بن زيري، إذ أدرك أن انتصاره في تلك المعركة انتصار مصطنع، وأن الأندلسيين هم الذين أرادوا انتصاره، وهذا يعني أنه بإمكانهم الوقيعة به متى أرادوا ذلك، ولذا فقد كره المقام بالأندلس وغادرها إلى أفريقية (٢).
ويمكن القول كذلك، أنه بسبب هذه المعركة اهتزت الثقة بالأمويين بصورة كبيرة، فلم يعد لهم في قلوب الناس مكان، حتى أن خيران زهد في
стр. 110
أخ للمرتضى يدعى هشام (١)، فطرده من مملكته، فغادر هشام واستقر في حصن البونت (٢).
وبعد قتل علي بن حمود، عقد الزناتيون اجتماعاً، قرروا خلاله استدعاء القاسم بن حمود من إشبيلية ليتولى الخلافة، لكن القاسم حسب أن في الأمر خدعة، ولذا أرسل أحد ثقاته ليقف على حقيقة الأمر، فلما عاد إليه الرسول بالخبر، قدم إلى قرطبة، وصلى على أخيه، وأرسل جثمانه إلى سبته ليدفن هناك (٣).