الباب الثاني: في الأحكام الكلية للتراجيح
قال: "الباب الثاني: في الأحكام الكلية للتراجيح، والترجيح: تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى ليعمل بها، كما رجحت الصحابة خبر عائشة ﵂ في التقاء الختانين، على قوله ﷺ : "إنما الماء من الماء" ١. مسألة: لا ترجيح في القطعيات؛ إذ لا تعارض بينها، وإلا ارتفع النقيضان أو اجتمعا". أقول: عقد المصنف هذا الباب للأحكام الكلية للتراجيح، وهي الأمور العامة لأنواعها، بحيث لا تخص فردا من أفراد الأدلة، وجعله مشتملا على مقدمة مبينة لماهية الترجيح ولمشروعيته، وعلى أربع مسائل. إذا علمت ذلك فنقول: الترجيح في اللغة هو التمييل والتغليب، من قولهم: رجح الميزان، وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف، وإنما خص الترجيح بالأمارتين أي: بالدليلين الظنيين؛ لأن الترجيح لا يجري بين القطعيات، ولا بين القطعي والظني كما ستعرفه. وقوله: ليعمل بها, احتراز عن تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى لا ليعمل بها، بل لبيان إحداهما أفصح من الأخرى، فإنه ليس من الترجيح المصطلح عليه، وقال ابن الحاجب: هو
стр. 422
اقتران الأمارة بما تقوى به على معارضتها، وذكر الآمدي نحوه أيضا، وفيه نظر؛ فإن هذا حد للرجحان أو الترجيح، لا للترجيح من أفعال الشخص بخلاف الاقتران، ثم استدل المصنف على اعتبار الترجيح ووجوب العمل بالراجح بإجماع الصحابة ﵃ على ذلك, فإنهم رجحوا خبر عائشة في التقاء الختانين، وهو قولها: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل, فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا، على خبر أبي هريرة وهو قوله ﵊: "إنما الماء من الماء" وذلك لأن أزواج النبي ﷺ وخصوصا عائشة أعلم بفعله في هذه الأمور من الرجال الأجانب، وذهب قوم كما قاله في المحصول١ إلى إنكار الترجيح في الأدلة قياسا على البينات، وقالوا عند التعارض: يلزم التخيير أو الوقف. قوله: "مسألة: لا ترجيح في القطعيات" يعني: أن الترجيح يختص بالدلائل الظنية ولا يقع في القطعيات، سواء كانت عقلية أو نقلية؛ لأن الترجيح متوقف على وقوع التعارض فيها، ووقوعه فيها محال؛ لأنه لو وقع لكان يلزم منه اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما؛ وذلك لأنه لا جائز أن يعمل بأحدهما دون الآخر، لأنه تحكم, فتعين إما إثبات مقتضاهما وهو جمع بين النقيضين، أو رفع مقتضاهما وهو رفع النقيضين، وكلاهما محال وهذا ضعيف، فلقائل أن يقول: نعمل بأحدهما ولكن لمرجح وهو المدعى، ولم يستدل الإمام به، بل استدل بأن الترجيح تقوية، فلا يتأتى في القطعيات؛ لأنها تفيد العلم، والعلوم لا تتفاوت، وهذه الدعوى أيضا سبق منعها. ولو استدلوا بأنه يلزم منه اجتماع النقيضين ويقتصرون عليها لكان أظهر. واعلم أن إطلاق هذه المسألة وهو عدم الترجيح في القطعيات فيه نظر، لما ستعرفه في تعارض النصين، وسكت المصنف هنا عن التعارض بين القطعي والظني, وهو ممتنع لكون القطعي مقدما دائما. قال: "مسألة: إذا تعارض نصان فالعمل بهما من وجه أولى، بأن يتبعض الحكم فيثبت البعض، أو يتعدد فيثبت بعضها، أو يعم فيوزع، كقوله ﵇: "ألا أخبركم بخير الشهود؟ " فقيل: نعم: فقال: "أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد" ٢ وقوله: "ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد" فيجعل الأول على حق الله تعالى، والثاني على حقنا". أقول: وجه مناسبة هذه المسألة للكلام على الترجيح من حيث كونها معقودة لبيان شرط الترجيح كما ستعرفه, أو لأنا إذا أعملنا الدليلين من وجه، فقد رجحنا كلا منهما على الآخر من ذلك الوجه الذي أعمل فيه. وحاصل المسألة أنه إذا تعارض فإنما ترجيح أحدهما على الآخر إذا لم يمكن العمل بكل واحد منهما، فإن أمكن ولو من وجه دون وجه فلا يصار إلى الترجيح؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما بالكلية؛ لكون الأصل في الدليل هو الإعمال
стр. 423
لا الإهمال، ثم إن العمل بكل واحد منهما من وجه دون وجه، ويكون على ثلاثة أنواع، أحدها: أن يتبعض حكم كل واحد من الدليلين المتعارضين, أي: يكون قابلا للتبعيض فيثبت بعضه دون بعض، وعبر الإمام عن هذا النوع بالاشتراك والتوزيع، ولم يذكر له مثالا، ومثله التبريزي في التنقيح بقسمة الملك, وذلك كما إذا كان في يد اثنين دار فادعى كل واحد منهما أنها ملكه، فإنها تقسم بينهما نصفين؛ لأن يد كل منهما دليل ظاهر على ثبوت الملك، وثبوت الملك قابل للتبعيض فتبعض، ونحكم لكل واحد بعض الملك جمعا بين الدليلين من وجه, وكذلك إذا تعارضت البينتان فيه على قول القسمة بخلاف ما إذا تعارضنا في نحو القتل والقذف مما لا يتبعض. النوع الثاني: أن يتعدد كل حكم واحد من الدليلين، أي: يحتمل أحكاما فيثبت بكل واحد بعض تلك الأحكام، ولم يمثل له الإمام أيضا، ومثله بعضهم بقوله ﷺ : "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" ١ فإنه معارض لتقريره ﷺ الصلاة في غير المسجد، ومقتضى كل واحد منهما متعدد فإن الخبر يحتمل نفي الصحة ونفي الكمال ونفي الفضيلة, وكذا التقرير يحتمل ذلك أيضا، فيحمل الخبر على نفي الكمال، ويحمل التقرير على الصحة. "الثالث" أن يكون كل واحد من الدليلين عاما أي: مثبتا لحكم في الموارد المتعددة فيوزع الدليلان عليها، ويحمل كل منهما على بعض تلك الموارد، كما مثله المصنف بقوله: "خير الشهود" إلى آخره, وإلى ذلك كله أشار المصنف بقوله: بأن تبعض إلى آخره, وهو متعلق بقوله: فالعمل. قال: "مسألة: إذا تعارض نصان وتساويا في القوة والعموم، وعلم المتأخر فهو ناسخ، وإن جُهل فالتساقط أو الترجيح وإن كان أحدهما قطعيا أو أخص مطلقا عمل به, وإن تخصص بوجه طلب الترجيح". أقول: هذه المسألة عقدها المصنف لبيان محل ترجيح النصين المتعارضين على الآخر, وحاصلها أن النصين المتعارضين على قسمين, أحدهما: أن يكونا متساويين في القوة والعموم، الثاني: أن لا يكونا كذلك، والمراد بتساويهما في القوة أن يكونا معا معلومين أو مظنونين, وبتساويهما في العموم أن يصدق كل منهما على كل ما صدق عليه الآخر، وأما قول كثير من الشارحين: إن التساوي في القوة لا يدخل فيه ما كان معلوم السند والدلالة لاستحالة التعارض في القطعيات فباطل؛ لأن المراد من التعارض هنا ما هو أعم من النسخ، ولهذا قسموه إليه، وقد صرح في المحصول بذلك في مواضع من المسألة, أعني بدخول المقطوع فيه في هذه الأقسام، وصرح أيضا بأن التعارض والترجيح قد يقع في القطعيات على وجه خاص يأتي ذكره, فدل على أن إطلاق المنع مردود، فأما القسم الأول وهو أن يكونا متساويين في القوة والعموم ففيه ثلاثة أحوال، أحدها: أن يعلم أن أحدهما متأخر الورود عن
стр. 424
الآخر ويعلم أيضا بعينه فحينئذ يكون ناسخا للمتقدم، سواء كانا معلومين أو مظنونين، وسواء كانا من الكتاب والسنة، أو أحدهما من الكتاب والآخر من السنة، إلا أن من يقول: إن الكتاب لا يكون ناسخا للسنة وبالعكس فإنه يمنع ورود هذا القسم. قال في المحصول: وإنما يكون الأول منسوخا إذا كان مدلوله قابلا للنسخ، فإن لم يكن أي كصفات الله تعالى كما قاله النقسواني, فإنهما يتساقطان ويجب الرجوع إلى دليل آخر, ولو كان الدليلان خاصين فحكمهما حكم المتساويين في القوة والعموم، وسوء كانا قطعيين أو ظنيين, ولعل المصنف إنما لم يذكر ذلك لوضوحه. الثاني: أن يجهل المتأخر منهما فلم يعلم عينه فينظر، فإن كانا معلومين فيتساقطان، ويجب الرجوع إلى غيرهما؛ لأن كلا منهما يحتمل أن يكون هو المنسوخ -احتمالان على السواء- وإن كانا مظنونين وجب الرجوع إلى الترجيح فيعمل بالأقوى، فإن تساويا يخير المجتهد. هكذا صرح به في المحصول١، وإليه أشار المصنف بقوله: وإن جهل فالتساقط أو الترجيح, يعني: فالتساقط إن كانا معلومين أو الترجيح إن كانا مظنونين. وقد قرره الشارحون على غير هذا الوجه، وهو غير مطابق لما في المحصول. الحال الثالث: أن يعلم تقاربهما ولم يذكره المصنف، وقد ذكره في المحصول فقال: إن كانا معلومين وأمكن التخيير فيهما تعين القول به, فإنه إذا تعذر الجمع لم يبق إلا التخيير. قال: ولا يجوز أن يرجح أحدهما على الآخر بقوة الإسناد؛ لما عرف أن المعلوم لا يقبل الترجيح ولا أن يرجح أيضا بما يرجع إلى الحكم لكون أحدهما للحظر مثلا؛ لأنه يقتضي طرح المعلوم بالكلية، وإن كانا مظنونين وجب الرجوع إلى الترجيح، فيعمل بالأقوى، فإن تساويا فالتخيير. قوله: "وإن كان أحدهما قطعيا" شرع يتكلم في القسم الثاني، وهو أن لا يتساويا في القوة والعموم، فحينئذ إما أن لا يتساويا في القوة بأن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا، وإما أن لا يتساويا في العموم بأن يكون أحدهما أخص من الآخر مطلقا، أو أخص منه من وجه، فتلخص أن هذا القسم أيضا ثلاثة أحوال، والأعم مطلقا هو الذي يوجد مع كل أفراد الآخر وبدونه، كالحيوان والناطق، وكذا كل جنس مع نوعه، وكل لازم مع ملزومه كالزوجية مع العشرة، ومقابله هو الأخص مطلقا، وأما الأخص من وجه والأعم من وجه, فهما اللذان يجتمعان في صورة وينفرد كل منهما عن الآخر في صورة، كالحيوان والأبيض. الحال الأول: أن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا، فحينئذ يرجح القطعي ويعمل به سواء كانا عامين أو خاصين، أو كان المقطوع به خاصا والمظنون عاما، فإن كان بالعكس قدم الظني كما سيأتي في القسم الذي بعده. الحال الثاني: أن يكون أحدهما أخص من الآخر مطلقا فحينئذ يرجح الخاص على العام ويعمل به جمعا بين الدليلين سواء علم تأخره
стр. 425
عن العام أم لا, على خلاف فيه مذكور في موضعه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الخاص مظنونا والعام مقطوعا به أم لا، كما قال في المحصول؛ لأن التخصيص المعلوم بالمظنون جائز على الصحيح، وهذه الصورة لا تؤخذ من كلام المصنف في هذه المسألة؛ لأن كلامه هذا وإن اقتضى إدخالها، فكلامه في القسم الذي قبله يقتضي إخراجها، لكنها تؤخذ من كلامه في التخصيص, ولعل المصنف أهملها لذلك، نعم إن عملنا بالعام المقطوع به ثم ورد الخاص بعد ذلك فلا نأخذ به إذا كان مظنونا؛ لأن الأخذ به في هذه المسألة نسخ لا تخصيص كما سبق غير مرة، ونسخ المقطوع بالمظنون لا يجوز.
والحال الثالث: أن يكون العموم والخصوص بينهما من وجه دون وجه، فحينئذ يطلب الترجيح بينهما من جهة أخرى ليعمل بالراجح؛ لأن الخصوص يقتضي الرجحان كما تقدم، وقد ثبت ههنا لكل واحد منها خصوص من وجه بالنسبة إلى الآخر, فيكون لكل منهما رجحان على الآخر، ومثاله قوله ﵊: "من نام عن صلاة أو نسيها, فليصلها إذا ذكرها" ١ فإن بينه وبين نهيه ﵊ عن الصلوات في الأوقات المكروهة عموما وخصوصا من وجه، لأن الخبر الأول عام في الأوقات, خاص ببعض الصلوات وهي القضاء, والثاني عام في الصلاة, مخصوص ببعض الأوقات وهو وقت الكراهية، فيصار إلى الترجيح كما قلناه, ولا فرق في ذلك بين أن يكونا قطعيين أو ظنيين, لكن في الظنيين يمكن الترجيح بقوة الإسناد، وبالحكم ككون أحدهما للخطر مثلا أن يأتي على ما سيأتي، وأما في القطعيين فلا يمكن الترجيح بقوة الإسناد كما نبه عليه في المحصول, بل يرجح بالحكم كالتحريم مثلا؛ لأن الحكم بذلك يعني بالتقديم بهذا الوجه طريقة الاجتهاد, وليس في ترجيح أحدهما على الآخر بالاجتهاد اطراح الآخر. قال بخلاف ما إذا تعارضا من كل وجه, ومراده بالتعارض من كل وجه، ما إذا علمنا أنهما تقارنا, فإنه لا يجوز أن يرجح أحدهما على الآخر أصلا كما تقدم ذكره، وحيث قلنا بالترجيح فلم يترجح أحدهما على الآخر فالحكم التخيير كما قاله في المحصول, وقد جزم المصنف أيضا بذلك في الأقسام السابقة. واستفدنا من كلامه هنا أن الصحيح عنده في تعادل الأمارتين إنما هو التخيير, فإنه لم يصحح هناك شيئا. قال: "مسألة: قد يرجح بكثرة الأدلة؛ لأن الظنين أقوى، قيل: يقدم الخبر على الأقيسة، قلنا: إن اتحد أصلها فمتحدة، وإلا فممنوع". أقول: مذهب الشافعي كما قاله الإمام وغيره، أنه يجوز الترجيح بكثرة الأدلة؛ لأن كل واحد من الدليلين يفيد ظنا، وإلا لم يكن دليلا، والظن الحاصل من أحدهما غير الظن الحاصل من الآخر؛ لاستحالة اجتماع المؤثرين على أثر واحد، ولا شك أن الظنين أقوى من الظن
стр. 426
الواحد، والعمل بالأقوى واجب لكنه أقرب إلى القطع، واستدل المخالفون بأنه لو جاز الترجيح بكثرة الأدلة لكانت الأقيسة المعارضة الخبر مقدمة عليه وليس كذلك, بل يقدم الخبر عليها اتفاقا، وأجاب المصنف بأن تلك الأقيسة إن اتحد أصلها أي: المقيس عليه فيها, كانت تلك الأقيسة كلها في الحقيقة قياسا واحدا لا أقيسة متعددة؛ لأنها لا تتغاير حينئذ، إلا إذا علل حكم الأصل في كل قياس منها بعلة أخرى، وتعليل الحكم بعلتين مختلفتين ممنوع على ما مر، وإذا كان ممنوعا كان الحق من تلك الأقيسة إنما هو قياس واحد، فإذا قدمنا الخبر عليها لم نقدمه إلا على دليل واحد، وإن لم يكن أصلها متحدا متعددا فلا نسلم أن الخبر الواحد مقدم عليها, بل تقدم الأقيسة عليه.
