تقتضي ولكنه لا يرد عليه, فإنه ذكر في أول التقسيم أن العبادة توصف بالأداء والقضاء والإعادة، ولم يخصها بالواجب، ثم قال: فالواجب إذا أدي في وقته سمي أداء إلى آخر ما قال, فسلمنا أن تذكر الواجب من باب التمثيل فقط, وقد وقعت أغلاط عدة لكثير من الشراح في هذه المسألة فاجتنبها واعتمد ما ذكرته. قوله: "وجب أداؤه ... إلخ" يعني أن القضاء على أقسام, تارة يكون أداؤه واجبا كالظهر المتروكة قصدا بلا عذر, وتارة لا يجب أداؤه ولكنه كان ممكنا كصوم المسافر والمريض, وتارة لا يجب لا يمكن أيضا, أما من وجهة العقل كصلاة النائم والمغمى عليه في رمضان من أول الوقت إلى آخره؛ لأن القصد إلى العبادة مستحيل عقلا مع الغفلة عنها لأنه جمع بين النقيضين، وأما من وجهة الشرع كصوم الحائض, فإن المانع من صحة صومها هو الشرع لا العقل. قوله: "ولو ظن المكلف ... إلخ" إذا ظن المكلف أنه لا يعيش إلى آخر الوقت الموسع تضيق عليه الوقت اتفاقا, وحرم عليه التأخير اعتبارا بظنه, وصورة ذلك أن يطالب أولياء الدم مثلا باستيفاء الدم من الجاني فيحضره الإمام أو نائبه، ويحضر الجلاد ويأمر بقتله، ومثله أيضا ما إذا اعتادت المرأة أن ترى الحيض بعد مضي أربع ركعات بشرائطها من وقت الظهر، فإن الوقت يتضيق عليها، نص عليه إمام الحرمين في النهاية في الكلام على مبادرة المستحاضة إذا تقرر ذلك, فإن عصى ولم يفعل فاتفق أن أولياء الدم عفوا عنه أو لم يأت الحيض ففعله في وقته الأصلي, لكن بعد الوقت المضيق بحسب ظنه فهو قضاء عند القاضي أبي بكر؛ لأنه أوقعه بعد الوقت المضيق عليه شرعا، وأداء عند حجة الإسلام الغزالي لأنه وقع في وقته المعين بحسب الشرع، وأما ظنه فقد تبين خطؤه فلا اعتبار به.
стр. 37
التقسيم السادس:
"السادس: الحكم إن ثبت على خلاف الدليل لعذر فرخصة, كحل الميتة للمضطر والقصر والفطر للمسافر واجبا ومندوبا ومباحا, وإلا فعزيمة" أقول: هذا تقسيم آخر للحكم باعتبار كونه على وفق الدليل أو خلافه، وحاصله: أن الحكم ينقسم إلى رخصة وعزيمة، فالرخصة في اللغة التيسير والتسهيل، قال الجوهري: الرخصة في الأمر خلاف التشديد فيه, ومن ذلك: رخص السعر إذا سهل وتيسر وهي بتسكين الخاء وحكي أيضا ضمها، وأما الرخصة بفتح الخاء، فهو الشخص الآخذ بها كما قاله الآمدي. وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف، وهو الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر، فالحكم جنس وقول الثابت إشارة إلى أن الترخص لا بد له من دليل، وإلا لزم ترك العمل بالدليل السالم عن المعارض, فنبه عليه بقوله الثابت؛ لأنه لو لم يكن لدليل لم يكن ثابتا بل الثابت غيره. قوله: "على خلاف الدليل" احترز به عما أباحه الله تعالى من الأكل والشرب وغيرهما، فلا يسمى رخصة لأنه لم يثبت على المنع منه دليل كما سيأتي في الأفعال الاختيارية، وأطلق المصنف الدليل ليشمل ما إذا كان الترخيص بجواز الفعل خلاف الدليل المقتضي للتحريم، كأكل الميتة، وما إذا كان بجواز الترك،
стр. 38
إما على خلاف الدليل المقتضي للوجوب، كجواز الفطر في السفر، وإما على خلاف الدليل المقتضي للندب كترك الجماعة بعذر المطر والمرض ونحوهما، فإنه رخصة بلا نزاع، وكالإيراد عند من يقول: إنه رخصة, وبهذا يعلم أن قول الآمدي وابن الحاجب: هو المشروع لعذر مع قيام المحرم, غير جامع وقوله: لعذر يعني المشقة والحاجة، واحترز به عن شيئين, أحدهما: الحكم الثابت بدليل راجح على دليل آخر معارض له، والثاني: التكاليف كلها, فإنها أحكام ثابتة على خلاف الدليل؛ لأن الأصل عدم التكاليف، والأصل من الأدلة الشرعية, وقد صرح القرافي بذلك أعني بكون التكاليف على خلاف الدليل وأطال الاستدلال عليه في شرحي المحصول والتنقيح، ولا ذكر لهذا القيد في المحصول أو المنتخب ولا في التحصيل والحاصل، فإن قيل: الثابت بالناسخ لأجل المشقة كعدم وجوب ثبات الواحد للعشرة في القتال, ونحوه ليس برخصة مع أن الحد منطبق عليه قلنا: لا نسلم, فإن تسمية المنسوخ دليلا إنما هو على سبيل المجاز. قوله: "كحل الميتة في المضطر ... إلخ" يعني: أن الرخصة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: واجبة ومندوبة ومباحة، فالواجبة أكل الميتة للمضطر على الصحيح المشهور في مذهبنا، وأما المندوبة فالقصر للمسافر بشرط المعروف وهو بلوغه ثلاثة أيام فصاعدا، وأما المباح فمثل له المصنف بالفطر للمسافر فقوله: واجبا ومندوبا ومباحا من باب اللف والنشر، فالأول للأول والثاني للثاني والثالث للثالث، وهكذا ذكره ابن الحاجب أيضا وتمثيل المباح بالفطر لا يستقيم؛ لأنه إذا تضرر بالصوم فالفطر أفضل وإن لم يتضرر فالصوم أفضل، فليست للصوم حالة يستوي فيها الفطر وعدمه وذلك هو حقيقة المباح, فإن قيل: مراده المباح في تفسير الأقدمين، وهو جواز الفعل الشامل للواجب والمندوب والمكروه والمباح المصطلح عليه, ومن ذلك قوله ﷺ : "أبغض المباح إلى الله الطلاق" ١ قلنا: لو أراد ذلك لما جعله قسيما للواجب والمندوب وعطفه عليهما, فغفله ذلك دليل على إرادة لمستوى الطرفين، وقد يقال: مراده بالمباح ما ليس فعله راجحا وهو غير الواجب والمندوب, ولكنه أيضا خلافا للمصطلح والصواب تمثيله بالسلم والعرايا والإجارة وشبه ذلك من العقود، فإنها رخصة بلا نزاع؛ لأن السلم والإجارة عقدان على معدوم مجهول والعرايا بيع الرطب بالتمر، فجوزت للحاجة إليها، وقد ثبت التصريح بذلك في الحديث الصحيح فقال: "وأرخص من العرايا" ٢ مع كونها رخصة فهي مباحة لا طلب في فعلها ولا في تركها، فيصدق عليها الحد، فيقال: حكم ثابت على خلاف الدليل لعذر، ولا يصح تمثيل المباح بمسح الخف؛ لأن غسل الرجل أفضل منه كما جزم به المتقدمون من أصحابنا والمتأخرون منهم
стр. 39
ابن الرفعة في الكفاية، والنووي في شرح المهذب، ولا نعلم فيه خلافا. قوله: "وإلا فعزيمة" أي: وإن ثبت الحكم, لكن لا على خلاف الدليل لعذر فهو العزيمة, فيعلم بذلك أن العزيمة في الاصطلاح هو الحكم الثابت، لا على خلاف الدليل كإباحة الأكل والشرب، أو على خلاف الدليل لكن لا لعذر كالتكاليف، وأما في اللغة فهو القصد المؤكد، ومنه: عزمت على فعل الشيء، قال الجوهري: عزمت على كذا عَزما وعُزما -بالضم- وعزيمة وعزيما, إذا أردت فعله وقطعت عليه, قال الله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] جزمًا, وههنا بحثان, أحدهما: أن المصنف قد تبع صاحب الحاصل في جعل الرخصة والعزيمة قسمين للحكم، وذكر القرافي في كتبه أيضا مثله، وجعلهما غير هؤلاء من أقسام الفعل منهم الآمدي وابن الحاجب، وأما الإمام فقال في المحصول: الذي يجوز للمكلف الإتيان به، إما يكون عزيمة أو رخصة, هذا لفظه بحروفه، وذكر في المنتخب أيضا مثله فإنه قسم المباح إلى الرخصة والعزيمة, وأراد بالمباح تفسير الأقدمين، وهو ما يجوز فعله واجبا كان أو غيره, وكلام التحصيل أيضا قريب منه، ونقل القرافي عن المحصول أنه فسر الرخصة بجواز الإقدام على الفعل مع قيام المانع والعزيمة بجواز الإقدام مع عدم المانع, وهذا غلط على المحصول، فإنه إنما فسره بالفعل. البحث الثاني: أن حد العزيمة في كلام المصنف يدخل فيه الأحكام الخمسة، والإمام فخر الدين في المحصول وغيره جعلها تطلق على الجميع ما عدا المحرم, فإنه جعل موردا لتقسيم الفعل الجائز كما تقدم والقرافي خصها بالواجب والمندوب لا غير, فقال في حدها: طلب الفعل الذي لم يشتهر فيه مانع شرعي, قال: ولا يمكن أن يكون المباح من العزائم, فإن العزم هو الطلب المؤكد فيه، ومنهم من خصها بالواجب فقط وبه جزم الغزالي في المستصفى والآمدي في الأحكام ومنتهى السول وابن الحاجب في المختصر الكبير, ولم يصرح بشيء في المختصر الصغير فقالوا: العزيمة ما لزم العباد بإيجاب الله تعالى وكأنهم احترزوا بإيجاب الله تعالى عن النذر, ولم يذكر ابن الحاجب هذا القيد.
стр. 40
الفصل الثالث: في أحكام الحكم الشرعي
المسألة الأولى
...
الفصل الثالث:
قال: "الفصل الثالث: في أحكامه وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
الوجوب قد يتعلق بمعين وقد يتعلق بمبهم من أمور معينة, كخصال الكفارة ونصب أحد المستعدين للإمامة، وقالت المعتزلة: الكل واجب على أنه لا يجوز الإخلال بالجميع، ولا يجب الإتيان به فلا خلاف في المعنى، وقيل: الواجب معين عند الله تعالى دون الناس، ورد بأن التعيين يحيل ترك ذلك الواحد والتخيير يجوزه, وثبت اتفاقا في الكفارة فانتفى الأول، قيل: يحتمل أن المكلف يختار المعين أو يعين ما يختاره أو يسقط بفعل غيره، وأجيب عن الأول بأنه يوجب تفاوت المكلفين فيه، وهو خلاف النص والإجماع, وعن الثاني بأن الوجوب قبل اختياره, وعن الثالث بأن الآتي بأيها آتٍ بالواجب إجماعا" أقول: عقد المصنف هذا الفصل لأحكام الحكم الشرعي, وجعله مشتملا على سبع مسائل، والإمام فخر الدين ذكر ذلك
стр. 41
في الأوامر والنواهي وجعل الأربع الأخيرة من هذه المسائل السبع في الأحكام، كما ذكره المصنف، وأما الثلاث الأولى فجعلها في أقسامه لا في أحكامه، فقال: النظر الأول في الوجوب، والبحث إما في أقسامه أو أحكامه، أما أقسامه فاعلم أنه بحسب المأمور به ينقسم إلى معين ومخير، وبحسب وقته إلى مضيق وموسع, وبحسب المأمور إلى واجب على التعيين وواجب على الكفاية هذا كلامه, وذكر مثله صاحب الحاصل وصاحب التحصيل، والمصنف جعل الكل في أحكام الحكم، وليس بجيد ثم إنه أطلق الحكم، وإنما هي أقسام للوجوب خاصة, المسألة الأولى في انقسام المأمور به إلى معين ومخير، اعلم أن الوجوب قد يتعلق بشيء معين كالصلاة والحج وغير ذلك, ويسمى واجبا معينا، وقد يتعلق بواحد منهم من أمور معينة أي: بأحدها ويسمى واجبا ويسمى واجبا مخيرا، ثم هذا على قسمين فقسم يجوز الجمع بين تلك الأمور وتكون أيضا أفرادها محصورة كخصال الكفارة، فإن الوجوب تعلق بواحد من الإطعام والكسوة والعتق ومع ذلك يجوز إخراج الجميع، وقسم لا يجوز الجمع ولا تكون أفراده محصورة كما إذا مات الإمام الأعظم ووجدنا جماعة قد استعدوا للإمامة أي: اجتمعت فيهم الشرائط فإنه يجب على الناس أن ينصبوا منهم واحدا، ولا يجوز نصب زيادة عليه وذكر المصنف هذين المثالين لأجل هذا المعنى, ولا يتصور التكليف بواحد منهم من أمور مبهمة؛ لأنه تكليف بما لا يعلمه الشخص، وكون الواجب واحدا منها من أمور، أي: أحدها لا يعنيه نقله في المحصول المنتخب عن الفقهاء فقط, ولا ينقل عن الأصوليين تصريحا بموافقتهم ولا مخالفتهم، بل ظاهر كلامه المخالفة لأنه أبطل ما استدلوا به، وكذلك فعل صاحب الحاصل والتحصيل، نعم نقله الآمدي عن الفقهاء والأشاعرة وارتضاه واختاره أيضا ابن الحاجب، ولك أن تقول أحد الأشياء قدر مشترك بين الخصال كلها لصدقه على كل واحد منها, وحينئذ فلا تعدد فيه، وإنما التعدد في محاله فإن المتواطئ موضوع لمعنى واحد صادق على أفراد كالإنسان, وليس موضوعا لمعان متعددة وإذا كان إحدى الخصال هو متعلق الوجوب كما تقدم استحال فيه التخيير، وإنما التخيير في الخصوصيات وهي خصوص الإطعام مثلا أو الكسوة أو الإعتاق فالذي هو متعلق الوجوب لا تخيير فيه, والذي هو متعلق التخيير لا وجوب فيه, وهذا نافع في كثير من المباحث الآتية فافهمه.
