دائرة مع هذه الأوصاف وجودا وعندما دل على أنها علة لها؛ لأن الدوران يدل على العلية، ثم إن هذه الأوصاف التي حكمنا بأنها علة للإباحة وجدناها في مسألتنا فحكمنا بإباحتها، وإنما قال عن أمارة المفسدة ولم يقل عن المفسدة؛ لأن العبرة في القبح إنما هو بالمفسدة المستندة إلى الأمارة، فأما المفسدة الخالية من الأمارة فلا اعتبار بها، ألا ترى أنهم يلومون من جلس تحت حائط مائل وإن سلم، دون الحائط المستقيم، وإن وقعت عليه والتمثيل باقتباس فاسد؛ لأن الاقتباس هو أخذ جزء من النار وهو لا يجوز بغير الإذن قطعا، قال الجوهري: القبس: شعلة من نار وكذلك المقباس يقال: قبست منه نارا أقبس قبسا فأقبسني أي: أعطاني منه قبسا وكذلك اقتبست منه نارا، هذا لفظه بحروفه، فكان الصواب أن يقول: والاستضاءة بناره وشبهه، ولذلك لم يذكر الإمام هذا المثال، وإنما ذكره صاحب الحاصل فتبعه المصنف عليه، وأما التمثيل بالاستظلال فليس مجمعا عليه بل فيه خلاف في مذهبنا حكاه الإمام في النهاية في كتاب الصلح في الجدار لمالكين يقع فينفرد أحدهما ببنائه. الدليل الثاني: أن الله تعالى خلق المآكل اللذيذة لغرضنا إذ لو كان لا لغرض البتة لكان عبثا وهو على الله تعالى محال، ولو كان لغرض راجع إليه لكان مفتقرا إليه، والبارئ مستغن عن كل شيء، فتعين أن يكون لغرضنا, وذلك الغرض ليس هو الإضرار بالاتفاق من العقلاء، فتعين أن يكون خلقها للنفع، وذلك النفع إما أن يكون دنيويا كالتلذذ والاغتذاء، أو دينيا عمليا، كالاجتناب مع الميل لكون تناولها مفسدة, فيستحق الثواب باجتنابها كالخمر، أو دينيا عمليا كالاستدلال بها، أي يشتهي طعومها على كمال قدرة الله تعالى، كما قال في الحاصل وذلك كله لا يحصل إلا بالتناول، أما الأول والثاني والرابع فواضح، وأما الثالث؛ فلأن ميل النفس إلى الشيء إنما يكون بعد تقدم إدراكه, فلزم من ذلك كله أن يكون الغرض في خلقها هو التناول؛ لأنا قررنا أن الخلق لغرض، وأن الغرض هو نفع، وأن النفع محصور في الأربعة، وأن الأربعة لا تحصل إلا بالتناول فينتج أن الخلق لأجل التناول، وإذا كان كذلك كان التناول مباحا. "واعلم" أن ذكر الاغتذاء في هذا التقسيم مفسد؛ لأن الاغتذاء لا يحرم قطعه لكونه مضطرا إلى تناول ما يغذيه كما قدمناه في أول المسألة، فالصلح للاغتذاء ليس مما نحن فيه، فلم يبق إلا الثلاثة الأخيرة. لا جرم أن الإمام لم يذكر هذا القسم في المحصول ولا في المنتخب, نعم ذكره صاحب الحاصل فتابعه المصنف عليه. قوله: "وأجيب عن الأول" أي: الجواب عن الدليل الأول، وهو القياس على الاستظلال والاقتباس بجامع الانتفاع المذكور من وجهين, أحدهما: لا نسلم أن الأصل المقيس عليه وهو الاستظلال والاقتباس مباح قبل الشرع؛ لأنه فرد من أفراد المسألة, وإباحته الآن إنما ثبتت بالشرع, والكلام فيما قبل الشرع لا فيما بعده. الثاني: سلمنا إباحة الأصل المقيس عليه، لكن لا نسلم أن العلة في إباحته وهذه الأوصاف، وهو الانتفاع
стр. 72
الخالي عن أمارة المفسدة ومضرة المالك, والقياس إنما يصح عند اشتراكهما في العلة, فإن قيل: وجدنا الإباحة دائرة مع هذه الأوصاف وجودا أو عدما، أي: متى وجدت هذه الأوصاف وجدت الإباحة, ومتى عدمت عدمت، فدل ذلك على أنها هي العلة, فالجواب: أن دلالة الدوران على كون الوصف علة للشيء الذي دار معه دلالة ضعيفة على ما سيأتي في القياس؛ لأن الراجح أنها لا تفيد القطع بل الظن، وفي هذا نظر لأن الدوران يفيد القطع بالعلية عند المعتزلة كما نقله صاحب الحاصل وغيره، فقوله: بمنع الأصل أي: المقيس عليه وقوله: وعليه الأوصاف أي: وبمنع علية الأوصاف، وهي كونها علة، وقوله: والدوران ضعيف جواب عن سؤال مقدر. قال التبريزي في مختصر المحصول المسمى بالتنقيح: القياس على الاستظلال وشبهه فاسد، إذ لا تصرف فيه البتة، ولذلك يصح من المالك المنع منها بخلاف ما نحن فيه، قال: ثم إنه معارض بأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، ولا ضرر فيه على الملك فكان حراما كنقل الحديد من موضع إلى موضع، وشبهه مما لا ضرر فيه البته. قوله: "وعن الثاني" أي: الجواب عن الدليل الثاني وهو قولهم: إن الله