← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7332

نهاية السول شرح منهاج الوصول

الإسنوي

Полный текст (459 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

مذهب الشافعي الجواز في هذه الصورة, لزم منه الجواز فيما قبلها بطريق الأولى. قال في المحصول: وهذا الخلاف يجري فيما لو قال القارئ للشيخ بعد القراءة: أرويه عنك؟ فقال: نعم, وحكم قراءة غيره عليه كحكم قراءته في الأحوال المذكورة كما قاله ابن الحاجب وغيره, واعلم أن تصوير هذه المسألة مع الاستفهام مخالف لتصوير المحصول والحاصل, فإنهما صوراها بما إذا جزم القارئ فقال: حدثك ولا شك أن السكوت على هذا لو لم يكن صحيحا لكان تقريرا على الكذب, بخلاف السكوت عند الاستفهام, فلا يلزم من جواز الرواية هنا جوازها هنا مع الاستفهام. الخامس, وقد تقدم أن الإمام جعله في المرتبة الثالثة: أن يكتب الشيخ فيقول: حدثنا فلان ويذكر الحديث إلى آخره, فحكمه الخطاب في العمل والرواية، إذا علم أو ظن أنه الخط؛ لأنه لا يقول: سمعته ولا حدثني بل أخبرني قال الآمدي، ولا يرويه إلا بتسليط من الشيخ كقوله: فاروه عني أو أجزت روايته. السادس: أن يشير الشيخ إلى كتاب فيقول: سمعت ما في هذا الكتاب من فلان أو هذا مسموعي منه أو قرأته عليه, فيجوز للسامع أن يرويه عنه سواء ناوله الكتاب أم لا, خلافا لبعض المحدثين, وسواء قال: اروه عني أم لا, كما له أن يشهد على شهادته إذا سمعه يؤديها عند الحاكم، ويؤخذ ذلك كله من إطلاق المصنف، ومقتضى كلام الآمدي اشتراط الإذن في الرواية. وهذا الطريق يعرف بالمناولة فيقول الراوي: ناولني أو أخبرني أو حدثني مناولة, وفي إطلاقها مذهبان, ولا يجوز له أن يروي عن غير تلك النسخة إلا إذا أمن الاختلاف. السابع: أن يجيز الشيخ فيقول: أجزت لك أن تروي عني ما صحّ من مسموعاتي أو مؤلفاتي أو كتاب كذا قال الآمدي: وقد اختلفوا في جواز الرواية بالإجازة, فمنعه أبو حنيفة وأبو يوسف، وجوزه أصحاب الشافعي وأكثر المحدثين، فعلى هذا يقول: أجاز لي فلان كذا وحدثني وأخبرني إجازة. قال: وفي إطلاق حدثني وأخبرني مذهبان، الأظهر وعليه الأكثر أنه لا يجوز, وصححه ابن الصلاح أيضا. ونقل عن الشافعي قولان في جواز الرواية بالإجازة, ومقتضى كلام المصنف صحة الإجازة لجميع الأئمة الموجودين, أو لمن يوجد من نسل فلان، وفيهما خلاف, رجح ابن الحاجب في الأولى أنه يجوز، ولم يرجح في الثانية شيئا وصحح ابن الصلاح في الثانية أنه لا يجوز, ولم يصحح في الأولى شيئا، قال: واختلفوا في جواز الإجازة للصبي الذي لم يميز وجواز الإجازة بما لم يتحمله المجيز ليرويه المجاز, إن اتفق أن المجيز تحمل ثم صحح الجواز في الأولى والمنع في الثانية. قال الآمدي: وإذا غلب على ظنه الرواية فيجوز له روايته والعمل به عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد خلافا لأبي حنيفة. فإن قيل: أهمل المصنف الوجادة, وهي أن يقف على كتاب شخص فيه أحاديث يرويها، فإنه يجب على الواقف عليها أن يعمل بها إذا حصلت الثقة بقوله, وإن لم يكن له من الكاتب رواية كما نقله ابن الصلاح عن الشافعي ﵁ وصححه, قلنا: إنما أهملها

стр. 317

لأنه تكلم في أسباب الرواية لا في أسباب العمل, وليس له أن يروي: هذا حدثنا ولا أخبرنا مطلقا ولا مقيدا، قال ابن الصلاح: لكن يقول: وجدت أو قرأت بخط فلان: حدثنا فلان، ويسوق السند والمتن. قال: "الثالثة: لا تقبل المراسيل خلافا لأبي حنيفة ومالك ﵄، لنا أن عدالة الأصل لم تعلم فلا تقبل, قيل: الرواية تعديل قلنا: قد يروي عن غير العدل قيل: إسناده إلى الرسول يقتضي الصدق, قلنا: بل السماع قيل: الصحابة أرسلوا وقبلت, قلنا: لظن السماع". أقول: لم يتعرض الإمام ولا أتباعه لتفسير المرسل، وهو في اصطلاح جمهور المحدثين عبارة عن أن يترك التابعي ذكر الواسطة بينه وبين النبي ﷺ فيقول: قال رسول الله ﷺ وسمي بذلك لكونه أرسل الحديث أي: أطلقه ولم يذكر من سمعه منه، فإن سقط قبل الصحابي واحد فيسمى منقطعا, وإن كان أكثر فيسمى معضلا ومنقطعا، وأما في اصطلاح الأصوليين فهو قول العدل الذي لم يلق النبي ﷺ : قال رسول الله ﷺ هكذا فسره الآمدي، وذكر ابن الحاجب وغيره نحوه أيضا وهو أعم من تفسير المحدثين، وقد اختلفوا في قبوله؛ فذهب الشافعي ﵁ إلى المنع منه إلا مسائل ستعرفها، واختاره الإمام والمصنف ونقله ابن الصلاح عن جمهور المحدثين وذهب الجمهور من المعتزلة كما قاله في المحصول إلى قبوله ونقله الآمدي عن الأئمة الثلاثة، واختاره حتى بالغ بعضهم فجعله أقوى من المسند؛ لأنه إذا أسنده فقد وكل أمره إلى الناظر ولم يلتزم صحته. وذهب ابن الحاجب إلى قبوله من أئمة النقل دون غيرهم, وذهب عيسى بن أبان إلى قبول مراسيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وأئمة النقل مطلقا. قوله: "لنا" أي: الدليل على ردها: أن قبول الخبر مشروط بمعرفة عدالة الراوي، كما تقدم بيانه وعدالة الأصل في المرسل لم تعلم؛ لأن معرفتها فرع من معرفة اسمه, فإذا لم نعلمه تعين رده. تمسك الخصم بثلاثة أوجه؛ الأولان اعتراض على ما قلناه، والثالث دليل على مدعاه, أحدها: أن رواية العدل عن الأصل المسكوت عنه تعديل له؛ لأنه لو روى عمن ليس بعدل ولم يبين حالهلكان ملبسا غاشّا, قلنا: لا نسلم, فإن العدل قد يروي عن غير العدل أيضا؛ ولهذا لو سئل الراوي عن عدالة الأصل لجاز أن يتوقف, قال في المحصول: وقد يظن عدالته فيروي عنه وليس بعدل عند غيره. الثاني: أن إسناد الحديث المرسل إلى الرسول ﵊ يقتضي صدقه؛ لأن إسناد الكذب ينافي العدالة, وإذا ثبت صدقه تعين قبوله. قلنا: لا نسلم أن إسناده يقتضي صدقه بل إنما يقتضي أن يكون قد سمع غيره يرويه عن النبي ﷺ , وذلك الغير لا يعلم كذبه بل يعلم صدقه أو يجهل حاله. الثالث: أن الصحابة أرسلوا أحاديث كثيرة أي: لم يصرحوا فيها بسماعهم من النبي ﷺ , بل قالوا: رسول الله ﷺ , وأجمع الناس على قبولها. قلنا: إنما قبلت لأنه يغلب على الظن أن الصحابي سمعها من النبي ﷺ والعمل بالظن واجب. قال في المحصول: فإذا بين الصحابي بعد ذلك أنه كان مرسلا وسمى الأصل الذي رواه عنه

стр. 318

وجب قبوله أيضا. قال: وليس في الحالتين دليل على العمل بالمرسل, وحاصل هذا الجواب منع كون ذلك من المرسل, وأنه لا يقبل إذا تيقنا أن الصحابي لم يسمعه كما أن مرسل غير الصحابي لا يقبل أيضا. وهذا موافق لكلامه أولا؛ فإنه أطلق عدم قبول المرسل، ولم يفصل بين الصحابي وغيره فافهم ذلك كله واجتنب غيره. واختلف المانعون من قبول مراسيل الصحابة، مع أن المروي عنه صحابي مثله والصحابة عدول فقال بعضهم: لاحتمال روايته له عن التابعين، وقال القرافي: لاحتمال روايته عن صحابي قام به مانع, كماعز وسارق رداء صفوان. قال: "فرعان: الأول: المرسل، يقبل إذا تأكد بقول الصحابي أو فتوى أكثر أهل العلم. الثاني: إن أرسل ثم أسند قُبِل, وقيل: لا؛ لأن إهماله يدل على الضعف". أقول: المرسل إذا تأكد بشيء بحيث يغلب على الظن صدقه فإنه يقبل، ويحصل ذلك بأمور، منها أن يكون من مراسيل الصحابة أو أسنده غير مرسله، وإن لم تقم الحجة بإسناده لكونه ضعيفا كما صرح به في المحصول, أو أرسله راوٍ آخر يروي من غير شيوخ الأول, أو عضده قولصحابي, أو قول أكثر أهل العلم أو عرف من حال الذي أرسله أنه لا يرسله إلا عمن يقبل قوله كمراسيل سعيد، وهذه الستة نص عليها الشافعي، وممن نقلها عنه الآمدي وكذا الإمام، ما عدا الأول، وزاد غيرهما على هذه الستة القياس أيضا. واقتصار المصنف على شيئين فقط لا معنى له، ومخالف لأصليه: الحاصل والمحصول, فإن قيل: ما فائدة قبوله والأخذ به إذا تأكد بقياس أو بمسند آخر صحيح, مع أن القياس والمسند كافيان في إثبات الحكم؟ قلنا: فائدته في الترجيح عند تعارض الأحاديث, فإن أحد الحديثين المقبولين يرجح على الآخر، إذا عضده قياس أو حديث آخر مقبول, وقد اعتقد ابن الحاجب أن هذا السؤال لا جواب له وليس كذلك لما قلناه. قوله: "الثاني ... إلخ" اعلم أن الراوي إذا أرسل حديثا مرة ثم أسند أخرى، أو وقفه على الصحابي ثم رفعه, فلا إشكال في قبوله، وبه جزم الإمام وأتباعه. وأما إذا كان الراوي من شأنه إرسال الأحاديث إذا رواها, فاتفق أن روى حديثا مسندا, ففي قبوله مذهبان في المحصول والحاصل من غير ترجيح، وهذه هي مسألة الكتاب فافهم ذلك, وأرجحهما عند المصنف قبوله لوجود شرطه, وعلى هذا قال الشافعي كما قال في المحصول١: لا أقبل شيئا من حديثه إلا إذا قال فيه: حدثني أو سمعت, دون غيرهما من الألفاظ الموهمة. وقال بعض المحدثين: لا يقبل إلا إذا قال: سمعت خاصة. والمذهب الثاني: لا يقبل؛ لأن إهماله لاسم الرواة يدل على علمه بضعفهم, إذ لو علم عدالتهم لصرح بهم، ولا شك أن تركه للراوي مع علمه بضعفه خيانة وغش، فإنه إيقاع في العمل بما ليس صحيحا, وإذا كان خائنا لم تقبل روايتهمطلقا، هذا حاصل ما قاله

стр. 319

الإمام, وجوابه أن ترك الراوي قد يكون لنسيان اسمه أو لإيثار الاختصار، وذكر في المحصول بعد هذه المسألة أن الراوي إذا سمى الأصل باسم لا يعرف به فهو كالمرسل، وذكر إمام الحرمين مثله فإنه قال: وقول الراوي: أخبرني رجل أو عدل موثوق به من المرسل أيضا. قال: وكذلك كتب رسول الله ﷺ التي لم يسم حاملها. قال: "الرابعة: يجوز نقل الحديث بالمعنى خلافا لابن سيرين, لنا أن الترجمة بالفارسية جائزة فبالعربية أولى. قيل: يؤدي إلى طمس الحديث، قلنا: لما تطابقا لم يكن ذلك". أقول: اختلفوا في جواز نقل حديث الرسول ﷺ بالمعنى أي: بلفظ آخر غير لفظه, فجوزه الأكثرون واختاره الإمام والآمدي وأتباعهما ونص عليه الشافعي وممن نقله عنه صاحب المحصول, وقال ابن سيرين وجماعة: لا يجوز، وغلط صاحب التحصيل في اختصاره للمحصول, فعزاه للشافعي وحكى الآمدي وابن الحاجب قولا: إنه إن كان اللفظ مرادفا جاز وإلا فلا, فإن جوزناه فشرطه أن يكون الفرع مساويا للأصل في إفادة المعنى من غير زيادة ولا نقصان، وأن يكون مساويا في الجلاء والخفاء؛ لأنه لو أبدل الجلي بالخفي أو عكسه لأحدث حكما لم يكن وهو التقديم أو التأخير عند التعارض، لما ستعرفه في القياس أن الجلاء من جملة المرجحات، وعلله في المحصول بأن الخطاب يقع بالمتشابه وبالمحكم لأسرار استأثر الله تعالى بعلها فلا يجوز تغييرها, ومراعاة هذه الشروط موقوفة على العلم بمدلولات الألفاظ, فإذا كان الشخص غير عالم بها فلا يجوز أن يروي بالمعنى، وكلام الآمدي يقتضي إثبات خلاف فيه, فإنه نقل المنع عن الأكثرين. قوله: "لنا" أي: الدليل على جواز الرواية بالمعنى أنه يجوز أن يترجم الأحاديث أي: يشرحها بالفارسية أو غيرها لتعلم الأحكام فلأن يجوز بالعربية أولى؛ لأن ذلك أقرب وأقل تفاوتا وفيه نظر؛ لأن الترجمة جوزت للضرورة وليس ذلك مما يتعلق به اجتهاد واستنباط أحكام, بل هو من قبيل الإفتاء بخلاف الرواية بالمعنى, والأولى الاستدلال بأن الصحابة كانوا ينقلون الواقعة الواحدة بألفاظ مختلفة, وبأنهم ما كانوا يكتبون الأحاديث ولا يكررون عليها بل يروونها بعد أزمان طويلة على حسب الحاجة وذلك موجب لنسيان اللفظ قطعا. احتج الخصم بأن نقل الحديث بالمعنى يؤدي إلى طمسه أي: محو معناه واندراسه كما قال الجوهري فيلزم أن لا يجوز, وبيانه: أن الراوي إذا أراد النقل بالمعنى فغايته أن يجتهد في طلب ألفاظ توافق ألفاظ الحديث في المعنى, والعلماء مختلفون في معاني الألفاظ وفهم دقائقها, فيجوز أن يغفل عن بعض الدقائق وينقله بلفظ آخر لا يدل على تلك الدقيقة, ثم يفرض ذلك في الطبقة الثانية والثالثة وهلم جرا, وحينئذ فيكون التفاوت الأخير تفاوتا فاحشا بحيث لا يبقى بينه وبين الأول مناسبة. وأجاب المصنف بأن الكلام في نقله بلفظ مطابق له وعند تطابقاللفظين لا يقع التفاوت قطعا. قال: "الخامسة: إذا زاد أحد الرواة وتعدد المجلس قبلت الزيادة. وكذا إن اتحد وجاز الذهول على الآخرين ولم

