← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7332

نهاية السول شرح منهاج الوصول

الإسنوي

Полный текст (459 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الفصل الثاني: في الناسخ والمنسوخ قال: " الفصل الثاني: في الناسخ والمنسوخ, وفيه مسائل, الأولى: الأكثر على جواز نسخ الكتاب بالسنة كنسخ الجلد في حق المحصن وبالعكس كنسخ القبلة, وللشافعي ﵁ قول بخلافهما، دليله في الأول قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ ورد بأن السنة وحي أيضا. وفيهما قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٤٤] وأجيب في الأول بأن النسخ بيان, وعُورض في الثاني بقوله: ﴿تِبْيَانًا﴾ ". أقول: المراد بالناسخ والمنسوخ بيان ما ينسخ وما ينسخ به من الأدلة, واعلم أنه يجوز نسخ الكتاب بالكتاب والسنة المتواترة بمثلها والآحاد بمثلها، وأما نسخ الكتاب بالسنة ونسخ السنة بالكتاب فالأكثرون على الجواز، ونص الشافعي في الرسالة على امتناعهما وهو مقتضى ما في المحصول في النقل عنه، فإنه نقل عدم الجواز في نسخ السنة بالقرآن, فيؤخذ منه العكس بطريق الأولى ونقل عنه إمام الحرمين والآمدي وابن الحاجب قولين في نسخ السنة بالكتاب، والجزمبامتناع العكس، وكلام المصنف مشعر بأن له في المسألتين قولين وهو غير معروف، فإن جوزنا فيشترط في السنة إذا كانت ناسخة أن تكون متواترة، وقد أوضحه المصنف في المسألة الآتية. فلذلك أهمله هنا ثم استدل المصنف على كون السنة المتواترة ناسخة للكتاب، بأن النبي ﷺ رجم المحصن مع أن آية الرجم شاملة له, وفيه نظر من وجوه أحدها: لا نسلم أنه متواتر. وثانيها: أن هذا تخصيص لا نسخ، وقد ذكره المصنف بعينه مثالا لتخصيص الكتاب بالسنة. وثالثها: أن الرجم بالقرآن المنسوخ التلاوة، وهو الشيخ والشيخة المتقدم ذكره، واستدل أيضا على كون الكتاب ناسخا للسنة بأن التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتا بالسنة، إذ ليس في القرآن ما يدل عليه، ثم إنه نسخ بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] ولك أن تقول: القاعدة أن بيان المجمل يعد أنه مراد منه وإلا لم يكن بيانا لمدلوله، فيكون توجه النبي ﷺ إلى بيت المقدس مرادا من قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ لكونه بيانا له, فيكون ثابتا بالكتاب. قوله: "دليله في الأول" أي: استدل الشافعي على امتناع نسخ الكتاب بالسنة من قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] فإنه يدل على أن الآتي بالخير أو المثل هو الله تعالى لرجوع الضمير إليه، وذلك لا يكون إلا إذا كان الناسخ هو القرآن ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] فأشعر بأنه الآتي بالخير أو المثل أو المختص بكمال القدرة فلا يكون النسخ بالسنة، فإن الآتي بها هو الرسول، وأيضا فإنه يقتضي أن البدل يكون خيرا من الآية المنسوخة أو مثلا لها والسنة ليست كذلك، وجوابه أن السنة حاصلة بالوحي أيضا لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] الآية, فالآتي بها هو الله تعالى، وأما الخير أو المثل فالمراد بهما هو الأصلح في التكليف, والأنفع في الثواب. قوله: "وفيهما" أي ودليل الشافعي في كل من المسألتين وهما نسخ الكتاب بالسنة وعكسه قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّن

стр. 282

لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فأما نسخ الكتاب بالسنة فلأن الآية دالة على أن السنة تبين جميع القرآن؛ لأن ﴿مَا﴾ من قوله تعالى: ﴿مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ عامة, فلو كانت السنة ناسخة له تكن مبينة بل رافعة، وأما العكس فلأنه قد تقرر أن السنة مبينة للكتاب فلو جاز نسخها بالكتاب لكان مبينا لها؛ لأن النسخ بيان انتهاء الحكم وذلك دور فتلخص أن الآية دالة على الحكمين. ثم أجاب المصنف عن الأول بأنا لا نسلم أن النسخ منافٍ للبيان بل هو عينه, فإنه بيان انتهاء الحكم. وأجاب عن الثاني بقوله تعالى في صفة القرآن: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] فإنه يقتضي أن يكون الكتاب بيانا للسنة كما أن قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ يقتضي أن تكون السنة مبينة للكتاب, فلما تعارضا سقط الاستدلال بهما، والأولى في الجواب أن يقال: الاستدلال بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ على الحكمين امتناع نسخ الكتاب بالسنة، وإن كان منافيا فلا يتجه الاستدلال على العكس. قال: "الثانية: لا ينسخ المتواتر بالآحاد؛ لأن القاطع لا يدفع بالظن قيل: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] منسوخ بما روي أنه ﵊ "نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع"١ قلنا: لا أجد للحال فلا نسخ". أقول: نسخ المتواتر بالآحاد جائز قطعا، واختلفوا في وقوعه على مذهبين، كذا صرح به الآمدي في الأحكام ومنتهى السول، وعبر بقوله: اتفقوا، وفي المحصول ومختصراته نحوه أيضا, فإنهم جزموا بالجواز وترددوا في الوقوع، وعبارة المصنف وابن الحاجب توهم أن الخلاف في الجواز. واستدل على المنع بأن المتواتر مقطوع به وخبر الواحد مظنون والقطعي لا يدفع بالظن, وهو إنما يستقيم ما فهمناه، ولذلك لم يذكره الإمام ولا مختصرو كلامه. نعم صرح ابن برهان في الوجيز بما أفهمه كلامهما فقال: وقال قوم: هو مستحيل من جهة العقل ثم استدل عليه بعين ما استدل به, فإما أن يكونا قد اطلعا على هذا ثم اختاراه وفيه بعد، وإما أن يحمل كلامهما على أنا لا نحكم بالنسخ عند التعارض، بل يعمل بالمتواتر وإن تقدم لقوته. ودليل المصنف ضعيف لوجهين أحدهما ما قاله ابن برهان: أن المقطوع به إنما هو أصل الحكم لا دوامه، والنسخ يرد على الثاني لا على الأول. الثاني: أنه لا يطرد لأن إخراج بعض أفراد العام بعد العمل به نسخ لا تخصيص كما تقرر ودلالة العام على أفراده ظنية، وإن كان مقطوعا به، والخاص بالعكس فتعادلا. واستدل الخصم بأن قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] إلى آخرها يقتضي حصر التحريم في المذكور في الآية, وقد نسخ ذلك بما روي بالآحاد أن النبي ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، وإذا ثبت نسخ الكتاب بالآحاد فنسخ السنة المتواترة به أولى، وأجاب المصنف

стр. 283

بأن الآية ليست منسوخة؛ وذلك لأنها دلت على أن الرسول ﵊ كان مأمورا بأن يقول لهم: لا أجد في الوحي الحاصل غير المحرمات المذكورة؛ ولهذا قال: ﴿أُوحِيَ﴾ بلفظ الماضي فيبقى ما عدا الأشياء المذكورة في الآية على الإباحة الأصلية، وحينئذ فيكون النهي عن أكل ذي الناب والمخلب رافعا لها، وهو ليس بنسخ، وبتقدير أن تكون الآية متناولة للاستقبال أيضا فالحديث مخصص لا ناسخ. قال: "الثالثة: الإجماع لا ينسخ؛ لأن النص يتقدمه ولا ينعقد الإجماع بخلافه ولا القياس بخلاف الإجماع, ولا ينسخ به, أما النص والإجماع فظاهران, وأما القياس فلزواله بزوال شرطه والقياس إنما ينسخ بقياس أجلى منه". أقول: اختلفوا في نسخ الإجماع، والنسخ به على مذهبين حكاهما الآمدي وغيره, والمختار عنده وعند الإمام وأتباعهما كابن الحاجب والمصنف المنع، فأما كونه لا ينسخ فلأن النسخ إنما يكون بنص من الكتاب والسنة أو بإجماع أو قياس والكل باطل، أما الأول وهو النص فلأنه متقدم على الإجماع إذ جميع النصوص متلقاة من النبي ﷺ ، والإجماع لا ينعقد في زمنه ﵊ لأنه إن لم يوافقهم لم ينعقد وإن وافقهم كان قوله هو الحجة لاستقلاله بإفادة الحكم, فثبت أن النص متقدم على الإجماع، وحينئذ فيستحيل أن يكون ناسخا له، وأما الثاني وهو الإجماع فلاستحالة انعقاده على خلاف إجماع آخر، إذ لو انعقد لكان أحد الإجماعين خطأ؛ لأن الأول إن لم يكن عن دليل فهو خطأ, وإن كان عن دليل كان الثاني خطأ لوقوعه على خلاف الدليل، وإلى هذا أشار بقوله: ولا ينعقد الإجماع, وهو بالواو لا بالفاء فاتهمه. وأما الثالث وهو القياس فلأنه لا ينعقد على خلاف الإجماع كما ستعرفه في بابه إن شاء الله تعالى. قوله: "ولا ينسخ به" يعني: أن الإجماع أيضا لا يكون ناسخا لغيره؛ لأن المنسوخ به إما النص أو الإجماع أو القياس والكل باطل. أما النص فلاستحالة انعقاد الإجماع على خلافه كما ذكرناه، وأما الإجماع فلما مر أيضا من امتناع انعقاده على خلاف إجماع آخر. ولما كان السبب في امتناعه معلوما مما تقدم عبر بقوله: أما النص والإجماع فظاهران، وأما القياس فلأن شرط صحته أن لا يخالف الإجماع, فإذا انعقد الإجماع على خلافه زال القياس لزوال شرطه, وزوال المشروط لزوال الشرط لا يسمى نسخا، وفي هذا الجواب شيء يقدم في الرد على أبي مسلم. فإن قيل: هذا بعينه يلزمكم في النصوص فإن من شرط اقتضائها الأحكام أن لا يطرأ عليها الناسخ فإذا طرأ زالت لزوال شرطها, وحينئذ فلا نسخ، وجوابه أن النص في نفسه صحيح سواء طرأ الناسخ أم لا بخلاف القياس. قوله: "والقياس وإنما ينسخ بقياس أجلى منه" أي: أوضح وأظهر كما إذا نص الشارع مثلا على تحريم بيع البر بالبر متفاضلا فعديناه إلى السفرجل مثلا لمعنى. ثم نص أيضا على إباحة التفاضل في الموز وكان مشتملا على معنى أقوى من المعنى الأول فيقتضي إلحاق السفرجل به، فإن القياس الثاني يكون ناسخا للقياس الأول، ويعرف الأقوى بوجوه كثيرة

стр. 284

مذكورة في الكتاب في تراجيح الأقيسة وهذا التقرير اعتمده، وإنما حصر المصنف ناسخ القياس في القياس الأجلى؛ لأن غيره إما نص وإما إجماع وإما قياس مساو للأول وإما قياس أخفى منه ويمتنع نسخه بالكل. أما الأول والثاني فزوال القياس بزوال شرطه كا تقدم. وأما الثالث فلامتناع الترجيح من غير مرجح. وأما الرابع فلاستلزامه تقديم المرجوح على الراجح، وقد تحرر من كلام المصنف أن القياس قد يكون ناسخا، وقد يكون منسوخا لكنه لا ينسخ به إلا قياس آخر أخفى منه كما لا ينسخه إلا قياس أجلى. والذي قاله هو الصواب، وقال في المحصول: يجوز نسخه في زمن الرسول بسائر الأدلة من النص والإجماع والقياس الأقوى. قال: وأما بعد وفاته فهو وإن ارتفع في المعنى فليس بنسخ كما قدمناه، وهذا الذي قاله سهو؛ فإنه قد نص قبل ذلك بقليل على أن الإجماع لا ينعقد في زمن الرسول، وعلى أنه يمتنع نسخ القياس به. لا جرم أنه لم يذكر المسألة في المنتخب، وقال صاحب الحاصل: إن هذا الكلام مشكل, وصاحب التحصيل: إن فيه نظرا ولم يبينا وجه الإشكال، وقد تفطن المصنف للمشكل منه فحذفه. وحكى الآمدي في نسخ القياس عن بعضهم المنع مطلقا، وعن بعضهم الجواز مطلقا, لكن في حياته ﵊ ثم اختار تفصيلا فقال: إن كانت العلة منصوصة فهي في معنى النص فيمكن نسخ حكمه بنص أو قياس في معناه، وإن كانت مستنبطة فإن الدليل المعارض لها وإن كان مقدما لكنه ليس بنسخ, وأما النسخ به فحكى فيه أقوالا، ثالثها: الفرق بين الجلي والخفي. ثم قال: والمختار أن العلة إن كانت منصوصة فهي في معنى النص جواز في النسخ بالقياس المشتمل عليها، وإن لم تكن منصوصة فإن كان القياس قطعيا كقياس الأمة على العبد في التقويم فإنه يكون أيضا رافعا لما قبله من الأدلة لكنه لا يكون نسخا، وإن كان ظنيا فلا يكون نسخا أيضا. وذكر ابن الحاجب في المسألتين نحوا مما ذكره. قال: "الرابعة: نسخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى وبالعكس؛ لأن اللازم يستلزم نفي ملزومه والفحوى يكون ناسخا". أقول: فحوى الخطاب هو مفهوم الموافقة كما تقدم. فإذا نسخ أصل الفحوى كتحريم التأفيف فهل يستلزم ذلك نسخ الفحوى كتحري الضرب وكذلك العكس؟ اختلفوا فيهما على مذاهب حكاها ابن الحاجب, ثالثها وهو المختار عنده: أن نسخ الأصل لا يستلزم نسخ الفحوى بخلاف العكس. وقال الآمدي في الأحكام: المختار أنه إن جعلنا الفحوى من باب القياس فيكون رفع الأصل مستلزما لرفع الفحوى بخلاف العكس, وإن جعلناه من باب النص فقال أعني الآمدي لكن في منتهى السول أن المختار أنه لا يلزم من رفع أحدهما رفع الآخر، وذكر في الأحكام نحوه أيضا وجزم في المحصول بأن نسخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى، وأما عكسه فنقله من أبي الحسين ولم يرده وجزم المصنف بالأشمرين، واستدل على الثاني وهو أن نسخ الفحوى يستلزم نسخ الأصل بأن الفحوى لازم للأصل، ونفي اللازم يستلزم

стр. 285

نفي الملزوم، وأما الأول فلم يستدل عليه، وقد استدل عليه الإمام بأن الفحوى تابع الأصل, ورفع المتبوع مستلزم لرفع التابع، وأجاب الآمدي وابن الحاجب بأن دلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق على حكمه وليست تابعة لحكمه، ودلالة المنطوق باقية بعد النسخ أيضا فما هو أصل ليس بمرتفع, وما هو مرتفع ليس بأصل. قوله: "الفحوى يكون ناسخا" أي: بالاتفاق كما قاله في المحصول قال: لأن دلالته إن كانت لفظية فلا كلام, وإن كانت عقلية فهي يقينية فتقتضي النسخ لا محالة, وفيما قاله نظر لأن الناسخ يجب أن يكون طريقا شرعيا لا عقليا كما تقدم. واعلم أن الراجح عند المصنف أن دلالة الفحوى من باب القياس كما ستعرفه، وقد تقدم قريبا من كلامه أن القياس إنما يكون ناسخا لقياس آخر أخفى منه، فيكون الفحوى كذلك فافهمه. قال: "الخامسة: زيادة صلاة ليست بنسخ قيل: تغير الوسط، قلنا: وكذا زيادة العبادة، أما زيادة ركعة ونحوها فكذلك عند الشافعي ونسخ عند الحنفية. وفرق قوم بين ما نفاه المفهوم وبين ما لم ينفه، والقاضي عبد الجبار بين ما ينفي اعتداد الأصل وما لم ينفه، وقال المصري: إن نفى ما ثبت كان نسخا وإلا فلا, فزيادة ركعة على ركعتين نسخ لاستعقابهما التشهد, وزيادة التغريب على الجلد ليس بنسخ". أقول: زيادة صلاة أي: على الصلوات الخمس ليست بنسخ لشيء وقال بعض أهل العراق: زيادتها تغير الوسط أي: تجعل ما كان وسطا غير وسط فيكون نسخا للأمر بالمحافظة على الوسطى في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وأجيب عنه بأن كون الشيء وسطا أو آخر أمر حقيقي لا حكم شرعي فلا يكون رفعه نسخا وإلا لزم أن تكون زيادة العبادة المستقلة نسخا أيضا لأنها تجعل العبادة الأخيرة غير أخيرة, وليس كذلك بالاتفاق كما قاله في المحصول١ وفي الجواب نظر؛ لأنه إنما يلزم ذلك أن لو أمرنا بالمحافظة على الأخيرة فإن قيل: فما الفائدة في كونه يسمى نسخا أم لا؟ قلنا: فائدته إثبات الزيادة بخبر الواحد إذا كان الأصل متواترا أما زيادة شيء لا يستقل كركعة أو سجود أو شرط أو صفة فاختلفوا فيه, فقالت الشافعية: ليس بنسخ واختاره في المعالم وقالت الحنفية: يكون نسخا وقال قوم: ينظر في الزائد, فإن نفاه مفهوم الأول كان نسخا كما لو قال: في الغنم المعلوفة الزكاة بعد أن قال: في الغنم السائمة الزكاة, وإن لم يكن ينفيه فلا يكون نسخا كزيادة التغريب على الجلد وعشرين سوطا على حد القذف, ووصف الرقبة موجب لاستثنائه لو فعل وحده كما كان يفعل أو لا فإنه يكون نسخا كزيادة ركعة أو ركوع أو سجود وإن لم يكن كذلك بل فعله معتد به دون الزائد وإنما يلزم ضمه إليه فلا يكون نسخا كزيادة التغريب على الجلد والعشرين على الحد. كذا نقله الإمام الآمدي عن عبد الجبار حكما وتمثيلا إلا أن الآمدي زاد على هذا أنه يقول:

стр. 286

إن التخيير في ثلاث خصال بعد التخيير في خصلتين يكون نسخا أيضا، وهو وارد على المصنف والإمام, ونقل ابن الحاجب عنه أن زيادة الأسواط على حد القذف يكون نسخا وهو سهو وقال أبو الحسين البصري: إن كان الزائد رافعا لحكم ثابت بدليل شرعي كان نسخا، سواء كان ثبوته بالمنطوق أو بالمفهوم وجعلناه حجة كما صرح به الآمدي والإمام في أثناء المسألة، وإن كان رافعا لما ثبت بدليل عقلي أي: البراءة الأصلية فلا. قال في المحصول: وهذا التفصيل أحسن من غيره، وقال الآمدي وابن الحاجب: إنه المختار وما قاله في المفهوم مبني على أن تقرير النفي الأصلي حكم شرعي، وفيه بحث. ثم مثل المصنف لهذا المذهب بمثالين الأول منه، والثاني للقسم الثاني، فقال: إن زيادة ركعة على ركعتين يكون نسخا؛ لأنها رفعت حكما شرعيا وهو وجوب التشهد عقب الركعتين، وزيادة التغريب على الجلد ليس بنسخ لأن عدم التغريب كان ثابتا بمقتضى البراءة الأصلية، ونقل في الأحكام عن صاحب هذا التفصيل وهو أبو الحسين البصري أن المثالين جميعا ليسا بنسخ. أما الثاني فواضح، وأما الأول فلأن التشهد إنما محله آخر الصلاة لا بعد الركعتين بخصوصهما، وكلام المصنف يوهم أن التمثيل من تتمة كلام أبي الحسين وليس كذلك فاجتنبه، وخالف ابن الحاجب فجعلهما معا من باب النسخ, قال: لأن الزيادة فيها كانت حراما ثم زالت، والمذكور في المحصول والأحكام هو ما ذكره المصنف تفصيلا وتعليلا، وأجابا عن التحريم بأنه مستند إلى البراءة الأصلية، ولو خيرنا الله تعالى بين المسح والغسل بعد إيجاب الغسل، أو في خصال ثلاث بعد التخيير في خصلتين. فقال الإمام: لا يكون نسخا، واختلف كلام الآمدي فقال في الأحكام: إن هذا هو الحق، وقال في منتهى السول: الحق أن الأول نسخ دون الثاني, وصرح ابن الحاجب أيضا بأن الأول نسخ ولم يصرح بحكم الثاني.

стр. 287

خاتمة في النسخ: قال: "خاتمة: النسخ يعرف بالتاريخ, فلو قال الراوي: هذا سابق قبل بخلاف ما لو قال: هذا منسوخ؛ لجواز أن يقوله عنه اجتهاد ولا نراه". أقول: مقصود المصنف من هذا بيان الطرق التي يعرف بها كون الشيء ناسخا ومنسوخا. ولما كان ذلك متعلقا بجميع أنواع النسخ ذكره آخرا وسماه خاتمة. وحاصله أن النسخ قد يعرف بتنصيص الشارع عليه، ولم يتعرض له المصنف لوضوحه، وقد يعرف بالتاريخ. فإذا علمنا بطريق ما أن أحد الدليلين المتنافيين متأخر عن الآخر كان ناسخا له، فلو قال الراوي: هذه الآية نزلت قبل تلك أو هذا الحديث سابق على ذلك قبلناه، وإن كان قبوله يقتضي نسخ المتواتر بالآحاد، وسببه أن النسخ حصل بطريق التبع, أما لو قال: هذا منسوخ, فإنه لا يقبل لاحتمال أن يقوله عن اجتهاد, ونحن لا نرى ما يراه، وفي المحصول عن الكرخي أن الراوي إذا لم يعين الناسخ وجب الأخذ بقوله؛ لأنه لولا ظهور النسخ فيه لم يطلقه. "فروع" حكاها ابن الحاجب, أحدها: إذا قال: افعلوا هذا أبدا جاز نسخه عند الجمهور. الثاني: نقصان جزء العبادة كالركعة أو شرطها كالوضوء, ونسخ لذلك الجزء أو الشرط اتفاقا، وليس بنسخ للعبادة لأن وجوبها باقٍ بالإجماع، وقيل: نسخ لها؛ لأنه ثبت تحريمها بغير طهارة وبغير ركعة, ثم ثبت جوازها أو وجوبها بغيرهما، وقيل: إن كان جزءا نسخها, وإن كان شرطا فلا. الثالث: إذا نسخ حكم المقيس عليه كان ذلك نسخا لحكم المقيس على المختار. الرابع: اتفقوا على أن الناسخ لا يثبت حكمه قبل أن يبلغه جبريل للنبي ﷺ ، واختلفوا في ثبوت حكمه بعد وصوله إلى النبي ﷺ وقبل تبليغه إلينا، والمختار أنه لا يثبت. الخامس: المختار جواز نسخ وجوب معرفة الله تعالى وتحريم الكفر وغيره خلافا للمعتزلة, والمختار أيضا جواز نسخ جميع التكاليف خلافا للغزالي قال: لأن المنسوخ لا ينفك عن وجوب معرفة النسخ ومعرفة الناسخ، وهو الله تعالى. وجوابه أن نقول على تقدير تسليم اللزوم, فيجوز أن نعلمهما، وينقطع التكليف بعد معرفتهما بهما وبغيرهما، والفرعان الأولان مذكوران في المحصول أيضا.

стр. 288

الكتاب الثاني: في السنة الباب الأول: الكلام في أفعاله قال: "الكتاب الثاني: في السنة, وهو قول الرسول ﷺ أو فعله وقد سبق مباحث القول, والكلام الآن في الأفعال وطرق ثبوتها وذلك في بابين, الباب الأول: في الكلام في أفعاله, وفيه مسائل الأولى: أن الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- معصومون لا يصدر عنهم ذنب إلا الصغائر, والتقرير مذكور في كتابي المصباح". أقول: السنة لغة هي العادة والطريقة قال الله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧] أي: طرق, وفي الاصطلاح تطلق على ما يقابل الفرض من العبادات وعلى ما صدر من النبي ﷺ من الأفعال أو الأقوال التي ليست للإعجاز وهذا هو المراد هنا. ولما كان التقرير عبارة عن الكف عن الإنكار, والكف فعل كما تقدم, استغنى المصنف عنه به أي: عن التقرير بالفعل, وإنما أتى بـ"أو" الدالة على التقسيم للإعلام بأن كلا من القول والفعل يطلق عليه اسم السنة، وقد سبق مباحث القول بأنواعها من الأمر, والنهي، والعام, والخاص, وغيرها. والكلام الآن في الأفعال وفي الطرق التي ثبتت الأفعال بها وهي الأخبار, وجعل المصنف ذلك فيما بين الأول في الأفعال والثاني في الأخبار، وقدم الكلام في الأخبار على الكلام في الإجماع وإن كان مخالفا لأصلية الحاصل والمحصول؛ لئلا يتخلل بين أفعاله ﵊ وبين طرق ثبوتها مباحث أجنبية، وذكر في الباب الأول خمس مسائل, الأولى: في عصمة الأنبياء ﵈ وهي مقدمة لما بعدها؛ لأن الاستدلال بأفعالهم متوقف على عصمتهم, فنقول: اختلفوا في عصمتهم قبل النبوة فقال الآمدي: الحق وهو ما ذهب إليه القاضي أبو بكر وأكثر أصحابنا أنه لا يمتنع عليهم ذنب سواء كان كفرا أو غيره، وأما بعد النبوة فقد أجمعوا كما قال الآمدي على عصمتهم من تعمد الكذب في الأحكام. قال: فإن كان غلطا فالأشبه الجواز، وأجمعوا أيضا إلا بعض المبتدعة على عصمتهم من تعمد الكبائر, وتعمد الصغائر الدالة على الخسة كسرقة كسرة, وما عدا ذلك فقد اختلفوا فيه

стр. 289

على أقوال أحدها: أنهم معصومون من الكبائر عمدا وسهوا، ومن الصغائر عمدا لا سهوا وبه جزم المصنف واختاره صاحب الحاصل. والثاني: أنهم معصومون عن تعمد الذنب مطلقا دون سهوه, سواء كان صغيرة أو كبيرة لكن بشرط أن يتذكروه وينبهوا غيرهم عليه، وهو مقتضى كلام المحصول والمنتخب. والثالث وهو طريقة الآمدي: أنهم معصومون عن تعمد الكبائر فقط. قال: فأما صدور الكبيرة لنسيان أو تأويل خطأ, فقد اتفق الكل على عدم جوازه سوى الرافضة، وأما الصغيرة فقد اتفق أكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة على جوازه عمدا أو سهوا. هذا كلامه في الأحكام ومنتهى السول، وهو معنى كلام ابن الحاجب أيضا، قالا: والعصمة ثابتة بالسمع عند الأكثرين خلافا للمعتزلة حيث قالوا: إنها ثابتة بالعقل أيضا. وهذه المسألة من علم الكلام؛ فلذلك أحال المصنف تقريرها على كتابه المسمى بالمصباح. قال: "الثانية: فعله المجرد يدل على الإباحة عند مالك، والندب عند الشافعي, والوجوب عند ابن سريج وأبي سعيد الإصطخري وابن خيران, وتوقف الصيرفي وهو المختار؛ لاحتمالها واحتمال أن يكون من خصائصه". أقول: فعل النبي ﷺ إن كان من الأفعال الجبلية كالقيام والقعود والأكل والشرب ونحوها فلا نزاع في كونها على الإباحة أي: بالنسبة إليه وإلى أمته كما قاله الآمدي وتركه المصنف لوضوحه، وما سوى ذلك إن ثبت كونه من خصائصه فواضح أيضا، وإن لم يثبت ذلك وكان بيانا لمجمل فحكمه في الإيجاب، وغيره حكم الذي بينه, كما سيأتي في كلام المصنف؛ ولذلك أهمله هنا, وإن لم يكن بيانا وعلمنا صفته بالنسبة إلى النبي ﷺ من الوجوب والندب والإباحة إما ببيانه, أو بقرينة الامتثال, أو غير ذلك, فحكم أمته كحكمه كما نقله الإمام عن جمهور الفقهاء والمعتزلة، ونقله الآمدي عن جمهور الفقهاء والمتكلمين, واختاره ويعبر عن هذا المذهب بأن التأسي واجب أي: يجب علينا فعله إن كان واجبا, فاعتقاد ندبيته أو إباحته إن كان مندوبا أو مباحا، وقيل: لا يكون حكمنا كحكمه مطلقا، وقيل: إن عبادة وجب التأسي به وإلا فلا, وإن لم تعلم صفته نظر فيه إن قصد القربة فإنه يدل على الندب عند الإمام وأتباعه، ومنهم المصنف. وقد صرحوا به في المسألة الثالثة وعبر عنه المصنف هناك بقوله: والندب بقصد القربة مجردا، وقيل بأنه للوجوب ونقله القرافي عن مالك وقيل بالتوقف. وأما إذا لم يظهر فيه قصد القربة ففيه أربعة مذاهب, وهذا القسم هو الذي تكلم فيه المصنف واحترز عن جميع ما تقدم بقوله: فعله المجرد. فقال مالك: يدل على إباحة ذلك الشيء وجزم به الإمام في الكلام على جهة الفعل, وستقف عليه بعد هذه المسألة إن شاء الله تعالى. وقال الشافعي: يدل على الندب، وقال ابن سريج وأبو سعيد الإصطخري١ وابن

стр. 290

خيران١ الشافعيون: يدل على الوجوب واختاره الإمام في المعالم، وقال أبو بكر الصيرفي: لا يدل على شيء من الأحكام بالتعيين؛ لاحتمال هذه الأمور الثلاثة, واحتمال أن لا يكون من خصائصه فيتوقف إلى ظهور البيان, واختاره في المحصول هنا وتبعه عليه المصنف، وهذه المذاهب الأربعة حكاها الآمدي أيضا في الفعل الذي ظهر فيه قصد القربة. ثم قال: والمختار أنه إن ظهر فيه قصد القربة فهو دليل في حقه وحق أمته على القدر المشترك بين الواجب والمندوب, وهو ترجيح الفعل على الترك لا غير، وأما ما اختص به كل واحد منهما فمشكوك فيه، وإن يظهر فيه قصد القربة فهو دليل على القدر المشترك بين الواجب والمندوب والمباح، وهو رفع الحرج عن الفعل لا غير، والذي يمتاز به كل واحد منهما مشكوك فيه أيضا، هذا حاصل كلامه. وقال ابن الحاجب: المختار أنه إن ظهر قصد القربة فهو الندب، وإلا فللإباحة. واعلم أن إثبات قول بإباحته مع ظهور قصد القربة فيه إشكال ظاهر. قال: "احتج القائل بالإباحة بأن فعله لا يكره ولا يحرم, والأصل عدم الوجوب والندب فبقي الإباحة. ورد بأن الغالب على فعله الوجوب أو الندب, وبالندب بأن قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] يدل على الرجحان, والأصل عدم الوجوب, وبالوجوب بقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] ، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] ، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] . وإجماع الصحابة على وجوب الفعل بالتقاء الختانين لقول عائشة: "فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا"٢ وأجيب بأن المتابعة هي الإتيان بمثل ما فعلوه على وجهه, ﴿وَمَا آتَاكُمُ﴾ معناه: أمركم بدليل ﴿وَمَا نَهَاكُمْ﴾ , واستدلال الصحابة بقوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" ". أقول: استدل القائلون بأن فعله المجرد يدل على الإباحة، بأن فعله لا يكون حراما ولا مكروها لأن الأصل عدمه, ولأن الظاهر خلافه، فإن وقوع ذلك من آحاد عدول المسلمين نادر فكيف من أشراف المسلمين؟ وحينئذ فإما أن يكون واجبا أو مندوبا أو مباحا والأصل عدم الوجوب والندب؛ لأن رفع الحرج عن الفعل والترك ثابت وزيادة الوجوب والندب لا تثبت إلا بدليل ولم يتحقق فتبقى الإباحة. وأجيب بأن الغالب على فعله الوجوب أو الندب, فيكون الحمل على الإباحة حملا على المرجوح وهو ممتنع, ولك أن تقول: يلزم من عدم الحمل على الإباحة لمرجوحيتها عدم إدخالها في التوقف بالضرورة، والمصنف قد خالف بينهما. لا جرم أن الإمام لم يحجب بهذا, وإنما أجاب به في الحاصل فتبعه

стр. 291

المصنف عليه. قوله: "وبالندب" أي: واحتج القائل بالندب بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٤١] فإن وصف الأسوة بالحسنة يدل على الرجحان، والوجوب منتفٍ لكونه خلاف الأصل, ولقوله: ﴿لَكُمْ﴾ لم يقل عليكم فتعين الندب ولم يجب المصنف هنا عن هذا بل جمع بينه وبين دليل الإيجاب، وأجاب عنهما بجواب واحد, وهو أن الأسوة والمتابعة شرطهما العلم بصفة الفعل كما سيأتي. قوله: "وبالجوب" أي: واحتج القائل بالوجوب بالنص والإجماع. أما النص فلأمور منها قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ﴾ والأمر للوجوب. ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] فإنه يدل على أن محبة الله تعالى مستلزمة للمتابعة، ومحبة الله تعالى واجبة إجماعا، ولازم الواجب واجب، فتكون المتابعة واجبة. ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] ووجه الدلالة على أن الأخذ هنا معناه الامتثال، ولا شك أن الفعل الصادر من رسول الله ﷺ قد آتانا إياه فيكون امتثاله واجبا للآية، وأما الإجماع فلأن الصحابة اختلفوا في وجوب الغسل من الجماع بغير إنزال, فسأل عمر عائشة ﵂ فقالت: "فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا" فأجمعوا على الوجوب, وأجيب عن الدليلين الأولين بوجهين أحدها: أن المتابعة المأمور بها مطلقة لا عموم لها. الثاني وعليه اقتصر المصنف: أن المتابعة هي الإتيان بمثل فعله على الوجه الذي أتى به من الوجوب، أو غيره حتى لو فعله الرسول على قصد الندب مثلا ففعلناه على قصد الإباحة أو الوجوب، لم تحصل المتابعة؛ وحينئذ فيلزم أن يكون الأمر بالمتابعة موقوفا على معرفة الجهة، فإذا لم تعلم لم نكن مأمورين بها. وفي المحصول والأحكام وغيرهما أن التأسي والمتابعة معناهما واحد؛ فلذلك جعل المصنف جواب المتابعة جوابا عن التأسي الذي استدل به القائل بالندب كما تقدم. وذكر الآمدي للمتابعة والتأسي شرطا ثالثا فقال: هو الإتيان بمثل ما فعل الغير على الوجه الذي أتى به لكونه أتى به، إذ لا يقال في أقوام صلوا الظهر مثلا: إن أحدهم تأسى بالآخر، وهذا الشرط ذكره أيضا الإمام في الكلام على حجية الإجماع. والجواب عن الآية الثالثة أن قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ﴾ معناه وما أمركم، ويدل عليه أنه ذكر في مقابلته قوله: ﴿وَمَا نَهَاكُم﴾ ، وأما الإجماع على وجوب الغسل فأجاب عنه صاحب الحاصل بأن الصحابة لم يرجعوا إلى مجرد الفعل. قال: بل لأنه فعل في باب المناسك، وقد كانوا مأمورين بأخذ المناسك عنه لقوله: "خذوا عني مناسككم" هذا لفظه فتبعه عليه المصنف وهو جواب صحيح، فإنه وإن كان سبب وروده إنما هو الحج لكن اللفظ عام. قال الجوهري: والنسك العبادة، والناسك العابد. قال: "الثالثة: جهة فعله تعلم إما بتنصيصه أو بتسويته بما علم جهته أو بما علم أنه امتثال آية دلت على أحدها أو بيانها، وخصوصا الوجوب بأماراته كالصلاة بأذان وإقامة، وكونه موافقة نذر، أو ممنوعا لو لم يجب