تعالى خلق المآكل اللذيذة لغرضنا من وجهين, أحدهما: أن أفعال الله تعالى لا تعلل بالأغراض، وهذا الكلام من المصنف يحتمل نفي التعليل مطلقا، ونفي التعليل بالغرض، أي: لا نسلم أن الله تعالى يجب تعليل أحكامه بل له أن يفعل ما شاء من غير فائدة ومنفعة أصلا، كما نقلناه عن المحصول في الفرع قبله أو معناه: لا نسلم صحة إطلاق الغرض في حق الله تعالى، وإن كان فعله لا بد من مصلحة لنا. الثاني: سلمنا صحة تعليله بالغرض لكن لا نسلم أن الغرض محصور في الأربعة التي ذكروها, فإنهم لم يقيموا حجة على الحصر، ونحن ننازع فنقول: يجوز أن يكون الغرض في خلقها هو التنزه بمشاهدتها، أو الاستنشاق بروائحها، أو الاستدلال على معرفة الصانع باختلاف ألوانها، وأشكالها الغريبة، والجواب الأول فيه نظر؛ لأن الكلام في هذين الشرعين إنما هو بعد تسليم أن العقل يحسن ويقبح، ومع تسليمه تجب مراعاة المصالح والمفاسد ويمتنع الخلق لا المعنى، وهذان الجوابان ذكرهما صاحب الحاصل فتبعه المصنف عليهما، ولم يجب الإمام بشيء منهما, وإنما أجاب بالنقض بخلق الطعوم المهلكة، وذلك يدل على أن الغرض ليس محصورا في النفع بل قد يكون خلقها للإضرار، ولم يرتض صاحب التحصيل هذا الجواب الذي ذكره الإمام قال: لأنه يمكن الانتفاع بالمؤذي بالتركيب مع ما يصحله, ثم أجاب بجوابين, أحدهما: منع الحصر كما تقدم، والثاني: أنه يمكن معرفته بتناول واقع في غير حال التكليف كالواقع في حال الصغر أو السهو، ونحن لا نسمي فعل غير المكلف مباحا, فتخلص من هذه الأجوبة كلها، أن نقول: لا نسلم أنه خلقها لغرض سلمنا ذلك لكن لا نسلم أنه خلقها للنفع, فقد يكون الغرض هو الإضرار كالسموم، سلمنا أنه نفع فلا نسلم الحصر في الأربعة، سلمنا انحصاره لكن لا يدل
стр. 73
على الإباحة لجواز معرفته بفعل الصغير وشبهه. وقوله: "وقال الآخرون" يجوز فيه خانه وهو ظاهر، وكسرها لأنه قسيم قوله: احتج الأولون وحاصله أن القائلين بالتحريم احتجوا بأنه تصرف في ملك الله تعالى بغير إذنه, فيحرم قياسا على الشاهد وهم المخلوقات, ورد هذا القياس بالفرق, وهو أن الشاهد يتضرر بذلك دون الغائب ، وهذا الجواب أخذه المصنف من الحاصل وأجاب الإمام بمعارضة هذا الدليل بالدليل الدال على الإباحة, وهو القياس على الاستظلال, والأول أحسن.
قال: "تنبيه: عدم الحرمة لا يوجب الإباحة؛ لأن عدم المنع أهم من الإذن" أقول: هذا جواب عن سؤال مقدر أورده الفريقان على القائلين بالتوقف بمعنى أنه لا حكم، فقالوا: هذه الأفعال إن كانت ممنوعا منها فتكون محرمة، وإلا فتكون مباحة، ولا واسطة بين النفي والإثبات، وأجاب عنه في المحصول بوحهين, الأول: وهو على تقدير أن يفسر الوقف بعد الحكم هو الحظر أو الإباحة, فسقط السؤال والجواب. الثاني: وهو على تقدير أن يفسر الوقف بعد الحكم فنقول: أما قولكم: إن كانت هذه التصرفات ممنوعا منها, فتكون محرمة فإنه مسلم، وأما قولكم: إذا لم تكن ممنوعا منها فتكون مباحة فغير مسلم؛ لأنه قد يوجد عدم المنع من الفعل، ولا توجد الإباحة بدليل فعل غير مكلف كالنائم فإنه ليس ممنوعا منه، ومع ذلك لا يسمى مباحا؛ لأن المباح هو الذي أعلم فاعله، أو دل بأنه لا حرج في فعله ولا في تركه. فإذا لم يوجد هذا الإذن لا توجد الإباحة فتلخص أن عدم المنع من الفعل أعم من الإذن فيه؛ لأنه قد يوجد معه وقد لا يوجد، والأعم لا يستلزم الأخص فيكون عدم الحرمة لا يستلزم الإباحة، فيصبح تفسير الوقف بعدم الحكم, وفيما قاله نظر؛ لأن المراد من الإباحة في هذه الصورة هي الإباحة العقلية، وهي عدم المنع لا الإباحة الشرعية حتى يقال: لا بد فيها من الإذن.
"واعلم" أن المصنف لم يتعرض لمن يورد عليه السؤال ولا لكيفية إيراده، وقد ظهر أنه لا يرد من أصله على المصنف لأمرين أحدهما: أنه لم يصرح باختيار الوقف, الثاني: أنه فسر الوقف بعدم العلم, ولا يرد أيضا على الإمام في الحقيقة لما تقدم لك من كونه يختار التفسير بعدم العلم أيضا، وحاصله: أنه إيراد على تفسير لم يرتضه عن قائل غلط في نسبته إليه كما تقدم لمذهب لم يختره، وقد التبس المقصود على كثير من شراح هذا الكتاب, فاجتنب ما وقعوا فيه من الوهم.
