القدرة على تسليمه، ومثال الثاني استدلال الحنفية على منع تقديم أذان الصبح بقولهم: صلاة الصبح صلاة لا تقصر, فلا يجوز تقديم أذانها على وقتها قياسا على صلاة المغرب، والجامع بينهما هو عدم جواز القصر. فيقول الشافعي: هذا الوصف غير منعكس؛ لأن هذا الحكم وهو منع التقديم ثابت بعد زوال هذا الوصف في صورة أخرى غير محل النزاع, كالظهر مثلا فإنها تقصر مع امتناع تقديم أذانها، وهذا المنع لعلة أخرى غير عدم القصر بالضرورة لزوال عدم القصر مع بقاء المنع. وقد اختلفوا في عدم التأثير وعدم العكس هل يقدحان أم لا؟ وبنى المصنف الأول على أن الحكم الواحد بالشخص هل يجوز تعليله بعلتين مستقلتين؟ فعند من ذهب إلى امتناعه يكون قادحا؛ لأن عدم الوصف المفروض علة مع بقاء الحكم كما كان من غير أن يكون ثابتا بعلة أخرى, يحصل العلم بأن ذلك الوصف غير علة, وعند من جوزه لا يكون قادحا؛ لجواز أن يكون بقاء الحكم لوصف آخر غير ذلك الوصف المفروض لعلة. وأما الثاني وهو العكس، فبناه على أن الحكم الواحد بالنوع هل يجوز تعليله لعلتين أم لا؟ وبناؤه ظاهر مما تقدر, فإن من يجوز ذلك لا يجعل هذا قادحا لجواز ثبوت حكم في صورة العلة، وثبوت مثله في صورة أخرى لعة أخرى. وقد علمت من هذا الحكم الواحد، إن بقي شخصه بعد زوال العلة فهو عدم التأثير، وإن بقي نوعه فهو عدم العكس، ووجه كون الأول واحدا بالشخص أن امتناع بيع الطير في الهواء قد بقي بعينه بعد الرؤية كما كان قبلها بخلاف منع تقديم الأذان, فإن الباقي منه بعد زوال العلة وهو كون الصلاة لا تقصر إنما هو المنع في الرباعية، والذي كان ثابتا مع العلة إنما هو منع غيرها لكنهما مشتركان في النوعية، وهو منع تقديم الأذان، وبناء عدم التأثير على تعليل الواحد بالشخص يلزم منه أن يكون المراد ببقاء الحكم فيه إنما هو البقاء في تلك الصورة بعينها فافهمه. إذ علمت ذلك فقد اختلفوا في جواز تعليل الحكم لواحد بعلتين على مذاهب, أحدها: يجوز مطلقا واختاره ابن الحاجب. والثاني: لا يجوز مطلقا واختاره الآمدي. والثالث: يجوز في المنصوصة دون المستنبطة، واختاره الإمام كما نص عليه بعد هذه المسألة في الكلام على الفرق، وتابعه المصنف هنا، ثم إن مقتضى كلام المصنف أن الخلاف جارٍ في الواحد بالشخص الواحد بالنوع، وقال الآمدي: محل الخلاف في الواحد بالشخص، وأما الواحد بالنوع فيجوز بلا خلاف، وهذا الخلاف هو المعبر عنه بأن العكس هل هو معتبر في العلل أم لا, لكن الإمام لما حكاه هنا ذكر أن العلل الشرعية لا يشترط فيها العكس. قال: وفي العقلية خلاف بين أصحابنا والمعتزلة، ثم اختار مذهب المعتزلة, وهو أنه لا يشترط. وقد اختصر صاحب التحصيل كلامه على وجهه، وأما صاحب الحاصل فإنه نقل عن الأشاعرة أنهم خالفوا في العقليات والشرعيات، وليس مطابقا لما في المحصول، وإذا جمعت بين ما قاله الإمام هنا وبين قوله: إنه لا يجوز
стр. 387
تعليل الحكم الواحد بعلتين مستنبطتين، علمت أن حكمه بجواز العكس في العلل الشرعيات إنما هو في المنصوصة دون المستنبطة، ثم استدل المصنف على أن الحكم الواحد بالشخص يجوز تعليله بعلتين منصوصتين بالوقوع، فإن اللعان والإيلاء علتان مستقلتان في تحريم وطء المرأة وكذلك من ارتد والعياذ بالله وجنى على شخص فقتله, كل منهما علة مستقلة في إراقة دمه. وإذا ثبت ذلك الواحد بالشخص ثبت في الواحد بالنوع بطريق الأولى؛ لأن كل من قال بالأول قال بالثاني بخلاف العكس كما تقدم وهو من محاسن كلام المصنف فاعلمه, واجتنب ما قاله الشارحون فيه. نعم التمثيل بالإيلاء فاسد, فإن الزوجة لا تحرم به أصلا، وليس فيه الحنث على تقدير الوطء، وهذا المثال لم يذكره الإمام هنا، غير أنه ذكر في موضع آخر ما يوافقه، وتبعه فيه المصنف، وكأنه توهم أن الحلف على الشيء يكون محرما له, ولو مثل بالظهار لاستقام، وأما المنع في المستنبطة فاستدل عليه بأن الحكم فيها، وإنما هو مستبد إلى ما ظن المجتهد أنه علة له. وعلى هذا التقدير يمتنع التعليل بعلتين؛ لأن ظن ثبوت الحكم لأجل أحد الوصفين يصرفه عن ثبوته لأجل الوصف الآخر أو لأجل مجموع الوصفين, وحينئذ فلا يحصل الظن بعلية كل منهما. ومثال ذلك إذا أعطى شيئا لفقيه, فإنه يحتمل أن يكون الإعطاء للفقه، وأن يكون للفقر فلا يجوز إسناده إليهما لما قلنا، وهذا الدليل منقوض بالعلل المنصوصة. واختلف القائلون بالجواز إذا اجتمعت, فقيل: كل واحدة علة مستقلة ورجحه ابن الحاجب، وقيل: المجموع علة واحدة، وقيل: العلة واحدة لا بعينها. إذا علمت جميع ما قاله المصنف وهو أن عدم التأثير وعدم العكس إنما يقدحان إذا منعنا تعليل الحكم الواحد بعلتين، وأن الراجح في التعليل بعلتين منه في المستنبطة دون المنصوصة، علمت أن الراجح عنده أنهما يقدحان في المستنبطة دون المنصوصة، وهو خلاف ما في المحصول, فإن حاصل ما فيه أنهما لا يقدحان. قال: "الثالث: الكسر وهو عدم تأثير أحد الجزأين ونقض الآخر، كقولهم: صلاة الخوف صلاة يجب قضاؤها، فيجب أداؤها قبل خصوصية الصلاة, ملغى؛ لأن الحج كذلك فيبقى كونه عبادة، وهو منقوض بصوم الحائض". أقول: الثالث من الطرق الدالة على إبطال العلة: الكسر، وهو أن تكون العلة مركبة، فيبين أن المعترض عدم تأثير أحد جزأيها, ثم ينقض الجزء الآخر كما إذا استدل الشافعي على وجوب فعل الصلاة في حال الخوف بقوله: صلاة الخوف صلاة يجب قضاؤها, فيجب أداؤها قياسا على صلاة الأمن، فالعلة كونها صلاة يجب قضاؤها وهو مركب من قيدين فيقول الحنفي: خصوصية القيد الأول وهو كونه صلاة, ملغى لا أثر له؛ لأن الحج كذلك أي: يجب قضاؤها، فيجب أداؤه, مع أنه ليس بصلاة فبقي كونها عبادة يجب قضاؤها, وهو منقوض بصوم الحائض فإنه عبادة يجب قضاؤها مع أنه لا يجب أداؤها. وهذا الذي قرره المصنف من كون وجوب قضاء الحج علة لوجوب أدئه غير مستقيم؛ فإن
стр. 388
التطوع يجب قضاؤه ولا يجب أداؤه، وقد اختار الآمدي أن الكسر يقدح كما اختاره المصنف، ولكنه عبر عنه بالنقض المكسور، وفسر الكسر بتخلف الحكم عن الحكمة المقصودة منه، ونقل عن الأكثرين أنه لا يقدح واختاره, ومثل له بأن يقول الحنفي في مسألة العاصي بسفره: مسافر فيترخص كالمطيع في سفره, ويبين مناسبة السفر للترخيص بما فيه من المشقة، فيقال: ما ذكرته من الحكمة قد وجدت في الحضر في حق أرباب الصنائع الشاقة مع عدم الترخيص، واختار ابن الحاجب في جميع ذلك ما اختاره الآمدي. قال: "الرابع: القلب, وهو أن يربط، خلاف قول المستدل على علته إلحاقا بأصله، وهو إما نفي مذهبه صريحا كقولهم: المسح ركن من الوضوء فلا يكتفى فيه أقل ما ينطلق عليه الاسم، كالوجه فيقول: ركن منه, فلا يقدر بالربع كأوجه, أو ضمنا كقولهم: بيع الغائب عقد معاوضة فيصح كالنكاح، فيقول: فلا يثبت فيه خيار الرؤية، ومنه قلب المساواة، كقولهم: المكره مالك مكلف, فيقع طلاقه كالمختار, فيقول: فنسوي بين إقراره وإيقاعه، أو إثبات مذهب المعترض كقولهم: الاعتكاف لبث مخصوص، فلا يكون بمجرده قربة كالوقوف بعرفة، فيقول: فلا يشترط الصوم فيه كالوقوف بعرفة. قيل: المتنافيان لا يجتمعان. قلنا: التنافي حصل في الفرع بعرض الإجماع، تنبيه: القلب معارضة، إلا أن علة المعارضة وأصلها يكون مغايرا لعلة المستدل". أقول: الطريق الرابع من الطرق المبطلات العلية: القلب, وهو أن يربط المعترض خلاف قول المستدل على العلة التي استدل بها، إلحاقا بالأصل الذي جعله مقيسا عليه، وعبر في المحصول بقوله: نقيض قول المستدل وهو لا يستقيم, فإن الحكم الذي يثبته القالب يشترط أن يكون مغايرا له لا نقيضا كما سيأتي؛ فلذلك أبدله المصنف بالخلاف، والقلب ثلاثة أقسام الأول: أن يكون لنفي مذهب المستدل صريحا، كقوله الحنفية: مسح الرأس ركن من أركان الوضوء، فلا يكفي فيه أقل ما ينطلق عليه الاسم قياسا على الوجه, فيقول الشافعي: مسح الرأس ركن من أركان الوضوء، فلا يقدر بالربع قياسا على الوجه. فهذا القلب قد نفى مذهب المستدل صريحا، ولم يثبت مذهب المعترض لجواز أن يكون الحق هو الاستيعاب كما قاله مالك. الثاني: أن يكون لنفي مذهب المستدل ضمنا، أي: يدل على بطلان لازم من لوازمه، كقول الحنفية: بيع الغائب عقد معاوضة، فيصح مع عدم رؤية المعقود عليه قياسا للنكاح، فيقول الشافعي: بيع الغائب عقد معاوضة فلا يثبت فيه خيار الرؤية كالنكاح، وقبول خيار الرؤية لازم لصحة بيع الغائب عندهم، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم. قوله: "ومنه" أي: ومن القلب الذي ذكره المعترض لنفي مذهب المستدل ضمنا قلب المساواة، وهو أن يكون في الأصل حكمان, أحدهما: منتف عن الفرع بالاتفاق بينهما والآخر مختلف فيه، فإذا أراد المستدل إثبات المختلف فيه بالقياس على الأصل, فيقول المعترض: تجب التسوية بين الحكمين في الفرع بالقياس على الأصل، ويلزم من وجوب التسوية بينهما
стр. 389
في الفرع انتفاء مذهبه، مثاله استدلال الحنفية على وقوع طلاق المكره بقولهم: المكره مالك للطلاق, مكلف فيقع طلاقه بالقياس على المختار، فيقول الشافعي: المكره مالك مكلف فنسوي بين إقراره بالطلاق وإيقاعه إياه، قياسا على المختار، ويلزم من هذا أن لا يقع طلاقه ضمنا؛ لأنه إذا ثبتت المساواة بين إقراره وإيقاعه، مع أن إقراره معتبر بالاتفاق، لزم أن يكون الإيقاع أيضا غير معتبر. الثالث: أن يكون لإثبات مذهب المعترض، كاستدلال الحنفية على اشتراط الصوم في صحة الاعتكاف، بقولهم: الاعتكاف لبث مخصوص فلا يكون بمجرده قربة كالوقوف بعرفة، فإنما صار قربة بانضمام عبادة أخرى إليه وهو الإحرام، فيقول الشافعي: لبث مخصوص فلا يشترط فيه الصوم كالوقوف بعرفة, وقوله: قيل: المتنافيان ... إلخ, أشار به إلى ما ذكره في المحصول١، وهو أن من الناس من أنكر إمكان القلب, محتجا عليه بأنه لما اشترط فيه اتحاد الأصل المقيس عليه مع الاختلاف في الحكم لزم منه اجتماع الحكمين المتنافيين في أصل واحد وهو محال. وجوابه أن التنافي بين الحكمين إنما حصل في الفرع فقط لأمر عارض، وهو إجماع الخصمين على أن الثابت فيه إنما هو أحد الحكمين فقط، وأما اجتماعها في الأصل فغير مستحيل؛ لأن ذات الحكمين غير متنافيين, ألا ترى أن الأصل في المثال الأول وهو غسل الوجه قد اجتمع فيه الحكمان وهما عدم الاكتفاء بما ينطلق عليه الاسم، وعدم تقديره بالربع، وهذان الحكمان يمتنع اجتماعهما في الفرع، وهو مسح الرأس؛ لأن الإمامين قد اتفقا على أن الثابت فيه هو أحدهما. وكذلك الأصل في المثال الثاني وهو النكاح فإن الحكمين مجتمعان فيه, وهما صحته بدون الرؤية وعدم ثبوت الخيار فيه، ولكن الثابت في الفرع وهو بيع الغائب إنما هو أحدهما، وكذلك الأصل في المثال الثالث وهو الوقوف بعرفة, فإن الحكمين مجتمعان فيه وهما أن الصوم لا يشترط, وأنه بمجرده ليس بقربة. قوله: "تنبيه ... إلخ" لما بين القلب وأقسامه، شرع في الفرق بينه وبين المعارضة، فقال: القلب في الحقيقة معارضة، فإن المعارضة تسليم دليل الخصم وإقامة دليل آخر على خلاف مقتضاه, وهذا بعينه صادق عن القلب، إلا أن الفرق بينهما أن العلة المذكورة في المعارضة والأصل المذكور فيها يكونان مغايرين للعلة والأصل اللذين ذكرهما المستدل بخلاف القلب, فإن علته وأصله علة المستدل وأصله, قال الإمام: وليس للمستدل الاعتراض على القلب لاستلزامه القدح في علة نفسه أو أصله، بخلاف المعارضة فإن للمستدل أن يعترض عليها بكل ما للمعترض أن يعترض به على دليل المستدل من المنع والمعارضة، وله أن يقلب قلبه، وحينئذ فيسلم أصل القياس. قال: "الخامس: القول بالموجب, وهو تسليم مقتضى قول المستدل مع بقاء
стр. 390