стр. 292

كالركوعين في الخسوف, والندب بقصد القربة مجردا, وكونه قضاء لمندوب". أقول: لما تقدم أن المتابعة مأمور بها وأن شرط المتابعة العلم بجهة الفعل وأن فعله المجرد لا يدل على حكم معين, شرع المصنف في بيان الطرق التي تعلم بها الجهة. وقد تقدم أن فعله منحصر في الوجوب والندب والإباحة، وحينئذ فالطريق قد تعم الثلاثة، وقد تخص بعضها فالعام أربعة أشياء، أحدها: التنصيص بأن يقول: هذا الفعل واجب أو مندوب أو مباح. الثاني: التسوية ومعناه أن يفعل فعلا ثم يقول: هذا الفعل مثل الفعل الفلاني, وذلك الفعل علمت جهته, ولم يصرح الإمام ولا مختصرو كلامه بالتسوية. نعم ذكروا أنه يعلم أيضا بالتخيير بينه وبين فعل ثبتت جهته, قالوا: لأن التخيير لا يكون إلا بين حكمين مختلفين أي بين واجب ومندوب، أو مندوب ومباح. ولما كان التخيير بين الفعلين على هذا التقرير تسوية بينهما عبر المصنف بالتسوية؛ لأنها أعم وهو من محاسن كلامه. الثالث: أن يعلم بطريق من الطرق أن ذلك الفعل امتثال لآية دلت على أحد الأحكام الثلاثة بالتعيين, وإليه أشار بقوله: أو بما علم أنه امتثال آية، وهو معطوف على قوله: بتنصيصه وما فيه مصدرية تقديره: أو يعلمنا أنه. الرابع: أن يعلم أن ذلك الفعل بيان لآية مجملة دلت على أحد الأحكام حتى إذا دلت الآية على إباحة شيء مثلا، وذلك الشيء مجمل، وبينه بفعله فإن ذلك الفعل يكون مباحا؛ لأن البيان كالمبين, وإليه أشار بقوله: أو بيانها, وهو مرفوع عطفا على قوله: امتثال، وهكذا ذكره الإمام هنا، فتابعوه عليه. وفيه نظر لأن البيان واجب عليه، فيكون الفعل المبين يقع واجبا، غير أن فعله لا يجب علينا, وقد صرح الإمام بذلك في باب المجمل والمبين. قوله: "وخصوصا" أي: ويعلم خصوصا الوجوب بثلاثة أشياء, أحدها: بالأمارات الدالة على كون الشيء واجبا كالأذان والإقامة في الصلاة. الثاني: أن يكون موافقا لفعل نذكره كما إذا قال: إن هزم العدو, فلله علي صوم الغد فصام الغد بعد الهزيمة. الثالث: أن يكون الفعل ممنوعا لو لم يكن واجبا كالركوع الثاني في الخسوف، وبهذا الطريق يستدل على وجوب الختان لكنه ينتقض بسجود السهو وسجود التلاوة في الصلاة وغيرها، وبرفع اليدين على التوالي في تكبيرات العيد وفي المحصول ومختصراته أنه يعلم أيضا بكونه قضاء الواجب والعجب من ترك المصنف له مع ذكره إياه في المندوب. قوله: "والندب" أي: ويعلم خصوصا الندب بأمرين أحدهما: أن يعلم أنه قصد القربة وتجرد ذلك عن أمارة تدل على خصوص الوجوب أو الندب, فإنه يدل على أنه مندوب لأن الأصل عدم الوجوب. الثاني: كون الفعل قضاء لمندوب فإنه يكون مندوبا أيضا، وفي المحصول ومختصراته أنه يعلم أيضا بأن يداوم على الفعل ثم يتركه من غير نسخ، وأنه يعلم المباح بخصوصه بأن يفعل فعلا ليس عليه أمارة على شيء لأنه لا يفعل محرما ولا مكروها، والأصل عدم الوجوب والندب. وهذا مخالف لما ذكره قبيل ذلك من ترجيح الوقف فلذلك حذفه

стр. 293

المصنف. قال: "الرابعة: الفعلان لا يتعارضان, فإن عارض فعله الواجب اتباعه قولا متقدما نسخه. وإن عارض متأخرا عاما فبالعكس، وإن اختص به نسخه في حقه, وإن اختص بنا خصنا في حقنا قبل الفعل, ونسخ عنا بعده, وإن جهل التاريخ فالأخذ بالقول في حقنا؛ لاستبداده". أقول: التعارض بين الأمر هو تقابلهما على وجه يمنع كل واحد منهما مقتضى صاحبه, ولا يتصور التعارض بين الفعلين بحيث يكون أحدهما ناسخا للآخر أو مخصصا له؛ لأنه إذا لم تتناقض أحكامهما فلا تعارض وإن تناقضت فكذلك أيضا؛ لأنه يجوز أن يكون الفعل في وقت واجبا وفي مثل ذلك الوقت بخلافه من أن يكون مبطلا لحكم الأول؛ لأنه لا عموم للأفعال بخلاف الأقوال، نعم إذا كان مع الفعل الأول قول مقتضٍ لوجوب تكراره, فإن الفعل الثاني قد يكون ناسخا أو مخصصا لذلك القول كما سيأتي, لا للفعل فلا يتصور التعارض بين الفعلين أصلا، بل إما أن تقع بين القولين، وقد ذكر المصنف حكمه في الكتاب السادس، أو بين القول والفعل وقد ذكره المصنف ههنا, وله ثلاثة أحوال أحدها: أن يكون القول متقدما. والثاني: عكسه، والثالث: أن يجهل الحال. قوله: "فإن عارض فعله الواجب ... إلخ" هذا هو الحال الأول، وحاصله أن النبي ﷺ إذا فعل فعلا وقام الدليل على أنه يجب علينا اتباعه فيه فإنه يكون ناسخا للقول المتقدم عليه, المخالف له، سواء كان ذلك القول عاما كما إذا قال: صوم يوم كذا واجب علينا ثم أفطر ذلك اليوم وقام الدليل على اتباعه، كما فرضنا أو كان خاصا به أو خاصا بنا، واحترز بقوله: الواجب اتباعه عما إذا لم يدل دليل على أنه يجب علينا أن نتبعه في ذلك الفعل، فإنه يستثنى منه صورة واحدة لا يكون فيها ناسخا بل مخصصا، وهو ما إذا كان القول المتقدم عاما ولم يصل بمقتضاه؛ لأنه إذا عمل بمقتضاه أو كان خاصا به ﵊ كان ناسخا, وإن كان خاصا به ﵊ كان ناسخا, وإن كان خاصا بنا فلا تعارض أصلا، ولم يذكر المصنف حكم الفعل الذي لم يقم الدليل على وجوب اتباعه فيه في شيء من الأقسام؛ لعدم الفائدة بالنسبة إلينا. قوله: "وإن عارض متأخرا" هذا هو الحال الثاني وهو أن يكون القول متأخرا عن الفعل المذكور، وهو الذي دل الدليل على أنه يجب علينا اتباعه فيه فنقول: إن لم يدل الدليل على وجوب تكرار الفعل فلا تعارض أصلا بينه وبين القول المتأخر أصلا، وتركه المصنف لظهوره, وإن دل الدليل على وجوب تكراره عليه وعلى أمته, فالقول المتأخر قد يكون عاما أي: متناولا له ﷺ ولأمته, وقد يكون خاصا به, وقد يكون خاصا بنا, فإن كان عاما فإنه يكون ناسخا للفعل المتقدم، كما إذا صام عاشوراء مثلا وقال: الدليل على وجوب تكراره وعلى تكليفنا به، وقال: لا يجب علينا صيامه، وإليه أشار بقوله: "وإن عارض متأخرا عاما فالعكس" أي: وإن عارض فعله الواجب اتباعه قولا متأخرا عاما فإنه يكون القول ناسخا للفعل، وإن كان خاصا به ﷺ , كما إذا قال في المثال المذكور: لا يجب علي

стр. 294

صيامه فليس فيه تعارض بالنسبة إلى الأمة لعدم تعلق القول بهم فيستمر تكليفهم به، وأما في حقه ﷺ فإن القول يكون ناسخا للفعل, وإليه أشار بقوله: وإن اختص به نسخه في حقه، وإن كان خاصا بنا، كما إذا قال في المثال المذكور: لا يجب عليكم أن تصوموا, فلا تعارض فيه بالنسبة إلى النبي ﷺ فيستمر تكليفه به، وأما في حقنا فإنه يدل على عدم التكليف بذلك الفعل, ثم إن ورد قبل صدور الفعل منا كان مخصصا أي: مبينا لعدم الوجوب، وإن ورد بعد صدور الفعل فلا يمكن حمله على التخصيص؛ لاستلزامه تأخير البيان عن وقت الحاجة فيكون ناسخا لفعله المتقدم، والتفصيل المذكور إنما يأتي إذا كانت دلالة الدليل الدال على وجوب اتباع الفعل بطريق الظهور، كما إذا قال: هذا الفعل واجب علينا أو على المكلفين، وأما إذا كان بطريق القطع كما إذا قال: إنه واجب علي وعليكم, فلا يمكن حمل القول المتأخر على التخصيص بل يكون ناسخا مطلقا. ثم إن هذا كله فيما إذا كان الفعل المتقدم مما يجب اتباعه كما تكلم فيه المصنف, فإن لم يكن كذلك فلا تعارض فيه بالنسبة إلى الأمة؛ لأن الفعل لم يتعلق بهم. وأما بالنسبة إليه فإن كان الفعل مما دل الدليل على وجوب تكراره عليه وكان القول المتأخر خاصا به ﷺ , أو متناولا له وللأمة بطريق النص، كقوله: لا يجب علي وعليكم فيكون القول ناسخا للفعل، وإن كان متناولا ولا بطريق الظهور كقوله: لا يجب علينا فيكون الفعل السابق مخصصا لهذا العموم؛ لأن المخصص لا يشترط تأخره عن العام عندنا، وأهمل المصنف ذلك كله؛ لأنه لا يخفى. قوله: "فإن جهل" هذا هو الحال الثالث، وهو أن يكون المتأخر من القول والفعل مجهولا, فإن أمكن الجمع بينهما بالتخصيص أو غيره فلا كلام، وإن لم يكن الجمع ففيه ثلاثة مذاهب جارية فينا لفائدة العمل. وفيه ﵊ لمعرفة ما كان يجب عليه مثلا أو يحرم، أحدها وهو المختار في الأحكام والمحصول ومختصراته: أنه يقدم القول لكونه مستقلا بالدلالة موضوعا لها، بخلاف الفعل فإنه لم يوضع للدلالة وإن دل فإنما يدل بواسطة القول. والثاني: أنه يقدم الفعل لأنه أبين وأوضح في الدلالة ولهذا يبين به القول كخطوط الهندسة. والثالث: أنا نتوقف إلى الظهور لتساويهما في وجوب العمل، واختار ابن الحاجب التوقف بالنسبة إلى النبي ﷺ والأخذ بالقول بالنسبة إلى الأمة، وفرق بينهما بأننا متعبدون بالعمل فأخذ بالقول لظهوره، ولا ضرورة بنا إلى الحكم بأحدهما بالنسبة إليه ﵊، ووافق المصنف مختار الجمهور بالنسبة إلى الأمة، وسكت عن القسم الآخر، وإليه أشار بقوله: "فالأخذ بالقول في حقنا لاستبداده" أي: لاستقلاله وهو ظاهر في اختيار ما اختاره ابن الحاجب. قال: "الخامسة: أنه ﵊ قبل النبوة تعبد بشرع وقيل: لا وبعدها, فالأكثر على المنع قيل: أمر بالاقتباس و"يكذبه انتظاره" الوحي وعدم مراجعته ومراجعتنا، قيل: راجع في الرجم قلنا: للإلزام، استدل بآيات أمر فيها باقتفاء

стр. 295

الأنبياء السالفة -عليهم الصلاة والسلام- قلنا: في أصول الشريعة وكلياتها". أقول: اختلفوا في أن النبي ﷺ هل كلف قبل النبوة بشرع أحد من الأنبياء؟ فيه ثلاثة مذاهب حكاها الإمام وأتباعه كصاحب الحاصل من غير ترجيح أحدها. نعم واختاره ابن الحاجب ثم المصنف وعبر بقوله: تعبد وهو بضم التاء والعين أي: كلف، ولم يستدل عليه لعدم فائدته الآن، واستدل له في المحصول بكونه داخلا في دعوة من قبله، وعلى هذا فقيل: كلف بشرع نوح، وقيل: إبراهيم وقيل: موسى، وقيل: عيسى، حكاها الآمدي، وقيل: بشرع آدم كما نقل عن حكاية ابن برهان، وقيل: جميع الشرائع شرع له، حكاه بعض شراح المحصول عن المالكية. والثاني: لا، إذ لو كان مكلفا بشريعة لوجب عليه الرجوع إلى علمائها وكتبها, ولو راجع لنقل. والثالث: الوقف واختاره الآمدي، وأما بعد النبوة فالأكثرون على أنه ليس متعبدا بشرع أصلا، واختاره الآمدي والإمام والمصنف، وقيل: بل كان متعبدا بذلك، أي: مأمورا بأخذ الأحكام من كتبهم كما صرح به الإمام؛ فلذلك عبر عنه المصنف بقوله: وقيل أمر بالاقتباس فافهمه، وهذا المذهب يعبر عنه بأن شرع من قبلنا شرع لنا، واختاره ابن الحاجب، وللشافعي في المسألة قولان وبنى عليهما أصلا من أصوله في كتاب الأطعمة أصحهما الأول، واختاره الجمهور، وأبطل المصنف الثاني بثلاثة أوجه، أحدها: أنه كان ينتظر الوحي مع وجود تلك الأحكام في شرع من تقدمه، والثاني: أنه كان لا يراجع كتبهم ولا أخبارهم في الوقائع. الثالث: أن أمته لا يجب عليها المراجعة أيضا وهذه الوجوه ذكرها الإمام وهي ضعيفة؛ لأن الإيجاب محله إذا علم ثبوت الحكم بطريق صحيح ولم يرد عليه ناسخ، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وليس المراد أخذ ذلك منهم؛ لأن التبديل قد وقع والتبس المبدل بغيره، واعترض الخصم بأنه ﵊ رجع إلى التوراة لما ترافع إليه اليهود في زنا المحصن. والجواب أن الرجوع إليها لم يكن لإنشاء شرع بل لإلزام اليهود، فإنهم أنكروا أن يكون في التوراة أيضا وجوب الرجم. قوله: "واستدل" أي استدل الخصم بآيات دالة على أنه ﵊ مأمور باقتفاء الأنبياء السالفة -عليهم الصلاة والسلام- أي باتباعهم. منها قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ٢٣] وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] وشرعهم من جملة الهدى، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤] الآية, وهو ﵊ سيد المرسلين، وأجاب المصنف بأن المراد وجوب المتابعة في الأشياء التي لم تختلف باختلاف الشرائع، وهي أصول الديانات، والكليات الخمس أي: حفظ النفوس، والعقول, والأموال، والأنساب، والأعراض،

стр. 296

الباب الثاني: في الأخبار الفصل الأول: فيما علم صدقه قال: "الباب الثاني: في الأخبار وفيه فصول, الأول: فيما علم صدقة، وهو سبعة, الأول: ما علم وجود مخبره بالضرورة أو بالاستدلال. الثاني: خبر الله تعالى وإلا لكنا في بعض الأوقات أكمل منه تعالى. الثالث: خبر رسول الله ﷺ والمعتمد دعواه الصدق وظهور المعجزة على وفقه. الرابع: خبر كل الأمة؛ لأن الإجماع حجة. الخامس: خبر جمع عظيم عن أحوالهم. السادس: الخبر المحفوف بالقرائن. السابع: المتواتر وهو خبر بلغت رواته في الكثرة مبلغا أحالت العادة تواطؤهم على الكذب، وفيه مسائل". أقول: الخبر قسم من أقسام الكلام، وهو يطلق على اللساني والنفساني، والخلاف في أنه هل هو مشترك بينهما، أو حقيقة في الأول مجاز في الثاني, أو عكسه؟ كالخلاف في الكلام وقد عرفه المصنف في تقسيم الألفاظ بأنه الذي يحتمل التصديق أو التكذيب، وتقديم الكلام هناك عليه؛ فلذلك استغنى عن ذكره هنا. ثم إن الخبر من حيث هو خبر محتمل للصدق والكذب مطلقا، لكنه قد يقطع بصدقه أو كذبه لأمور خارجة، وقد لا يقطع بواحد منها لعدم عروض موجب للقطع به, فصار الخبر على ثلاثة أقسام؛ فلذلك ذكر في الباب ثلاثة فصول، لكل قسم منها فصل, وهذا إذا قلنا: إن الخبر منحصر في الصدق والكذب، وجعل الجاحظ بينهما واسطة فقال: الصدق هو المطابق مع اعتقاد كونه مطابقا، والكذب هو الذي لا يكون مطابقا مع اعتقاد عدم المطابقة، فأما الذي ليس معه اعتقاد سواء كان مطابقا أو غير مطابق فإنه ليس بصدق ولا كذب، والأكثرون قالوا: الصدق هو المطابق للواقع مطلقا، والكذب ما ليس بمطابق مطلقا. الفصل الأول: فيما علم صدقه, وهو سبعة أقسام الأول: الخبر الذي علم وجود مخبره أي: المخبر به وهو بفتح الباء، والعلم به إما بالضرورة كقولنا: الواحد نصف الاثنين، وإما بالاستدلال كقولنا: العالم حادث، وكالخبر الموافق لخبر المعصوم. الثاني: خبر الله تعالى وإلا لكنا في بعض الأوقات وهو وقت صدقنا وكذبه أكمل منه تعالى؛ لكون الصدق صفة كمال والكذب صفة نقص، وهذا القسم وما بعده علمنا فيه أولا صدق الخبر، ثم استدللنا بوقوعه على صدق الخبر. الثالث: خبر الرسول ﷺ والمعتمد في حصول العلم به وهو دعواه الصدق في كل الأمور، وظهور المعجزة عقب هذه الدعوى, إلا بإثبات وقوع هذا كله. قال: وكيف؟ وقد جوز بعضهم وقوع الذنب منهم عمدا واتفقوا على جوازه في حال السهو والنسيان، وقد لاح مما قاله الإمام إشكال على المصنف في تجويزه الصغائر سهوا, ودعواه العلم بالصدق مطلقا. نعم إن أراد الصدق في الأحكام وهو الذي يقتضيه كلام الإمام في المعالم, فلا تعارض؛ لأنهم معصومون عن الخطأ فيه عند طائفة كما تقدم. الرابع: خبر كل الأمة؛ لأن الإجماع حجة كما سيأتي, هكذا استدل عليه الإمام فتبعه المصنف وغيره؛ فإن أراد بالحجة ما هو مقطوع به، وهو الذي صرح به الآمدي هنا فالإجماع ليس كذلك عندهما كما ستعرفه، وإن أراد بالحجة ما يجب العمل به فمسلم, لكنه لا يلزم من ذلك أن يكون مقطوعا به؛ لأن أخبار الآحاد والعمومات وغيرهما يجب العمل بها مع