стр. 427
الباب الثالث: في ترجيح الأخبار
قال: "الباب الثالث: في ترجيح الأخبار, وهو على وجوه، الأول: بحال الراوي فيرجح بكثرة الرواة، وقلة الوسائط، وفقه الراوي, وعلمه بالعربية وأفضليته، وحسن اعتقاده، وكونه صاحب الواقعة، وجليس المحدثين، ومختبرا، ثم معدلا بالعمل على روايته، وبكثرة المزكين وبحثهم وعلمهم، وحفظهم وزيادة ضبطهم، وله لألفاظه ﵇ ودوام عقله وشهرته، وشهرة نسبه وعدم التباس اسمه وتأخر إسلامه". أقول: لما فرغ المصنف من الأحكام الكلية للتراجيح، شرع في ذكر الأسباب المرجحة, فعقد لها بابين، بابا في ترجيح الأخبار، وبابا في ترجيح الأقيسة، فأما الأخبار فيرجح بعضها على بعض بسبعة أوجه، الأول: ما يتعلق بحال الراوي وهو عشرون حالا، والحال الأول: كثرة الرواة فيرجح بها عند الإمام والآمدي وأتباعهما؛ لأن احتمال الغلط والكذب على الأكثر أبعد من احتمالهما على الأقل, فيكون الظن الحاصل من الخبر الذي رووه أكثر من الخبر الآخر, والعمل بالأقوى واجب. وقال الكرخي: لا أثر للكثرة في الرواة، كما لا أثر لها في الشهادة, الثاني: قلة الوسائط وهو علو الإسناد، فإذا كان أحد الحديثين المتعارضين أقل وسائط كان مقدما على الآخر؛ لأن احتمال الغلط والكذب فيه أقل، الثالث: فقه الراوي, فالخبر الذي يكون راويه فقيها مقدم على ما ليس كذلك مطلقا، خلافا لمن خص ذلك بالخبرين المرويين بالمعنى، قال في المحصول: والحق الأول؛ لأن الفقيه يميز بين ما يجوز وبين ما لا يجوز، فإذا حضر المجلس وسمع ما لا يجوز أن يحمل على ظاهره بحث عنه؛ وسأل عن مقدماته وسبب نزوله، فيطلع على ما يزول به الإشكال بخلاف العامي، الرابع: علم الراوي بالعربية, فالخبر الذي يكون راويه عالما بالعربية راجح على خلافه، لما ذكرناه في الفقه، الخامس: الأفضلية أي: في العربية أو في الفقه كما قاله الإمام، فالخبر الذي يكون راويه أفقه أو أنحى مقدم على الآخر؛ لأن الوثوق بقول الأعلم أتم، السادس: حسن اعتقاد الراوي, فالخبر الذي يكون راويه سنيا مقدم على ما رواه المعتزلي والرافضي وغيرهما من المبتدعة, السابع: كون الراوي صاحب الواقعة؛ لأنه أعرف بالقضية كترجيح الصحابة خبر عائشة في التقاء الختانين على خبر ابن عباس، وهو
стр. 428
"إنما الماء من الماء" ومنه أيضا كما قال في المحصول ترجيح الشافعي خبر أبي رافع في تزويج ميمونة حلالا على خبر ابن عباس في تزويجها محرما؛ لكون أبي رافع هو السفير في ذلك، الثامن: كون الراوي جليس المحدثين؛ لأنه أعرف بطريق الرواية وشرائطها، وكذلك لو كان جليس غير المحدثين من العلماء كما قاله الإمام وغيره، بل لو اشترك الراويان في أصل المجالسة, ولكن كان أجهدهما أكثر, فإنه يقدم ما قاله في المحصول أيضا. ولم يفرض المسألة إلا في ذلك، والاقتصار على مجالسة المحدثين، ذكره أيضا صاحب التحصيل، التاسع: كون الراوي مختبرا، فخبر العدل الذي عرفت عدالته بالممارسة والاختبار راجح على خبر الذي عرفت عدالته بالتزكية، أو بالعمل على روايته, أو بأن روي عنه من شرط أن لا يروى إلا عن العدل, فإنه قد سبق في باب الإخبار أن التعديل يحصل بهذه الطرق كلها, العاشر: كون الراوي معدلا بالعمل على روايته أي: تثبت عدالته بعمل من روى عنه بما رواه عنه، فالخبر الذي يكون راويه معدلا بهذا الطريق راجح على الذي يكون راويه معدلا بغيره، وإنما عبر المصنف بقوله: ثم معدلا، ليعلم أن التعديل بالاختبار مقدم على هذا الطريق فتلخص أن أعلى المراتب هو التعديل باختبار ثم التعديل بالعمل, ثم التعديل بغير ذلك، ولم يبين المصنف ذلك الغير الذي يقدم عليه التعديل بالعمل، فإن أراد به التلفظ بالتزكية, فقد جزم الآمدي وابن الحاجب وغيرهما بعكسه وقالوا: إن التعديل بصريح القول راجح على التعديل بالعمل بالرواية، أو الحكم على الشهادة؛ لأن التعديل بالقول لا احتمال فيه، بخلاف الحكم أو العمل فإنه يحتمل استنادها إلى شيء آخر موافق للشهادة أو الرواية، وإن أراد به الرواية عنه وهو الذي صرح به صاحب الحاصل، فالرواية لا تكون تعديلا إلا إذا شرط أن لا يروى إلا عن العدل، ومع التصريح بهذا الشرط لا تتقاعد الرواية عن التعديل باللفظ، وحينئذ فيأتي فيه ما تقدم بل هو أولى منه، ولم يذكر الإمام هاتين المسألتين، بل ذكر أن الاختبار مقدم كما ذكره المصنف، ثم ذكر أن المزكي إذا زكى الراوي فإن عمل بخبره كانت روايته راجحة على ما إذا زكاه وروى خبره, وهذا غير ما ذكره المصنف, إلا أن نجعل الباء في كلامه أعني كلام المصنف بمعنى المصاحبة, فيكون تقدير قوله: ثم معدلا أي: مزكى مع العمل، فحينئذ لا يخالف كلام أحد ممن تقدم، وليس في كلام الإمام وأتباعه تعرض إلى التعديل بالحكم مع التعديل بالعمل، وقال الآمدي: إن الحكم أولى؛ لأن الاحتياط فيه أبلغ، الحادي عشر: كثرة المزكين وهو واضح، الثاني عشر: بحث المزكين عن أحوال الناس، وإليه أشار بقوله: وبحثهم تقديره: وكثرة بحثهم، وكذلك زيادة عدالتهم والوثوق بهم، كما قاله ابن الحاجب. الثالث عشر: كثرة علم المزكين يعني بالعلوم الشرعية, كما اقتضاه كلام المحصول لكون الثقة بقولهم أكثر, لا بأحوال الراوي كما قاله الشارحون، فإنه قد تقدم ما يدل عليه, الرابع عشر: حفظ
стр. 429
الراوي, وهذا الكلام يحتمل أمرين صرح باعتبارهما في المحصول، أحدهما: أن يكون أحدهما قد حفظ لفظ الحديث، واعتمد الآخر على المكتوب، فالحافظ أولى لأنه أبعد عن الشبهة, قال: وفيه احتمال. الثاني: أن يكون أحدهما أكثر حفظا، أي: أقل نسيانا، فإن روايته راجحة على من كان نسيانه أكثر، فإن حملنا كلام المصنف على الثاني فيكون معطوفا على لفظ الكثرة من قوله: وبكثرة المزكين وتقديره: ولكثرة حفظه، الخامس عشر: زيادة ضبط الراوي, والضبط هو شدة الاعتناء بالحديث والاهتمام بأمره، فإذا كان أحدهما أشد اعتناء به واهتماما يرجح خبره, ولو كان ذلك يعني زيادة الضبط لألفاظ الرسول ﵊ بأن يكون أكثر حرصا على مراعاة كلماته وحروفه، قال في المحصول: فلو كان أحدهما أكثر ضبطا لكنه أكثر نسيانا، وكان الآخر بالعكس، ولم يكن قلة الضبط وكثرة النسيان بحيث يمتنع من قبول خبره فالأقرب التعارض، وهذا الذي قاله يدل على تفسير الضبط بما قلناه, لا بعدم النسيان كما قاله الشارحون، السادس عشر: دوام عقل الراوي، فيرجح الخبر الذي يكون راويه سليم العقل دائما على الخبر الذي اختلط عقل راويه في بعض الأوقات. هكذا أطلقه المصنف تبعا للحاصل والتحصيل, وشرط في المحصول مع ذلك أن لا يعلم هل رواه في حال سلامة عقله أم في حال اختلاطه. السابع عشر: شهرة الراوي؛ لأن الشهرة بالمنصب أو بغيره مانعة من الكذب، ومانعة أيضا من التدليس عليه, الثامن عشر: نسبه، التاسع عشر: عدم التباس اسمه، فإن التبس اسمه باسم غيره أي: من الضعفاء، وصعب التمييز كما قاله في المحصول كانت رواية غيره راجحة على روايته. قال: وكذلك صاحب الاسمين مرجوح بالنسبة إلى الاسم الواحد, وهذا قد يدخل أيضا في كلام المصنف, وسبب مرجوحيته أن صاحب الاسمين بكثرة اشتباهه بغيره مما ليس بعدل، بأن يكون هناك غير عدل يسمى بأحد اسميه, فإذا روى عنه راو وظن سامعه أنه يروي عن العدل، فإذا كان اسمه واحدا قل احتمال اللبس, العشرون: تأخر إسلام الراوي, فالخبر الذي يكون راويه متأخر الإسلام عن راوي الخبر الآخر راجح؛ لأن تأخر الإسلام دليل على تأخر روايته. هكذا ذكر صاحب الحاصل وابن الحاجب حكما وتعليلا، فتبعه المصنف، وجزم الآمدي بعكسه؛ لقوة أصالة المتقدم في الإسلام ومعرفته، وأما الإمام فإنه ذكر أيضا كما قاله المصنف لكن شرط فيه أن يعلم أن سماعه وقع بعد إسلامه، ثم قال: والأولى أن يفصل, فيقال: المتقدم إذا كان موجودا في زمان المتأخر، لم يمتنع أن تكون روايته متأخرة عن رواية المتأخر، فأما إذا علمنا أن المتقدم مات قبل إسلام المتأخر، أو علمنا أن روايات المتقدم أكثرها متقدم على روايات المتأخر، فههنا نحكم بالرجحان؛ لأن النادر ملحق بالغائب. قال: "الثاني: بوقت الرواية, فيرجح الراوي في البلوغ على الراوي في الصبى، وفي البلوغ، والمتحمل وقت البلوغ على المتحمل في الصبى، أو فيه أيضا".
стр. 430
أقول: الوجه الثاني: الترجيح بوقت الرواية، وقد ذكر المصنف لذلك أمرين أشار إليهما بقوله: فيرجح الراوي في البلوغ ... إلخ، لكن الثاني منهما أنه هو ترجيح بوقت المتحمل لا بوقت الرواية كما سيأتي، والوجهان المذكوران يمكن تقريرهما على وجهين، التقرير الأول: أن يكون المراد أن الراوي لحديث في زمان البلوغ قط راجح على من روى ذلك الحديث مرتين, مرة في بلوغه ومرة في صباه؛ لأن الراوي في هاتين الحالتين يكون متحملا في وقت الصبى بالضرورة، ولا شك أن الاعتماد على ضبط البالغ أكثر. قوله: "والمتحمل" يعني أن المتحمل لحديث في زمان البلوغ راجح الرواية أيضا، على من تحمله مرتين, مرة في صباه ومرة في بلوغه؛ لجواز أن تكون روايته بواسطة تحمله الواقع في حال الصبى دون الواقع في حال البلوغ، وإلى الوقتين أشار بقوله: وفيه أيضا أي في البلوغ منضما إلى ما ذكرناه، وهو الصبى. التقرير الثاني: أن يكون المراد أن الخبر الذي يكون راويه لا يروي في الأحاديث إلا في وقت بلوغه راجح على خبر الذي لم يروها إلا في صباه، أو روى بعضها في صباه وبعضها في بلوغه، لاحتمال أن يكون هذا الخبر من مروياته في حال الصغر، ولم يعلم سامعه بذلك، وكذلك القول في التحمل أيضا, فيرجح الخبر الذي لم يتحمل رواية الأحاديث إلا في زمان بلوغه على من لم يتحمل إلا في زمان صباه، أو تحمل بعضها في صباه وبعضها في بلوغه, لاحتمال أن يكون هذا الخبر من الأحاديث المتحملة في حالة الصغر هذا حاصل التقريرين المشار إليهما، فمن الشارحين من قرره بالأول ومنهم من قرره بالثاني، وكلام الإمام يحتمل كلا منهما. قال: أراد المصنف الثاني وهو الأقرب إلى كلام الإمام فهو صحيح، وإن أراد الأول فهو بعيد في المعنى لا يكاد يوجد التصريح به لأحد، وأيضا ما ذكره في الرواية فهو داخل على هذا التقرير فيما ذكره في التحمل؛ لأن الراوي في البلوغ الذي قدم على الراوي في البلوغ وفي الصبى إن تحمل في البلوغ فتقديمه إنما هو تقديم لمن تحمل في البلوغ على من تحمل في الصبى؛ لأن الرواية في الصبا والبلوغ تستلزم التحمل في الصبى قطعا، وقد ذكره من بعد، وإن كان قد تحمل في الصبى ولكنه روى في البلوغ فقط فكيف يقدم على من شاركه في هذا بعينه، وزاد عليه بأن روى مرة أخرى في البلوغ. لا جرم أن الآمدي وابن الحاجب وصاحب التحصيل لم يذكروا سوى التحمل، وقد وقع كذلك في نسخة بعض الشارحين، فشرحه ثم استدل عليه بأن هذا ترجيح وقت التحمل، وكلامه في الترجيح بوقت الرواية، والنسخة التي وقعت لهذا الشارح غلط. قال: "الثالث: بكيفية الرواية, فيرجح المتفق على رفعه، والمحكي بسبب نزوله وبلفظه، وما لم ينكره راوي الأصل". أقول: الوجه الثالث: بكيفية الرواية، وهو أربعة أمور, الأول: ترجيح الخبر المتفق على رفعه إلى النبي ﷺ على الخبر الذي اختلف في كونه مرفوعا إليه أو موقوفا على الصحابي. الثاني: الخبر المحكي مع سبب نزوله راجح على
стр. 431
الخبر الذي لم يذكر معه ذلك، لأن ذكر الراوي لسبب النزول يدل على اهتمامه بمعرفة ذلك الحكم، وهذا إذا كانا خاصين، فإن كانا عامين فالأمر بالعكس كما نقله الإمام هنا، ونص عليه الشافعي كا تقدم نقله عنه في الكلام على أن خصوص السبب لا يخصص، قال بن الحاجب: اللهم إلا إذا تعارض في صحاب السبب فإنه أولى، لان ترك الجواب مع الحاجة مما يقتضي تأخير البيان عن وقت الحاجة، ثم إن المصنف لو عبر بالورود عوضا عن النزول لكان صريحا في تناول الأخبار. الثالث يرجح الخبر المحكي بلفظ الرسول ﵇ على الخبر المروي بالمعنى، وكذلك على الخبر الذي يحتمل أن يكون قد روي بالمعنى كما قاله في المحصول١، لأن المحكي باللفظ مجمع على قبوله بخلاف المحكي بالمعنى، الرابع: إذ أنكر الأصل رواية الفرع عنه، فإن جزم بالإنكار لم تقبل رواية الفرع، وإن تردد قبلت كما سبق في الأخبار، فإن قبلناها فيكون الخبر الذي لم ينكره الأصل راجحا عليه، وتعبير المصنف بقوله: راوي الأصل هو عبارة الإمام أيضا. ولكن ليس له هنا مدلول مستقيم بل الصواب زيادة أل في راوي، أو حذفه بالكلية، قال: "الرابع: بوقت وروده فترجح المدنيات، والمشعر بعلوا شأن الرسول ﵊، والمتمضن للتخفيف والمطلقن على متقدم التاريخ والمؤرخ، بتاريخ مضيق، والمتحمل في الإسلام". أقول: الوجه الرابع: الترجيح بوقت ورود الخبر وهو ستة أقسام، ذكره الإمام وضعفها فافهم ذلك. أحدها: الآيات والآخبار والمدنيات راجحة على المكيات. واعلم أن المصطلح عليه بين أهل العلم، أن المكي ما ورد قبل الهجرة سواء كان في مكة أو غيرها، والمدني هو ما ورد بعدها سواء كان في المدينة أو في مكة أو في غيرها، وهذا الاصطلاح ليس هو المراد هنا لأنه لو كان كذلك لكان المدني ناسخا للمكي بلا نزاع. وقد تقدمت هذه المسألة في تعارض النصين. وأيضا فلأن تقديم المنسوخ على الناسخ ليس من باب الترجيح. كم نص عليه الإمام في الكلام على الترجيح بالحكم، بل المراد أن الخبر الوارد في المدينة مقدم على الوارد في مكة، سواء علمنا أنه كان قد ورد في مكة قبل الهجرة أو لم نعلم الحال. والعلة فيه ما قاله الإمام أن الغالب في المكيات ورودها قبل الهجرة، والوارد منها بعد الهجرة. قيل والقليل ملحق بالكثر. فيحصل الظن بأن هذا الحديث الوارد في مكة إنما ورد قبل الهجرة. وحينئذ فيجب تقديم المدني عليه لكونه متأخر، الثاني: الخبر المشعر بعلو شأن الرسول ﵇ راجح على ما لا يكون كذلك، لأن ظهورأمره وعلو شأنه كان في آخر عمره. فدل على التأخير هكذا أطلقه المصنف تبعا للحاصلن وقال في المحصول. الأولى أن يفصل فيقال: إن دل أحدهما على العلو والآخر على الضعف، قدم الدال على العلو.