الخلاف، مثاله في النفي أن تقول: التفاوت في الوسيلة لا يمنع القصاص، فيقول مسلم: ولكن لا يمنعه عن غيره، ثم لو بينا أن الموجب قائم ولا مانع غيره، لم يكن ما ذكرناه تمام الدليل. وفي الثبوت قولهم: الخيل يسابق عليها فتجب الزكاة بها كالإبل. فنقول: مسلم في زكاة التجارة". أقول: الطريق الخامس من مبطلات العلية: القول بالموجب أي: القول بموجب دليل المستدل، وهو عبارة عن تسليم مقتضى ما جعله المستدل دليلا لحكم مع بقاء الخلاف بينهما فيه, وذلك بأن يتخيل أن ما ذكره من النص أو القياس مستلزم لحكم المسألة المتنازع فيها، من أنه غير مستلزم له, فلا ينقطع النزاع بتسليمه. وهذا الحد أولى من قول المحصول: إنه تسليم ما جعل المستدل موجب العلة مع استيفاء الخلاف؛ لخروج القول بالموجب الذي يقع في غير القياس، وكأنه أراد تعريف ما يقع في القياس خاصة؛ لأن الكلام في مبطلات العلية، والقول بالموجب قسمان أحدهما: أن يقع في النفي، وذلك إذا كان مطلوب المستدل نفي الحكم، واللازم من دليله كون شيء معين غير موجب لذلك، فيتمسك به لتوهمه أنه ما أخذ الخصم، مثاله أن يقول الشافعي في القتل بالمثقل: التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص، كالتفاوت في التوسل إليه، يعني: أن المحدد والمثقل وسيلتان إلى القتل والتفاوت الذي بينهما لا يمنع الوجوب، كما لا يمنعه التفاوت في المتوسل إليه، وهو التفاوت في المقتولين من الصغر والكبر والخساسة والشرف, فيقول الحنفي: كون التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص مسلم، ونحن نقول بموجب, ولكن لم يجز أن يمنع من وجوبه أمر موجود في المثقل غير التفاوت، وأنه لا يلزم من إبطال هذا المانع إبطال جميع الموانع، ثم إن الشافعي المستدل لو ادعى بعد ذلك أنه يلزم من تسليم ذلك الحكم تسليم محل النزاع، وبينه بأن الموجب للقصاص وهو القتل العمد العدوان, قائم في صورة القتل بالمثقل, وأنه لا مانع فيه غير التفاوت في الوسيلة بالأصل، أو بغيره من الطرق لكان منقطعا أيضا، أي: حتى لا يسمع ذلك منه؛ لأنه ظهر أن المذكور أولا ليس هو دليلا تاما بل جزءا من الدليل. هكذا قاله الإمام وتبعه المصنف وفيه نظر ظاهر، ولم يتعرض ابن الحاجب لذلك. القسم الثاني: أن يقع الإثبات، وذلك إذا كان مطلوب المستدل إثبات الحكم في الفرع، واللازم من دليله ثبوته في صورة ما من الجنس كاستدلال الحنفية على وجوب الزكاة في الخيل، بقولهم: الخيل حيوان يسابق عليه, فتجب الزكاة فيه قياسا على الإبل، فنقول لهم: مقتضى دليلكم وجوب مطلق الزكاة، ونحن نقول بموجبه، فإنا نوجب فيه زكاة التجارة، ومحل النزاع إنما هو في زكاة معين، ولا يلزم من إثبات المطلق إثبات جميع أنواعه. قال: "السادس: الفرق، وهو جعل تعين الأصل علة، أو الفرع مانعا، والأول يؤثر حيث لم يجز التعليل بعلتين، والثاني عند من جعل النقض مع المانع قادحا". أقول: الطريق السادس وهو آخر الطرق المبطلات للعلية: الفرق، وهو
стр. 391
ضربان الأول: أن يجعل المعترض تعين أصل القياس، أي: الخصوصية التي فيه علة لحكمه، كقول الحنفي: الخارج من غير السبيلين ناقض للوضوء, بالقياس على ما خرج منهما، والجامع هو خروج النجاسة، فيقول المعترض: الفرق بينهما أن الخصوصية التي في الأصل وهي خروج النجاسة من السبيلين, هي العلة في انتقاض الوضوء لا مطلق خروجها. الثاني: أن يجعل تعين الفرع أي: خصوصيته, مانعا من ثبوت حكم الأصل فيه، كقول الحنفية: يجب القصاص على المسلم بقتل الذمي قياسا على غير المسلم, والجامع هو القتل العمد العدوان، فيقول المعترض: الفرق بينهما أن تعين الفرع وهو كونه مسلما, مانع من وجوب القصاص عليه لشرفه. قوله: "الأول" يعني أن الفرق بالطريق الأول، وهو جعل تعين الأصل علة، هل يؤثر أي: يفيد غرض المعترض يقدح في العلية أم لا؟ فيه خلاف ينبني على جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين مستقلتين، فإن جوزناه لم يقدح هذا الفرق؛ لأن الحكم في الأصل إذا علل بالمعنى المشترك بينه وبين الفرع، ثم علل بعد ذلك بتعينه لم يكن التعليل الثاني مانعا من التعليل الأول, إذ لا يلزم منه إلا التعليل بعلتين. والغرض من جوازه وإن منعناه قدح هذا الفرق؛ لأن تعين الأصل غير موجود في الفرع، والحكم مضاف إليه أعني: إلى التعين, فلا يكون أيضا مضافا إلى المشترك وإلا لزم التعليل بعلتين، وأما الثاني وهو الفرق بتعين الفرع، فإنه يؤثر عند من جعل النقض مع المانع قادحا في كون الوصف علة؛ لأن الوصف الذي جعله المستدل علة إذا وجد في الفرع، ولم يترتب الحكم على وجوده لمانع وهو تعين الفرع, فقد تحقق النقض مع المانع، والنقض مع المانع قادح، وأما من لا يجعله قادحا يقول: الفرق بتعين الفرع لا يؤثر؛ لأن تخلف الحكم عنه إنما هو المانع، هذا حاصل كلام المصنف، وقد استفدنا منه أن الفرق بتعين الأصل إنما يؤثر عنده في المستنبطة دون المنصوصة؛ لأنه اختار التفصيل كما تقدم، وأن الفرق بتعين الفرع لا يؤثر مطلقا؛ لأنه اختار أن النقض مع المانع غير قادح، واعلم أن بناء تأثير الفرق الأول على التعليل بعلتين صحيح. وأما الثاني فلا, بل يؤثر مطلقا في دفع كلام المستدل، وبيانه أن الشافعي في مثالنا لما فرق بتعين الفرع وهو كونه مسلما فإن قلنا: إن النقض مع المانع قادح في العلية, فقد فسد دليل المستدل لفساد علته، وهي القتل العمد العدوان، فإنها وجدت في حق المسلم مع تخلف الحكم عنها، وحينئذ فيحصل مقصود الشافعي المعترض، وإن قلنا: إنه غير قادح كانت العلة صحيحة, لكن قام بالفرع وهو المسلم مانع يمنع من ترتب مقتضاها عليها؛ لأن الغرض أن ذلك من باب التخلف المانع، ويستحيل وجود الشيء مع مقارنة المانع منه، وحينئذ فيحصل للشافعي أيضا مقصوده، وهو عدم إيجاب القصاص، فثبت أن بناءه عليه فاسد؛ ولذلك لم يتعرض الإمام وأتباعه ولا ابن الحاجب لهذا البناء أصلا، نعم أطلق الإمام أن قبول الفرق مبني على تعليل الحكم
стр. 392
الواحد بعلتين، وإذا حملنا كلامه على الفرق بتعين الأصل لم يرد شيء. قال: "الطرف الثالث في أقسام العلة: علة الحكم، إما محله أو جزؤه، أو خارج عنه، عقلي حقيقي، أو إضافي, أو سلبي، أو شرعي، أو لغوي، متعدية أو قاصرة، وعلى التقديرات إما بسيطة، أو مركبة". أقول: هذا الطرف معقود لبيان أقسام العلة، وبيان ما يصح به التعليل منها، وما لا يصح؛ فنقول: كل حكم ثبت في محل فعله ذلك الحكم على ثلاثة أقسام, وهي إما ذلك المحل كتعليل حرمة الربا في النقدين بكونهما جوهري الأثمان، وإما جزء ذلك المحل، كتعليل خيار الرؤية في بيع الغائب بكونه عقد معاوضة، وإما خارج عنه، والخارج على ثلاثة أقسام: عقلي وشرعي ولغوي، فزاد في المحصول على هذه الثلاثة العرفي، فأما الأمر العقلي فثلاثة أقسام: حقيقي كتعليل حرمة الخمر بالإسكار، وإضافي كتعليل ولاية الإجبار بالأبوة، وسلبي كتعليل عدم وقوع طلاق المكره بعدم الرضا، والمراد بالحقيقي ما يمكن تعلقه باعتبار نفسه، والإضافي ما يتعلق باعتبار غيره. وأما الأمر الشرعي فكتعليل جواز رهن المشاع بجواز بيعه، وأما الأمر اللغوي فكقولنا في النبيذ: إنه سمي خمرا فيحرم كالمعتصر من العنب، والتعليل بهذا جائز على المشهور, وقيل: لا, وقيل: إن كان مشتقا جاز وإلا فلا، هكذا حكاه القرافي وغيره، والقائل بالصحة هو الذي يجوز القياس في اللغات كما تقدم ذكره هناك، وادعى الإمام هنا أنه لا يصح اتفاقا، وليس كذلك فإنه ممن حكى الخلاف هناك، وأما العرفي الذي زاده الإمام فمثل له بقولنا في بيع الغائب: إنه مشتمل على جهالة مجتنبة في العرف، ثم أعاده بعد ذلك ومثل له بالشرف والخسة، والكمال والنقصان. قال: ولكن إنما يعلل به بشرط أن يكون مضبوطا متميزا عن غيره، وأن يكون مطردا لا يختلف باختلاف الأوقات، فإنه لو لم يكن كذلك لجاز أن يكون ذلك العرف حاصلا في زمان الرسول ﵊ وحينئذ لا يجوز التعليل به، وحاصل هذا التقسيم الذي ذكره المصنف سبعة أقسام: منها خمسة في تقسيم الخارج، وهذا على تقدير أن يكون ما بعد الخارج من الأقسام إنما هو أقسام للخارج فقط، وبه صرح في المحصول، ثم العلة إما متعدية أو قاصرة، فالمتعدية هي التي توجد في غير المحل المنصوص عليه كالسكر, والقاصرة بخلاف ذلك، كتعليل حرمة الربا بجوهري الثمنية، وعلى كل واحد من التقديرات المذكورة، فأما أن تكون العلة بسيطة كالأمثلة المذكورة، أو مركبة، وحينئذ فقد تكون مركبة من الصفة الحقيقية والإضافية، كقولنا: قتل صدر من الأب فلا يجب به القصاص، فالقتل حقيقي والأبوة إضافية, أو من الحقيقية والسلبية كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد الذي ليس بحق. قال: "قيل: لا يعلل بالمحل؛ لأن القابل لا يفعل، قلنا: لا نسلم، ومع هذا فالعلة المعرف". أقول: لما ذكر المصنف أقسام العلة, شرع في بيان ما وقع فيه الخلاف منها, وبيان شبه المخالف مع الجواب عنها، وحاصل ما حكي فيه
стр. 393
الخلاف منها ست مسائل, منها تعليل الحكم بمحله، وقد اختلفوا فيه على ثلاثة مذاهب، أصحها عند الإمام الآمدي وابن الحاجب: أنه إن كانت العلة متعدية فإنه لا يجوز؛ لأنه يستحيل حصول مورد النص بخصوصه في غيره، وإن كانت قاصرة فيجوز، سواء كانت العلة مستنبطة أو منصوصة، فإنه لا استبعاد في أن يقول الشارع: حرمت الخمر لكونه خمرا، ولا في أن يعرف كون الخمر مناسبا لحرمة استعماله. والثاني: لا يجوز مطلقا ونقله الآمدي عن الأكثرين. والثالث: يجوز مطلقا وهو مقتضى إطلاق المصنف، واحتج المانعون بأن محل الحكم قابل للحكم, فإنه لو لم يقبله لم يصح قيامه به، وكذلك كل معنى مع محله، وحينئذ فلو كان المحل علة لكان فاعلا في الحكم؛ لأن العلة تؤثر في المعلول وتفعل فيه، ويستحيل كون الشيء قابلا للشيء وفاعلا فيه كما تقرر في علم الكلام؛ لأن نسبة القابل إلى المقبول بالإمكان، ونسبة الفاعل إلى المفعول بالوجوب، وبين الوجوب والإمكان تناف، وأجاب المصنف بوجهين أحدهما: لا نسلم أن القابل لا يفعل، وقولكم في الاستدلال عليه: إن الوجوب والإمكان متنافيان ممنوع، فإنه إنما يعزم ذلك أن لو كان المراد في الإمكان هو الإمكان الخاص وليس كذلك، بل المراد به الإمكان العام، وقد تقدم أيضا ذلك في الكلام على الاشتراك. الثاني: سلمنا أن القابل لا يفعل, لكن لا نسلم أنه لو كان علة له لكان فاعلا، وإنما يكون كذلك أن لو كان المراد من العلة هو المؤثر ونحن لا نقول به، بل العلة عندنا هو المعرف. واعلم أن الأقول المذكورة في التعليل بالمحل جارية أيضا في التعليل بجزئه, ولكن الصحيح هنا عند الآمدي الجواز مطلقا، وبه جزم المصنف في التقسيم السابق, ونقل أعني الآمدي عن الأكثرين المنع مطلقا, وقال ابن الحاجب: إن كانت العلة قاصرة جاز، وإن كانت متعدية فلا. قال: "قيل: لا يعلل بالحكم غير المضبوطة كالمصالح والمفاسد؛ لأنه لا يعلم وجود القدر الحاصل في الأصل في الفرع، قلنا: لو لم يجز لما جاز بالوصف المشتمل عليها، فإذا حصل الظن بأن الحكم لمصلحة وجدت في الفرع يحصل ظن الحكم فيه". أقول: التعليل قد يكون بالضابط المشتمل على الحكمة، كتعليل جواز القصر بالسفر؛ لاشتماله على الحكمة المناسبة له، وهي اختلاط الأنساب، وقد يكون بنفس الحكمة أي: بمجرد المصالح والمفاسد، كتعليل القصر بالمشقة, ووجوب الحد باختلاط الأنساب، فالأول لا خلاف في جوازه، وأما الثاني ففيه ثلاثة مذاهب حكاها الآمدي, أحدها: الجواز مطلقا، ورجحه الإمام والمصنف وكلام ابن الحاجب يقتضي رجحانه أيضا. والثاني: المنع مطلقا، ونقله الآمدي عن الأكثرين، وأشار إليه المصنف بقوله: قيل: لا يعلل بالحكم, وهو بكسر الحاء وفتح الكاف جمع لحكمة. والثالث واختاره الآمدي: إن كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها جاز، وإن لم تكن كذلك فلا، كالمشقة فإنها
стр. 394
خفية غير منضبطة، بدليل أنها قد تحصل للحاضر وتنعدم في حق المسافر. قوله: "لأنه لا يعلم" أي: استدل المانع بأن القدر الحاصل من المصلحة في الأصل، وهو الذي رتب الشارع علة الحكم فيه لا يعلم وجوده في الفرع؛ لكون المصالح والمفاسد من الأمور الباطنة التي لا يمكن الوقوف على مقاديرها، ولا امتياز كل واحدة من مراتبها التي لا نهاية لها من الرتبة الأخرى، وحينئذ فلا يجوز للمستدل إثبات حكم الفرع بها، وأجاب المصنف بأنه لو لم يجز التعليل بها لكونها غير معلومة لما جاز بالوصف المشتمل عليها؛ لأن العلم باشتمال الوصف عليها من غير العلم بها ممتنع، لكنه يصبح التعليل بالوصف المشتمل عليها بالاتفاق، كالسفر مثلا فإنه علة لجواز القصر لاشتماله على المشقة لا لكونه سفرا، وحينئذ فإذا حصل الظن بأن الحكم في الأصل لتلك المصلحة أو المفسدة المقدرة وحصل الظن أيضا بأن قدر تلك المصلحة أو المفسدة حاصل في الفرع, لزم بالضرورة حصول الظن بأن الحكم قد وجد في الفرع، والعمل بالظن واجب. قال: "قيل: العدم لا يعلل به؛ لأن الأعدام لا تتميز وأيضا ليس على المجتهد سبرها, قلنا: لا يسلم, فإن عدم اللازم متميز عن عدم الملزوم، إنما سقط عن المجتهد لعدم تناهيها، قيل: إنما يجوز التعليل بالحكم المقارن، وهو أخذ التقادير الثلاثة, فيكون مرجوحا، قلنا: ويجوز بالمتأخر لأنه معرف". أقول: يجوز تعليل الحكم العدمي بالعلة العدمية, وفي تعليل الحكم الوجودي بها مذهبان, أصحها عند المصنف أنه يجوز واختاره الإمام هنا؛ لأن دوران الحكم قد يحصل مع بعض العدميات والدوران يفيد العلية كما تقدم، وأصحهما عند الآمدي وابن الحاجب أنه لا يجوز، واختاره الإمام في الكلام على الدوران لوجهين، أحدهما: أن الأعدام لا تتميز عن غيرها وما لا يتميز عن غيره لا يجوز أن يكون علة، أما الصغرى فلأن المتميز عن غيره لا بد أن يكون موصوفا بصفة التميز، والموصوف بصفة التميز ثابت، والعدم نفي محض, وأما الكبرى فلأن الشيء الذي يكون علة لا بد أن يتميز عما لا يكون علة، وإلا لم يعرف كونه علة. الثاني: أن المجتهد يجب عليه سبر الأوصاف الصالحة العلية، أي: اختبارها لتميز العلة عن غيرها، فلو كانت الأعدام صالحة للعلية لكان يجب عليه أن يسبرها لكنه لا يجب، وأجاب المصنف عن الأول بأنا لا نسلم أن الأعدام لا تتميز بل تقبل التمييز، بل إذا كانت من الأعدام المضافة، بدليل أن عدم اللازم متميز عن عدم الملزوم، فإنا نحكم بأن عدم اللازم يستلزم عدم الملزوم ولا ينعكس، وأما استدلالهم عليه فجوابه أن الموصوف بالتميز إنما يستدعي الثبوت في الذهن فقط، والعدم له ثبوت فيه، نعم الأعدام المطلقة ليس لها تميز، ونحن نسلم امتناع التعليل بها، والجواب عن الثاني أن سبر الأعدام إنما سقط عن المجتهد لعدم قدرته عليها لا تنتهي، لا لكونها غير صالحة للعلية. قوله: "قيل: إنما يجوز ... إلخ" اختلفوا في تعليل الحكم الشرعي بالحكم, فجوزه الإمام والمصنف مطلقا؛ لأن الحكم