стр. 74
الفصل الثاني: في المحكوم عليه
المسألة الأولى:
قال: "الفصل الثاني في المحكوم عليه وفيه مسائل: الأولى: أن المعدوم يجوز الحكم عليه, كما أنا مأمورون بحكم الرسول ﵊ قيل: الرسول قد أخبر أن من سيولد فإن الله تعالى سيأمره، قلنا: أمر الله تعالى في الأول معناه أن فلانا إذا وجد فهو مأمور بكذا قيل: الأمر في الأزل ولا سامع ولا مأمور عبث بخلاف أمر الرسول ﵊ قلنا: مبني على القبح العقلي، ومع هذا فلا سفه في أن يكون في النفس
стр. 75
طلب التعلم من ابن سيولد". أقول: لما فرغ من الكلام في الحاكم انتقل إلى المحكوم عليه وذكر فيه أربع مسائل, الأولى: في جواز الحكم على المعدوم ولنقدم عليه مقدمة فنقول: اختلفوا في معنى كونه تعالى متكلما فقالت المعتزلة: معناه أنه خالق الكلام, فعلى هذا يكون الكلام عندهم من صفات الأفعال يوجد فيما لا يزال، وقالت الحنابلة: كلامه تعالى عبارة عن الحروف والأصوات وهي قديمة، وأنكروا كلام النفس، وقال الأشعري وأتباعه: إنه صفة قديمة قائمة بذاته, لا أول لوجودها وهو صفة واحدة في نفسه لا تعدد فيه بحسب ذاته، بل بحسب الإضافات وهو مع وحدته أمر ونهي وخبر ونداء, وانقسامه إلى هذه الأشياء بحسب متعلقاته, فإنه إن تعلق بطلب الفعل كان أمرا، أو بطلب الترك كان نهيا، فكونه أمرا أو نهيا أوصاف لا أنواع، كما أن الجوهر في نفسه واحد وإن كان مشتملا على أوصاف كالتحيز والقيام بنفسه, والقبول للأعراض، إذا عرف هذا فنقول: لما كان الحكم عند الأشاعرة هو خطاب الله بنفسه, والقبول للأعراض، إذا عرف هذا فنقول: لما كان الحكم عن الأشاعرة هو خطاب الله تعالى، كما تقدم، وخطاب الله تعالى هو كلامه الأزلي كما بيناه لزمهم أن يقولوا: إن الأمر والنهي ثابتان في الأزل، وليس ثم مأمور ولا منهي فلذلك قالوا: المعدوم يجوز الحكم عليه وهذه هي عبارة المصنف، وهي أحسن من قول الإمام: المعدوم يجوز أن يكون مأمورا؛ لأن الحكم أعم, قال في المحصول: وليس معنى كون المعدوم مأمورا أنه يكون مأمورا حال عدمه؛ لأنه معلوم البطلان بل على معنى أنه يجوز أن يكون الأمر موجودا في الحال، ثم إن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك يصير مأمورا بذلك الأمر هذا لفظه، وذكر الآمدي نحوه فقال: معناه قيام الطلب القديم بذات الرب للفعل من المعدوم بتقديم وجوده, وتهيئه لفهم الخطاب، فإذا وجدوا تهيؤا للتكليف صار مكلفا بذلك الطلب، قال: وأنكره سائر الفرق، لنا أن الواحد منا حال وجوده يصير مأمورا بأمر الرسول ﵊ مع أن ذلك الأمر ما كان موجودا إلا حالة عدمنا فكذلك في حق الله تعالى، اعترض الخصم على هذا الدليل فقال: إن الرسول ﵊ مخبر ومبلغ عن الله تعالى أوامره, إما بالوحي، أو بالاجتهاد، وليس هو بمنشئ الأوامر من عنده, فالأمر الوارد منه إخبار عن الله تعالى بأنه سيأمرهم عند وجودهم, فلم يحصل الأمر عند عدم المأمور، بخلاف دعواكم في أمر الله تعالى, والجواب: أن أمر الله تعالى في الأزل عبارة عن الإخبار أيضا؛ لأن معناه أن فلانا إذا وجد بشروط التكليف, صار مكلفا بكذا.
واعلم أن كون الأمر معناه الإخبار, نقله في المحصول والمنتخب هنا عن بعض الأصحاب, فجزم به صاحب الحاصل فتبعه المصنف عليه، وقد صرح بإبطاله الكتابين المذكورين في أوائل الأوامر والنواهي في الكلام على أن الطلب غير الإرادة, نعم جزم بعكس ذلك وموافقة كلام المصنف في المحصول في الكلام عن تكليف ما لا يطاق, وفي الأربعين في المسألة السابعة عشرة, وفي معالم أصول الدين في المسألة الثامنة
стр. 76
عشرة, قال في المحصول هنا: وهو مشكل من وجهين أحدهما: أنه لو كان خبرًا لتطرق إليه التصديق والتكذيب والأمر لا يتطرق إليه ذلك، الثاني: أنه لو أخبر في الأزل لكان إما أن يخبر نفسه وهو سفه أو غيره, وهو محال لأنه ليس هناك غيره، قال: ولصعوبة هذا المأخذ ذهب عبد الله بن سعيد١ من أصحابنا إلى أن كلام الله تعالى في الأزل لم يكن أمرا ولا نهيا، ثم صار فيما لا يزال كذلك, ولقائل أن يقول: إنا لا نعقل من الكلام إلا الأمر والنهي والخبر، فإذا سلمت حدوثها فقد قلت بحدوث الكلام، فإن ادعيت قدم شيء آخر فعليك بإفادة تصوره, ثم إقامة الدليل على أن الله تعالى موصوف به، ثم إقامة الدليل على قدمه، ولابن سعيد أن يقول: أعني بالكلام القدر المشترك بين هذه الأقسام كلام المحصول.
واعلم أن الإمام لما ذكرنا أن أمر الله تعالى معناه الإخبار, جعله عبارة الإخبار بنزول العقاب على من يترك، ثم استشكله بالوجهين السابقين، وبأنه يلزم أن لا يجوز العفو؛ لأن الخلف في خبر الله تعالى محال فعدل المصنف عن كونه إخبارا بنزول العقاب إلى الإخبار بمصيره مأمورا تقليلا للإشكال؛ لأن سؤال العفو لا يرد عليه، وإنما يرد عليه الأولان فقط، وهو من محاسن كلامه، على أنا نجيب عن العفو بأن نقول: الأمر عبارة عن الإخبار بنزول العقاب إذا لم يحصل عفو. وقوله: "قيل: الأمر في الأزل ... إلخ" لما شبهنا أمر الله تعالى في الأزل بأمر الرسل لنا قبل وجودنا، اعترضوا عليه بما سبق فأجبنا عنه، فشرعوا في فرق آخر بينهما فقالوا: كيف يعقل الأمر في الأزل, سواء كان بمعنى الإخبار أم بمعنى الإنشاء؛ لأن الأمر في الأزل مع أنه لا مأمور إذ ذاك فيمتثل ولا سامع فينتقل, عبث وسفه كمن جلس في داره وأمر ونهى من غير حضور مأمور ومنهي، بخلاف أمر الرسول ﵊ فإن هناك سامعا مأمورا يعمل به وينقله إلى المأمورين المتأخرين، ويحتمل أن يريد بقوله: ولا سامع أي: إن جعلناه خبرا، وبقوله: ولا مأمور أي: جعلناه أمرا حقيقة، والجواب عنه: أن نقول: إن أردتم أنه قبيح شرعا فممنوع, وإن أردتم أنه قبيح عقلا فمسلم، ولكنا قد بينا فساد الحسن والقبح العقليين, ومع هذا أي: ومع تسليمنا القول بالتقبيح العقلي فلا سفه في مسألتنا، وذلك لأنه ليس المراد بالأمر أن يكون في الأزل لفظ هو أمر أو نهي، بل المراد معنى قويم قائم بذات الله تعالى وهو اقتضاء الطاعة من العباد وأن العباد إذا وجدوا يصيرون مطالبين بذلك الطلب، وهذا لا سفه فيه كما لا سفه في أن يقوم بذات الأب طلب تعلم العلم من الولد الذي سيوجد، وما قاله المصنف ضعيف من وجهين: أما الأول فلأن الحسن والقبح بمعنى الكمال، والنقص عقليان باتفاق، كما تقدم بسطه في أول الفصل الذي قبل هذا, والقبح هنا بمعنى النقص لا بمعنى ترتب الثواب والعقاب على الفعل، فإن وروده هنا مستحيل، وأما الثاني فلا نسلم أنه يقوم بذات الأب حال عدم الولد أمر محقق بل مقدر، أي: لو كان لي ولد لكنت آمره.