стр. 320

بغير إعراب الباقي، وإن لم يجز الذهول لم تقبل, وإن غيّر الإعراب مثل: "في كل أربعين شاة شاة" أو " نصف شاة" طلب الترجيح, فإن زاد مرة وحذف أخرى فالاعتبار بكثرة المرات". أقول: إذا روى اثنان فصاعدا حديثا وانفرد أحدهم بزيادة لم يروها الآخر، نظر فإن كان مجلس راوي الزيادة غير مجلس الممسك عنها فلا إشكال في قبولها, وإن كان المجلس واحدا نظرنا في الذين لا يرون الزيادة فإن كانوا عددا كثيرا لا يجوز في العادة ذهولهم عما ضبطه الواحد رددناها, وإن جاز عليهم الذهول, فإن كانت الزيادة تغير إعراب الباقي كما إذا روى: "في أربعين شاة شاة" وروى الآخر: "نصف شاة" فيتعارضان ويقدم الراجح منهما؛ لأن أحدهما يروي ضد ما يرويه الآخر إذ الرفع ضد الجر, وإن لم يتغير الإعراب قبلت خلافا لأبي حنيفة؛ لأن الراوي عدل ثقة جازم بالرواية فوجب قبولها كما لو انفرد بنقل حديث, ويحمل الحال على أن يكون الممسك عن الزيادة قد دخل في أثناء المجلس, أو على أنه ممن يرى نقل بعض الحديث, أو على أن النبي ﷺ ذكر ذلك الحديث في ذلك المجلس مرتين ولم يحضر في مرة الزيادة، ومثال ذلك قوله ﷺ في: "زكاة الفطر على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين" ١ فإن التقييد بالمسلمين انفرد به مالك؛ ولذلك لم يشترط أبو حنيفة الإسلام في العبد المخرج عنه, وسكت المصنف عما إذا لم يعلم هل تعدد المجلس أواتخذ؟ قال في الأحكام: الحكم فيه على ما ذكرناه عند الاتحاد وأولى بالقبول؛ نظرا إلى احتمال التعدد وهذا التفصيل الذي ذكره في الكتاب اختاره الآمدي فقط, فإن ابن الحاجب لم يذكر تغير الإعراب وصرح بعدم اشتراطه أبو عبد الله البصري كما نقله عنه الإمام وغيره، وأما الإمام فشرط في القبول مع ما قلناه أن لا يكون الممسك عن الزيادة أضبط من الراوي لها, وأن لا يصرح بنفيها, فإن صرح بنفيها فقال: إنه ﵊ وقف على قوله: "ذكر أو أنثى" ولم يأت بعده بكلام آخر مع انتظاري له فإنهما يتعارضان. ونص الشافعي ﵀ على قبول الزيادة من غير تعرض لهذا الشرط, وممن نقله عنه كذلك إمام الحرمين في البرهان وفصل بعضهم فقال: إن كان راوي الزيادة واحدا والساكت عنها أيضا واحدا قُبلت، وإن كان الساكت جماعة فلا. واختار الأنباري شارح البرهان أن الراوي إن اشتهر بنقل الزيادات في وقائع فلا تقبل روايته؛ لأنه متهم وإن كان على سبيل الشذوذ قبلت. قال ابن الحاجب: وإذا أسند الحديث وأرسلوه أو رفعه, ووقفوه أو وصله وقطعوه, فحكمه حكم الزيادة في التفصيل السابق. قوله: "فإن زاد" يعني: أن الراوي الواحد إذا زاد في الحديث مرة وحذف أخرى أي: والحال كما تقدم من اتحاد المجلس والإعراب كما صرح به في المحصول, فالاعتبار بكثرة المرات؛ لأن الأكثر أبعد عن السهو، إلا أن

стр. 321

يقول الراوي: سهوت فيها ثم تذكرت, فتأخذ بالأقل, فإن تساويا أخذنا بالزيادة كما قاله في المحصول؛ لأن السهو في نسيان ما سمع أكثر من إثبات ما لم يسمع. "فرعان" أحدهما: إذا سمع خبرا فأراد نقل بعضه وحذف البعض, فإن لم يكن المحذوف متعلقا بالمذكور كقوله ﵊: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم, ويسعى بذمتهم أدناهم" ١ جاز الحذف كما نقله ابن الحاجب عن الأكثرين. وقال الآمدي: إنه لا يعرف فيه خلاف، وإن كان متعلقا به بأن وقع غاية أو سببا أو شرطا فلا يجوز, وذلك كنهيه عن بيع الطعام حتى يجوزه التجار إلى رحالهم. ونقل إمام الحرمين في البرهان عن الشافعي كلاما صريحا في منع القسم الثاني وظاهرا في جواز الأول. الثاني: اختلفوا في الاحتجاج بالقراءة الشاذة وهي التي لم تنقل بالتواتر؛ فاختار الآمدي وابن الحاجب أنه لا يحتج بها، ونقله الآمدي عن الشافعي, وقال في البرهان: إنه ظاهر مذهب الشافعي؛ لأن الراوي لم ينقلها خبرا، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وخالف أبو حنيفة فذهب إلى الاحتجاج بها وبنى عليه وجوب التتابع في كفارة اليمين؛ لقراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات".

стр. 322

الكتاب الثالث: في الإجماع الباب الأول: في بيان كونه حجة قال: "الكتاب الثالث: في الإجماع, وهو اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد ﷺ على أمر من الأمور، وفيه ثلاثة أبواب: الباب الأول: في بيان كونه حجة, وفيه مسائل: الأولى: قيل: محال كاجتماع الناس في وقت واحد على مأكول واحد, وأجيب بأن الدواعي مختلفة ثمة، وقيل: يتعذر عليه لانتشارهم, وجواز خفاء واحد منهم وخموله وكذبه خوفا، أو رجوعه قبل فتوى الآخر. وأجيب بأنه لا يتعذر في أيام الصحابة, فإنهم كانوا محصورين قليلين". أقول: الإجماع يطلق في اللغة على العزم, قال الله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس:٧١] أي: أعزموا وعلى الاتفاق يقال: أجمعوا على كذا أي: اتفقوا عليه, مأخوذا مما حكاه أبو علي الفارسي في الإيضاح أنه يقال: أجمعوا بمعنى صاروا إذا جمع كقولهم: أبقل المكان وأثمر أي: صار ذا بقل وثمر, وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف، وهو اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد ﷺ على أمر من الأمور. فقوله: اتفاق جنس والمراد به الاشتراك في الاعتقاد والقول أو الفعل أو ما في معناهما من التقرير والسكوت عند من يقول: إن ذلك كافٍ في الإجماع. وقوله: أهل الحل والعقد أي: المجتهدين, فخرج بذلك اتفاق العوام واتفاق بعض المجتهدين, فإنه ليس بإجماع. وقوله: من أمة محمد, احترز به عن اتفاق المجتهدين من الأمم السالفة فإنه ليس بإجماع أيضا كما اقتضاه كلام الإمام وصرح به الآمدي هنا ونقله في اللمع عن الأكثرين. وذهب أبو إسحاق الإسفرائيني وجماعة إلى أن إجماعهم قبل نسخ ملتهم حجة, وحكى الآمدي هذا الخلاف في آخر الإجماع، واختار التوقف، وقوله: على أمر من الأمور, شامل الشرعيات كحل البيع "واللغويات

стр. 323

ككون" الشرعيات كحله البيع، واللغويات ككون الفاء للتعقيب، وللعقليات كحدوث العالم وللدنيويات كالآراء والحروب وتدبير أمور الرعية. فالأولان لا نزاع فيهما، وأما الثالث فنازع فيه إمام الحرمين في البرهان فقال: ولا أثر للإجماع في العقليات, فإن المتبع فيها الأدلة القاطعة, فإذا انتصبت لم يعارضها شقاق ولم يعضدها وفاق, والمعروف الأول وبه جزم الإمام والآمدي. وأما الرابع ففيه مذهبان شهيران أصحهما عند الإمام والآمدي وأتباعهما كابن الحاجب: وجوب العمل فيه بالإجماع, ولقصد شمول الأربعة أردف المصنف الأمر بالأمور, فإن الأمر المجموع على الأوامر مختص بالقول بخلاف المجموع على الأمور, وذا وإن كان مجازا في الحد لكنه جائز عند فهم المراد كما نص عليه الغزالي في مقدمة المستصفى وهذا الحد فيه نظر من وجوه أحدها: ما أورده الآمدي وابن الحاجب وهو عدم تقييده بكون أهل الحل والعقد من عصر واحد ولا بد منه. الثاني: أن هذا الحد منطبق على اتفاق الأمة في حياة النبي ﷺ بدونه مع أنه قد تقدم من كلام المصنف في النسخ في الكلام على أن الإجماع لا ينسخ, ولا ينسخ به أن الإجماع لا ينعقد في حياة النبي ﷺ لأنه إن لم يوافقهم لم ينعقد؛ لكونه بعض الأمة وإن وافقهم كان قوله هو الحجة لاستقلاله بإفادة الحكم. نعم الصواب انعقاد الإجماع في الصورة التي ذكرناها؛ لأنه ﵊ قد شهد لأمته بالعصمة كما سيأتي في الأدلة, بل لو شهد بذلك الواحد من أمته لكان قوله وحده حجة قطعا ولم يتعرض الآمدي ولا ابن الحاجب لهذه المسألة. الثالث: المحدود إنما هو الإجماع الاصطلاحي المتناول لقول المجتهد الواحد, إذا لم يكن في العصر غيره, فإن الإمام وأتباعه صرحوا بكونه حجة وتعبير المصنف بالاتفاق ينفيه, فإن الاتفاق إنما يكون من اثنين فصاعدا. نعم حكى الآمدي وابن الحاجب في الاحتجاج به قولين من غير ترجيح, وإذا قلنا بالأول فتغير اجتهاده, ففي الأخذ بالثاني نظر يحتاج إلى تأمل وكذلك لو حدث مجتهد آخر وأداه اجتهاده إلى خلافه. واعلم أن البحث في الإجماع يقع في ثلاثة أمور في: حجيته وأنواعه وشرائطه, فلذلك جعل المصنف هذا الكتاب مشتملا على ثلاثة أبواب لبيان الأمور الثلاثة, وبدأ بالكلام على كونه حجة لكن الاحتجاج به متوقف على بيان إمكانه وإمكان الاطلاع عليه, فلذلك قدم الكلام فيهما, فقوله: قيل محال ... إلخ يعني أن بعضهم ذهب إلى أن الإجماع محال؛ لأن اجتماع الجم الغفير والخلق الكثير على حكم واحد مع اختلاف قرائحهم, يمتنع عادة كما يمتنع اجتماعهم في وقت واحد على مأكول واحد, وجوابه أن دواعي الناس مختلفة ثمة أي: في المأكول لاختلافهم في الشهوة والمزاج والطبع؛ فلذلك يمتنع اجتماعهم عليه بخلاف الحكم, فإنه تابع للدليل فلا يمتنع اجتماعهم عليه لوجود دليل قاطع أو ظاهر. قوله: "وقيل: يتعذر" أي: ذهب بعضهم إلى أن الإجماع ليس محالا, ولكنه يتعذر الوقوف عليه؛ لأن الوقوف عليه إنما يمكن بعد معرفة أعيانهم, ومعرفة ما غلب على

стр. 324

ظنهم ومعرفة اجتماعهم عليه في وقت واحد, والوقوف على الثلاثة معتذر. أما الأول فلانتشارهم شرقا وغربا, ولجواز خفاء واحد منهم بأن يكون أسيرا أو محبوسا أو مطمورا أو منقطعا في جبل؛ ولأنه يجوز أن يكون فيهم من هو خامل الذكر لا يعرف أنه من المجتهدين, وأما الثاني فلاحتمال أن بعضهم يكذب فيفتي على خلاف اعتقاده؛ خوفا من سلطان جائر أو مجتهد ذي منصب أفتى بخلافه، وأما الثالث فلاحتمال رجوع أحدهم قبل فتوى الآخر. ولأجل هذه الاحتمالات قال الإمام أحمد ﵁: من ادعى الإجماع فهو كاذب. وأجاب المصنف ﵀ بأن الوقوف عليه يتعذر في أيام الصحابة -رضوان الله عليهم- فإنهم كانوا قليلين محصورين ومجتمعين في الحجاز، ومن خرج منهم بعد فتح البلاد وكان معروفا في موضعه، وهذا الجواب ذكره الإمام فقال: والإنصاف أنه لا طريق لنا إلى معرفته إلا في زمان الصحابة، وعلل بما قلناه. نعم ولو فرضنا حصول الإجماع من غير الصحابة، فالأصح عند الإمام والآمدي وغيرهما أنه يكون حجة, وقال أهل الظاهر: لا يحتج إلا بإجماع الصحابة وهو رواية لأحمد. قال: "الثانية: أنه حجة خلافا للنظام والشيعة والخوارج, لنا وجوه: الأول: أنه تعالى جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد, حيث قال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥] الآية فيكون محرما فيجب اتباع سبيلهم, إذ لا مخرج عنهما. قيل: رتب الوعيد على الكل قلنا: بل على كل واحد وإلا لما ذكر المخالفة قيل: الشرط في المعطوف عليه شرط في المعطوف, قلنا: لا وإن سلم لم يضر؛ لأن الهدى دليل التوحيد والنبوة قيل: لا يوجب تحريم كل ما غاير قلنا: يقتضي لجواز الاستثناء، قيل: السبيل دليل المجمعين قلنا: حمله على الإجماع أولى لعمومه قيل: يجب اتباعهم فيما ساروا به مؤمنين قلنا: حينئذ تكون المخالفة المشاقة قيل: يترك الاتباع رأسا، قلنا: الترك غير سبيلهم, قيل: لا يجب اتباعهم في فعل المباح قلنا: كاتباع الرسول ﵊ قيل: المجمعون أثبتوا بالدليل قلنا: خص النص فيه قيل: كل المؤمنين الموجودين إلى يوم القيامة قلنا: بل في كل عصر؛ لأن المقصود العمل ولا عمل في القيامة". أقول: ذهب الجمهور إلى أن الإجماع حجة يجب العمل به, خلافا للنظام والشيعة والخوارج, فإنه وإن نقل عنهم ما يقتضي الموافقة لكنهم عند التحقيق مخالفون. أما النظام فإنه لم يفسر الإجماع باتفاق المجتهدين كما قلنا, بل قال كما نقله عنه الآمدي: إن الإجماع هو كل قول يحتج به. وأما الشيعة فإنهم يقولون: إن الإجماع حجة لا لكونه إجماعا بل لاشتماله على قول الإمام المعصوم وقوله: بانفراده عندهم حجة كما سيأتي في كلام المصنف. وأما الخوارج فقالوا كما نقله القرافي في الملخص: إن إجماع الصحابة حجة قبل حدوث الفرقة, وأما بعدها فقالوا: الحجة في إجماع طائفتهم لا غير؛ لأن العبرة بقول المؤمنين ولا مؤمن عندهم إلا من كان على مذهبهم. وكلام المصنف تبعا للإمام يقتضي أن النظام يسلم إمكان الإجماع

стр. 325

وإنما يخالف في حجيته, والمذكور في الأوسط لابن برهان ومختصر ابن الحاجب وغيرهما أنه يقول باستحالته. قوله: "لنا" أي: الدليل على كونه حجة من ثلاثة أوجه, الأول وقد تمسك به الشافعي في الرسالة: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] ووجه الدلالة أن الله تعالى جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد حيث قال: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ فيلزم أنيكون اتباع غير سبيل المؤمنين محرما؛ لأنه لو لم يكن حراما لما جمع بينه وبين المحرم الذي هو المشاقة في الوعيد, فإنه لا يحسن الجمع بين حرام وحلال في وعيد بأن تقول مثلا: إن زنيت وشربت الماء عاقبتك، وإذا حرم اتباع غير سبيلهم وجب اتباع سبيلهم؛ لأنه لا مخرج عنهما أي: لا واسطة بينهما، ويلزم من وجوب اتباع سبيلهم كون الإجماع حجة؛ لأن سبيل الشخص هو ما يختاره من القول أو الفعل أو الاعتقاد. قوله: "قيل: رتب الوعيد ... إلخ" أي: اعترض الخصم بتسعة أوجه, أحدها: أن الله تعالى رتب الوعيد على الكل أي: على المجموع المركب من المشاقة, واتباع غير سبيل المؤمنين, فيكون المجموع هو المحرم، ولا يلزم من تحريم المجموع تحريم كل واحد من أجزائه كتحريم الأختين. والجواب: أنا لا نسلم أنه رتب الوعيد على الكل بل على كل واحد, إذ لو لم يكن مرتبا على كل واحد لكان ذكر مخالفة المؤمنين يعني: اتباع غير سبيلهم لغوا لا فائدة له؛ لأن المشاقة مستقلة في ترتب الوعيد وكلام الله يصان عن اللغو، وهذا الجواب ليس في المحصول، ولا في الحاصل وهو أولى مما قالاه. الثاني: سلمنا أن الوعيد مرتب على كل واحد منهما, لكن لانسلم تحريم اتباع غير سبيلهم مطلقا بل بشرط تبين الهدى، فإن تبين الهدى شرط في المعطوف عليه، لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ والشرط في المعطوف عليه شرط في المعطوف؛ لكونه في حكمه، والهدى عام لاقترانه بال فيكون حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين متوقفة على تبين جميع أنواع الهدى، ومن جملة أنواع الهدى دليل الحكم الذي أجمعوا عليه وإذا تبين استغني به عن الإجماع، فلا يبقى للتمسك بالإجماع فائدة. وأجاب المصنف ﵀ بوجهين أحدهما: لا نسلم أن كل ما كان شرطا في المعطوف عليه يكون شرطا في المعطوف, بل العطف إنما يقتضي التشريك في مقتضى العامل إعرابا ومدلولا كما تقدم غير مرة. الثاني: سلمنا أن الشرط في المعطوف عليه شرط في المعطوف لكن لا يضرنا ذلك, فإنه لا نزاع في أن الهدى المشروط في تحريم المشاقة إنما هو دليل التوحيد والنبوة لا أدلة الأحكام الفرعية، فيكون هذا الهدى شرطا في اتباع غير سبيل المؤمنين, ونحن نسلمه. الاعتراض الثالث: سلمنا أن قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يوجب تحريم المخالفة، لكن لفظ ﴿غَيْرَ﴾ و ﴿سَبِيلِ﴾ مفردان, والمفرد لا عموم له فلا يوجب ذلك تحريم كل ما غاير سبيلهم، بل يصدق