стр. 395
قد يدور مع حكم آخر، والدوران يفيد العلية، ومنعه قوم مطلقا، واحتجوا بأن الحكم الذي يفرض كونه علة إنما يجوز التعليل به إذا كان مقارنا للحكم الذي هو معلول له؛ لأنه إن كان متقدما عليه فلا يجوز تعليله به، وإلا لزم تخلف المعلول عن علته، وإن كان متأخرا فلا يجوز أيضا وإلا لزم تقدم المعلول على علته، فثبت أنه يصح التعليل على تقدير واحد، ولا يصح على تقديرين، فيكون التعليل به مرجوحا، وعدم صحة التعليل به راجحا، فإن التقدير الواحد مرجوح بالنسبة إلى التقديرين، ولا شك أن العبرة في الشرع بالراجح لا بالمرجوح، وأجاب المصنف بأنه يجوز التعليل أيضا بالمتأخر؛ لأن المراد من العلة هو المعرف لا المؤثر، والمعرف يجوز أن يكون متأخرا كالعالم مع الصانع سبحانه تعالى، وحينئذ فيصح التعليل به على تقديرين من ثلاثة, ويلزم منه أن يكون راجحا بعين ما قلتم، ولقائل أن يقول: إن كان المراد من التقدم والتأخر إنما هو الزماني فهو مستحيل في الحكم الشرعي، ولكونه قديما، وإن كان المراد به الذاتي فهو ثابت لكل علة ومعلول، فإن العلة متقدمة بذاتها على معلولها، وأيضا فلا نسلم أن المتقدم بالزمان لا يصح للعلية، وإنما يكون كذلك لو كان التخلف لغيره مانعا، قلتم: إنه ليس كذلك، واختار ابن الحاجب أنه يجوز إن كان التعليل به باعثا على تحصيل مصلحة، كما مثلنا من تعليل رهن المشاع بجواز بيعه، ولا يجوز إن كان لدفع مفسدة, كتعليل بطلان البيع بالنجاسة، وللآمدي في هذه المسألة تفصيل يطول ذكره وهو مبني على قواعد مخالفة لاختيار الإمام وغيره. واعلم أن هذا الذي ذكره الإمام والمصنف من جواز تعليل حكم الأصل بعلة متأخرة الوجود عنه خالف فيه الآمدي، وقال: الصحيح أنه لا يجوز، وإن جعلنا العلة بمعنى العرف، لأن تعريف المعرف محال، وتبعه ابن الحاجب عليه. قال: "قالت الحنفية: لا يعلل بالقاصرة لعدم الفائدة. قلنا: معرفة كونه على وجه المصلحة فائدة, ولنا أن التعدية توقفت على العلية، فلو توقفت هي عليها للزم الدور". أقول: العلة القاصرة كتعليل حرمة الربا في النقدين، وإن كانت ثابتة بنص أو إجماع فيجوز التعليل بها بالاتفاق، كما قاله الآمدي وابن الحاجب وغيرهما، وهو مقتضى كلام الإمام، وإن كانت ثابتة بالاجتهاد والاستنباط فكذلك عند الإمام والآمدي وأتباعهما، ونقله إمام الحرمين ومن بعده عن الشافعي، ونقله الآمدي وابن الحاجب عن الأكثر أيضا، وقالت الحنفية: لا يجوز لعدم فائدته؛ لأن فائدة التعليل إنما هو إثبات الحكم وهو غير حاصل، أما في الأصل فلثبوته بالنص، وأما في غيره فلعدم وجود العلة فيه؛ لأن الغرض أنها قاصرة، وإذا انتفت الفائدة في التعليل بها استحال وروده من الشارع؛ لأن الحكيم لا يفعل العبث، وأجاب الإمام بثلاثة أجوبة, أحدها وعليه اقتصر المصنف: أنا لا نسلم انحصار الفائدة في إثبات الحكم، بل لها فائدة أخرى وهي معرفة كون الحكم على وجه المصلحة، ووفق الحكمة لتكون النفس إلى قبوله أميل. الثاني: أن ما قالوه بعينه
стр. 396
وارد في المنصوصة. الثالث: أن معرفة اقتصار الحكم على محل النص وانتفائه عن غيره من أعظم الفوائد، وهي حاصلة هنا فإنا إذا لم نجوز التعليل بالعلة القاصرة، ووجدنا في الأصل وصفا متعديا يناسب ذلك الحكم، فإنه يجب التعليل به لخلوه عن المعارض، وحينئذ يلزم إثبات الحكم في الفرع بخلاف ما إذا جوزنا التعليل به، ونقل إمام الحرمين في البرهان عن بعضهم أن فائدة تعليل تحريم التفاضل في النقدين بكونهما نقدين, هو تحريم التفاضل في الفلوس إذا راجت رواج النقود, قال: وهذا خطأ؛ لأن النقدية في الشرع مختصة بالنوعين, ولأن النص إن تناولها بقي الأمر على ما هو عليه من عدم حصول الفائدة من التعليل، وإن لم يتناولها كانت العلة متعدية وكلامنا في القاصرة. واعلم أن هذا الدليل المنقول عن الحنفية إنما يستقيم إذا قلنا: إن الحكم في مورد النص لا يمكن ثبوته بالعلة، وقد نقله عنهم في المحصول، وعللوه بأن الحكم معلوم والعلة مظنونة، المظنون لا يكون طريقا إلى المعلوم, ثم نقل هو والآمدي وابن الحاجب عن أصحابنا أنهم جوزوا ثبوته بها، وحينئذ فيندفع الدليل من أصله. قوله: "لنا" أي: استدل أصحابنا على الجواز بأن تعدية العلة إلى الفرع متوقفة على كونها علة، فلو توقف كونها علة على تعديتها للزم الدور، وأجاب ابن الحاجب بأن هذا الدور غير محال لكونه دور معية، وأجاب غيره بأن كل واحدة من التعدية والعلية مستلزمة للأخرى، كالنبوة مثلا لا متوقفة عليها، فلا يلزم الدور؛ لأن الدور إنما هو على تقدير التوقف, وأيضا إن كان المراد من التعدية وجود الوصف في صورة أخرى فلا نسلم توقفه على العلية وهو واضح، وإن كان المراد بها كون الوصف علة في صورة أخرى فنسلم توقفها على العلية، لكن لا نسلم توقف العلة على التعدية بهذا المعنى، بل إنما تتوقف على وجود الوصف في صورة أخرى، وحينئذ فلا دور. قال: "قيل: لو علل بالمركب، فإذا انتفى جزء تنتفي العلية، ثم إذا انتفى جزء آخر يلزم التخلف، أو تحصيل الحاصل، وإن قلنا: علية عدمية فلا يلزم ذلك". أقول: ذهب الأكثرون ومنهم الإمام والآمدي وأتباعهما إلى جواز تعليل الحكم بالوصف المركب، كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان؛ لأنه مناسب له ودائر معه، وهما يفيدان العلية كما تقدم، وعلى هذا قال بعضهم: يشترط أن لا تزيد الأجزاء على سبعة، قال الإمام: ولا أعرف لهذا الحصر حجة، واحتج المانع بأنه لو صح التعليل به لكان عدم كل واحد من أجزائه علة تامة لعدم عليته؛ لأن عدم كل واحد منها علة لعدم ذاته، وإذا ارتفعت الذات ارتفعت الصفات بالضرورة، وحينئذ فنقول: إذا انتفى جزء من المركب تنتفي العلية لما قلناه، ثم إذا انتفى جزء آخر منه فإن لم تنتف عليه يلزم تخلف المعلول عن علية التامة، وإن انتفت يلزم تحصيل الحاصل، وكلاهما محال، فالتعليل بالمركب محال، وأجاب المصنف بأن العلية صفة عدمية، فإنها من النسب والإضافات التي هي أمور يعتبرها العقل لا وجود لها في الخارج، وإذا كانت
стр. 397
العلية عدمية كان انتفاؤها وجوديا، فإن أحد النقيضين لا بد أن يكون وجوديا، وإذا كان انتفاؤها وجوديا امتنع أن يكون عدم كل جزء علة له؛ لأن الأمور العدمية لا تكون علة للأمر الوجودي، هذا غاية ما يقرر به جواب المصنف وفيه تكلف وضعف ومخالفة، أما التكلف فواضح، وأما الضعف فلأن هذه الطريقة تنعكس فيقال: العلة من الأمور الوجودية؛ لأن نقيضها عدمي وهو عدم العلية، وأما المخالفة فقد سبق أنه يجوز تعليل الوجودي بالعدم عند المصنف, ولم يجب الإمام به عن هذه الشبهة، وإنما أجاب به عن شبهة أخرى, وذلك أنهم قالوا: كون الشيء علة لغيره صفة لذلك الشيء، فإذا كان الموصوف بالعلية أمرا مركبا، فإن قامت تلك الصفة بتمامها بكل واحد من أجزاء المركب فيلزم أن يكون كل واحد منها علة مستقلة، وإن قام بكل واحد من تلك الأجزاء جزء من تلك الصفة فيلزم انقسام الصفة العقلية، ويكون حينئذ للعلية نصف وثلث وهو محال، هذا هو السؤال الذي أجاب عنه الإمام بكون العلية عدمية، وهو مطلق فترك صاحب الحاصل ذكر هذه الشبهة، ونقل جوابها إلى الشبهة الأولى، وتبعه المصنف، والظاهر أنه إنما حصل عن سهو، وأجاب ابن الحاجب بجوابين أحدهما: لا نسلم أن عدم الجزء علة لعدم العلية, بل وجود كل جزء شرط للعلية فعدمه يكون عدما لشرط العلية. الثاني: أن هذه علامات على عدم العلية واجتماع العلامات على الشيء الواحد جائز, سواء كانت مترتبة، أو في وقت واحد، كالنوم واللمس بالنسبة إلى الحدث. قال: "وهنا مسائل: الأولى: يستدل بوجود العلة عن الحكم لا بعليتها؛ لأنها نسبة تتوقف عليه، الثانية: التعليل بالمانع لا يتوقف على المقتضى؛ لأنه إذا أثر معه فبدونه أولى، قيل: لا يسند العدم المستمر، قلنا: الحادث يعرف الأزلي كالعالم للصانع. الثالثة: لا يشترط الاتفاق على وجود العلة في الأصل, بل يكفي انتهاض الدليل عليه. الرابعة: الشيء يدفع الحكم كالعدة، أو يرفعه كالطلاق، أو يدفع ويرفع كالرضاع. الخامسة: العلة قد يعلل بها ضدان، ولكن بشرطين متضادين". أقول: لما فرغ من شرائط العلة شرع في ذكر مسائل تتعلق بها الأولى: الإشكال في أنه يصح الاستدلال على الحكم بوجود العلة، كما يقال: وجد في صورة القتل بالمثقل علة وجوب القصاص، وهو القتل العمد العدوان فيجب فيها القصاص؛ لأن وجود العلة يستلزم وجود المعلول، ولا يجوز أن يستدل بعلية العلة على وجود الحكم، كما يقال: علية القتل العمد العدوان لوجوب القصاص ثابتة في القتل بالمثقل فيجب فيه القصاص، وإنما قلنا: إنه لا يجوز لأن العلية نسبة بين العلة والحكم، والنسبة متوقفة على المنتسبين, فتكون العلة متوقفة في وجودها على ثبوت الحكم، فلو أثبتنا الحكم بها لزم الدور، وهذا الجواب ضعيف بوجهين ذكرهما صاحب التحصيل, أحدهما: أن النسبة إنما تتوقف على المنتسبين في الذهن لا في الخارج. والثاني: أن المراد بالعلة هو المعرف كما سبق, وحينئذ فلا يلزم الدور. المسألة
стр. 398
الثانية: تعليل عدم الحكم بالمانع هل يتوقف على وجود المقتضى له؟ فيه مذهبان أرجحهما عند الإمام والمصنف وابن الحاجب أنه لا يتوقف؛ لأن المقتضى والمانع بينهما معاندة ومضادة، والشيء لا يتقوى بضده بل يضعف به، فإذا جاز التعليل بالمانع حال ضعفه وهو وجود المقتضى فجوازه عند قوته وهو حال عدم المقتضى أولى، لكن إذا قلنا بهذا فانتفاء الحكم لانتفاء المقتضى أظهر في العقل من انتفائه لحصول المانع, هكذا قاله في المحصول١، وعلى هذا فمدعي الأول أرجح من مدعي الثاني فاعلمه، فإنه كثير الوقوع في المباحث. والمذهب الثاني: أن التعليل بالمانع يتوقف على وجود المقتضى، واختاره الآمدي لأن المعلول إن كان هو العدم المستمر فباطل؛ لأن المانع حادث والعدم المستمر أولى، واستناد الأزلي إلى الحادث ممتنع، وإن كان هو العدم المتجدد فهو المطلوب؛ لأن العدم المتجدد إنما يتصور بعد قيام المقتضى, وأجاب المصنف بأن المعلل هو العدم المستمر ولا استحالة فيه، لأن العلل الشرعية معرفات، والحادث يجوز أن يكون معرفا للأزلي كما أن العالم معرف للصانع، واعلم أن هذه المسألة من تفاريع تخصيص العلة، بأنه يمتنع الجمع بين المقتضى والمانع عند من يمنع التخصيص، ولا يمتنع ذلك عند من يجوزه. المسألة الثالثة: الوصف الذي جعل علة في الأصل المقيس عليه لا يشترط الاتفاق على وجوده فيه على الصحيح، بل يكفي قيام الدليل عليه سواء كان ذلك الدليل قطعيا أو ظنيا لحصول المقصود به، وقياسا على سائر المقدمات، وسيأتي الكلام على وجوده في الفرع. المسألة الرابعة: الوصف المانع قد يكون دافعا للحكم فقط، أي: إذا قارن ابتداء دفعه وإن وجد في الأثناء لم يقدح, وقد يكون رافعا فقط أي بالعكس مما تقدم، وقد يكون دافعا ورافعا، فالأول كالعدة فإنها تمنع ابتداء النكاح لا دوامه, فإن المرأة لو اعتدت عن وطء الشبهة لم ينفسخ نكاحها، وأما الثاني فكالطلاق فإنه يرفع النكاح ولكن لا يدفعه، فإن الطلاق لا يمنع وقوع نكاح جديد، وأما الثالث فكالرضاع وهو واضح. المسألة الخامسة: العلة الواحدة قد يعلل بها معلول واحد وهو ظاهر، وقد يعلل بها معلولان متماثلان أي: في ذاتين، كالقتل الصادر من زيد وعمر، فإنه يوجب القصاص على كل واحد منهما، ولا يتأتى ذلك في الذات الواحدة لاستحالة اجتماع المثلين, وقد يعلل بها معلولان مختلفان بجواز اجتماعهما، كالحيض فإنه علة لتحريم القراءة، ومس المصحف، والصوم، والصلاة، وقد يعلل بها معلولان متضادان لكن بشرطين متضادين كالجسم يكون علة للسكون بشرط البقاء في الحين، وللحركة بشرط الانتقال عنه، وقد اقتصر المصنف على هذا الأخير, وإنما اشترطنا فيه حصول الشرطين المتضادين؛ لأنه إن لم يكن للمعلومين
стр. 399
المتضادين شرط أصلا، أو كان لهما شرط واحد, أو شرطان مختلفان، فإنه يلزم منهما اجتماع الضدين وهو محال، واعلم أنه يشترط في العلة أيضا شرطان أحدهما: أن لا يكون دليلها متناولا ولا لحكم الفرع، كما لو قال قائل: السفرجل مطعوم, فيجري فيه الربا قياسا على البر، ثم يستدل على كون الطعم علة لتحريم الربا في البر بقوله ﵊: "لا تبيعوا الطعام" ١ وسيأتي مثله في الحكم أيضا، وهذا الشرط اختاره ابن الحاجب ونقله الآمدي عن بعضهم، وتوقف فيه. الثاني, ما ذكره الآمدي وابن الحاجب: أن لا تكون العلة المستنبطة من الحكم المعلل بها مما يرجح على الحكم الذي استنبطت منه بالإبطال، وذلك كتعليل وجوب الشاة في الأربعين بدفع حاجة الفقراء، فإنها تقتضي جواز إخراج القيمة ويلزم من جواز إخراج القيمة عدم وجوب الشاة، وإنما قلنا: لا يجوز؛ لأن ارتفاع الأصل المستنبط منه يوجب إبطال العلة المستنبطة لتوقف عليتها على اعتباره. قال:
стр. 400
الفصل الثاني: في الأصل والفرع
"الفصل الثاني: في الأصل والفرع، أما الأصل فشرطه ثبوت الحكم فيه بدليل غير القياس؛ لأنهما إن اتحدا في العلة فالقياس على الأصل الأول، وإن اختلفا لم ينعقد الثاني، وإن لم يتناول دليل الأصل الفرع وإلا لضاع القياس، وأن يكون حكم الأصل معللا بوصف معين وغير متأخر عن حكم الفرع، وإذ لم يكن لحكم الفرع دليل سواه". أقول: لما فرغ من الكلام على العلة التي هي أحد أركان القياس, شرع في الكلام على الركنين الباقيين، وهما الأصل والفرع، فأما الأصل فذكر له خمسة شروط, الأول: ثبوت حكمه وهو واضح، الثاني: أن يكون ذلك الحكم ثابتا بدليل من الكتاب أو السنة أو اتفاق الأمة، فإن كان متفقا عليه بينهما فقط، ويعبر عنه بالقياس المركب, ففي صحة القياس عليه مذهبان حكاهما في الأحكام واختار ابن الحاجب أنه لا يصح، قال: ومحله عند اختلافهما في العلة أو في وصف الحكم المستدل عليه هل له وجود في الأصل أم لا؟ فلو سلم الخصم أنها العلة وأنها موجودة، أو أثبت المستدل أنها موجودة انتهض الدليل على الخصم، وإن كان مذهبا لأحدهما فقط فهو على قسمين أحدهما: أن يكون مذهبا للمستدل دون المعترض, وذلك بأن يكون المستدل قد أثبت حكمه بالقياس على شيء، فإن كان كذلك فإنه لا يصح القياس عليه عند الجمهور خلافا للحنابلة وأبي عبد الله البصري، وإليه أشار بقوله: بدليل غير القياس، مثاله قول القائل: السفرجل مطعوم، فيكون ربويا بالقياس على التفاح، ثم يقيس التحرير في التفاح عند توجه منعه على البر بجامع الطعم أيضا، وكذلك قول القائل: الجذام عيب يفسخ به البيع، فيفسخ به النكاح قياسا على الرتق، وهو استداد محل الجماع، والجامع هو الفسخ بالعيب، ثم يقاس الرتق عند توجه منعه على الجب بجامع فوات الاستمتاع، وإنما قلنا: لا يجوز لأن القياسين
стр. 401
إن اتحدا في العلة كما في المثال الأول فيكون قياس الفرع الثاني إنما هو الأصل الأول, دون الأصل الثاني، وحينئذ فيكون ذكر الأصل الثاني لغوا، وإن اختلفا في العلة كما في المثال الثاني لزم أن لا ينعقد القياس الثاني؛ لأنه علة ثبوت الحكم في الفرع الأول الذي هو أصل للقياس الثاني وهو الوصف الجامع بين الأول وفرعه وهي غير موجودة في الفرع الثاني، وأيضا فالحكم في الفرع المتنازع فيه أولا وهو فسخ النكاح بالجذام إنما يثبت بما يثبت به حكم أصله، فإذا كان حكم أصله وهو الرتق ثابتا بعلة أخرى، وهي العلة التي استنبطت من الأصل الآخر, فيمتنع تعدية الحكم بغيرها، وإن جوزنا تعليل الحكم بعلتين مستنبطتين لأن ذلك الغير لم يثبت اعتبار الشارع له، لكون الحكم الثابت معه ثابتا بغيره بالاتفاق، وإذا كان غير معتبر امتنع ترتب الحكم عليه. القسم الثاني: أن يكون مقبولا عند المعترض، ممنوعا عند المستدل بأن القياس باطل، كما قاله الآمدي وابن الحاجب؛ لأن هذا القياس يتضمن اعتراف المستدل بالخطأ في الأصل لوجود العلة فيه مع عدم الحكم، فلا يصح منه بناء الفرع عليه، فإن جعله إلزاما للمعترض، فقال: هذا هو عندك علة للحكم في الأصل، وهو موجود في محل النزاع فيلزمك الاعتراف بحكمه، وإلا فيلزم إبطال المعنى وانتقاضه لتخلف الحكم عنه من غير مانع، ويلزم من إبطال التعليل به امتناع إثبات الحكم به في الأصل، فهو أيضا فاسد؛ لأن الخصم له أن يقول: الحكم في الأصل ليس عندي ثابتا بهذا الوصف، وبتقريره فليس تصويبه في الأصل لتخطئة في الفرع بأولى من العكس, قاله الآمدي. الشرط الثالث: أن لا يكون الدليل الدال على حكم الأصل متناولا للفرع؛ لأنه لو تناوله لكان إثبات الحكم في الفرع بذلك الدليل لا بالقياس، وحينئذ فيضيع القياس. هكذا علله المصنف تبعا للحاصل، وعلله الإمام والآمدي بأنه لو تناوله لم يكن جعل أحدهما أصلا والآخر فرعا بأولى من العكس. الشرط الرابع: أن يكون حكم الأصل معللا بعلة معينة غير مبهمة؛ لأن إلحاق الفرع بالأصل لأجل وجود العلة يستدعي العلم بحصول العلة، والعلم بحصول العلة يتوقف على تعليل حكم الأصل، وعن تعيين علته. الشرط الخامس: أن يكون حكم الأصل غير حكم الفرع إذا لم يكن لحكم الفرع دليل سوى القياس؛ لأنه لو كان كذلك لكان يلزم أن يكون حكم الفرع قبل مشروعية الأصل حاصلا من غير دليل وهو تكليف ما لا يطاق، اللهم إلا أن يذكر ذلك بطريق الإلزام للخصم لا بطريق إنشاء الحكم فإنه يقبل، كما قاله الآمدي وابن الحاجب. أما إذا كان للفرع دليل آخر غير القياس فإنه لا يشترط تقدم حكم الأصل عليه؛ لأن حكم الفرع قبل حكم الأصل يكون ثابتا بذلك الدليل، وبعده يكون ثابتا به وبالقياس، وغاية ما يلزم أن تتوارد أدلة على مدلول واحد وهو غير ممتنع، ومثاله قياس الشافعي إيجاب النية في الوضوء على إيجابها في التيمم، فإن التيمم متأخر عن الوضوء، إذ مشروعيته بعد الهجرة ومشروعية الوضوء
стр. 402
قبلها، ومع ذلك فالقياس صحيح، فإن وجوب النية في الوضوء دليل آخر وهو قوله ﵊: "إنما الأعمال بالنيات" نعم إنما يتم ذلك. مثالنا إذا ورد الحديث قبل مشروعية الوضوء فإن كان بعدها فلا؛ لأن المحذور باقٍ، وإلى هذا أشار بقوله: وغير متأخر، وهو منصوب عطفا على خبر كان، وهذا التفصيل قاله الإمام والمصنف وأشار إليه الغزالي في المستصفى ولم يتعرض له الآمدي ولا ابن الحاجب, بل أطلقا المنع. قال: "وشرط الكرخي عدم مخالفة الأصل أو أحد أمور ثلاثة: التنصيص على العلة، والإجماع على التعليل مطلقا، ومرافقة أصول أخر، والحق أنه يطلب الترجيح بينه وبين غيره، وزعم عثمان البتي قيام ما يدل على جواز القياس عليه، وبشر المريسي ١ الإجماع عليه، أو التنصيص على العلة، وضعفهما ظاهر". أقول: لما ذكر المصنف الشروط المعتبرة في الأصل أردفها بشروط اعتبرها فيه بعضهم، فمنها هل يجوز القياس على ما يكون حكمه مخالفا للأصول والقواعد الواردة من جهة الشرع كالعرايا أم لا؟ فيه خلاف، فذهب جماعة من الشافعية والحنفية إلى جواز القياس عليه مطلقا إذا عقل معناه، وجزم الآمدي بأنه كما يجوز مطلقا، وهو مقتضى كلام ابن الحاجب، وقال الكرخي: لا يجوز إلا بأحد أمور ثلاثة, الأول: تنصيص الشارع على علة حكمه؛ لأن تنصيصه على العلة كالتصريح بالقياس عليه. الثاني: أن تجمع الأمة على تعليله فلا يكون من الأحكام التعبدية التي لا تعلل بالاتفاق، ولا من الأحكام التي اختلفت في تعليلها كالتطهير بالماء، ثم إذا أجمعوا على التعليل فلا فرق بين أن يتفقوا على تعين العلة أو يختلفوا فيها، وإليه أشار بقوله: مطلقا. والثالث: أن يكون القياس عليه موافقا لأصول أخر، والحق عند الإمام وأتباعه، ومنهم المصنف، أنه يجب على المجتهد أن يطلب التراجيح بين القياس على هذا الأصل الذي خالف باقي الأصول، وبين القياس على أصول أخر لما يمكن الترجيح به من الطرق المذكورة في ترجيح الأقيسة، فعلى هذا قال الإمام: هذا الأصل الذي ورد على خلاف قياس سائر الأصول إذا كان دليلا مقطوعا به كان أصلا بنفسه، فيكون القياس عليه كالقياس على غيره، فيرجح المجتهد بينهما، وإن لم يكن مقطوعا, فإن كانت علة منصوصة فيجب الترجيح بينهما أيضا؛ لأن القياس على الأصول بأن طريق حكمه معلوم، وإن كان طريق علته غير معلومة وهذا القياس بالعكس فتعادلا، وإن لم تكن علته منصوصة فالقياس على باقي الأصول أولى، وهذه الصورة الأخيرة واردة على المصنف والشافعي, وفي هذه المسألة اختلاف تقدم ذكره في أوائل القياس، وزعم عثمان البتي أنه لا يقاس على أصل حتى يقوم دليل على جواز القياس عليه بخصوصه، عبر
стр. 403
صاحب الحاصل عن هذا بقوله: وزعم عثمان البتي اشتراط قيام ما يدل على جواز القياس، فتبعه المصنف على عبارته ولكنه نسي لفظة اشتراط، ولا بد منها. قال القرافي: والمراد من ورود الدليل إنما هو على الباب من حيث هو لا على المسألة المقاس عليها بخصوصها, فإن كانت المسألة من مسائل النكاح فلا بد من ورود دليل يدل على جواز القياس في النكاح, وإن كانت مسائل الطلاق فلا بد من دليل يدل على جواز القياس فيه. قوله: "وبشر المريسي" أي: وزعم بشر المريسي أن شرط الأصل انعقاد الإجماع على كون حكمه معللا، وثبوت النص على غير تلك العلة، هذا لفظ المحصول، وكلام المصنف يخالفه من وجهين أحدهما: في اشتراك الإجماع على الأصل، والموقع له فيه إنما هو صاحب الحاصل، فإنه قال: زعم بشر المريسي أن شرط القياس أن يكون حكم الأصل مجمعا عليه، والعلة منصوصة, هذا لفظه. والثاني: في اشتراطه أحد الأمرين, والموقع له فيه هو صاحب التحصيل. قوله: "وضعفهما ظاهر" يعني: مذهب البتي ومذهب المريسي، فإن عموم قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] ينفي هذه الشروط، كذلك عمل الصحابة، وذهب قوم إلى أن المحصول بالعدد لا يجوز القياس عليه، حتى قالوا في قوله ﵊: "خمس يقتلن في الحل والحرم" ١: إنه لا يقاس عليه، قال في المحصول: والحق جوازه لما قلناه، وقد قدم المصنف في أوائل القياس مذاهب أخرى تناسب هذين المذهبين، فلو جمع الكل في موضع واحد لكان أولى. قال: "وأما الفرع فشرطه وجود العلة فيه بلا تفاوت، وشرط العلم به والدليل على حكمه إجمالا، ورد بأن الظن يحصل دونهما". أقول: يشترط في الفرع أن يوجد فيه علة مماثلة لعلة الأصل، إما في عينها كقياس النبيذ في الخمر بجامع الشدة المطربة، أو في جنسها كقياس وجوب القياس في الأطراف على القصاص في النفس بجامع الجنابة، وشرط المصنف أيضا أن لا تتفاوت العلتان أي: لا في الماهية ولا في الزيادة ولا في النقصان، كما صرح به في المحصول٢، وهو مخالف لما تقدم عن كون القياس قد يكون مساويا، وقد يكون أولى, وقد يكون أخفى. وإنما شرطنا المماثلة؛ لأن القياس كما تقدم عبارة عن إثبات مثل حكم الأصل في الفرع، وإنما يتصور ذلك عند مماثلة الوصف الموجود في الفرع للوصف الموجود في الأصل، وإلا لم يحصل بين الحكمين تماثل، وإذا وجب تماثل الوصفين وجب عدم التفاوت بينهما، وهو المطلوب وشرط بعضهم حصول العلم بوجود العلة في الفرع، وزعم أن ظن وجوده لا يكفي، وشرط أبو هاشم أن يكون الحكم في الفرع قد دل عليه الدليل إجمالا، حتى يدل القياس على تفصيله. قال: ولولا أن الشرع ورد بميراث الجد جملة وإلا لم تستعمل الصحابة القياس في
стр. 404
توريثه مع الإخوة، وإلى هذين الشرطين الضعيفين أشار بقوله: وشرط كذا وكذا، وهو مبني للمفعول، ثم رد المصنف هذين الشرطين, بأن ظن وجود الحكم في الفرع حاصل عند ظن وجود العلة فيه من غير وجود الشرطين المذكورين، والعمل بالظن واجب، وشرط الآمدي وابن الحاجب أن لا يكون حكم الفرع منصوصا عليه، وادعى الآمدي أنه لا خلاف فيه, قال: لأن كلا منهما إذا كان منصوصا عليه فليس قياس أحدهما على الآخر بأولى من العكس, وهذا الشرط نقله الإمام عن بعضهم، ثم نقل عن الأكثرين أنه لا يشترط. قال: لأن ترادف الأدلة على المدلول الواحد جائز. قال: "تنبيه: يستعمل القياس على وجه التلازم، ففي الثبوت يجعل حكم الأصل ملزوما، وفي النفي نقيضه لازما، مثل: لما وجبت الزكاة في مال البالغ للمشترك بينه وبين مال الصبي وجبت في ماله، ولو وجبت في الحلي لوجبت في اللآلئ قياسا عليه، واللازم منتفٍ فالملزوم مثله". أقول: اعلم أن أهل الزمان يستعملون القياس الشرعي على وجه التلازم، أي: على النوع المسمى عند المنطقيين بالقياس الاستثنائي، فيثبتون به الحكم تارة وينفونه أخرى، وأراد المصنف التنبيه عليه في آخر القياس فلذلك سماه تنبيها، فطريق استعماله أنه إن كان المقصود إثبات الحكم فيجعل حكم الأصل ملزوما لحكم الفرع، وتجعله العلة المشتركة بين الأصل والفرع دليلا على الملازمة؛ وحينئذ فيلزم من ثبوت حكم الأصل ثبوت حكم الفرع؛ لأنه يلزم من وجود الملزوم وجود اللازم، وإن كان المقصود نفي الحكم فيجعل حكم الفرع ملزوما، ونقيض حكم الأصل لازما، وتجعل العلة المشتركة دليلا على الملازمة أيضا، وحينئذ فيلزم من نفي اللازم نفي الملزوم. مثال الأول أن يعدل عن قول القائل: تجب الزكاة على الصبي قياسا على البالغ بجامع ملك النصاب، أو دفع حاجة الفقير، إلى قولك: لما وجبت الزكاة في مال البالغ للعلة المشتركة بينه وبين مال الصبي، وهي ملك النصاب أو دفع حاجة الفقير, لزم أن تجب في مال الصبي، فقد جعلنا ما كان أصلا ملزوما لما كان فرعا، وجعلنا العلة الجامعة دليلا على التلازم. ومثال الثاني: أن يعدل عن قول القائل: لا زكاة في الحلي قياسا على اللآلئ بجامع الزينة، إلى قولنا: لو وجبت الزكاة في الحلي لوجبت في اللآلئ، واللازم منتفٍ لأنها لا تجب في اللآلئ فالملزوم مثله، ووجه الملازمة اشتراكهما في الزينة، ولما كانت المقدمة المنتجة في المثال الأول إنما هو إثبات الملزوم, استعمل المصنف فيه لفظ لما، لإعادتها ذلك، ولما كانت المقدمة المنتجة في المثال الثاني إنما هو نفي اللازم، استعمل المصنف فيه لفظ لو؛ لكونها دالة على امتناع الشيء لامتناع غيره. قال:
стр. 405
الكتاب الخامس: في دلائل اختلف فيها
الباب الأول: في المقبولة
" الكتاب الخامس: في دلائل اختلف فيها, وفيه بابان, الباب الأول: في المقبول وهي ستة الأول: الأصل في المنافع الإباحة لقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٩] ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥] وفي المضار التحريم لقوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" ١ قيل: على الأول اللام تجيء لغير النفع، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قلنا: مجاز؛ لاتفاق أئمة اللغة على أنها للملك، ومعناه الاختصاص النافع بدليل قولهم: الجل للفرس. قيل: المراد الاستدلال. قلنا: هو حاصل من نفسه فيحمل على غيره". أقول: لما فرغ من الكتب الأربعة المعقودة للأدلة الأربعة المتفق عليها شرع في كتاب آخر لبيان الأدلة المختلف فيها، وجعله مشتملا على بابين, الأول: في المقبول منها، والثاني: في المردود، فأما المقبول فستة، الأول: الأصل في الأشياء النافعة هو الإباحة، وفي الأشياء الضارة أي: مؤلمات القلوب هو الحرمة، وهذا إنما هو بعد ورود الشرع بمقتضى الأدلة الشرعية، وأما قبل وروده فالمختار الوقوف كما تقدم، ثم استدل المصنف على إباحة المنافع بثلاث آيات: الآية الأولى: "قوله تعالى": ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ووجه الدلالة أن البارئ تعالى أخبر بأن جميع المخلوقات الأرضية للعباد؛ لأن موضوعه للعموم، لا سيما وقد أكدت بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ واللام في ﴿لَكُمْ﴾ تفيد الاختصاص على جهة الانتفاع للمخاطبين، ألا ترى أنك إذا قلت: الثوب لزيد فإن معناه أنه مختص بنفعه, وحينئذ فيلزم من ذلك أن يكون الانتفاع بجميع المخلوقات مأذونا فيه شرعا وهو المدعي. الثانية: "قوله تعالى": ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ ووجه الدلالة أن هذا الاستفهام ليس على حقيقته بل هو للإنكار، وحينئذ فيكون البارئ تعالى قد أنكر تحريم الزينة التي يختص بنا الانتفاع بها لمقتضى اللام كما تقدم، وإنكار التحريم يقتضي انتفاء التحريم، وإلا لم يجز الإنكار، وإذا انتفت الحرمة تعينت الإباحة، وفيه نظر, فقد تقدم في أوائل الكتاب أن انتفاء الحرمة لا يوجب الإباحة. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ووجه الدلالة أن اللام في ﴿لَكُمْ﴾ تدل على الطيبات مخصوصة بناء على جهة الانتفاع كما تقدم، وليس المراد بالطيبات هو المباحات، وإلا يلزم التكرار بل المراد بها ما تستطيعه النفس؛ لأن الأصل عدم معنى ثالث، وأما المضار فاستدل المصنف على تحريمها بقوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" ووجه الدلالة أن الحديث يدل على نفي الضرر مطلقا؛ لأن النكرة المنفية تعم، وهذا النفي ليس واردا على الإمكان ولا الوقوع قطعا، بل على الجواز، وإذا انتفى الجواز ثبت التحريم وهو المدعى. قوله: "قيل: على الأول" أي: اعترض الخصم على بيان الأصل وهو إباحة المنافع بوجهين أحدهما: لا نسلم أن اللام في اللغة للاختصاص النافع, فإنها قد تجيء لغير النفع كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أما في الآية الأولى؛ فلأنها لاختصاص الضرر لا لاختصاص النفع، وأما في
стр. 406
الآية الثانية فلتنزيهه تعالى عن الانتفاع به، وأجاب المصنف بأن استعمال اللام في غير النفع مجاز، لاتفاق أئمة اللغة على أن اللام موضوعة للملك، ومعنى للملك هو الاختصاص النافع لا حقيقته المعروفة، وإلا يصح قولهم: الجل للفرس، فيلزم منه أن تكون اللام حقيقة في الاختصاص النافع، وحينئذ فيكون استعمالها في غيره مجازا؛ لأنه خير من الاشتراك، ولقائل أن يقول: هذا ينافي ما ذكره في القياس، من كون اللام حقيقة في التعليل، وأيضا فإن أهل اللغة يخصونها بالملك ولا بالاختصاص النافع، بل قالوا: إنها للملك وما يشبه الملك وهو الاختصاص، ولم يقيدوا الاختصاص بكونه نافعا، وأما قولهم: الجل للفرس فهو إنما يدل على صحة استعمالها فيه، لا على نفي استعمالها في الاختصاص الذي لا ينفع، فإنه يحتمل أن تكون موضوعة لمطلق الاختصاص، ودعواه أولى لما فيه من عدم الاشتراك والمجاز. الاعتراض الثاني: سلمنا أن اللام للاختصاص النافع، ولكن ذلك الاختصاص الذي أفادته ليس بعام بل هو مطلق، والمطلق يصدق بصورة، وتلك الصورة حاصلة هنا، فإن الاستدلال بالمخلوقات على وجود الصانع نفع عظيم، وأجاب المصنف بأن الاستدلال على الصانع حاصل لكل عاقل من نفسه، فإنه يصح أن يستدل من نفسه على خالقه، فينبغي حمل الانتفاع الوارد في الآيات على غير الاستدلال تكثيرا للفائدة، وفرارا من تحصيل الحاصل. قال: "الثاني: الاستصحاب حجة خلافا للحنفية والمتكلمين، لنا أن ما ثبت ولم يظهر زواله ظن بقاؤه، ولولا ذلك لما تقررت المعجزة لتوقفها على استمرار العادة ولم تثبت الأحكام الثابتة في عبده ﵊ لجواز النسخ ولكان الشك في الطلاق كالشك في النكاح, ولأن الباقي يستغني عن سبب أو شرط جديد، بل يكفيه دوامهما دون الحادث, ونقل عدمه، الصدق عدم الحادث على ما لا نهاية له فيكون راجحا".
أقول: الدليل الثاني من الأدلة المقبولة: استصحاب الحال, وهو عبارة عن الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول, والسين فيه للطلب على القاعدة, ومعناه أن المناظر يطلب الآن صحة ما مضى كاستدلال الشافعية على أن الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء بأن ذلك الشخص كان على الوضوء قبل خروجه إجماعا, فيبقى على ما كان عليه وهو حجة عند الإمام والآمدي وأتباعهما خلافا لجمهور الحنفية والمتكلمين. قوله: "لنا" أي: الدليل على أنه حجة وجهان أحدهما: أن ما ثبت في الزمان الأول من وجود أمر أو عدمه ولم يظهر زواله لا قطعا ولا ظنا, فإنه يلزم بالضرورة أن يحصل الظن ببقائه كما كان والعمل بالظن واجب, قال المصنف: ولولا ذلك أي: ولولا أن ما ثبت في الزمان الأول على وجه المذكور يكون مظنون البقاء في الزمان الثاني لكان يلزم منه ثلاثة أمور باطلة بالاتفاق, أحدها: أن لا تقرر معجزة أصلا؛ لأن المعجزة أمر خارق للعادة متوقف على استمرار العادة فإنه لو
стр. 407
لم يتوقف على استمرارها لجاز تغيرها فلا تكون المعجزة خارقة للعادة, واستمرار العادة متوقف على أن الأصل بقاء ما كان على ما كان فإنه لا معنى للعادة إلا أن تكرر وقوع الشيء على وجه مخصوص يقتضي اعتقاد أنه لو وقع لم يقع إلا على ذلك الوجه, فلو كان اعتقاد وقوعه على الوجه المخصوص يساوي اعتقاد وقوعه على خلاف ذلك الوجه لم تكن المعجزة خارجة للعادة. الثاني: أن لا تثبت الأحكام الثابتة في عهد النبي ﷺ بالنسبة إلينا لجواز النسخ, فإنه إذا لم يحصل الظن من الاستصحاب يكون بقاؤها مساويا لجواز نسخها وحينئذ فلا يمكن الجزم بثبوتها وإلا يلزم الترجيح من غير مرجح. الثالث: أن يكون الشك في الطلاق كالشك في النكاح؛ لتساويهما في عدم حصول الظن بما مضى, وحينئذ فيلزم أن يباح الوطء فيهما أو يحرم فيهما وهو باطل اتفاقا, بل يباح للشك في الطلاق دون الشك في النكاح. الدليل الثاني: أن بقاء الباقي راجح على عدمه, وإذا كان راجحا وجب العمل به اتفاقا وهو المدعى، ووجه رجحانه من وجهين, أحدهما: أن الباقي يستغني عن السبب والشرط الجديدين؛ لأن الاحتياج إليهما إنما هو لأجل الوجود، والوجود قد حصل لهذا الباقي، فلا يحتاج حينئذ إليهما, وإلا يلزم تحصيل الحاصل، بل يكفيه دوامها بخلاف الأمر الذي يحدث، فإنه لا بد له من سبب وشرط جديدين فيكون عدم الباقي كذلك؛ لأنه من الأمور الحادثة، وما لا يفتقر أرجح من المفتقر، فيكون البقاء أرجح من العدم وهو المدعى، وإنما قيد السبب والشرط بكونهما جديدين؛ لأن الباقي يحتاج في استمرار وجوده إلى دوام سببه وشرطه. والثاني: أن عدم الباقي يقل بالنسبة إلى عدم الحادث؛ لأن عدم الحادث يصدق على ما لا نهاية له، وأما عدم الباقي مشروط فمتناه؛ لأن عدم الباقي مشروط بوجود الباقي, والباقي متناه، وإذا كان عدم الباقي أقل من عدم الحادث كان وجوده أكثر من وجوده فيكون راجحا. "فرع" مذكور في المحصول هنا لتعلقه بالاستصحاب، وهو أن نافي الحكم هو عليه دليل أم لا, فقال بعضهم: هو مطالب به، واختاره ابن الحاجب, وقيل: لا وقيل: إن كان في العقليات فهو مطالب، وإن كان في الشرعيات فلا. وفصل الإمام فقال: إن أرادوا بقولهم: لا دليل عليه، هو أن العلم بذلك العدم الأصلي يوجب ظن دوامه في المستقبل، فهذا حق، وإن أرادوا به غيره فهو باطل؛ لأن العلم بالنفي أو الظن لا يحصل إلا بمؤثر، وللآمدي تفصيل يطول ذكره. قال: "الثالث: الاستقراء، مثاله الوتر يؤدى على الراحلة فلا يكون واجبا لاستقراء الواجبات، وهو يفيد الظن، والعمل به لازم، لقوله ﵊: "نحن نحكم بالظاهر" ١.
أقول: قد تقدم الكلام على لفظ الاستقراء في الكلام على التكليف بالمحال،
стр. 408
وهو ينقسم إلى تام وناقص، فالتام إثبات حكم كلي في ماهية لأجل ثبوته في جميع جزئياتها, والناقص وهو مقصود المصنف, وهو إثبات حكم كلي في ماهية لثبوته في بعض أفرادها، هذا لا يفيد القطع لجواز أن يكون حكم ما لم يستقرأ من الجزئيات، على خلاف ما استقرئ منها، قال في المحصول: وكذا لا يفيد أيضا الظن على الأظهر، وخالفه صاحب الحاصل فجزم بأنه يفيد وتبعه عليه المصنف، وعلى هذا فيختلف الظن باختلاف كثرة الجزئيات المستقرأة وقلتها، ويجب العمل به لقوله ﵊: "نحن نحكم بالظاهر" ومثال ذلك استدلال بعض الشافعية على عدم وجوب الوتر، بأن الوتر يؤدى على الراحلة وكل ما يؤدى على الراحلة لا يكون واجبا، أما المقدمة الأولى فبالإجماع، وأما الثانية فباستقراء وظائف اليوم والليلة أداء وقضاء، فإن قيل: الوتر كان واجبا على النبي ﷺ , ومع ذلك فإنه كان يصليه على الراحلة، فالجواب ما قاله القرافي وهو أن النبي ﷺ فعل ذلك في السفر, والوتر لم يكن واجبا عليه إلا في الحضر. قال: "الرابع: أخذ الشافعي ﵁ بأقل ما قيل, إذا لم يجد دليلا، كما قيل: دية الكتابي الثلث وقيل: النصف وقيل: الكل بناء على الإجماع والبراءة الأصلية، قيل: يجب الأكثر ليتيقن الخلاص، قلنا: حيث يتيقن الشغل والزائد لم يتيقن". أقول: الدليل الرابع من الأدلة المقبولة: الأخذ بأقل ما قيل، وقد اعتمد عليه الشافعي ﵁ في إثبات الحكم إذا كان الأقل جزءا من الأكثر، ولم يجد دليلا غيره، كما في دية الكتابي, فإن العلماء اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال، فقال بعضهم: إنها ثلث دية المسلم، وقالت المالكية: نصف ديته، وقالت الحنفية: مثل ديته، فاختار الشافعي المذهب الأول وهو أنها الثلث، بناء على أن المجموع من الإجماع البراءة الأصلية، أما الإجماع فإن كل واحد من المخالفين يوجبه، فإن الإيجاب الأكثر يستلزم إيجاب الأقل، حتى لو فرضنا أن بعضهم قال: لا يجب فيه شيء أصلا لم يكن إيجاب الثلث مجمعا عليه، لكونه قول بعض الأمة، وأما البراءة الأصلية فإنها تقتضي عدم وجوب الزيادة إذ هي دالة على عدم الوجوب مطلقا، لكن ترك العمل بها في الثلث للإجماع فبقي ما عداه على الأصل، فتلخص أن الحكم بالاقتصار على الأقل مبني على مجموع هذين الشيئين كما قرره الإمام والآمدي، لا على الإجماع وحده كما ظنه ابن الحاجب، بل الإجماع وحده إنما هو دليل على إيجاب الثلث خاصة، فقول المصنف: بناء الإجماع والبراءة، تعليل لقوله: أخذ الشافعي, وقوله إذا لم يجد دليلا سواه أي: فإن وجده الشافعي لم يتمسك بالأقل؛ لأن ذلك الدليل إن دل على إيجاب الأكثر فواضح، ولذلك لم يأخذ الشافعي بالثلاثة في انعقاد الجمعة وفي الغسل من ولوغ الكلب لقيام الدليل على الأكثر, وإن دل على الأقل كان الحكم بإيجابه لأجل هذا الدليل، لا لأجل الرجوع إلى أقل ما قيل، هكذا
стр. 409
قاله في المحصول؛ فلذلك أطلق المصنف هذا الشرط. وفي القسم الثاني منه نظر؛ لأنه يقتضي امتناع اجتماع الدليلين وليس كذلك. قوله: "قيل: يجب الأكثر" أي: اعترض بعضهم على الشافعي في أخذه بالأقل فقال: ينبغي إيجاب الأكثر ليتيقن المكلف الخلاص عما وجب عليه، وأجاب المصنف بأنه إنما يجب ذلك حيث تيقنا شغل الذمة به، والزائد على الأقل لم يتيقن فيه؛ ذلك لأنه لم يثبت عليه دليل. قال: "الخامس: المناسب المرسل إن كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية, كتترس الكفار الصائلين بأسارى المسلمين, اعتبر وإلا فلا. وأما مالك فقد اعتبره مطلقا؛ لأن اعتبار جنس المصالح يوجب ظن اعتباره، ولأن الصحابة ﵃ قنعوا بمعرفة المصالح".