стр. 77
المسألة الثانية:
قال: "المسألة الثانية: لا يجوز تكليف الغافل من أحال تكليف المحال, فإن الإتيان بالفعل امتثالا يعتمد الفعل ولا يكفي مجرد الفعل؛ لقوله ﵊: "إنما الأعمال بالنيات" ١ ونوقض بوجوب المعرفة، وأجيب بأنه مستثنى" أقول: تكليف الغافل كالساهي والنائم والمجنون والسكران وغيرهم لا يجوزه من منع التكليف بالمحال, هكذا قاله المصنف، وفيه نظر من وجهين, أحدهما: أن مفهومه أن القائلين بجواز التكليف بالمحال جوزوا هذا، وهو أيضا مفهوم كلام المحصول، وليس كذلك، بل إذا قلنا بجواز ذلك, فللأشعري هنا قولان نقلهما ابن التلمساني٢ وغيره, قال: والفرق أن هناك فائدة في التكليف، وهي ابتلاء الشخص واختباره، والثاني: فرق ابن التلمساني وغيره بين التكليف بالمحال وتكليف المحال فقالوا: الأول هو أن يكون المحال راجعا إلى المأمور به, والثاني: أن يكون راجعا إلى المأمور، كتكليف الغافل, وعلى هذا فالصواب أن يقول: من أحال التكليف بالمحال بزيادة الباء في المحال. واعلم أن الشافعي -رحمه الله تعالى- قد نص في الأم على أن السكران مخاطب مكلف كذا نقل عنه الروياني في البحر في كتاب الصلاة, وحينئذ فيكون تكليف الغافل عنه جائزا؛ لأنه فرد من أفراد المسألة كما نص عليه الآمدي وابن الحاجب، ثم استدل المصنف على امتناع تكليف الغافل بأن الإتيان بالفعل المعين لغرض امتثال أمر الله سبحانه يعتمد العلم أي بالأمر, وكذا بالفعل المأتي به أيضا وعليه اقتصر في المحال, وإنما قلنا: إنه يعتمد العلم أي: يتوقف عليه؛ لأن الامتثال هو أن يقصد إيقاع الفعل المأمور به على سبيل الطاعة، ويلزم من ذلك علمه بتوجه الأمر نحوه وبالفعل. قوله: "ولا يكفي مجرد الفعل" هو جواب عن سؤال مقدر توجيهه أن الفعل المجرد عن قصد الامتثال والطاعة قد يقع من الغافل على سبيل الاتفاق، وحينئذ فإذا علم الله تعالى وقوع الفعل من شخص فلا استحالة في تكليفه به، فلم قلتم: إنه لا بد من قصد الامتثال حتى إنه يلزم منه العلم بالفعل وبتوجه الطلب نحوه، وجوابه: أنا إنما قلنا بذلك للحديث الصحيح المشهور وهو قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات". قوله: "ونوقض بوجوب المعرفة" أي: هذا الدليل ينتقض بوجوب معرفة الله تعالى وتقريره من وجهين ذكرهما
стр. 78
الإمام, أحدهما: أن التكليف بها حاصل بدون العلم بالأمر، وذلك بأن الأمر بمعرفة الله تعالى وارد فلا جائز أن يكون واردا بعد حصولها لامتناع تحصيل الحاصل, فيكون واردا قبله وحينئذ فيستحيل الاطلاع على هذا الأمر؛ لأن معرفة أمر الله تعالى بدون معرفة الله تعالى مستحيل فقد كلف بشيء وهو غافل عنه. التقرير الثاني: أنه يستحيل قصد الامتثال فيها؛ لأن المكلف لا يعرف وجوبها عليه كما قررناه, فقد كانت بشيء لا يجب فيه قصد الامتثال، والجواب: أن هذا مستثنى من القاعدة لقيام الدليل عليه، وعلى التقرير الثاني قال الإمام: فيستثنى أيضا قصد الطاعة فإنه لو افتقر إلى قصد آخر للزم التسلسل. واعلم أن الإمام لم يجب عن هذين الدليلين بل قال: إنهما يؤيدان القول بتكليف ما لا يطاق، والذي أجاب به المصنف أخذه من الحاصل وفيه نظر، فإن النقض يحصل بصورة واحدة، وأجاب ابن التلمساني ثم القرافي عن الأول بأن الأمر بالمعرفة التفصيلية يرد بعد المعرفة الإجمالية، وحينئذ فلا يلزم شيء من المحذورين المتقدمين.