стр. 432
وأما إذا لم يدل الآخر لا على القوة ولا على الضعف، فمن أين يقدم الأول عليه؟ وقد يجاب عما قاله: أنه إذا كان التأخير سببا للرجحان فالدال على العلو معلوم التأخير أو مظنونه، بخلاف ما لم يدل على شيء، وما يقطع برجحانه أو يظن راجح على ما لا يكون كذلك، وأيضا فإنه قد ذكر في السادس من هذا القسم ما يعكر عليه فتأمله. الثالث: الخبر المتضمن للتخفيف متقدم على المتضمن للتغليظ؛ لأنه أظهر تأخرا، فإن النبي ﷺ كان يغلظ في ابتداء أمره زجرا لهم عن العادات الجاهلية, ثم مال إلى التخفيف هكذا ذكره صاحب الحاصل وتبعه المصنف، وإطلاق هذه الدعوى مع ما سيأتي من كون المحرم مقدما على المبيح لا يستقيم, وقد جزم الآمدي بتقديم الدال على التشديد قال: لأن احتمال تأخره أظهر؛ لأن الغالب منه ﵇ أنه ما كان شدد إلا بحسب علو شأنه؛ ولهذا أوجب العبادات شيئا فشيئا وحرم المحرمات شيئا فشيئا, وتبعه ابن الحاجب على ذلك. واعلم أن الإمام ذكر هذا الحكم في حادثة كان الرسول ﵊ يغلظ فيها زجرا للعرب عن عاداتها، ثم خفف فيها نوع تخفيف، ولا يلزم من تقديم المتضمن للتخفيف في هذه المسألة لقرينة العدول إلى التخفيف في نوع، أن يقدم المتضمن للتخفيف مطلقا كما ظنه صاحب الحاصل والمصنف, وحينئذ فليس بين الإمام والآمدي اختلاف، وسيأتي في الفروع الزائدة كلام آخر متعلق بهذا. الرابع: الخبر المروي مطلقا أي: من غير تاريخ, يكون راجحا على الخبر المؤرخ بتاريخ متقدم؛ لأن المطلق أشبه بالمتأخر، وإنما قيد بقوله: بتاريخ متقدم؛ لأن التاريخ لو كان مضيقا لكان الحكم بخلافه كما سيأتي. الخامس: يرجح الخبر المؤرخ بتاريخ مضيق أي: وارد في آخر عمره ﵊ على الخبر المطلق؛ لأنه أظهر تأخرا، ومثله الإمام بأنه ﷺ في مرضه الذي توفي فيه صلى بالناس قاعدا والناس قيام، وهو يقتضي اقتداء القائم بالقاعد, وقال ﷺ : "وإذا صلى جالسا" يعني: الإمام "فصلوا جلوسا أجمعين" وهو يقتضي عدم وجوب ذلك فرجحنا الأول لما قلناه. السادس: إذا أسلم الراويان في وقت واحد كإسلام خالد وعمرو بن العاص، وعلم أن أحدهما تحمل الحديث بعد إسلامه, فإن خبره راجح على الخبر الذي لا يعلم هل تحمله الآخر في حال إسلامه أم في حال كفره، كما قاله في المحصول١، قال: لأنه أظهر تأخرا. قال: "الخامس: باللفظ, فيرجح الفصيح لا الأفصح، والخاص وغير المخصص, والحقيقة والأشبه بها، فالشرعية ثم العرفية، والمستغني عن الإضمار، والدال على المراد من وجهين، وبغير وسط، والمومئ إلى علة الحكم، والمذكور معارضه معه, والمقرون بالتهديد" أقول: الوجه الخامس: الترجيح باللفظ وهو بأمور, الأول: أن يكون لفظ أحد الخبرين فصيحا ولفظ الآخر ركيكا بعيدا عن الاستعمال،
стр. 433
فإن الفصيح مقدم إجماعا للاتفاق على قبوله، وقال الإمام بخلاف الركيك، فإن منهم من رده؛ لأن النبي ﷺ كان أفصح العرب فلا يكون ذلك كلاما له، ومنهم من قبله وحمله على أن الراوي رواه بلفظ نفسه، وأما أفصح العرب فلا يكون ذلك كلاما له، ومنهم من قبله وحمله على أن الراوي رواه بلفظ نفسه، وأما الأفصح فلا يرجح على الفصيح خلافا لبعضهم؛ لأن الرجل الفصيح لا يجب أن يكون كل كلامه أفصح. الثاني: يرجح الخاص على العام لما تقدم في موضعه. الثالث: العام الباقي على عمومه راجح على العام المخصص؛ للاختلاف في حجيته، وهذا القسم يستغنى عنه بما سيأتي من تقديم الحقيقة على المجاز؛ لأن العام المخصص مجاز مطلقا عند المصنف. الرابع: ترجيح اللفظ المستعمل بطريق الحقيقة على المستعمل بطريق المجاز؛ لأن دلالة الحقيقة أظهر وهذا فيما إذا لم يكن المجاز غالبا، فإن غلب ففيه خلاف سبق في موضعه. الخامس: إذا تعارض خبران ولا يمكن العمل بأحدهما إلا بارتكاب المجاز، وكان مجاز أحدهما أشبه بالحقيقة من مجاز الآخر, فإنه يرجح عليه لقربه، وقد مر تمثيل ذلك في المجمل والمبين. السادس: الخبر المشتمل على الحقيقة الشرعية ويرجح على الخبر المشتمل على الحقيقة العرفية أو اللغوية؛ لأن النبي ﷺ بعث لبيان الشرعيات، فالظاهر من حاله أنه يخاطب بها، ثم إن المشتمل على الحقيقة العرفية يرجح على المشتمل على الحقيقة اللغوية، لاشتهار العرفية وتبادر معناها. السابع: يرجح الخبر المستغني عن الإضمار على الخبر المفتقر إليه؛ لأن الإضمار على خلاف الأصل، وهذا القسم أيضا داخل في تقديم الحقيقة على المجاز؛ لأن الإضمار نوع من المجاز. الثامن: يرجح الخبر الدال على المراد من وجهين على الدال عليه من وجه واحد؛ لأن الظن الحاصل من الأول أقوى لتعدد جهة الدلالة. التاسع: يرجح الخبر الدال على المراد بغير واسطة على الدال عليه بواسطة؛ لأن قلة الوسائط تقتضي كثرة الظن، ومثاله قوله ﵊: "الأيم أحق بنفسها من وليها" ١ مع قوله ﵊: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها, فنكاحها باطل" ٢ فإن الأول يدل على صحة نكاحها إذا نكحت نفسها بإذن وليها كما يقول أبو حنيفة، والثاني يدل على بطلانه كما يقول الشافعي, ولكن بواسطة؛ وذلك لأنه يدل على البطلان عند عدم الإذن، وإذا بطل ذلك بطل أيضا مع الإذن للاتفاق بين الإمامين على عدم الفصل. العاشر: يرجح الخبر المومئ إلى علة الحكم على الخبر الذي لا يكون كذلك؛ لأن انقياد الطباع إلى الحكم المعلل أسرع. الحادي عشر:
стр. 434
الخبر الذي ذكر معه معارضه كقوله ﵊: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور, فزوروها" ١ يرجح على ما ليس كذلك؛ لأن ترجيحه إنما يكون باعتقاد تأخره عن الخبر الدال على النهي، وتأخره عنه يقتضي النسخ مرة واحدة بخلاف ترجيح الدال على النهي، فإنه يقتضي النسخ مرتين؛ لأنه لا بد من اعتقاد وروده بعده، وحينئذ فيكون ناسخا للإباحة التي فيه، والإباحة التي فيه ناسخة للنبي، المخبر عنه، وهو المشار إليه بقوله: "كنت نهيتكم" وهذا التقرير صحيح واضح خلافا لما توهمه بعض شارحي المحصول. الثاني عشر: الخبر المقرون بالتهديد، كقوله ﵊: "من صام يوم الشك, فقد عصى أبا القاسم "٢ راجح على ما ليس كذلك؛ لأن اقترانه بالتهديد يدل على تأكد الحكم الذي تضمنه، وكذلك لو كان التهديد في أحدهما أكثر كما قال في المحصول، وأهمله المصنف تبعا للحاصل. قال: "السادس: بالحكم, فيرجح المبقي الحكم الأصل؛ لأنه لو لم يتأخر عن الناقل لم يفد, والمحرم على المبيح لقوله ﵊: "ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال" ٣ وللاحتياط ويعادل الموجب، ومثبت الطلاق والعتاق؛ لأن الأصل عدم القيد، ونافي الحد؛ لأنه ضرر لقوله ﵊: "ادرءوا الحدود بالشبهات" ٤.
أقول: الوجه السادس: الترجيح بالحكم، وهو بأمور, الأول: يرجح الخبر المبقي لحكم الأصل أي: المقرر لمقتضى البراءة الأصلية، على الخبر الناقل لذلك الحكم أي: الرافع، كقوله ﵊: "من مس ذكره فليتوضأ" ٥ مع قوله: "إن هو إلا بضعة منك" لأن المبقي متأخر عن الناقل، إذ لو لم يتأخر عنه لم يكن له فائدة؛ لأنه حينئذ يكون واردا حيث لا يحتاج إليه؛ لأن في ذلك الوقت نعرف الحكم بدليل آخر, وهو البراءة الأصلية والاستصحاب، وإذا كان متأخرا عن الناقل كان أرجح منه، وهذا الذي اختاره المصنف ذكر الإمام أنه الحل، ونقل عن الجمهور أنهم رجحوا الناقل؛ لأن الناقل يستفاد منه ما لا يعلم عن غيره بخلاف المبقي؛ ولأن الأخذ بالمبقي يستدعي تأخر وروده عن الناقل، وفي ذلك تكثير النسخ؛ لأن الناقل حينئذ يزيل حكم العقل، ثم المبقي يزيل حكم الناقل, فيلزم النسخ مرتين. وأما إذا قدرنا تأخر الناقل وأخذ بابه ففيه تقليل النسخ؛ لأن المبقي حينئذ يكون واردا أولا لتأكيد حكم النقل،
стр. 435
ثم يرد الناقل بعده لإزالة حكمه فيلزم النسخ مرة واحدة. والجواب عن الأول ما قلناه في الدليل السابق وهو عدم الفائدة، وعن الثاني أن رفع حكم الأصل ليس بنسخ كما تقدم في حد النسخ، فلا يلزم من تقديم المبقي تكثير للنسخ، وأيضا فلو اعتقدنا تأخر الناقل لكان ناسخا لحكم ثابت بدليلين وهما البراءة الأصلية والخبر المؤكد لها، بخلاف ما قلناه، فإنه لا يكون المنسوخ إلا دليلا واحدا. الثاني: الخبر الدال على التحريم راجح على الخبر الدال على الإباحة، كما جزم به المصنف واختاره ابن الحاجب وكذلك الآمدي ونقله عن أصحابنا وعن الأكثرين، وقيل: بترجيح الإباحة لاعتضادها بالأصل حكاه ابن الحاجب. وقيل: يستويان، واختاره الغزالي ولم يرجح الإمام شيئا، والمراد بالإباحة هنا جواز فعل الترك، ليدخل فيه المكروه والمندوب والمباح المصطلح عليه؛ لأن التحريم مرجح على الكل كما ذكره ابن الحاجب؛ ولأن الدليلين المذكورين في الكتاب يقتضيان ذلك أيضا، واحتج القائلون بالتحريم بأمرين، أحدهما: قوله ﵊: "ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال". الثاني: أن الاحتياط يقتضي الأخذ بالتحريم؛ لأن ذلك الفعل إن كان حراما ففي ارتكابه ضرورة، وإن كان مباحا فلا ضرر في تركه. قوله: "ويعادل الموجب" يعني أن الخبر المحرم يعادله الخبر الموجب، فإن ورد دليلان أحدهما يقتضي تحريم شيء والآخر يقتضي إيجابه، فيتعادلان أي: يتساويان حتى لا يعمل بأحدهما إلا بمرجح؛ لأن الخبر المحرم يتضمن استحقاق العقاب على الفعل، والخبر الموجب يتضمن استحقاق العقاب على الترك، فيتساويان أي: وإذا تساويا فيقدم الموجب على المبيح؛ لأن المحرم مقدم على المبيح كما تقدم، والمساوي المقدم مقدم، والحكم بالتساوي هو رأي الإمام وأتباعه، وجزم الآمدي بترجيح المحرم لأن اعتناء الشرع بدفع المفاسد آكد من اعتنائه بجلب المصالح، وذكر ابن الحاجب نحوه أيضا. الثالث: يرجح الخبر المثبت للطلاق أو العتاق على الخبر النافي له، خلافا لبعضهم؛ لأن الأصل عدم القيد، فالخبر الدال على ثبوت الطلاق أو العتاق دال على زوال قيد النكاح أو ملك اليمين، فيكون موافقا للأصل، وحينئذ يكون أرجح، وهذا الذي جزم به المصنف جزم به الآمدي حكما وتعليلا، ثم قال: ويمكن أن يقال: بل النافي أول؛ لأنه على وفق الدليل المقتضي لصحة النكاح، وإثبات ملك اليمين، والدليل المقتضي لصحتها راجح على النافي له، وذكر ابن الحاجب نحو ذلك أيضا، ولم يرجح الإمام شيئا، بل نقل ترجيح المثبت عن الكرخي فقط، ونقل عن قوم آخرين أنهما يستويان. الرابع: يرجح الخبر النافي للحد على الخبر الموجب له خلافا لبعضهم، والدليل عليه أمران أحدهما: أن الحد ضرر, والضرر النفي عن الإسلام لقوله ﵊: "لا ضرر ولا إضرار في الإسلام". الثاني: قوله ﵊: "ادرءوا الحدود بالشبهات" فإن ورد الخبر في نفي الحد إن لم يوجب الجزم بذلك فلا أقل
стр. 436
من حصول الشبهة والشبهة تدفع الحد للحديث, وهذا الذي جزم به المصنف جزم به أيضا الآمدي وابن الحاجب، ولم يرجح الإمام شيئا، بل نقل المذكور هنا عن بعض الفقهاء فقط، ثم قال: وأنكره المتكلمون، نعم كلامه في هذا القسم وفي الذي قبله يميل إلى ما اختاره المصنف؛ لأنه استدل له، وكذلك فعل أتباعه كصاحب الحاصل. قال: "السابع: يعمل أكثر السلف". أقول: الوجه السابع: الترجيح بالأمر الخارجي كما قاله الإمام، فيرجح أحد الخبرين على الآخر بعمل أكثر السلف خلافا لبعضهم؛ لأن الأكثر يوافق الصواب ما لا يوافق له الأقل، ولم يرجح الإمام شيئا بل نقل الترجيح عن عيسى بن أبان فقط، ثم نقل عن آخرين أنه لا يفيد ترجيحا لكونه ليس بحجة، وذكر صاحب الحاصل نحوه أيضا، والتعبير بأكثر السلف عبر به الإمام أيضا، وهو يقتضي أن ما دون ذلك لا يحصل به الترجيح، وهو مخالف لما جزم به الآمدي واقتضاه كلام ابن الحاجب، وهذا في غير الصحابة، أما الصحابة فإن قول بعضهم كافٍ في الرجحان كما جزم به الإمام. "فصل: في أمور أخرى يحصل بها الترجيح" ذكرها الإمام وأهملها المصنف، الأول: أن يكون طريق إحدى الروايتين يقل فيها اللبس، كما إذا أخبر أنه شاهد زيدا بالبصرة قبل الظهر، فإنه يرجح على من أخبر أنه شاهده ببغداد وقت السحر. الثاني: أن يذكر المزكي سبب العدالة. الثالث: أن يجزم أحدهما ويقول الآخر: كذا فيما أظن. الرابع: يرجح الحديث القولي على الفعلي؛ لأن القول أدل، وهذا قد سبق من كلام المصنف. الخامس: يرجح المسند على المرسل إن قلنا بقبوله، وقال عيسى بن أبان: يقدم المرسل, وقال القاضي عبد الجبار: يستويان. السادس: رجح قوم الحرية والذكورة قياسا على الشهادة، قال: وفيه احتمال. السابع: يرجح اللفظ المتفق على وضعه المسمى عن اللفظ المختلف فيه. الثامن: أن يكون أحدهما قد نص على الحكم مع تشبيهه بمحل آخر، والآخر ليس كذلك، فإنه يقدم الأول في المشبه والمشبه به جميعا؛ لأن تشبيه محل بمحل فيه إشارة إلى وجود علة جامعة، مثاله قول الحنفية في قوله ﵊: "أيما إهاب دبغ فقد طهر "١ كالخمر تخلل فتحل: إن هذا رجح في المشبه على قوله ﵊: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" ٢ وفي المشبه به على قوله ﵊: "في الخمر أرقها". التاسع: التأكيد كالتكرار في قوله: "فنكاحها باطل, فنكاحها باطل, فنكاحها باطل". فصل في مرجحات أخرى ذكرها ابن الحاجب تبعا للآمدي، فيروح بتفسير الراوي قولا وفعلا، ويقربه عند السماع, وبقراءة الشيخ وعمل أهل