стр. 297

أنها ظنية. الخامس: أن يخبر جمع عظيم يستحيل تواطؤهم على الكذب عن شيء من أحوالهم كالشهوة والنفرة, فإنه لا يجوز أن يكون كلها كذبا كما قال في المحصول أي: بل لا بد أن يكون منها ما هو صدق قطعا، وليس المراد أنا نقطع بصدق الجميع فإنه باطل قطعا. قال: وكذلك إذا أخبر كل واحد منهم عن شيء لم يخبر به صاحبه. السادس: الخبر المحفوف بالقرائن كخبر ملك عن موت ولده، ولا مريض عنده سواه، مع خروج النساء على هيئة منكرة من البكاء ونشر الشعر, وخروج الملك وراء الجنازة على نحو هذه الهيئة، فإنه يفيد العلم كما جزم به المصنف، واختاره الإمام والآمدي وابن الحاجب، ونقلوا عن الأكثرين خلافه. السابع: الخبر المتواتر والتواتر لغة هو التتابع يقال: تواتر القوم إذا جاء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما، وفي الاصطلاح كل خبر بلغت رواته في الكثرة مبلغا أحالت العادة تواطؤهم على الكذب. فروع جعلها بعضهم من المقطوع بها كما قاله في المحصول١، أحدها: إذا أخبر شخص عن أمر بحضرة الرسول ﵊ ولم ينكره فقال بعضهم: يكون تصديقا له مطلقا، والحق أنه يكون تصديقا إن كان في أمر ديني لم يتقدم بيانه, أو تقدم وكان مما يجوز نسخه، وكذلك إذا كان في أمر دنيوي وعلمنا أنه ﵊ علم بذلك أو ادعى المخبر علمه به مع استشهاده به. الثاني: إذا أخبر شخص عن أمر بحضرة جمع عظيم بحيث لو كان كاذبا لما سكتوا عن تكذيبه فأمسكوا عن ذلك, فإنه يفيد ظن صدقه، وقال جماعة: يفيد القين لامتناع جهلهم به في العادة، ومع عدم الجهل يمتنع عادة أن لا يكذبوه. الثالث: قالت جماعة من المعتزلة: الإجماع على العمل بموجب الخبر يدل على صحته قطعا؛ لأن المادة في المفلتين أن يقبله بعضهم ويرده بعضهم، وما قالوه باطل. الرابع: قال بعض الزيدية: بقاء النقل مع توفر الدواعي على إبطاله يدل على القطع بصحته, وما قالوه ليس بشيء. الخامس: تمسك جماعة في القطع بالخبر, بأن العلماء ما بين محتج به ومؤول له، وذلك يدل على اتفاقهم على قبوله وهو ضعيف؛ لاحتمال أن يكون قبوله كقبول خبر الواحد. قال: "الأولى أنه يفيد العلم مطلقا خلافا للسمنية، وقيل: يفيد عن الموجود لا عن الماضي. لنا أن نعلم بالضرورة وجود البلاد النائية والأشخاص الماضية. قيل: نجد التفاوت بينه وبين قولنا: الواحد نصف الاثنين, قلنا: للاستئناس. الثانية: إذا تواتر الخبر أفاد العلم فلا حاجة إلى النظر، خلافا لإمام الحرمين وللحجة والكعبي والبصري وتوقف المرتضى. لنا لو كان نظريا لم يحصل لمن لا يتأتى له كالبله والصبيان. قيل: يتوقف على العلم بامتناع تواطئهم، وأن لا داعي لهم إلى الكذب قلنا: حاصل بقوة قريبة من الفعل فلا حاجة إلى النظر". أقول: الأكثرون على أن المتواتر يفيد العلم مطلقا، وقالت السمنية: لا يفيد مطلقا، وقيل: إن كان خبرا عن

стр. 298

موجود أفاد، وإن كان عن ماضٍ فلا، والسمنية بضم السين وفتح الميم: فرقة من عبدة الأوثان كذا قاله الجوهري. والدليل على ما قلناه أنا نعلم بالضرورة وجود البلاد البعيدة كمكة وقسطنطينية والأشخاص الماضية كالشافعي وجالينوس. واعترض الخصم بأنا نجد التفاوت بين خبر التواتر وبين غيره من المحسوسات والبديهيات كقولنا: الواحد نصف الاثنين وحصول التفاوت دليل احتمال النقيض, واحتمال النقيض مناف للعلم. وأجاب المصنف بأن التفاوت الحاصل سببه أن بعض القضايا يكثر استعمالها وتصور طرفيها وبعضها لا يكثر؛ فلذلك يستأنس العقل ببعضها دون بعض فإذا وردت القضية الأولى جزم العقل بها بسرعة بخلاف القضية الثانية مع اشتراكهما في العملية، وهذا الجواب ذكره في الحاصل ولكن بعد أن منع أن العلوم لا تتفاوت, واقتصار المصنف عليه يوهم اختيار عدم تفاوتها، والمشهور خلافه ويحتمل أن يكون مراد المصنف إنما هو منع التفاوت وأسند بالاستئناس، ولم يذكر الإمام شيئا من هذين الجوابين بل أجاب بأنه تشكيك في الضروريات فلا يسمع. المسألة الثانية: ذهب الجمهور إلى أن العلم الحاصل عقب التواتر ضروري أي: لا يحتاج إلى نظر وكسب, واختاره الإمام وأتباعه وابن الحاجب, وذهب إمام الحرمين والكعبي وأبو الحسين البصري إلى أنه نظري ونقله المصنف تبعا للإمام عن حجة الإسلام الغزالي وفيه نظر؛ فإن كلامه في المستصفى مقتضاه موافقة الجمهور فتأمله, وتوقف المرتضى من الشيعة واختاره الآمدي في الأحكام ومنتهى السول. ثم استدل المصنف على مذهبه بأنه لو كان نظريا لكان غير حاصل لمن لا يتأتى منه النظر كالبله والصبيان وليس كذلك. واحتج الخصم بأن العلم بمقتضى الخبر متوقف على العلم بامتناع تواطؤ المخبرين على الكذب في العادة، وعلى العلم بأن لا داعي لهم إلى الكذب من حصول منفعة أو دفع مضرة، وهذه المقدمات نظرية والموقوف عن النظري أولى أن يكون نظريا، وأجاب المصنف تبعا للحاصل بأن هذه المقدمات حاصلة بقوة قريبة من الفعل, أي: إذا حصل طرفا المطلوب في الذهن حصلت عقبه من غير نظر وتعب. قال: "الثالثة: ضابطه إفادة العلم, وشرطه أن لا يفعله السامع ضرورة وأن لا يعتقد خلافه لشبهة دليل أو تقليد, وأن يكون سند المخبرين إحساسا به، وعددهم مبلغا يمتنع تواطؤهم على الكذب. وقال القاضي: لا يكفي الأربعة وإلا لأفاد قول كل أربعة، فلا يجب تزكية شهود الزنا لحصول العلم بالصدق أو الكذب. وتوقف في الخمسة ورد بأن حصول العلم بفعل الله تعالى فلا يجب الاطراد، وبالفرق بين الرواية والشهادة، وشرط اثنا عشر كنقباء موسى ﵇, وعشرون لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] , وأربعون لقوله تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] وكانوا أربعة وسبعين لقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥] وثلاثمائة وبضعة عشر عدد أهل بدر والكل ضعيف، ثم إن أخبروا عن عيان فذاك, وإلا فيشترط ذلك في كل الطبقات، الرابعة:

стр. 299

مثلا لو أخبر واحد بأن حاتما أعطى دينارا وآخر أنه أعطى جملا وهلم جرا, تواتر القدر المشترك لوجوده في الكل". أقول: ضابط الخبر المتواتر هو حصول العلم, فمتى أفاد الخبر بمجرده العلم تحققنا أنه متواتر وأن جميع شرائطه موجودة، وإن لم يفده تبينا عدم تواتره أو فقدان شرط من شروطه، وهي أربعة كما حكاها المصنف تبعا للإمام والآمدي، فالأولان راجعان إلى السامعين ولم يذكرهما الإمام في المعالم ولا ابن الحاجب في مختصره، والأخيران راجعان إلى الخبرين؛ أحدها: أن لا يكون السامع للخبر المتواتر عالما بمدلوله بالضرورة, فإنه إن كان كذلك لم يفده المتواتر علما لامتناع تحصيل الحاصل. الثاني: أن لا يكون معتقدا لخلاف مدلوله، إما لشبهة دليل إن كان من العلماء، أو لتقليد إن كان من العوام، فإن ارتسام ذلك في ذهنه واعتقاده له مانع من قبول غيره والإصغاء إليه، ومن هذا ما ورد في الحديث: "حبك الشيء يعمي ويصم" ١ وهذا الشرط نقله في المحصول عن الشريف المرتضى، ولم يصرح فيه بموافقته ولا مخالفته. قال: وإنما اعتبره؛ لأنه يرى أن الخبر المتواتر دال على إمامة علي ﵁، وأن المانع من إفادته العلم عند الخصم هو اعتقاد خلافه. الثالث: أن يكون سند المخبرين أي: مستندهم في الأخبار هو الإحساس بالمخبر عنه أي: إدراكه بإحدى الحواس الخمس. فإن أخبروا عما يستند إلى الدليل العقلي كحدوث العالم لم يفد العلم؛ لأن التباس الدليل عليهم محتمل. قال في البرهان: ولا معنى لتقييد المستند بالمحسوس؛ فإن المطلوب صدور الخبر عن العلم الضروري، فالوجه التقييد به لتدخل قرائن الأحوال، وتبعه على ما قاله صاحب المحصول والمختصرون لكلامه فقيدوه بذلك, وفيه نظر؛ فإن قرائن الأحوال لها استناد إلى الحس وليست عقلية محضة؛ فلذلك عدل المصنف إلى العبارة المشهورة. الرابع: أن يبلغ عدد المخبرين مبلغا يمتنع بحسب العادة أن يتواطئوا على الكذب ويختلف ذلك باختلاف المخبرين والوقائع والقرائن. هذا حاصل ما ذكره المصنف من الشروط, وقد علم منه أنه لا يشترط عنده في المخبرين الإسلام ولا العدالة ولا اختلاف الدين, والبلد, والوطن، والنسب، ولا وجود الإمام المعصوم، ولا دخول أهل الذمة فيهم، ولأكثرتهم بحيث لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد، وفي كل ذلك خلاف حكاه الآمدي وابن الحاجب والإمام. قوله: "وقال القاضي" أي: أبو بكر: لا يكفي الأربعة في إفادة العلم، إذ لو أفاده قول الأربعة الصادقين لأفاده قول كل أربعة صادقين؛ لأن الحكم على الشيء حكم على مماثله، ولو كان كذلك لم يجب تزكية شهود الزنا لأنه إن حصل علم القاضي بقولهم فقد علم صدقهم, فيستغني عن التزكية، وإن لم يحصل العلم بذلك فيلزم أن يعلم كذبهم؛ لأن الفرض أن حصول العلم بالصدق ومن لوازم قول

стр. 300

أربعة صادقين, فمتى لم يحصل العلم بالصدق فقد انتفى اللازم، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، وهو قول كل أربعة صادقين، وانتفاء قول الأربعة الصادقين لا يجوز أن يكون لانتفاء القول ولا لانتفاء الأربعة؛ لأنه خلاف الفرض فتعين أن يكون لانتفاء الصدق، وإذا انتفى الصدق تعين الكذب؛ لأنه لا واسطة بينهما، وحينئذ فنقول: إذا علم كذبهم لم يحتج أيضا إلى التزكية لخلوها عن الفائدة، فثبت أنه لو أفادت الأربعة العلم لم يجب تزكية شهود الزنا, وتزكيتهم واجبة اتفاقا فبطل الأول، وهذا التقرير اعتمده. قوله: "وتوقف" يعني: أن القاضي توقف في أن الخمسة هل تفيد العلم أم لا؟ ووجه توقفه أنه يحتمل أن يقال: إنها لا تفيد العلم إذ لو أفادته لأفادت قول كل خمسة، ويلزم من ذلك أن لا يجب تزكيتها إذا شهدت بالزنا بعين ما قلناه في الأربعة، ويحتمل أن يقال: إنها تفيده، ولا يلزم منه عدم التزكية بخلاف الأربعة؛ وذلك لأنا نسلم لهم أن كل خمسة صادقة تفيد العلم, وأنه إذا شهد خمسة بالزنا ولم يحصل العلم بقولها لا تكون صادقة, وأنه إذا انتفى الصدق تعين الكذب، وأما قولهم: إذا تعين الكذب فلا حاجة إلى التزكية فممنوع؛ لأن الكذب قد يكون واحدا من الخمسة وقد يكون من اثنين فصاعدا، فإن كان من واحد لم تبطل الحجة لبقاء النصاب المعتبر وهو الأربعة، وإن كان من اثنين فصاعدا بطلت, فأوجبنا التزكية حتى نعلم هل بقي النصاب أم لا بخلاف الأربعة؟ فإن كذب أحدهم مسقط للحجة. قوله: "ورد" أي: ورد قول القاضي بأنه لا يكفي الأربعة بوجهين أحدهما: أن حصول العلم عقب الخبر المتواتر بفعل الله تعالى عنده وعند غيره من الأشاعرة, فلا يجب حينئذ اطراده لجواز أن يخلق الله تعالى العلم عند قول أربعة دون أربعة. الثاني: أن الفرق بين الرواية والشهادة ثابت, فإن الأربعة في الرواية زائدة على القدر المشروط بخلاف الأربعة في الشهادة, فلا يلزم من ترتيب العلم على الأول ترتبه على الثاني، وأيضا الشهادة تقتضي شرطا خاصا فلا يبعد فيها الاتفاق على المشهود عليه لعداوة، بخلاف الرواية. قوله: "وشروط" أي: وشرط بعضهم في عدد التواتر اثني عشر؛ لأن موسى ﵇ نصبهم ليعرفوه أحوال بني إسرائيل, كما قال تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢] فلو لم يحصل العلم بقولهم لم ينصبهم، وشرط بعضهم عشرين لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] فإن مثل هذا الكلام في العادة يستدعي الجواب بأن ذلك العدد موجود فيهم, فدل على حصول العلم بقولهم، ومنهم من شرط أربعين لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] وكانوا أربعين، ووجه الدلالة: مَنْ إن كانت مجرورة عطفا على الكاف كما قاله بعضهم، فإن كان الله تعالى كافيهم فإنه يقتضي حراسته لهم دينا ودنيا، ويستحيل مع ذلك تواطؤهم على الكذب, وإن كانت مرفوعة عطفا على الاسم المعظم فكذلك؛ لأن الذين رضيهم الله لأن يكون النبي ﷺ أموره ويتولوها, لا يتفقون

стр. 301

على كذب وشرط بعضهم سبعين لقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥] وإنما اختارهم ليخبروا قومهم. وشرط بعضهم ثلاثمائة وبضعة عشر بعدد أهل بدر؛ لأن الغزوة تواترت عنهم والبضع بكسر الباء، ومن العرب من يفتحها, وهو ما بين الثلاثة إلى التسعة، قاله الجوهري, وفي المحصول أن بعضهم شرط عدد أهل بيعة الرضوان وهم ألف وسبعمائة كما قاله في البرهان، وهذه الأقول كلها ضعيفة كما قاله المصنف؛ لأنها تقييدات لا دليل عليها, وما ذكروه فإنه بتقدير تسليمه لا يدل على كون العدد شرطا لتلك الوقائع، ولا على كونه مفيدا للعلم؛ لجواز أن يكون حصوله في تلك الصور من خواص المعدودين. قوله: "ثم إن أخبروا" يعني أن الجمع الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب إن أخبروا عن عيان أي: مشاهدة فلا كلام, وإن نقلوا عن غيرهم فيشترط حصول هذا العدد أيضا في كل الطبقات, وهو معنى قولهم: لا بد من استواء الطرفين والواسطة، وتعبير المصنف بالعيان غير وافٍ بالمراد, فإن العيان بكسر العين هو الرؤية كما قاله الجوهري, والخبر قد لا يكون مستندا إليها. المسألة الرابعة: التواتر قد يكون لفظيا وهو ما تقدم، وقد يكون معنويا وهو أن ينقل العدد الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب وقائع مختلفة مشتملة على قدر مشترك, كما إذا أخبر واحد بأن حاتما أعطى دينارا, وأخبر آخر أنه أعطى جملا وأخبر آخر أنه أعطى شاة وهلم جرا, حتى بلغ المخبرون عدد التواتر, فيقطع بثبوت القدر المشترك لوجوده في كل خبر من هذه الأخبار، والقدر المشترك هنا هو مجرد الإعطاء, لا الكرم أو الجود لعدم وجوده في كل واحد فافهمه. وقوله: جرا منون, قال صاحب المطالع: قال ابن الأنباري: معنى هلم جرا: سيروا وتمهلوا في سيركم, مأخوذا من الجر وهو ترك النعم في سيرها ثم استعمل فيما حصل الدوام عليه من الأعمال. قال ابن الأنباري: فانتصب جرا على المصدر أي: جروا جرا, أو على الحال, أو على التمييز. إذا علمت هذا علمت أن معنى هلم جرا في مثل هذا أنه استدعى الصور فانجرت إليه جرا، فعبر به مجازا عن ورود أمثال للأول.