"واعلم" أن المصنف حكى في هذه المسألة ثلاثة مذاهب: أحدها ما تقدم, والثاني ما نقله عن المعتزلة أن الأمر بالأشياء على التخيير يقتضي وجوب الكل على التخيير, قالوا: والمراد من قولنا: إن الكل واجب على التخيير, هو أنه لا يجوز للمكلف ترك جميع الأفراد ولا يلزم الجمع بينهما, وهذا بعينه هو قول الفقهاء ولا خلاف في المعنى, وحينئذ فلا حاجة إلى دليل عليهم، فإن قيل: بل الخلاف في المعنى وهو الثواب على الجميع والعقاب عليه قلنا: لا, فإن الآمدي نقل عنهم في الأحكام أنه لا
стр. 42
ثواب ولا عقاب إلا على البعض. "واعلم" أن وصف الكل بالوجوب يلزمنا أيضا القول به؛ لأن كل حكم ثبت للأعم ثبت للأخص بالضرورة؛ لاشتماله عليه وقد تقدم أن الوجوب ثابت لمسمى إحدى الخصال, فيكون لكل واحد منها لاشتماله عليه، نعم يصدق على كل واحد أنه ليس بواجب باعتبار خصوصه، والمذهب الثالث أن الواجب معين عند الله تعالى غير معين عندنا، وهذا القول يسمى قول التراجم؛ لأن الأشاعرة يروونه عن المعتزلة والمعتزلة يروونه عن الأشاعرة كما قال في المحصول, ولما لم يعرف قائله عبر المصنف عنه بقوله, وقيل: هذا المذهب باطل؛ لأن التكليف بمعين عند الله تعالى غير معين للعبد، ولا طريق له إلى معرفته بعينه من التكليف بالمحال، وأبطله المصنف بأن مقتضى التعيين أنه لا يجوز العدول عن ذلك الواحد المعين، ومقتضى التخيير جواز العدول عنه إلى غيره، والجمع بينهما متناقض فإذا ثبت أحدهما بطل الآخر والتخيير ثابت بالاتفاق منا ومنكم, فيبطل الأول الذي هو التعيين. قوله: "قيل: يحتمل ... إلخ" أي: اعتراض الخصم على الرد المذكور من ثلاثة أوجه, أحدها: أنا لا نسلم أن مقتضى التخيير تجويز ترك ذلك الواحد المعين لجواز أن الله تعالى يفهم كل مكلف عند التخيير إلى اختيار ما عينه له. الثاني: أنه يحتمل أن الله تعالى يعين ما يختاره الموجوب، الثالث: أنا لا نسلم أيضا أن التعيين يحيل ترك ذلك الواحد المعين, فإن الواجب المعين قد يسقط بفعل غيره كما سقطت الجلسة الفاصلة بين السجدتين بجلسة الاستراحة, وغسل الرجل بمسح الخف، والشاة الواجبة قي خمس من الإبل بإخراج البعير وشبه ذلك، وأجاب المصنف عن الأول بأنه لو كان الواجب واحدا معينا ويختاره المكلف لكان كل من اختار شيئا يكون هو الواجب عليه دون غيره من الخصال، فيكون الواجب على هذا غير الواجب على الآخر عند اختلافهم في الاختيار، ولكن التفاوت بين المكلفين في ذلك باطل بالنص والإجماع, أما النص فلأن الآية الكريمة دالة على أن خصلة من الخصال مجزئة لكل مكلف، وأما الإجماع فلأن العلماء متفقون على أن المكلفين في ذلك سواء، وأنه الذي أخرج خصلة لو عدل إلى أخرى لأجزأه ووقعت واجبة, وهذا الجواب لم يذكره الإمام ولا أتباعه بل تمسكوا بالتنافي فقط وأجاب على الثاني وهو كونه تعين باختياره بأن الوجوب ثابت قبل اختيار المكلف إجماعا, مع أن الواجب في تلك الحالة لا يستقيم أن يكون واحدا معينا؛ لأن الفرض أن التعيين متوقف على اختياره، وقد فرضنا أن لا اختيار، وأجاب عن الثالث بأنه لو كان الواجب واحدا معينا والمأتي به بدلا عنه يسقطه, لكان الآتي به ليس آتيا بالواجب بل ببدله, لكن الإجماع منعقد على أن الشخص الآتي بأية واحدة شاء من هذه الخصال آتٍ بالواجب إجماعا.
قال: "قيل: إن أتى بالكل معا فالامتثال إما بالكل واجب أو بكل واحد فتجتمع مؤثرات على أثر واحد أو بواحد غير معين ولم يوجد أو بواحد معين وهو المطلوب
стр. 43
وأيضا الوجوب معين فيستدعي معينا, وليس الكل ولا كل واحد, وكذا الثواب على الفعل والعقاب على الترك, فإذا الواجب واحد معين" أقول: احتج الذاهب إلى أن الواجب واحد معين بأن فعل الواجب له صفات وهي إسقاط الفرض وكونه واجبا واستحقاق ثواب الواجب وتركه أيضا له خاصة, وهي استحقاق العقاب, وهذه الأربعة تدل على أنه واحد معين, ثم ذكر المصنف هذه الأوصاف على هذا الترتيب فبدأ بإسقاط الفرض وعبر عنه بالامتثال فقال: إذا أتى المكلف بالخصال جميعها في وقت واحد فلا شك في كونه ممتثلا، وهذا الامتثال لا جائز أن يكون معللا بالكل من حيث هو كان على معنى أنه يكون المجموع هو العلة في إسقاط الواجب، وكل واحد جزءا من أجزاء العلة، وهو المسمى بالكل المجموع؛ لأنه يلزم أن يكون الكل واجبا، ولا جائز أن يكون معللا بكل واحد وهو المسمى بالكل التفصيلي؛ لأنه يلزم اجتماع مؤثرات وهي الإعتاق والصيام والإطعام على أثر واحد وهو الامتثال وذلك محال؛ لأن إسناده إلى هذا يستغنى به عن إسناده إلى ذلك، وإسناده إلى ذلك يستغنى به عن إسناده إلى هذا، فيستغنى بكل منهما عن الآخر ويفتقر لكل منهما بدلا عن الآخر, فيكون محتاجا إليهما معا وغنيا عنهما معا، ولا جائز أن يكون الامتثال معللا بواحد غير معين؛ لأنه لا وجود إذ كل موجود فهو في نفسه متعين ولا إبهام البتة في الوجود الخارجي, إنما الإبهام في الذهن فقط، فإذا انتفى ذلك كله تعين أن الامتثال حصل بواحد معين عند الله تعالى مبهم عندنا وهو المطلوب. قوله: "وأيضا الوجوب معين ... إلخ" هذا دليل ثان على أن الواجب واحد معين وهو الوصف الثاني من جملة الأوصاف المتقدم ذكرها، وتقريره من وجهين أحدهما: أن الحكم الشرعي متعلق بفعل المكلف، والوجوب حكم معين من بين الأحكام الخمسة وهي معنى من المعاني فيستدعي محلا معينا يتعلق به، ويوصف ذلك المحل بأنه واجب؛ لأن غير المعين لا يناسب المعين ولا وجود له أيضا في نفسه, فيمتنع وصفه بالوجوب لاستحالة إنصاف المعدوم بالصفة الثبوتية فبطل أن يكون غير معين، ولا جائز أن يكون المعين هو الكل ولا كل واحد لعدم وجوبه, فتعين أن يكون واحدا وهو المطلوب، التقرير الثاني: أن الفعل المأمور به يسقط الحكم المتعلق بالشخص, والوجوب حكم معين من بين الأحكام الخمسة, فيستدعي فعلا معينا يسقط به ويأتي ما قلناه بعينه ... إلخ, والتقرير الأول: هو المذكور في المحصول والحاصل وغيرهما, ولكن فيه بعض تغيير للمذكور, وصرح الإمام بأن ذلك فيما إذا أتى بالكل معا، ويحتمل فرضه أيضا قبل الإخراج. قوله: "وكذا الثواب على الفعل والعقاب على الترك" هذا هو الوصف الثالث. والرابع من الأوصاف المتقدمة للواجب الدالة على أن الواجب واحد العين، وتقريره: أنه إذا أتى بالكل فلا شك في أنه يثاب ثواب الواجب، وذلك لا جائز أن يكون على الكل، ولا على كل واحد، ولا على واحد لا بعينه لما تقدم، فتعين أن يكون على واحد معين فيكون الواجب واحدا معينا، وكذلك إذا ترك
стр. 44
الكل لا جائز أن يعاقب على الكل, ولا على كل واحد, ولا على واحد لا بعينه لما قلناه, فلم يبق إلا المعين فثبت بهذه الأدلة الأربعة أن الواجب واحد معين عند الله. واعلم أن لا كلام في أنه يثاب على الكل إذا أتى بذلك معا, إنما الكلام في ثواب الواجب كما نص عليه المحصول والحاصل وغيرهما، فإطلاق المصنف ليس بجيد وثواب الواجب يزيد على ثواب الغفل بسبعين درجة, قاله إمام الحرمين وغيره, وأوردوا فيه حديثا.
قال: "وأجيب عن الأول بأن الامتثال بكل واحد وتلك معرفات, وعن الثاني بأنه يستدعي أحدها لا بعينه كالمعلول المعين يستدعي علة من غير تعيين, وعن الأخيرين بأنه يستحق ثواب وعقاب أمور معينة, ولا يجوز ترك كلها, ولا يجب فعلها" أقول: شرع في الجواب عن الأدلة الثلاثة التي ذكرها القائلون بأن الواجب واحد معين, فأجاب عن الدليل الأول وهو قولهم: إنه إذا أتى بالكل معا فلا جائز أن يكون الامتثال بالكل ولا بكل واحد، ولا بواحد غير معين، فقال: نختار القسم الثاني وهو حصول الامتثال بكل واحد، ولا يلزم اجتماع مؤثرات على أثر واحد؛ لأن هذه الأمور وغيرها من الأسباب الشرعية علامات لا مؤثرات، واجتماع معرفات على معرف واحد جائز كالعالم المعرف للصانع، ولك أن تقول ما تقدم من الدليل على امتناع التأثير بكل واحد جاز بعينه في امتناع التعريف والامتثال به سلمنا, لكن هذا الجواب وإن أفاد الرد على الخصم لكنه يقتضي إيجاب كل واحد لحصول الامتثال به، ومختاره أن الواجب واحد لا بعينه سلمنا أنه لا يقتضي ذلك بل يمكن أن يدعى معه أن الواجب واحد لا بعينه، لكنه قد سلم للخصم بطلانه، وأن غير المعين لا وجود له فإن كان باطلا كما سلم فلا يصح أن يجيب به، وإن لم يكن باطلا بل تسليمه هو الباطل فلا فائدة في هذا التطويل بل كان بحيث ابتدأ باختيار القسم الثالث, فإن الواجب على هذا التقدير يؤدي إليه. واعلم أن تسليمه هو الباطل لثلاثة أمور أحدها: أن ذلك غير مذهبه؛ لأن اختياره أن الواجب واحد لا بعينه، الثاني: أنه مناقض لقوله بعد ذلك أن يستدعي أحدها لا بعينه، الثالث: أن غير المعين إنما لا يوجد إذا كان مجردا عن المشخصات ويوجد إذا كان ضمن شخص بدليل الكلي الطبيعي كمطلق الإنسان, فإنه هو موجود مع أن الماهيات الكلية لا وجود لها. قوله: "وعن الثاني" أجاب عن الدليل الثاني وهو قولهم: إن الوجوب معين فيستدعي معينا, بأنا لا نسلم ذلك بل يستدعي إحدى الخصال لا بعينه وإن كان لا يقع إلا في معين, وأحدها لا بعينه موجود وله تعيين من وجه, وهو أنه أحد هذه الثلاثة, ولك كالمعلول المعين مثل الحدث فإنه يستدعي علة من غير تعيين وهو إما البول أو اللمس أو غير ذلك، وهو الجواب لا ذكر له في كتب الإمام ولا كتب أتباعه، وقد تقدم أنه مخالف لما سلمه للخصم, لكنه صحيح في نفسه. قوله: "وعن الآخرين" أي: وأجيب عن الآخرين وهما للثواب والعقاب, أنه إذا أتى بالكل فيستحقّ
стр. 45
الثواب على مجموع أمور لا يجوز ترك كلها ولا يجب فعلها، والمصنف وعد بذكر الجوابين، ولم يجب عن العقاب وقد وقع ذكره في بعض النسخ فقال: يستحق ثواب وعقاب أمور, قال ابن التلمساني في شرح المعالم: والجواب الحق أن نقول: لا يخلو إما أن يأتي بالجميع على الترتيب أو على المعية, فإن أتى بها على الترتيب كان ثواب الواحد حاصلا على الأول, وإن أتى بها معا كان مرتبا على الأعلى، وإن تفاوت لأنه لو اقتصر عليه لحصل له ذلك, فإضافة غيره إليه لا تنقضه، وإن تساوت فإلى أحدها وإن ترك الجميع عوقب على أقلها؛ لأنه لو اقتصر عليه لأجزأ. وهذا الجواب نقله الإمام في المحصول، والمنتخب عن بعضهم، وإن كان المذكور هنا فيه زيادة ثم قال: ويمكن أن يقال كذا وكذا، وذكر جواب المصنف وإنما لم يذكر المصنف الجواب الآخر؛ لأن صاحب الحاصل قال: إنه ضعيف؛ لأنه يوجب تعيين الواجب, قال: بل الصواب الجواب الآخر، وما قاله باطل فإنه لا يلزم من تعيينه بعد الإيقاع تعيينه في أصل التكليف، والمحذور إنما هو التعيين في أصل التكليف, بدليل أن الآتي بأية الخصال شاء يكون آتيا بالواجب اتفاقا، كا تقدم من كلام المصنف مع أنها معينة قال: "تذنيب: الحكم قد يتعلق على الترتيب, فيحرم الجمع كأكل المذكى والميتة, أو يباح كالوضوء والتيمم, أو يسنّ ككفارة الصوم" أقول: هذا الفرع شبيه بالواجب المخير، من حيث إن الحكم فيه تعلق بأمور متعددة وإن كان تعلقه بالترتيب, فلما ذكر الواجب المخير ذكره بعده لكونه كالفضلة منه والبقية، فلذلك عبر بالتذنيب وهو بالذال المعجمة, قال الجوهري: ذنّب عمامته بالتشديد: إذا أفضل منها شيئا فأرخاه كالذنب، وحكى الجوهري أيضا أنه يقال: ذنبه يذنبه بالتخفيف أي: تبعه يتبعه, فهو ذانب أي: تابع, فيجوز أن يكون التذنيب مأخوذا من الأول، وعلى هذا فلا كلام، ويجوز أن يكون مأخوذا من الثاني تضعيفه ليصير متعديا إلى اثنين كعرف وغيره، والمعنى: أنه ذنب هذا الفرع ذلك الأصل أي: أتبعه إياه, والإمام وأتباعه عبروا عن هذا بقولهم: فرع وحاصل ما.