стр. 437
المدينة، والخلفاء الأربعة ويرجح الأخف على الأثقل، وجزم الاقتضاء على المفهوم وعلى الإيماء، ومفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة؛ لأنه متفق عليه. وقيل بالعكس؛ لأن فائدة مفهوم الموافقة هو التأكيد، وفائدة مفهوم المخالفة هو التأسيس، والتأسيس خير، ولم يرجح الآمدي في الأحكام شيئا، نعم جزم في منتهى السول بما صححه ابن الحاجب، ويرجح مخصص العام على تأويل الخاص لكثرة الأول، والعموم المستفاد من قبيل الشرط، والجزاء على العموم المستفاد من قبيل النكرة المنفية أو غيرها؛ لأن الشرط كالعلة والحكم لمعلل أولى، والخطاب التكليفي على الخطاب الوضعي؛ لاشتمال التكليفي على زيادة الثواب، وإذا ورد الخطاب على سبيل الإخبار كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥٨] أو في معرض الشرط كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ورد الخطاب الآخر شفاها كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فالخطاب الشفاهي أولى من المطلق في حق من ورد الخطاب عليه والآخر أولى من حق الغائبين؛ لأنهم إنما يعمهم بدليل منفصل، وإذا كان أحد الخبرين أمس من الآخر في الحاجة، بأن يكون قد قصد به الحكم المختلف فيه فهو أولى من الذي لم يقصد به ذلك, كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] ورد لبيان تحريم الجمع بين الأختين فهو أولى من قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المعارج: ٣٠] فإنه لم يقصد به ذلك، ويرجح الخبر المسند على الخبر المعزو إلى كتاب معروف على الخبر المشهور, وبمثل البخاري ومسلم على غيره, وقد ذكر ابن الحاجب وغيره مرجحات أخرى سبقت في كلام المصنف في مواضعها.
стр. 438
الباب الرابع: في ترجيح الأقيسة
قال: " الباب الرابع: في ترجيح الأقيسة, وهي بوجوه، الأول: بحسب العلة، فترجح المظنة, ثم الحكمة, ثم الوصف العدمي، ثم الحكم الشرعي والبسيط، ثم الوجودي للوجودي, ثم العدمي للعدمي". أقول: لما فرع المصنف من تراجيح الأخبار، شرع في تراجيح بعض الأقيسة على بعض، وهي على خمسة أوجه، الأول: الترجيح بحسب العلة، وهو أمور الأول: يرجح القياس المعلل بالوصف الحقيقي الذي هو مظنة للحكمة كالسفر مثلا, على القياس المعلل بنفس الحكمة كالمشقة ونحوها؛ لأن التعليل بالمظنة مجمع عليه بخلاف التعليل بالحكمة، كما سبق في موضعه. الثاني: ترجيح التعليل بالحكمة على التعليل بالوصف العدمي، قال: قال الإمام: لأن العلم بالعدم لا يدعو إلى شرع الحكم إلا إذا حصل العلم باشتمال ذلك العدم على نوع مصلحة، فيكون الداعي إلى شرع الحكم في الحقيقة هو المصلحة لا العدم، وحينئذ فيكون التعليل بالمصلحة أولى قال: وهذا المعنى, وإن كان يقتضي ترجيح الحكمة على الوصف الحقيقي، لكن عارضه كون الحقيقي أضبط؛ فلذلك قدم عليها، وقد علم من هذا رجحان التعليل بالحكمة على التعليل بالأوصاف الإضافية، والأوصاف التقديرية لكونها عدمية أيضا، وهذه النسخة مخالفة لأكثر النسخ التي اعتمد
стр. 439
عليها الشارحون، ومخالفة لما في المحصول، فإن المذكور فيه ما ذكرنا أولا. الثالث: يرجح التعليل بالعدم على التعليل بالحكم الشرعي، هكذا جزم به المصنف، وحكى في المحصول فيه احتمالين من غير ترجيح، فقال: يحتمل أن يقال: التعليل بالحكم الشرعي أولى؛ لأنه أشبه بالوجود، وأن يقال بالعكس؛ لأن العدم أشبه بالأمور الحقيقية أي: من حيث إن اتصاف الشيء به لا يحتاج إلى شرع، بخلاف الحكم الشرعي، وتبعه صاحب الحاصل على ذلك. نعم رجح صاحب التحصيل العدمي كما رجحه المصنف, ومقتضى إطلاق المصنف أن التعليل بالوصف التقديري أولى من الحكم الشرعي؛ لكون التقديري من العدميات أيضا, لكن المجزوم به في المحصول إنما هو العكس؛ لأن التعليل بالحكم الشرعي تعليل بأمر محقق فهو واقع على وفق الأصول. قوله: "والبسيط" يعني: أن التعليل بالوصف البسيط راجح على التعليل بالوصف المركب؛ لأن البسيط متفق عليه، ولأن الاجتهاد فيه أقل فيبعد عن الخطأ بخلاف المركب، وحكى القاضي عبد الوهاب في الملخص قولا أن العلة الكثيرة الأوصاف أولى. قال: وعندي أنهما سيان, كذا حكاه عند القرافي، وهذا الثالث هو مقتضى كلام إمام الحرمين في البرهان، وهذا القسم ليس بينه وبين ما قبله من الأقسام ترتيب لكونه نوعا آخر من التقسيم؛ فلذلك أتى المصنف فيه بالواو ومثله أيضا القسم الذي يليه. قوله: "والوجودي ... إلخ" اعلم أن الوصف والحكم قد يكونان وجوديين وقد يكونان عدميين، وقد يكون الحكم وجوديا والوصف عدميا، وقد يكون بالعكس، فتعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي أرجح من تعليل الحكم الوجودي بالعلة العدمية ومن العكس للمشابهة. هذا حاصل كلام المصنف وبه صرح في المحصول حكما وتعليلا، فقوله: والوجودي للوجودي أي: يرجح الوصف الوجودي لتعليل الحكم الوجودي على الأقسام الثلاثة. وقوله: ثم العدمي للعدمي أي: يرجح على القسمين الباقيين، وتوقف الإمام في الترجيح بين تعليل الحكم العدمي بالوجودية وعكسه، وتابعه عليه صاحب التحصيل؛ فلذلك سكت المصنف، لكن جزم صاحب الحاصل بأن تعليل العدمي بالوجودي أولى من عكسه، وقد وقع في بعض نسخ الكتاب هنا تغيير من النسخ. واعلم أن قول الإمام: إن العلية والمعلولية يترتبان ممنوع، فإنهما عدميات كما صرح هو به في غير موضع؛ لكونهما من النسب والإضافات. قال: "الثاني: بحسب دليل العلية فيرجح الثابت بالنص القاطع، ثم الظاهر للام، ثم إن والباء، ثم بالمناسبة الضرورية الدينية، ثم الدنيوية, ثم التي في حيز الحاجة الأقرب اعتبارا، فالأقرب, ثم الدوران في محل، ثم في محلين، ثم السبر، ثم الشبه, ثم الإيماء، ثم الطرد". أقول: الوجه الثاني: الترجيح بحسب الدليل الذي يدل على علية الوصف لحكم الأصل، كالنص، والمناسبة, والدوران، والسير, والشبه, والإيماء, والطرد, وغيرها، وهو على أقسام الأول: يرجح القياس الذي يثبت عليه
стр. 440
وصفه بالنص القاطع على الذي يثبت عليته بالنص الظاهر؛ لأن القاطع لا يحتمل غير العلية بخلاف الظاهر كما تقدم بسطه في أوائل القياس، والإجماع في ذلك ملحق بالنص القاطع, وقد أهمله المصنف لكن هل يقدم على الإجماع أم لا؟ فيه كلام يأتي في الترجيح بدليل الحكم. الثاني: يرجح القياس الذي يثبت عليه وصفه بألفاظ ظاهرة على ما ثبت بغيره كالمناسبة ونحوها؛ لكونه منصوصا عليه من الشارع، وأما الباقية فثابتة بالاجتهاد، ثم إن الألفاظ الظاهرة هي اللام وإن والباء، فأقواها اللام لأنها أظهر. قال الإمام: وأما الباء، وإن ففي المقدم منهما احتمال، وكلام المصنف يقتضي أنهما متساويان وقد تقدم إيضاح ذلك كله أيضا في أوائل القياس. الثالث: يرجح القياس الذي يثبت عليه وصفه بالمناسبة على الدوران وغيره مما بقي؛ لأن المناسبة لا تنفك على العلية، وأما الدوران فقد لا يدل عليها كالمتضايفين ونحوه مما تقدم ذكره، ثم إن المناسبة قد تكون من الضروريات الخمس المتقدم ذكرها في القياس, وقد تكون من الحاجيات، ويعبر عنه بالمصلحيات، وقد تكون من التحسينيات، يعبر عنه بالتتمات كما تقدم إيضاحه. فترجح الضروريات ثم الحاجيات ثم التتمات والمكمل لكل قسم ملحق به كما قاله ابن الحاجب، فالمكمل للضروري مقدم على الحاجي, والمكمل للحاجي مقدم على التحسيني؛ ولهذا وجب في قليل الخمر ما وجب في الكثير المسكر، وترجح الضرورة الدينية على الضرورة الدنيوية؛ لأن ثمرة الدين هي السعادة الأبدية التي لا يعادلها شيء، ولم يتعرض الإمام وصاحب التحصيل إلى المرجح من أقسام الضروريات, وقد تعرض له الآمدي وابن الحاجب وغيرهما فقالوا: ترجح مصلحة الدين، ثم النفس, ثم النسب، ثم العقل, ثم المال وتعرض صاحب الحاصل إلى القسم الأول فقط وهو ترجيح الدين على غيره؛ فلذلك ذكره المصنف دون ما عداه، وحكى ابن الحاجب مذهبا: أن مصلحة الدين مؤخرة على الكل؛ لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة، ولم يذكر ذلك الآمدي قولا بل ذكره سؤالا. واعلم أن الوصف المناسب قد يناسب نوعه نوع الحكم، وقد يناسب نوعه جنس الحكم، وقد يكون بالعكس، وقد يناسب جنس جنسه الحكم. قال الإمام: فالأول مقدم على الأقسام الباقية، والثاني والثالث كالمتعارضين وهما مقدمان على الرابع. قال: وترجيح المناسبة الجلية على الخفية، وما ثبت اعتبار جنسه القريب على ما ثبت اعتبار جنسه البعيد، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: الأقرب اعتبارا فالأقرب. الرابع: يرجح القياس الذي ثبتت علية وصفه بالدوران، على الذي ثبتت عليته بالسبر أو غيره من الطرق الباقية؛ لأن العلية المستفادة من الدوران مطردة منعكسة بخلاف غيره من الطرق، ومنهم من قدمه على المناسبة كما قال الإمام لهذا المعنى أيضا، ثم إن الدوران قد يكون في محل واحد وهو أن يحدث حكم في محل الحدوث صفة فيه وينعدم ذلك الحكم عن ذلك المحل بزوال ذلك الوصف عنه،
стр. 441
كدوران الحرمة مع الإسكار في ماء العنب وجودا وعدما، وقد يكون في محلين كاستدلال الحنفي على وجوب الزكاة في الحلي بدوران وجوب الزكاة مع الذهب وجودا في المضروب وعدما في النبات، فالدوران في محل أرجح في العلية من الدوران في محلين؛ لأن احتمال الخطأ فيه أقل، ألا ترى أنا نقطع في مثالنا بأن ما عدا السكر من الصفات ليس بعلة إلا لزم تخلف المعلول عن علته، بخلاف ما ثبت في محلين؛ فإنه لا يفيد القطع بأن غير الذهب ليس علة للوجوب، لاحتمال أن تكون العلة فيه هو المجموع المركب من كونه ذهبا وكونه غير معدّ للاستعمال. الخامس: يرجح القياس الذي ثبتت علية وصفه بالسبر، على الذي ثبتت عليته بالشبه وغيره مما بقي كالإيماء والطرد؛ لأن منه ما هو علة اتفاقا في العقليات والشرعيات، وهو السبر الحاصل بخلاف البواقي, فإن فيها خلافا مشهورا، ومنهم من رجحه على المناسبة أيضا، واختاره الآمدي وابن الحاجب لأنه يفيد ظن علية الوصف، ونفي المعارض له بخلاف المناسبة، فإنه دلالة لها على نفي المعارض. قال في المحصول: وهذا إذا كان السبر مظنونا، فإن كان مقطوعا به فإن العمل به متعين, وليس هو من قبيل الترجيح. السادس: يرجح القياس الذي ثبتت علية وصفه بالشبه على الذي ثبتت عليته بالإيماء؛ لأن الشبه يقتضي وصفا مناسبا، والإيماء ليس كذلك؛ لأن ترتيب الحكم يشعر بالعلية سواء كان مناسبا أم لا، وبالضرورة أن الوصف المناسب أولى من غيره، وهذا الذي جزم به المصنف من كون الإيماء مؤخرا عما قبله، وذكره الإمام بحثا بعد أن نقل أن الجمهور اتفقوا على تقديم الإيماء على جميع الطرق العقلية حتى المناسب. السابع: يرجح القياس الذي ثبتت علية وصفه بالإيماء على الذي ثبتت عليته بالطرد؛ لأن الطرد غير مناسب أصلا كما عرف في موضعه، وأما الإيماء فقد يكون مناسبا، وما كان مناسبا في بعض الأحوال راجح على ما يكون كذلك. الثامن: يرجح القياس الذي ثبتت علية وصفه بالطرد على ما بقي من الطرق الدالة على العلية، ولم يبين المصنف ذلك، والذي بقي هو تنقيح المناط، وفي تأخره عن الطرد نظر، ولم يصرح الإمام وابن الحاجب وغيرهما بالترجيح بين الدوران والسبر والشبه، وإنما ذكره صاحب الحاصل على الوجه الذي ذكره المصنف, فتابعه عليه لكونه قد يؤخذ بعضها من تعليل الإمام. قال: "الثالث: بحسب دليل الحكم, فيرجع النص ثم الإجماع؛ لأنه فرعه. الرابع: بحسب كيفية الحكم وقد سبق. الخامس: موافقة الأصول في العلة والحكم والاطراد في الفروع". أقول: الوجه الثالث: الترجيح بحسب دليل حكم الأصل، فيرجح من القياسين المتعارضين ما ترجح دليل حكم أصله على دليل حكم الأصل الآخر بأحد المرجحات المذكورة في الباب قبله، أو بغيره من المرجحات ككونه مجمعا عليه، أو خاصا، أو غير ذلك، وهذا إنما يمكن في الدلالة الظنية لما علمت أنه لا ترجيح بين القطعيات ولا بين القطعي والظني، ثم إن كانت تلك الأدلة الظنية من باب الآحاد