стр. 302

الفصل الثاني: فيما علم كذبه قال: "الفصل الثاني: فيما علم كذبه، وهو قسمان, الأول: ما علم خلافه ضرورة أو استدلالا. الثاني: ما لو صح لتوفرت الدواعي على نقله كما يعلم أن لا بلدة بين مكة والمدينة أكبر منهما, إذ لو كان لنقل وادعت الشيعة أن النص دل على إمامة علي ﵁, ولم يتواتر كما لم تتواتر الإقامة والتسمية ومعجزات الرسول ﵊ قلنا: الأولان من الفروع، ولا كفر ولا بدعة في مخالفتهما بخلاف الإمامة. وأما تلك المعجزات فلقلة المشاهدين. مسألة: بعض ما نسب إلى رسول الله ﷺ كذب؛ لقوله: "سيكذب عليَّ" , ولأن منها ما لا يقبل التأويل فيمتنع صدوره عنه, وسببه نسيان الراوي أو غلطه أو افتراء الملاحدة لتنفير العقلاء". أقول: الخبر الذي يقطع بكذبه قسمان الأول: الخبر الذي علمنا خلافه إما بالضرورة كقول القائل: النار باردة, أو بالاستدلال كالخبر المخالف لما علم صدقه من خبر الله

стр. 303

تعالى أو غيره، وكقوله القائل: العالم قديم. الثاني: الخبر الذي لو صح التواتر لكون الدواعي على نقله متوفرة, إما لغرابته كسقوط الخطيب عن المنبر يوم الجمعة أو لتعلقه بأصل من أصول الدين كالنص على الإمامة, فعدم تواتره دليل على عدم صحته؛ ولهذا نعلم أن لا بلدة بين مكة والمدينة أكبر منهما, ولا مستند لهذا العلم إلا عدم النقل المتواتر. وفي المحصول ومختصراته قسم ثالث للخبر الذي يقطع بكذبه, وهو ما نقل عن النبي ﷺ بعد استقرار الأخبار ثم بحث عنه, فلم يوجد في بطون الكتب ولا في صدور الرواة، وخالفت الشيعة في القسم الثاني, فادعت أن النص الجلي دل على إمامة علي ﵁، ولم يتواتر غيره من الأمور المهمة كالإقامة والتسمية في الصلاة ومعجزات الرسول ﷺ كحنين الجذع وتسبيح الحصى ونحوهما، ولهذا اختلفوا في إفراد الإقامة وفي إثبات التسمية والجواب عن الأولين، وهما الإقامة والتسمية بأنهما من الفروع والمخطئ فيهما ليس بكافر ولا مبتدع؛ فلذلك لم تتوفر الدواعي على نقلهما بخلاف الإمامة, فإنها من أصول الدين ومخالفتها فتنة وبدعة. وأما المعجزات فعدم تواترها لقلة المشاهدين لها، وللشيعة أن يجيبوا بهذا الجواب فيقولوا: إنما لم يتواتر النص الدال على إمامة علي؛ لقلة سامعيه. قوله: "مسألة ... إلخ" هذه المسألة لم يذكرها ابن الحاجب وحاصلها أن بعض الأخبار المنسوبة إلى النبي ﷺ كذب قطعا لأمرين أحدهما: أنه روي عنه ﵊ أنه قال: "سيكذب عليَّ" فإن كان هذا الحديث كذبا فقد كذب عليه، وإن كان صدقا فيلزم أن يقع الكذب؛ لأن أخباره حق وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأنه لا يلزم من كونه صحيحا وقوع الكذب في الماضي لجواز وقوعه في المستقبل. نعم لو قال بعض ما ينسب بصيغة المضارع لتم المدعي. الثاني: أن من الأخبار المنسوبة إليه ما هو معارض للدليل العقلي بحيث لا يقبل التأويل, فيعلم بذلك امتناع صدوره عنه. قوله: "وسببه" أي: وسبب وقوع الكذب أمور الأول: نسيان الراوي بأن سمع خبرا وطال عهده به فنسي فزاد فيه أو نقص، أو عزاه إلى النبي ﷺ وليس من كلامه. الثاني: غلطه, بأن أراد أن ينطق بلفظ فسبق لسانه إلى غيره ولم يشعر أو كان ممن يرى نقل الخبر بالمعنى, فأبدل مكان اللفظ المسموع لفظا آخر لا يطابقه؛ ظنا أنه يطابقه. الثالث: افتراء الملاحدة أي الزنادقة وغيرهم من الكفار, فإنهم وضعوا أحاديث مخالفة لمقتضى العقل ونسبوها إلى الرسول ﷺ تنفيرا للعقلاء عن شريعته. قال:

стр. 304

الفصل الثالث: فيما ظن صدقه وهو خبر العدل الواحد الفصل الثالث: فيما ظن صدقه وهو خبر العدل الواحد, والنظر في طرفين في وجوب الأول العمل به دل عليه السمع وقال ابن سريج والقفال والبصري: دل العقل أيضا وأنكره قوم لعدم الدليل أو للدليل على عدمه شرعا أو عقلا وأحاله آخرون, واتفقوا على الوجوب في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية". أقول: شرع في القسم الثالث من أقسام الخبر, وهو الذي لا يعلم صدقه ولا كذبه, وله ثلاثة أحوال أحدها: أن يترجح احتمال صدقه كخبر العدل. والثاني: عكسه كخبر الفاسق. والثالث: أن يتساوى الأمران كخبر المجهول ولم يتعرض للقسمين الآخرين لعدم وجوب العمل بهما كما سيأتي وأشار إلى الأول بقوله: فيما ظن صدقه, فإن ظن الصدق من لوازم رجحان احتماله. وعرفه بقوله: وهو خبر العدل الواحد, واحترز بالعدل عن القسمين الأخيرين، وبالواحد عن المتواتر، فإن خبر الواحد في اصطلاحهم عبارة عما ليس بمتواتر، سواء كان مستفيضا وهو الذي زادت رواته على ثلاثة كما جزم به الآمدي وابن الحاجب, أو غير مستفيض وهو ما رواه الثلاثة أو أقل، ومقصود الفصل منحصر في طرفين, الأول: في وجوب العمل به وقد اختلفوا فيه؛ فذهب الجمهور إلى أنه واجب, لكن قال أكثرهم: وجوبه الدليل السمعي فقط. وقال ابن سريج والقفال الشاشي وأبو الحسين البصري: دل على وجوبه العقل والنقل، وأنكر قوم وجوب العمل به. ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم: ذلك الدليل المانع له شرعي، وقال بعضهم: عقلي, وإلى هذين المذهبين أشار بقوله: شرعا أو عقلا, وذهب آخرون إلى أن ورود العمل به مستحيل عقلا. واعلم أن كلام المحصول يوهم المغايرة بين هذا المذهب وما قبله فتابعه المصنف، والذي يظهر أنه متحد به فتأمله، ويقوي الاتحاد أن صاحب الحاصل والتحصيل وغيرهما من المختصرين لكلام الإمام لم يغايروا بينهما، واقتصروا على الأول إلا أن يفرق بينهما, بأن الأول في الإيجاب والثاني في الجواز. قوله: "واتفقوا" أي: اتفق الكل على وجوب العمل بخبر الواحد في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية؛ كإخبار طبيب أو غيره بمضرة شيء مثلا، وإخبار شخص عن المالك أنه منع من التصرف في ثماره بعد أن أباحها، وشبه ذلك من الآراء والحروب ونحوها، وهذه العبارة التي ذكرها المصنف ذكرها صاحب الحاصل، وعبر في المحصول بقوله: ثم إن الخصوم بأسرهم اتفقوا على جواز العمل بالخبر الذي لا يعلم صحته كما في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية. هذا لفظه وبين العبارتين فرق لا يخفى. قال: "لنا وجوه, الأول: أنه تعالى أوجب الحذر بإنذار طائفة من الفرقة، والإنذار الخبر المخوف، والفرقة ثلاثة, والطائفة واحد أو اثنان، قيل: لعل للترجي قلنا: تعذر فيحمل على الإيجاب لمشاركته في التوقع, قيل: الإنذار الفتوى قلنا: يلزم تخصيص الإنذار, والقوم بغير المجتهدين والرواية ينتفع بها المجتهد وغيره، قيل: فيلزم أن يخرج من كل ثلاثة واحد, قلنا: خص النص فيه. الثاني: أنه لو لم يقبل لما علل بالفسق؛ لأن ما بالذات لا يكون بالغير, والتالي باطل لقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] . الثالث: القياس على الفتوى والشهادة. قيل: يقتضيان شرعا خاصا والرواية عاما، ورد بأصل الفتوى قيل: لو جاز لجاز اتباع الأنبياء والاعتقاد بالظن، قلنا: ما الجامع؟ قيل: الشرع يتبع المصلحة, والظن لا يجعل ما ليس بمصلحة مصلحة, قلنا: منقوض بالفتوى والأمور الدنيوية". أقول: احتج المصنف على وجوب العمل بخبر الواحد بثلاثة أوجه, الأول: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ

стр. 305

وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] ووجه الاستدلال أن الله تعالى أوجب الحذر، أي: الانكفاف عن الشيء, بإنذار طائفة من الفرقة, ويلزم منه وجوب العمل بخبر الواحد. أما كونه تعالى أوجب الحذر فلقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ولعل الترجي ممتنع في حق الله تعالى؛ لأنه عبارة عن توقع حصول الشيء الذي لا يكون المتوقع عالما بحصوله ولا قادرا على إيجاده. وإذا كان الترجي ممتنعا فتعين حمل اللفظ على لازم الترجي وهو الطلب أي: الإيجاب إطلاقا للملزوم وإرادة للازم، فإنه مجاز محقق والأصل عدم غيره, فإن قيل: يكون الترجي باقيا على حقيقته ولكنه مصروف عن الله تعالى إلى الفرقة المتفقهة أي: تنذر قومها إنذار من يرجو حذرهم, وحينئذ فلا إيجاب. سلمنا لكن لا نسلم أن طالب المحمول عليه وهو الطالب المتحتم فقد يكون على سبل الندب قلنا: الحذر إنما يتحقق عند المقتضي للعقاب، وهو من خصائص الوجوب, وأما كون الإنذار بقول طائفة من الفرقة, فبناه المصنف على أن المتفقهين هم الطائفة النافرة حتى يكون الضمير في قوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ , ﴿وَلِيُنْذِرُوا﴾ راجعا إليه, وهو قول لبعض المفسرين، وفيه قول آخر حكاه الزمخشري ورجحه غيره: أن المتفقهين هم المقيمون لينذروا النافرين إن عادوا إليهم. ووجه ذلك أن رسول الله ﷺ بعد إنزال الوعيد الشديد في حق المتخلفين عن غزوة تبوك, كان إذا بعث جيشا أسرع المؤمنون عن آخرهم إلى النفير وانقطعوا جميعا عن استماع الوحي والتفقه في الدين, فأمروا أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة ويقعد الباقون؛ ليتفقهوا، وينذروا النافرين إذا رجعوا إليهم. وعلى هذا فلا حجة؛ لأن الباقين كثيرون, وأما كونه يلزم منه وجوب العمل بخبر الواحد فلأن الإنذار هو الخبر الذي يكون فيه تخويف, والفرقة ثلاثة فتعين أن تكون الطائفة النافرة منها واحدا أو اثنين؛ لأنها بعضها، وحينئذ فيكون الإنذار حصل بقول واحد أو اثنين فينتج ذلك كله وجوب الحذر بقول واحد أو اثنين، وهو المدعى، وفيما قاله في الفرقة والطائفة نظر. فقد قال الجوهري: والفرقة طائفة من الناس, هذا لفظه. وقال الشافعي رحمه الله تعالى في صلاة الخوف وهو من أهل هذا الشأن: إن الطائفة أقلها ثلاثة. ونقله أيضا عنه القفال في الإشارة، نعم في صحاح الجوهري عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَة﴾ أي: واحد فصاعدا. قوله: "قبل ... إلخ" أي: اعتراض القائل بأنه لا يجب العمل بخبر الواحد على استدلالنا بهذه الآية بثلاثة أوجه, أحدها: أن لعل مدلولها الترجي لا الوجوب، والجواب أنه لما تعذر الحمل على الترجي حملناه على الإيجاب لمشاركته للترجي في الطلب كما تقدم إيضاحه مع ما يرد عليه, لكن تعليل المصنف بقوله: لمشاركته في التوقع لا يستقيم؛ لأنهما لو اشتركا في التوقع لكان المانع من حمل لعل على حقيقتها موجودا بعينه في الإيجاب. الثاني: لا نسلم أن المراد بالإنذار في الآية هو الخبر المخوف مطلقا بل المرد به الفتوى، وقول الواحد فيها مقبول اتفاقا كما تقدم، وإنما

стр. 306

قلنا: إن المراد الفتوى؛ وذلك لأن الإنذار هنا متوقف على التفقه، إذ الأمر بالتفقه إنما هو لأجله، والمتوقف على التفقه إنما هو الفتوى لا أحد, وأجاب المصنف بأنه يلزم من حمل الإنذار على الفتوى تخصيص الآية من وجهين أحدهما: تخصيص الإنذار بالفتوى مع أنها عامة فيه وفي الرواية. الثاني: تخصيص القوم من قوله تعالى: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ بالمقلدين؛ لأن المجتهد لا يقلد مجتهدا في فتواه، بخلاف ما إذا حمل الإنذار على الرواية أو على ما هو أعم، فإنه ينتفي التخصيصات, أما تخصيص الإنذار فواضح، وأما القوم فلأن الرواية ينتفع بها المجتهد في الأحكام، وينتفع بها المقلد في الانزجار, وحصول الثواب في نقلها لغيره وغير ذلك. الثالث: لو كان المراد بالفرقة ثلاثة لكان يجب أن يخرج من كل ثلاثة واحد؛ لأن لولا للتخصيص تقديره: هلا خرج وليس كذلك إجماعا. وأجاب المصنف بأن هذا النص الذي في لزوم خروج واحد من كل ثلاثة قد خص بالإجماع، ولا يلزم من تخصيص النص فيه تخصيصه في قبول رواية الواحد. قوله: "الثاني" أي: الدليل الثاني على وجوب العمل بخبر الواحد, وتقريره من وجهين ذكر أصلهما في المحصول أحدهما ولم يذكر المصنف سواه: أنه لو لم يقبل خبر الواحد لما كان عدم قبوله معللا بالفسق؛ وذلك لأن خبر الواحد على هذا التقدير يقتضي عدم القبول لذاته، وهو كونه خبر واحد فيمتنع تعليل عدم قبوله بغيره؛ لأن الحكم المعلل بالذات لا يكون معللا بالغير، إذ لو كان معللا بالغير لاقتضى حصوله به، مع كونه حاصلا قبل ذلك أيضا لكونه معللا بالذات، وذلك تحصيل للحاصل وهو محال. والثاني: وهو امتناع تعليله بالفسق باطل لقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] فإن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يغلب على الظن أنه علة له، والظن كاف هنا لأن المقصود هو العمل, فثبت أن خبر الواحد ليس مردودًا. وإذا ثبت ذلك ثبت أنه مقبول واجب العمل به؛ لأن القائل قائلان. التقرير الثاني: أن الأمر بالتبيين مشروط بمجيء الفاسق ومفهوم الشرط حجة, فيجب العمل به إذا لم يكن فاسقا؛ لأن الظن يعمل به هنا، والقول بالواسطة منتف كما تقدم. قوله: "الثالث" أي: الدليل الثالث على وجوب العمل بخبر الواحد القياس على الفتوى والشهادة، والجامع تحصيل المصلحة المظنونة أو دفع المفسدة المظنونة. وفرق الخصم بأن الفتوى والشهادة تقتضيان شرعا خاصا ببعض الناس، والرواية تقتضي شرعا عاما للكل ولا يلزم من تجويزنا للواحد أن يعمل بالظن الذي قد يخطئ ويصيب، أن يجوز ذلك للناس كافة، ورده المصنف بشرعية أصل الفتوى، فإن اتباع الظن فيها لا يختص بمسألة ولا بشخص، وقد يقال: الرواية أكثر عموما؛ لأنها تقتضي الحكم على المجتهدين والمقلدين، وأما الفتوى فخاصة بالمقلدين، وقد استدل في المحصول أيضا على التمسك بخبر الواحد, بأنه ﵊ كان يبعث الرسل بتبليغ الأحكام، وبإجماع الصحابة على