قال: إن الحكم قد يتعلق على الترتيب, وحينئذ فينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يحرم الجمع كأكل المذكى والميتة وهذا واضح, وقسم يباح الجمع كالوضوء والتيمم فإن التيمم عند العجز عن الماء واجب ولو استعمله أيضا مع الماء لكان جائزًا، وقسم يسن ككفارة المجامع في رمضان فإنه يجب عليه إعتاق رقبة, فإن عجز فصيام شهرين, فإن عجز فإطعام ستين مسكينا, ويستحب له الإتيان بالثلاثة. وهذه المثل ذكرها الإمام وأتباعه لكن التمثيل بالتيمم فاسد؛ لأن التيمم مع وجود الماء لا يصح، والإتيان بالعبادة الفاسدة حرام إجماعا لكونه تلاعبا كما صرحوا به في الصلاة الفاسدة، فإن فرض أنه استعمل التراب في وجهه ويديه لا على قصد العبادة, فلا يكون تيمما وتمثيله أيضا بالكفارة فيه نظر؛ لأن الكفارة سقطت الأول, فلا ينوي بالثاني الكفارة لعدم بقائها عليه
فلا تكون كفارة، لكن القرب من حيث هي مطلوبة، وفي المحصول ومختصراته أن الأقسام الثلاثة أيضا تجري في الواجب المخير, فتحريم الجمع كنصب المستعدين للإمامة، وتزويج المرأة من خاطبين، وإباحة الجمع كستر العورة بثوب بعد ثوب، واستحبابه كخصال كفارة اليمين.
стр. 46
المسألة الثانية:
قال: "المسألة الثانية: الوجوب, إن تعلق بوقت فإما أن يساوي الفعل كصوم رمضان وهو المضيق, أو ينقص عنه فيمتعه من متع التكليف بالمحال إلا لغرض القضاء كوجوب الظهر على الزائل عذره بقي قدر تكبيرة أو يزيد عليه, فيقتضي إيقاع الفعل في أي جزء من أجزائه؛ لعدم أولوية البعض، وقال المتكلمون: يجوز تركه في الأول بشرط العزم في الثاني, وإلا لجاز ترك الواجب بل بدل, ورد بأن العزم لو صلح بدلا لتأدى الواجب به, وبأنه لو وجب العزم في الجزء الثاني لتعدد البدل، والمبدل واحد، ومنا من قال: يختص بالأول، وفي الأخير قضاء، وقالت الحنفية: يختص بالأخير وفي الأول تعجيل، وقال الكرخي: الآتي في أول الوقت إن بقي على صفة الوجوب يكون ما فعله واجبا وإلا نافلة احتجوا بأنه لو وجب في أول الوقت لم يجز تركه قلنا: المكلف مخير بين أدائه في أي جزء من أجزائه" أقول: هذا تقسيم آخر للوجوب باعتبار وقته، حاصله: أن يفعل المتعلق وقتا معينا، ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ أحدها: أن يكون وقته مساويا لا يزيد عليه ولا ينقص كصوم رمضان، ويسمى هذا بالواجب المضيق، الثاني: أن يكون الوقت ناقصا عن الفعل، فلا يجوز التكليف به عند من لا يجوز التكليف بالمحال إلا أن يكون الغرض القضاء, فيجوز كوجوب الظهر مثلا على من زال عذره في آخر الوقت, كالجنون والحيض والصبى، وقد بقي مقدار تكبيرة، وإطلاق المصنف لفظ القضاء فيه نظر؛ لأن ذلك مخصوص بما إذا لم يكن فعل ركعة في الوقت فإن فعل, كان أداء المشهور عندنا، فالأحسن أن يقول إلا لغرض التكميل خارج الوقت, الثالث: أن يزيد الوقت على الفعل، وهو الذي نسميه بالواجب الموسع وفيه خمسة مذاهب, أحدها: وهو اختيار الإمام وأتباعه وابن الحاجب أن الأمر بذلك يقتضي إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت بلا بدل, سواء كان أول أو آخر؛ لأن قوله ﷺ : "الوقت ما بين هذين" ١ متناول لجميع أجزائه, وليس تعيين بعض الأجزاء للوجوب بأولى من تعيين البعض الآخر, وهذا معنى قول الأصحاب: إن الصلاة تجب بأول الوقت موجبا موسعا، وأهمل المصنف التصريح بوجوبه بأول الوقت، ولكنه يؤخذ من تعليل ما يليه، والمذهب الثاني, ونقله المصنف عن المتكلمين يعني أصحاب أصول الدين: أن الحكم كذلك لكن لا يجوز تركه في الجزء الأول بشرط العزم على الفعل في الجزء الثاني, ونقل الإمام في آخر المسألة أن قول أكثر أصحابنا، وأكثر المعتزلة، وكذلك في المنتخب، واختاره
стр. 47
الآمدي، ولأصحابنا فيها وجهان حكاهما الماوردي في الحاوي وغيره، والصحيح هو الوجوب وصححه النووي في شرح المهذب وغيره, ونقل الأصفهاني في شرح المحصول عن القاضي عبد الوهاب المالكي أنه قول أكثر الشافعية. قوله: "وإلا لجاز" أي: احتج الذاهب إلى وجوب العزم أنه لو جاز الترك في أول الوقت بلا عزم مع قولنا بوجوبه في أول الوقت, كان يجوز ترك الواجب من غير بدل وهو محال، ورده المصنف بوجهين, أحدهما: أن العزم لا يصلح أن يكون بدلا عن الفعل؛ لأنه لو صلح بدلا لتأدى الواجب به لأن بدل الشيء يقوم مقامه، وإذا لم يصلح للبداية، فقد لزم جواز ترك الواجب بلا بدل، الثاني: أنه إذا عزم في الجزء الأول من أجزاء الزمان على الفعل فلا يخلو إما أن يجب العزم في الجزء الثاني أيضا أو لا يجب, فإن لم يجب فقد ترك فإن الواجب بلا بدل ويلزم أيضا التخصيص من غير مخصص، وإن وجب فقد تعدد البدل وهو الإعزام مع أن المبدل واحد فإن قيل: قد يكون صالحا للبدل في ذلك الوقت لا مطلقا, فإذا أتى بالبدل في هذا الوقت سقط عنه الأمر بالأصل في هذا الوقت لا في كل الأوقات. قال في المحصول: هذا ضعف؛ لأن الأمر لا يفيد التكرار بل لا يقتضي الفعل إلا مرة واحدة، فإذا صار البدل قائما مقام الأصل في هذا الوقت فقد صار قائما مقامه في المرة الواحدة فيلزم الاكتفاء به. قال في البرهان: والذي أراه أنهم لا يوجبون تحديد العزم في الجزء الثاني، بل يحكمون بأن العزم الأول ينسحب على جميع الأزمنة المستقبلة كانسحاب النية على العبادة الطويلة مع عزوبها، وهذا الذي قاله فيه تبيين لمذهبهم وجواب عما قاله المصنف، وهذان المذهبان متفقان على الاعتراف بالواجب الموسع، والثلاثة الآتية منكرة له. قوله: "ومنا من قال ... إلخ" شرع في ذكر المذاهب الثلاثة المنكرة للواجب الموسع، أحدها: أن الوجوب يختص بأول الوقت, فإن فعله في آخره كان قضاء لقوله ﷺ : "الصلاة في أول الوقت رضوان الله, وفي آخره عفو الله" ١ والمراد بقوله: ومنا أي: ومن الشافعية, صرح به الإمام في المعالم خاصة، فإن عبارة المحصول والمنتخب ومن أصحابنا, وهذا القول لا يعرف في مذهبنا ولعله التبس عليه بوجه الإصطخري حيث ذهب إلى أن وقت العصر والعشاء والصبح يخرج بخروج وقت الاختيار، نعم نقله الشافعي في الأم عن المتكلمين فقال: وقال قوم من أهل الكلام وغيرهم ممن يفتي ممن يقول: إن وجوب الحج على الفور أن وجوب الصلاة يختص بأول الوقت حتى لو أخره عن أول وقت الإمكان عصى بالتأخير, وهذا يحتمل أيضا أن يكون سبب هذا الغلط, والثاني: أن الوجوب يختص بآخر الوقت, فإن فعل في أول الوقت كان تعجيلا ويصير كمن أخرج الزكاة قبل وقتها، ومقتضى هذا الكلام أن تقع الصلاة نفسها واجبة ويكون التطوع إنما هو التعجيل كمن عجل دينا أو
стр. 48
زكاة, وقد ذكر في البرهان ما يقتضيه، لكن نقل الآمدي وابن الحاجب وغيرهما عن هذا القائل أنه يقع نقلا, وهذا المذهب باطل؛ لأن التقديم لا يصح بنية التعجيل إجماعا. كما قاله ابن التلمساني في شرح المعالم فبطل كونه تعجيلا، والثالث وهو رأي الكرخي من الحنفية: أن الآتي بالصلاة في أول الوقت إن أدرك آخر الوقت وهو على صفة التكليف كان ما فعله واجبا، وإن لم يكن على صفته بأن كان مجنونا أو حائضا أو غير ذلك كان ما فعله نفلا، هكذا في المحصول والمنتخب وغيرهما، ومقتضى ذلك أن صفة التكليف لو زالت بعد الفعل وعادت في الوقت يكون أيضا فرضا وكلام المصنف يأباه؛ لأنه شرط بقاءه على صفة الوجوب إلى آخر الوقت، وسبقه الآمدي وصاحب الحاصل وابن الحاجب إلى هذه العبارة، ونقل الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع١ عن الكرخي أن الوجوب يتعلق بوقت غير معين ويتعين بالفعل, ففي أي وقت فعل يقع الفعل واجبا، ونقل عنه القولين معا الآمدي في الأحكام. قوله: "احتجوا" أي: احتجت الحنفية على اختصاص الوجوب بآخر الوقت بأنه لو وجب في أوله لما جاز تركه, لكنه يجوز إجماعا, فانتفى أن يكون واجبا, والجواب ما قاله في المحصول وأشار إليه المصنف أن الوجوب الموسع في التحقيق يرجع إلى الواجب المخير؛ لأن الواجب الأداء في وقت ما، أما أوله أو وسطه أو آخره فجرى مجرى قولنا في الواجب المخير: إن الواجب إما هذا أو ذاك, فكما أنا نصفها بالوجوب على معنى أنه لا يجوز الإخلال بجميعها ولا يجب الإتيان به فكذلك هذا، فتلخص أن المكلف مخير بين أفراد الفعل في المخير وبين أجزاء الوقت الموسع، ونحن لم نوجب الفعل في أول الوقت بخصوصه حتى يورد علينا جواز إخراجه عنه، بل خيرناه بينه وبين ما بعده.
قال: "فرع: الموسع قد يسعه العمر كالحج وقضاء الفائت, فله التأخير ما لم يتوقع فواته إن أخر لكبر أو مرض" أقول: هذا التقسيم في الواجب الموسع مبني على ثبوته؛ فلذلك جعله فرعا، وحاصله أن الواجب الموسع قد يسعه العمر جميعه كالحج وقضاء الفائت أي: إذا فات بعذر، فإن فات بتقصير فالمشهور وجوب فعله على الفور، وحكم الموسع بالعمر أنه يجوز له التأخير من غير توقيت اللهم إلا أن يتوقع فوات ذلك الواجب، أي: يغلب على ظنه فواته كما صرح به في المحصول، قال: فإن توقع أي: ظن الفوات إما لكبر سن أو مرض شديد حرم التأخير عند الشافعي، وما قاله في المرض مسلم وهو معنى قول الأصحاب في الفروع: إنه إذا خشي الضعف يتضيق عليه الحج على الصحيح, وأما ما قاله في الشيخ فممنوع, بل جوز أصحابنا التأخير مطلقا وجعلوا التفصيل بين الشيخ والشاب وجها ضعيفا في العصيان بعد الموت, وصححوا أنه
يعصي مطلقا، وقيل: لا مطلقا، وقيل بهذا التفصيل والإمام اعتمد في هذه المقالة على المستصفى للغزالي، فإنها مذكورة فيه، وقوله: لكبر أو مرض متعلق بقوله: يتوقع فواته, ويؤخذ منه أنه لا يحرم عليه التأخير إذا لم يظن الفوات أصلا أو ظنه, لكن لا لكبر أو مرض بل لغيرهما من الأسباب التي لا أثر لها شرعا كالتنجيم والمنام.
стр. 49
المسألة الثالثة:
قال: "المسألة الثالثة: الوجوب إما أن يتناول كل واحد كالصلوات الخمس، أو واحدا معينا كالتهجد، ويسمى فرض عين، أو غير معين كالجهاد، ويسمى فرض كفاية، فإن ظن كل طائفة أن غيره فعل سقط عن الكل، وإن ظن أنه لم يفعل وجب" أقول: هذا تقسيم آخر للوجوب باعتبار من يجب عليه, وحاصله: أن الوجوب ينقسم إلى فرض عيني وفرض كفاية, ففرض العين قد يتناول كل واحد من المكلفين كالصوم والصلاة واقتصر الإمام وأتباعه عليه, وقد يتناول واحدا معينا كالتهجد والضحى والأضحى وغيرها من خصائص النبي ﷺ ، ولكن الأصح وهو الذي نص عليه الشافعي أن وجوب التهجد نسخ في حقه، وأما فرض الكفاية فهو الذي يتناول بعضا غير معين كالجهاد، وسمي بذلك لأن فعل البعض كافٍ في تحصيل المقصود منه، والخروج عن عهدته بخلاف الأولى, فإنه لا بد من فعل كل عين أي: ذات؛ فلذلك سمي فرض عين وهذا التقسيم أيضا يأتي في السنة، وقد أهمله المصنف فسنة العين كصلاة الضحى وشبهها، وسنة الكفاية كتشميت العاطس والأضحية في حق أهل البيت. قوله: "فإن ظن" يعني: أن التكليف بفرض الكفاية دائر مع الظن، فإن ظن كل طائفة أن غيره فعل سقط الوجوب عن الجميع، وإن ظن كل طائفة أن غيره لم يفعله وجب عليهم الإتيان به ويأثمون بتركه، وإن ظنت طائفة قيام غيرها به وظنت أخرى عكسه، سقط عن الأولى ووجب على الثانية، ولك أن تقول: هذا يشكل بالاجتهاد فإنه من فروض الكفاية, ولا إثم في تركه, وإلا لزم تأثيم أهل الدنيا, فإن قيل: إنما انتفى الإثم لعدم القدرة قلنا: فيلزم أن لا يكون فرضا.