стр. 326

بصورة وهو الكفر ونحوه مما لا خلاف فيه. والجواب: أنه يقتضي العموم لما فيه من الإضافة ويدل عليه أنه يصح الاستثناء منه فيقال: إلا سبيل كذا والاستثناء معيار العموم. واعلم أن إضافة ﴿غَيْرَ﴾ ليست للتعريف على المشهور, وفي التعميم بمثلها نظر يحتاج إلى تأمل، فقد يقال: إن هذه الإضافة لا تقتضيه، ويكون العموم تابعا للتعريف كما كان الإطلاق تابعا للتنكير، وكما لو زيدت لام التعريف في الجمع من الجموع, فإنها لا تقتضي التعميم لعدم التعريف. الرابع: لا نسلم أن السبيل هو قول أهل الإجماع بل دليل الإجماع، وبيانه: أن السبيل لغة هو الطريق الذي يمشى فيه, وقد تعذرت إرادته هنا فتعين الحمل على المجاز، وهو إما قول أهل الإجماع, أو الدليل الذي لأجله أجمعوا، والثاني أولى لقدم العلاقة بينه وبين الطريق، وهو كون كل واحد منهما موصلا إلى المقصد. وأجاب المصنف بأن السبيل أيضا يطلق على الإجماع؛ لأن أهل اللغة يطلقونه على ما يختاره الإنسان لنفسه من قول أو فعل, ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وإذا كان كذلك فحمله على الإجماع أولى لعموم فائدته, فإن الإجماع يعمل به المجتهد والمقلد، وأما الدليل فلا يعمل به سوى المجتهد، وهذا الجواب ذكره صاحب الحاصل فتبعه المصنف، وهو أحسن مما قاله الإمام. وفي كثير من النسخ التي اعتمد عليها جمع من الشارحين, جواب غير هذا وهو أنه يلزم منه أن تكون مخالفة سبيل المؤمنين هي المشاقة؛ لأن دليل الإجماع هو الكتاب والسنة, وهذا الجواب سيأتي في كلام المصنف جوابا عن سؤال آخر, لكن على تقدير آخر, فسقط ذلك السؤال مع جواب السؤال الذي نحن الآن فيه. الخامس: لا نسلم أنه يجب اتباع سبيل المؤمنين في كل شيء, بل في السبيل الذي صاروا به مؤمنين، ويدل عليه أن الآية الكريمة نزلت في رجل ارتدّ ولأنه إذا قيل: لا تتبع غير سبيل الصالحين فهم منه المنع من ترك الأسباب التي بها صاروا صالحين دون غيرها، كالأكل والشرب، وأجاب المصنف بأنه يلزم حينئذ أن تكون مخالفة سبيل المؤمنين هي المشاقة فإنه لا معنى لمشاقة الرسول ﵊ إلا ترك الإيمان، وسمي بذلك لأنه في شق أي: في جانب، والرسول ﷺ في جانب آخر. فلو حمل على هذا للزم التكرار. السادس: سلمنا تحريم اتباع غير سبيل المؤمنين, لكن لا نسلم وجوب اتباع سبيلهم، وقولهم: إنه لا مخرج عنها ممنوع, فإن بينهما واسطة وهي أن يترك الاتباع أصلا ورأسا، فلا يتبع سبيل المؤمنين ولا سبيل غيرهم، والجواب: أن ترك الاتباع بالكلية غير سبيلهم أيضا فمن اختاره لنفسه قفد اتبع غير سبيلهم، وهذا الجواب لم يذكره الإمام ولا صاحب الحاصل وفيه نظر؛ فإن اتباع الغير هو إثباته بمثل فعله لكونه أتى به, فمن ترك اتباع سبيل المؤمنين لأجل أن غير المؤمنين تركوه كان متبعا غير سبيل المؤمنين, وأما عن تركه لعدم الدليل على اتباع المؤمنين فلا يكون متبعا لأحد، وحينئذ فلا يدخل تحت الوعيد، وأجاب الإمام بجواب آخر وهو

стр. 327

أن قول القائل: لا تتبع غير سبيل الصالحين لا يفهم منه في العرف سوى الأمر باتباع سبيل الصالحين حتى لو قال: لا تتبع غير سبيلهم ولا تتبع سبيلهم أيضا, لكان ركيكا, نعلم لو أخر لفظة الغير فقال: لا تتبع سبيل غير الصالحين, فإنه لا يفهم منه الأمر باتباع سبيلهم؛ ولهذا يصح النهي عنه أيضا. السابع: سلمنا وجوب الاتباع, لكنه لا يجب في كل الأمور؛ لأنهم لو أجمعوا على فعل مباح لا يجب متابعتهم على فعله, وإلا لكان المباح واجبا وإذا لم يجب اتباعهم في الكل لم يلزم اتباعهم فيما أجمعوا عليه؛ لجواز أن يكون المراد هو الإيمان أو غيره مما اتفقنا عليه. وأجاب المصنف بقوله: قلنا: كاتباع الرسول ﵊ ولم يذكره الإمام ولا صاحب الحاصل وتقريره من وجهين, أحدهما: أن اتباعهم في المباح أيضا واجب, ومعنى وجوبه هو ما قلناه في وجوب اتباع النبي ﷺ في المباح، وهو اعتقاد إباحته وأن يفعله على جهة الإباحة لا على جهة أخرى. الثاني: أن قيام الدليل على وجوب اتباعهم في كل الأمور كقيام الدليل على وجوب اتباع النبي ﷺ فيها, فكما أن المباح قد أخرج من عموم التأسي لدليل ولم يقدح في الدلالة على الباقي, فكذلك الأول. والثامن: لا نسلم أيضا أن المتابعة تجب في كل الأمور؛ وذلك لأن المجتمعين إنما أثبتوا الحكم المجمع عليه بالدليل لا بإجماعهم، لما ستعرفه من أن الإجماع موقوف على الدليل، وحينئذ فنقول: إن وجب علينا إثبات ذلك الحكم بإجماعهم لا بالدليل, كان ذلك اتباعا لغير سبيلهم وهو لا يجوز، وإن وجب إثباته بالدليل لم يكن الإجماع بنفسه دليلا مستقلا وهو خلاف المدعي، وأيضا فإنكم لا تقولون بوجوب إثباته بالدليل، وأجاب المصنف بأن اتباعهم واجب في كل شيء إلا ما خص بدليل، وهذه الصورة قد خصت بالاتفاق؛ لأن الحكم قد ثبت بإجماعهم، وإذا ثبت فلا يحتاج في إثباته إلى دليل آخر. التاسع: سلمنا ما قلتم, لكن الآية تدل على وجوب اتباع سبيل كل المؤمنين؛ لأن لفظ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ جمع محلى بالألف واللام, فيفيد العموم وكل المؤمنين هم الموجودون إلى يوم القيامة، فلا يكون إجماع أهل العصر الواحد حجة لكونهم بعض الأمة. وأجاب المصنف بأن المراد بالمؤمنين هم الموجودون في كل عصر, فإن الله تعالى لما علق العقاب على مخالفتهم زجرا عنها وترغيبا في الأخذ بقولهم, علمنا أن المقصود هو العمل, فانتفى أن يكون المراد جميع المؤمنين الموجودين إلى يوم القيامة؛ لأنه لا عمل في يوم القيامة. قال: "الثاني: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] عدلهم فتجب عصمتهم عن الخطأ قولا وفعلا, كبيرة وصغيرة, بخلاف تعديلنا قيل: العدالة فعل العبد والوسط فعل الله تعالى. قلنا: فعل العبد فعل الله تعالى على مذهبنا قيل: عدول وقت أداء الشهادة. قلنا: حينئذ لا مزية لهم فإن الكل يكونون كذلك. الثالث: قال النبي ﷺ : "لا تجتمع أمتي على خطأ" ونظائره, فإنها وإن لم تتواتر آحادها لكن المشترك بينها متواتر, والشيعة عدلوا عليه لاشتماله على قول الإمام المعصوم". أقول: الدليل الثاني على أن

стр. 328

الإجماع حجة قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وتقريره أن الله تعالى عدل هذه الأمة؛ لأنه تعالى جعلهم وسطا وقد قال الجوهري: والوسط من كل شيء أعدله، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: عدولا هذا لفظه, ولأنه تعالى علل ذلك بكونهم شهداء والشاهد لا بد وأن يكون عدلا. وهذا التعديل الحاصل للأمة وإن لزم منه تعديل كل فرد منها بالضرورة لكون نفيه عن واحد مستلزما لنفيه عن المجموع, لكنه ليس المراد تعديلهم فيما ينفرد به كل واحد منهم؛ لأنا نسلم بالضرورة خلافه فتعين تعديلهم فيما يجتمعون عليه, وحينئذ فتجب عصمتهم عن الخطأ قولا وفعلا, صغيرة وكبيرة؛ لأن الله تعالى يعلم السر والعلانية، فلا يعدلهم من ارتكابهم بعض المعاصي، بخلاف تعديلنا فإنه قد لا يكون كذلك لعدم اطلاعنا عن الباطن. واعترض الخصم بوجهين أحدهما: أن العدالة فعل العبد؛ لأنها عبارة عن أداء الواجبات واجتناب المنهيات, والوسط فعل الله تعالى لقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] فيكون الوسط غير العدالة, فلا يكون جعلهم وسطا عبارة عن تعديلهم, وكيف والمعدل لا يجعل الرجل عدلا ولكن يخبر عن عدالته، وجوابه أن فعل العبد من أفعال الله تعالى على مذهب أهل الحق لما تقرر في علم الكلام أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. الثاني: سلمنا أن الله تعالى عدلهم, لكن تعديلهم ليشهدوا على الناس يوم القيامة بأن الأنبياء بلغوهم الرسالة, وعدالة الشهود إنما تعتبر وقت أداء الشهادة لا قبلها, فتكون الأمة عدولا في الآخرة لا في الدنيا ونحن نسلمه, والجواب أن سياق الآية يدل على تخصيص هذه الأمة بالتعديل وتفضيلهم على غيرها، فيتعين حمله على الدنيا؛ لأنا لو حملناه على الآخرة لم يكن لهم مزية لأن كل الأمم إذ ذاك عدول، وفي الجواب نظر لأن الله تعالى قد أخبر عن بعض أهل الموقف بإنكار المعاصي وإنكار التبليغ إليهم, بل الجواب أن يقول: العدالة لا تتحقق إلا مع التكليف، ولا تكليف في الدار الآخرة, ويؤيده قوله تعالى: ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ ولم يقل: سنجعلكم. نعم لقائل أن يقول: إن الآية لا تدل على المدعي؛ لأن العدالة لا تنافي صدور الباطل غلطا ونسيانا، سلمنا أن كل ما أجمعوا عليه حق لكن لا يلزم المجتهد أن يتبع كل ما كان حقا في نفسه بدليل أن المجتهد لا يتبع مجتهدا آخر وإن قلنا: كل مجتهد مصيب. قوله: "الثالث" أي: الدليل الثالث على أن الإجماع حجة: قوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على الخطأ" ونظيره من الأحاديث كقوله: "لا تجتمع أمتي على الضلالة" ١ وكقوله: "سألت الله تعالى أن لا تجتمع أمتي على الضلالة, فأعطانيها" ٢ وكقوله: "لم يكن الله ليجمع أمتي على ضلال" وروي: "ولا على خطأ" وكقوله: "يد الله مع الجماعة" ٣ إلى غير ذلك, فإن هذه الأحاديث وإن لم

стр. 329

يتواتر كل واحد منهما, لكن القدر المشترك بينهما وهو عصمة الأمة متواتر لوجوده في هذه الأخبار الكثيرة. وهذا الدليل ساقط في كثير من النسخ، وادعى الآمدي أنه أقرب الطرق في إثبات كونه حجة قاطعة، وقال ابن الحاجب: الاستدلال به حسن, وضعفه الإمام فقال: دعوى التواتر المعنوي بعيد؛ لأنا لا نسلم أن مجموع هذه الأخبار بلغ حد التواتر فما الدليل عليه؟ وبتقديره فهو إنما يفيد الظهور؛ لأن القدر المشترك الثابت بالقطع إنما هو الثناء على الأمة, ولم يلزم منه امتناع الخطأ عليهم, فإن التصريح بامتناعه لم يرد في كل الأحاديث، وقد تلخص أن الأدلة التي قالها المصنف إنما يحسن الاستدلال بها إذا قلنا: إن الإجماع ظني كما صححه الإمام وأتباعه، واقتضاه كلام الآمدي, ولكن الأكثرون على أنه قطعي. قوله: "والشيعة عوَّلوا عليه" يعني: أن الشيعة ذهبوا إلى أنه يجب أن يكون في كل زمان إمام يأمر الناس بالطاعات ويردعهم عن المعاصي, وذلك الإمام لا بد أن يكون معصوما وإلا لافتقر إلى إمام آخر ولزم التسلسل، وإذا كان الإمام معصوما كان الإجماع حجة لاشتماله على قوله؛ لأنه رأس الأمة ورئيسها لا لكونه إجماعا, وجوابه: أن ذلك مبني على وجوب مراعاة المصالح سلمنا لكن الردع إنما يحصل بنصب إمام ظاهر قاهر, وهم يجوزون أن يكون خفيا خاملا ويجوزون عليه الكذب أيضا خوفا وتقية, وذلك كله ينافي المطلوب وهذه المسألة محلها علم الكلام؛ فلذلك لم يشتغل المصنف بالجواب عنها. قال: "الثالثة: قال مالك ﵁: إجماع أهل المدينة حجة؛ لقوله ﵊: "إن المدينة لتنفي خبثها" ١ وهو ضعيف. الرابعة: قال الشيعة: إجماع العترة حجة لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] وهم: علي وفاطمة وابناهما رضوان الله عليهم؛ لأنها لما نزلت لف ﵊ عليهم كساء وقال: "هؤلاء أهل بيتي" ٢ ولقوله ﵊: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله, وعترتي" ٣. أقول: ذهب الإمام مالك إلى أن إجماع أهل المدينة حجة أي: إذا كانوا من الصحابة أو التابعين دون غيرهم, كما نبه عليه ابن الحاجب، قال: واختلفوا في المراد من كونه حجة؛ فمنهم من قال: المراد أن روايتهم راجحة على رواية غيرهم؛ لكونهم أخبر بأحوال الرسول ﷺ ومنهم من قال: المراد أن إجماعهم حجة في المنقولات المشتهرة خاصة، كالأذان والإقامة والصاع والمدّ دون غيرها، ورجحه القرافي في تنقيحه قال: والصحيح التعميم في هذا وفي غيره؛ لأن العادة تقضي بأن