стр. 307

العمل به عند اطلاعهم عليه. قوله: "قيل: لو جاز" أي: استدل من منع العمل بخبر الواحد عقلا بأمرين أحدهما: أنه لو جاز قبوله في الرواية لجاز اتباع مدعي النبوة بدون المعجزة, بل بمجرد الظن, ولجاز الاعتقاد كمعرفة الله تعالى بالظن أيضا, قياسا على الرواية وليس كذلك اتفاقا. وأجاب المصنف بطلب الجامع، فإن عجزوا عنه فلا كلام وإن أبدوا جامعا كدفع الضرر المظنون أو غيره فرقنا بأن الخطأ في النبوات وفي الاعتقاد كفر؛ فلذلك شرطنا العلم بخلاف الفروع، وأيضا فلأن القطع في كل مسألة شرعية متعذر بخلاف اتباع الأنبياء, والاعتقاد الثاني: أن الاستقراء دل على أن الشرع يتبع مصالح العباد تفضلا وإحسانا. والظن الحاصل من خبر الواحد لا يجعل ما ليس بمصلحة مصلحة، لأنه يخطئ ويصيب فلا يعول عليه. والجواب أن ما قاله بعينه جار في الفتوى والأمور الدنيوية، مع أن قول الواحد فيهما مقبول اتفاقا كما تقدم. قال: "الطرف الثاني: في شروط العمل به وهو إما في المخبر أو المخبر عنه، أو الخبر. أما الأول فصفات تغلب على الظن، وهي خمس: الأول: التكليف فإن عبر المكلف لا يمنعه خشية الله تعالى قيل: يصح الاقتداء بالصبي اعتمادا على خبره بطهر. قلنا: لعدم توقف صحة صلاة المأموم على طهره, فإن تحمل ثم بلغ وأدى قبل قياسا على الشهادة, وللإجماع على إحضار الصبيان الحديث. الثاني: كونه من أهل القبلة فتقبل رواية الكافر الموافق كالمجسمة إن اعتقدوا حرمة الكذب, فإنه يمنعه عنه, وقاسمه القاضيان بالفاسق والمخالف, ورد بالفرق". أقول: العمل بخبر الواحد له شروط بعضها في المخبر -بكسر الباء- وهو الراوي, وبعضها في المخبر عنه وهو مدلول الخبر، وبعضها في الخبر نفسه وهو اللفظ. أما الأول وهي شروط المخبر فضابطها الإجمالي عبارة عن صفات تغلب على الظن أن المخبر صادق وعند التفصيل ترجع إلى خمس صفات كما ذكرها المصنف, إلا أن الخامسة منها إنما هي شرط على قول مرجوح، الوصف الأول: التكليف، فلا تقبل رواية المجنون والصبي الذي لم يميز بالإجماع وكذا المميز عند الجمهور, فإن غير المكلف لا يمنعه خشية من الله تعالى عن تعاطي الكذب لعلمه بأنه غير معاقب، وهو في الحقيقة أكثر جراءة من الفاسق. واستدل الخصم بأنه لو لم يقبل خبره لم يصح الاقتداء به في الصلاة اعتمادا على إخباره بأنه متطهر, لكنه يصح فدل على قبول خبره. وأجاب المصنف بأن صحة الاقتداء ليست مستندة إلى قبول إخباره بطهره، بل لكونها غير متوقفة على طهارة الإمام؛ لأن المأموم متى لم يظن حدث الإمام صحت صلاته وإن تبين حدث الإمام، وأما الرواية فشرط صحتها السماع. قوله: "فإن تحمل" يعني أن الصبي إذا تحمل ثم بلغ وأدى بعد البلوغ ما تحمله قبله, فإنه يقبل لأمرين أحدهما: القياس على الشهادة. الثاني: إجماع السلف على إحضار الصبيان مجالس الحديث، ولك أن تجيب عن الأول بأن الرواية تقتضي شرعا عاما فاحتِيط فيها بخلاف الشهادة، وعن الثاني بأن الإحضار قد يكون للتبرك أو سهولة

стр. 308

الحفظ أو لاعتياد ملازمة الخبر. قوله: "الثاني" أي: الشرط الثاني من شروط المخبر: أن يكون من أهل قبلتنا, فلا تقبل رواية الكافر المخالف عن القبلة، وهو المخالف في الملة الإسلامية كاليهودي والنصراني إجماعا، فإن كان الكافر يصلي لقبلتنا فكالمجسم وغيره, وإن قلنا بتكفيره ففيه خلاف. قال في المحصول: الحق أنه إن اعتقد حرمة الكذب قبلنا روايته، وإلا فلا, وتبعه عليه المصنف، واستدل عليه بأن اعتقاده حرمة الكذب يمنع من الإقدام عليه, فيغلب على الظن صدقه؛ لأن المقتضى قد وجد، والأصل عدم المعارض، وقال القاضي أبو بكر والقاضي عبد الجبار: لا تقبل روايته مطلقا قياسا على المسلم الفاسق والكافر المخالف بجامع الفسق والكفر, ونقله الآمدي عن الأكثرين وجزم به ابن الحاجب، والجواب أن الفرق بين هذا وبين الفاسق أن هذا لا يعلم فسق نفسه ويجتنب الكذب لتدينه وخشيته بخلاف الفاسق، والفرق بينه وبين الكافر المخالف أن الكافر المخالف خارج عن ملة الإسلام فلا تقبل روايته؛ لأن ذلك منصب شريف يقتضي الإعزاز والإكرام. قال: "الثالث: العدالة وهي ملكة في النفس تمنعها من اقتراف الكبائر والرذائل والمباحة، فلا تقبل رواية من أقدم على الفسق عالما، وإن جهل قبل، قال القاضي أبو بكر: ضم جهل إلى فسق. قلنا: الفرق عدم الجراءة، ومن لا تعرف عدالته لا تقبل روايته؛ لأن الفسق مانع فلا بد من تحقق عدمه كالصبى والكفر، والعدالة تعرف بالتزكية وفيها مسائل الأولى: شرط العدد في الرواية والشهادة، ومنع القاضي فيهما، والحق الفرق كالأصل، الثانية: قال الشافعي ﵁: يذكر سبب الجرح، وقيل: سبب التعديل وقيل: سببهما، وقال القاضي: لا فيهما. الثالثة: الجرح مقدم على التعديل؛ لأن فيه زيادة. الرابعة: التزكية أن يحكم بشهادته، أو يثني عليه، أو يروي عنه من لا يروي عن غير العدل أو يعمل بخبره". أقول: شرع في الوصف الثالث من الأوصاف في المخبر وهو العدالة, والعدالة في اللغة عبارة عن التوسط في الأمر من غير إفراط إلى طرفي الزيادة والنقصان، وفي الاصطلاح ملكة في النفس أي: هيئة راسخة فيها تمنعها من ارتكاب الكبائر والرذائل المباحة. فأما تمييز الكبائر من الصغائر ففيه كلام منتشر، ومحله كتب الفروع. وأما الرذائل فأشار بها إلى المحافظة على المروءة، وهي أن يسير سيرة أمثاله في زمانه ومكانه، فلو لبس الفقيه القباء أو الجندي الجبة والطيلسان ردت روايته وشهادته، فأما إذا قيل: تعاطي الكبيرة الواحدة والرذيلة الواحدة قادح, وتعبيره بالرذائل والكبائر يدفعه، وأيضا فإن الإصرار على الصغائر كذلك، ولا ذكر له في الحد، وكذلك المرة من صغائر الخسة كالتطفيف بالحبة كما ذكره في المحصول. قلنا: أما الأول فجوابه أن الملكة إذا قويت على دفع الجملة فلأن تقوى على بعضها أولى، وأما الثاني فجوابه ما قاله الغزالي في الإحياء في كتاب التوبة أن الصغيرة بالإصرار تصير كبيرة، وأما الثالث فلأن القول بتأثير المرة من الرذائل المباحة يؤخذ منه تأثير المرة من الرذائل المحرمة بطريق الأولى، نعم يرد

стр. 309

عليه أن المروءة ليست وصفا معتبرا في العدالة بل في قبول الشهادة والرواية. فإن العدالة ضد الفسق. قوله: "فلا تقبل" يعني أنه لما تقرر أن عدالة الراوي شرط فلا تقبل رواية من أقدم على الفسق عالما بكونه فسقا للإجماع، ولقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ [الحجرات: ٦] الآية, فإن كان الفاسق قد جهل أن ما أتى به فسق, نفى قبول قوله. مذهبان حكاهما ابن الحاجب من غير ترجيح والتفسيق بالشيء مع الجهل بكونه فسقا يتصور في المخالفين في الأصول كالخوارج ونفاة الصفات. فإن الجهل في ذلك ليس عذرا، وإلا لزم ذلك في حق اليهود والنصارى, وأما من وطئ أجنبية جاهلا بالحال ونحوه فليس ما نحن فيه, وكذلك من شرب النبيذ مثلا لاعتقاده الإباحة؛ لأنه ليس فاسقا قطعا كما قاله ابن الحاجب, وإن كان بعض الشافعية خالف في قبول قوله, إذا علمت ذلك فأحد المذهبين وهو رأي القاضي، واختاره الآمدي أنه لا يقبل قوله. والثاني: يقبل ونص عليه الشافعي فقال: وأقبل رواية أهل الأهواء الخطابية من الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم، واختاره الإمام وأتباعه، قال: إلا أن يكون قد ظهر عناده فلا يقبل قوله؛ لأن العناد كذب، ولم يستدل المصنف على ما اختاره هنا؛ لأن الدليل الذي قدمه في الكافر الموافق وهو رجحان الصدق بعينه دليل في الفاسق, لكن اشتراط العدالة مع قبول الفاسق متنافيان، ولهذا فإن المصنف لما كان من مذهبه قبول رواية الكافر الموافق، لم يشترط الإسلام بل اشترط كونه من أهل القبلة. قوله: "قال القاضي" أي: احتج القاضي على عدم القبول بأن المانع من قبول الفاسق العالم بفسق نفسه إنما هو الفسق, وهو محقق هنا مع زيادة أخرى قبيحة وهي الجهل، وفرق المصنف بأن الإقدام على الفسق مع العلم به يدل على الجراءة وقلة المبالاة بالمعصية، فيغلب على الظن عدم صدقه بخلاف الجاهل. قال ابن الحاجب: ولا يصير الراوي مجروحا بالحد في شهادة الزنا لعدم النصاب ولا بالتدليس على الأصح كقول من لحق الزهري, قال الزهري موهما أنه سمع منه. قوله: "ومن لا تعرف" يعني أن الشخص إذا علمنا بلوغه وإسلامه وجهلنا عدالته فإن روايته لا تقبل, كما نقله الإمام وغيره عن الشافعي، واختاره هو والآمدي وأتباعهما، وقال أبو حنيفة: تقبل, وإلى هذه المسألة أشار المصنف بقوله: ومن لا تعرف عدالته, لكن فيه حذف, فإن الفاسق داخل في هذه العبارة لكونه غير معروف العدالة أيضا، والتقدير: ومن لا تعرف عدالته ولا فسقه وإنما حذفه لتقديم ذكره، ودليلنا أن الفسق مانع من القبول إجماعا, فلا بد من تحقق عدمه أي: تحقق ظن عدمه قياسا على الكفر والصبى والجامع دفع احتمال المفسدة. قوله: "العدالة تعرف بالتزكية" كما تقدم أن من لا تعرف عدالته لا تقبل روايته، وشرع في بيان طريق معرفة العدالة وهو أمران أحدهما: الاختبار والثاني: التزكية، قال في المحصول: والمقصود الآن إنما هو بيان الثاني وهو التزكية؛ فلذلك اقتصر المصنف عليه، وذكر فيه أربع مسائل الأولى: في بيان اشتراط

стр. 310

العدد في التزكية. والثاني وهو رأي القاضي: أنه يشترط مطلقا بل يكتفي واحد لأنها خبر، والثالث: الفرق, فيشترط العدد في تزكية الشاهد دون الراوي ورجحه الإمام وأتباعه، وكذا الآمدي ونقله هو وابن الحاجب عن الأكثرين؛ لأن الشهادة لا تثبت بواحد فكذلك ما هو شرط فيها بخلاف الرواية، وإليه أشار بقوله: كالأصل، ويؤخذ من هذا التعليل قبول تزكية المرأة والعبد في الرواية دون الشهادة، وصح به الإمام وغيره، وهذه المذاهب تجري أيضا في الجرح كما أشار إليه الإمام وصرح به ابن الحاجب وغيره. المسألة الثانية: قال الشافعي ﵁: يجب ذكر سبب الجرح دون سبب التعديل؛ لأن الجرح يحصل بخصلة واحدة فيسهل ذكرها بخلاف التعديل، ولأنه قد يظن ما ليس بجارح جارحا، وقال قوم بالعكس؛ لأن العدالة يكثر التصنع فيها فيتسارع الناس إلى الثناء على الظاهر بخلاف الجرح، وقال قوم: لا بد من بيان سببهما للمعنيين المتقدمين، وقال قوم: لا يجب فيهما؛ لأن المزكي إن كان بصيرا قبل جرحه وتعديله وإلا فلا، واختاره الآمدي ونقله هو والإمام وأتباعهما عن القاضي أبي بكر وتبعهما المصنف، ونقل إمام الحرمين عنه في البرهان أنه يجب ذكر سبب التعديل دون الجرح كالمذهب الثاني، وكذلك نقله الغزالي في المنخول، ولكنه خالفه في المستصفى ولعله اشتبه عليه فقلده فيه هؤلاء، وقال إمام الحرمين: الحق أنه إن كان المزكي عالما بأسباب الجرح والتعديل اكتفينا بإطلاقه وإلا فلا، وهذا المذهب اختاره الغزالي والإمام وأتباعه إلا المصنف ولم يرجح ابن الحاجب شيئا. المسألة الثالثة: إذا عدله قوم وجرحه قوم, فإنه يقدم الجرح لأن فيه زيادة لم يطلع عليها المعدل، وقيل: يتعارضان فلا يرجح أحدهما إلا بمرجح, حكاه ابن الحاجب، وقيل: يقدم التعديل إذا زاد المعدلون على الجارحين حكاه في المحصول. وعلى الأول إذا عين الجارح سببا فنفاه المعدل بطريق متغير كما إذا قال: قتل فلانا ظلما وقت كذا فقال المعدل: رأيته حيا بعد ذلك أو كان القاتل في ذلك الوقت عندي، فإنهما يتعارضان ويعرف ذلك من تعليل المصنف؛ فلهذا لم يستثنه. المسألة الرابعة: فيما يحصل به التزكية، وهو أربعة أمور, أحدها وهو أعلاها كما قال في المحصول: أن يحكم بشهادته، إلا أن يكون الحاكم ممن يرى قبول الفاسق الذي عرف منه أنه لا يكذب. الثاني: أنه يثني عليه بأن يقول: هو عدل أو مقبول الشهادة أو الرواية. الثالث: أن يروي عنه من لا يروي إلا عن العدل، وقيل: الرواية تعديل مطلقا, وقيل: ليست بتعديل مطلقا كما أن ترك العمل بروايته ليس بجرح, والأول هو المختار عند ابن الحاجب والآمدي وغيرهما. الرابع: أن يعمل بخبره فإن أمكن حمله على الاحتياط أو على العمل بمقابل آخر وافق الخبر, فليس بتعديل كما قاله في المحصول١ والشرط في الذي يزكي أن يكون عدلا وتركه

стр. 311

المصنف لوضوحه. قال: "الرابع: الضبط وعدم المساهلة في الحديث, وشرط أبو علي العدد, ورد بقبول الصحابة خبر الواحد, قال: طلبوا العدد قلنا: عند التهمة. الخامس: شرط أبو حنيفة ﵁ فقه الراوي إن خالف القياس, ورد بأن العدالة تقلب ظن الصدق فيكفي". أقول: لما فرغ من المسائل الأربع الواقعة في الوصف الثالث من الأوصاف المعتبرة في المخبر، رجع إلى الوصف الرابع وهو الأمن من الخطأ, ويحصل بشيئين أحدهما: الضبط فإن كان الشخص لا يقدر على الحفظ أو يقدر عليه ولكن يعرض له السهو غالبا فلا تقبل روايته, وإن كان عدلا؛ لأنه قدم على الرواية ظانا أنه ضبطها وماسها، والأمر بخلافه. الثاني: عدم التساهل, فإن تساهل فيه بأن كان يروي وهو غير واثق به مثلا رددناه, وهذا الشرط ذكره في المحصول بعد هذه المسألة ثم قال: فإن تساهل في غير الحديث واحتاط في الحديث قبلنا روايته على الرأي الأظهر؛ فلذلك قيده المصنف بقوله: في الحديث. قوله: "وشرط أبو علي العدد" أي: فلم يقبل في الزنا إلا خبر أربعة ولم يقبل في غيره إلا خبر اثنين، ثم لا يقبل خبر كل واحد منهما إلا برجلين آخرين, إلى أن ينتهي إلى زماننا كما نقله عنه الغزالي في المستصفى ومنع خبر العدل الواحد. قال في المحصول: إلا إذا عضده ظاهر، أو عمل بعض الصحابة، أو اجتهاد, أو يكون منتشرًا, ورده المصنف بقبول الصحابة خبر الواحد من غير إنكار كقبولهم خبر عائشة في التقاء الختانين وخبر الصديق في قوله ﵊: "الأنبياء يدفنون حيث يموتون"، وفي قوله: "الأئمة من قريش" وفي قوله: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" ورجوعهم إلى كتابه في معرفة نصب الزكوات, وكقبول عمر من عبد الرحمن بن عوف ﵄ في المجوس سنوا بهم سنة أهل الكتاب, ونظائره كثيرة واستدل الجبائي بأن الصحابة طلبوا العدد في وقائع كثيرة ولم يقتصروا على خبر الواحد, فمنها أن أبا بكر لم يعمل بخبر المغيرة في توريث الجدة إلى أن أخبره بذلك محمد بن مسلمة, ومنها أن أبا بكر وعمر لم يقبلا خبر عثمان ﵃ فيما رواه من إذن رسول الله ﷺ في رد الحكم بن أبي العاص وطالباه بمن يشهد معه، ومنها أن عمر رد خبر أبي موسى في الاستئذان وهو قوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا استأذن أحدكم على صاحبه ثلاثا فلم يؤذن له, فلينصرف" ١ حتى رواه معه أبو سعيد الخدري، إلى غير ذلك من الوقائع، والجواب أنهم إنما طلبوا العدد عند التهمة والريبة في صحة الرواية؛ لنسيان أو غيره، وهذا هو الجمع بين قبولهم تارة وردهم أخرى. قوله: "الخامس" أي: الوصف الخامس فقه الراوي، وهذا الوصف شرطه أبو حنيفة إذا كان الخبر مخالفا للقياس؛ لأن العمل بخبر الواحد على خلاف الدليل، خالفناه إذا كان الراوي فقيها لحصول الوثوق بقوله, فيبقى فيما عداه