стр. 442
أمكن ترجيح بعضها على بعض بالمتن والسند، وإن كانت متواترة لم يكن الترجيح إلا بالمتن خاصة، كما قاله في المحصول١ وهو ظاهر. ثم ذكر المصنف أن يرجح القياس الذي ثبت حكم أصله بالنص كتابا كان أو سنة, على القياس الذي ثبت حكم أصله بالإجماع، ويرجح الإجماع على غيره كالقياس إن جوزنا حكم الأصل به، وتوجيه الثاني ظاهر؛ ولذلك سكت عنه المصنف. وأما الأول فتوجيهه أن الإجماع فرع عن النص؛ لأن حجيته بالأدلة اللفظية، ولا شك أن الأصل مقدم على الفرع وهذا الذي جزم به أبداه الإمام احتمالا فقط، فإنه نقل عن الأصوليين تقديم الإجماع على النص، محتجين بأن الأدلة اللفظية قابلة للتخصيص والتأويلات بخلاف الإجماع، ثم قال: وهذا مشكل وعلله لما قلناه من كونه فرعا له يعم، وصرح صاحب الحاصل باختياره فتبعه عليه المصنف. الوجه الرابع: الترجيح بحسب كيفية الحكم, وقد سبق بيانه في ترجيح الأخبار في الوجه السادس منه، وحينئذ فيرجح القياس المحرم على القياس المبيح، والمثبت للطلاق والعتاق على النافي لهما، والمبقى بحكم الأصل على الناقل، وهذا الأخير قد عكسه المحصول سهوا منه، فإنه أحال على ما تقدم، والذي تقدم هو العكس ويستوي القياس الموجب والمحرم، كما تقدم أيضا. الوجه الخامس: الترجيح بأمور أخرى وهي ثلاثة أولها وثالثها من قسم العلة، وثانيها من قسم الحكم فكان ينبغي ذكر كل واحد منها في موضعه الأول: موافقة الأصول في العلة، وهو أن يشهد لعلة أحد القياسين أصول كثيرة، كما قاله الإمام؛ لأن شهادة كل واحد من تلك الأصول دليل على اعتبار تلك العلة، ولا شك في الترجيح بكثرة الأدلة. الثاني: موافقة الأصول في الحكم لما تقدم في العلة كما قال الإمام, وشهادة الأصول بذلك قد يراد بها أن يكون جنس ذلك الحكم ثابتا في الأصول، وقد يراد بها دلالة الأدلة على ذلك الحكم. الثالث: الاطراد في كل الفرع فيرجح القياس الذي تكون العلة فيه مطردة أي: مثبتة للحكم في كل الفرع على القياس الذي لا تكون المنقوصة, وعلله الإمام بأن الدال على الحكم في كل الفرع يجري مجرى الأدلة الكثيرة؛ لأن العلة تدل على كل واحد منها، ويوجد في هذا الدليل ترجيح العلة التي فروعها أكثر من العلة الأخرى، وهو الذي جزم به الآمدي وابن الحاجب وصححه صاحب الحاصل, وحكى الإمام قولين من غير ترجيح، وعلل مقابلة بأنه لو كان أعم العلتين أولى من أخصهما لكان العمل بأعم الخطابين أولى من أخصهما، وأجاب الإمام بجواب فيه نظر، ومن تراجيح العلة ما قاله في المحصول, وهو أن يرد بها الفرع إلى ما هو جنسه، فإنها أولى مما يرد بها الفرع إلى خلاف جنسه كقياس الحنفية الحلي على التبر, فإنه أولى من قياسه على سائر الأمور. قال: كذلك العلة المتعدية فإنها راجحة على القاصرة،
стр. 443
عند الأكثرين، وقال في البرهان: فيه مذاهب، المشهور ترجيح المتعدية، وعكسه الأستاذ أبو إسحاق، وسوى بينهما القاضي. واعلم أن ذكرهم لهذه المسألة ترجيح الأقيسة إنما وقع استطرادا, فإن القاصرة لا قياس فيها. فصل في مرجحات نص عليها الآمدي وابن الحاجب، فيرجح أحد القياسين بقيام دليل خاص على تعليل حكمه، وجواز القياس عليه لحصول إلا من معه من احتمال التعبد، والقصور على الأصل، وبوقوع الاتفاق على كونه معللا، وترجيح العلة المطردة فقط على المنعكسة فقط؛ لاشتراط الاطراد في العلل دون الانعكاس في العلة التي ليس لها مزاحم، أو كان رجحانها على مزاحمتها أكثر من الأخرى, والعلة المقتضية للنفي على العلة المقتضية للإثبات؛ لأن مقتضاها يتم على تقدير رجحانها، وعلى تقدير مساواتها مقتضى المثبتة لا يتم على تقدير رجحانها، وما يتم على تقديرين أكثر وجودا مما يتم على تقدير واحد.
стр. 444
الكتاب السابع: في الاجتهاد والإفتاء
الباب الأول: في الاجتهاد
مدخل
...
الكتاب السابع: في الاجتهاد والإفتاء
الفصل الأول: في الاجتهاد
قال: "الكتاب السابع: في الاجتهاد والإفتاء وفيه بابان، الأول: في الاجتهاد، وهو استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية، وفيه فصلان". أقول: الاجتهاد في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في تحصيل الشيء، ولا يستعمل إلا فيما فيه كلفة ومشقة, تقول: اجتهد في حمل الصخرة ولا تقول: اجتهدت في حمل النواة، وهو مأخوذ من الجهد -بفتح الجيم وضمها- وهو الطاقة، وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف وسبقه إليه صاحب الحاصل. فقوله: استفراغ الجهد جنس, وقوله: في درك الأحكام به استفراغ في فعل من الأفعال، ودركها أعم من أن يكون على سبيل القطع أو الظن, وقوله: الشرعية خرج به اللغوية، والعقلية، والحسية، ودخل فيه الأصولية والفروعية، إلا أن يكون المراد بالأحكام الشرعية ما تقدم في أول الكتاب، وهو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير، فإنه لا يدخل فيه الاجتهاد في المسائل الأصولية، وقال بعضهم: الاجتهاد -اصطلاحا- هو استفراغ الجهد في طلب شيء من الأحكام على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه. وهذا أعم من تعريف المصنف؛ لأنه يدخل فيه الاجتهاد في العلوم اللغوية وغيرها، لكن فيه تكرار، فإن استفراغ الجهد مغنٍ عن ذكر العجز عن الزيادة. وقال ابن الحاجب: هو استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي وفيه نظر؛ لما سيأتي من عدم اشتراط الفقه للمجتهد، وقال في المحصول: الاجتهاد في عرف الفقهاء هو استفراغ الوسع في النظر فيما لا يلحقه فيه لوم مع استفراغ الوسع فيه، وهذا الحد فاسد لاشتماله على التكرار، ولأنه يدخل فيه ما ليس باجتهاد في عرف الفقهاء كالاجتهاد في العلوم اللغوية والعقلية والحسية، وفي الأمور العرفية, وفي الاجتهاد في قيم المتلفات وأروش الجنايات، وجهة القبلة، وطهارة الأواني والثياب. واعلم أن تعريف الاجتهاد يعرف منه تعريف المجتهد، والمجتهد فيه، فالمجتهد هو المستفرغ وسعه في درك الأحكام الشرعية، والمجتهد فيه كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي، كذا قاله
الآمدي هنا, والإمام بعد الكلام على شروط الاجتهاد.
стр. 445
الفصل الأول: في الاجتهاد
...
الفصل الأول: في المجتهدين
"الفصل الأول: في المجتهدين, وفيه مسائل الأول: يجوز ﵊ أن يجتهد لعموم ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ وجوب العمل بالراجح، ولأنه أشق وأدل على الفطانة، فلا يتركه. ومنعه أبو علي وابنه، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] قلنا: مأمور به فليس بهوى؛ ولأنه ينتظر الوحي، قلنا: ليحصل الناس على النص، أو لأنه لم يجد أصلا يقيس عليه. فرع: لا يخطئ اجتهاده وإلا وجب اتباعه". أقول: اختلفوا في جواز الاجتهاد للنبي ﷺ فذهب الجمهور إلى جوازه ونقله الإمام عن الشافعي، واختاره المصنف وهو مقتضى اختيار الإمام أيضا؛ لأنه استدل له، وأجاب عن مقابله، وذهب أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم إلى المنع، وحكى في المحصول قولا ثالثا: أنه يجوز فيما يتعلق بالحروب دون غيرها، ورابعا نقله عن أكثر المحققين وهو التوقف في هذه الثلاثة وإذا قلنا بالجواز، فقال الغزالي: قيل: وقع وقيل: لا، وقيل بالوقوف، والأول هو الوقوع واختاره الآمدي وابن الحاجب، وهو مقتضى اختيار الإمام وأتباعه، فإن الأدلة التي ذكروها تدل عليه ومحل الخلاف على ما قاله القرافي في شرح المحصول في الفتاوى. أما الأقضية فيجوز الاجتهاد فيها بالإجماع، قال الغزالي: وإذا اجتهد النبي ﷺ فقاس فرعا على أصل فيجوز القياس على هذا الفرع؛ لأنه صار أصلا بالنص. قال: وكذلك لو أجمعت الأمة عليه، ثم استدل المصنف على الجواز بأربعة أوجه, الأول: أن الله تعالى أمر أولي الأبصار به، وكان ﷺ أعظم الناس بصيرة وأكثرهم خبرة بشرائط القياس، وذلك يقتضي اندراجه في عموم الآية، فيكون مأمورا بالقياس، وحينئذ فيكون فاعلا له صيانة لعصمته عن ترك المأمور به. الثاني: إذا غلب على ظنه ﷺ أن الحكم في صورة معلل بوصف، ثم علم أو ظن حصول ذلك الوصف في صورة أخرى، فإنه يلزم أن يحصل له الظن بأن حكم الله تعالى في تلك الصورة كحكمه في الصورة الأولى، وحينئذ فيجب عليه أن يعمل بمقتضاه؛ لأن الأصل وهو المقرر في بداية العقول وجوب العمل بالراجح. الثالث: أن العمل بالاجتهاد أشق من العمل بالنص؛ لأنه يحتاج إلى إتعاب النفس في بذل الوسع فيكون أكثر ثوابا، لقوله ﷺ لعائشة: "أجرك على قدر نَصَبِكِ" ١ فلو لم يعمل النبي ﷺ به مع أن بعض أمته قد عمل به، لكان يلزم اختصاص بعض أمته بفضيلة لم توجد فيه وهو ممتنع. الرابع وهو قريب مما قبله أو هو معه دليل واحد: أن العمل بالاجتهاد أدل على الفطانة وجودة القريحة من العمل بالنص قطعا، فيكون العمل به نوعا من الفضل, فلا يجوز خلو الرسول ﵊ منه لكونه جامعا لأنواع الفضائل. ثم ذكر المصنف للمانعين دليلين أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
стр. 446
[النجم: ٣، ٤] فإنه يدل على أن الأحكام الصادرة عنه ﵊ كانت بالوحي، والجواب أنه لما أمر بالاجتهاد وتبليغ مقتضاه لم يكن ذلك نطقا بغير الوحي، وأجاب صاحب الحاصل بأن الاجتهاد إذا كان مأمورا به لم يكن النطق به هوى، واقتصر عليه، وتبعه المصنف على ذلك، وهو يشعر بأن الخصم قد استدل بصدر الآية وهو باطل؛ فإنه لا يقول بأن القول بالاجتهاد قول بالهوى، فإن الهوى هو القول لمحض غرض النفس، بل الذي يناسب التمسك به إنما هو قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ على ما قررناه، ثم لو سلمنا أن الاجتهاد قول بالهوى على تقدير تفسير الهوى المذكور في الآية بما تميل إليه النفس وتسكن له، فلا يستقيم أن يجاب عنه بأنه ليس بهوى، بل الجواب المطابق أن يقول: هذا الهوى مأمور به. الدليل الثاني: لو جاز له ﷺ أن يجتهد في الأحكام الشرعية لكان يمتنع عليه تأخير فصل الخصومات والمحاكمات إلى نزول الوحي؛ لأن القضاء على الفور، وقد تمكن منه بالاجتهاد, لكنه أخر في الظهار واللعان وأجاب المصنف بأن العمل بالقياس مشروط بفقدان النص, ولوجود أصل يقاس عليه، وحينئذ فنقول: ربما كان انتظاره الوحي لكي يحصل له اليأس عن النص، وذلك بأن يصير مقدار يعرف به أن الله تعالى لا ينزل فيه وحيا, أو انتظارا لأنه لم يجد أصلا يقيس عليه وهذا اليأس أخذه المصنف من الحاصل ولم يذكره الإمام ولا الآمدي. قوله: "فرع ... إلخ" هذا البحث مبني على جواز الاجتهاد للرسول ﵊ فلذلك عبر عنه بالفرع، والذي جزم به المصنف من كونه لا يخطئ اجتهاده قال الإمام: إنه الحق واختاره الآمدي وابن الحاجب أنه يجوز عليه الخطأ بشرط أن لا يقر عليه، ونقله الآمدي عن أكثر أصحابنا والحنابلة، وأصحاب الحديث، واحتج المانعون بأنا مأمورون باتباعه ﷺ فلو جاز عليه الخطأ لوجب علينا اتباعه فيه، وهذا ضعيف؛ لأن الخصم يمنع أن يقر على الخطأ حتى يمضي زمان يمكن اتباعه فيه، ويوجب التنبيه عليه قبل ذلك فلا يتصور وجوب اتباعه فيه، سلمنا لكنه منقوض بوجوب اتباع العامي للمفتي، واحتج الآمدي بأشياء منها قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وقوله تعالى في حق أسارى بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] فإن عمر كان قد أشار بقتلهم فلم يقتلهم النبي ﷺ ، وبقوله ﵊: "إنما أحكم بالظاهر". قال: "الثانية: يجوز للغائبين عن الرسول وفاقا، وللحاضرين أيضا إذ لا يمتنع أمرهم به، قيل: عرضة للخطأ، قلنا: لا نسلم بعد الإذن، ولم يثبت وقوعه". أقول: اختلفوا في جواز الاجتهاد لأمة النبي ﷺ في زمنه على مذاهب حكاها الآمدي، وأحدها: يجوز مطلقا, والثاني: يمتنع مطلقا, والثالث: يجوز للغائبين من القضاة والولاة دون الحاضرين, والرابع: إن ورد فيه إذن خاص جاز وإلا فلا، والخامس: أنه لا يشترط الإذن بل يكفي السكوت مع العلم بوقوعه. قال: واختلف القائلون بالجواز في وقوع التعبد به، فمنهم من