стр. 330

مثل هؤلاء لا يجتمعون إلا على دليل راجح, واستدل عليه الإمام وأتباعه بقوله ﵊: "إن المدينة لتنفي خبثها" "ووجه الاستدلال" أن الحديث قد دل على انتفاء الخبث عن المدينة والخطأ خبث, فيجب أن يكون منفيا عن أهلها فإنه لو كان في أهلها لكان فيها، وإذا انتفى عنهم الخطأ كان إجماعهم حجة. قوله: "وهو ضعيف" أي: الاستدلال بالحديث لا الحديث نفسه, فإنه ثابت في الصحيحين وإن كان بغير هذا اللفظ, وأقرب لفظ إليه ما رواه البخاري: "إنما المدينة كالكير, تنفي خبثها وينصع طيبها" وقد ضعف ابن الحاجب الاستدلال بهذا الحديث أيضا ولم يبين ما ضعفه, ووجهه أن الحمل على الخطأ متعذر لمشاهدة وقوعه من أهلها. قال إمام الحرمين: ولو اطلع مطلع على ما يجري بين لابتيها من المخازي لقضى العجب، وأيضا فلا نسلم أن الخطأ خبث لأن الخطأ معفو عنه والخبث منهي عنه, ومنه قوله ﵊: "الكلب خبيث, وخبيث ثمنه" وكقوله: "مهر البغي خبيث" ونحوه, فيكون أحدهما غير الآخر. وقد انتصر في المحصول لمالك وقوى هذا الدليل وقال: إن مذهبه فيه ليس ببعيد، وذهب بعضهم كما حكاه الآمدي وغيره إلى أن إجماع أهل الحرمين مكة والمدينة, والمصرين البصرة والكوفة حجة على غيرهم, وقيل: بل إجماع الكوفة والبصرة فقط حكاه الشيخ أبو إسحاق في اللمع، وقيل: إجماع الكوفة وحدها كما نقل حكاية عن ابن حزم، وقيل: إجماع الكوفة وحدها أو البصرة وحدها كما نقله بعض شراح المحصول. المسألة الرابعة: ذهبت الشيعة كالإمامية والزيدية إلى أن إجماع العترة حجة وأرادوا بالعترة عليا وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين وهي بالتاء المثناة واحتجوا بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ووجه الاستدلال أن الله تعالى أخبر عن نفي الرجس عن أهل البيت والخطأ رجس، فيكون منفيا عنهم، وإذا كان الخطأ منفيا عنهم كان إجماعهم حجة، وأهل البيت هم: علي وفاطمة وابناهما ﵃ لأن النبي ﷺ لف عليهم كساء لما نزلت هذه الآية وقال: "هؤلاء أهل بيتي" وأيضا فقد نقله ابن عطية في تفسيره١ عن الجمهور. وأما السنة فقوله ﵊: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله, وعترتي" فإنه كما دل على أن الكتاب حجة, دل على أن قول العترة حجة, ولم يشتغل المصنف بالجواب عما ذكروه، فنقول: الجواب عن الآية أنا لا نسلم انتفاء الرجس في الدنيا لجواز أن يكون المراد به نفي العذاب في الآخرة, سلمنا لكن لا نسلم أن الخطأ رجس, سلمنا لكن المراد بأهل البيت هؤلاء مع أزواج النبي ﷺ فإن ما قبل الآية وما

стр. 331

بعدها يدل عليه. وأما ما قبلها فقوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٢] إلى قوله: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وأما ما بعدها فقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ الآية, وحينئذ فليس في الآية دليل على أن إجماع العترة وحدهم حجة. والجواب عن الحديث ما قاله في المحصول: إنه من باب الآحاد والعمل بها عندهم ممتنع. قال: "الخامسة: قال القاضي أبو حازم: إجماع الخلفاء الأربعة حجة؛ لقوله ﵊: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" ١ وقيل: إجماع الشيخين لقوله ﷺ : " اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" ٢ والسادسة: يستدل بالإجماع فيما لا يتوقف عليه كحدوث العالم ووحدة الصانع لا كإثباته". أقول: ذهب القاضي أبو حازم والإمام أحمد كما نقله عنه ابن الحاجب إلى أن إجماع الخلفاء الأربعة, يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ﵃ حجة مع خلاف غيرهم؛ لقوله ﵊: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي, عضوا عليها بالنواجذ" رواه أبو داود وكذا الترمذي وصححه هو والحاكم وقال: إنه على شرط الشيخين, لكن الرواية: "فعليكم" وهو من جملة حديث طويل. ووجه الدلالة أنه ﷺ أمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين كما أمر باتباع سنته, والخلفاء الراشدون هم الخلفاء الأربعة المذكورون لقوله ﵊: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة, ثم تصير ملكا عضوضا " ٣ وكانت مدة خلافتهم ثلاثين سنة, فثبت المدعي وأبو خازم -بالخاء المعجمة والزاي- من الحنفية, تولى القضاء في خلافة المعتضد, ولأجل مذهبه لم يعتد بخلاف زيد في توريث ذوي الأرحام وحكم برد أموال حصلت في بيت المعتضد وقبل المعتضد فتياه, وأنفذ قضاءه, وكتب إلى الآفاق وذهب بعضهم إلى أن إجماع الشيخين أبي بكر وعمر حجة؛ لقوله ﵊: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" رواه الترمذي وقال: حديث حسن. والجواب عن الحديثين أن المراد منهما بيان أهليتهم لاتباع المقلدين لهم لا أن إجماعهم حجة، وبأنهما معارضان بنحو قوله ﵊: "خذوا شطر دينكم عن الحميراء" ٤ يعني عائشة ﵂ مع أن قولها ليس بحجة. المسألة السادسة: في بيان ما يثبت بالإجماع وما لا يثبت به، فنقول: كل شيء لا يتوقف العلم بكون الإجماع حجة على العلم به, يجوز أن

стр. 332

يستدل عليه بالإجماع, سواء كان عقليا أو شرعيا أو لغويا أو دنيويا، وفي العقلي والدنيوي خلاف، وكل شيء يتوقف العلم بكون الإجماع حجة على العلم به لا يصح أن يستدل عليه بالإجماع, فعلى هذا يستدل بالإجماع على حدوث العالم، وعلى كون الصانع واحدا؛ لأن العلم بكون الإجماع حجة لا يتوقف على العلم بهما؛ وذلك لأنا قبل العلم بهما يمكننا أن نعلم أن الإجماع حجة, بأن نعلم إثبات الصانع بإمكان العالم، وبحدوث الأعراض، ثم نعلم بإثبات الصانع صحة النبوة، ثم نعلم بصحة النبوة كون الإجماع حجة, ثم نعلم بالإجماع حدوث العالم ووحدة الصانع. قوله: "لا كإثباته" أي: لا يستدل بالإجماع على إثبات الصانع ولا على كونه متكلما ولا على إثبات النبوة, فإن العلم بكون الإجماع حجة مستفاد من الكتب والسنة, وصحة الاستدلال بهما موقوفة على وجود الصانع وعلى كونه متكلما وعلى النبوة، فلو أثبتنا هذه الأشياء بالإجماع لزم الدور؛ لأن ثبوت المدلول متوقف على ثبوت الدليل، ولقائل أن يقول: ثبوت الإجماع متوقف على العلم بوحدة الصانع بخلاف ما ذكره المصنف؛ لأن كون الإجماع حجة متوقف على وجوه المجمعين الذين هم من أمة محمد ﷺ ، ولا يصير الشخص منهم إلا بعد اعترافه بالشهادتين، وقال الشيخ أبو إسحاق في اللمع: إنه لا يعتد بالإجماع في حدوث العالم أيضا.

стр. 333

الباب الثاني: في أنواع الإجماع قال: "الباب الثاني: في أنواع الإجماع وفيه مسائل: الأولى: إذا اختلفوا على قولين فهل لمن بعدهم إحداث قول ثالث؟ والحق أن الثالث إن لم يرفع مجمعا عليه جاز وإلا فلا, مثاله ما قيل في الجد مع الأخ: الميراث للجد وقيل: لهما فلا سبيل إلى حرمانه قيل: اتفقوا على عدم الثالث. قلنا: كان مشروطا بقدمه فزال بزواله قيل: وارد على الوجداني قلنا: لم يعتبر فيه إجماعا قبل إظهاره يستلزم تخطئة الأولين. وأجيب بأن المحذور هو التخطئة في واحد وفيه نظر". أقول: إذا تكلم المجتهدون جميعهم في مسألة واختلفوا فيها على قولين فهل لمن يأتي بعدهم من المجتهدين إحداث قول ثالث في تلك المسألة؟ فيه ثلاثة مذاهب كما أشار إليه المصنف, فالأكثرون على ما قاله الإمام, والآمدي منعه مطلقا, وجزم به في المعالم وأهل الظاهر جوزوه مطلقا, والحق عند الإمام وأتباعه, واختاره الآمدي وابن الحاجب أن الثالث إن لم يرفع شيئا مما أجمع عليه القائلان الأولان، وجاز "أحدثه" لأنه لا محذور فيه وإن رفعه, فلا يجوز لامتناع مخالفة الإجماع. مثال الأول: اختلافهم في جواز أكل المذبوح بلا تسمية فقال بعضهم: يحل مطلقا سواء كان الترك عمدا أو سهوا, وقال بعضهم: لا يحل مطلقا, فالتفصيل بين العمد والسهو ليس رافعا لشيء, وأجمع عليه القائلان الأولان بل هو موافق كل قسم منه لقائل، وأما الثاني فمثل له المصنف تبعا للإمام بالجد مع الإخوة فإن الأئمة اختلفوا فيه فقال بعضهم: المال كله للجد، وقال بعضهم: المال بينهما, فقد اتفق القولان على أن للجد شيئا من المال, فالقول بحرمانه وإعطاء المال كله للأخ قول ثالث رافع لما أجمع عليه الأولان فلا

стр. 334

يجوز، وهذا المثال فيه نظر، فإنه قد نقل عن ابن حزم في المحلى أنه حكى قولا: أن المال كله للأخ. قوله: "قيل: اتفقوا" أي: احتج المانعون مطلقا بوجهين أحدهما: أن أهل العصر الأول قد اتفقوا على عدم القول الثالث وعلى امتناع الأخذ به, فإنهم لما اختلفوا على قولين فقد أوجب كلا من الفريقين الأخذ إما بقوله أو بقول الآخر, وتجويز القول الثالث يرفع ذلك كله فكان باطلا. وأجاب المصنف بأن ذلك الاتفاق كان مشروطا بعدم القول الثالث, فإذا ظهر ذلك القول فقد زال الإجماع بزوال شرطه. واعترض الخصم على هذا الجواب فقال: لو صح ما ذكرتم لكان الإجماع على القول الواحد ليس بحجة؛ لأنه يمكن أن يقال فيه أيضا: وجوب الأخذ بالقول الذي أجمعوا عليه مشروط بعدم القول الثاني, فإذا وجد القول الثاني فقد زال ذلك الإجماع بزوال شرطه. وأجاب المصنف بأن هذا الاشتراط وإن كان ممكنا أيضا في الإجماع الوجداني أي: الإجماع على القول الواحد، لكنهم أجمعوا على عدم اعتباره فيه, فليس لنا أن نتحكم عليه بوجوب التسوية بين الإجماع الوجداني والإجماع على القولين. وهذا الجواب ذكره الإمام وأتباعه, واعترض عليه صاحب التلخيص بأن الاستدلال بإجماعهم على عدم اعتبار هذا الشرط إنما يعتبر بعد اعتبار الإجماع، فلو اعتبرنا الإجماع به للزم الدور. قوله: "قيل: إظهاره ... إلخ" هذا هو الاعتراض الثاني، وتقريره أن إظهار القول الثالث إنما يجوز إذا كان حقا؛ لأن الباطل لا يجوز القول به, والقول بكونه حقا يستلزم تخطئة الفريقين الأولين وتخطئتهما تخطئة لجميع الأمة وهو غير جائز. وأجاب المصنف بأن المحذور إنما هو تخطئتهم فيما أجمعوا فيه على قول واحد، وأما فيما اختلفوا فيه فلا؛ لأن غاية ذلك تخطئة بعضهم في أمر وتخطئة البعض الآخر في غير ذلك الأمر. قال المصنف: وفيه نظر، ولم ينبه على وجه النظر، وتوجيهه أن الأدلة المقتضية لعصمة الأمم عن الخطأ شاملة للصورتين والتخصيص لا دليل عليه، وهذا الجواب لم يذكره الإمام ولا مختصرو كلامه, بل أجابوا بأنا لا نسلم أن إظهار القول الثالث يستلزم تخطئة الفريقين الأولين، بناء على أن كل مجتهد مصيب، سلمنا أن المصيب واحد، لكن التمكن من إظهار الثالث لا يستلزم كونه حقا؛ لأنه يجوز للمجتهد أن يعمل بما ظنه حقا, وإن كان خطأ في نفس الأمر. وهذا الجواب فيه نظر؛ لإمكان جريانه في الإجماع الوجداني، وصورة هذه المسألة أن يتكلم المجتهدون جميعهم في المسألة، ويختلفوا فيها على قولين كما أشرنا إليه أولا، وصرح به الغزالي في المستصفى، وأما مجرد نقل القولين عن عصر من الأعصار فإنه لا يكون مانعا من إحداث الثالث؛ لأنا لا نعلم هل تكلم الجميع فيها أم لا؟ فافهمه ينحلّ به إشكالات أوردت على الشافعي في مسائل. قال: "الثانية: إذا لم يفصلوا بين مسألتين فهل لمن بعدهم الفصل؟ والحق: إن نصوا بعدم الفرق، أو اتحد الجامع كتوريث العمة والخالة, لم يجز لأنه رفع، فجمع عليه, وإلا جاز، وإلا يجب

стр. 335

على من ساعد مجتهدا في حكم مساعدته في جميع الأحكام. قيل: أجمعوا على الاتحاد قلنا: عين الدعوى. قيل: قال الثوري: الجماع ناسيا يفطر والأكل لا. قلنا: ليس بدليل". أقول: إذا لم يفصل المجتهدون بين مسألتين بل أجاب بعضهم فيها بالنفي وبعضهم بالإثبات, فهل لمن يأتي بعدهم من المجتهدين الفصل؟ فيه تفصيل سنذكره، وهذه المسألة قريبة في المعنى من التي قبلها, فإن التفصيل بينهما بعد إطلاق الفريقين إحداث لقول ثالث فيهما, ولأجل ذلك لم يفردها الآمدي ولا ابن الحاجب بل جعلاهما مسألة واحدة، وحكما عليها بالحكم السابق، ولكن الفرق بينهما أن هذه المسألة مفروضة فيما إذا كان محل الحكم متعددا، وأما تلك ففيما إذا كان متحدا. وحاصل التفصيل الذي في هذه المسألة أنهم إن نصوا على أنه لا فرق بين المسألتين فلا يجوز الفصل، وإليه أشار بقوله: إن نصوا بعدم الفرق وعداه بالباء لتضمنه معنى: صرحوا، وهذا القسم لا نزاع فيه؛ ولهذا جزم به الإمام في المحصول، وقال في الحاصل: إنه لا سبيل إلى الخلاف فيه, وكلام الكتاب والمنتخب يقتضي إجراء الخلاف فيه، والقول به غير ممكن. وأما إذا لم ينصوا على عدم الفرق, ففيه ثلاثة مذاهب أشار إليها المصنف، أحدها: الجواز مطلقا، والثاني: المنع مطلقا، والثالث وهو المرجح في المنتخب والحاصل واختاره المصنف: أنه إن اتحد الجامع بين المسألتين فلا يجوز، كتوريث العمة والخالة فإن علة توريثهما أو عدم توريثهما كونهما من ذوي الأرحام, وكل من ورث واحدة أو منعها قال في الأخرى كذلك, فصار ذلك بمثابة قولهم: لا تفصلوا بينهما، وإن لم يتحد الجامع بينهما فيجوز كما إذا قال بعضهم: لا زكاة في مال الصبي ولا في الحلي المباح، وقال بعضهم بالوجوب فيهما فيجوز الفصل، واستدل المصنف عليه بقوله: وإلا وجب، أي: لو لم يجز الفصل لكان كل من ساعد مجتهدا في حكم أي: وافقه عليه, يجب عليه أن يساعده في جميع الأحكام وهو باطل اتفاقا، ووجه الملازمة أن امتناع التفصيل يقتضي موجبا، لا موجب سوى موافقة بعض المجتهدين في حكم إحدى المسألتين، واستدل المانعون مطلقا بأن فتوى بعضهم بالتحليل فيهما وبعضهم بالتحريم فيهما، إجماع على اتحاد الحكم فلا يجوز خلافه، وأجاب المصنف بقوله: قلنا: عين الدعوى أي: لا نسلم أن عدم التفصيل إجماع على اتحاد الحكم, فإنه عين النزاع بل نتبرع ونقول: لا يدل عليه؛ لأن عدم القول بالتفصيل غير القول بعدم التفصيل، أو معناه أنه لا محذور في مخالفة هذا الإجماع، فإن الواقع منهم ليس هو التنصيص على الاتحاد بل الاتحاد في فتواهم، ونحن لا نسلم أنه يمنع من الفصل, فإن ذلك أوان المسألة، وهذا الثاني هو جواب المحصول ولم يجب عنه في المنتخب بشيء، واحتج المجوزون مطلقا بأن الناس اختلفوا في تعاطي المفطرات نسيانا، ثم إن الثوري فصل بينهما مع اتحادهما في العلة، فقال: الجماع ناسيا يفطر بخلاف الأكل ناسيا، وأجاب المصنف بأن مذهب