стр. 79
المسألة الثالثة:
قال: "المسألة الثالثة: الإكراه الملجئ يمنع التكليف لزوال القدرة" أقول: الإكراه قد ينتهي إلى حد الإلجاء وهو الذي لا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار كالإلقاء من شاهق، وقد لا ينتهي إليه كما لو قيل له: إن لم تقتل هذا وإلا قتلتك، وعلم أنه إن لم يفعل وإلا قتله, فالأول يمنع التكليف أي: يفعل المكروه عليه, وبنقيضه قال في المحصول: لأن المكره عليه واجب الوقوع وضده ممتنع والتكليف بالواجب والممتنع محال, وهذا هو معنى قول المصنف: لزوال القدرة؛ لأن القادر على الشيء هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك، وهذا القسم لا خلاف فيه كما قال ابن التلمساني، وأما الثاني وهو غير الملجئ فمفهوم كلام المصنف أنه لا يمنع التكليف, قال ابن التلمساني: وهو مذهب أصحابنا لأن الفعل ممكن والفاعل متمكن، قال: وذهبت المعتزلة إلى أنه يمنع التكليف في عين المكروه عليه دون نقيضه، فإنهم يشترطون في المأمور به أن يكون بحال يثاب على فعله, وإذا أكره على عين المأمور به فالإتيان به لداعي الإكراه, لا لداعي الشرع فلا يثاب عليه فلا يصح التكليف به بخلاف ما إذا أتى بنقيض المكره عليه, فإنه أبلغ في إجابة داعي الشرع، وقال الغزالي: الآتي بالفعل مع الإكراه كمن أكره على أداء الزكاة مثلا, إن أتى به لداعي الشرع فهو صحيح أو لداعي الإكراه فلا, ورد القاضي على المعتزلة بالإجماع على تحريم القتل عند الإكراه عليه. قال إمام الحرمين: وهذه هفوة من القاضي لما تقدم، وفيما قال نظر؛ لأن القاضي إنما أورده عليهم من جهة أخرى وذلك أنهم منعوا أن المكره قادر على عين الفعل والمكره عليه فبين القاضي أنه قادر؛ وذلك لأنهم كلفوه بالضد. وعندهم أن الله تعالى لا يكلف العبد إلا بعد خلق القدرة له والقدرة عندهم على الشيء له قدرة على ضده, فإن كان قادرا على ترك القتل كان قادرا على القتل هذا كله كلام ابن التلمساني، وقد اختار الإمام الآمدي وأتباعهما التفصيل بين الملجئ وغيره، كما اختاره المصنف لكنهما لم يبينا محل الخلاف، وقد بينه ابن التلمساني كما تقدم.
стр. 80
المسألة الرابعة:
قال: "المسألة الرابعة: التكليف يتوجه عند المباشرة وقالت المعتزلة: بل قبلها. لنا أن القدرة حينئذ قبل التكليف في الحال بالإيقاع في ثاني الحال قلنا: الإيقاع إن كان نفس الفعل فمحال في الحال، وإن كان غيره فيعود الكلام إليه ويتسلسل, قالوا: عند المباشرة واجب الصدور قلنا: حال القدرة والداعية كذلك" أقول: قال في المحصول: ذهب أصحابنا إلى الشخص إنما يصير مأمورا بالفعل عند مباشرته له والموجود قبل ذلك ليس أمرا, بل هو إعلام له بأنه في الزمان الثاني سيصير مأمورا، وقالت المعتزلة: إنه إنما يكون مأمورا قبل وقوع الفعل، وهذا الذي قاله هو مراد المصنف وهو مشكل من وجوه: أنه يؤدي إلى سلب التكليف، فإنه يقول: لا أفعل حتى أكلف، ولا أكلف حتى أفعل. الثاني: أن جعلهم السابق إعلاما يلزم منه دخول الخلف في خبر الله تعالى على تقدير أن الشخص لا يفعل؛ لأنه إذا لم يفعل يكون مأمورا لكونه يصير مأمورا عند مباشرة الفعل, قد فرضنا أن لا فعل فلا أمر وحينئذ فيكون الإخبار بحصول الأمر غير مطابق، الثالث: أن أصحابنا نصوا على أن المأمور يجب أن يعلم كونه مأمورا قبل المباشرة، فهذا العلم إن كان مطابقا فهو مأمور قبلها، وإن لم يكن مطابقا فيلزم أن يكون عالما بذلك, الرابع: أن إمام الحرمين وغيره صرحوا بأن الأشعري لم ينص على جواز تكليف ما لا يطاق، وإنما أخذ من قاعدتين إحداهما: أن القدرة مع الفعل كما سيأتي بيانه، والثانية: أن التكليف قبل الفعل، فعلمنا أن المذكور هنا عكس مذهب الأشعري. الخامس: أن الإمام في المحصول لما قرر جواز التكليف بما لا يطاق استدل عليه بوجوه منها: أن التكليف قبل الفعل بدليل تكليف الكافر بالإيمان والقدرة غير موجودة قبل الفعل وذلك تكليف بما لا يطاق، وذكر نحوه في المنتخب وهو مناقض لما ذكره هنا. قال القرافي: وهذه المسألة أغمض مسألة في أصول الفقه, قال إمام الحرمين في البرهان: والذهاب إلى أن التكليف عند الفعل مذهب لا يرتضيه لنفسه عاقل وقد سلك الآمدي ومن تبعه طريقا آخر فقال: اتفق الناس على جواز التكليف بالفعل قبل حدوثه سوى شذوذ من أصحابنا, وعلى امتناعه بعد صدور الفعل، واختلفوا في جواز تعلقه به في أول زمان حدوثه فأثبته أصحابنا، ونفاه المعتزلة. قوله: "لنا أن القدرة حينئذ" أي: حين الفعل ولا توجد قبله, فلو كان مكلفا قبل الفعل لكان مكلفا بما لا قدرة له عليه وهو محال، والدليل على أن القدرة لا تكون إلا مع الفعل من وجهين أحدهما: أن القدرة صفة متعلقة بالمقدور كالضرب المتعلق بالمضروب، ووجود المتعلق بدون المتعلق محال, هكذا قرره الإمام في المحصول والمنتخب في أثناء الاستدلال على التكليف بما لا يطاق. الثاني, ما قاله إمام الحرمين في البرهان والشامل: أن قدرة العبد عرض، والعرض لا يبقى زمنين، فلو تقدمت القدرة لعدمت عند
стр. 81
حدوث المقدور, فلا يكون المقدور متعلقا بالقدرة, وذلك مستحيل.