стр. 447
قال: وقع التعبد به، ومنهم من توقف فيه مطلقا، ومنهم من توقف في الحاضر دون الغائب. قال: والمختار جوازه مطلقا، وأن ذلك مما وقع حضوره وغيبته ظنا لا قطعا، وذكر الغزالي وابن الحاجب نحوه أيضا، واختار الإمام جوازه مطلقا، وأما الوقوع فنقل عن الأكثرين أنهم قالوا به في حق الغائب لقضية معاذ، وأنهم توقفوا فيه في حق الحاضر, ومال إلى اختياره، وكلام المصنف أيضا مطابق له كما ستعرفه. إذا علمت ما قلناه علمت أن ما نقله المصنف من الاتفاق على جوازه للغائب ممنوع، وعبارة الإمام أنه جائز بلا شك، ثم استدل المصنف على جوازه في حق الحاضرين بأنه لا يمتنع أمرهم به أي: لا يمتنع عقلا ولا شرعا، أن يقول الرسول للحاضرين عنده: قد أوحي إليّ أنكم مأمورون بالاجتهاد والعمل به، فإن ذلك لا يلزم منه محال لا لذاته وهو ظاهر، ولا لغيره إذ الأصل عدمه، فمن يدعيه فعليه البيان. قوله: "قيل: عرضة ... إلخ" أي: استدل المانعون بأن الاجتهاد عرضة للخطأ بلا شك، والنص آمن من سلوك السبيل المخوف مع القدرة على سلوك الآمن قبيح عقلا، والجواب لا نسلم أن الاجتهاد تعرض للخطأ بعد إذن الشارع فيه، فإنه لما قال للمكلف: أنت مأمور بالاجتهاد وبالعمل به، صار آمنا من الخطأ؛ لأنه حينئذ يكون آتيا بما أمر به، هكذا أجاب به الإمام وأتباعه فتبعهم المصنف وهو ضعيف؛ لأن الإذن في الاجتهاد لا يمنع من وقوع الخطأ فيه كما ستعرفه, بل إنما يمنع من التأثيم، والأولى الجواب أن يقال: لا نسلم أنه قادر على تحصيل النص، فإنه قد يسأل عن الواقعة فلا يرد فيها شيء، بل يؤمر فيها بالاجتهاد، سلمناه، لكن لا نسلم أن ترك العمل بمقتضى الاحتياط قبيح، سلمنا لكنه فرع عن قاعدتي التحسين والتقبيح العقليين. قوله: "ولم يثبت وقوعه" هو عائد إلى المسألة التي قبله وهو اجتهاد الحاضر، ولا ينبغي إعادته إلى الغائب أيضا، فإنه مع كونه مخالفا الظاهر فإنه مخالف لرأي الأكثرين، والذي مال إليه الإمام كما تقدم إيضاحه. إذا علمت هذا فنقول: أما الوقوع للغائب فدليله قصة معاذ لما بعثه إلى اليمن، وأما التوقف في حق الحاضر فيظهر بذكر أدلة الفريقين، وذكر جوابها كما فعله الإمام فلنذكر ما ذكره، فنقول: احتج المانعون بوجهين، أحدهما: أن الصحابة لو اجتهدوا في عصره ﵊ لنقل، وجوابه أن عدم النقل قد يكون لقلته، ثم إنه معارض بقصة سعد وغيره كما سيأتي. الثاني: أنهم كانوا يرفعون الحوادث إليه، ولو كانوا مأمورين بالاجتهاد لم يرفعوها له، وجوابه أن الرفع قد يكون لسهولة النص, أو لأنه لم يظهر لهم في الاجتهاد شيء، واحتج القائلون بالوقوع بأمرين، أحدهما: تحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة, وعمرو بن العاص وعقبة بن عامر ليحكما بين رجلين، وجوابه أن ذلك من أخبار الآحاد فلا يجوز التمسك به إلا في مسألة عملية، وهذه المسألة لا تعلق لها بالعمل. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٩] وجوابه: أن ذلك كان في الحروب ومصالح الدنيا, لا في أحكام الشرع. قال:
стр. 448
"الثالثة: لا بد له أن يعرف من الكتاب, والسنة, وما يتعلق بالأحكام, والإجماع, وشرائط القياس، وكيفية النظر, وعلم العربية, والناسخ والمنسوخ، وحال الرواة, ولا حاجة إلى الكلام والفقه؛ لأنه نتيجته". أقول: شرط الاجتهاد كون المكلف متمكنا من استنباط الأحكام الشرعية، ولا يحصل هذا التمكن إلا بمعرفة أمور أحدها: كتاب الله تعالى، ولا يشترط معرفة جميعه كما جزم به الإمام وغيره، بل يشترط أن يعرف منه ما يتعلق بالأحكام وهو خمسمائة آية كما قاله الإمام. قال: ولا يشترط حفظه عن ظهر قلب, بل يكفي أن يكون عارفا بمواقعه، حتى يرجع إليه في وقت الحاجة، والاقتصار على بعض القرآن مشكل؛ لأن تمييز آيات الأحكام من غيرها متوقف على معرفة الجميع بالضرورة، وتقليد الغير في ذلك ممتنع؛ لأن المجتهدين متفاوتون في استنباط الأحكام من الآيات. لا جرم أن القيرواني في المستوعب نقل عن الشافعي أنه يشترط حفظ جميع القرآن وهو مخالف لكلام الإمام من وجهين. الثاني: سنة رسول الله ﷺ ولا يشترط أيضا فيها الحفظ ولا معرفة الجميع كما تقدم. الثالث: الإجماع، فينبغي أن يعرف المسائل المجمع عليها حتى لا يفتي بخلاف الإجماع, وليس المراد حفظ تلك المسائل كما نبه عليه الغزالي، بل طريقه كما قاله الإمام أن لا يفتي إلا بشيء يوافق بعض المجتهد، أو يغلب على ظنه أنها واقعة متولدة في هذا العصر، لم يكن لأهل الإجماع فيها خوض. الرابع: القياس فلا بد أن يعرفه ويعرف شرائطه المعتبرة وقاعدة الاجتهاد والموصل إلى تفاصيل الأحكام التي لا حصر لها. الخامس: كيفية النظر, فيشترط أن يعرف شرائط الحدود والبراهين، وكيفية تركيب مقدماتها، واستنتاج المطلوب منها ليأمن من الخطأ في نظره. السادس: علم العربية من اللغة والنحو والتصريف؛ لأن الأدلة من الكتاب والسنة عربية الدلالة، فلا يمكن استنباط الأحكام منها إلا بفهم كلام العرب إفرادا وتركيبا, ومن هذه الجهة يعرف العموم والخصوص، والحقيقة والمجاز, والإطلاق والتقييد، وغيره مما سبق, ولقائل أن يقول: هذا الشرط يستغنى عنه باشتراطه معرفة الكتاب والسنة، فإن معرفتهما مستلزمة لمعرفة العربية بالضرورة. السابع: معرفة الناسخ والمنسوخ لئلا يحكم بالمنسوخ المتروك. الثامن: حال الرواة فلا بد من معرفة حالهم في القوة والضعف، ومعرفة طرق الجرح والتعديل؛ لأن الأدلة لا اطلاع لنا عليها إلا بالنقل, فلا بد من معرفة النقلة وأحوالهم، ليعرف المنقول الصحيح من الفاسد. قال الإمام: والبحث عن أحوال الرواة في زماننا مع طول المدة وكثرة الوسائط كالمتعذر, فالأولى الاكتفاء بتعديل الأئمة كالبخاري ونحوه، قال: فظهر بما ذكرناه أن أهم العلوم للمجتهد علم أصول الفقه. قوله: "ولا حاجة" أي: لا يحتاج المجتهد "إلى علم الكلام" لإمكان استفادة الأحكام الشرعية من دلائلها لمن جزم بأحقية الإسلام على سبيل التقليد، ولا إلى التفاريع الفقهية أي: مما ولده المجتهدون بعد اتصافهم بالاجتهاد، كما قاله الإمام لأنه نتيجة الاجتهاد, فلا يكون شرطا وإلا لزم توقف الأصل على الفرع وهو دور، وشرط الإمام أن يكون عارفا بالدليل العقلي كالاستصحاب، وعارفا بأننا مكلفون به، وأهمله المصنف. قال في المحصول: والحق أن صفة الاجتهاد قد تحصل في فن دون فن، بل في مسألة دون مسألة، خلافا لبعضهم.
стр. 449
الفصل الثاني: في حكم الاجتهاد
قال: "الفصل الثاني: في حكم الاجتهاد, واختُلف في تصويب المجتهدين، بناء على الخلاف في أن لكل صورة حكما معينا, وعليه دليل قطعي أو ظني، والمختار ما صح عن الشافعي ﵁ أن في الحادثة حكما معينا عليه أمارة، ومن وجدها أصاب، ومن فقدها أخطأ ولم يأثم؛ لأن الاجتهاد مسبوق بالدلالة لأنه طلبها، والدلالة متأخرة عن الحكم فلو تحقق الاجتهادان لاجتمع النقيضان، ولأنه قال ﵊: "من أصاب فله أجران, ومن أخطأ فله أجر" ١ قيل: لو تعين الحكم فالمخالف له لم يحكم بما أنزل الله ففسق ويكفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ﴾ [المائدة: ٤٤] قلنا: لما أمر بالحكم بما ظنه وإن أخطأ حكم بما أنزل الله, قيل: لو لم يصوب الجمع لما جاز نصب المخالف، وقد نصب أبو بكر زيدا ﵄ لم يجز تولية المبطل والمخطئ ليس بمبطل". أقول: المعروف أنه ليس كل مجتهد في العقليات مصيبا، بل الحق فيها واحد, فمن أصابه أصاب، ومن فقده أخطأ وأثم، وقال العبري والجاحظ: مجتهد فيها مصيب أي: لا إثم عليه، وهما محجوجان بالإجماع كما نقله الآمدي، وأما المجتهدون في المسائل الفقهية وهو الذي تكلم فيه المصنف فهو المصيب منهم واحد، أو الكل مصيبون. وفيه خلاف مبني كما ذكره المصنف وغيره على أن كل صورة هل لها حكم معين أم لا؟ وفيه أقوال كثيرة ذكرها الإمام، واقتصر المصنف على بعضها، فلنذكر ما ذكره منها, أعني الإمام فنقول: اختلف العلماء في الواقعة التي لا نص فيها على قولين, أحدهما: أنه ليس لله تعالى فيها قبل الاجتهاد حكم معين، بل حكم الله تعالى فيها تابع لظن المجتهدين وهؤلاء هم القائلون بأن كل مجتهد مصيب، وهم الأشعري والقاضي وجمهور المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة، واختلف هؤلاء فقال بعضهم: لا بد أن يوجد في الواقعة ما لو حكم الله فيها بحكم لم يحكم إلا به، وهذا هو القول بالأشبه، وقال بعضهم: لا يشترط ذلك, والقول الثاني: أن له تعالى في كل واقعة حكما معينا, وعلى هذا فثلاثة أقوال أحدها وهو قول طائفة من الفقهاء والمتكلمين: حصل الحكم من غير دلالة أو أمارة، بل هو كدفين يعثر عليه الطالب اتفاقا، فمن وجده فله أجران ومن أخطأه فله أجر. والقول الثاني: عليه أمارة أي: دليل ظني، والقائلون به اختلفوا فقال بعضهم: لم يكلف المجتهد بإصابته لخفائه وغموضه؛ فلذلك كان المخطئ فيه معذورا مأجورا، وهو قول كافة الفقهاء، وينسب إلى الشافعي وأبي حنيفة، وقال بعضهم: إنه
стр. 450
مأمور بطلبه أولا, فإن أخطأ وغلب على ظنه شيء آخر تغير التكليف وصار مأمورا بالعمل بمقتضى ظنه. والقول الثالث: أن عليه دليلا قطعيا، والقائلون به اتفقوا على أن المجتهد مأمور بطلبه لكن اختلفوا, فقال الجمهور: إن المخطئ فيه لا يأثم ولا ينقض قضاؤه، وقال بشر المريسي بالتأثيم، والأصم بالنقض، والذي نذهب إليه أن لله تعالى في كل واقعة حكما معينا عليه دليل ظني, وأن المخطئ فيه معذور، وأن القاضي لا ينقض قضاؤه، هذا حاصل كلام الإمام وقد تابعه المصنف على اختياره، وزاد عليه فادعى أنه الذي صح عن الشافعي علمنا بهذا أنه أراد القول الأول المفرع على القول الثاني الذي هو مفرع على الثاني من القولين الأولين, لكنه أهمل منه كون المخطئ فيه مأجورا, وأن المجتهد لم يضف بإصابته، وإنما عبر عن هذا القول بأنه الذي صح عن الشافعي؛ لأن له قولا آخر أن كل مجتهد مصيب، وحكاه ابن الحاجب وغيره، فقال: ونقل عن الأئمة الأربعة للتخطئة والتصويب, واعلم أن كلام الأشعري المتقدم لا يستقيم مع ما ذهب إليه من كون الأحكام قديمة. قوله: "لأن الاجتهاد" أي: الدليل على أن المصيب واحد, دليلان: عقلي ثم نقلي، الأول: أن الاجتهاد مسبوق بالدلالة؛ لأن الاجتهاد هو طلب دلالة الدليل على الحكم وطلب الدلالة متأخر عن الدلالة؛ لأن طلب الوقوف على الشيء يستدعي تقدم ذلك الشيء في الوجود، فثبت أن الاجتهاد مسبوق بالدلالة، والدلالة متأخرة عن الحكم لأنها نسبة بين الدليل والمدلول الذي هو الحكم، والنسبة بين الأمرين متأخرة عنهما، وإذا ثبت أن الدلالة متأخرة عن الحكم لزم أن يكون الاجتهاد متأخرا عن الحكم بمرتبتين؛ لأنه متأخر عن الدلالة المتأخرة عن الحكم, وحينئذ فلو تحقق الاجتهادان، أي: كان مدلول كل واحد منهما حقا صوابا لاجتمع النقيضان؛ لاستلزامه حكمين متناقضين في نفس الأمر بالنسبة إلى مسألة واحدة. الثاني: قوله ﵊: "من اجتهد فأصاب فله أجران, ومن أخطأ فله أجر" دل الحديث على أن المجتهد قد يخطئ وقد يصيب وهو المدعى وفي الدليل نظر, أما الأصول فلم نسلم أن طلب الشيء يتوقف على ثبوته في الخارج بل على تصوره، ألا ترى أن المتيمم إذا طلب الماء في برية فإنه ليس متحققا لوجوده بل مقصوده، إنما هو التحصيل على تقدير الوجود، سلمنا لكن لا نسلم أن النسبة تتوقف على المنتسبين كما تقدم غير مرة، فإن تقدم البارئ تعالى على العالم نسبة بينه وبين العالم، مع أن هذه النسبة ليست متوقفة على العالم، سلمنا لكنه لا يثبت به المدعى بتمامه, فإنه لا يدل على سقوط الإثم عن المخطئ وحصول الأجر له، وأيضا فدعواه أن الاجتهاد هو طلب الدلالة ممنوعة بل هو طلب الحكم نفسه لكن بوساطة الدلالة، فكان ينبغي له الاقتصار في الدليل عليه؛ لأن مقصوده يحصل به، ولا يتكلف ارتكاب أمر ممنوع ومستغنى عنه، وأما الحديث فلا دلالة فيه أيضا؛ لأن القضية الشرطية لا تدل على وقوع شرطها بل ولا على جواز وقوعه، فإن
стр. 451