стр. 336

الثوري١ ليس بحجة حتى يجوز التمسك به، بل يجوز أن يكون هو من المخالفين في هذه المسألة، ولم يجب الإمام ولا أتباعه عن هذا وكأنهم تركوه لوضوحه. قال: "الثالثة: يجوز الاتفاق بعد الاختلاف خلافا للصيرفي. لنا الإجماع على الخلافة بعد الاختلاف، وله ما سبق. الرابعة: الاتفاق على أحد قولي الأولين، كالاتفاق على حرمة بيع أم الولد، والمتعة إجماع خلافا لبعض الفقهاء والمتكلمين، لنا أنه سبيل المؤمنين, قيل: فإن تنازعتم أوجب الرد إلى الله تعالى قلنا: زال الشرط قيل: "أصحابي كالنجوم, بأيهم اقتديتم اهتديتم" ٢ قلنا: الخطاب مع العوام الذين في عصره, قيل: اختلافهم إجماع على التخيير, قلنا: ممنوع". أقول: هل يجوز اتفاق أهل العصر على الحكم بعد اختلافهم فيه, ينبني على أن انقراض العصر أي: موت المجمعين هل هو شرط في اعتبار الاجماع؟ فيه خلاف يأتي؛ فإن قلنا باعتبار موتهم فلا إشكال في جواز اتفاقهم بعد الاختلاف. وإن قلنا: إن موتهم لا يعتبر ففي جواز اتفاقهم مذاهب, أحدها: أنه ممتنع ونقله في البرهان عن القاضي ونقله المصنف تبعا للإمام عن الصيرفي. والثاني: يجوز, واختاره الإمام وأتباعه وابن الحاجب. والثالث: إن لم يستقر الخلاف جاز وإلا فلا، وهذا التفصيل هو مختار إمام الحرمين, فإنه قال بعد حكاية القولين الأولين: والرأي الحق عندنا كذا وكذا، واختاره أيضا الآمدي، وإذا قلنا بالجواز ففي الاحتجاج به مذهبان، اختار ابن الحاجب أنه يحتج به ونقله في البرهان عن معظم الأصوليين, واستدلال المصنف يقتضيه. "قولنا" أي: الدليل على الجواز إجماع الصحابة على خلافة أبي بكر بعد اختلافهم فيها، ولك أن تقول: لا نسلم أن هذا الإجماع كان بعد استقرار الخلافة، وحينئذ فلا يطابق الدعوى؛ لأنهم أعم, سلمنا لكن الخلافة لا تتوقف على الإجماع، بل يجب الانتباه إليها بمجرد البيعة. قوله: "وله ما سبق" أي: وللصيرفي من الأدلة ما سبق في المسألة الأولى، وهو أن اختلاف الأمة على قولين إجماع على جواز الأخذ بكل منهما اجتهادا وتقليدا. فلو جاز الاتفاق بعد ذلك لكان يجب الأخذ بالقول الذي اتفقوا عليه، ويلزم من ذلك رفع الإجماع بالإجماع وهو باطل, وجوابه ما تقدم أيضا، وهو أن الإجماع على التغيير مشروط بعدم الاتفاق، فإذا اتفقوا فيزول بزوال شرطه. المسألة الرابعة: إذا اختلف أهل العصر على قولين ثم حدث بعدهم مجتهدون آخرون, فقال الإمام أحمد والأشعري وغيرهما: يستحيل اتفاقهم على أحد

стр. 337

قولين، واختاره الآمدي. والصحيح عند الإمام وابن الحاجب وغيرهما إمكانه، ومثل له المصنف تبعا لابن الحاجب باتفاق العلماء على تحريم بيع أم الولد, مع أن عليا وابن مسعود وجابر بن عبد الله وابن الزبير وابن عباس في رواية عنه وعمر بن عبد العزيز، كانوا يقولون بالجواز, وباتفاقهم أيضا على تحريم المتعة، يعني: تحريم نكاح المرأة إلى مدة, مع أن ابن عباس كان يفتي بالجواز، وفي المثالين نظر. وأما الأول فقال الآمدي: لا نسلم حصول الإجماع فيه؛ لأن الشيعة يقولون بالجواز, وأما الثاني فنقل الماوردي وغيره أن ابن عباس رجع فأفتى بالتحريم، فعلى هذا لا يكون مطابقا لهذه المسألة بل يكون مثالا للمسألة السابقة، وإذا قلنا بجواز الاتفاق بعد الاختلاف، فقال الإمام وأتباعه: يكون إجماعا محتجا به، واستدل عليه المصنف بأنه سبيل المؤمنين فيجب اتباعه لقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] الآية وقال بعض المتكلمين وبعض الفقهاء: لا أثر لهذا الإجماع، وهو مذهب الشافعي ﵁ كما قال الغزالي في المنخول وابن برهان في الأوسط، وقال في البرهان: إن ميل الشافعي إليه قال: ومن عباراته الرشيقة في ذلك قوله: إنها المذاهب لا تموت بموت أصحابها، ولم يرجع ابن الحاجب شيئا مع ترجيحه أن الاتفاق إذا صدر من المختلفين يكون حجة كما قلناه عنه في المسألة السابقة، وسببه أن تلك المسألة ليس لغير المجتمعين فيها قول يخالف المجتمعين بخلاف هذه، ومن ثمرة الخلاف في هذه المسألة تنفيذ قضاء من حكم بصحة بيع أم الولد وسقوط الحد عن الواطئ في نكاح المتعة، وأخبرني بعض من أثق به أن قاضي المدينة أخبره أن بالمدينة مكانا موقوفا على نكاح المتعة ومستحما موقوفا على الاغتسال من وطئها. قوله: "قيل ... إلخ" أي: استدل القائلون بأنه ليس بإجماع بثلاثة أوجه الأول: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] والنزاع قد حصل, فوجب رده إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله, لا إلى الإجماع. وأجاب الإمام بوجهين أحدهما: أن الرد إلى الإجماع رد إلى الله ورسوله. الثاني: أن وجوب الرد إلى الله ورسوله مشروط بالتنازع وقد زال التنازع في العصر الثاني, فيزول وجوب الرد، واقتصر المصنف على هذا وفيه نظر، فإن الشرط إنما هو وجود التنازع، وقد وجد حصول الاتفاق بعد ذلك، ولا ينافي حصوله كما إذا قال لعبده: إن خالفتني فأنت حر, فخالفه ثم وافقه. الدليل الثاني: قوله ﷺ : "أصحابي كالنجوم, بأيهم اقتديتم اهتديتم" دل الحديث على حصول الاهتداء بالاقتداء بقول كل واحد منهم, سواء حصل بعد ذلك اتفاق أم لا، فلو أوجبنا الأخذ بما اتفق عليه أهل العصر الثاني للزم التقييد بحالة عدم الاتفاق، وهو خلاف الظاهر، وجوابه أن الخطاب مع العوام أي: المقلدين دون المجتهدين؛ لأن المجتهد لا يقلد المجتهد، ولأن قول الصحابي بحجة كما سيأتي، وهؤلاء العوام الذين خُوطبوا هم الموجودون في عصر الصحابة خاصة؛ لأن خطاب المشافهة لا يتناول من يحدث بعدهم، وحينئذٍ

стр. 338

فلا يكون الخطاب متناولا لخواص أهل العصر الثاني، لما قلناه أولا, ولا لعوامهم لما قلناه ثانيا. وإذا لم يكونوا مخاطبين به لم تبق فيه دلالة على هذه المسألة؛ لأن الكلام في اتفاق العصر الثاني، وفي الجواب نظر؛ لأن خطاب المشافهة يعم بأدلة خارجية وإلا لم يكونوا مأمورين الآن وهو باطل. وأيضا فالمسألة باقية بحالها في العوام المخاطبين. وذلك فيما إذا بلغوا رتبة الاجتهاد واتفقوا بعد انقراض أولئك, ولأجل ما قلناه لم يذكر الإمام ولا صاحب الحاصل هذا الجواب، بل أجابا بتخصيص الحديث. الثالث: أن اختلاف أهل العصر الأول على قولين مثلا إجماع منهم على التخيير، أي: جواز الأخذ بكل منها, فلو كان الاتفاق على أحدهما إجماعا مانعا من الأخذ بخلافه للزم تعارض الإجماعين. وأجاب المصنف بقوله: قلنا: ممنوع أي لا نسلم أن اختلافهم إجماع على التغيير, فإن كل واحد من الفريقين يعتقد خطأ الآخر, أو معناه: لا نسلم أن هذا الإجماع الذي على التخيير يعارضه الإجماع الآخر, وإنما يلزم ذلك أن لو لم يكن الإجماع الأول مشروطا بعدم الإجماع الثاني وليس كذلك بل هو مشروط بعدمه. فإذا وجد زال الأول لزوال شرطه، وهذا الجواب هو المذكور في المحصول والحاصل، وقد وقع التصريح به في بعض النسخ فقال: قلنا: زال بزوال شرطه. قال: "الخامسة: إذا اختلفوا فماتت إحدى الطائفتين يصير قول الباقين حجة؛ لكونه قول كل الأمة. السادسة: إذا قال البعض وسكت الباقون, فليس بإجماع ولا حجة. وقال أبو علي: إجماع بعضهم، وقال ابنه: هو حجة. لنا أنه ربما سكت لتوقف أو خوف أو تصويب كل مجتهد قيل: يتمسك بالقول المنتشر ما لم يعرف له مخالف, وجوابه المنع وأنه إثبات الشيء بنفسه. فرع: قول البعض فيما تعم به البلوى, ولم يسمع خلافه, كقول البعض وسكوت الباقين". أقول: إذا اختلف أهل العصر على قولين ثم ماتت إحدى الطائفتين أو ارتدّت كما قاله في المحصول١, فإنه يصير قول الباقين حجة لكونه قول كل الأمة, وهذا هو الذي جزم به الإمام وأتباعه, وصرحوا بكونه إجماعا أيضا، وهو يؤخذ من تعليل المصنف. وذكر ابن الحاجب هذه المسألة في أثناء اتفاق أهل العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول، وحكى عن الأكثرين أنه لا يكون إجماعا، وذكر الآمدي نحوه أيضا. المسألة السادسة: إذا قال بعض المجتهدين قولا وعرف به الباقون, فسكتوا عنه ولم ينكروا عليه, ففيه مذاهب أصحها عند الإمام: أنه لا يكون إجماعا ولا حجة لما سيأتي، ثم قال هو والآمدي: إنه مذهب الشافعي، وقال في البرهان: إنه ظاهر مذهب الشافعي، وقال الغزالي في المنخول: نص عليه الشافعي في الحديث, والثاني وهو مذهب أبي علي الجبائي: أنه إجماع بعد انقراض عصرهم؛ لأن استمرارهم على السكوت إلى الموت يضعف الاحتمال. والثالث: قال أبو هاشم بن أبي علي: إنه

стр. 339

ليس بإجماع، لكنه حجة، وحكى في المحصول عن ابن أبي هريرة أنه إن كان القائل حاكما لم يكن إجماعا ولا حجة ولا فتعم. وحكى الآمدي عن الإمام أحمد وأكثر الحنفية أنه إجماع وحجة, واختار الآمدي أنه إجماع ظني يحتج به, وهو قريب من مذهب أبي هاشم، ووافقه ابن الحاجب في المختصر الكبير, وأما في المختصر الصغير فإنه جعل اختياره محصورا في أحد المذهبين، وهما القول بكونه إجماعا، والقول بكونه حجة، والذي ذكره الآمدي هنا محله قبل انقراض العصر, وأما بعد انقراضه فإنه يكون إجماعا على ما نبه عليه في مسألة انقراض العصر. واعلم أن الشافعي قد استدل على إثبات القياس وخبر الواحد بأن بعض الصحابة عمل به ولم يظهر من الباقين إنكار، فكان ذلك إجماعا. قال في المعالم: وهذا يناقض ما تقدم نقله عنه, وأجاب ابن التلمساني بأن السكوت الذي تمسك به الشافعي في القياس وخبر الواحد هو السكوت المتكرر في وقائع كثيرة, وهو ينفي جميع الاحتمالات الآتية. قوله: "لنا" أي: الدليل على أنه ليس بإجماع ولا حجة، أن السكوت يحتمل أن يكون لأجل التوقف في الحكم، إما لكونه لم يجتهد فيه، أو لكونه اجتهد فلم يظهر له شيء, ويحتمل أن يكون الخوف من القائل أو المقول له كقول ابن عباس وقد أظهر مخالفة عمر في العول بعد موته وكان رجلا مهيبا فهبته، ويحتمل أن يكون سكت عن الإنكار لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب، إلى غير ذلك من الاحتمالات, ولما احتمل السكوت هذه الوجوه لم يكن فيه دلالة على الرضا، وهو معنى قول الشافعي: لا ينسب إلى ساكت قول. قوله: "قيل: يتمسك" أي: احتج أبو هاشم على كونه حجة بأن العلماء لم يزالوا يتمسكون في كل عصر بالقول المنتشر بين الصحابة إذا لم يعرفوا له مخالفا, فدل على جواز الأخذ بقول البعض وسكوت الباقين. والجواب المنع، أي: لا نسلم أنهم كانوا يتمسكون به, فإن وقع منهم شيء فلعله وقع ممن يعتقد حجيته، أي على وجه الإلزام أو على وجه الاستئناس به، وأيضا فالاستدلال به إثبات للشيء بنفسه, فإن القول المنتشر مع عدم الإنكار هو قول البعض وسكوت الباقين. قوله: "فرع ... إلخ" اعلم أنه إذا قال بعض المجتهدين قولا ولم ينتشر ذلك القول بحيث يعلم أنه بلغ الجميع ولم يسمع من أحد ما يخالفه, فهل يكون كما إذا قال البعض وسكت الباقون عن إنكاره أم لا؟ اختلفوا فيه كما قاله في المحصول١ فمنهم من قال: يلحق به؛ لأن الظاهر وصوله إليهم، ومنهم من قال: لا يلحق به؛ لأنا لا نعلم هل بلغهم أم لا؟ واختاره الآمدي، ومنهم من قال: إن كان ذلك القول فيما تعم به البلوى بما تمس به الحاجة إليه كمس الذكر, فيكون كقول البعض وسكوت الباقين؛ لأن عموم البلوى يقتضي حصول التعلم به, وإن لم يكن كذلك فلا؛ لاحتمال الذهول عنه قال الإمام: وهذا التفصيل هو الحق؛ ولهذا جزم به في الكتاب.

стр. 340

الباب الثالث: في شرائطه قال: "الباب الثالث: في شرائطه وفيه مسائل: الأولى: أن يكون فيه قول كل على ذلك الفن، فإن قول غيرهم بلا دليل، فيكون خطأ، فلو خالف واحد لم يكن سبيل الكل. قال الخياط وابن جرير وأبو بكر الرازي: المؤمنون يصدق على الأكثر. قلنا: مجازا. قالوا: "عليكم بالسواد الأعظم" قلنا: يوجب عدم الالتفات إلى مخالفة الثلث". أقول: عقد المصنف هذا الباب لبيان ما يكون شرطا في الإجماع، وما لا يكون شرطا فيه مما يظن أنه شرط، وذكر فيه خمس مسائل, الأولى: أن الإجماع في كل فن من الفنون يشترط أن يكون فيه قول جميع علماء ذلك الفن في ذلك العصر, فلا عبرة بقول العوام ولا بقول علماء فن في غير فنهم؛ لأن قولهم فيه يكون بلا دليل؛ لكونهم غير عالمين بأدلته. والقول بلا دليل خطأ لا يعتد به، ومنهم من اعتبر قول الأصولي في الفقه إذا كان متمكنا من الاجتهاد فيه, واختاره الإمام ومنهم من عكس, ومنهم من قال: لا بد من موافقة العوام أيضا, واختاره الآمدي. قوله: "فلو خالفه" أي: يتفرع على اشتراط قول جميع المجتهدين: إنه إذا خالف واحد فلا يكون قول غيره إجماعا ولا حجة؛ لأن أدلة الإجماع كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لا تتناول ذلك؛ لأن قول البعض ليس هو سبيل الكل، وها هو اختيار الإمام والآمدي، وقال ابن الحاجب: إنه إذا ندر المخالف لا يكون إجماعا قطعيا. قال: لكن الظاهر أنه حجة؛ لأنه يبعد أن يكون الراجح من الأقلين وقال أبو الحسين الخياط ومحمد بن جرير الطبري وأبو بكر الرازي: ينعقد الإجماع مع مخالفة الواحد والاثنين كما نقله عنهم الإمام، وعبر المصنف عنه بالأكثر, واستدلوا بأمرين أحدهما: أن لفظ المؤمنين الوارد في قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] وفي غيره من الأدلة, يصدق على أكثر المؤمنين كما يقال للبقرة: إنها سوداء وإن كانت فيها شعرات بيض، وإذا صدق على الأكثر كان قولهم حجة؛ لأنه سبيل المؤمنين, وجوابه أن لفظ المؤمنين إنما يصدق على الأكثر مجازا, فإن الجمع المعرف بال حقيقة في الاستغراق؛ ولهذا يصح أن يقال: إنهم ليسوا كل المؤمنين. الثاني: قوله ﵊: "عليكم بالسواد الأعظم" ١ ووجه الدلالة أنه أمر باتباع السواد الأعظم والسواد الأعظم هم الأكثرون, فيكون قولهم حجة. وأجاب في المحصول بأن السواد الأعظم هم كل الأمة؛ لأن كل ما عدا الكل، فالكل أعظم منه، ولولا ما ذكرناه لكان نصف الأمة إذا زاد على النصف الآخر بواحد, يكون قولهم حجة وليس كذلك، وإليه أشار المصنف بقوله: مخالفة الثلث, وهو بضم الثاء أي: ثلث الأمة، ويحتمل أن تكون الثاء مفتوحة وأن يكون المراد الثلاثة التي هي اسم العدد، فإن الجماعة الذين نقل المصنف عنهم الخلاف في هذه المسألة، يسلمون أن