"فائدة": جزم المصنف بأن فرض الكفاية يتعلق بطائفة غير معينة, والمسألة فيها مذهبان: أحدهما هذا وهو مقتضى كلام الإمام في المحصول, والثاني وهو الصحيح عند ابن الحاجب، واقتضاء كلام الآمدي: أنه يتعلق بالجميع ولكن يسقط بفعل البعض، وهذا هو مقتضى كلام المصنف في آخر المسألة؛ لأنه صرح بالسقوط, فقال: سقط عن الكل وسقوطه عن الكل يتوقف على تكليفهم به، احتج الأول بأنه لو تعلق بالكل لما سقط إلا بفعل الكل، واحتج الثاني بتأثيم الكل عند الترك إجماعا ولو تعلق بالبعض لما أتم الكل, وأجابوا عن احتجاج الأول بأنا إنما أسقطناه بفعل البعض لحصول المقصود، فإن بقاء طلب غسل الميت وتكفينه مثلا عند القيام به من طائفة أخرى أمر بتحصيل الحاصل وهو محال.
стр. 50
المسألة الرابعة:
قال: "المسألة الرابعة: وجوب الشيء مطلقا يوجب وجوب ما لا يتم إلا به وكان مقدورا قيل: يوجب السبب دون الشرط وقيل: لا, فيهما لنا أن التكليف بالمشروط دون الشرط محال قيل: يختص بوقت وجود الشرط قلنا: خلاف الظاهر قيل: إيجاب المقدمة أيضا كذلك قلنا: لا, فإن اللفظ لم يدفعه" أقول: الأمر بالشيء هل يكون أمرا بما لا يتم ذلك الشيء إلا به, وهو المسمى بالمقدمة أم لا يكون أمرا به، حكى المصنف فيه ثلاثة مذاهب, أصحها الإمام وأتباعه وكذلك الآمدي أنه يجب مطلقا سواء كان سببا وهو الذي يلزم من جوده الوجود ومن عدمه العدم، أو شرطا وهو الذي يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، وسواء كان السبب شرعيا كالصيغة بالنسبة إلى العتق الواجب، أو عقليا كالنظر المحصل للعمل الواجب, أو عاديا كحز الرقبة بالنسبة إلى القتل الواجب، وسواء كان الشرط أيضا شرعيا كالوضوء مثلا أو عقليا، وهو الذي يكون لازما للمأمور به عقلا كترك أضداد المأمور به, أو عاديا أي لا ينفك عنه عادة كغسل جزء من الرأس في الوضوء، وإلى هذا كله أشار بقوله: وجوب الشيء يوجب وجوب ما لا يتم إلا به أي: التكليف بالشيء يقتضي التكليف بما لا يتم إلا به، فالوجوب الأول والأخير بمعنى التكليف، والوجوب الثاني بمعنى الاقتضاء. مثال ذلك: إذا قال السيد لعبده: ائتني بكذا من فوق السطح فلا يتأتى ذلك إلا بالمشي ونصب السلم, فالمشي سبب والنصب شرط، والمذهب الثاني: أنه يكون أمرا بالسبب دون الشرط؛ لأن وجود السبب يستلزم وجود المسبب بخلاف الشرط، والثالث: أنه لا يكون أمرا لا بالسبب ولا بالشرط، وإليه أشار بقوله: وقيل: لا فيهما, وإنما قيد بقوله: فيهما ولم يقل، وقيل: لا؛ لأن النفي المطلق يدخل فيه جزء الماهية لأنها لا تتم إلا به أيضا, ومع ذلك فهو واجب بلا خلاف فافهمه، ولا ذكر لهذا الثالث في كلام الآمدي، ولا كلام الإمام وأتباعه. نعم حكاه ابن الحاجب في المختصر الكبير, وإن كلامه في الصغير في أثناء الاستدلال يقتضي أن إيجاب السبب مجمع عليه، واختار -أعني ابن الحاجب- فيما عدا السبب أنه إذا كان شرطا شرعيا وجب وإن كان شرعيا كالعقل والعادي فلا، فإن قلنا بالوجوب فله شرطان ذكرهما المصنف، أحدهما: أن يكون الوجوب مطلقا أي: غير معلق على حصول ما يتوقف عليه فإن كان معلقا على حصوله كقوله: إن صعدت السطح ونصبت السلم فاسقني ماء, فإنه لا يكون مكلفا بالصعود ولا بالنصب بلا خلاف، بل إن اتفق حصول ذلك صار مكلفا بالسقي وإلا فلا، والشرط الثاني: أن يكون ما يتوقف عليه الواجب مقدورا للمكلف كما مثلناه, فإن لم يكن مقدورا له لم يجب عليه تحصيله، كإرادة الله تعالى لوقوعه؛ لأن فعل العبد لا يقع إلا بها، وكذلك أيضا الداعية على الفعل وهو العزم المصمم عليه, وبيانه: أن الفعل يتوقف وقوعه على سبب يسمى بالداعية، وإلا لكان وقوعه في وقت دون وقت ترجيحا من غير مرجح, وتلك الداعية مخلوقة لله تعالى لا قدرة للعبد عليها, إذ لو كانت من فعل العبد لانتقل الكلام إليها في وقوعه في وقت دون وقت فيلزم التسلسل، وهذا الاحتراز
стр. 51
قد أشار إليه الإمام في الكلام على الفروع الآتية من بعد, وصرح به ابن التلمساني في شرح المعالم ثم القرافي والأصفهاني في شرحيهما للمحصول، ولا يصح أن يقال: احترز به عن غير ذلك من المعجوز عنه كسلامة الأعضاء ونصب السلم ونحوهما, فإن العاجز عنه لا يكون مكلفا بالأصل بلا نزاع لفقدان شرطه وفي ذلك إحالة لصورة المسألة, فإن الكلام فيما إذا كلف بفعل وكان متوقفا على شيء لا قدرة له عليه بخلاف الداعية ونحوها, فإن عدم القدرة عليها لا يمنع التكليف وإلا لم يتحقق تكليف البتة, فكل شرط للوجوب الناجز لا بد أن يكون مقدورا للمكلف وإلا ما قلناه، قال الأصفهاني: وضابط المقدور أن يكون ممكنا للبشر, لكن ذكر الآمدي في الأحكام أن المقدور احتراز عن حضور الإمام والعدد في الجمعة. قوله: "لنا أن التكليف بالمشروط دون الشرط؛ لأنه محال" هذا دليل لما اختاره المصنف من وجوب السبب والشرط، وإنما استدل على الشرط؛ لأنه يلزم من وجوبه ووجوب السبب بطريق الأولى، وتقرير الدليل من وجوه، أحدها: أنه إذا كان مكلفا بالمشروط لا يجوز تركه وإذا لم يكن مكلفا بالشرط جاز له تركه، ويلزم من جواز ترك المشروط فيلزم الحكم بعدم جواز ترك المشروط وبجواز تركه, وذلك جمع بين النقيضين وهو محال، الثاني, ما ذكره ابن الحاجب: أنه إذا لم يكن مكلفا الشرط, فيكون الإتيان بالمشروط وحده صحيحا؛ لأنه أتى بجميع ما أمر به فلا يكون الشرط شرطا وهو محال، والثالث, ما ذكره في المحصول: أن الأمر بالشيء لو لم يقتض وجوب ما يتوقف عليه لكان مكلفا بالفعل ولو في حال عدمه؛ لأنه لا مدخل له في التكليف من أن الفعل في تلك الحالة لا يمكن وقوعه لأن المشروط يستحيل وجوده عند عدم شرطه, فيكون التكليف به إذ ذاك تكليفا بالمحال, وهذه التقريرات صحيحة لا اعتراض عليها يصح وقد اعترض الآمدي وصاحب التحصيل ومن تبعهما على تقرير الإمام باعتراض زعموا أنه لا محيص عنه وهو ضعيف, سببه اشتباه الفرق بين التكليف في حال عدم الشرط بفعل المشروط والتكليف بفعل المشروط في حال عمد الشرط، فإن الأول ممكن وطريقه أن يأتي بالشرط ثم بالمشروط، وأما الثاني فيحتمل أمرين, وأحدهما هو المراد؛ فلذلك صرحت به في التقرير ولولا خشية الإطالة لذكرت ذلك كله مبسوطا لكن في هذا تنبيه لمن أحب الوقوف عليه. قوله: "قيل: يختص" أي: اعتراض الخصم على الدليل المذكور فقال: لم لا يجوز أن يكون التكليف بالشروط مخصوصا بوقت وجود الشرط ولا امتناع في ذلك، فإن غايته تقييد الأمر ببعض الأحوال الدليل اقتضاء وهو الفرار من المحال الذي ألزمتمونا به، فأجاب المصنف بأن اللفظ يقتضي إيجاب الفعل على كل خاص فتخصيص الإيجاب بزمان حصول الشرط خلاف الظاهر اعتراض الخصم على ذلك فقال: إنه معارض بمثله فإنك أوجبت المقدمة بمجرد الأمر مع أن اللفظ لا يقتضي وجوبها, وذلك خلاف الظاهر، فأجاب المصنف بأنا لا نسلم أن إيجاب المقدمة خلاف
стр. 52
الظاهر، قال في المحصول: لأن مخالفة الظاهر هي إثبات ما يدفعه اللفظ أو دفع ما يثبته اللفظ, فأما إثبات ما لا يتعرض له اللفظ لا بنفي ولا بإثبات فليس خلاف الظاهر، إذا علم ذلك فالمقدمة لم يتعرض لها اللفظ بنفي ولا إثبات, فإيجابها بدليل منفصل ليس خلاف الظاهر بخلاف تخصيص الوجوب بحالة وجود الشرط دون حالة عدمه, فإنه يخالف ما يقتضيه اللفظ من وجوب الفعل على كل حال.
قال: "تنبيه: مقدمة الواجب إما أن يتوقف عليها وجوده شرعا كالوضوء للصلاة, أو عقلا كالمشي للحج, أو العلم به كالإتيان بالخمس إذا ترك واحدة ونسي, وستر شيء من الركبة لستر الفخذ" أقول: اعلم أن الإمام جعل هذا فرعا، وجعله المصنف تنبيها، وجعله صاحب الحاصل تقسيما، ولكل واحد وجه, أما التقسيم فلأن مدلوله إظهار الشيء الواحد على وجوه مختلفة, ووجوده هنا واضح, وأما التنبيه فالمراد منه ما نبه عليه المذكور قبله بطريق الإجمال وهنا كذلك؛ لأن توقف الشيء على مقدمته أعم من كونه يتوقف عليها من جهة الوجود أو من جهة العلم بالوجود, إما شرعا أو عقلا، فلما لم يكن هذا منصوصا عليه بخصوصه، وخيف أن يغفل عنه الظاهر قيل: تفطن وتنبه لذلك، وأما الفرع المراد منه أن يكون مندرجا تحت أصل كلي وهو حاصل ههنا؛ لأن كل واحد من هذه الأقسام المستفادة من هذا التقسيم قد اندرج تحت الأصل السابق، وحاصل ما قاله المصنف أن مقدمة الواجب قسمان, أحدهما: أن يتوقف عليها وجوب الواجب, إما من جهة الشرع كالوضوء للصلاة إذ العقل لا مدخل له في ذلك، وإما من جهة العقل كالمشي للحج، هكذا ذكره المصنف والصواب للتعبير بالسير أو بقطع المسافة كما قاله في المحصول لا بالمشي، والقسم الثاني: أن يتوقف عليها العلم بوجود الواجب لا نفس وجوب الواجب, وذلك كمن ترك الصلاة من الخمس ونسي عينها, فإنه يلزمه أن يصلي الخمس لأن العلم بالإتيان بالمتروك لا يحصل إلا بعد الإتيان بالخمس، فالأربعة مقدمة للواجب لكن هذه المقدمة لا يتوقف عليها وجود الواجب بل العلم به كما قدمناه؛ لأنه قد يصادف أن يكون المفعول أولا هو الواجب، ومن ذلك أيضا وجوب ستر شيء من الركبة لتحقق ستر الفخذ, وإنما أتى المصنف بهذين المثالين لما أشار إليه في المحصول, وهو أن الأول قد كان الواجب فيه متميزا عن المقدمة، ولكن طرأ عليه الإبهام، والثاني لم يتميز الواجب عن المقدمة أصلا لأجل ما بينهما من التقارب, ولك أن تفرق أيضا بأن الواجب في الأول ملتبس بالمقدمة وأما الثاني فلا, غير أنه لا يمكن عادة إلا بفعله.