стр. 312

على الأصل، ورد ذلك بأن عدالة الراوي تغلب على الظن صدقه، والعمل بالظن واجب. "فروع" من المحصول أحدها: لا يتوقف الأخذ بالحديث على انتفاء الغرابة المقتضية لرد الشهادة، ولا على معرفة نسب الراوي، وعلمه بالعربية أو كونه عربيا أو ذكرا أو بصيرا. الثاني: إذا أكثر من الروايات قلة مخالطته لأهل الحديث، فإن أمكن تحصيل ذلك القدر في ذلك الزمان قبلت، وإلا فلا. الثالث: إذا لم يعرف نسبه وكان له اسمان وهو بأحدهما أشهر، جازت الرواية عنه، فإن كنت مترددا بينهما وهو بأحدهما مجروح والآخر معدل فلا. الرابع: زعم أكثر الحنفية أن الأصل إذا رد الحديث سقط الاستدلال به مطلقا، والمختار أنه إن كان قول الفرع أقوى في الإثبات من قول الأصل، كما إذا كان الفرع جازما، والأصل غير جازم, فإنه يقبل سواء استوى الاحتمالان اللذان عند الأصل أم لا، وإن كان الأقوى هو كلام الأصل، أو كانا سواء فالأمر كما قالوا. قال: "وأما الثاني فإن لا يخالفه قاطع ولا يقبل التأويل، ولا يضره مخالفة القياس، وما لم يكن قطعي المقدمات، بل يقدم لقلة مقدماته, وحمل الأكثر والراوي". أقول: لما تقدم في أول الفصل أن العمل بخبر الواحد له شروط بعضها في المخبر وبعضها في المخبر عنه وبعضها في الخبر، وذكر شرط الأول وهو المعتبر, شرع الآن في شرط الثاني وهو المخبر عنه، وحاصله أن خبر الواحد لا يجوز التمسك به إذا عارضه دليل قاطع أي: دليل لا يحتمل التأويل بوجه, سواء كان نقليا أو عقليا لانعقاد الإجماع على تقديم المقطوع به على المظنون، اللهم إلا إذا كان الخبر قابلا للتأويل, فإنا نؤوله جمعا بين الأدلة وإليه أشار بقوله: ولا يقبل التأويل وهو جملة خالية من المفعول، وهو الهاء في: يخالفه ويقع في بعض النسخ إسقاط الواو، ومع ذلك فالجملة عائدة إلى المفعول أيضا، فإنه الصواب الموافق لتقرير أصليه وهما: الحاصل والمحصول. قوله: "ولا يضره" أي: لا يضر خبر الواحد مخالفته لثلاثة أمور، الأول: القياس وتقريره أنه إذا تعارض القياس وخبر الواحد فإن أمكن تخصيص الخبر بالقياس فقد تقدم في العموم أنه يجوز، وإن أمكن العكس فسيأتي في القياس أنه يجوز أيضا، وإن تنافيا من كل وجه نظرنا في مقدمات القياس، وهي ثبوت حكم الأصل, وكونه معللا بالعلة الفلانية، وحصول تلك العلة في الفرع وانتفاء المانع، فإن كانت ثابتة بدليل قطعي قدمنا القياس على خبر الواحد، ولم يستدل عليه المصنف لوضوحه, وإن لم تكن قطعية بأن كانت هي أو بعضها ظنية فإنه يقدم خبر الواحد على الصحيح, ونص عليه الشافعي في مواضع ونقله عنه الإمام, وقال مالك: يقدم القياس، وقال القاضي بالوقف وهذا الخلاف خصصه في المحصول بما إذا كان البعض قطعيا والبعض ظنيا وعممه بعضهم, ثم استدل المصنف على تقديم الخبر بأن مقدماته أقل من مقدمات القياس؛ لأن الخبر يجتهد فيه في العدالة وكيفية الرواية، وأما القياس ففي الأمور المتقدمة كلها وإذا كانت مقدماته أقل, كأن تطرق الخلل إليه أقل

стр. 313

فقدم لامتيازه عليه بهذا، ومساواته له في الظن. قوله: "وعمل الأكثر" أشار به إلى الأمر الثاني من الأمور الثلاثة المتقدمة، وهو مجرور عطفا على القياس، أي: لا يضره مخالفة القياس ولا مخالفة عمل الأكثرين؛ لأن الأكثرين ليسوا بحجة لكونهم بعض الأمة. قوله: "والراوي" أشار به إلى الأمر الثالث، وهو أيضا مجرور عطفا على القياس أيضا، وحاصله: أن عمل الراوي على خلاف ما رواه لا يكون قدحا في ذلك الحديث، كما نقله الإمام وغيره عن الشافعي واختاره هو وأتباعه والآمدي، ونقل في المعالم عن الأكثرين أنه يقدح، وقد تقدمت المسألة مبسوطة والاستدلال عليها في أثناء الخصوص. "فروع" حكاها في المحصول أحدها: خبر الواحد فيما تعم به البلوى مقبول, خلافا للحنفية. لنا قبول الصحابة خبر عائشة ﵂ في التقاء الختانين، ولأن الخصم قد قبل أخبار الآحاد في القيء والرعاف والقهقهة في الصلاة ووجوب الوتر مع عموم البلوى فيها. الثاني: قال الشافعي ﵁: لا يجب عرض خبر الواحد على الكتاب، وقال عيسى بن أبان: يجب. الثالث مذهبنا: أن الأصل في الصحابة العدالة إلا عند ظهور المعارض، وهذا الذي صححه نقله ابن الحاجب عن الأكثرين، وأراد بالمعارض وقوع أحدهم في كبيرة, كما وقع لماعز من الزنا, ولسارق رداء صفوان, وغيرهما. "فرعان" حكاهما ابن الحاجب: الصحابي من رآه ﷺ وإن لم يرو عنه ولم تطل مدته, ولو قال عدل معاصر النبي ﷺ : أنا صحابي, احتمل الخلاف. قال: "وأما الثالث ففيه مسائل, الأولى: لألفاظ الصحابي سبع درجات, الأولى: حدثني ونحوه. الثانية: قال الرسول ﷺ لاحتمال التوسط. الثالثة: أمر لاحتمال اعتقاد ما ليس بأمر أمرا والعموم والخصوص والدوام واللا دوام. الرابعة: أمرنا وهو حجة عند الشافعي ﵁؛ لأن من طاوع أميرا، إذا قاله فهم منه أمره, ولأن غرضه بيان الشرع. الخامسة: من السنة. السادسة: عن النبي ﷺ وقيل: للتوسط. السابعة: كنا نفعل في عهده". أقول: لما تقدم في أول الفصل أن خبر الواحد له شروط, بعضها في المخبر وبعضها في المخبر عنه وبعضها في الخبر، وتقدم ذكر القسمين الأولين، شرع في الثالث وهو الخبر, فذكر فيه خمس مسائل, الأولى: في بيان ألفاظ الصحابي ومراتبها، وإلى النوعين أشار بقوله: سبع درجات, الدرجة الأولى: أن يقول: حدثني رسول الله ﷺ أو شافهني، أو أنبأني، أو أخبرني, أو سمعته يقول، ونحو ذلك. الثانية: أن يقول: قال رسول الله ﷺ وإنما كانت دون الأولى لاحتمال أن يكون بينه وبين النبي ﷺ واسطة، لكنه لما كان الظاهر إنما هو المشافهة قلنا: إنه حجة. فقوله: لاحتمال التوسط تعليل لكونه أحط درجة مما قبله. واعتبر القاضي أبو بكر هذا الاحتمال فقال: إن الصحابة كلهم عدول قلنا: إنه حجة وإلا فلا. الثانية: أن يقول: أمر الرسول ﷺ بكذا أو نهى عن كذا، وإنما كانت دون الثانية لاشتراكها معها في احتمال التوسط، واختصاصها باحتمال اعتقاد ما ليس بأمر أمرا، وأيضا فليس فيه لفظ يدل على أنه أمر الكل، أو البعض دائما, أو غير دائم,

стр. 314

فربما اعتقد شيئا ليس مطابقا, فقوله: لاحتمال كذا تعليل لكونه دون الثانية في الدرجة. ولأجل هذا الاحتمال توقف الإمام في المسألة وضعف صاحب الحاصل كونه حجة، ولما كان الظاهر من حال الراوي أنه لا يطلق هذا اللفظ إلا إذا تيقن المراد، ذهب الأكثرون إلى أنه حجة كما نقله الآمدي واختاره. قال الإمام: ولا بد أن يضم إليه قوله ﵊: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة". الرابعة: أن يبني الصيغة للمفعول: أُمرنا بكذا أو نُهينا عن كذا أو أوجب أو حرم, وهي حجة عند الشافعي والأكثرين واختاره الآمدي وأتباعه لأمرين, أحدهما: أن من طاوع أميرا إذا قال: أمرنا بكذا فهم منه أمر ذلك الأمير. الثاني: أن غرض الصحابي بيان الشرع فيحمل على من تصدر منه الشرع دون الخلفاء, ولولاه حينئذ فلا يجوز أن يكون صادرا من الله تعالى؛ لأن أمره ظاهر لكل أحد لا يتوقف على أخبار الصحابي, ولا صادرا عن الإجماع؛ لأن الصحابي من الأمة وهو لا يأمر نفسه فتعين كونه من الأخبار وهو المدعي، وإنما كانت هذه الدرجة دون ما قبلها لمساواتها لها في الاحتمالات السابقة مع زيادة ما قلناه. الخامسة: أن يقول من السنة فيجب حمله على سنة الرسول ﷺ ويحتج به كما اختاره الإمام والآمدي وأتباعهما للدليلين السابقين وهما: المطاوعة وتبيين الشرع. وقد نص عليه الشافعي في الأم فقال: باب في عدد كفن الميت بعد ذكر ابن عباس والضحاك ما نصه، قال الشافعي: وابن عباس والضحاك بن قيس رجلان من أصحاب النبي ﷺ لا يقولان السنة إلا لسنة رسول الله ﷺ ، هذا لفظه بحروفه, وذكر بعده بقليل مثله, ورأيت في شرح مختصر المزني للداودي في كتاب الجنايات عكس ذلك فقال في باب أسنان إبل: الخطأ أن الشافعي في القديم كان يرى أن ذلك مرفوع إذا صدر من الصحابي أو التابعي, ثم رجع عنه؛ لأنهم قد يطلقونه، يريدون به سنة البلد والنقل. والأول أرجح لكونه منصوصا عليه في القديم والجديد معا, وهذه الدرجة دون ما قبلها لكثرة استعمالالسنة في الطريقة. الدرجة السادسة ولم يذكرها الآمدي ولا ابن الحاجب: أن يقول عن النبي ﷺ وفي حمله على التوسط مذهبان في المحصول والحاصل من غير ترجيح, أصحهما عند المصنف: حمله على السماع وصححه ابن الصلاح وغيره من المحدثين. وهذه المرتبة دون ما قبلهالكثرة استعمالها في التوسط. السابعة: أن يقول: كنا نفعل في عهده ﵊ فهوحجة على الصحيح عند الإمام والآمدي وأتباعهما. ثم اختلفوا في المدرك فعلله الإمام وأتباعه بأن غرض الراوي بيان الشرع وذلك يتوقف على علم النبي ﷺ به وعدم إنكاره، وعلله الآمدي ومن تبعه بأن ذلك ظاهر في قول كل الأمة, فألحقه الأولون بالسنة, والثاني بالإجماع، وينبني على المدركين ما أشار إليه الغزالي في المستصفى وهو الاحتجاج به إذا كان القائل تابعيا. وكلام المصنف يقتضي أن الاحتجاج به متوقف على تقييده بعهد الرسول

стр. 315

فيقول: كنا نفعل في عهده, وهو الذي جزم به ابن الصلاح١, لكنه خلاف طريقة الإمام والآمدي, ولهذا مثلوه بقول عائشة: كانوا لا يقطعون في الشيء التافه، وهذه الدرجة دون ما قبلها للاحتمالات السابقة. قال في المحصول: وإذا قال الصحابي قولا ليس للاجتهاد فيه مجال فهو محمول على السماع تحسبا للظن به وقد قدم الكلام على الصحابي. قال: "الثانية: لغير الصحابي أن يروي إذا سمع من الشيخ أو قرأ عليه ويقول له: هل سمعت؟ فقال: نعم, أو أشار أو سكت وظن إجابته عند المحدثين أو كتب الشيخ أو قال: سمعت ما في هذا الكتاب، أو يجيز له". أقول: هذه المسألة معقودة لرواية غير الصحابي، وقد جعلها في المحصول مشتملة على بيان مستندها وذكر مراتبها وكيفية ألفاظها. فأما المستند فقد ذكره المصنف وهو سبعة أمور, أما بيان المراتب فقد أشار إليه بالترتيب, فقدم في اللفظ ما صرح الإمام بتقديمه في المرتبة إلا الخامس, فإن الإمام جعله في المرتبة الثالثة, وأما كيفية اللفظ فلم يتعرض له وسنذكره إن شاء الله تعالى على ما ذكره في المحصول. المستند الأول من مستندات الرواية: أن يسمع الحديث من لفظ الشيخ, ثم إن قصد إسماعه وحده أو مع غيره فله أن يقول: حدثني وأخبرني, أو حدثنا وأخبرنا وإلا فلا يقولهما بل يقول: قال فلان كذا أو أخبر أو أحدث أو سمعته يقول أو يحدث أو يخبر. الثاني: أن يقرأ على الشيخ ويقول له بعد القراءة أو قبلها: هل سمعته؟ فيقول: نعم, أو الأمر كما قرئ عليّ ونحو ذلك, فحينئذ فيجوز للراوي أن يقول هنا أيضا: حدثني أو أخبرني أو سمعته كما قال في المحصول٢. وإنما كان هذا النوع دون الأول لاحتمال الذهول والغفلة. الثالث: أن يقرأ على الشيخ ويقول له: هل سمعته؟ فيشير الشيخ إما برأسه أو بإصبعه إلى أنه قرأه, فيقوم ذلك مقام التصريح في الرواية ووجوب العمل إلا أنه لا يقول: حدثني ولا أخبرني ولا سمعت كذا, قال في المحصول: وفيه نزاع يأتي. الرابع: أن يقرأ عليه ويقول له: هل سمعته؟ فيسكت, وغلب على ظن القارئ أن سكوته إجابة, واتفقوا إلا بعض أهل الظاهر على وجوب العمل بهذا, وعلى جواز روايته بقوله: أخبرنا وحدثنا قراءة عليه. وأما إطلاق حدثنا وأخبرنا ونحو ذلك كسمعت فهي محل الخلاف الذي أشار إليه المصنف، تبعا للإمام كما حرره الآمدي في الأحكام فافهمه. فقال المحدثون والفقهاء: يجوز وصححه ابن الحاجب ونقل هو وغيره عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة. وقال المتكلمون: لا يجوز, وصححه الآمدي تبعا للغزالي وإذا كان