стр. 341

مخالفة الثلاثة قادحة كما اقتضاه كلام الإمام، ونقل الآمدي عن قوم أن العدد الأقل إن بلغ عدد التواتر قدح في الإجماع, وإلا فلا. قال: "الثانية: لا بد له من سند؛ لأن الفتوى بدون خطأ قيل: لو كان فهو الحجة قلنا: يكونان دليلين, قيل: صحّحوا بيع المراضاة بلا دليل, قلنا: لا, بل ترك اكتفاء بالإجماع". أقول: ذهب الجمهور إلى أن الإجماع لا بد له من شيء يستند إليه من نص أو قياس؛ لأن الفتوى بدون المستند خطأ؛ لكونه قولا في الدين بغير علم، والأمة معصومة عن الخطأ. ولقائل أن يقول: إنما يكون خطأ عند عدم الإجماع عليه, أما بعد الإجماع فلا؛ لأن الإجماع حق, وحكى الآمدي وغيره عن بعضهم أنه لا يشترط المستند, بل يجوز صدوره عند توفيق, بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب. ولما حكى الإمام هذا المذهب عبر عن التوفيق بالتبخيت تبعا لصاحب المعتمد وهو بالخاء المعجمة, وظن صاحب التحصيل أن المراد بالتبخيت هو الشبهة فصرح به وهو مردود فإنه غير مطابق للأدلة؛ ولأن الإمام قد نص في المسألة التي تلي هذه على جواز الإجماع عن الشبهة، واقتضى كلامه أن لا خلاف فيها, والمراد بالشبهة هو الدليل الظني كأخبار الآحاد والعمومات. قوله: "قيل: لو كان" أي: احتج الخصم بوجهين أحدهما: أن الإجماع لو كان له سند, لكان ذلك السند هو الحجة, وحينئذ فلا يكون للإجماع فائدة. وأجاب المصنف بأن الإجماع والسند يكونان دليلين, واجتماع الدليلين على الحكم جائز ومفيد، وأجاب ابن الحاجب أيضا بأن فائدته سقوط البحث عن الدليل، وحرمة المخالفة الجائزة قبل انعقاد الإجماع لكونه مقطوعا به, وبأن ما ذكروه يقتضي أن لا يجوز انعقاده عن دليل ولا قائل به. الوجه الثاني: أنه لو توقف الإجماع على السند لم يقع بدونه, لكنه قد وقع فإنهم أجمعوا على صحة بيع المراضاة بلا دليل, وجوابه: أنا لا نسلم أنهم أجمعوا عليه من غير دليل, فإن غاية ذلك أنهم لم ينقلوه اكتفاء بالإجماع فإنه أقوى, وعدم نقل الدليل لا يدل على عدمه. واعلم أن دعوى الإجماع على بيع المراضاة, ذكره أبو الحسين في المعتمد فقلده فيه الإمام ومن تبعه, فإن أرادوا به المعاطاة وهو الذي فسره به القرافي فهو باطل عند الشافعي، وإن أرادوا غيره فلا بد من بيانه وبيان انعقاد الإجماع فيه من غير سند. قال: "فرعان: الأول: يجوز الإجماع عن الأمارة؛ لأنها مبدأ الحكم قبل الإجماع على جواز مخالفتها, قلنا: قبل الإجماع، قيل: اختلف فيها قلنا: منقوض بالعموم، وخبر الواحد. الثاني: الموافق لحديث لا يجب أن يكون معه خلافا لأبي عبد الله البصري؛ لجواز اجتماع دليلين". أقول: إذا فرعنا على أن الإجماع لا بد له من سند فذلك السند يجوز أن يكون نصا, ويجوز أن يكون ظاهرا، وهل يجوز أن يكون أمارة يعني قياسا؟ فيه مذاهب حكاها الإمام, أصحها عنده وعند الآمدي وأتباعهما كابن الحاجب: أنه جائز وواقع واستدل عليه الآمدي وابن الحاجب بإجماعهم على تحريم شحم الخنزير قياسا على لحمه, وعلى إراقة الشيرج ونحوه إذا ماتت فيه الفأرة، قياسا على السمن، وعلى

стр. 342

إمامة أبي بكر قياسا على تقديمه في الصلاة. والثاني: أنه جائز ولكنه غير واقع. والثالث: إن كان القياس جليا جاز وإلا فلا. والرابع: ممتنع مطلقا, واقتصر المصنف على ذكر الخلاف في الجواز واختاره أنه يجوز مطلقا, واستدل عليه بأن الأمارة مبدأ الحكم الشرعي, أي: طريق إليه فجاز أن تكون سندا للإجماع بالقياس على الدليل, واستدل المانعون بوجهين أحدهما: أن الإجماع منعقد على أنه يجوز للمجتهد مخالفة الأمارة, فلو صدر الإجماع عنها لكان يلزم جواز مخالفته؛ لأن مخالفة الأصل تقتضي مخالفة الفرع, لكن مخالفة الإجماع ممتنعة اتفاقا كما مر. وأجاب المصنف بأنه إنما يجوز مخالفة الأمارة قبل الإجماع على حكمها, وأما إذا اقترن بها الإجماع فلا لاعتضادها به. الثاني: أن العلماء مختلفون في الاحتجاج بالقياس, وذلك مانع من انعقاد الإجماع عنها؛ لأن من لا يعتقد حجيتها من المجتهدين لا يوافق القائل بحجيتها، وجوابه أن ذلك منقوض بالعموم وخبر الواحد, فإن الخلاف قد وقع في حجيتها كما تقدم في موضعه مع جواز صدور الإجماع عن كل منهما اتفاقا. الفرع الثاني: الإجماع الموافق لمقتضى حديث لا يجب أن يكون صادرا عنه؛ لأنه يجوز اجتماع دليلين على المدلول الواحد. وحينئذ فيجوز أن يكون سند الإجماع دليلا غير ذلك الحديث. وقال أبو عبد الله البصري: يجب استناده إليه، ونقله ابن برهان في الأوسط عن الشافعي؛ لأنه لا بد له من سند كما تقدم, وقد تيقنا صلاحية هذا له, والأصل عدم غيره. وقال القاضي عبد الوهاب المالكي في ملخصه: إن كان الخبر متواترا, فلا خلاف في وجوب استناده إليه، وإن كان الآحاد, فإن علمنا ظهور الخبر بينهم وأنهم عملوا بموجبه لأجله فلا كلام، وإن علمنا ظهوره بينهم وأنهم عملوا بموجبه ولكن لم نعلم أنهم عملوا لأجله, ففيه ثلاثة مذاهب ثالثها: إن كان على خلاف القياس فهو مستندهم وإلا فلا, وإن لم يكن ظاهرا بينهم لكن عملوا بما يتضمنه فلا يدل على أنهم عملوا من أجله, وهل يكون إجماعهم على موجبه دليلا على صحته؟ فيه خلاف, منهم من قال: لا يدل كما أن حكم الحاكم لا يدل على صدق الشهود، والصحيح دلالته عليه لأن السمع دل على عصمتهم، بخلاف الشهود. قال: "الثالثة: لا يشترط انقراض المجتمعين؛ لأن الدليل قام بدونه قيل: وافق علي الصحابة ﵃ في منع بيع أم الولد ثم رجع, ورد بالمنع. الرابعة: لا يشترط التواتر في نقله كالسنة. الخامسة: إذا عارضه نص, أول القابل له وإلا تساقطا". أقول: هل يشترط في انعقاد الإجماع موت المجتمعين أم لا؟ اختلفوا فيه فقال الإمام وأتباعه وابن الحاجب: لا يشترط وقال الإمام أحمد وابن فورك: يشترط، وفصل الآمدي بين الإجماع السكوتي وغيره على ما تقدم إيضاحه هناك. وقال إمام الحرمين: إن قطعوا بالحكم فلا اشتراط, وإن لم يقطعوا به بل أسندوه إلى الظن فلا بد من تطاول الزمان، سواء ماتوا أم لا. واستدل المصنف على عدم الاشتراط بأن الدليل الدال على كون الإجماع حجة ليس فيه تعرض للتقييد بانقراضهم فيبقى على إطلاقهم،

стр. 343

إذ الأصل عدم التقييد, واستدل الخصم بأنه لو لم يشترط لم يصح رجوع بعضهم لاستلزام الرجوع مخالفة الإجماع, لكن الرجوع ثابت فإن عليا وافق الصحابة ﵃ أجمعين- في منع بيع المستولدة, ثم رجع عنه, فإن قال: كان رأيي ورأي عمر أن لا يبعن, وقد رأيت الآن بيعهن فقال عبيدة السلماني: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك، وأجاب المصنف بالمنع أي: لا نسلم ثبوت الرجوع، أو معناه: لا نسلم ثبوت الإجماع قبل الرجوع، وهو الذي ذكره في المحصول. قال: لأن كلام علي وعبيدة إنما يدل على اتفاق جماعة لا على أنه قول كل الأمة, ويؤيده أن جماعة من الصحابة قالوا بالجواز أيضا, كما بيناه في اتفاق العصر الأول. المسألة الرابعة: ذهب الإمام والآمدي وأتباعهما كابن الحاجب إلى أن الإجماع المنقول بطريق الآحاد حجة؛ لأن الإجماع دليل يجب العمل به فلا يشترط التواتر في نقله قياسا على السنة, وذهب الأكثرون كما قال الإمام إلى أنه ليس بحجة. قال الآمدي: والخلاف على أن دليل أصل الإجماع, هل هو مقطوع به أو مظنون؟ المسألة الخامسة: إذا عارض الإجماع نص من الكتاب أو السنة, فإن كان أحدهما قابلا للتأويل بوجه ما أول القابل له سواء كان هو الإجماع أو النص جمعا بين الدليلين, وإن لم يكن أحدهما قابلا للتأويل تساقطا؛ لأن العمل بهما غير ممكن والعمل بأحدهما دون الآخر ترجيح من غير مرجح، وهذا كله إذا كانا ظنين. فإنا كانا قطعيين أو كان أحدهما قطعيا والآخر ظنيا, فلا تعارض كما ستعرفه في القياس. "فروع" حكاها في المحصول أحدها: إذ استدل أهل العصر بدليل أو ذكروا للحديث تأويلا فذكر أهل العصر الثاني دليلا آخر أو تأويلا آخر من غير قدح في الأول جاز على الصحيح، ونقله ابن الحاجب عن الأكثرين لأن الناس لم يزالوا على ذلك في كل عصر من غير إنكار، فكان ذلك إجماعا وقيل: لا؛ لأن الدليل الثاني والتأويل الثاني غير سبيل المؤمنين. الثاني: إجماع الصحابة مع مخالفة من أدركهم من التابعين ليس بحجة خلافا لبعضهم؛ لأن الصحابة رجعوا إليهم في وقائع كثيرة, فدل على اعتبار قولهم معهم. قال ابن الحاجب: فإن نشأ التابعي بعد إجماعهم, ففي اعتبار موافقته خلاف مبني على انقراض العصر. "الثالث: المبتدع" إن كفرناه فلا عتبار بقوله, لكن لا يجوز التمسك باجتماعنا على كفره في تلك المسائل؛ لأنه إنما ثبت خروجهم عن الإجماع بعد ثبوت كفرهم, فلو أثبتنا كفرهم فيها بإجماعنا للزم الدور، وإن لم نكفره اعتبرنا قوله؛ لأنه من المؤمنين. وحكى ابن الحاجب قولا ثانيا أنه لا يعتبر لفسقه، وثالثا: أن قوله معتبر في حق نفسه لا في حق غيره, بمعنى أنه يجوز له مخالفا الإجماع المنعقد دونه، ولا يجوز لغيره ذلك. الرابع: ارتداد الأمة ممتنع للأدلة على عصمتهم. وقال قوم: لا يمتنع؛ لأنهم إذا فعلوا ذلك لم يكونوا مؤمنين, فلا يكون سبيلهم سبيل المؤمنين. وأجاب ابن الحاجب بأنه يصدق أن الأمة ارتدت. الخامس: جاحد الحكم المجمع عليه لا يكفر خلافا

стр. 344

لبعض الفقهاء، وقال ابن الحاجب: إن إنكار الإجماع الظني ليس بكفر، وفي القطعي ثلاثة مذاهب, المختار إن كان مشهورا للعوام كالعبادات الخمس كفر، وإلا فلا. السادس: الأكثرون أنه لا يجوز أن تنقسم الأمة على قسمين, أحد القسمين مخطئون في مسألة، والقسم الآخر مخطئون في مسألة أخرى؛ لأن خطأهم في مسألتين لا يخرجهم عن أن يكونوا اتفقوا على الخطأ. السابع: يجوز اشتراك الأمة في عدم العلم بما لم يكلفوا به؛ لأنه لا محذور فيه, وحجة المخالف أنه لو جاز ذلك لكان عدم العلم به هو سبيل المؤمنين, وحينئذ فيحرم تحصيل العلم به. والفرعان الأخيران لم يذكرهما ابن الحاجب، إلا أنه ذكر فرعا قريبا من الآخير فقال: اختلفوا في جواز عدم علم الأمة بخبر أو دليل راجح, إذا عمل على وفقه. وغير الآمدي بعبارة أخرى فقال: هل يمكن وجود خبر أو دليل لا معارض له, وتشترك الأمة في عدم العلم به؟ اختلفوا فيه فمنهم من جوزه مصيرا منه إلى أنهم غير مكلفين بالعمل بما لم يظهر ولم يبلغهم, فاشتراكهم في عدم العلم به لا يكون خطأ؛ لأن عدم العلم ليس فعلهم، وخطأ مكلف من أوصاف فعله، ومنهم من أحاله؛ لأنه يلزم منه امتناع تحصيل العلم به.