"واعلم" أن الاحتجاج على المعتزلة بأن القدرة مع الفعل غير مستقيم, فإنهم يقولون بأنها قبله كما نقله عنهم إمام الحرمين في الشامل والإمام فخر الدين في معالم الأصول؛ ولهذا لم يستدل به الإمام ولا أتباعه، وأما الدليلان المذكوران على ذلك فإن الأول منهما ينتقض بقدرة الله تعالى, فإنها ثابتة في الأزل بدون المقدور، وإلا لزم قدم العالم، فالصواب أن يقال: القدرة صفة لها صلاحية الإيجاد. قال إمام الحرمين: ومن أنصف من نفسه علم أن معنى القدرة هو التمكن من الفعل, وهذا إنما يعقل قبل الفعل، وأما الثاني فيقال عليه: لا نسلم أن العرض لا يبقى زمنين، سلمنا لكن الذي نقول به: لا نقول بزواله لا إلى بدل يخلفه أمثاله. قوله: "قبل التكليف في الحال" أي: أجابت المعتزلة عن هذا بأن التكليف الذي أثبتناه قبل المباشرة ليس هو التكليف بنفس الفعل حتى يلزم أن يكون تكليفا بما لا قدرة للمكلف عليه بل التكليف في الحال أي: قبل المباشرة إنما هو بإيقاع الفعل في ثاني الحال أي: حال المباشرة. وأجاب المصنف بأن إيقاع المكلف به إن كان هو نفس الفعل فالتكليف به محال في الحال أي: قبل الفعل لأنه يلزم من امتناع التكليف بالفعل قبل التلبس به امتناع التكليف بالإيقاع؛ لأن الفرض أنه هو، وإن كان الإيقاع قبل الفعل فيعود الكلام إلى هذا الإيقاع فنقول: هذا الإيقاع المكلف به، هل وقع التكلف به في حال وقوعه أو قبله؟ فإن كان في حال وقوعه فيلزم أن يكون التكليف حال المباشرة وهو المدعى، وإن كان قبل فيلزم أن يكون مكلفا بما لا قدرة له عليه؛ لأنا بينا أن القدرة مع الفعل، فإن قالوا: التكليف إنما هو بإيقاع ينتقل الكلام إليه إلى التسلسل، أو ينتهي إلى إيقاع يكون التكليف به حالة مباشرته وهو المدعى، والذي قاله ضعيف، فإن قول الخصم: إنه مكلف في الحال بالإيقاع في ثاني الحال لا شك أن معناه أن التكليف في الحال والمكلف به هو الإيقاع في ثاني الحال وهو زمان القدرة، فكيف يصح الاعتراض بما قال؟ وكأنه توهم أن المراد أن الإيقاع مكلف به في الحال وليس كذلك، ويوضح هذه مسألة ذكرها في المحصول عقب هذه المسألة فقال: إذا قال السيد لعبده: صم غدا فالأمر متحقق في الحال بشرط بقاء المأمور قادرا على الفعل، قال: فأما إذا علم الله أن زيدا سيموت غدا فهل يصح أن يقال: إن الله تعالى أمره بالصوم غدا بشرط حياته؟ فيه خلاف؛ قطع القاضي أبو بكر والغزالي بجوازه لفائدة الامتحان، وتبعه جمهور المعتزلة, فقد وضح بهذه المسألة أنه يصح أن يؤمر الآن بالفعل في ثاني الحال. قوله: "قالوا: عند المباشرة واجب الصدور" أي: احتجت المعتزلة علينا بأن الفعل عند المباشرة واجب الوقوع فلا يكون مأمورا به لعدم القدرة عليه؛ لأن القادر هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك، ولأنه لو كان له قدرة على تحصيله لكانت محصلة للحاصل، وأجاب المصنف بقوله: قلنا: حال القدرة والداعية كذلك, وتقريره متوقف على تفسير القدرة والداعية، فأما
стр. 82
القدرة فالمراد بها هنا هو التمكن من الفعل كما تقدم نقله عن البرهان، وأما الداعية فنقول: إذا علم الإنسان أو ظن أو اعتقد أن له في الفعل أو الترك مصلحة راجحة حصل في قلبه ميل جازم إليه, فهذا العلم أو الظن أو الاعتقاد هو المسمى بالداعية مجازا من قولهم: دعاه أي: طلبه، وكان علمه بالمصلحة طلب منه الفعل وقد يسمى الداعي بالغرض والمجموع من القدرة والداعية يسمى بالعلة التامة، فإذا وجدت يجب وقوع الفعل, وقيل: لا يجب لكن يصير الفعل أولى، وإذا عدمت الداعية امتنع وقوعه على المختار الذي جزم به الإمام، ونقل الأصبهاني شارح المحصول في الأوامر أن أكثر المتكلمين على أن الفعل لا يتوقف عليها، إذا علمت ذلك فتقرير ما قاله المصنف من وجهين، أحدهما ما قاله في المحصول: أن القدرة مع الداعي مؤثرة في وجوه الفعل, ولا امتناع في كون المؤثر مقارنا للأثر فتكون القدرة مقارنة للفعل مع كونه واجب الوقوع, فانتفى قولكم: إن ما كان واجب الصدور لا يكون مقدورا، الثاني وهو الأقرب إلى كلام المصنف وأشار إليه صاحب الحاصل: أن الفعل يترتب وجوده على وجود القدرة مع الداعية فيكون مأمورا حال القدرة والداعية عند المعتزلة لكونه من جملة الأزمان التي قبل الفعل مع أن الفعل واجب الوقوع في تلك الحالة فينتفي ما قلتموه. "واعلم" أن العلة هل هي متقدمة على المعلول أو مقارنة له؟ فيه قولان مشهوران, فإن التزم الخصم القول الأول فجوابه الثاني، وإن التزم الثاني فجوابه الأول, فتلخص أنه لا بد منهما, ولك أن تقول: إذا كان الفعل قبل المباشرة غير مقدور عليه، وعند المباشرة واجب الوقوع فيلزم التكليف بالممتنع أو الواجب, وهو محال.