стр. 316

مذهب الشافعي الجواز في هذه الصورة, لزم منه الجواز فيما قبلها بطريق الأولى. قال في المحصول: وهذا الخلاف يجري فيما لو قال القارئ للشيخ بعد القراءة: أرويه عنك؟ فقال: نعم, وحكم قراءة غيره عليه كحكم قراءته في الأحوال المذكورة كما قاله ابن الحاجب وغيره, واعلم أن تصوير هذه المسألة مع الاستفهام مخالف لتصوير المحصول والحاصل, فإنهما صوراها بما إذا جزم القارئ فقال: حدثك ولا شك أن السكوت على هذا لو لم يكن صحيحا لكان تقريرا على الكذب, بخلاف السكوت عند الاستفهام, فلا يلزم من جواز الرواية هنا جوازها هنا مع الاستفهام. الخامس, وقد تقدم أن الإمام جعله في المرتبة الثالثة: أن يكتب الشيخ فيقول: حدثنا فلان ويذكر الحديث إلى آخره, فحكمه الخطاب في العمل والرواية، إذا علم أو ظن أنه الخط؛ لأنه لا يقول: سمعته ولا حدثني بل أخبرني قال الآمدي، ولا يرويه إلا بتسليط من الشيخ كقوله: فاروه عني أو أجزت روايته. السادس: أن يشير الشيخ إلى كتاب فيقول: سمعت ما في هذا الكتاب من فلان أو هذا مسموعي منه أو قرأته عليه, فيجوز للسامع أن يرويه عنه سواء ناوله الكتاب أم لا, خلافا لبعض المحدثين, وسواء قال: اروه عني أم لا, كما له أن يشهد على شهادته إذا سمعه يؤديها عند الحاكم، ويؤخذ ذلك كله من إطلاق المصنف، ومقتضى كلام الآمدي اشتراط الإذن في الرواية. وهذا الطريق يعرف بالمناولة فيقول الراوي: ناولني أو أخبرني أو حدثني مناولة, وفي إطلاقها مذهبان, ولا يجوز له أن يروي عن غير تلك النسخة إلا إذا أمن الاختلاف. السابع: أن يجيز الشيخ فيقول: أجزت لك أن تروي عني ما صحّ من مسموعاتي أو مؤلفاتي أو كتاب كذا قال الآمدي: وقد اختلفوا في جواز الرواية بالإجازة, فمنعه أبو حنيفة وأبو يوسف، وجوزه أصحاب الشافعي وأكثر المحدثين، فعلى هذا يقول: أجاز لي فلان كذا وحدثني وأخبرني إجازة. قال: وفي إطلاق حدثني وأخبرني مذهبان، الأظهر وعليه الأكثر أنه لا يجوز, وصححه ابن الصلاح أيضا. ونقل عن الشافعي قولان في جواز الرواية بالإجازة, ومقتضى كلام المصنف صحة الإجازة لجميع الأئمة الموجودين, أو لمن يوجد من نسل فلان، وفيهما خلاف, رجح ابن الحاجب في الأولى أنه يجوز، ولم يرجح في الثانية شيئا وصحح ابن الصلاح في الثانية أنه لا يجوز, ولم يصحح في الأولى شيئا، قال: واختلفوا في جواز الإجازة للصبي الذي لم يميز وجواز الإجازة بما لم يتحمله المجيز ليرويه المجاز, إن اتفق أن المجيز تحمل ثم صحح الجواز في الأولى والمنع في الثانية. قال الآمدي: وإذا غلب على ظنه الرواية فيجوز له روايته والعمل به عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد خلافا لأبي حنيفة. فإن قيل: أهمل المصنف الوجادة, وهي أن يقف على كتاب شخص فيه أحاديث يرويها، فإنه يجب على الواقف عليها أن يعمل بها إذا حصلت الثقة بقوله, وإن لم يكن له من الكاتب رواية كما نقله ابن الصلاح عن الشافعي ﵁ وصححه, قلنا: إنما أهملها

стр. 317

لأنه تكلم في أسباب الرواية لا في أسباب العمل, وليس له أن يروي: هذا حدثنا ولا أخبرنا مطلقا ولا مقيدا، قال ابن الصلاح: لكن يقول: وجدت أو قرأت بخط فلان: حدثنا فلان، ويسوق السند والمتن. قال: "الثالثة: لا تقبل المراسيل خلافا لأبي حنيفة ومالك ﵄، لنا أن عدالة الأصل لم تعلم فلا تقبل, قيل: الرواية تعديل قلنا: قد يروي عن غير العدل قيل: إسناده إلى الرسول يقتضي الصدق, قلنا: بل السماع قيل: الصحابة أرسلوا وقبلت, قلنا: لظن السماع". أقول: لم يتعرض الإمام ولا أتباعه لتفسير المرسل، وهو في اصطلاح جمهور المحدثين عبارة عن أن يترك التابعي ذكر الواسطة بينه وبين النبي ﷺ فيقول: قال رسول الله ﷺ وسمي بذلك لكونه أرسل الحديث أي: أطلقه ولم يذكر من سمعه منه، فإن سقط قبل الصحابي واحد فيسمى منقطعا, وإن كان أكثر فيسمى معضلا ومنقطعا، وأما في اصطلاح الأصوليين فهو قول العدل الذي لم يلق النبي ﷺ : قال رسول الله ﷺ هكذا فسره الآمدي، وذكر ابن الحاجب وغيره نحوه أيضا وهو أعم من تفسير المحدثين، وقد اختلفوا في قبوله؛ فذهب الشافعي ﵁ إلى المنع منه إلا مسائل ستعرفها، واختاره الإمام والمصنف ونقله ابن الصلاح عن جمهور المحدثين وذهب الجمهور من المعتزلة كما قاله في المحصول إلى قبوله ونقله الآمدي عن الأئمة الثلاثة، واختاره حتى بالغ بعضهم فجعله أقوى من المسند؛ لأنه إذا أسنده فقد وكل أمره إلى الناظر ولم يلتزم صحته. وذهب ابن الحاجب إلى قبوله من أئمة النقل دون غيرهم, وذهب عيسى بن أبان إلى قبول مراسيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وأئمة النقل مطلقا. قوله: "لنا" أي: الدليل على ردها: أن قبول الخبر مشروط بمعرفة عدالة الراوي، كما تقدم بيانه وعدالة الأصل في المرسل لم تعلم؛ لأن معرفتها فرع من معرفة اسمه, فإذا لم نعلمه تعين رده. تمسك الخصم بثلاثة أوجه؛ الأولان اعتراض على ما قلناه، والثالث دليل على مدعاه, أحدها: أن رواية العدل عن الأصل المسكوت عنه تعديل له؛ لأنه لو روى عمن ليس بعدل ولم يبين حالهلكان ملبسا غاشّا, قلنا: لا نسلم, فإن العدل قد يروي عن غير العدل أيضا؛ ولهذا لو سئل الراوي عن عدالة الأصل لجاز أن يتوقف, قال في المحصول: وقد يظن عدالته فيروي عنه وليس بعدل عند غيره. الثاني: أن إسناد الحديث المرسل إلى الرسول ﵊ يقتضي صدقه؛ لأن إسناد الكذب ينافي العدالة, وإذا ثبت صدقه تعين قبوله. قلنا: لا نسلم أن إسناده يقتضي صدقه بل إنما يقتضي أن يكون قد سمع غيره يرويه عن النبي ﷺ , وذلك الغير لا يعلم كذبه بل يعلم صدقه أو يجهل حاله. الثالث: أن الصحابة أرسلوا أحاديث كثيرة أي: لم يصرحوا فيها بسماعهم من النبي ﷺ , بل قالوا: رسول الله ﷺ , وأجمع الناس على قبولها. قلنا: إنما قبلت لأنه يغلب على الظن أن الصحابي سمعها من النبي ﷺ والعمل بالظن واجب. قال في المحصول: فإذا بين الصحابي بعد ذلك أنه كان مرسلا وسمى الأصل الذي رواه عنه

стр. 318

وجب قبوله أيضا. قال: وليس في الحالتين دليل على العمل بالمرسل, وحاصل هذا الجواب منع كون ذلك من المرسل, وأنه لا يقبل إذا تيقنا أن الصحابي لم يسمعه كما أن مرسل غير الصحابي لا يقبل أيضا. وهذا موافق لكلامه أولا؛ فإنه أطلق عدم قبول المرسل، ولم يفصل بين الصحابي وغيره فافهم ذلك كله واجتنب غيره. واختلف المانعون من قبول مراسيل الصحابة، مع أن المروي عنه صحابي مثله والصحابة عدول فقال بعضهم: لاحتمال روايته له عن التابعين، وقال القرافي: لاحتمال روايته عن صحابي قام به مانع, كماعز وسارق رداء صفوان. قال: "فرعان: الأول: المرسل، يقبل إذا تأكد بقول الصحابي أو فتوى أكثر أهل العلم. الثاني: إن أرسل ثم أسند قُبِل, وقيل: لا؛ لأن إهماله يدل على الضعف". أقول: المرسل إذا تأكد بشيء بحيث يغلب على الظن صدقه فإنه يقبل، ويحصل ذلك بأمور، منها أن يكون من مراسيل الصحابة أو أسنده غير مرسله، وإن لم تقم الحجة بإسناده لكونه ضعيفا كما صرح به في المحصول, أو أرسله راوٍ آخر يروي من غير شيوخ الأول, أو عضده قولصحابي, أو قول أكثر أهل العلم أو عرف من حال الذي أرسله أنه لا يرسله إلا عمن يقبل قوله كمراسيل سعيد، وهذه الستة نص عليها الشافعي، وممن نقلها عنه الآمدي وكذا الإمام، ما عدا الأول، وزاد غيرهما على هذه الستة القياس أيضا. واقتصار المصنف على شيئين فقط لا معنى له، ومخالف لأصليه: الحاصل والمحصول, فإن قيل: ما فائدة قبوله والأخذ به إذا تأكد بقياس أو بمسند آخر صحيح, مع أن القياس والمسند كافيان في إثبات الحكم؟ قلنا: فائدته في الترجيح عند تعارض الأحاديث, فإن أحد الحديثين المقبولين يرجح على الآخر، إذا عضده قياس أو حديث آخر مقبول, وقد اعتقد ابن الحاجب أن هذا السؤال لا جواب له وليس كذلك لما قلناه. قوله: "الثاني ... إلخ" اعلم أن الراوي إذا أرسل حديثا مرة ثم أسند أخرى، أو وقفه على الصحابي ثم رفعه, فلا إشكال في قبوله، وبه جزم الإمام وأتباعه. وأما إذا كان الراوي من شأنه إرسال الأحاديث إذا رواها, فاتفق أن روى حديثا مسندا, ففي قبوله مذهبان في المحصول والحاصل من غير ترجيح، وهذه هي مسألة الكتاب فافهم ذلك, وأرجحهما عند المصنف قبوله لوجود شرطه, وعلى هذا قال الشافعي كما قال في المحصول١: لا أقبل شيئا من حديثه إلا إذا قال فيه: حدثني أو سمعت, دون غيرهما من الألفاظ الموهمة. وقال بعض المحدثين: لا يقبل إلا إذا قال: سمعت خاصة. والمذهب الثاني: لا يقبل؛ لأن إهماله لاسم الرواة يدل على علمه بضعفهم, إذ لو علم عدالتهم لصرح بهم، ولا شك أن تركه للراوي مع علمه بضعفه خيانة وغش، فإنه إيقاع في العمل بما ليس صحيحا, وإذا كان خائنا لم تقبل روايتهمطلقا، هذا حاصل ما قاله

стр. 319

الإمام, وجوابه أن ترك الراوي قد يكون لنسيان اسمه أو لإيثار الاختصار، وذكر في المحصول بعد هذه المسألة أن الراوي إذا سمى الأصل باسم لا يعرف به فهو كالمرسل، وذكر إمام الحرمين مثله فإنه قال: وقول الراوي: أخبرني رجل أو عدل موثوق به من المرسل أيضا. قال: وكذلك كتب رسول الله ﷺ التي لم يسم حاملها. قال: "الرابعة: يجوز نقل الحديث بالمعنى خلافا لابن سيرين, لنا أن الترجمة بالفارسية جائزة فبالعربية أولى. قيل: يؤدي إلى طمس الحديث، قلنا: لما تطابقا لم يكن ذلك". أقول: اختلفوا في جواز نقل حديث الرسول ﷺ بالمعنى أي: بلفظ آخر غير لفظه, فجوزه الأكثرون واختاره الإمام والآمدي وأتباعهما ونص عليه الشافعي وممن نقله عنه صاحب المحصول, وقال ابن سيرين وجماعة: لا يجوز، وغلط صاحب التحصيل في اختصاره للمحصول, فعزاه للشافعي وحكى الآمدي وابن الحاجب قولا: إنه إن كان اللفظ مرادفا جاز وإلا فلا, فإن جوزناه فشرطه أن يكون الفرع مساويا للأصل في إفادة المعنى من غير زيادة ولا نقصان، وأن يكون مساويا في الجلاء والخفاء؛ لأنه لو أبدل الجلي بالخفي أو عكسه لأحدث حكما لم يكن وهو التقديم أو التأخير عند التعارض، لما ستعرفه في القياس أن الجلاء من جملة المرجحات، وعلله في المحصول بأن الخطاب يقع بالمتشابه وبالمحكم لأسرار استأثر الله تعالى بعلها فلا يجوز تغييرها, ومراعاة هذه الشروط موقوفة على العلم بمدلولات الألفاظ, فإذا كان الشخص غير عالم بها فلا يجوز أن يروي بالمعنى، وكلام الآمدي يقتضي إثبات خلاف فيه, فإنه نقل المنع عن الأكثرين. قوله: "لنا" أي: الدليل على جواز الرواية بالمعنى أنه يجوز أن يترجم الأحاديث أي: يشرحها بالفارسية أو غيرها لتعلم الأحكام فلأن يجوز بالعربية أولى؛ لأن ذلك أقرب وأقل تفاوتا وفيه نظر؛ لأن الترجمة جوزت للضرورة وليس ذلك مما يتعلق به اجتهاد واستنباط أحكام, بل هو من قبيل الإفتاء بخلاف الرواية بالمعنى, والأولى الاستدلال بأن الصحابة كانوا ينقلون الواقعة الواحدة بألفاظ مختلفة, وبأنهم ما كانوا يكتبون الأحاديث ولا يكررون عليها بل يروونها بعد أزمان طويلة على حسب الحاجة وذلك موجب لنسيان اللفظ قطعا. احتج الخصم بأن نقل الحديث بالمعنى يؤدي إلى طمسه أي: محو معناه واندراسه كما قال الجوهري فيلزم أن لا يجوز, وبيانه: أن الراوي إذا أراد النقل بالمعنى فغايته أن يجتهد في طلب ألفاظ توافق ألفاظ الحديث في المعنى, والعلماء مختلفون في معاني الألفاظ وفهم دقائقها, فيجوز أن يغفل عن بعض الدقائق وينقله بلفظ آخر لا يدل على تلك الدقيقة, ثم يفرض ذلك في الطبقة الثانية والثالثة وهلم جرا, وحينئذ فيكون التفاوت الأخير تفاوتا فاحشا بحيث لا يبقى بينه وبين الأول مناسبة. وأجاب المصنف بأن الكلام في نقله بلفظ مطابق له وعند تطابقاللفظين لا يقع التفاوت قطعا. قال: "الخامسة: إذا زاد أحد الرواة وتعدد المجلس قبلت الزيادة. وكذا إن اتحد وجاز الذهول على الآخرين ولم

стр. 320

بغير إعراب الباقي، وإن لم يجز الذهول لم تقبل, وإن غيّر الإعراب مثل: "في كل أربعين شاة شاة" أو " نصف شاة" طلب الترجيح, فإن زاد مرة وحذف أخرى فالاعتبار بكثرة المرات". أقول: إذا روى اثنان فصاعدا حديثا وانفرد أحدهم بزيادة لم يروها الآخر، نظر فإن كان مجلس راوي الزيادة غير مجلس الممسك عنها فلا إشكال في قبولها, وإن كان المجلس واحدا نظرنا في الذين لا يرون الزيادة فإن كانوا عددا كثيرا لا يجوز في العادة ذهولهم عما ضبطه الواحد رددناها, وإن جاز عليهم الذهول, فإن كانت الزيادة تغير إعراب الباقي كما إذا روى: "في أربعين شاة شاة" وروى الآخر: "نصف شاة" فيتعارضان ويقدم الراجح منهما؛ لأن أحدهما يروي ضد ما يرويه الآخر إذ الرفع ضد الجر, وإن لم يتغير الإعراب قبلت خلافا لأبي حنيفة؛ لأن الراوي عدل ثقة جازم بالرواية فوجب قبولها كما لو انفرد بنقل حديث, ويحمل الحال على أن يكون الممسك عن الزيادة قد دخل في أثناء المجلس, أو على أنه ممن يرى نقل بعض الحديث, أو على أن النبي ﷺ ذكر ذلك الحديث في ذلك المجلس مرتين ولم يحضر في مرة الزيادة، ومثال ذلك قوله ﷺ في: "زكاة الفطر على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين" ١ فإن التقييد بالمسلمين انفرد به مالك؛ ولذلك لم يشترط أبو حنيفة الإسلام في العبد المخرج عنه, وسكت المصنف عما إذا لم يعلم هل تعدد المجلس أواتخذ؟ قال في الأحكام: الحكم فيه على ما ذكرناه عند الاتحاد وأولى بالقبول؛ نظرا إلى احتمال التعدد وهذا التفصيل الذي ذكره في الكتاب اختاره الآمدي فقط, فإن ابن الحاجب لم يذكر تغير الإعراب وصرح بعدم اشتراطه أبو عبد الله البصري كما نقله عنه الإمام وغيره، وأما الإمام فشرط في القبول مع ما قلناه أن لا يكون الممسك عن الزيادة أضبط من الراوي لها, وأن لا يصرح بنفيها, فإن صرح بنفيها فقال: إنه ﵊ وقف على قوله: "ذكر أو أنثى" ولم يأت بعده بكلام آخر مع انتظاري له فإنهما يتعارضان. ونص الشافعي ﵀ على قبول الزيادة من غير تعرض لهذا الشرط, وممن نقله عنه كذلك إمام الحرمين في البرهان وفصل بعضهم فقال: إن كان راوي الزيادة واحدا والساكت عنها أيضا واحدا قُبلت، وإن كان الساكت جماعة فلا. واختار الأنباري شارح البرهان أن الراوي إن اشتهر بنقل الزيادات في وقائع فلا تقبل روايته؛ لأنه متهم وإن كان على سبيل الشذوذ قبلت. قال ابن الحاجب: وإذا أسند الحديث وأرسلوه أو رفعه, ووقفوه أو وصله وقطعوه, فحكمه حكم الزيادة في التفصيل السابق. قوله: "فإن زاد" يعني: أن الراوي الواحد إذا زاد في الحديث مرة وحذف أخرى أي: والحال كما تقدم من اتحاد المجلس والإعراب كما صرح به في المحصول, فالاعتبار بكثرة المرات؛ لأن الأكثر أبعد عن السهو، إلا أن
следующие страницы →