قيل: لا دلالة فيه أيضا؛ لأن الخطأ متصور عند القائلين بأن كل مجتهد مصيب, وذلك عند عدم استفراغ الوسع، فإنه إن كان ذلك مع العلم بالتقصير فهو مخطئ آثم، وإن كان بدون العلم به فهو مخطئ غير آثم. فلعل هذه الصورة هي المراد من الحديث, أو لعل المراد منه ما إذا كان في المسألة نص أو إجماع أو قياس جلي، ولكن طلبه المجتهد واستفرغ فيه وسعه فلم يجده، فإن الخطأ في هذه الصورة متصور أيضا عندهم. قلنا: إن وقع الاجتهاد المعتبر فيما ذكرتموه فقد ثبت المدعي وهو خطأ بعض المجتهدين في الجملة, وإن لم يقع فلا يجوز حمل الحديث عليه لما تقرر من وجوب حمل اللفظ على الشرعي، ثم العرفي, ثم اللغوي. فإن قيل: الدليل على أنه ليس كل مجتهد مصيبا قولهم: ليس كل مجتهد مصيبا؛ لأن اجتهاده في هذه المسألة إذا كان صوابا فقد حصل المدعى، وإن كان خطأ فقد وقع الخطأ لهذا المجتهد، وحينئذ فلا يكون كل مجتهد مصيبا. قلنا: هذه المسألة أصولية وكلامنا في المجتهدين في الفروع. قوله: "قيل: لو تعين" أي: احتج من قال بأنه ليس لله في الواقعة حكم معين بل حكمها تابع لظن المجتهدين بأمرين, وأحدهما: أنه لو تعين الحكم لكان المخالف له حاكما بغير ما أنزل الله، وحينئذ فيفسق لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] أو يكفر لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] واللازم باطل اتفاقا فالملزوم مثله، والجواب أن المجتهد لما كان مأمورا بالحكم بما ظنه، وإن أخطأ فيه كان حاكما بما أنزل الله تعالى. الثاني: لو لم يكن كل مجتهد مصيبا لما جاز للمجتهد أن ينصب حاكما مخالفا له في الاجتهاد لكونه تمكينا من الحكم بغير الحق, لكن يجوز لأن أبا بكر ﵁ نصب زيد بن ثابت مع أنه كان مخالفة في الجد وغيره، وشاع ذلك بين الصحابة ولم ينكروه، والجواب أن الممتنع إنما هو تولية المبطل أي: من يحكم بالباطل والمخطئ في الاجتهاد ليس بمبطل؛ لأنه آتٍ بالمأمور به. قال: "فرعان: الأول: لو رأى الزوج لفظه كناية، ورأته الزوجة صريحا فله الطلب، ولها الامتناع فيراجعان غيرهما، الثاني: إذا تغير الاجتهاد كما لو ظن أن الخلع فسخ، ثم ظن أنه طلاق فلا ينقض الأول بعد اقتران الحكم، وينقض قبله". أقول: الفرع الأول: في طريق فصل الحادثة التي لا يمكن الصلح فيها, إذا نزلت بالمجتهدين المختلفين المقلدين لهما سواء، قلنا: المصيب واحد أم لا، كما إذا كان الزوجان مجتهدين، فقال لها: أنت بائن مثلا من غير نية للطلاق، ورأى الزوج أن اللفظ صادر منه كناية فيكون النكاح باقيا، ورأت المرأة أنه صريح فيكون الطلاق واقعا, فللزوج طلب الاستمتاع بها، ولها الامتناع منه، وطريق قطع المنازعة بينهما أن يرجعا إلى حاكم أو يحكما رجلا، وحينئذ فإذا كان حكم الحاكم أو المحكم بشيء وجب عليهما الانقياد إليه، فإن كانت الحادثة مما يجوز فيها الصلح كالحقوق المالية فيجوز فصلها به أيضا
стр. 452
وهو واضح. الفرع الثاني: في نقض الاجتهاد، فنقول: إذا أداه اجتهاده إلى أن الخلع فسخ فنكح امرأة كان قد خالعها ثلاثا ثم تغير اجتهاده إلى أن الخلع طلاق, نظر إلى تغير بعد قضاء القاضي بمقتضى الاجتهاد الأول, وهو صحة النكاح فلا يجوز نقضه بالاجتهاد الثاني، بل يستمر على نكاحه لتأكده بالحكم، وإن تغير حكم الحاكم بالصحة وجب عليه مفارقتها؛ لأنه يظن الآن أن اجتهاده خطأ والعمل بالظن واجب، وإليه أشار المصنف بقوله: وينقض قبله، وكأنه أراد بالنقض ترك العمل بالاجتهاد الأول، وإلا فالاتفاق على أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وهذا التفصيل بعينه يجري في زوجة المقلد لهذا المجتهد، وكلام المصنف يحتمل كلا من المسألتين، وحكى الإمام قولا: أنه لا يجب على المقلد المفارقة مطلقا.
стр. 453
الباب الثاني: في الإفتاء
قال: "الباب الثاني: في الإفتاء, وفيه مسائل، الأولى: يجوز الإفتاء للمجتهد ومقلد الحي، واختلف في تقليد الميت لأنه لا قول له؛ لانعقاد الإجماع على خلافه، والمختار جوازه للإجماع عليه في زماننا". أقول: مقصود هذا الباب منحصر في المفتي والمستفتي وما فيه الاستفتاء، فلذلك ذكر المصنف فيه ثلاث مسائل لهذه الأمور الثلاثة, المسألة الأولى: في المفتي, فيجوز للمجتهد أن يفتي إذا اتصف بالشروط المعتبرة في الراوي, وهل يجوز للمقلد أن يفتي بما صح عنده من مذهب إمامه، سواء كان سماعا منه أو رواية عنه أو مسطورا في كتاب معتمد عليه، ينظر فيه. فإن كان إمامه حيا ففيه أربعة مذاهب حكاها ابن الحاجب، يجوز مطلقا وهو مقتضى اختيار الإمام والمصنف لأنه ناقل فجاز كنقل الأحاديث. والثاني: يمتنع مطلقا؛ لأنه إنما يسأل عما عنده لا عما عند مقلده، وأما القياس على نقل الأحاديث فممنوع، قال ابن الحاجب: لأن الخلاف ليس في مجرد النقل, أي: إنما الخلاف في أن غير المجتهد هل له الجزم بالحكم؟ وذكره لغيره ليعلم بمقتضاه. والثالث: لا يجوز عند وجود المجتهد، ويجوز عند عدمه للضرورة. ورابعها: أنه إن كان مطلعا على المآخذ أهلا للنظر جاز لوقوع ذلك على ممر الأعصار من غير إنكار. وإن لم يكن كذلك فلا يجوز لأنه يفتي بغير علم، وهذا هو المختار عند الآمدي وابن الحاجب وغيرهما, وإن كان إمامه ميتا ففي الإفتاء بقوله خلاف ينبني على جواز تقليده؛ فلذلك عدل المصنف عما ساق الكلام له وهو الإفتاء بقوله: إلى حكاية الخلاف في تقليده وهو حسن, لكن حكايته الخلاف في هذا دون مقلد الحي يوهم الاتفاق على الجواز فيه, وليس كذلك لما عرفت. قوله: "لأنه" أي: الدليل على أنه لا يجوز إفتاء المقلد للميت، أن الميت لا قول له بدليل انعقاد الإجماع على خلافه، ولو كان له قول لم ينعقد على خلاف قول الحي، وإذا لم يكن له قول لم يجز تقليده ولا الإفتاء بما كان ينسب إليه. قالوا: وإنما صنفت كتب الفقه لاستفادة طريق الاجتهاد من تصرفهم في الحوادث وكيفية بناء بعضها على بعض، ومعرفة المتفق عليه من المختلف فيه. هذا ما نقله الإمام في تقليد الميت حكما وتعليلا ثم
стр. 454
مال إلى الجواز فقال: ولقائل أن يقول: قد انعقد الإجماع في زماننا على جواز العمل بهذا النوع من الفتوى؛ لأنه ليس في هذا الزمان مجتهد، والإجماع حجة، وهذا الذي مال إليه قد صرح المصنف باختياره واستدل له مما ذكرناه، وهو دليل ضعيف فإن الإجماع إنما يعتبر من المجتهدين, فإذا لم يوجد مجتهد في هذا الزمان لم يعتبر إجماع أهله، والأولى في الاستدلال أن يقال: لو لم يجز ذلك لأدى إلى فساد أحوال الناس وتضررهم، ولو بطل قول القائل بموته لم يعتبر شيء من أقواله لروايته وشهادته ووصاياه, وما استدل به الخصم من انعقاد الإجماع على خلافه فممنوع، لما سبق فيه من الخلاف, وإن سلم فهو معارض بحجية الإجماع بعد موت المجمعين. قال: "الثانية: يجوز الاستفتاء العامي لعدم تكليفهم في شيء من الأعصار بالاجتهاد وتفويت معاشهم واستضرارهم بالاشتغال بأسبابه دون المجتهد لأنه مأمور بالاعتبار. قيل: معارض بعموم: ﴿فَاسْأَلُوا﴾ [الأنبياء: ٧] ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وقول عبد الرحمن لعثمان: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسيرة الشيخين، قلنا: الأول مخصوص وإلا لوجب بعد الاجتهاد، والثاني: في الأقضية، والمراد من السيرة لزوم العدل". أقول: المسألة الثانية: في المستفتي، أي: فيمن يجوز له الاستفتاء ومن لا يجوز, فنقول: اختلفوا في أن من لم يبلغ رتبة الاجتهاد هل يجوز له الاستفتاء في الفروع؟ فيه ثلاثة مذاهب حكاها الإمام أصحها عنده وعند الإمام وأتباعهما يجوز مطلقا، بل يجوز. والثاني: لا، بل يجب عليه أن يقف على الحكم بطريقة, وإليه ذهب المعتزلة البغدادية. وثالثها: قال به الجبائي: يجوز ذلك في المسائل الاجتهادية كإزالة النجاسة بالخل ونحوه، دون المسائل المنصوصة كتحريم الربا في الأشياء الستة مثلا، والخلاف كما قال ابن الحاجب جارٍ في غير المجتهد، سواء كان عاميا محضا "عاما" ثم استدل المصنف على الجواز بأمرين أحدهما: إجماع السلف عليه؛ لأن العوام لم يكلفوا في شيء من الأعصار باجتهاد, فلو كانوا مأمورين بذلك لكلفوهم به، وأنكروا عليهم العمل بفتاويهم، مع أنه لم يقع شيء من ذلك. الثاني: أن تكليفهم بالاجتهاد يؤدي إلى تفويت معايشهم واستضرارهم بالاشتغال لتحصيل أسبابه، وذلك سبب لفساد الأحوال فيكون القول باطلا. قوله: "دون المجتهد" أي: فإنه لا يجوز له الاستفتاء، أي: لا بعد الاجتهاد اتفاقا كما قاله الآمدي وابن الحاجب، ولا قبله على المختار عندهما وعند الإمام وأتباعه؛ لأنه مأمور بالاعتبار أي: الاجتهاد لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ فإنه عام شامل للعامي وللمجتهد، وترك العمل به بالنسبة إلى العامي تعجزه عن الاجتهاد, فيبقى معمولا به في حق المجتهد، وحينئذ فلو جاز له الاستفتاء لكان تاركا الاعتبار المأمور به، وتركه لا يجوز، وقد حكى الآمدي وابن الحاجب في المسألة سبعة مذاهب تعرض الإمام لأكثرها، وأصحها ما قاله المصنف, والثاني: يجوز مطلقا وهو مذهب أحمد،
стр. 455
والثالث, قاله بعض أهل العراق: يجوز فيما يخصه دون ما يفتي به, والرابع: يجوز فيما يفوت وقته أي: مما يخصه أيضا كما نبه عليه الآمدي، ولا يجوز فيما لا يفوت وقته، والخامس وهو مذهب محمد بن الحسن: يجوز تقليد الأعلم لا تقليد المساوي والأدون، والسادس: يجوز تقليد الصحابي بشرط أن يكون أرجح في نظره من غيره وما عداه لا يجوز, وقد تقدم نقله عن الشافعي، والسابع: يجوز تقليد الصحابي والتابعي دون غيرهما، وحكى الآمدي ثامنا عن ابن سريج لم يذكره ابن الحاجب: أنه يجوز تقليد الأعلم بشرط تعذر الاجتهاد، وهذا الخلاف إنما هو في الجواز لا في الوجوب، كما نبه عليه الإمام في أثناء هذه المسألة. قوله: "قيل: معارض" يعني: أن الاستدلال على المنع بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] معارض بثلاثة أدلة، أحدها: قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] فإنه يدل على جواز السؤال لمن لا يعلم كان مجتهدا أو غير مجتهد، والمجتهد قبل اجتهاده غير عالم، فوجب أن يجوز له ذلك. الثاني: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فإنه يدل على قبول قول أولي الأمر على كل أحد مجتهدا كان أو غيره، والعلماء من أولي الأمر لأن أمرهم ينفذ على الأمراء والولاة، فيكون قولهم معمولا به في حق المجتهد والمقلد. الثالث: الإجماع, فإن عبد الرحمن بن عوف قال لعثمان ﵄ حين عزم على مبايعته: أبايعك على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وسيره الشيخين, فالتزمه عثمان, وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليهما أحد، فكان ذلك إجماعا على جواز أخذ المجتهد بقول المجتهد الميت. وإذا جاز ذلك جاز الأخذ بقول الحي بطريقة الأولى، وأجاب المصنف عن الأول وهو قوله: ﴿فَاسْأَلُوا﴾ بأنه مخصوص بالعوام، ولو كان شاملا للمجتهدين غير العاملين لكان يجوز للمجتهد ذلك بعد الاجتهاد أيضا؛ لكونه ظانا بالحكم لا عالما به, لكنه لا يجوز اتفاقا كما تقدم. قال الإمام: ومقتضاه وجوب السؤال وهو غير واجب بالإجماع، ولأنه أمر بالسؤال من غير تعيين المسئول عنه، وهو مطلق يصدق بصورة، وقد قلنا بهذا السؤال عند الأدلة عن الثاني، وهو قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ الآية بأن ذلك إنما ورد في الأقضية دون المسائل الاجتهادية، أو نقول: إنه مطلق ولا عموم فيه فيكفي حمله على الأقضية, وعن الثالث وهو الإجماع أن المراد بالسيرة إنما هو لزوم العدل والإنصاف بين الناس، والبعد عن حب الدنيا لا الأخذ بالاجتهاد. قال: "الثالثة: إنما يجوز في الفروع، وقد اختلف في الأصول. ولنا فيه نظر، وليكن هذا آخر كلامنا, والله الموفق والهادي للرشاد". أقول: المسألة الثالثة: فيما يجوز فيه الاستفتاء وما لا يجوز، فنقول: يجوز للعامي الاستفتاء في الفروع على ما فيه من الخلاف المذكور في المسألة السابقة, واختلفوا في الأصول كوجود الصانع ووحدته، وإثبات الصفات ودلائل النبوة، فالأكثرون على ما نقله الآمدي واختاره هو والإمام
стр. 456
وابن الحاجب أنه لا يجوز لا للمجتهد ولا للعامي؛ لأن تحصيل العلم في الأصول واجب على الرسول لقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] , وإذا وجب عليه وجب علينا لقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] .