стр. 83
الفصل الثالث: في المحكوم به
المسألة الأولى:
قال: "الفصل الثالث في المحكوم به وفيه مسائل: الأولى: التكليف بالمحال جائز؛ لأن حكمه لا يستدعي عرضا قبل لا يتصور وجوده, فلا يطلب قلنا: إن لم يتصور امتنع الحكم باستحالته غير واقع بالممتنع لذاته, كإقدام القديم, وقلب الحقائق للاستقراء, ولقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فقيل: أمر أبا لهب بالإيمان بما أنزل, ومنه أنه لا يؤمن فهو جمع بين النقيضين قلنا: لا نسلم أنه أمر به بعد ما أنزل أنه لا يؤمن" أقول: المستحيل على أقسام أحدها: أن يكون لذاته ويعبر عنه أيضا بالمستحيل عقلا، وذلك كالجمع بين الضدين والنقيضين, والحصول في حيزين في وقت واحد، والثاني: أن يكون للعادة كالطيران، وخلق الأجسام, وحمل الجبل العظيم, والثالث: أن يكون لطيران مانع كتكليف المقيد العدو، والزمن المشي، والرابع: أن يكون لانتفاء القدرة عليه حالة التكليف مع أنه مقدور عليه حالة الامتثال كالتكاليف كلها؛ لأنها غير مقدورة قبل الفعل على رأي الأشعري, إذ القدرة عنده لا تكون إلا مع الفعل كما قدمناه في المسألة السابقة, والخامس: أن يكون لتعلق العلم به كالإيمان من الكافر الذي علم الله تعالى أنه لا يؤمن, فإن الإيمان منه مستحيل إذ لو آمن لانقلب علم الله تعالى جهلا، وهذا التقسيم اعتمده فإن بعضهم قد زاد فيه ما ليس منه وغاير بين أشياء
стр. 84
وهي متحدة في المعنى إذا تقرر ذلك، فالقسم الخامس جائز واقع اتفاقا إذ لو لم يكونوا مأمورين بذلك لما عصموا باستمرارهم على الكفر، ونقل الآمدي عن بعض التنويه أنه منع جوازه، والرابع أيضا واقع عند الأشعري بمقتضى الأصل الذي أصله, وأما الثلاثة الأوائل فهي محل النزاع، وممن صرح بذلك مع وضوحه القرافي في شرح المحصول والتنقيح وحاصل ما فيها من الخلاف ثلاثة مذاهب أصحها عند المصنف، أنه يجوز مطلقا وهو اختيار الإمام وأتباعه، والثاني: المنع مطلقا ونقله في المحصول عن المعتزلة واختاره ابن الحاجب, ونص عليه الشافعي كما نقله الأصفهاني في شرح المحصول عن صاحب التلخيص، والثالث: إن كان ممتنعا لذاته فلا يجوز, وإلا فيجوز واختاره الآمدي، وإذا قلنا بالجواز ففي وقوعه مذاهب أحدها: المنع مطلقا سواء كان ممتنعا لذاته أم لا، والثاني: الوقوع فيهما واختاره في المحصول، والثالث: التفصيل وهو اختيار المصنف كما سيأتي وقد تردد النقل عن الشيخ أبي الحسن الأشعري قال البرهان: وهذا سوء معرفة بمذهبه، فإن التكاليف كلها عنده تكليف بما لا يطاق لأمرين أحدهما: أن الفعل مخلوق لله تعالى فتكليفه به تكليف بفعل غيره، الثاني: أنه لا قدرة عنده إلا حال الامتثال والتكليف سابق، وهذا التخريج لا يستلزم وقوع الممتنع لذاته فافهمه، وهذا كله في التكليف بالمحال أما التكليف المحال بإسقاط الباء ففي جوازه قولان للأشعري, وقد تقدم الفرق في تكليف الغافل, ثم استدل المصنف على الجواز بقوله؛ لأن حكمه لا يستدعي غرضا أي: إنما يستحيل الأمر بما لا يقدر المكلف عليه إذا كان غرض الآمر حصوله المأمور به, وحكمه تعالى لا يستدعي غرضا البتة لاستثنائه، وورود الأمر بهذا ليس للطالب كما نقله إمام الحرمين في الشامل عن أصحابنا، بل إن كان ممتنعا لذاته فالأمر به للإعلام بأنه معاقب لا محالة؛ لأن له تعالى أن يعذب من يشاء، وإن كان ممتنعا لغيره فالأمر به لفائدة الأخذ في المقدمات، وهذا الدليل لا يتوجه على المعتزلة؛ لأنهم يمنعون هذه القاعدة. قوله: "قيل: لا يتصور وجوده فلا يطلب" يمكن تقريره على وجهين أحدهما: أن المحال لا يمكن وجوده في الخارج من المكلف وإذا كان كذلك فلا يطلب لأن طلبه عبث، وجواب هذا بمنع المقدمة الثانية فإنها محل النزاع، التقرير الثاني: أن المحال لا يتصور العقل وجوده وكل ما لا يتصور العقل وجوده لا يطلب، ينتج أن المحال لا يطلب، أما بيان الصغرى فلأن كل ما يتصوره العقل فهو معلوم؛ لأن التصور قسم من أقسام العلم وكل العلوم فهو متميز بالضرورة وكل متميز فهو ثابت؛ لأن التميز صفة وجودية والصفة الوجودية لا بد لها من موصوف موجود وإلا لزم قيام الموجود بالمعدوم وهو محال، فلو كان المحال متصورا لكان ثابتا, لكنه غير ثابت فلا يكون متصورا، وأما بيان الكبرى فلأن ما لا يتصور العقل وجوده فهو مجهول، وطلب الشيء مع الجهل به محال، وهذا التقرير قد صرح به الإمام والآمدي وأتباعهما وهو مراد المصنف،
стр. 85