стр. 345

الكتاب الرابع: في القياس مدخل ... الجزء الثالث: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الكتاب الرابع في القياس: الكتاب الرابع في القياس: وهو "إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت". أقول: القياس والقيس مصدران لقاس بمعنى قدر، يقال: قاس الثوب بالذراع يقيسه قيسا وقياسا إذا قدره به، وهو يتعدى بالباء كما مثلناه بخلاف المستعمل في الشرع فإنه يتعدى بعلى لتضمنه معنى البناء والحل، ثم إن التقدير يستدعي التسوية, فإن التقدير يستلزم شيئين ينسب أحدهما إلى الآخر بالمساواة، وبالنظر إلى هذا أعني المساواة، عبر الأصوليون عن مطلوبهم بالقياس، وقد عرفوه بتعريفات كثيرة، والمختار منها عند الآمدي وابن الحاجب أنه مساواة فرع لأصل في علة حكمه، والمختار عند الإمام وأتباعه ما ذكره المصنف، ثم إن القياس له أربعة أركان، وهي: الأصل والفرع وحكم الأصل والعلة، وقد تضمنها الحد المذكور. فقوله: إثبات كالجنس دخل فيه المحدود وغيره, والقيود التي بعده كالفصل، والمراد بالإثبات هو القدر المشترك بين العلم والاعتقاد والظن، وسواء تعلقت هذه الثلاثة بثبوت الحكم أو بعدمه, والقدر المشترك بينهما هو حكم الذهن بأمر على أمر. وقوله: مثل احترز به عن إثبات خلاف حكم معلوم, فإنه لا يكون قياسا، وأشار به أيضا إلى أن الحكم الثابت في الفرع ليس هو عين الثابت في الأصل، فإن كل عاقل يعلم بالضرورة كون الحار مثلا للحال ومخالفا للبارد، فلو لم يكن تصور المثل والمخالف بدهيا لكان الخالي عن التصور خاليا عن التصديق، وقوله: حكم, هو غير منون على الإضافة لما بعده، وأشار به إلى الركن الأول وهو حكم الأصل، والمراد به ههنا نسبة أمر إلى آخر ليكون شاملا للشرعي والعقلي واللغوي إيجابا كان أو سلبا، فإن القياس يجري فيها كلها على ما ستعرفه. وقوله: معلوم وأشار به إلى الركن الثاني وهو الأصل، قوله: في معلوم آخر أشار به إلى الركن الثالث وهو الفرع، والمراد بالمعلوم هو المتصور، فدخل فيه العلم المصطلح عليه والاعتقاد والظن، فإن الفقهاء يطلقون لفظ العلم على هذه الأمور، وإنما عبر به ولم يعبر بالشيء؛ لأن القياس يجري في الموجود والمعدوم سواء كان ممتنعا أو ممكنا، والشيء لا يشمل المعدوم إن كان ممتنعا اتفاقا، وكذا إن كان ممكنا عند الأشاعرة، وإنما رجح التعبير به على التعبير بالأصل والفرع لئلا يقال: تصورهما فرع عن تصور

стр. 346

القياس فتعريفه بهما دور، وقوله: لاشتراكهما في علة الحكم أشار به إلى الركن الرابع، وهو العلة وسيأتي تعريفها، واحترز بذلك عن إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لا للاشتراك في العلة, بل لدلالة نص أو إجماع فإنه لا يكون قياسا. وقوله: عند المثبت ذكره ليتناول الصحيح والفاسد في نفس الأمر، وعبر بالمثبت وهو القائس ليعمم المجتهد والمقلد، كما يقع الآن في المناظرات، قال الآمدي: وهذا الحد يرد عليه إشكال مشكل لا محيص عنه، وهو أن إثبات الحكم هو نتيجة القياس، فجعله ركنا في الحد يقتضي توقف القياس عليه وهو دور، وقد يقال: إنما يلزم ذلك أن لو كان التعريف المذكور حدا، ونحن لا نسلمه بل ندعي أنه رسم, وقد أشار إليه إمام الحرمين في البرهان. قال: قيل: "الحكمان غير متماثلين في قولنا لو لم يشترط الصوم في صحة الاعتكاف لما وجب بالنذر كالصلاة قلنا: تلازم، والقياس لبيان الملازمة والتماثل حاصل على التقدير، والتلازم والاقتراني لا نسميهما قياسا. وفيه بابان:

стр. 347

الباب الأول: في بيانه أنه حجة: الباب الأول: في بيان أنه حجة ، وفيه مسائل". أقول: اعترض بعضهم على هذا الحد، فقال: إنه غير جامع؛ لأن اشتراط تماثل الحكمين مخرج لقياس العكس وهو إثبات نقيض حكم معلوم في معلوم آخر لوجود نقيض عليه فيه، ومثاله ما قاله المصنف, وتقريره أنه إذا نذر أن يعتكف صائما، فإنه يشترط الصوم في صحة الاعتكاف اتفاقا، ولو نذر أن يعتكف مصليا لم يشترط الجمع اتفاقا، بل يجوز التفريق، واختلفوا في اشتراط الصوم في الاعتكاف بدون نذره معه، فشرطه أبو حنيفة ولم يشترطه الشافعي، فيقول أبو حنيفة: لو لم يكن الصوم شرطا لصحة الاعتكاف عند الإطلاق لم تصر شرطا له بالنذر، قياسا على الصلاة, فإنها لما لم تكن لصحة الاعتكاف عند الإطلاق لم تصر شرطا له بالنذر, والجامع بينهما عدم كونهما شرطين حالة الإطلاق، فالحكم الثابت في الأصل أعني: الصلاة عدم كونها شرطا في صحة الاعتكاف، والعلة فيه كونها غير واجبة بالنذر، والحكم الثابت في الفرع كون الصوم شرطا في صحة الاعتكاف، والعلة فيه كونها غير واجبة بالنذر، والحكم الثابت في الفرع كون الصوم شرطا في صحة الاعتكاف، والعلة فيه وجوبه بالنذر فافترقا حكما وعلة، وأجاب المصنف بأنا لا نسلم أنه غير جامع، فإن الذي سميتموه قياس العكس إنما هو تلازم، فإن المستدل يقوم لو لم يشترط الصوم في صحة الاعتكاف لم يكن واجبا بالنذر، لكنه وجب بالنذر فيكون الصوم شرطا، فهذا في الحقيقة تمسك بنظم التلازم، وإلى هذا أشار بقوله: قلنا تلازم، ثم إن دعوى ملازمة أمر لأمر لا بد من بيانها بالدليل، فبينها المستدل بالقياس المستعمل عند الفقهاء، وهو أن ما ليس بشرط لصحة الاعتكاف لا يجب بالنذر قياسا على الصلاة، وإليه أشاربقوله: والقياس لبيان الملازمة، يعني أن القياس المحدود وهو القياس المستعمل عند الفقهاء قد استعمل ههنا لبيان الملازمة، فتخلص أن قياس العكس مشتمل على تلازم, وعلى القياس المحدود الذي لبيان الملازمة، ثم شرع المصنف يجيب عن كل منهما لاحتمال أن يكون هو المقصود بالإيراد، فأجاب عن الثاني ثم

стр. 348

عن الأول، وحاصله: أن الخصم إن اعتمد في إيراد قياس العكس على القياس الذي لبيان الملازمة فهو غير وارد؛ لأن الأصل والفرع فيه متماثلان، لكن التماثل حاصل على التقدير، فإنه على تقدير عدم اشتراط الصوم في صحة الاعتكاف يلزم أن لا يشترط أيضا حالة النذر، كما أن الصلاة لا تشترط في الاعتكاف حالة النذر، فأثبت عدم وجوب الصوم بالنذر بالقياس عدم وجوب الصلاة بالنذر، على تقدير عدم اشتراط الصوم في صحة الاعتكاف، والجامع كون كل من الصلاة والصوم غير شرط في صحة الاعتكاف، فإن قولنا: إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر أعم من أن يكون حقيقة أو تقديرا، وإلى هذا أشار بقوله: والتماثل حاصل على التقدير، وإن اعتمد الخصم في الإيراد على التلازم فنحن نسلم أنه خارج عن حد القياس، لكن لا يضرنا ذلك فإنه ليس بقياس عندنا؛ لأن أصول الفقه إنما يتكلم فيها على القياس المستعمل في الفقه, والفقهاء إنما يستعملون قياس العلة، وأما ما عداه كالتلازم والاقتراني فإن الذي يسميهما قياسا إنما هم المنطقيون، إذ القياس عندهم قول مؤلف من أقوال متى سلمت لزم عند لذاته قولي آخر، والذي يسميه الأصوليون قياسا يسميه المنطقيون تمثيلا، فالتلازم قد عرفته ويعبر عنه بالاستثنائي سواء كان بان أو لا. وأما الاقتراني فكقولهم: كل وضوء عبادة لا بد فيها من النية, ينتج أن كل وضوء فلا بد فيه من النية، وإلى هذا أشار بقوله: والتلازم والاقتراني لا نسميهما قياسا، والتقرير المذكور في السؤال والجواب اعتمده واجتنب غيره. قال: "الأولى في الدليل عليه يجب العمل به شرعا، وقال القفال والبصري عقلا، والقاشاني والنهرواني حيث العلة منصوصة أو الفرع بالحكم أولى, كتحريم الضرب على تحريم التأفيف، وداود أنكر التعبد به، وأحاله الشيعة والنظام، واستدل أصحابنا بوجوه, الأول: أنه مجاوزة عن الأصل إلى الفرع، والمجاوزة اعتبار وهو مأمور به, في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] قيل: المراد الاتعاظ، فإن القياس الشرعي لا يناسب صدر الآية، قلنا: المراد القدر المشترك، قيل: الدال على الكلي لا يدل على الجزئي، قلنا: بلى, ولكن ههنا جواز الاستثناء دليل العموم. قيل: الدلالة ظنية، قلنا: المقصود العمل فيكفي الظن". أقول: اتفق العلماء كما قاله في المحصول قبيل هذه المسألة, على أن القياس حجة في الأمور الدنيوية، واختلفوا في الشرعية، فذهب الجمهور إلى وجوب العمل بالقياس شرعا، وذهب القفال الشاشي من الشافعية وأبو الحسين البصري من المعتزلة إلى أن العقل قد دل على ذلك يعني مع السمع أيضا، كما صرح به في المحصول، وقال القاشاني والنهرواني: يجب العمل به في صورتين, إحداهما: أن تكون علة الأصل منصوصة إما بصريح اللفظ أو بإيمائه، والثانية: أن يكون الفرع بالحكم أولى من الأصل، كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف، واعترفا بأنه ليس للعقل هنا مدخل، لا في الوجوب ولا في عدمه، كما قاله في المحصول١ أيضا، وهذه الثانية أبدلها في المستصفى بالحكم الوارد على

стр. 349

سبب كرجم ماعز، وأبدلها في البرهان بالحكم الذي هو في معنى المنصوص عليه, كقياس صب البول في الماء بالبول فيه، لكنه جعل الثاني من كلام المصنف داخلا في القسم الأول، وأنكر داود الظاهري وأتباعه التعبد به شرعا، أي: قالوا: لم يرد في الشرع ما يدل على العمل بالقياس، وإن كان جائزا عقلا، وهذا الذي ذكره المصنف مخالف لما في المحصول والحاصل، فإن المذكور فيهما أن داود وأصحابه قالوا: يستحيل عقلا التعبد بالقياس كالمذهب الذي ذكره المصنف بعد هذا، لكنه موافق لما نقله عنه الغزالي وإمام الحرمين، وهو مقتضى كلام الآمدي وابن الحاجب أيضا، وذهب جماعة إلى أنه يستحيل عقلا التعبد بالقياس، ونقله المصنف عن النظام والشيعة، وفيه نظر من وجوه، منها أن صاحبي المحصول والحاصل وغيرهما نقلوا عن النظام أنه يقول بذلك في شريعتنا خاصة, قال: لأن مبناها على الجمع بين المختلفات والتفريق بين المتماثلات كما سيأتي. "ومنها" أن المصنف قد ذكر بعد هذا أن القياس الجلي لم ينكره أحد, وأن النظام يقول: إن التنصيص على العلة أمر بالقياس، فلزم من ذلك أن يكون مذهب النظام كمذهب القاشاني والنهرواني من غير فرق, وقد غاير بينهما وأن يكون مذهب داود والشيعة مخصوصا أيضا، ومنها أن الشيعة منقسمة إلى إمامية وزيدية، والزيدية قائلون بأنه حجة كما سيأتي في كلامه. قوله: استدل أي: استدل أصحابنا على كونه حجة بالكتاب, والسنة، والإجماع، والدليل العقلي، الأول: الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ ووجه الدلالة أن القياس مجاوزة بالحكم عن الأصل إلى الفرع، والمجاوزة اعتبار؛ لأن الاعتبار معناه العبور وهو المجاوزة، تقول: جزت على فلان أي: عبرت عليه، والاعتبار مأمور به لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ وإلى الاعتبار أشار المصنف بقوله: وهو، فينتج أن القياس مأمور به. قوله: "قيل: المراد" أي: اعترض الخصم بثلاثة أوجه, أحدها: لا نسلم أن المراد بالاعتبار هنا هو القياس بل الاتعاظ، فإن القياس الشرعي لا يناسب صدر الآية؛ لأنه حينئذ يكون معنى الآية يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فقاسوا الذرة على البر، وهو في غاية الركاكة فيصان كلام البارئ تعالى عنه، وأجاب المصنف بأن المرد بالاعتبار هو القدر المشترك بين القياس والاتعاظ، والمشترك بينهما هو المجاوزة، فإن القياس مجاوزة عن الأصل إلى الفرع كما تقدم، والاتعاظ مجاوزة من حال الغير إلى حال نفسه، وكون صدر الآية غير مناسب للقياس بخصوصه لا يستلزم عدم مناسبته للقدر المشترك بينه وبين الاتعاظ، فإن من سئل عن مسألة فأجاب بما لا يتناولها فإنه يكون باطلا، ولو أجاب بما يتناولها ويتناول غيرها فإنه يكون حسنا، والاعتراض الثاني: أنه لا يلزم من الأمر باعتبار الذي هو القدر المشترك الأمر بالقياس، فإن القدر المشترك معنى كلي والقياس جزئي من جزئياته، والدال على الكلي لا يدل على الجزئي, وأجاب في المحصول بوجهين, أحدهما وعليه اقتصر المصنف: أن ما قاله الخصم من كون الأمر بالماهية الكلية لا يكون أمرا بشيء من جزئياتها على التعيين،

стр. 350

مسلم لكن ههنا قرينة دالة على العموم وهي جواز الاستثناء، فإنه يصح أن يقال: "اعتبروا" إلا في الشيء الفلاني، وقد تقدم غير مرة أن الاستثناء معيار العموم، وهذا الجواب ضعيف؛ لأن الاستثناء إنما يكون معيار العموم إذا كان عبارة عن إخراج ما لولاه لوجب دخوله إما قطعا أو ظنا، ونحن لا نسلم أن الاستثناء بهذا التفسير يصح هنا، فإن الفعل في سياق الإثبات لا يعم، وأيضا فإن هذا الجواب لو صح لأمكن اطراده في سائر الكليات فلا يوجد كلي إلا وهو يدل على سائر الجزئيات وهو باطل. والجواب الثاني: أن ترتيب الحكم على الشيء يقتضي العلية، وذلك يقتضي أن علة الأمر بالاعتبار هو كونه اعتبارا، فلزم أن يكون كل اعتبار مأمورا به وهو أيضا ضعيف، لما قاله صاحب التحصيل من كونه إثباتا للقياس بالقياس, وقد يجاب آخر وهو أن الأمر بالماهية المطلقة وإن لم يدل على وجوب الجزئيات لكنه يقتضي التخيير بينهما عند عدم القرينة، والتخيير يقتضي جواز العمل بالقياس، وجواز العمل به يستلزم وجوب الفعل به؛ لأن كل من قال بالجواز قال بالوجوب. الاعتراض الثالث: سلمنا أن الآية تدل على الأمر بالقياس، لكن لا يجوز التمسك بها لأن التمسك بالعموم واشتقاق الكلمة كما تقدم إنما يفيد الظن، والشارع إنما أجاز الظن في المسائل العملية وهي الفروع بخلاف الأصول؛ لفرط الاهتمام بها، وأجاب المصنف بأنا لا نسلم أنها عملية؛ لأن المقصود من كون القياس حجة إنما هو العمل به لا مجرد اعتقاده كأصول الدين، والعمليات يكتفى فيها بالظن فكذلك ما كان وسيلة إليها، هذا هو الصواب في تقديره، وقد صرح به في الحاصل وهو رأي أبي الحسين، وإن كان الأكثرون كما نقله الإمام والآمدي, قالوا: إنه قطعي، وأما قول بعض الشارحين: إنه يكتفى فيها بالظن مع كونها علمية لكنها وسيلة, فباطل قطعا؛ لأن المعلوم يستحيل إثباته بطريق مظنونة، وقد التزم في المحصول هذا السؤال ولم يجب عنه. قال: "الثاني: قصة معاذ وأبي موسى قيل: كان ذلك قبل نزول ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] قلنا: المراد الأصول لعدم النص على جميع الفروع. الثالث: أن أبا بكر قال في الكلالة: أقول برأيي: للكلالة ما عدا الوالد والولد، والرأي هو القياس إجماعا، وعمر أمر أبا موسى في عهده بالقياس وقال في الجد: أقضي فيه برأيي، وقال عثمان: إن اتبعت رأيك فسديد، وقال علي: اجتمع رأيي ورأي عمر في أم الولد، وقاس ابن عباس الجد على ابن الابن في الحجب, ولم ينكر عليهم وإلا لاشتهر. قيل: ذموه أيضا، قلنا: حيث فقد شرطه توفيقا. الرابع: أن ظن تعليل الحكم في الأصل بعلة توجد في الفرع, يوجب ظن الحكم في الفرع والنقصان ولا يمكن العمل بهما ولا الترك لهما, والعمل بالمرجوح ممنوع فتعين العمل بالراجح". أقول: الدليل الثاني على حجية القياس: السنة, فإنه روي "أن النبي ﷺ بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن قاضيين, كل واحد منهما في ناحية فقال لهما: "بم تقضيان؟ " فقالا:

стр. 351

إذا لم نجد الحكم في السنة نقيس الأمر بالأمر, فما كان أقرب إلى الحق عملنا به, فقال ﵊: "أصبتما" ١ واعترض الخصم بأن تصويب النبي ﷺ كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فيكون القياس حجة في ذلك الزمان؛ لكون النصوص غير وافية بجميع الأحكام, وأما بعد إكمال الدين والتنصيص على الأحكام فلا يكون حجة؛ لأن شرط القياس فقدان النص. والجواب أن التصويب دال على كونه حجة مطلقا، والأصل عدم التخصيص بوقت دون وقت، المراد من الإكمال المذكور في الآية إنما هو إكمال الأصول؛ لأنا نعلم أن النصوص لم تشتمل على أحكام الفروع كلها مفصلة, فيكون القياس حجة في زماننا لإثبات تلك الفروع. قوله: "الثالث" أي: الدليل الثالث على حجية القياس: الإجماع، فإن الصحابة قد تكرر منهم القول به من غير إنكار فكان ذلك إجماعا, بيانه أن أبا بكر ﵁ سئل عن الكلالة فقال: أقول فيها برأيي, فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن حطأ فمني ومن الشيطان, الكلالة: ما عدا الوالد والوالدة والرأي هو القياس إجماعا كما قاله المصنف، وأيضا فإن عمر ﵁ لما ولى أبا موسى الأشعري البصرة وكتب له العهد أمره فيه بالقياس، فقال: اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك، وقال عمر أيضا في الجد: أقضي فيه برأيي, وقال عثمان لعمر: إن اتبعت رأيك فسديد وإن تتبع رأي من قبلك فنعم الرأي, وقال علي ﵁: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن وقد رأيت الآن بيعهن، وقال ابن عباس ﵄: الجد على ابن الابن في حجب الإخوة، وقال: ألا لا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا؟! فثبت صدور القياس بما قلناه وبغيره من الوقائع الكثيرة المشهورة الصادرة عن أكابر الصحابة التي لا ينكرها إلا معاند، ولم ينكر أحد ذلك عليهم وإلا لاشتهر إنكاره أيضا، فكان ذلك إجماعا، فإن قيل: الإجماع السكوتي ليس بحجة، قلنا: قد تقدم أن محل ذلك عند عدم التكرار فراجعه، وهذا الدليل هو الذي ارتضاه ابن الحاجب وادعى ثبوته بالتواتر، ضعف الاستدلال بما عداه. قوله: قيل: ذموه أيضا أي: لا نسلم أن الباقين لم ينكروا, فقد نقل عن أبي بكر ﵁ أنه قال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني, إذا قلت في كتاب الله برأيي، ونقل عن عمر أنه قال: إياكم وأصحاب الرأي, فإنهم أعداء السنن, أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي, فضلوا وأضلوا. وعنه أيضا: إياكم والمكايلة قيل: وما المكايلة؟ قال: المقايسة. وقال علي -كرم الله وجهه: لو كان الدين يؤخذ قياسا, لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره. وعن ابن عباس أنه قال: "يذهب قراؤكم وصلحاؤكم, ويتخذ الناس رؤساء جهالا يقيمون الأمور برأيهم". وأجاب

стр. 352

المصنف بأن الذين نقل لهم أو عنهم إنكاره هم الذين نقل عنهم القول به, فلا بد من التوفيق بين النقلين، فيحمل الأول على القياس الصحيح، والثاني على الفاسد توفيقا بين النقلين وجمعا بين الروايتين. "قوله تعالى" أي: الدليل الرابع وهو الدليل, أن المجتهد إذا غلب على ظنه كون الحكم في الأصل معللا بالعلة الفلانية ثم وجد تلك العلة بعينها في الفرع, يحصل له بالضرورة ظن ثبوت ذلك الحكم في الفرع، وحصول الظن بالشيء مستلزم لحصول الوهم بنقيضه، وحينئذ فلا يمكنه أن يعمل بالظن والوهم لاستلزامه اجتماع النقيضين, ولا أن يترك العمل بهما لاستلزامه ارتفاع النقيضين، ولا أن يعمل بالوهم دون الظن؛ لأن العمل بالمرجوح مع وجود الراجح ممتنع شرعا وعقلا، فتعين العلم بالظن، ولا معنى لوجوب العمل بالقياس إلا ذلك، وهذا الدليل قد تقدم الكلام عليه في تعريف الفقه. قال: "احتجوا بوجوه, الأول: قوله تعالى: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ ﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾ ﴿وَلا تَقْفُ﴾ [الإسراء: ٣٦] ﴿وَلا رَطْبٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] ﴿وَإِنَّ الظَّن﴾ [النجم: ٢٨] قلنا: إن الحكم مقطوع والظن في طريقه. الثاني: قوله ﵊: "تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب وبرهة بالسنة وبرهة بالقياس, فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا" ١ الثالث: ذم بعض الصحابة له من غير نكير، قلنا: معارضان بمثلهما فيجب التوفيق. الرابع: نقل الإمامية إنكاره عن العترة قلنا: معارض بنقل الزيدية. الخامس: أنه يؤدي إلى الخلاف والمنازعة, وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] قلنا: الآية في الآراء والحروب لقوله ﵊: "اختلاف أمتي رحمة" ٢ السادس: الشارع فصل بين الأزمنة والأمكنة في الشرف، والصلوات في القصر، وجمع بين الماء والتراب في التطهير، وأوجب التعفف على الحرة الشوهاء دون الأمة الحسناء، وقطع سارق القليل دون غاصب الكثير, وجلد بقذف الزنا, وشرط فيه شهادة أربعة دون الكفر، وذلك ينافي القياس، قلنا: القياس حيث عرف المعنى". أقول: احتج المنكرون للقياس بستة أوجه من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول, الأول: الكتاب وهو آيات, فمنها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] والقول بمقتضى القياس تقديم ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ لكونه قولا بغير الكتاب والسنة، ومنها قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ووجه الدلالة أن الحكم الثابت بالقياس غير معلوم لكونه متوقفا على أمور لا يقطع بوجودها, فلا يجوز العمل به للآية، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] فإنه يدل على اشتمال الكتاب على الأحكام كلها، وحينئذ فلا يجوز العمل بالقياس؛ لأن شرطه فقدان النص، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]

стр. 353

والقياس ظني فلا يغني شيئا, وأجاب المصنف بأن الحكم بمقتضى القياس مقطوع به، والظن وقع في الطريق الموصلة إليه، كما تقدم تقديره في حد الفقه، وهذا الجواب ليس شاملا للآية الأولى، ولا للآية الرابعة، بل الجواب عن الأولى أنه لما أمرنا الله تعالى ورسوله بالقياس، لم يكن القول به تقديما بين يدي الله ورسوله، والجواب عن الرابعة أنه يستحيل أن يكون المراد منها اشتمال الكتاب على جميع الأحكام الشرعية من غير واسطة, فإنه خلاف الواقع بل المراد دلالتها من حيث الجملة سواء كان بوسط أو بغير وسط، وحينئذ فلا يلزم من ذلك عدم الاحتياج إلى القياس؛ لأن الكتاب على هذا التقدير لا يدل على بعضها إلا بواسطة القياس, فيكون القياس محتاجا إليه. قوله: الثاني أي: الدليل الثاني على إبطال القياس: السنة وهو الحديث الذي ذكره المصنف ودلالته ظاهرة. قوله: "الثالث" أي: الدليل الثالث: الإجماع، فإن بعض الصحابة قد ذمه كما تقدم إيضاحه في أدلة الجمهور، وسكت الباقون عنه فكان إجماعا, وأجاب المصنف عن السنة والإجماع بأنهما معارضان بمثلهما، إذا سبق أيضا فيجب التوفيق بينهما بأن يحمل العمل به على القياس الصحيح وإنكاره على القياس الفاسد. قوله: "الرابع" أي: الدليل الرابع: أن الإمامية من الشيعة قد نقلوا عن العترة يعني: أهل البيت إنكارا للعمل بالقياس وإجماع العترة حجة، وجوابه أن نقل الإمامية معارض بنقل الزيدية، فإنهم من الشيعة أيضا، وقد نقلوا إجماع العترة على العمل بالقياس على أنه تقدم أن إجماعهم ليس بحجة. قوله: "الخامس" أي: الدليل الخامس: المعقول، وهو أن القياس يؤدي إلى الخلاف والمنازعة بين المجتهدين للاستقراء، ولأنه تابع للأمارات والأمارات مختلفة، وحينئذ فيكون ممنوعا لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] . وأجاب في المحصول بأن هذا الدليل بعينه قائم في الأدلة العقلية، فما كان جوابا لهم كان جوابا لنا، وأجاب المصنف بأن الآية إنما وردت في الآراء والحروب لقرينة قوله تعالى: ﴿فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ، فأما التنازع في الأحكام فجائز لقوله ﵊: "اختلاف أمتي رحمة" وهذا الجواب لم يذكره الإمام ولا صاحب الحاصل. قوله: "السادس" أي: الدليل السادس وهو من المعقول أيضا, وعليه اعتمد النظام: أن الشارع فرق بين المتماثلات وجمع بين المختلفات، وأثبت أحكاما لا مجال للعقل فيها، وذلك كله ينافي القياس لأن مدار القياس على إبداء المعنى، وعلى إلحاق صورة بصورة أخرى تماثلها في ذلك المعنى, وعلى التفريق بين المختلفات كما ستعرفه من قبول الفرق عند إبداء الجامع، أما بيان التفريق بين المتماثلات فإن الشارع قد فرق بين الأزمنة في الشرف, ففضل ليلة القدر والأشهر الحرم على غيرهما، وكذلك الأمكنة كتفضيل مكة والمدينة مع استواء الزمان والمكان في الحقيقة، وفرق أيضا بين الصلوات في القصر فرخص في قصر الرباعية دون غيرها، وأما بيان الجمع بين المختلفات؛ فلأنه جمع بين الماء والتراب في جواز الطهارة بهما في أن الماء ينظف

стр. 354

والتراب يشوه، وأما بيان الأحكام التي لا مجال للعقل فيها فلأنه تعالى أوجب للتعفيف أي: غض البصر بالنسبة إلى الحرة الشوهاء شعرها وبشرتها مع أن الطبع لا يميل إليها، دون الأمة الحسناء التي يميل إليها الطبع. ويحتمل أن يريد المصنف بالتعفف وجوب الستر، أو يريد به كون الواطئ للحرة يصير محصنا دون واطئ الأمة، وأيضا فلأنه تعالى أوجب القطع في سرقة القليل دون غصب الكثير, وأوجب الجلد على القاذف بالزنا دون الكفر، أي: بخلاف القاذف الكفر كما قاله في المحصول١، وشرط في شهادة الزنا شهادة أربعة رجال واكتفى في الشهادة على القتل باثنين مع كونه أغلظ من الزنا، وأجاب المصنف بأنا إنما ندعي وجوب العمل بالقياس حيث عرف المعنى أي: العلة الجامعة مع انتفاء المعارض. وغالب الأحكام من هذا القبيل، وما ذكرتم من الصور فإنها نادرة لا تقدح في حصول الظن الغالب, لا سيما والفرق بين المتماثلات يجوز أن يكون لانتفاء صلاحية ما يوهم أنه جامع، أو لوجود معارض، وكذلك المختلفات يجوز اشتراكها في معنى جامع، وقد ذكر الفقهاء معاني هذه الأشياء. قال: "الثانية: قال النظام والبصري وبعض الفقهاء: إن التنصيص على العلة أمر بالقياس، وفرق أبو عبد الله بين الفعل والترك. لنا أنه إذا قال: حرمت الخمر لكونها مسكرة, يحتمل عليه الإسكار مطلقا، وعلية إسكارها، قيل: الأغلب عدم التقييد، قلنا: فالتنصيص وحده لا يفيد, قيل: لو قال: علة الحرمة الإسكار لاندفع الاحتمال, قلنا: فيثبت الحكم في كل الصور بالنص". أقول: ذهب النظام وأبو الحسين البصري وجماعة من الفقهاء وكذا الإمام أحمد كما نقله ابن الحاجب إلى أن التنصيص على علة الحكم أمر بالقياس مطلقا, سواء كان في طرف الفعل كقوله: تصدقوا على هذا لفقره أو الترك كقوله: حرمت الخمر لإسكارها. وقال أبو عبد الله البصري: التنصيص على علة الفعل لا يكون أمرا بالقياس بخلاف علة الترك, والصحيح عند الإمام والآمدي وأتباعهما أنه لا يكون أمرا به مطلقا, بل لا بد في القياس من دليل يدل عليه ونقله الآمدي عن أكثر الشافعية ولم يصرح المصنف بالمذهب المختار لإشعار الدليل به, والذي نقله هنا عن النظام هو المشهور عنه وعلى هذا فيكون النقل المتقدم عنه وهو استحالة القياس إنما محله عند عدم التنصيص على العلة, ونقل عنه الغزالي في المستصفى أن التنصيص على العلة يقتضي تعميم الحكم في جميع مواردها بطريق عموم اللفظ لا بالقياس. قوله: "لنا" أي: الدليل على ما قلناه أن الشارع إذا قال مثلا: حرمت الخمر لكونها مسكرة, فإنه يحتمل أن يكون علة الحرمة هو الإسكار مطلقا, ويحتمل أن يكون إسكار الخمر بحيث يكون قيد الإضافة إلى الخمر معتبرا في العلة؛ لجواز اختصاص إسكارها بترتب مفسدة عليه دون إسكار النبيذ، وإذا احتمل الأمران

стр. 355

فلا يتعدى التحريم إلى غيرها إلا عند ورود الأمر بالقياس، وإذا ثبت ذلك في جانب الترك ثبت في الفعل بطريق الأولى لما تقدم، ولقائل أن يقول: هذا الدليل بعينه يقتضي امتناع القياس عند التنصيص على العلة مع ورود الأمر به أيضا. قوله: "قيل: الأغلب" أي: اعترض الخصم من وجهين، أحدهما: أن الأغلب على الظن في هذا المثال كون الإسكار علة للتحريم مطلقا؛ لأنه وصف مناسب للحكم، وأما كونه من خمر أو غيره فلا أثر له، وحينئذ فيجب ترتب الحكم عليه حيث وجد، ويحتمل أن يريد أن الأغلب في العلل تعديتها دون تقييدها بمحل الحكم بالاستقراء، وأجاب المصنف بأن النزاع إنما هو في أن التنصيص على العلة هل يستقل بإفادة وجوب القياس أم لا؟ وما ذكرتم يقتضي أنه لا بد أن يضم إليه كون العلة مناسبة أو أن الغالب عدم تقييدها بالمحل, ويحتمل أن يريد ما ذكره في المحصول وهو أن مجرد التنصيص على العلة لا يلزم منه الأمر بالقياس ما لم يدل دليل على وجوب إلحاق الفرع بالأصل للاشتراك في العلة، أعني: الدليل الدال على وجوب العمل بالقياس. الاعتراض الثاني: أن الاحتمال الذي ذكرتموه وهو كون العلة إسكار الخمر, مخصوص بالمثال المذكور فلا يتمشى دليلكم في غيره، كما إذا قال الشارع: علة حرمة الخمر هو الإسكار، فإن احتمال التقييد بالمحل ينقطع ههنا وتثبت الحرمة في كل الصور، وأجاب المصنف بأنا نسلم ثبوت الحكم ههنا في كل الصور, لكنه يكون بالنص لا بالقياس، قال في المحصول: لأن العلم بأن الإسكار من حيث هو إسكار يقتضي الحرمة, موجب العمل بثبوت هذا الحكم في كل مسكر، من غير أن يكون العلم ببعض الأفراد متأخرا عن العلم بالبعض الآخر، وحينئذ فلا يكون هذا قياسا لأنه ليس جعل البعض أصلا والآخر فرعا بأولى من العكس, وإنما يكون قياسا إذا قال: حرمت الخمر لكونه مسكرا. واعلم أن الذهاب إلى أن الشارع إذا قال: علة حرمة الخمر وهو الإسكار أن الحكم يكون ثابتا في النبيذ وغيره من المسكرات بالنص جزم به في المحصول وهو مشكل، فإن اللفظ لم يتناول، ولعل هذا هو المقتضى لكون المصنف عبر بقوله علة الحرمة هو الإسكار, لكنه لا يستقيم من وجه آخر، وهو أن السائل لم يورد السوائل هكذا، فتعبيره بهذا حجر على السائل، وأيضا فلأنه يقتضي حصر التحريم في الإسكار وهو باطل قطعا، واستدل أبو عبد الله البصري على مذهبه بأن من ترك أكل شيء لكونه مؤذيا, فإنه يدل على تركه لكل مؤذٍ، بخلاف من ارتكب أمرا لمصلحة كالتصدق على فقير فإنه لا يدل على تصدقه على كل فقير. والجوب أنا لا نسلم أنه يدل على تركه لكل مؤذٍ، سلمناه لكنه لقرينة التأذي لا لمجرد التنصيص على العلة. قال: "الثالثة: القياس إما قطعي أو ظني, فيكون الفرع بالحكم أولى كتحريم الضرب على تحريم التأفيف, أو مساويا كقياس الأمة على العبد في السراية, أو أدون كقياس البطيخ على البر في الربا, قيل: تحريم التأفيف يدل على تحريم أنواع الأذى عرفا، ويكذبه قول الملك للجلاد: اقتله ولا تستخف
следующие страницы →