قال: "فروع: الأول: لو اشتبهت المنكوحة بالأجنبية حرمتا على معنى أنه يجب عليه الكف عنهما، الثاني: لو قال: إحداكما طالق حرمتا تغليبا للحرمة, والله تعالى يعلم أنه سيعين إحداهما لكن لما لم يعين لم تتعين، الثالث: الزائد على ما ينطلق عليه الاسم من المسح غير واجب, وإلا لم يجز تركه" أقول: جعل المصنف هذه الثلاثة فروعا للأصل
стр. 53
المتقدم وهو وجوب المقدمة التي يتوقف عليها العلم بالإتيان بالواجب، وتفريع الأول والثاني واضح, وأما الثالث ففيه كلام يأتي وستعرف الجميع. الفرع الأول: إذا اشتبهت بأجنبية حرمتا جميعا على معنى أنه يجب عليه الكف عن وطئهما جميعا، إحداهما لكونها أجنبية والأخرى لاشتباهها بالأجنبية، ووجه تعريفه أن الكف عن الأجنبية واجب، ولا يحصل العلم به إلا بالكف عن الزوجة، وإنما فسر المصنف تحريمهما بالكف عنهما؛ لأن تحريم الزوجة ليس بالذات بل للاشتباه، وهذا الذي يشير إليه لا تحقيق فيه، فإن المراد بتحريم الأجنبية أيضا إنما هو الكف لا تحريم ذاتها. "الفرع الثاني": إذا قال لزوجته إحداكما طالق قال في المحصول: فيحتمل أن يقال ببقاء حل وطئها؛ لأن الطلاق شيء معين فلا يحصل إلا في محل معين فإذا لم يعين لا يكون الطلاق واقعا، بل الواقع أمر له صلاحية التأثير في الطلاق عند التعيين, ومنهم من قال: حرمتا جميعا إلى وقت البيان تغليبا لجانب الحرمة هذا كلامه، وذكر في المنتخب مثله أيضا، وقد جزم المصنف بالثاني مع أن صاحب الحاصل لم يذكر ترجيحا، ولا نقلا بل حكى احتمالين على السواء, وتفريع هذا يعرف مما قبله والفرق بينهما أن إحدى المرأتين في الصورة الأولى ليست محرمة بطريق الأصالة بل للاشتباه، بخلاف الفرع الثاني فإنهما في ذلك سواء؛ ولهذا خيرناه، وأيضا فإنه ليس قادرا على إزالة التحريم في الأول بخلاف الثاني. قوله: "والله يعلم ... إلخ" جواب عن سؤال مقدر ذكره في المحصول, وتوجيهه أن الله تعالى يعلم المرأة التي سيعينها الزوج بعينها فتكون هي المحرمة والمطلقة في علم الله تعالى, وإنما هو مشتبه علينا هذا حاصل ما قاله الإمام وهو اعتراض على ما ذكره أولا من حلهما جميعا، واقتضى كلامه الميل إليه، وذلك لأنه إذا تقرر بما قاله: إن إحداهما مطلقة والأخرى مشتبهة بها فتحرمان جزءا كما تقدم في الفرع الذي قبله، ولا يبقى للإباحة مع ذلك وجه لا يستقيم جعله اعتراضيا على القائل الآخر، وهو الذاهب إلى التحريم؛ لأنه على وفقه لا على عكسه, وجوابه ما ذكره المصنف وهو أن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه فيعلم ما ليس بمتعين غير متعين لأنه الواقع، إذ لو علمه متعينا مع أنه غير متعين للزم الجهل وهو محال على الله تعالى، إذا تقرر ذلك فنقول: لا شك أن الزوج ما لم يعين المطلقة لم تتعين في نفسها، وإذا لم تتعين فيعلمها الله تعالى غير متعينة، وإن كان يعلم أن هذه هي التي ستعين، وأما كونه يعلمها متعينة حتى تكون هي المطلقة فلا، وإذا علمت توجيه الاعتراض وعلمت جوابه علمت أن الواقع في المنهاج خطأ، فإن هذا اعتراض على الإباحة وهي غير مذكورة فيه، وكأن المصنف توهم أنه اعتراض على التحريم لذكره عقبه في المحصول والحاصل: وهو غلط سببه عدم التأمل، الفرع الثالث: القدر الزائد على الواجب الذي لا يتقدر بقدر معين كمسح الرأس والطمأنينة وغيرهما لا يوصف بالوجوب على ما جزم به المصنف؛ لأنه يجوز تركه، وفي المحصول والمنتخب أنه
стр. 54
الحق، وفي الحاصل أن مقابله خطأ، وهذه المسألة فيها اختلاف شهير عندنا واضطراب في كلام من يغني بكلامه, وقد ذكرت نظائر المسألة والاضطراب الواقع فيها وفوائد الخلاف في باب صفة الوضوء من كتاب الجواهر، ثم ذكرته أيضا أبسط من ذلك التناقض الكبير المسمى بالمهمات وهو الكتاب الذي لا يستغنى عنه، ووجه تفريع هذا على القاعدة المتقدمة هو أن الواجب لا ينفك غالبا عن حصول زيادة فيه, فتكون هذه الزيادة مقدمة للعلم بحصوله, ولك أن تقول: إذا كان هذا الزائد عنه المصنف مقدمة للواجب, فيلزم أن يكون واجبا كستر شيء من الركبة وأنظاره على ما تقدم في القاعدة, وحينئذ فيكون وصفه بعدم الوجوب مناقضا لما تقرر عنده فيما لا يتم الشيء إلا به, اللهم إلا أن يريد نفي كونها مقدمة.
стр. 55
المسألة الخامسة:
قال: "المسألة الخامسة: جوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه؛ لأنها جزؤه, فالدال عليه يدل عليها بالتضمن. قالت المعتزلة وأكثر أصحابنا: الموجب قد يغفل عن نقيضه قلنا: لا, فإن الإيجاب بدون المنع من نقيضه محال, وإن سلم فمنقوض بوجوب المقدمة" أقول: هذه هي المسألة المعروفة بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده وفيها ثلاثة مذاهب مشهورة ممن حكاها إمام الحرمين في البرهان١, أحدها: أن الأمر بالشيء هو نفس النهي عن ضده، فإذا قال مثلا: تحرك فمعناه: لا تسكن واتصافه بكونه أمرا ونهيا باعتبارين كاتصاف الذات الواحدة بالقرب والبعد بالنسبة إلى شيئين, وهذا المذهب لم يذكره المصنف، والثاني: أنه غيره ولكنه يدل عليه بالالتزام, وعلى هذا فالأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده, بخلاف النهي عن الشيء فإنه أمر بأحد أضداده, وشرط كونه نهيا عن ضده أن يكون الواجب مضيقا كما نقله شراح المحصول على القاضي عبد الوهاب؛ لأنه لا بد أن ينتهي الترك المنهي عنه حين ورود النهي، ولا يتصور الانتهاء عن الترك إلا بالإتيان بالمأمور به، فاستحال النهي مع كونه موسعا, وهذا المذهب وهو كونه يدل عليه بالتزام نقله صاحب الإفادة عن أكثر أصحاب الشافعي واختاره الآمدي, وكذا الإمام وأتباعه ومنهم المصنف، وعبروا كلهم بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فدخل في كلامهم كراهة ضد المندوب إلا المصنف، فإنه عبر بقوله: وجوب بالشيء يستلزم حرمة نقيضه، وسبب تعبيره بهذا أن الوجوب قد يكون مأخوذا من غير الأمر كفعل الرسول ﵊، والقياس، وغير ذلك، فلما كان الواجب أعم من هذا الوجه عبر به، وأما الكراهة ضد المندوب فإن المصنف قد لا يراه؛ وذلك لأنا إذا قلنا: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده فهل يكون خاصا بالواجب؟ فيه قولان شهيران حكاهما الآمدي وابن الحاجب وغيرهما, ولكن الصحيح أنه لا فرق كما صرح به الآمدي وغيره، والمذهب الثالث: أنه لا يدل عليه البتة، واختاره ابن الحاجب ونقله المصنف
стр. 56
عن المعتزلة, وأكثر الأصحاب تبع لصاحب الحاصل، وأما الإمام في المحصول والمنتخب فنقله عن جمهور المعتزلة وكثير من أصحابنا, وفائدة الخلاف من الفروع ما إذا قال: إن خالفت نهيي فأنت طالق، ثم قال: قومي فقعدت ففي الطلاق خلاف، ومستند الوقوع في هذه القاعدة صرح به الرافعي في الشرح الصغير, وفي المسألة اختلاف في الترجيح المذكور مبسوط في المهمات. قوله: "لأنه جزؤه" أي: الدليل على أن وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه؛ لأن حرمة النقيض جزء من ماهية الوجوب، إذ الوجوب مركب من طلب الفعل مع المنع من الترك كما تقدم في موضوعه، فاللفظ الدال على الوجوب يدل على حرمة النقيض بالتضمن, وهذا الدليل أخذه المصنف من الإمام، وإنما ادعى الالتزام وأقام الدليل على التضمن لأن الكل يستلزم، وبالجملة فهو دليل باطل وممن نبه على بطلانه صاحب التحصيل، وتقرير ذلك موقوف على مقدمة وهو أنه قال السيد مثلا لعبده: اقعد, فمعنا أمران منافيان للمأمور به وهو وجود القيود, أحدهما: مناف له بذاته أي بنفسه وهو عدم القعود؛ لأن المنافاة بين النقيضين بالذات، فاللفظ الدال على القعود دال على النهي عن عدمه، أو على المنع منه بالذات، والثاني: منافٍ له بالعرض أي: بالاستلزام وهو الضد كالقيام مثلا أو الاضطجاع، وضابطه أن يكون معنى وجوديا يضاد المأمور به, ووجه منافاته بالاستلزام أن القيام مثلا يستلزم عدم القعود هو نقيض القعود، فلو حصل القعود لاجتمع النقيضان فامتناع اجتماع الضدين إنما هو لامتناع اجتماع النقيضين لا لذاتهما، فاللفظ الدال على القعود يدل على النهي عن الأضداد الوجودية كالقيام مثلا بالتزام، والذي يأمر قد يكون غافلا عنهما هكذا ذكره الإمام في المحصول وغيره، وفي المسألة قول آخر: أن المنافاة بين الضدين بالذات إذا علمت ذلك فقول المصنف: "وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه؛ لأنه جزؤه" لقائل أن يقول: إذا أراد بذلك أنه يدل على المنع من أضداده الوجودية فهذا مسلم، ولكن لا نسلم أنه جزء من ماهية الوجوب بل جزؤه المنع من الترك، وإن أراد به أنه دال على المنع من الترك فليس محل النزاع, إذ لا خلاف أن الدال على الوجوب دال على المنع من الترك لأنه جزؤه، وإلا خرج الواجب عن كونه واجبا، بل النزاع في دلالته على المنع من أضداده الوجودية كما اقتضاه كلام الإمام فيلزم إما فساد الدليل أو نصبه في غير محل النزاع، وإذا أردت إصلاح هذا الدليل بحيث يكون مطابقا للمدعى فقل: الأمر دال عن المنع من الترك, ومن لوازم المنع من الترك المنع من الأضداد فيكون الأمر دالا على المنع من الأضداد بالالتزام وهو المدعى. قوله: "قالت المعتزلة" أي: واستدلت المعتزلة على أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده بأن الموجب للشيء قد يكون غافلا عن نقيضه, فلا يكون النقيض منهيا عنه؛ لأن النهي عن الشيء مشروط بتصوره، ويغفل بضم الفاء كما ضبطه الجوهري قال: ومصدرها غفلة وغفولا وأجاب المصنف
стр. 57
بوجهين أحدهما: لا نسلم إمكان الإيجاب للشيء مع الغفلة عن نقيضه؛ لأن المنع من النقيض جزء من ماهية الوجوب كما قررناه، فيستحيل وجوب الإيجاب بدونه لاستحالة وجود الشيء بدون جزئه، وإذا استحال وجوده بدونه فالمتصور للإيجاب متصور للمنع من الترك فيكون متصورا للترك لا محالة، وهذا الجواب باطل؛ لكونه في غير محل النزاع كما تقدم، الثاني: سلمنا أن النقيض قد يكون مغفولا عنه, لكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون منهيا عنه, فإنه ينتقض بوجوب مقدمة الواجب أي: ما لا يتم الواجب إلا به, فإنه واجب كما تقدم مع الموجب قد يكون غافلا عنه فكذلك حرمة النقيض.
стр. 58
المسألة السادسة:
قال: "المسألة السادسة: إذا نسخ الوجوب بقي الجواز خلافا للغزالي؛ لأن الدال على الوجوب يتضمن الجواز والناسخ لا ينافيه, فإنه يرتفع الوجوب بارتفاع المنع من الترك قيل: الجنس يتقوم بالفصل فيرتفع بارتفاعه قلنا: لا وإن سلم فتقوم بفصل عدم الحرج" أقول: إذا أوجب الشارع شيئا ثم نسخ وجوبه فيجوز الإقدام عليه عملا بالبراءة الأصلية كما أشار إليه في المحصول في آخر هذه المسألة، وصرح به غيره، ولكن الدليل على الإيجاب قد كان أيضا دالا على الجواز كما سيأتي تقريره، فدلالته على الجواز هل هي باقية أم زالت بزوال الوجوب؟ هذا محل الخلاف، فقال الغزالي: إنها لا تبقى بل يرجع الأمر إلى ما كان قبل الوجوب من البراءة الأصلية أو الإباحة أو التحريم، وصار الوجوب بالنسخ كأن لم يكن, هكذا جزم في المستصفى، وقال الإمام وأتباعه والجمهور: إنها باقية ومراد هؤلاء بالجواز هو التخيير بين الفعل والترك كما سيأتي، وقد صرح به المصنف في آخر المسألة وهو الذي صرح الغزالي أيضا بعدم بقائه، وعلى هذا فيكون الخلاف بينهما معنويا على خلاف ما ادعاه ابن التلمساني، وصورة المسألة أن يقول الشارع: نسخت الوجوب أو حرمة الترك أو رفعت ذلك، فأما إذ نسخ الوجوب بالتحريم، أو قال: رفعت جميع ما دل عليه الأمر السابق من جواز الفعل ومنع الترك, فيثبت التحريم قطعا. قوله: "لأن الدال" أي الدليل على بقاء الجواز أن الجواز جزء من ماهية الوجوب لا الوجوب مركب من جواز الفعل مع المنع من الترك، وإن شئت قلت: من رفع الحرج عن الفعل مع إثبات الحرج على الترك, واللفظ الدال على الوجوب دال على الجواز بالتضمن، والناسخ للوجوب لا ينافي الجواز، فإن الوجوب يرتفع بارتفاع المنع من الترك إذ المركب يرتفع بارتفاع جزئه، وإذا تقرر أنه لا ينافيه فتبقى دلالته عليه، ولك أن تقول: الدليل الرافع للمنع من الترك إن لم يرفع أيضا الجواز فلا يكون ذلك نسخا بل تخصيصا؛ لأنه إخراج لبعض ما دل عليه اللفظ وهو غير المدعى, وإن رفعه فلا كلام أيضا فالمدعى بقاؤه هو الجواز بمعنى التخيير، والذي في ضمن الوجوب هو الجواز بمعنى رفع الحرج عن الفعل، ولا يتم المدعى إلا بزيادة أخرى تأتي في الجواب عن اعتراض الغزالي, ومع ذلك أيضا فليس مطابقا
стр. 59
للدعوى كما سيأتي إيضاحه. قوله: "قيل: الجنس ... إلخ" هذا يحتمل أن يكون إبطالا للدليل السابق، ويحتمل أن يكون دليلا للغزالي، وتقرير الأول أن يقال: لا نسلم أن الناسخ لا ينافي الجواز؛ لأن كل فصل فهو علة لوجود الحصة التي فيه من الجنس كما نص عليه ابن سينا١؛ لأنه يستحيل وجود جنس مجرد عن الفصول كالحيوانية مثلا, وإليه أشار بقوله: يتقوم بالفصل أي: يوجد به، ولعله من قولهم فلأن قوام أهل بيته بكسر القاف أي: الذي يقيم شأنهم، حكاه الجوهري، إذا تقرر ذلك فالجواز جنس للواجب والمندوب والمكروه والمباح، والعلة في وجوه في الواجب، وهو فصل الواجب وهو الحرج على الترك، فإذا زال الفصل زال الجواز؛ لأن المعلوم يزول بزوال علله، وفي ذلك يقوم بعضهم:
أيا من حياتي جنس فصل وصاله ... ومن عيشتي ملزوم لازم قربه
أيوجد ملزم ولا لازم له ... محال وجنس لم يقم فصله به
فثبت أن الناسخ ينافي الجواز. التقرير الثاني: أن يقال: الدليل على أن الجواز لا يبقى، وذلك أن كل فصل فهو علة ... إلخ، ثم أجاب المصنف بوجهين, أحدهما وإليه أشار بقوله: "قلنا: لا" أي: لا نسلم ما قاله ابن سينا من أن الفصل علة للجنس فقد خالفه الإمام وقال: إنهما معلولان لعلة واحدة، وتقرير ذلك مذكور في الكتب الحكمية ويحتمل أن يكون المراد أنا لا نسلم أن هذا الفصل الخاص وهو الحرج على الترك, علة لهذا الجنس الخاص، وهو الجواز لأنهما حكمان شرعيان، والأحكام القديمة فلا يكون أحدهما علة للآخر، الثاني: سلمنا أنه علة له, لكن لا نسلم أنه لا يلزم من ارتفاع هذا الفصل ارتفاع الجنس؛ لأن الجواز له قيدان أحدهما: الحرج على الترك, والثاني: عدم الحرج، فإذا زال الأول خلفه الثاني، وهذا الثاني استفدناه من الناسخ؛ لأنه أثبت رفع الحرج عن الترك، فالماهية الحاصلة بعد النسخ مركبة من قيدين أحدهما: زوال الحرج عن الفعل وهو مستفاد من الأمر، والثاني: زوال الحرج عن الترك وهو مستفاد من الناسخ، وهذه الماهية هي المندوب أو المباح، هكذا ذكره في المحصول وهو معنى ما قاله المصنف، واستفدنا من كلامه أنه إذا نسخ الوجوب بقي إما الإباحة أو الندب من الأمر وناسخه لا من الأمر فقط، فينبغي أن تكون الدعوى بهذه الصيغة، وهذا الكلام هو الذي سبق الوعيد بذكره. قال صاحب الحاصل: وفي هذه المسألة بحث دقيق ولعله يشير إلى شيء من هذا أو إلى مقالة ابن سينا السابقة
стр. 60
فإنها غير مذكورة في المحصول ولا في مختصراته، وأما فائدة هذا الخلاف من الفروع فهو كل موضع بطل فيه الخصوص، هل يبقى العموم من ذلك ما إذا وجد المنافي للفرض دون النفل، ويندرج فيه صور كثيرة كالإحرام قبل الزوال بالظهر، ومن ذلك ما أشار إليه الغزالي في الوسيط، وهو ما إذا أحال المشتري البائع بالثمن على رجل ثم وجد بالمبيع عيبا فرده فإن الحوالة تبطل على الأصح، ولكن هل للمحتال قبضه للمالك؟ فيه خلاف: وجه أجاز أن الحوالة متضمنة لجواز الأخذ والمنافي ورد على خصوص الحوالة فيبقى الجواز، وهذه المسألة قد أشار إليها الآمدي وابن الحاجب بقولهما: المباح ليس بجنس للواجب.