أقول: سبق في الباب الثاني من كتاب القياس أن المناسب قد يعتبره الشارع وقد يلغيه وقد لا يعلم حاله, وهذا الثالث هو المسمى بالمصالح المرسلة، ويعبر عنه بالمناسب المرسل، وسبق هناك حكم القسمين الأولين، وأما الثالث فسبق تعريفه دون تفصيل حكمه، وفيه ثلاثة مذاهب، أحدها: أنه غير معتبر مطلقا، قال ابن الحاجب: وهو المختار، وقال الآمدي: إنه الحق الذي اتفق عليه الفقهاء، والثاني: أنه حجة مطلقا وهو مشهور عن مالك، واختاره إمام الحرمين، وقال ابن الحاجب: وقد نقل أيضا عن المعتبرة، والثالث وهو رأي الغزالي، واختاره المصنف: أنه إن كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية اعتبرت وإلا فلا، فالضرورية هي التي تكون من إحدى الضروريات الخمس، وهي: حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسب، وأما القطعية فهي التي يجزم بحصول المصلحة فيها، والكلية هي التي تكون موجبة لفائدة بأننا لو امتنعنا عن التترس لصدمونا، واستولوا على ديارنا وقتلوا المسلمين كافة حتى التترس، ولو رمينا التترس لقتلنا مسلما من غير ذنب صدر منه، فإن قتل التترس والحالة هذه مصلحة مرسلة؛ لكونه لم يعهد في الشرع جواز قتل مسلم بلا ذنب، ولم يقم أيضا دليل على عدم جواز قتله عند اشتماله على مصلحة عامة للمسلمين، لكنها مصلحة ضرورية قطعية كلية؛ فلذلك يصح اعتباره أي: يجوز أن يؤدي اجتهاد مجتهد إلى أن يقول: هذا الأسير مقتول بكل حال، فحفظ كل المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع من حفظ مسلم واحد، فإن لم تكن المصلحة ضرورية بل كانت من المصلحيات أو التتمات فلا اعتبار بها، كما إذا تترس الكفار في قلعة بمسلم فإنه لا يحل رميه إذ لا ضرورة فيه، فإن حفظ ديننا غير متوقف على استيلائنا على تلك القاعدة، وكذلك إن لم تكن قطعية كما إذا لم تقطع بتسليط الكفار علينا عند عدم رمي الترس، أو لم تكن كلية كما لو أشرفت السفينة على الغرق، وقطعنا بنجاة الذين فيها لو رمينا واحدا منهم بالبحر، فإنه لا يجوز الرمي لأن نجاة أهل السفينة ليست مصلحة كلية، وكذلك لا يجوز لجماعة وقعوا في مخمصة أكل واحد منهم بالقرعة لكون المصلحة جزئية. قوله: "لأن اعتبار" أي: احتج مالك بوجهين, أحدهما: أن الشارع اعتبر جنس
стр. 410
المصالح في جنس الأحكام كما مر في القياس، واعتبار جنس المصالح يوجب ظن اعتبار هذه المصلحة لكونها فردا من أفرادها. الثاني: أن من تتبع أحوال الصحابة ﵃ قطع بأنهم كانوا يقنعون في الوقائع بمجرد المصالح، ولا يبحثون عن أمر آخر، فكان ذلك إجماعا منهم على قبولها، والمصنف قد تبع الإمام في عدم الجواب على هذين الدليلين، وقد يجاب عن الأول بأنه لو وجب اعتبار المصالح المرسلة لاشتراكها للمصالح المعتبرة في كونها مصالح لوجب إلغاؤها أيضا، لاشتراكها مع المصالح الملغاة في ذلك، فيلزم اعتبارها وإلغاؤها وهو محال، وعن الثاني أنا لا نسلم بإجماع الصحابة عليه بل إنما اعتبروا من المصالح ما اطلعوا على اعتبار الشارع لنوعه أو جنسه القريب ولم يصرح الإمام مختاره في المسألة. قال: "السادس: فقد الدليل بعد التفحص البليغ يغلب ظن عدمه وعدمه يستلزم عدم الحكم لامتناع تكليف الغافل". أقول: الدليل السادس من الأدلة المقبولة عند المصنف: الاستدلال على عدم الحكم بعدم ما يدل عليه, وتقريره أن يقال: فقدان الدليل بعد التفحص البليغ يغلب ظن عدمه يعني: عدم الدليل وظن عدمه يوجب ظن عدم الحكم, أما المقدمة الأولى فواضحة، وأما الثاني فلأن عدم الدليل يستلزم عدم الحكم إذ لو ثبت حكم شرعي ولم يكن عليه دليل لكان يلزم منه تكليف الغافل وهو ممتنع، فينتج فقدان الدليل بعد التفحص البليغ يوجب ظن عدم الحكم، والعمل بالظن واجب، والمراد بعدم الحكم هنا عدم تعلقه، لا عدم ذاته. فإن الأحكام قديمة عنده، وهذه الطريقة التي قررها المصنف نقلها في المحصول عند بعض القفهاء، ولم يصرح بموافقته.
стр. 411
الباب الثاني: في المردودة
قال: "الباب الثاني: في المردودة الأول: الاستحسان, قال به أبو حنيفة, وفسر بأنه دليل ينقدح في نفس المجتهد، وتقصر عنه عبارته، ورد بأنه لا بد من ظهوره ليتميز صحيحه من فاسده وفسره الكرخي بأنه قطع المسألة عن نظائرها لما هو أقوى، كتخصيص أبي حنيفة قول القائل: مالي صدقة بالزكوي لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وعلى هذا فالاستحسان تخصيص، وأبو الحسين بأنه ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الأقوى, يكون كالطارئ، فخرج التخصيص، ويكون حاصله تخصيص العلة". أقول: شرح المصنف في بيان الأدلة المردودة فذكر منها شيئين أحدهما: الاستحسان، وقد قال به أبو حنيفة وكذا الحنابلة كما قاله الآمدي وابن الحاجب، وأنكره الجمهور لظنهم أنهم يريدون به الحكم بغير دليل، حتى قال الشافعي: من استحسن فقد شرع، أي: وضع شرعا جديدا، قال في المحصول: وليس الخلاف في جواز استعمال لفظ الاستحسان لوروده في الكتاب، كقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥] وفي السنة كقوله ﷺ : "ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن" ١ وفي ألفاظ المجتهدين كقول الشافعي في المتعة: أستحسن أن
стр. 412
تكون ثلاثين درهما، فثبت أن الخلاف إنما هو في المعنى، وحينئذ فلا بد من تفسيره ليمكن قبوله أو رده، وهو استفعال من الحسن، يطلق على ما يميل إليه الإنسان ويهواه من الصور والمعاني، وإن كان مستقبحا عند غيره، وليس هذا محل الخلاف لاتفاق الأمة قبل ظهور المخالفين على امتناع القول في الدين بالتشهي فيكون محل الخلاف فيما عدا ذلك، وقد اختلف المتأخرون في التعبير عنه على عبارات كثيرة، ذكر المصنف منها ثلاثا، أحدها ولم يذكره الإمام ولا صاحب الحاصل، بل الآمدي وابن الحاجب: أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد، وتقاصر عنه عبارته، فلا يقدر على إظهاره، وأبطله المصنف بأن الذي يقوم قد يكون صحيحا وقد لا يكون, فلا بد من ظهوره، أي: بيانه لتمييز صحيحه عن فاسده. ولقائل أن يقول: إن أراد المصنف بوجوب إظهاره أنه لا يكون قبل ذلك حجة على المناظر، فهذا واضح لكنه ليس محل الخلاف، وإن أراد أن المجتهد لا يثبت به الأحكام فهو ممنوع، اللهم إلا أن يشك المجتهد في كونه دليلا فإنه لا يجوز العمل به. التفسير الثاني قاله الكرخي: أنه قطع المسألة عن نظائرها لما هو أقوى، أي: هو أن يعدل الإنسان عن أن يحكم في مسألة بمثل ما حكم به في نظائرها، إلى الحكم بخلافه لوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول، وذلك حيث دل دليل خاص على إخراج صورة ما دل عليه العام، كتخصيص أبي حنيفة قول القائل: مالي صدقة بالمال الزكوي دون غيره، فإن الدليل الدال على وجوب الدفاع بالنذر يقتضي وجوب التصدق بجميع أمواله عملا بلفظه، لكن ههنا دليل خاص يقتضي العدول عن هذا الحكم بالنسبة إلى غير الزكوي، وهو قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فإن المراد بالمال في الآية هو الزكوي، فليكن كذلك في قول القائل: مالي صدقة، والجامع هو قرينة إضافة الصدقة في المال في الصورتين، واعترض المصنف على هذا التفسير بأنه أن يكون التخصيص استحسانا لانطباقه عليه، ولا نزاع في التخصيص، ولو عبر المصنف بالعكس، فقال: وعلى هذا فالتخصيص استحسانا كما عبرت به لكان أظهر. التفسير الثالث قاله أبو الحسين: أنه ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ، لوجه أقوى منه، يكون كالطارئ على الأول، فأشار بقوله: ترك وجه من وجه الاجتهاد، إلى أن الواقعة التي اجتهد فيها المجتهدون لها وجوه كثيرة واحتمالات متعددة، فيأخذ المجتهدون بواحد منها، ثم إنه يترك ذلك الوجه لما هو أقوى، واحترز بقوله: غير شامل شمول الألفاظ, عن تخصيص العموم, فإن الوجه الأول شامل شمول الألفاظ، احترز بقوله: يكون الطارئ على الأول، عن ترك أضعف القياسين لأجل الأقوى، فإن أقواهما ليس في حكم الطارئ، قال: فإن كان طارئا عليه فهو الاستحسان، ومثال ذلك العنب، فإنه قد ثبت تحريم بيعه الزبيب سواء كان على رأس الشجر أو لا، قياسا على الرطب، ثم إن الشارع أرخص في جواز بيع الرطب على رءوس النخل بالتمر, فقسنا
стр. 413
عليه العنب، وتركنا القياس الأول؛ لكون الثاني أقوى، فإن احتمل الثاني القوة والطرآن كان استحسانا، وهذا التفسير يقتضي أن يكون العدول عن حكم القياس إلى النص الطارئ عليه استحسانا, وليس كذلك عند القائلين به، واعترض عليه المصنف بأن حاصله يرجع إلى أن الاستحسان هو تخصيص العلة وهو المعبر عنه بالنقض، وليس ذلك مما انفرد به الحنفية، كما سبق إيضاحه في القياس، وفي قول المصنف: إن حاصله تخصيص العلة نظر, بل حاصله كما قاله الآمدي الرجوع عن حكم دليل لطرآن دليل آخر أقوى منه، وهذا أعم من تخصيص العلة، وقد تلخص من هذه المسألة أن الحق ما قاله ابن الحاجب، وأشار إليه الآمدي أنه لا يتحقق استحسان مختلف فيه. قال: "الثاني: قيل: قول الصحابي حجة، وقيل: إن خالف القياس، وقال الشافعي في القديم: إن انتشر ولم يخالف, لنا قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] يمنع التقليد وإجماع الصحابة على جواز مخالفة بعضهم بعضا وقياس الفروع على الأصول, قيل: "أصحابي كالنجوم, بأيهم اقتديتم اهتديتم" ١ قلنا: المراد عوام الصحابة. قيل: إذا خالف القياس فقد اتبع الخبر، قلنا: ربما خالف لما ظنه دليلا ولم يكن". أقول: اتفق العلماء كما قاله الآمدي وابن الحاجب على قول الصحابي ليس بحجة على أحد من الصحابة المجتهدين, وهل هو حجة على غيرهم؟ حكى المصنف فيه أربعة أقوال, أحدها: أنه حجة مطلقا، وهو مذهب مالك وأحد قولي الشافعي كما نقله الآمدي، وعلى هذا فهل يخص به عموم كتاب أو سنة؟ فيه خلاف لأصحاب الشافعي حكاه الماوردي. والثاني: أنه إن خالف القياس كان حجة وإلا فلا. والثالث: أن يكون حجة بشرط أن ينتشر ولم يخالفه أحد، ونقله المصنف عن القديم. والرابع, وهو المشهور عن الشافعي وأصحابه: أنه لا يكون حجة مطلقا، واختاره الإمام والآمدي وأتباعهما كابن الحاجب والمصنف، وقد سبق في الإجماع قول: إن إجماع الخلفاء الأربعة حجة، وقول آخر: إن إجماع الشيخين حجة؛ فلذلك لم يذكرهما المصنف هنا. واعلم أن حكاية هذه الأقول على الوجه الذي ذكره المصنف غلط لم ينتبه له أحد الشارحين، وسببه اشتباه مسألة بمسألة, وذلك أن الكلام هنا في أمرين أحدهما: أن قول الصحابي هل هو حجة أو لا؟ وفيه ثلاثة مذاهب، ثالثها: إن خالف القياس كان حجة وإلا فلا. الأمر الثاني: إذا قلنا: إن قول الصحابة ليس بحجة, فهل يجوز للمجتهد تقليده فيه؟ ثلاثة أقوال, الشافعي في الجديد: أنه لا يجوز مطلقا، والثالث وهو قول قديم: أنه إن انتشر جاز وإلا فلا. هكذا صرح به الغزالي في المستصفى، والآمدي في الأحكام, وغيرهما، وأفردوا لكل حكم مسألة، وذكر الإمام في المحصول نحو ذلك أيضا، فتوهم صاحب الحاصل أن المسألة الثانية أيضا من كونه حجة، ولكن
стр. 414
المحصول في الصراحة ليس كالأحكام، فصرح بما توهمه، فرأى المصنف حالة اختصاره أن تفريق أقوال الحكم الواحد لا معنى له, فأخذ حاصل المسألتين من الأقوال وجمعه في هذا الموضع، فلزم منه أن القول المفصل بين الانتشار وعدمه تفصيل في الاحتجاج به, وليس كذلك, بل إنما هو تفصيل في جواز التقليد مع تسليم عدم الاحتجاج به فافهمه، والعجب إنما هو من فهم صاحب الحاصل؛ فإنه كيف يترجم مصنف مسألة واحدة مرتين متواليتين بترجمتين مستقلتين؟ واعلم أن القول بجواز التقليد نص عليه في الأم في مواضع متعددة, فهو إذًا جديد لا قديم. قوله: "لنا" أي: الدليل على كونه ليس بحجة مطلقا النص والإجماع والقياس؛ وأما النص فقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أمر تعالى أولي الأبصار بالاعتبار يعني الاجتهاد, وذلك ينافي التقليد؛ لأن الاجتهاد هو البحث عن الدليل، والتقليد هو الأخذ بقول غيره من غير دليل، وفيه نظر؛ لأن القائلين بكونه حجة يمنعون كونه تقليدا ويجعلونه كسائر الأدلة، على أن صاحب الحاوي وجماعة حكوا خلافا في أن الأخذ بقول النبي ﷺ هل يسمى تقليدا أم لا؟ وأما الإجماع فهو أن الصحابة أجمعوا على جواز مخالفة بعضهم بعضا، فلو كان قول الواحد منهم حجة لوقع الإنكار على من خالفه منهم، وهذا الدليل على محل النزاع، فإن الخلاف في غير الصحابة كما تقدم، وقد يجاب عنه بأنه إذا كان مذهبهم جواز مخالفة بعضهم بعضا، بأن لم يكن مذهبهم حجة على غيرهم جاز لغيرهم مخالفة كل واحد منهم، وإن كان حجة جاز لغيرهم ذلك أيضا، أعني: مخالفة كل واحد منهم؛ لأن مذهبهم جواز مخالفة كل واحد منهم، والفرض أن مذهبهم حجة، وأما القياس فهو أن قول الصحابي ليس بحجة على غيره من المجتهدين في أصول الدين، فلا يكون أيضا حجة في فروعها، والجامع بينهما تمكن المجتهد في الموضعين من الوقوف على الحكم بطريقة, هذا أيضا ضعيف؛ لأن المطلوب في الأصول هو العلم بخلاف الفروع, فإن المطلوب فيها هو الظن، وقد يحصل الظن بقول الصحابي، ولا يحصل العلم، وحينئذ فيكون قوله حجة في الفروع دون الأصول، واحتج غير المصنف بأن الأصل في الأدلة أن لا تخص قوما دون قوم، وبأن قولهم لم يكن حجة في زمانهم, فكذلك بعدهم عملا بالاستصحاب. قوله: "قيل ... إلخ" أي: احتج من قال: إنه حجة مطلقا بقوله ﵊: "أصحابي كالنجوم, بأيهم اقتديتم اهتديتم" جعل الاهتداء لازما للاقتداء بأي واحد منهم كان، فدل على كونه حجة، وإلا لم يكن المقتدي به مهتديا، وأجاب المصنف بأن الخطاب هنا إنما هو مع الصحابة لكونه خطاب مشافهة فانتفى دخول غيرهم. ثم إن الصحابة المخاطبين بذلك لا يجوز أن يكونوا مجتهدين، لكونه ليس محل الخلاف كما تقدم، فتعين أن يكون المراد منه أن العامي منهم إذا اقتدى بأي مجتهد كان منهم اهتدى، وهو صحيح مسلم، وأجاب
стр. 415