واعترض عليه بأن الدليل خاص بالتوحيد، والدعوى عامة فلا يفيد المطلوب، واستدل المجوز بالقياس على جواز التقليد في المسائل الفروعية، وأجاب الأولون بأن المسائل الفروعية غير متناهية، فيعسر على العامي الوقوف عليها بخلاف المسائل الأصولية فإنه لا عسر فيها لقلتها. وتوقف المصنف في هذه المسألة لتعارض الأدلة من الجانبين عنده من غير ترجيح؛ فلهذا قال: ولنا فيه نظر، ونقل الآمدي وابن الحاجب عن بعضهم أن النظر فيه حرام وهو ظاهر كلام الشافعي، وهذه المسألة محلها علم الكلام؛ فلذلك اختصر فيه المصنف. "فرعان" حكاهما الإمام, الأول: إذا وقعت للمجتهد حادثة فاجتهد فيها وأفتى ثم وقعت له ثانيا, فإن كان ذاكرا لما مضى من طريق الاجتهاد فهو مجتهد، ويجوز له الإفتاء به، وإن نسيه لزمه استئناف الاجتهاد، وحينئذ فإذا تغير اجتهاده لزمه العمل بالثاني، والأحسن تعريف المستفتي بالتغير لئلا يعمل به, قال: ولقائل أن يقول: لما كان الغالب على ظنه أن الطريق الذي تمسك به أولا كان طريقا قويا، لزم بالضرورة أن يحصل له الظن بأن تلك الفتوى حق، وحينئذ فيجوز له الفتوى به؛ لأن العمل بالظني واجب، وقد صحح ابن الحاجب أن تجديد الاجتهاد لا يجب، ولم يفصل بين الذاكر وغيره، مع أن الآمدي حكى فيه أقوالا ثلاثة, وصحح التفصيل. "الثاني": اتفقوا على أن العامي لا يجوز له أن يستفتي إلا من غلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد والورع، وذلك بأن يراه منتصبا للفتوى بمشهد الخلق، ويرى إجماع المسلمين على سؤاله, فإن سأل جماعة فاختلفت فتاويهم, فقال قوم: يجب عليه الاجتهاد في أورعهم وأعلمهم، وقال آخرون: لا يجب ذلك, ثم إذا اجتهد فإن ترجح أحدهما مطلقا في ظنه تعين العمل بقوله, وإن ترجح أحدهما في الدين واستويا في العلم وجب القول بأخذ الأدين، وإن ترجح في العلم واستويا في الدين فمنهم من خيره، ومنهم من أوجب الأخذ بقول الأعلم وهو الأقرب، وإن ترجح أحدهما في الدين وترجح الآخر في العلم فقيل بقول الأدين، والأقرب الأخذ بقول الأعلم، وإن استويا مطلقا فقد يقال: لا يجوز وقوعه, كما قد قيل في استواء الأمارتين، وقد يقال بجوازه وحينئذ فإذا وقع ذلك يخير، ورجح ابن الحاجب جواز تقليد المفضول مع وجود الفاضل، وحكى خلافا في استفتاء المفضول سبقه إليه الغزالي ثم الآمدي، وهو وارد على الإمام في دعواه الاتفاق على المنع كما تقدم. "فرعان" حكاهما ابن الحاجب، أحدهما: يجوز خلو الزمان عن المجتهد خلافا للحنابة، لنا قوله ﵊: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه, ولكن يقبض
стр. 457
العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الله رؤساء جهالا, فسئلوا فأفتوا بغير علم, فضلوا وأضلوا" ١ "الثاني": إذا قلد مجتهدا في مسألة فليس له تقليد غيره فيها اتفاقا، ويجوز ذلك في حكم آخر على المختار, فلو التزم مذهبا معينا كالطائفة الشافعية والحنفية، ففي الرجوع إلى غيره من المذاهب ثلاثة أقوال، ثالثها: يجوز الرجوع فيما لم يعمل به ولا يجوز في غيره. "فائدتان" إحداهما: ذكر القرافي في شرح المحصول أن تقليد مذهب الغير حيث جوزناه فشرطه أن لا يكون موقعا في أمر يجتمع على إبطاله الإمام الذي كان على مذهبه، والإمام الذي انتقل إليه. فمن قلد مالكا مثلا في عدم النقض باللمس الخالي عن الشهوة فصلى, فلا بد أن يدلك بدنه ويمسح جميع رأسه، وإلا فتكون صلاته باطلة عند الإمامين. "الفائدة الثانية": تقليد الصحابة ﵃ ينبني على جواز الانتقال في المذاهب، كما حكي عن ابن برهان في الأوساط؛ لأن مذاهبهم غير مدونة ولا مضبوطة حتى يمكن المقلد الاقتداء بها فيؤديه ذلك إلى الانتقال، وقال إمام الحرمين في البرهان: أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا بمذهب أعيان الصحابة ﵃ بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ونظروا وبوّبوا الأبواب، وذكروا أوضاع المسائل لأنهم أوضحوا طرق النظر وهذبوا المسائل وبينوها وجمعوها، وذكر ابن الصلاح أيضا ما حاصله: أنه يتعين تقليد الأئمة الأربعة دون غيرهم؛ لأن مذاهب الأربعة قد انتشرت وعلم تقييد مطلقها وتخصيص عامها، ونشرت فروعها بخلاف مذهب غيرهم، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وحشرنا في زمرتهم، والله رحيم ودود.
تم الكتاب والله الموفق إلى الصواب، وإليه المرجع والمآب، وله الحمد ظاهرا وباطنا، وهو حسبنا ونعم الوكيل. قال مؤلفه العبد الفقير إلى عفو الله وغفرانه، عبد الرحيم بن الحسن القرشي الإسنوي الشافعي, عامله الله بلطفه: فرغت من هذا الكتاب المبارك عند فراغ السنة المباركة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، أحسن الله تعالى خاتمتها وعقباها بمنه وكرمه، وابتدأت فيه في شهر صفر سنة أربعين وسبعمائة، وكان تأليفه في المدرسة المباركة الشريفة، رحم الله واقفها, من القاهرة المعزية حماها الله وسائر بلاد الإسلام، اللهم فكما أرشدت إلى ابتدائه، وأعنت على انتهائه، فاجعله خالصا لوجهك، موجبا للفوز لديك، وأنفع به مؤلفه، وكاتبه، والناظر فيه، وجميع المسلمين، وصلواته وسلامه على سيدنا محمد, وآله أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 458
فهرس المحتويات
٣ترجمة البيضاوي
٤ ترجمة الإسنوي
٥ خطبة الكتاب
٧ أصول الفقه معرفة دلائل الفقه
١٥ دليله المتفق عليه بين الأئمة الكتابة والسنة إلخ
١٦الباب الأول في الحكم وفيه فصول الأول في تعريفه لحكم خطاب الله إلخ.
الفصل الثاني في تقسيماته الأول: الخطاب إذا اقتضى الوجود إلخ
٢١ اقتضى الوجود إلخ.
٢١ رسم الواجب بأنه الذي يذم شرعا تاركه إلخ.
٢٤ الحرام ما يذم شرعا فاعله إلخ.
٢٥ التقسم الثاني: ما هي عنه شرعا فقبيح إلخ.
٢٧ الثالث: قبل الحكم إما سبب أو مسبب إلخ.
٢٩ الرابع: الصحة استتباع الغاية وإبازائها البطلان والفساد.
٢٩ والإجزاء هو الأداء الكافي لسقوط التعبد به إلخ.
٣١ الخامس: العبادة إن وقعت في قتها المعين ولم تسبق بأداء مختل فأداء إلخ.
٣٣ السادس: الحكم إن ثبت على خلاف الدليل لعذر فرخصه إلخ.
٣٥ الفصل الثالث: في أحكام الحكم الشرعي.
٤٠ تذنيب الحكم قد يتعلق على الترتيب فيحرم الجمع إلخ.
٤٧ تنبيه مقدمة الواجب إما أن يتوقف عليها وجوده شرعا إلخ.
٤٧ فروع الأول: لو اشتبهت المنكوحة بالأجنبية حرمتا إلخ.
٥٤ الباب الثاني فيما لابد للحكم منه وهو الحاكم والمحكوم عليه وبه وفيه ثلاثة فصول.
٥٤ الفصل الأول: في الحكم إلخ.
٥٥ فرعان على التنزل: الأول: شكر المنعم ليس بواجب عقلا إلخ.
٥٧الفرع الثاني: الأفعال الاخيتارية قبل اببعثة مباحة ... إلخ.
٦٢ الفصل الثاني في المحكوم عليه وفيه مسائل.
٦٢ الأولى: المعدوم يجوز الحكم عليه إلخ.
٦٥ الثانية: لا يجوز تكليف الغافل من أحال تكليف المحال إلخ.
٦٦ الثالثة: الإكراه الملجيء يمنع التكليف إلخ.
٦٧ الرابعة: التكليف يتوجه عند المباشرة إلخ.
٦٩ الفصل الثالث: في المحكوم به وفيه مسائل.
٦٩ الأولى: التكليف بالمحال به وفيه مسائل.
٧٢ الثانية: الكافر مكلف بالفروع خلافا للمعتزلة.
٧٥ الثالثة: امتثال أمر يوجب الإجزاء إلخ.
٧٧ الكتاب الأول: في التاب والاستدلال به يتوقف على معرفة اللغة إلخ.
٧٨الباب الأول: في اللغات وفيه فصول.
٨٤ الفصل الثاني في تقسيم الألفاظ إلخ.
٨٦ اللفظ إن دل جزؤه على جزء المعنى فمركب إلخ.
٨٩ فائدة الكلي على أقسام: طبيعي ومنطقي وعقلي إلخ.
٨٩ تقسيم آخر اللفظ والمعنى إما أن مفرد أو مركب إلخ.
٩٢تقسيم آخر مدلول اللفظ إما معنى أو لفظ مفرد أو مركب إلخ.
٩٤ الفصل الثالث: في الاشتقاق وهو رد اللفظ إلى آخر.
٩٧ أحكامه في مسائل الأولى: شرط المشتق صدق أصله آخر.
٩٨ الثانية: شرط كونه حقيقة دوام أصله إلخ.
١٠٢ الثالثة: اسم الفاعل لا يشتق لشيء والفعل قائم بغيره.
١٠٣ الفصل الرابع: في الترادف إلخ.
١٠٤ أحكامه في مسائل إلخ.
١٠٧ الفصل الخامس في الاشتراك وفيه مسائل.
١٠٧ الأولى: في إثباته إلخ.
١٠٩ الثانية أنه خلاف الأصل إلخ.
١١٠ الثالثة: مفهوما المشترك إما أن يتباينا إلخ.
١١١ وأبو علي إعمال المشترك إلخ.
١١٧ الخامسة المشترك أن تجرد عن القرينة فمجمل إلخ.
الفصل السادس: في الحقيقة اللغوية موجودة
стр. 459
١١٨ وكذا للعرفية إلخ.
١٢٠ الحقيقة اللغوية.
١٢٥ فروع الأول: النقل خلاف الأصل إلخ.
١٢٧ الثانية: المجاز إما في المفرد مثقل الأسد الشجاع.
١٢٨ الثالثة: شرط المجاز العلاقة المعتبر نوعها إلخ.
١٣٢ الرابعة: المجاز بالذات لا يكون في الحرف غلخ.
١٣٣ الخامسة: المجاز خلاف الأصل إلخ.
١٣٥ السادسة: يعدل إلى المجاز لثقل لفظ الحقيقة.
١٣٧ الفصل السابع: في تعارض ما يخل بالفهم.
١٤١ الفصل الثامن: في تفسير حروف يحتاج إليها وفيه مسائل.
١٤١ الأولى: الواو للجمع المطلق إلخ.
١٤٢ الثانية: الفاء للتعقيب إجماعا.
١٤٢ الثالثة: في الرظفية.
١٤٢ الرابعة: من لابتداء الغاية.
١٤٤ الخامسة: الباء تعدي اللازم وتجزئ المتعدي.
١٤٤ السادسة: إنما للحصر إلخ.
١٤٦ الفصل التاسع: في كفية الاستدلال بالألفاظ إلخ.
١٥٥ الباب الثاني في الأوامر والنواهي وفيه فصول
١٥٥ الفصل الأول: في لفظ الأمر.
١٦٠ الفصل الثاني: في صيغته.
١٧٧ الفصل الثالث: في النواهي.
١٨٠ الباب الثالث: في العموم والخصوص وفيه فصول.
١٨٠ الأول في العموم إلخ.
١٩١ الفصل الثاني في الخصوص.
٢٠٠ الفصل الثالث في المخصص وهو متصل ومنفصل وفيه مسائل.
٢٠١ الأولى شرطه الاتصال عادة.
٢٠٣ الثانية الاستثناء من الإثبات نفي وبالعكس إلخ.
٢٠٣ الثالثة المتعددة إن تعاطفت أو استغرق الأخير الأول إلخ.
٢٠٦ الرابعة قال الشافعي المعقب للجمل كقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابو﴾ يعود إليها إلخ.
٢٢٥ الباب الرابع في المجمل والمبين وفيه فصول
٢٢٥ الأول في المجمل وفيه مسائل.
٢٢٥ الأولى اللفظ إما أن يكون مجملا بين حقائقه إلخ.
٢٢٧ الثانية قالت الحنفية واسمحوا برؤسكم مجمل إلخ.
٢٢٧ الثالثة قيل آية السرقة مجملة إلخ.
٢٢٨ الفصل الثاني في المبين وهو الواضح بنفسه أو بغيره إلخ.
٢٣٦ الباب الخامس في الناسخ والمنسوخ وفيه فصلان.
الأول: في النسخ.
٢٤٣ الفصل الثاني في الناسخ والمنسوخ.
٢٤٨ خاتمة النسخ يعرف بالتاريخ إلخ.
٢٤٩ الكتاب الثاني في السنة وفيه بابان.
٢٤٩ الباب الأول في أفعاله صلى الله وعليه وسلم.
٢٥٦ الباب الثاني في الإخبار وفيه فصول.
٢٥٦ الأول فيما علم صدقه إلخ.
٢٦٢ الفصل الثاني فيما علم كذبه إلخ.
٢٦٣ الفصل الثالث فيما ظن صدقه وهو خبر العدل الواحد.
٢٧٨ فرعان: الأول المرسل يقبل إذا تأكد بقول الصحابي إلخ.
٢٧٨ الثاني أرسل ثم أسند قبلة إلخ.
٢٨١ الكتاب الثالث في الإجماع وفيه ثلاثة أبواب.
٢٨١ الأول في بيان كونه حجة.
٢٩١الباب الثاني في أنوع الإجماع وفيه مسائل.
٢٩٨ الباب الثالث: في شرائطه وفيه مسائل.
٣٠٤ الكتاب الرابع: في القياس.
٣٠٥ الباب الأول في بيانه أنه حجة.
٣١٩ الباب الثاني في أركانه.
٣١٩ الفصل الأول: في العلة إلخ.
٣٥٦ الفصل الثاني في الأصل والفرع.
٣٦٠ الكتاب الخامس في دلائل اختلف فيها.
٣٦٠ الباب الأول: في المقبولة.
٣٦٦ الباب الثاني في المردودة.
٣٧٠ مسألة منعت المعتزلة تفويض الحكم.
٣٧٢ الكتاب السادس في التعادل والتراجيح.
٣٧٢ الباب الأول: في تعادل الأمارتين في نفس الأمر.
٣٧٥ الباب الثاني في الأحكام الكلية للتراجيح إلخ.
٣٧٥ مسألة لا ترجيح في القطعيات.
٣٧٦ مسألة إذا تعارض نصان إلخ.
٣٧٩ مسألة قد يرجح بكثرة الأدلة.
٣٨٠ الباب الثالث في ترجيح الأخبار.
٣٨٩ فصل في أمور أخرى يحصل بها الترجيح.
٣٩٠ الباب الرابع في ترجيح الأقيسة.
٣٩٥ الكتاب السابع في الاجتهاد إلخ.
٣٩٥ الفصل الأول في المجتهدين.
٤٠٠ الفصل الثاني في حكم الاجتهاد إلخ.