стр. 61
المسألة السابعة:
قال: "المسألة السابعة: الواجب به وبغيره, فكل واحد من الواجب والمندوب لا يجوز تركه. قال الكعبي ١: فعل المباح ترك الحرام وهو واجب قلنا: لا, بل به يحصل وقالت الفقهاء: يجب الصوم على الحائض والمريض والمسافر؛ لأنهم شهدوا الشهر وهو موجب وأيضا عليهم القضاء بقدره قلنا: العذر مانع والقضاء يتوقف على السبب لا الوجوب, وإلا لما وجب قضاء الظهر على من قام جميع الوقت" أقول: قد عزمت فيما تقدم أن الوجوب هو اقتضاء الفعل مع المنع من الترك فيستحيل كون الشيء واجبا مع كونه جائز الترك لاستحالة بقاء المركب بدون جزئه، وذكر المصنف ذلك توطئة للرد على طائفتين, إحداهما: الكعبي وأتباعه, والثانية: الفقهاء، فأما الكعبي فادعى أن المباح واجب كونه جائز الترك، واستدل بأن فعل المباح ترك الحرام وترك الحرام واجب فينتج أن فعل المباح واجب. قوله: "قلنا: لا" أي: لا نسلم أن فعل المباح هو نفس ترك الحرام قال في الحاصل: لأن فعل المباح أخص من ترك الحرام، وتقريره أنه يلزم من فعل المباح ترك الحرام, ولا يلزم من ترك الحرام فعل المباح لجواز تركه بالواجب والمندوب، ففعل المباح أخص من ترك الحرام والأخص غير الأعم فلا يكون المباح ترك الحرام، بل هو شيء يحصل به تركه لما بينا أنه قد يحصل والمباح والمكروه وسيلة لترك الحرام، وإذا كان للواجب وسائل فيجب واحدة منها لا بعينها, لا واحدة بخصوصها، فلا يتعين خصوص المباح للوجوب فيبطل دعوى الكعبي، وهكذا أجاب به الإمام وهو ضعيف؛ لأنه يلزم منه أن يكون المباح واجبا على التخيير, والواجب على التخيير واجبا على الجملة، وكل فرد يقع منه يكون واجبا بلا خلاف كما تقدم في خصال الكفارة، لكن تخصيص الكعبي بالمباح لا معنى له, بل يجري في غيره حتى في المكروه، ولأجل ضعف هذا الجواب قال الآمدي وابن برهان وابن الحاجب: إنه لا مخلص مما قاله الكعبي مع التزام أن ما لا يتم الواجب إلا به
стр. 62
فهو واجب، وأما الفقهاء فقال كثير منهم: يجب الصوم على الحائض والمريض والمسافر لوجهين أحدهما: أنهم شهدوا الشهر وشهود الشهر موجب للصوم لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] الثاني: أن القضاء يجب عليهم بقدر ما فاتهم فوجب أن يكون بدلا عنه كغرامة المتلفات, والجواب عن الأول: أن شهود الشهر إنما يكون موجبا عند انتفاء الأعذار المانعة من الوجوب والعذر ههنا قائم؛ فلذلك امتنع القول بالوجوب, وعن الثاني: أن القضاء يتوقف على سبب الوجوب، وهو دخول الوقت لا على وجود الوجوب إذ لو توقف على نفس الوجوب لما كان قضاء الظهر مثلا واجبا على من نام جميع الوقت؛ لأنه غير مكلف بالظهر في حال نومه لامتناع تكليف الغافل، والإمام وأتباعه لم يجيبوا عن هذين الدليلين كما أجاب المصنف, بل انتقلوا إلى المعارضة بما هو أقوى وهو جواز الترك كما قرره المصنف أولا وقوله: وقال الفقهاء: وهي عبارة صاحب الحاصل، والصواب عبارة الإمام في المحصول والمنتخب, فإنه قال: وقال كثير من الفقهاء، ثم قال بعد ذلك: وعندنا أنه لا يجب على الحائض والمريض أصلا, وأما المسافر فيجب عليه صوم أحد الشهرين، إما رمضان أو شهر غيره أيهما أتى به كان هو الواجب كما في خصال الكفارة, هكذا قال في المحصول والمنتخب وفيه نظر، فإن المريض أيضا يجوز له الصوم فيكون مخيرا, وإذا كان مخيرا فيكون كالمسافر إلا أن يفرض ذلك في مريض يقضي به الصوم لهلاك نفسه أو عضوه, فإنه يحرم عليه الصوم، قال الغزالي في المستصفى: فلو صام والحالة هذه فيحتمل أنه لا يجزئه؛ لأنه حرام ويحتمل تخريجه على الصلاة في الدار المغصوبة.
стр. 63
الباب الثاني: فيما لا بد للحكم منه وهو الحاكم والمحكوم عليه وبه
الفصل الأول: في الحكم
مدخل
...
الباب الثاني: فيما لا بد للحكم منه وهو الحاكم والمحكوم عليه وبه
قال: "الباب الثاني: فيما لا بد للحكم منه وهو الحاكم والمحكوم عليه وبه, وفيه ثلاثة فصول ":
الفصل الأول: في الحكم
وهو الشرع دون العقل لما بينا من فساد الحسن والقبح العقليين في كتاب المصباح" أقول: أركان الحكم ثلاثة: الحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم به؛ فلذلك ذكر المصنف في هذا الباب ثلاثة فصول لكل منها، الفصل الأول في الحاكم وهو الشرع عند الأشاعرة, فلا تحسين ولا تقبيح إلا بالشرع، واعلم أن الحسن والقبح قد يراد بهما ملاءمة الطبع ومنافرته كقولنا: إنقاذ الغرقى حسن، وأخذ الأموال ظلما قبيح، وقد يراد بهما صفة الكمال وصفه النقص، كقولنا: العلم حسن والجهل قبيح، ولا نزاع في كونهما عقليين, كما قال المصنف في المصباح تبعا للإمام وغيره، وإنما النزاع في الحسن والقبح بمعنى ترتيب الثواب والعقاب، فعندنا أنهما شرعيان، وذهبت المعتزلة إلى أنهما عقليان بمعنى أن العقل له صلاحية الكشف عنهما وأنه لا يفتقر للوقوف على حكم الله تعالى إلى ورود الشرائع لاعتقادهم وجوب مراعاة المصالح والمفاسد، وإنما الشرائع مؤكدة الحكم للعقل فيما يعلمه العقل بالضرورة كالعلم بحسن الصدق النافع أو بالنظر كحسن الصدق الضار،
стр. 64
فأما ما لا يعلمه العقل بالضرورة ولا بالنظر كصوم آخر يوم رمضان وتحريم أول يوم من شوال, فإن الشرائع مظهرة لحكمه لمعنى خفي علينا، فتلخص أن الحاكم حقيقة هو الشرع إجماعا وإنما الخلاف في أن العقل هل هو كافٍ في معرفته أم لا؟ وكلام الكتاب يوهم خلاف ذلك، وقد أحال المصنف إبطال مذهبهم على ما قرره في كتاب المصباح، فإن اللائق بذلك هو أصول الدين، وحاصل ما قاله فيه أن أفعال العباد منحصرة في الاضطرار والاتفاق, ومتى كان كذلك استحال وصفها بالحسن والقبح. بيان الانحصار أن المكلف إن لم يكن قادرا على الترك فهو الاضطراري، وإن كان قادرا على تركه فإن لم يكن صدوره عنه موقوفا على المرجح فهو الاتفاق، وإن كان موقوفا على المرجح فذلك المرجح، إن كان من الله تعالى لزم كون الفعل اضطراريا، وإن كان من العبد فإن لم يكن صدور ذلك المرجح آخر لزم أن يكون الفعل اتفاقيا وإن كان لمرجح، فإن كان من العبد لزم التسلسل، وإن كان من الله تعالى لزوم أن كونه اضطراريا فثبت أن أفعال العبد منحصرة في الاضطرار والاتفاق، وحينئذ فلا يوصف بحسن ولا قبح للإجماع منا ومنهم على أنه لا يوصف بذلك إلا الأفعال الاختيارية، وللفضلاء على هذه النكتة أسئلة كثيرة مذكورة في المبسوطات.
стр. 65
الفرع الأول:
قال: "فرعان على التنزل: "الأول" شكر المنعم ليس بواجب عقلا, إذ لا تعذيب قبل الشرع لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ولأنه لو وجب لوجب إما لفائدة المشكور وهو منزه, أو للشاكر في الدنيا وإنه مشقة بلا حظ أو في الآخرة ولا استقلال للعقل بها، قيل: يدفع ظن الضرر الآجل قلنا: قد يتضمنه؛ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه وكالاستهزاء لحقارة الدنيا بالقياس إلى كبريائه, ولأنه ربما لا يقع لائقا قيل: ينتقض بالوجوب الشرعي قلنا: إيجاب الشرع لا يستدعي فائدة" أقول: لما أبطل الأصحاب قاعدة التحسين والتقبيح العقليين لزم من إبطالها إبطال وجوب شكر المنعم عقلا, وإبطال حكم الأفعال الاختيارية قبل البعثة. قال في المحصول: لكن جرت عادة الأصحاب بعد ذلك أن يتنزلوا ويسلموا لهم صحة القاعدة ويبطلوا مع ذلك كلامهم في هذين الفرعين بخصوصهما لقيام الدليل على إبطال حكم العقل فيهما، وحاصله يرجع إلى تخصيص قاعدة الحسن والقبح العقليين بإخراج بعض أفرادها لمانع، كما وقع ذلك في القواعد السمعية، وقوله: على التنزيل أي: على الافتراض, وسمي بذلك لأن فيه تكلف الانتقال من مذهبنا الحق الذي هو المرتبة العليا إلى مذهبهم الباطل الذي هو في غاية الانخفاض.