الآمدي بأن الخبر وإن كان عاما في أشخاص الصحابة فلا دلالة فيه على عموم الاهتداء في كل ما يقتدى به، وعند ذلك فنقول: يمكن حمله على الاقتداء بهم فيما يروونه وهذه القاعدة التي أشار إليها قد تقدم الكلام عليها لكن ههنا جهة تقتضي العموم المعنوي وهي ترتب الحكم على الوصف, فإن الاقتداء مرتب على كونهم صحابة، وأما من ذهب إلى أنه إذا خالف القياس كان حجة وإلا فلا, فاحتج بأنه إذا خالف القياس فلا محل له إلا أنه اطلع على خبر فاتبعه وإلا فيكون قد ترك القياس المأمور به، وانقدحت عدالته وذلك باطل، وحينئذ فيكون قوله حجة لاستلزامه الحجة لا لذاته، وأجاب المصنف بأنه ربما خالف القياس لشيء ظنه دليلا ولم يكن كذلك في نفس الأمر، وأجاب غيره بأنه يلزم منه أن يكون مذهب الصحابي حجة على المجتهدين من الصحابة أيضا، ما قالوه، ولم يتعرض المصنف للقول المفصل بين أن ينشر أم لا؛ لكونه قد سبق الكلام عليه في الإجماع. قال: "مسألة: منعت المعتزلة تفويض الحكم إلى رأي النبي ﷺ والعالم؛ لأن الحكم يتتبع المصلحة، وما ليس بمصلحة لا يصير بجعله إليه مصلحة. قلنا: الأصل ممنوع، وإن سلم فلم لا يجوز أن يكون اختياره أمارة المصلحة؟ وجزم بوقوعه موسى بن عمران، لقوله ﵇ بعدما أنشدت ابنة النضر بن الحارث: "لو سمعت ما قتلت" وسؤال الأقرع في الحج: أكل عام يا رسول الله؟ فقال: "لو قلت ذلك لوجب" ونحوه. قلنا: لعلها ثبتت بنصوص محتملة الاستثناء، وتوقف الشافعي ﵁". أقول: اختلفوا في أنه يجوز أن يفوض الله تعالى الحكم إلى نبي أو عالم، أن يقول له: احكم بما شئت فإنك لا تحكم إلا بالصواب، فقالت المعتزلة: لا يجوز، وقال موسى بن عمران بجوازه ووقوعه، وتوقف الشافعي ﵀ في الجواز، كما قاله الإمام وأتباعه واختاروه، وهو مقتضى اختيار المصنف أيضا، فإنه قال: أجاب عن أدلة الفريقين، ومقتضى كلام ابن برهان في الأوسط أنه مذهب الشافعي, فإنه قال كما حكاه القرافي عنه: مذهبنا جواز هذه المسألة ووقوعها، واختار الآمدي وابن الحاجب أنه جائز غير واقع، وقال أبو علي الجبائي في أحد قوليه كما قال الآمدي: إنه يجوز للنبي دون غيره، وهذه المسألة قد جعلها الإمام وأتباعه عقب الأدلة كما جعلها المصنف، وجعلها الآمدي وابن الحاجب في كتاب الاجتهاد، ووجه مناسبتها الأول أنه إذا وقع تفويض الحكم إلى النبي أو العالم فتكون الأحكام بالنسبة إليه غير متوقفة على الدليل، ويكون حكمه من جملة المدارك الشرعية، ووجه مناسبتها الاجتهاد أن الحكم قد تعين فيها من جهة العبد لا بطريق الوحي. إذا علمت ذلك فقد احتجت المعتزلة على المنع بأن أحكام الله تعالى تابعة لمصالح العباد على ما سبق في القياس، فلو فوض ذلك إلى اختيار العبد لأدى إلى تخلف الحكم عن المصلحة؛ لجواز أن يصادف اختياره ما ليس بمصلحة في نفس الأمر، وما ليس بمصلحة في نفس الأمر لا يصير مصلحة بجعله
стр. 416
إلى المجتهد أي: بتفويضه إليه؛ لاستحالة انقلاب الحقائق، وأجاب المصنف بوجهين أحدهما: أنه مبني على أصل ممنوع وهو وجوب رعاية المصالح. الثاني: وسلمنا ما ذكرتم لكن لم لا يجوز أن يكون اختيار العبد للحكم أمارة على وجود المصلحة فيه؟ وذلك بأن يلهمه الله تعالى إلى اختيار ما فيه المصلحة، وإن لم يعلم بها فإن الله تعالى لما أخبره بأنه لا يحكم إلا بالصواب، وتوقف الحكم بالصواب على المصلحة، لزم أن لا يحكم إلا بالمصلحة. قوله: "لقوله ﵇" أي: استدل موسى بن عمران على الوقوع بأمرين أحدهما: قضية النضر بن الحارث وهي على ما حكاه ابن هشام في السيرة، أن النبي ﷺ حين فرغ من بدر الكبرى توجه إلى المدينة ومعه الأسرى, فلما كان بالصفراء أمر عليا فقتل النضر بن الحارث ثم أنشد بعد ذلك ما قيل في القتلى فقال وقالت قتيلة بنت الحارث أخت النضر بن الحارث:
يا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفق
أبلغ بها ميتا بأن تحية ... ما إن تزل بها النجائب تخفق
مني إليك وعبرة مسفوحة ... جادت بوابلها وأخرى تحنق
هل يسمعني النضر إن ناديته ... أم كيف يسمع ميت لا ينطق
أمحمد يا خير ضنء كريمة ... في قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق
أو كنت قابل فدية فلينفقن ... بأعز ما يغلو به ما ينفق
فالنضر أقرب من أسرت قرابة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق
صبرا يقاد إلى المنية متعبا ... رسف المقيد وهو فان موثق
قال ابن هشام فقال: الله أعلم أن رسول الله ﷺ لما بلغه هذا الشعر قال: "لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه" هذا آخر كلام ابن هشام. وتخفق بضم الفاء وكسرها معناه تضطرب, والضنء بكسر الضاد المعجمة معناه: الذي يضن به أي يبخل به لعظم قدره، ويقال: أعرق فهو معرق على البناء للمفعول فيهما أي: له عرق في الكرم، وعلى البناء للفاعل بمعنى أنج، ورسف المقيد بالراء والسين المهملة هو مشي المقيد. قاله الجوهري، ومعنى قولها: من صبح خامسة أي: صبح ليلة خامسة؛ لأنها كانت بمكة وبينها وبين الأثيل الذي بالصفراء وهو مكان قبر أخيها هذه المسافة، ووجه الدلالة أن قوله ﵊: "لو بلغني لمننت عليه" يدل على أن الحكم كان مفوضا إلى رأيه، إذ لو كان مأمورا لقتله سمع شعرها أو لم يسمعه، المصنف ﵀ لم يذكر الشعر وذكر أن الذي أنشدته هو بنت النضر, وكذلك ذكره الإمام والآمدي وأتباعهما. وقد عرفت مما تقدم من كلام ابن هشام أنها أخته لا بنته, وصرحوا أيضا بأنها أنشدته للنبي ﷺ وهو خلاف مقتضى كلام ابن هشام. الدليل
стр. 417
الثاني: أن النبي ﷺ خطب الناس فقال: "أيها الناس, إن الله كتب عليكم الحج" ١ فقال الأقرع بن حابس: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت النبي ﷺ حتى قالها ثلاثا فقال: "لو قلت نعم, لوجب ولما استطعتم" فهذا أيضا يدل على أن الأمر فيه كان مفوضا إلى اختياره. قوله: "ونحوه" أي: ونحو هذين الدليلين كقوله ﵊: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" ٢ وكقوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور, فزوروها" ٣ وكقوله: "إلا الأذخر" في حديث العباس المشهور وهو أن النبي ﷺ قال: "إن الله حرم عليكم مكة يوم خلق السموات والأرض, لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها" فقال العباس: إلا الأذخر يا رسول الله؟ فقال: "إلا الأذخر" ٤ وأجاب المصنف بأن هذه الصور كلها لا تدل على تفويض الحكم إلى النبي ﷺ ؛ لاحتمال أن تكون ثابتة بنصوص محتملة الاستثناء، أي: مجوزة على وفق إرادة بعض الناس، كأن أوحي إليه بأن يقتل الأسارى إلا أن يسأل سائل في أحدهم، والأحسن في الجواب أن يقال: أما قضية النضر فقد يكون ﵇ مخيرا فيه وفي غيره من الأسارى، والتخيير ليس بممتنع اتفاقا، بل هو التخيير الثابت في حق كل إمام، وأما قوله للأقرع: "لو قلت: نعم, لوجب" فمدلوله الوجوب على تقدير قول نعم، وهذا صحيح معلوم بالضرورة، فإنه ﵊ لا يقول: نعم إلا إذا كان الحكم كذلك, ولكن من أين لنا أن الحكم كذلك فقد يكون ممتنعا، وقوله: "لو قلت نعم" لا يدل على جواز قولها؛ لأن القضية الشرطية لا تدل على جواز الشرط الذي فيها، وأما قوله: "لولا أن أشق على أمتي" فيحتمل أن البارئ تعالى أمره أن يأمرهم عند عدم المشقة فلو وجد المشقة لم يأمرهم، وأما قوله: "إلا الأذخر" فيحتمل أن يكون بوحي سريع، أو أطلق العام والمراد به الخصوص, وكان على عزم البيان، وجواب الباقي ظاهر، ولما ثبت القدح في أدلة القاطعين لزم منه صحة التوقف, فلأجل ذلك كان هو المختار. قال:
стр. 418
الكتاب السادس: في التعادل والتراجيح:
الباب الأول: في تعادل الأمارتين في نفس الأمر
"الكتاب السادس: في التعادل والتراجيح, وفيه أبواب: الباب الأول: في تعادل الأمارتين في نفس الأمر, منعه الكرخي وجوزه قوم, وحينئذ فالتخيير عند القاضي وأبي علي وابنه, والتساقط عند بعض الفقهاء، فلو حكم القاضي بإحداهما مرة لم يحكم بالأخرى، أي: لقوله ﵊ لأبي بكر الصديق ﵁: "لا تقض في شيء واحد بحكمين مختلفين". أقول: لما فرغ المصنف من تقرير الأدلة، شرع في بيان حكمها عند تعارضها، فتكلم في التعادل والتراجيح؛ وذلك لأنها إذا تعارضت فإن لم يكن لبعضها مزية على البعض الآخر فهو التعادل, وإن كان فهو الترجيح، ثم إنه جعل الكتاب مشتملا على أربعة أبواب, الأول منها في التعادل والثلاثة الباقية في التراجيح؛ وذلك لأن الكلام في التراجيح، إن لم يختص بدليل معين فهو البحث عن الأحكام الكلية كما سيأتي، وإن اختص فالدليل الذي يرجح على معارضه، إما كتاب، أو إجماع، أو خبر، أو قياس، فالكتاب والإجماع لا يجري فيهما الترجيح, أما الكتاب فلأنه لا ترجيح لإحدى الآيتين على الأخرى عند تعارضهما، إلا بأن تكون إحداهما مخصصة للأخرى، أو ناسخة لها، وقد سبق الكلام فيهما فلا حاجة إلى إعادته، مع أنه قد أشار إليه في الحكم الرابع من الأحكام الكلية للترجيح، وأما الإجماع فلأنه لا تعارض فيه كما تقدم في موضعه. فتلخص أن الترجيح إنما يكون لأحد الخبرين على الآخر أو لأحد القياسين على الآخر؛ فلذلك انحصرت مباحث الترجيح في الأبواب الثلاثة. إذا علمت ذلك فنقول: التعادل بين الدليلين القطعيين ممتنع لما ستعرفه، وكذلك بين القطعي والظني, لكن القطعي مقدم، وأما التعادل بين الأمارتين أي: الدليلين الظنيين فاتفقوا على جوازه بالنسبة إلى نفس المجتهد، واختلفوا في جوازه في نفس الأمر, فمنعه الكرخي وكذلك الإمام أحمد كما نقله ابن الحاجب؛ لأنهما لو تعادلا فإن عمل المجتهد بكل واحد منهما لزم اجتماع المتنافيين, وإن لم يعمل بواحد منهما لزم أن يكون نصبهما عبثا، وهو على الله تعالى محال، وإن عمل بأحدهما نظر إن عيناه له كان تحكما وقولا في الدين التشهي، وإن خيرناه كان ترجيحا، لأمارة الإباحة على أمارة الحرمة، وقد ثبت بطلانه أيضا وذهب الجمهور إلى جواز التعادل كما حكاه عنهم الإمام، وكذلك الآمدي وابن الحاجب واختاراه، لأنه لا يمتنع أن يخبر أحد العدلين عن وجود شيء والآخر عن عدمه، وأجابوا عن دليل المانعين بأنا لا نسلم الحصر فيما ذكروه من الأقسام، فإنه قد بقي قسم رابع وهو العمل بمجموعهما، وذلك بأن يجعلا كالدليل الواحد وحينئذ فيقف المجتهد أو يتخير, سلمنا لكن لا نسلم امتناع ترك العمل بهما والرجوع إلى غيرهما، والقول بلزوم العبث مبني على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، واختار الآمدي ومن تبعه كصاحب الحاصل، طريقة لم يذكرها المصنف، فقالوا: إن كانت الأمارتان على حكم واحد في فعلين متنافيين فهو جائز وواقع، ومقتضاه التخيير، والدليل على الوقوع أن من دخل الكعبة فله أن يستقبل شيئا من الجدران، وكذلك من ملك مائتين من الإبل فله أن يخرج أربعة حقاق أو خمس بنات لبون، وإن كانتا على حكمين متنافيين لفعل واحد كإباحة وحرمة فهو جائز عقلا وممتنع شرعا، هذا معنى ما قاله وكلامه في الاستدلال يدل عليه فافهمه. قوله: "حينئذ" أي: وإذا جوزنا تعادل الأمارتين في نفس الأمر, فقد اختلفوا في حكمه عند
стр. 419
وقوعه، فذهب القاضي أبو بكر وأبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم إلى أن المجتهد يتخير بينهما، وجزم به الإمام والمصنف في الكلام على تعارض النصين كما سيأتي. وقال بعض الفقهاء: يتساقطان ويرجع المجتهد إلى البراءة الأصلية، ثم إذا قلنا بالتخيير فوقع هذا التعادل للمجتهد، فإن كان في أمر يتعلق به عمل بما شاء، وإن تعلق بغيره، فإن كان في استفتاء خير المستفتي، وإن كان في حكم فلا يخير الخصمين بل يجب عليه الحكم بإحدى الأمارتين على التعيين؛ لأنه منصوب لدفع الخصومات، فلو خير الخصمين لم تنقطع الخصومة بينهما؛ لأن كل واحد منهما يختار ما هو أوفق لهواه، وعلى هذا فلو حكم بإحدى الأمارتين لم يجز له بعد ذلك أن يحكم بالأمارة الأخرى، لما روي أنه ﷺ قال لأبي بكر ﵁: "لا تقض في شيء واحد بحكمين مختلفين". قال: "مسألة: إذا نقل عن مجتهد قولان في موضوع واحد يدل على توقفه، ويحتمل أن يكونا احتمالين أو مذهبين، وإن نقل في مجلسين وعلم المتأخر منهما فهو مذهبه، وإلا حُكي القولان، وأقوال الشافعي ﵁ كذلك, وهو دليل على علو شأنه في العلم والدين".
أقول: هذه المسألة في حكم تعارض القولين المنقولين عن مجتهد واحد، ولا شك أن تعارضهما بالنسبة إلى المقلدين له كتعارض الأمارتين بالنسبة إلى المجتهدين، فلذلك ذكرها في بابه, وحاصله أنه إذا نقل عن مجتهد واحد في حكم واحد قولان متنافيان فله حالان، أحدهما: أن يكون ذلك في موضع واحد، بأن يقول مثلا: هذه المسألة فيها قولان، فيستحيل أن يكون المراد أنهما له في ذلك الوقت لاستحالة اجتماع النقيضين، وحينئذ فينظر فيه ذكر عقب ذلك ما يدل على تقوية أحدهما، مثل أن يقول: هذا أشبه، أو يفرع عليه فيكون ذلك مذهبه، وإن لم يذكر شيئا من ذلك فإنه يدل على توقفه في المسألة لفقدان الرجحان عنده، وحينئذ فقوله: إن فيها قولين، يحتمل أن يريد بذلك احتمالين على سبيل التجوز, أن في المسألة احتمال قولين لوجود دليلين متساويين، ويحتمل أن يريد أن فيها مذهبين لمجتهدين، وإنما نص عليهما لئلا يتوهم من أراد من المجتهدين الذهاب إلى أحدهما أنه خارق للإجماع، هذا هو حاصل كلام المصنف، وأما جعل بعض الشارحين التوقف احتمال آخر قسما للاحتمالين الآخرين فليس موافقا لما قاله الإمام وغيره، ولا مطلقا لعبارة الكتاب، ولا صحيحا من جهة المعنى؛ لأن معنى توقفه بين الشيئين هو أن يكون كل منهما محتملا عنده، وبتقدير المغايرة، فلم رجحنا التوقف على كونهما احتمالين؟ نعم إن أراد المصنف صدور الاحتمالين عن غيره، أو إمكان صدورهما عنه أي: عن ذلك الغير، مع أنه لا يرد بذلك فهو قريب، ونقل في المحصول عن بعضهم أن إطلاق القولين يقتضي التخيير، ثم ضعفه الحال. الثاني: أن يكون نقل القولين عن المجتهد في مجلسين بأن ينص مثلا في كتاب على إباحة شيء وينص في الآخر على تحريمه، فإن
стр. 420
علم المتأخر منهما فهو مذهبه، ويكون الأول منسوخا، وإلا حكي عنه القولان من غير أن نحكم على أحدهما بالرجوع. قوله: "وأقوال الشافعي كذلك" هي إشارة إلى الحالين المتقدمين؛ أي: وقع منه التنصيص عليهما في موضع واحد من غير ترجيح البتة، منحصر في سبع عشرة مسألة، على ما نقله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي عن الشيخ أبي حامد. وقوله: "وهو دليل" أي: وقوع القولين من الشافعي على الوجهين المتقدمين دليل على علو شأنه في العلم والدين، فأما الحال الأول، وهو وقوع القولين في موضع واحد، فوجه دلالته على علو شأنه في العلم أن كل من كان أغوص نظرا وأتم وقوفا على شرائط الأدلة، كانت الإشكالات الموجبة للتوقف عنده أكثر، وأما في الدين فلأنه لما لم يظهر له وجه الرجحان صرح بعجزه عما هو عاجز فيه، ولم يستنكف من الاعتراف بعدم العلم به، وقد نقل الاعتراف بذلك عن عمر أيضا وعده المسلمون من مناقبه، وأما النوع الثاني وهو تنصيصه على القولين في موضعين، فوجه دلالته على علو شأنه في العلم أنه يعرف به أنه كان طول عمره مشتغلا بالطلب والبحث، وأما في الدين فلأنه لا يدل على أنه متى لاح له في الدين شيء أظهره، وأنه لم يكن يتعصب لترويج مذهبه. "فرع" قال في المحصول: إذا لم نعرف القول المنسوب إلى الشافعي في القولين المطلقين، وعرفنا قوله في نظير تلك المسألة، فإن كان بين المسألتين فرق يجوز أن يذهب إليه ذاهب لم نحكم بأن قوله في المسألة كقوله في نظيرها؛ لجواز أن يكون قد ذهب إلى الفرق، وإن لم يكن بينهما فرق البتة، فالظاهر أن يكون قوله في إحدى المسألتين قولا له في الأخرى، وهذه المسألة هي المعروفة بأن لازم المذهب هل هو مذهب أم لا؟ .