"واعلم" أن المصنف قد أقام الدليل على إبطال حكم العقل في الفرع الأول، وأما الفرع الثاني فإنه أبطل أدلته فقط كما ستراه، ولا يلزم من إبطال الدليل المعين إبطال المدلول. "الفرع الأول": أن شكر المنعم لا يجب عقلا خلافا للمعتزلة والإمام فخر الدين في بعض كتبه الكلامية، وليس المراد بالشكر هو قول القائل: الحمد لله والشكر لله ونحوه, بل المراد به اجتناب المستخبثات العقلية، والإتيان بالمستحسنات
стр. 66
العقلية، والمنعم هو البارئ ، والدليل على عدم الوجوب النقل والعقل، أما النقل فقوله : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فانتفاء التعذيب قبل البعثة دليل على أنه لا وجوب قبلها؛ لأن الواجب هو الذي يصح أن يعاقب تاركه، وإذا لم يكن الوجوب ثابتا قبلها لم يكن الوجوب عقليا، فإن قيل: عدم العقاب لا يدل على عدم الوجوب لجواز العفو، قلنا: المنفي هو صحة التعذيب؛ لأن قولنا: ما كان لزيد أن يفعل كذا فيه إشعار بذلك، وأيضا فإن الخصم يقول بأنه يجب التعذيب قبل التوبة فألزمناه به, وعلى هذا فالملازمة بين نفي التعذيب وعدم الوجوب إلزامية، وعلى الأول حقيقة وبرهانية، ولك أن تقول: هذه الآية تدل على إبطال حكم العقل مطلقا؛ لأنها نفت التعذيب قبل التوبة لا في شكر المنعم فقط، وهو خلاف المقصود؛ لأن البحث على تقدير تسليم حكم العقل، وللمعتزلة أيضا هنا اعتراضات ضعيفة، كقولهم: يحتمل أن يكون المنفي هو مباشرة التعذيب فإنه مدلول، وما كنا أو المنفي وقوعه قبل البعثة لا وقوعه مطلقا، فقد يتأخر للقيامة، أو الرسول هو العقل، وأما الدليل الثاني وهو الدليل العقلي فلأنه لو وجب لامتنع أن يجب لا لفائدة لأنه عبث، والعقل لا يوجب العبث، ولأن المعقول من الوجوب ترتب الثواب على الفعل والعقاب على الترك، فإذا لم يتحقق ذلك لم يتحقق الوجوب، ويمتنع أيضا أن يجب لفائدة؛ لأن تلك الفائدة لا جائز أن تكون راجعة إلى المشكور وهو البارئ ؛ لأن الفائدة إما جلب منفعة أو دفع مضرة والبارئ تعالى منزه عن ذلك، ولا إلى الشاكر في الدنيا؛ لأن الاشتغال بالشكر كلفة عاجلة ومشقة على النفس لا حظ لها فيه، ولا في الآخرة أيضا؛ لأن العقل لا يستقل بمعرفة الفائدة في الآخرة أو معرفة الآخرة نفسها دون إخبار الشارع ولا ذكر لهذا التعليل المذكور في القسم الأخير في كلام الإمام ولا أتباعه, ولقائل أن يقول: لا نسلم انحصار القسمة في عود الفائدة إلى الشاكر والمشكور بل لا بد من إبطال عودها إلى غيرهما أيضا سلمنا, قال الآمدي في الأحكام: فقد تكون الفائدة راجعة إلى الشاكر في الدنيا، وكون الشكر مشقة لا ينفي حصول فائدة مترتبة عليه كاستمرار الصحة وسلامة الأعضاء الباطنة والظاهرة وزيادة الرزق ودفع القحط, إلى غير ذلك مما لا ينحصر، بل الغالب أن الفوائد لا تحصل إلا بالمشاق فقد يكون الشكر سببا لشيء من هذه الفوائد على معنى أن يكون شرطا في حصوله، وأيضا فقد يكون الشيء ضررًا، ويكون دفعا لضرر أزيد منه كقطع اليد المتألمة. قوله: "قيل: يدفع ظن ضرر الأجل" هذا اعتراض للمعتزلة على قولنا: لا فائدة فيه. قالوا: بل له فائدة وهو الخروج عن العهدة بيقين، فإنه يجوز أن يكون خالقه طلب منه الشكر فيقول: إن أتيت به سلمت من العقوبة, وإن تركته فقد يكون أوجبه علي فيعاقبني عليه فيكون الإتيان به يدفع احتمال العقوبة، وتعبير المصنف بالظن فيه نظر؛ لأن الظن هو الغالب ولا غالب إنما الحاصل هو العقوبة،
стр. 67
وتعبير المصنف بالظن فيه نظر؛ لأن الظن هو الغالب ولا غالب, إنما الحاصل هو الاحتمال فقط، ويمكن جعل هذا الاعتراض دليلا للمعتزلة، فيقال: الإتيان بالشكر يدفع ظن الضرر, ودفع الضرر والمظنون واجب، فالإتيان بالشكر واجب والواجب أن الشكر قد يتضمن الضرر أيضا، فيكون الخوف حاصلا على فعله كما أنه حاصل على تركه، وإذا حصل الخوف على الأمرين كان البقاء على الترك بحكم الاستصحاب أولى، فإن لم يثبت أولوية الترك فلا أقل من أن لا يثبت القطع بوجوب الفعل، وإنما قلنا: إنه قد يخاف منه الضرر لثلاثة أوجه, أحدها: أن الشاكر ملك المشكور, فإقدامه على الشكر بغير إذنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه من غير ضرورة, والثاني: أن شكر الله تعالى على نعمه كأنه استهزاء بالله تعالى؛ لأن من أعطاه الملك العظيم كسرة من الخبز أو قطرة من الماء فاشتغل المنعم عليه في المحافل العظيمة بذكر تلك النعمة وشكرها كان مستهزئا، ولا شك أن ما أنعم الله تعالى به على عباده بالنسبة إلى كبريائه وخزائن ملكه أقل من نسبة اللقمة إلى خزائن الملك؛ لأن نسبة المتناهي إلى المتناهي أكثر من المتناهي إلى غير المتناهي، والثالث: أنه ربما لا يهتدي إلى الشكر اللائق بالله تعالى فيأتي به على وجه غير لائق, ونسق غير موافق. قوله: "قيل: ينتقض بالوجوب الشرعي" يعني: أن المعتزلة قالوا: ما ذكرتموه من الدليل يقتضي أن الشكر يستحيل إيجابه شرعا، فإنه يقال: إن الله تعالى لو أوجبه إما لفائدة, أو لا لفائدة إلى آخر التقسيم، لكنه يجب إجماعا فما كان جوابا لكم كان جوابا لنا، والجواب: أن مذهبنا أنه لا يجب تعليل أحكام الله تعالى وأفعاله بالأغراض، فله بحكم المالكية أن يوجب ما شاء على من شاء, من غير فائدة ومنفعة أصلا، وهذا مما لا يمكن الخصم دعواه في العقل. هكذا قال في المحصول, فتبعه المصنف هنا وفي مواضع أخرى, لكنه نص في القياس على أن الاستقراء دال على أن الله شرح أحكامه لمصالح العباد تفضلا وإحسانا، وهذا يقتضي أن الله تعالى لا يفعل إلا الحكمة، وإن كان على سبيل التفضل، وهو ينافي المذكور هنا، والجواب الصحيح: التزام كون الوجوب الشرعي لفائدة في الآخرة؛ لأنا علمناها بأخبار الشارع، وهذا لا يأتي في الوجوب العقلي كما تقدم. "فائدة": قال الآمدي: هذه المسألة ظنية؛ لأن المعقول فيها ضعيف كما تقدم.
стр. 68
الفرع الثاني:
قال: "الفرع الثاني: الأفعال الاختيارية قبل البعثة مباحة عند البصرية وبعض الفقهاء، محرمة عند البغدادية وبعض الإمامية وابن أبي هريرة، وتوقف الشيخ والصيرفي، وفسره الإمام بعدم الحكم، والأولى أن يفسر بعدم العلم؛ لأن الحكم قديم عنده، ولا يتوقف تعلقه على البعثة لتجويزه التكليف بالمحال" أقول: هذا هو الفرع الثاني من الفرعين اللذين أشار إليهما بقوله: فرعان من التنزل، وحاصله أن الأفعال الصادرة من الشخص قبل بعثة الرسول إن كانت اضطرارية كالتنفس في الهواء وغيره, ففي المحصول والمنتخب أنها غير ممنوع منها قطعا، قال في المحصول: إلا إذا جوزنا
стр. 69
التكليف مما لا يطاق, وعبر بعض الشارحين وصاحب التحصيل عن هذا بأنه مأذون فيه وفيه نظر، فسيأتي في آخر هذه المسألة أن عدم المنع لا يستلزم الإذن فيه؛ لأن الإذن هو الإباحة والإباحة حكم شرعي لا يثبت إلا بالشرع والفرض عدم وروده، وأما الأفعال الاختيارية كأكل الفاكهة وغيرها فهي مباحة عند المعتزلة البصرية وبعض الفقهاء أي: من الشافعية والحنفية كما قال في المحصول والمنتخب، ومحرمة عند المعتزلة البغدادية وطائفة من الإمامية وأبي علي بن أبي هريرة١ من الشافعية، وذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري٢ وأبو بكر الصيرفي من الشافعية إلى أنها على الوقف، واختاره الإمام فخر الدين وأتباعه، فإن قيل: سيأتي في آخر الكتاب أن الأصل في المنافع الإباحة على الصحيح، قلنا: الخلاف هناك فيما بعد الشرع بأدلة سمعية، ولم يحرر المصنف مذهب المعتزلة، وقد حرره الآمدي في الأحكام وتبعه عليه ابن الحاجب فقال: محل هذا الخلاف عندهم في الأفعال التي لا دلالة للعقل فيها على حسن ولا قبح، فإن اقتضى ذلك انقسمت إلى الأحكام الخمسة؛ لأن ما يقضي العقل بحسنه إن لم يترجح فعله على تركه فهو المباح، وإن ترجح نظر, إن لحق تاركه الذم فهو الواجب، وإلا فهو المندوب، وما يقضي العقل بقبحه إن لحق فاعله الذم فهو الحرام، وإلا فهو المكروه. قوله: "وفسره الإمام" أي: فسر الإمام فخر الدين هذا التوقف الذي ذهب إليه الشيخ بعدم الحكم أي: لا حكم في الأفعال الاختيارية قبل الشرع، فبحث المصنف معه في هذا، فقال: الأولى أن يفسر بعد العلم بالحكم أي: لها، ولكن لا تعلمه بعينه ولا يفسر بعدم الحكم؛ لأن الحكم قديم عند الأشعري, ثابت قبل وجود الخلق، فكيف يستقيم نفيه بعد وجودهم وقبل البعثة، والضمير في قوله: عنده يعود إلى الأشعري، وفي بعض الشروح أنه عائد إلى الإمام وهو مردود؛ لأن تفسير القول راجع إلى مقتضى قاعدة قائلة لا قاعدة مفسرة، ثم إن المصنف استشعر سؤالا على هذا البحث فأجاب عنه، وتقرير السؤال يقال: تعلق الحكم بالأفعال الاختيارية حادث، فيجوز أن يكون مراد الإمام بعد الحكم قبل البعثة عدم التعلق كما تقدم مثله في أول الكتاب في قولنا: حلت المرأة بعد أن لم تكن, أن معناه: حدث تعلق الحل لا الحل نفسه، والجواب: أن التعلق لا يتوقف على البعثة أيضا عند الأشعري؛ لجواز التعلق قبل الشرع، وإن لم يعلم المكلف إذ غاية ما يلزم منه أنه تكليف بالمحال، وهو جائز على
стр. 70
رأيه كما سيأتي. هذا حاصل كلام المصنف, فأما قوله: وفسره الإمام بعد الحكم فممنوع، فإن عبارته في أول هذه المسألة ثم هذا الوقف تارة يفسر بأنه لا حكم، وهذا لا يكون وقفا بل قطعا بعدم الحكم، وتارة بأنا لا ندري هل هناك حكم أم لا؟ وإن كان هناك حكم فلا ندري أنه إباحة أو حظر، هذه عبارته وليس فيها ههنا اختيار شيء من هذه الاحتمالات التي نقلها، ثم إنه في آخر المسألة اختار تفسيره بعد العلم, فقال: وعن الأخير, أن مرادنا بالوقف أنا لا نعلم أن الحكم هو الحظر أو الإباحة، هذا لفظ الإمام في المحصول بحروفه، وذكر مثله أيضا في المنتخب ولعل الذي أوقع المصنف في هذا اللغط، هو صاحب الحاصل فإنه قال في اختصاره للمحصول: ثم التوقف مرة يفسر بأنا لا ندري الحكم ومرة بعدم الحكم وهو الحق، هذه عبارته، وأما قوله: والأولى أن يفسر بعدم العلم فعبارة غير مفهمة للمراد؛ لأنها تحتمل ثلاثة أمور؛ أحدها: أنا لا نعلم هل فيها حكم أم لا؟ الثاني: أنا نعلم أن هناك حكما ولكن لا نعلمه بعينه, الثالث: أنا نعلم أيضا أن هناك حكما ولكن نعلم تعلقه بفعل المكلف، فاحتملت العبارة أن يكون المراد إما عدم العلم به، أو بتعينه، أو بتعلقه فأما الأول فلا يصح إرادته, وأما الثالث فكذلك أيضا؛ لأنه لو احتمل توقف التعلق على البعثة لصح الاعتراض المتقدم الذي استشعره، فأجاب عنه وهو عنده باطل وحاصله أن الذي حاول إرشاد الإمام إليه قد ذكره الإمام بعينه بعبارة هي أحسن من عبارته، وأما قوله: ولا يتوقف تعلقه ... إلخ فضعيف؛ لأنه لا يلزم من تجويزه التكليف بالمحال أن يكون التعلق سابقا على البعثة؛ لأنه لو لزم من ذلك لكان يلزم أن يكون التكليف بالمحال واجبا عنده وهو باطل، بل قام الدليل على أن هذه الصورة من المحال لم تقع وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ [الإسراء: ١٥] الآية, ثم إن هذا من باب تكليف المحال لا من التكليف بالمحال, وستعرف الفرق بينهما في تكليف الغافل.