стр. 421
الباب الثاني: في الأحكام الكلية للتراجيح
قال: "الباب الثاني: في الأحكام الكلية للتراجيح، والترجيح: تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى ليعمل بها، كما رجحت الصحابة خبر عائشة ﵂ في التقاء الختانين، على قوله ﷺ : "إنما الماء من الماء" ١. مسألة: لا ترجيح في القطعيات؛ إذ لا تعارض بينها، وإلا ارتفع النقيضان أو اجتمعا". أقول: عقد المصنف هذا الباب للأحكام الكلية للتراجيح، وهي الأمور العامة لأنواعها، بحيث لا تخص فردا من أفراد الأدلة، وجعله مشتملا على مقدمة مبينة لماهية الترجيح ولمشروعيته، وعلى أربع مسائل. إذا علمت ذلك فنقول: الترجيح في اللغة هو التمييل والتغليب، من قولهم: رجح الميزان، وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف، وإنما خص الترجيح بالأمارتين أي: بالدليلين الظنيين؛ لأن الترجيح لا يجري بين القطعيات، ولا بين القطعي والظني كما ستعرفه. وقوله: ليعمل بها, احتراز عن تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى لا ليعمل بها، بل لبيان إحداهما أفصح من الأخرى، فإنه ليس من الترجيح المصطلح عليه، وقال ابن الحاجب: هو
стр. 422
اقتران الأمارة بما تقوى به على معارضتها، وذكر الآمدي نحوه أيضا، وفيه نظر؛ فإن هذا حد للرجحان أو الترجيح، لا للترجيح من أفعال الشخص بخلاف الاقتران، ثم استدل المصنف على اعتبار الترجيح ووجوب العمل بالراجح بإجماع الصحابة ﵃ على ذلك, فإنهم رجحوا خبر عائشة في التقاء الختانين، وهو قولها: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل, فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا، على خبر أبي هريرة وهو قوله ﵊: "إنما الماء من الماء" وذلك لأن أزواج النبي ﷺ وخصوصا عائشة أعلم بفعله في هذه الأمور من الرجال الأجانب، وذهب قوم كما قاله في المحصول١ إلى إنكار الترجيح في الأدلة قياسا على البينات، وقالوا عند التعارض: يلزم التخيير أو الوقف. قوله: "مسألة: لا ترجيح في القطعيات" يعني: أن الترجيح يختص بالدلائل الظنية ولا يقع في القطعيات، سواء كانت عقلية أو نقلية؛ لأن الترجيح متوقف على وقوع التعارض فيها، ووقوعه فيها محال؛ لأنه لو وقع لكان يلزم منه اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما؛ وذلك لأنه لا جائز أن يعمل بأحدهما دون الآخر، لأنه تحكم, فتعين إما إثبات مقتضاهما وهو جمع بين النقيضين، أو رفع مقتضاهما وهو رفع النقيضين، وكلاهما محال وهذا ضعيف، فلقائل أن يقول: نعمل بأحدهما ولكن لمرجح وهو المدعى، ولم يستدل الإمام به، بل استدل بأن الترجيح تقوية، فلا يتأتى في القطعيات؛ لأنها تفيد العلم، والعلوم لا تتفاوت، وهذه الدعوى أيضا سبق منعها. ولو استدلوا بأنه يلزم منه اجتماع النقيضين ويقتصرون عليها لكان أظهر. واعلم أن إطلاق هذه المسألة وهو عدم الترجيح في القطعيات فيه نظر، لما ستعرفه في تعارض النصين، وسكت المصنف هنا عن التعارض بين القطعي والظني, وهو ممتنع لكون القطعي مقدما دائما. قال: "مسألة: إذا تعارض نصان فالعمل بهما من وجه أولى، بأن يتبعض الحكم فيثبت البعض، أو يتعدد فيثبت بعضها، أو يعم فيوزع، كقوله ﵇: "ألا أخبركم بخير الشهود؟ " فقيل: نعم: فقال: "أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد" ٢ وقوله: "ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد" فيجعل الأول على حق الله تعالى، والثاني على حقنا". أقول: وجه مناسبة هذه المسألة للكلام على الترجيح من حيث كونها معقودة لبيان شرط الترجيح كما ستعرفه, أو لأنا إذا أعملنا الدليلين من وجه، فقد رجحنا كلا منهما على الآخر من ذلك الوجه الذي أعمل فيه. وحاصل المسألة أنه إذا تعارض فإنما ترجيح أحدهما على الآخر إذا لم يمكن العمل بكل واحد منهما، فإن أمكن ولو من وجه دون وجه فلا يصار إلى الترجيح؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما بالكلية؛ لكون الأصل في الدليل هو الإعمال
стр. 423
لا الإهمال، ثم إن العمل بكل واحد منهما من وجه دون وجه، ويكون على ثلاثة أنواع، أحدها: أن يتبعض حكم كل واحد من الدليلين المتعارضين, أي: يكون قابلا للتبعيض فيثبت بعضه دون بعض، وعبر الإمام عن هذا النوع بالاشتراك والتوزيع، ولم يذكر له مثالا، ومثله التبريزي في التنقيح بقسمة الملك, وذلك كما إذا كان في يد اثنين دار فادعى كل واحد منهما أنها ملكه، فإنها تقسم بينهما نصفين؛ لأن يد كل منهما دليل ظاهر على ثبوت الملك، وثبوت الملك قابل للتبعيض فتبعض، ونحكم لكل واحد بعض الملك جمعا بين الدليلين من وجه, وكذلك إذا تعارضت البينتان فيه على قول القسمة بخلاف ما إذا تعارضنا في نحو القتل والقذف مما لا يتبعض. النوع الثاني: أن يتعدد كل حكم واحد من الدليلين، أي: يحتمل أحكاما فيثبت بكل واحد بعض تلك الأحكام، ولم يمثل له الإمام أيضا، ومثله بعضهم بقوله ﷺ : "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" ١ فإنه معارض لتقريره ﷺ الصلاة في غير المسجد، ومقتضى كل واحد منهما متعدد فإن الخبر يحتمل نفي الصحة ونفي الكمال ونفي الفضيلة, وكذا التقرير يحتمل ذلك أيضا، فيحمل الخبر على نفي الكمال، ويحمل التقرير على الصحة. "الثالث" أن يكون كل واحد من الدليلين عاما أي: مثبتا لحكم في الموارد المتعددة فيوزع الدليلان عليها، ويحمل كل منهما على بعض تلك الموارد، كما مثله المصنف بقوله: "خير الشهود" إلى آخره, وإلى ذلك كله أشار المصنف بقوله: بأن تبعض إلى آخره, وهو متعلق بقوله: فالعمل. قال: "مسألة: إذا تعارض نصان وتساويا في القوة والعموم، وعلم المتأخر فهو ناسخ، وإن جُهل فالتساقط أو الترجيح وإن كان أحدهما قطعيا أو أخص مطلقا عمل به, وإن تخصص بوجه طلب الترجيح". أقول: هذه المسألة عقدها المصنف لبيان محل ترجيح النصين المتعارضين على الآخر, وحاصلها أن النصين المتعارضين على قسمين, أحدهما: أن يكونا متساويين في القوة والعموم، الثاني: أن لا يكونا كذلك، والمراد بتساويهما في القوة أن يكونا معا معلومين أو مظنونين, وبتساويهما في العموم أن يصدق كل منهما على كل ما صدق عليه الآخر، وأما قول كثير من الشارحين: إن التساوي في القوة لا يدخل فيه ما كان معلوم السند والدلالة لاستحالة التعارض في القطعيات فباطل؛ لأن المراد من التعارض هنا ما هو أعم من النسخ، ولهذا قسموه إليه، وقد صرح في المحصول بذلك في مواضع من المسألة, أعني بدخول المقطوع فيه في هذه الأقسام، وصرح أيضا بأن التعارض والترجيح قد يقع في القطعيات على وجه خاص يأتي ذكره, فدل على أن إطلاق المنع مردود، فأما القسم الأول وهو أن يكونا متساويين في القوة والعموم ففيه ثلاثة أحوال، أحدها: أن يعلم أن أحدهما متأخر الورود عن
стр. 424
الآخر ويعلم أيضا بعينه فحينئذ يكون ناسخا للمتقدم، سواء كانا معلومين أو مظنونين، وسواء كانا من الكتاب والسنة، أو أحدهما من الكتاب والآخر من السنة، إلا أن من يقول: إن الكتاب لا يكون ناسخا للسنة وبالعكس فإنه يمنع ورود هذا القسم. قال في المحصول: وإنما يكون الأول منسوخا إذا كان مدلوله قابلا للنسخ، فإن لم يكن أي كصفات الله تعالى كما قاله النقسواني, فإنهما يتساقطان ويجب الرجوع إلى دليل آخر, ولو كان الدليلان خاصين فحكمهما حكم المتساويين في القوة والعموم، وسوء كانا قطعيين أو ظنيين, ولعل المصنف إنما لم يذكر ذلك لوضوحه. الثاني: أن يجهل المتأخر منهما فلم يعلم عينه فينظر، فإن كانا معلومين فيتساقطان، ويجب الرجوع إلى غيرهما؛ لأن كلا منهما يحتمل أن يكون هو المنسوخ -احتمالان على السواء- وإن كانا مظنونين وجب الرجوع إلى الترجيح فيعمل بالأقوى، فإن تساويا يخير المجتهد. هكذا صرح به في المحصول١، وإليه أشار المصنف بقوله: وإن جهل فالتساقط أو الترجيح, يعني: فالتساقط إن كانا معلومين أو الترجيح إن كانا مظنونين. وقد قرره الشارحون على غير هذا الوجه، وهو غير مطابق لما في المحصول. الحال الثالث: أن يعلم تقاربهما ولم يذكره المصنف، وقد ذكره في المحصول فقال: إن كانا معلومين وأمكن التخيير فيهما تعين القول به, فإنه إذا تعذر الجمع لم يبق إلا التخيير. قال: ولا يجوز أن يرجح أحدهما على الآخر بقوة الإسناد؛ لما عرف أن المعلوم لا يقبل الترجيح ولا أن يرجح أيضا بما يرجع إلى الحكم لكون أحدهما للحظر مثلا؛ لأنه يقتضي طرح المعلوم بالكلية، وإن كانا مظنونين وجب الرجوع إلى الترجيح، فيعمل بالأقوى، فإن تساويا فالتخيير. قوله: "وإن كان أحدهما قطعيا" شرع يتكلم في القسم الثاني، وهو أن لا يتساويا في القوة والعموم، فحينئذ إما أن لا يتساويا في القوة بأن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا، وإما أن لا يتساويا في العموم بأن يكون أحدهما أخص من الآخر مطلقا، أو أخص منه من وجه، فتلخص أن هذا القسم أيضا ثلاثة أحوال، والأعم مطلقا هو الذي يوجد مع كل أفراد الآخر وبدونه، كالحيوان والناطق، وكذا كل جنس مع نوعه، وكل لازم مع ملزومه كالزوجية مع العشرة، ومقابله هو الأخص مطلقا، وأما الأخص من وجه والأعم من وجه, فهما اللذان يجتمعان في صورة وينفرد كل منهما عن الآخر في صورة، كالحيوان والأبيض. الحال الأول: أن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا، فحينئذ يرجح القطعي ويعمل به سواء كانا عامين أو خاصين، أو كان المقطوع به خاصا والمظنون عاما، فإن كان بالعكس قدم الظني كما سيأتي في القسم الذي بعده. الحال الثاني: أن يكون أحدهما أخص من الآخر مطلقا فحينئذ يرجح الخاص على العام ويعمل به جمعا بين الدليلين سواء علم تأخره
стр. 425
عن العام أم لا, على خلاف فيه مذكور في موضعه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الخاص مظنونا والعام مقطوعا به أم لا، كما قال في المحصول؛ لأن التخصيص المعلوم بالمظنون جائز على الصحيح، وهذه الصورة لا تؤخذ من كلام المصنف في هذه المسألة؛ لأن كلامه هذا وإن اقتضى إدخالها، فكلامه في القسم الذي قبله يقتضي إخراجها، لكنها تؤخذ من كلامه في التخصيص, ولعل المصنف أهملها لذلك، نعم إن عملنا بالعام المقطوع به ثم ورد الخاص بعد ذلك فلا نأخذ به إذا كان مظنونا؛ لأن الأخذ به في هذه المسألة نسخ لا تخصيص كما سبق غير مرة، ونسخ المقطوع بالمظنون لا يجوز.
والحال الثالث: أن يكون العموم والخصوص بينهما من وجه دون وجه، فحينئذ يطلب الترجيح بينهما من جهة أخرى ليعمل بالراجح؛ لأن الخصوص يقتضي الرجحان كما تقدم، وقد ثبت ههنا لكل واحد منها خصوص من وجه بالنسبة إلى الآخر, فيكون لكل منهما رجحان على الآخر، ومثاله قوله ﵊: "من نام عن صلاة أو نسيها, فليصلها إذا ذكرها" ١ فإن بينه وبين نهيه ﵊ عن الصلوات في الأوقات المكروهة عموما وخصوصا من وجه، لأن الخبر الأول عام في الأوقات, خاص ببعض الصلوات وهي القضاء, والثاني عام في الصلاة, مخصوص ببعض الأوقات وهو وقت الكراهية، فيصار إلى الترجيح كما قلناه, ولا فرق في ذلك بين أن يكونا قطعيين أو ظنيين, لكن في الظنيين يمكن الترجيح بقوة الإسناد، وبالحكم ككون أحدهما للخطر مثلا أن يأتي على ما سيأتي، وأما في القطعيين فلا يمكن الترجيح بقوة الإسناد كما نبه عليه في المحصول, بل يرجح بالحكم كالتحريم مثلا؛ لأن الحكم بذلك يعني بالتقديم بهذا الوجه طريقة الاجتهاد, وليس في ترجيح أحدهما على الآخر بالاجتهاد اطراح الآخر. قال بخلاف ما إذا تعارضا من كل وجه, ومراده بالتعارض من كل وجه، ما إذا علمنا أنهما تقارنا, فإنه لا يجوز أن يرجح أحدهما على الآخر أصلا كما تقدم ذكره، وحيث قلنا بالترجيح فلم يترجح أحدهما على الآخر فالحكم التخيير كما قاله في المحصول, وقد جزم المصنف أيضا بذلك في الأقسام السابقة. واستفدنا من كلامه هنا أن الصحيح عنده في تعادل الأمارتين إنما هو التخيير, فإنه لم يصحح هناك شيئا. قال: "مسألة: قد يرجح بكثرة الأدلة؛ لأن الظنين أقوى، قيل: يقدم الخبر على الأقيسة، قلنا: إن اتحد أصلها فمتحدة، وإلا فممنوع". أقول: مذهب الشافعي كما قاله الإمام وغيره، أنه يجوز الترجيح بكثرة الأدلة؛ لأن كل واحد من الدليلين يفيد ظنا، وإلا لم يكن دليلا، والظن الحاصل من أحدهما غير الظن الحاصل من الآخر؛ لاستحالة اجتماع المؤثرين على أثر واحد، ولا شك أن الظنين أقوى من الظن