قال: "احتج الأولون بأنها انتفاع خالٍ عن أمارة المفسدة ومضرة المالك فتباح كالاستظلال بجدار الغير والاقتباس من ناره، وأيضا المآكل اللذيذة خلقت لغرضنا لامتناع العبث واستغنائه وليس للإضرار اتفاقا, فهو للنفع وهو إما التلذذ، أو الاغتذاء، أو الاجتناب مع الميل أو الاستدلال، ولا يحصل إلا بالتفاؤل وأجيب عن الأول بمنع الأصل، وعليه الأوصاف والدوران ضعيف، وعن الثاني أن أفعاله لا تعلل بالغرض, وإن سلم فالحصر ممنوع, وقال الآخرون: تصرف بغير إذن المالك فيحرم كما في الشاهد، ورد بأن الشاهد يتضرر به دون الغائب". قوله: احتجت المعتزلة البصرية على إباحة الأشياء قبل ورود الشرع بوجهين، أحدهما: أن تناول الفاكهة مثلا انتفاع خالٍ عن أمارات المفسدة؛ لأن الفرض أنه كذلك، وخالٍ عن مضرة المالك لأن مالكه هو الله تعالى، وهو لا يتضرر بشيء فيكون مباحا قياسا على الاستظلال بجدار الغير والاقتباس من ناره بغير إذنه، فإنه أبيح لكونه انتفاعا خاليا عن أمارة المفسدة ومضرة المالك، فلما وجدنا الإباحة
стр. 71
دائرة مع هذه الأوصاف وجودا وعندما دل على أنها علة لها؛ لأن الدوران يدل على العلية، ثم إن هذه الأوصاف التي حكمنا بأنها علة للإباحة وجدناها في مسألتنا فحكمنا بإباحتها، وإنما قال عن أمارة المفسدة ولم يقل عن المفسدة؛ لأن العبرة في القبح إنما هو بالمفسدة المستندة إلى الأمارة، فأما المفسدة الخالية من الأمارة فلا اعتبار بها، ألا ترى أنهم يلومون من جلس تحت حائط مائل وإن سلم، دون الحائط المستقيم، وإن وقعت عليه والتمثيل باقتباس فاسد؛ لأن الاقتباس هو أخذ جزء من النار وهو لا يجوز بغير الإذن قطعا، قال الجوهري: القبس: شعلة من نار وكذلك المقباس يقال: قبست منه نارا أقبس قبسا فأقبسني أي: أعطاني منه قبسا وكذلك اقتبست منه نارا، هذا لفظه بحروفه، فكان الصواب أن يقول: والاستضاءة بناره وشبهه، ولذلك لم يذكر الإمام هذا المثال، وإنما ذكره صاحب الحاصل فتبعه المصنف عليه، وأما التمثيل بالاستظلال فليس مجمعا عليه بل فيه خلاف في مذهبنا حكاه الإمام في النهاية في كتاب الصلح في الجدار لمالكين يقع فينفرد أحدهما ببنائه. الدليل الثاني: أن الله تعالى خلق المآكل اللذيذة لغرضنا إذ لو كان لا لغرض البتة لكان عبثا وهو على الله تعالى محال، ولو كان لغرض راجع إليه لكان مفتقرا إليه، والبارئ مستغن عن كل شيء، فتعين أن يكون لغرضنا, وذلك الغرض ليس هو الإضرار بالاتفاق من العقلاء، فتعين أن يكون خلقها للنفع، وذلك النفع إما أن يكون دنيويا كالتلذذ والاغتذاء، أو دينيا عمليا، كالاجتناب مع الميل لكون تناولها مفسدة, فيستحق الثواب باجتنابها كالخمر، أو دينيا عمليا كالاستدلال بها، أي يشتهي طعومها على كمال قدرة الله تعالى، كما قال في الحاصل وذلك كله لا يحصل إلا بالتناول، أما الأول والثاني والرابع فواضح، وأما الثالث؛ فلأن ميل النفس إلى الشيء إنما يكون بعد تقدم إدراكه, فلزم من ذلك كله أن يكون الغرض في خلقها هو التناول؛ لأنا قررنا أن الخلق لغرض، وأن الغرض هو نفع، وأن النفع محصور في الأربعة، وأن الأربعة لا تحصل إلا بالتناول فينتج أن الخلق لأجل التناول، وإذا كان كذلك كان التناول مباحا. "واعلم" أن ذكر الاغتذاء في هذا التقسيم مفسد؛ لأن الاغتذاء لا يحرم قطعه لكونه مضطرا إلى تناول ما يغذيه كما قدمناه في أول المسألة، فالصلح للاغتذاء ليس مما نحن فيه، فلم يبق إلا الثلاثة الأخيرة. لا جرم أن الإمام لم يذكر هذا القسم في المحصول ولا في المنتخب, نعم ذكره صاحب الحاصل فتابعه المصنف عليه. قوله: "وأجيب عن الأول" أي: الجواب عن الدليل الأول، وهو القياس على الاستظلال والاقتباس بجامع الانتفاع المذكور من وجهين, أحدهما: لا نسلم أن الأصل المقيس عليه وهو الاستظلال والاقتباس مباح قبل الشرع؛ لأنه فرد من أفراد المسألة, وإباحته الآن إنما ثبتت بالشرع, والكلام فيما قبل الشرع لا فيما بعده. الثاني: سلمنا إباحة الأصل المقيس عليه، لكن لا نسلم أن العلة في إباحته وهذه الأوصاف، وهو الانتفاع
стр. 72
الخالي عن أمارة المفسدة ومضرة المالك, والقياس إنما يصح عند اشتراكهما في العلة, فإن قيل: وجدنا الإباحة دائرة مع هذه الأوصاف وجودا أو عدما، أي: متى وجدت هذه الأوصاف وجدت الإباحة, ومتى عدمت عدمت، فدل ذلك على أنها هي العلة, فالجواب: أن دلالة الدوران على كون الوصف علة للشيء الذي دار معه دلالة ضعيفة على ما سيأتي في القياس؛ لأن الراجح أنها لا تفيد القطع بل الظن، وفي هذا نظر لأن الدوران يفيد القطع بالعلية عند المعتزلة كما نقله صاحب الحاصل وغيره، فقوله: بمنع الأصل أي: المقيس عليه وقوله: وعليه الأوصاف أي: وبمنع علية الأوصاف، وهي كونها علة، وقوله: والدوران ضعيف جواب عن سؤال مقدر. قال التبريزي في مختصر المحصول المسمى بالتنقيح: القياس على الاستظلال وشبهه فاسد، إذ لا تصرف فيه البتة، ولذلك يصح من المالك المنع منها بخلاف ما نحن فيه، قال: ثم إنه معارض بأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، ولا ضرر فيه على الملك فكان حراما كنقل الحديد من موضع إلى موضع، وشبهه مما لا ضرر فيه البته. قوله: "وعن الثاني" أي: الجواب عن الدليل الثاني وهو قولهم: إن الله تعالى خلق المآكل اللذيذة لغرضنا من وجهين, أحدهما: أن أفعال الله تعالى لا تعلل بالأغراض، وهذا الكلام من المصنف يحتمل نفي التعليل مطلقا، ونفي التعليل بالغرض، أي: لا نسلم أن الله تعالى يجب تعليل أحكامه بل له أن يفعل ما شاء من غير فائدة ومنفعة أصلا، كما نقلناه عن المحصول في الفرع قبله أو معناه: لا نسلم صحة إطلاق الغرض في حق الله تعالى، وإن كان فعله لا بد من مصلحة لنا. الثاني: سلمنا صحة تعليله بالغرض لكن لا نسلم أن الغرض محصور في الأربعة التي ذكروها, فإنهم لم يقيموا حجة على الحصر، ونحن ننازع فنقول: يجوز أن يكون الغرض في خلقها هو التنزه بمشاهدتها، أو الاستنشاق بروائحها، أو الاستدلال على معرفة الصانع باختلاف ألوانها، وأشكالها الغريبة، والجواب الأول فيه نظر؛ لأن الكلام في هذين الشرعين إنما هو بعد تسليم أن العقل يحسن ويقبح، ومع تسليمه تجب مراعاة المصالح والمفاسد ويمتنع الخلق لا المعنى، وهذان الجوابان ذكرهما صاحب الحاصل فتبعه المصنف عليهما، ولم يجب الإمام بشيء منهما, وإنما أجاب بالنقض بخلق الطعوم المهلكة، وذلك يدل على أن الغرض ليس محصورا في النفع بل قد يكون خلقها للإضرار، ولم يرتض صاحب التحصيل هذا الجواب الذي ذكره الإمام قال: لأنه يمكن الانتفاع بالمؤذي بالتركيب مع ما يصحله, ثم أجاب بجوابين, أحدهما: منع الحصر كما تقدم، والثاني: أنه يمكن معرفته بتناول واقع في غير حال التكليف كالواقع في حال الصغر أو السهو، ونحن لا نسمي فعل غير المكلف مباحا, فتخلص من هذه الأجوبة كلها، أن نقول: لا نسلم أنه خلقها لغرض سلمنا ذلك لكن لا نسلم أنه خلقها للنفع, فقد يكون الغرض هو الإضرار كالسموم، سلمنا أنه نفع فلا نسلم الحصر في الأربعة، سلمنا انحصاره لكن لا يدل
стр. 73
على الإباحة لجواز معرفته بفعل الصغير وشبهه. وقوله: "وقال الآخرون" يجوز فيه خانه وهو ظاهر، وكسرها لأنه قسيم قوله: احتج الأولون وحاصله أن القائلين بالتحريم احتجوا بأنه تصرف في ملك الله تعالى بغير إذنه, فيحرم قياسا على الشاهد وهم المخلوقات, ورد هذا القياس بالفرق, وهو أن الشاهد يتضرر بذلك دون الغائب ، وهذا الجواب أخذه المصنف من الحاصل وأجاب الإمام بمعارضة هذا الدليل بالدليل الدال على الإباحة, وهو القياس على الاستظلال, والأول أحسن.
قال: "تنبيه: عدم الحرمة لا يوجب الإباحة؛ لأن عدم المنع أهم من الإذن" أقول: هذا جواب عن سؤال مقدر أورده الفريقان على القائلين بالتوقف بمعنى أنه لا حكم، فقالوا: هذه الأفعال إن كانت ممنوعا منها فتكون محرمة، وإلا فتكون مباحة، ولا واسطة بين النفي والإثبات، وأجاب عنه في المحصول بوحهين, الأول: وهو على تقدير أن يفسر الوقف بعد الحكم هو الحظر أو الإباحة, فسقط السؤال والجواب. الثاني: وهو على تقدير أن يفسر الوقف بعد الحكم فنقول: أما قولكم: إن كانت هذه التصرفات ممنوعا منها, فتكون محرمة فإنه مسلم، وأما قولكم: إذا لم تكن ممنوعا منها فتكون مباحة فغير مسلم؛ لأنه قد يوجد عدم المنع من الفعل، ولا توجد الإباحة بدليل فعل غير مكلف كالنائم فإنه ليس ممنوعا منه، ومع ذلك لا يسمى مباحا؛ لأن المباح هو الذي أعلم فاعله، أو دل بأنه لا حرج في فعله ولا في تركه. فإذا لم يوجد هذا الإذن لا توجد الإباحة فتلخص أن عدم المنع من الفعل أعم من الإذن فيه؛ لأنه قد يوجد معه وقد لا يوجد، والأعم لا يستلزم الأخص فيكون عدم الحرمة لا يستلزم الإباحة، فيصبح تفسير الوقف بعدم الحكم, وفيما قاله نظر؛ لأن المراد من الإباحة في هذه الصورة هي الإباحة العقلية، وهي عدم المنع لا الإباحة الشرعية حتى يقال: لا بد فيها من الإذن.
"واعلم" أن المصنف لم يتعرض لمن يورد عليه السؤال ولا لكيفية إيراده، وقد ظهر أنه لا يرد من أصله على المصنف لأمرين أحدهما: أنه لم يصرح باختيار الوقف, الثاني: أنه فسر الوقف بعدم العلم, ولا يرد أيضا على الإمام في الحقيقة لما تقدم لك من كونه يختار التفسير بعدم العلم أيضا، وحاصله: أنه إيراد على تفسير لم يرتضه عن قائل غلط في نسبته إليه كما تقدم لمذهب لم يختره، وقد التبس المقصود على كثير من شراح هذا الكتاب, فاجتنب ما وقعوا فيه من الوهم.
стр. 74
الفصل الثاني: في المحكوم عليه
المسألة الأولى:
قال: "الفصل الثاني في المحكوم عليه وفيه مسائل: الأولى: أن المعدوم يجوز الحكم عليه, كما أنا مأمورون بحكم الرسول ﵊ قيل: الرسول قد أخبر أن من سيولد فإن الله تعالى سيأمره، قلنا: أمر الله تعالى في الأول معناه أن فلانا إذا وجد فهو مأمور بكذا قيل: الأمر في الأزل ولا سامع ولا مأمور عبث بخلاف أمر الرسول ﵊ قلنا: مبني على القبح العقلي، ومع هذا فلا سفه في أن يكون في النفس
стр. 75
طلب التعلم من ابن سيولد". أقول: لما فرغ من الكلام في الحاكم انتقل إلى المحكوم عليه وذكر فيه أربع مسائل, الأولى: في جواز الحكم على المعدوم ولنقدم عليه مقدمة فنقول: اختلفوا في معنى كونه تعالى متكلما فقالت المعتزلة: معناه أنه خالق الكلام, فعلى هذا يكون الكلام عندهم من صفات الأفعال يوجد فيما لا يزال، وقالت الحنابلة: كلامه تعالى عبارة عن الحروف والأصوات وهي قديمة، وأنكروا كلام النفس، وقال الأشعري وأتباعه: إنه صفة قديمة قائمة بذاته, لا أول لوجودها وهو صفة واحدة في نفسه لا تعدد فيه بحسب ذاته، بل بحسب الإضافات وهو مع وحدته أمر ونهي وخبر ونداء, وانقسامه إلى هذه الأشياء بحسب متعلقاته, فإنه إن تعلق بطلب الفعل كان أمرا، أو بطلب الترك كان نهيا، فكونه أمرا أو نهيا أوصاف لا أنواع، كما أن الجوهر في نفسه واحد وإن كان مشتملا على أوصاف كالتحيز والقيام بنفسه, والقبول للأعراض، إذا عرف هذا فنقول: لما كان الحكم عند الأشاعرة هو خطاب الله بنفسه, والقبول للأعراض، إذا عرف هذا فنقول: لما كان الحكم عن الأشاعرة هو خطاب الله تعالى، كما تقدم، وخطاب الله تعالى هو كلامه الأزلي كما بيناه لزمهم أن يقولوا: إن الأمر والنهي ثابتان في الأزل، وليس ثم مأمور ولا منهي فلذلك قالوا: المعدوم يجوز الحكم عليه وهذه هي عبارة المصنف، وهي أحسن من قول الإمام: المعدوم يجوز أن يكون مأمورا؛ لأن الحكم أعم, قال في المحصول: وليس معنى كون المعدوم مأمورا أنه يكون مأمورا حال عدمه؛ لأنه معلوم البطلان بل على معنى أنه يجوز أن يكون الأمر موجودا في الحال، ثم إن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك يصير مأمورا بذلك الأمر هذا لفظه، وذكر الآمدي نحوه فقال: معناه قيام الطلب القديم بذات الرب للفعل من المعدوم بتقديم وجوده, وتهيئه لفهم الخطاب، فإذا وجدوا تهيؤا للتكليف صار مكلفا بذلك الطلب، قال: وأنكره سائر الفرق، لنا أن الواحد منا حال وجوده يصير مأمورا بأمر الرسول ﵊ مع أن ذلك الأمر ما كان موجودا إلا حالة عدمنا فكذلك في حق الله تعالى، اعترض الخصم على هذا الدليل فقال: إن الرسول ﵊ مخبر ومبلغ عن الله تعالى أوامره, إما بالوحي، أو بالاجتهاد، وليس هو بمنشئ الأوامر من عنده, فالأمر الوارد منه إخبار عن الله تعالى بأنه سيأمرهم عند وجودهم, فلم يحصل الأمر عند عدم المأمور، بخلاف دعواكم في أمر الله تعالى, والجواب: أن أمر الله تعالى في الأزل عبارة عن الإخبار أيضا؛ لأن معناه أن فلانا إذا وجد بشروط التكليف, صار مكلفا بكذا.
واعلم أن كون الأمر معناه الإخبار, نقله في المحصول والمنتخب هنا عن بعض الأصحاب, فجزم به صاحب الحاصل فتبعه المصنف عليه، وقد صرح بإبطاله الكتابين المذكورين في أوائل الأوامر والنواهي في الكلام على أن الطلب غير الإرادة, نعم جزم بعكس ذلك وموافقة كلام المصنف في المحصول في الكلام عن تكليف ما لا يطاق, وفي الأربعين في المسألة السابعة عشرة, وفي معالم أصول الدين في المسألة الثامنة