وجوابه منع المقدمة الأولى؛ لأنه لو كان غير متصور لامتنع الحكم عليه بعين ما قالوه، ولكنهم حكموا عليه بالاستحالة، وقوله: غير واقع, هو خبر ثانٍ للتكليف بالمحال, جائز غير واقع بالممتنع لذاته، وحاصله أن المصنف اختار التفصيل بين الممتنع بالذات وبين غيره، وقد تقدم التنبيه على ذلك وأنه على خلاف رأي الإمام, ثم ذكر للممتنع بالذات مثالين أحدهما: إعدام القديم أي: الذي لا أول لوجوده وهو البارئ , فإنه قد تقرر في علم الكلام أن كل قديم وجودي يمتنع عليه العدم واحترزوا بالوجودي عن الأزلي فإنه قديم ولا يمتنع عدمه؛ لأن مفهومه عدمي وهو سلب الابتداء. الثاني: قلب الحقائق ومقتضى هذه العبارة أن قلب الحيوان جمادا والحجر ذهبا ونحوهما ممتنع لذاته وليس كذلك بل امتناعه لعجز الفاعل كما قيل في خلق الأجسام؛ لأنا لو قدرنا وقوعه لما كان يلزم منه محال، وقد صرح به مع وضوحه ابن الحاجب في أوائل مختصره, فينبغي حمل ذلك على القلب مع بقاء حقيقة الأول وحينئذ فيكون جمعا بين النقيضين وهو ممتنع لذاته, وبتقدير أولا يؤول كلامه فتستفيد منه أنه منع وقوع ما وقع فيه الخلاف، ثم استدل المصنف على عدم الوقوع بأمرين أحدهما: الاستقراء وعبر عنه المتكلمون بالسبر والتقسيم, والاستقراء هو الاستدلال بثبوت الحكم في الجزئيات على ثبوته للقاعدة الكلية، وهو مأخوذ من قولهم: قرأت الشيء قرآنا أي: جمعته وضممت بعضه إلى بعض، حكاه الجوهري وغيره، والسبر فيه للطلب, فلما كان المجتهد طالبا للأفراد جامعا لها لينظر هل هي متوافقة أم لا, عبر عن ذلك بالاستقراء، وحاصل الدليل أنا تتبعنا التكاليف فلم نجد فيها ما هو ممتنع بالذات, الثاني: قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ووجه الدلالة: أن الآية لم تنف الجواز، وإنما نفت الوقوع عما ليس في الوسع. قوله: "قيل: أمر أبا لهب" يعني أن التكليف بالمستحيل لذاته قد وقع؛ وذلك لأن أبا لهب قد أمر بالإيمان بكل ما أنزل الله تعالى يعني بالتصديق به ومنه أي: ومما أنزل الله تعالى أنه لا يؤمن فقد صار أبو لهب مأمورا بأن يصدقه في أنه لا يؤمن، وإنما يحصل التصديق بذلك إذا لم يؤمن فصار مكلفا بأنه يؤمن وبأنه لا يؤمن, وهو جمع بين النقيضين، وهذا يحتمل أن يكون دليلا للقائلين بالوقوع، ويحتمل أن يكون نقضا منهم للدليل السابق وهو الاستقراء، وأجاب المصنف بأن ذلك إنما يلزم إذا كان الأمر بالإيمان بكل ما أنزل الله تعالى واردا بعد إنزال الله تعالى أنه لا يؤمن؛ لأنه إذا كان كذلك كان مأمورا بالإيمان به في الماضي، ومن جملته أنه لا يؤمن فيلزم المحال، ونحن لا نسلم ذلك بل يجوز أن يكون قد كلفه أولا بالإيمان بكل ما أنزل, ثم بعد ذلك أنزل أنه لا يؤمن، وعلى هذا التقدير فلا يلزم المحال لأن إخباره بأنه لا يؤمن ليس هو من الأشياء التي كلف بتصديقها؛ لكونه متأخرا عن الدليل الدال على الوجوب، وهذا الجواب باطل، بل هو مأمور بتصديق ما نزل وما سينزل إجماعا، والصواب ما قاله
стр. 86
إمام الحرمين وارتضاه ابن الحاجب وغيره أن هذا من باب التكليف بالمستحيل لغيره؛ وذلك لأن الله تعالى لما أخبر عنه بأنه لا يؤمن استحال إيمانه؛ لأن خبر الله تعالى صدق قطعا, فلو آمن لوقع الخلف في خبره تعالى وهو محال, فإذا أمر بالإيمان والحالة هذه فقد أمر بما هو ممكن في نفسه وإن كان مستحيلا لغيره، كما قلنا فيمن علم الله تعالى أنه لا يؤمن, وأما استدلالهم بكونه قد صار مكلفا بأن يؤمن وبأن لا يؤمن وهو جمع بين النقيضين فجوابه من وجهين, أحدهما: أن هذا التغيير قد وقع في المحصول وصوابه أن يقول بأن يؤمن, بأن لا يؤمن بحذف الواو كما في المنتخب, فإنه مدلول الأمر بالإيمان بأنه لا يؤمن، وقد صرح به في الحاصل فقال: فيكون مكلفا بتصديق الله تعالى في أن لا يصدقه، وإذا كان كذلك فلا منافاة بينهما البتة؛ وذلك لأن التكاليف بالإيمان بأن لا يؤمن تكليف بتصديق هذا الخبر الوارد من الله تعالى وهو كونه لا يؤمن، والتكليف بتصديق الخبر ليس تكليفا بأن يجعل الخبر صدقا حتى يكون مأمورا باستمراره على الكفر بل هو محرم عليه، فكيف يسوغ أن يقال: إنه مأمور بأن لا يؤمن؟ أليس قد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] ؟ وإنما كلف بأن يصدق هذا المخبر وهو ممكن كما قلناه, أما تصييره صدقا فلا. الثاني ما ذكره صاحب التحصيل وهو حسن أيضا: أن الجمع بين النقيضين إنما يلزم أن لو كان مكلفا بالتصديق بجميع ما جاء به على التفصيل, ونحن لا نسلمه بل هو مأمور بالتصديق الإجمالي أي: بأن يعتقد أن كل خبره صدق، وعلم هذا فكيف يجيء التكليف بالمحال، وههنا أمران أحدهما: أن الإمام لما قرر هذا الدليل في المحصول والمنتخب قال: إنه مكلف بالجمع بين الضدين, وصاحب الحاصل جعلهما نقيضين فتابعه المصنف, والسبب في هذا أن صاحب الحاصل نظر إلى الإيمان وعدمه وهما نقيضان، وأما الإمام فإنه نظر إلى أن العدم غير مقدور عليه كما سيأتي, فلا يكون مكلفا به بل المكلف به هو كف النفس عن الإيمان والكف فعل وجودي فلا يكون نقيضا للإيمان بل ضدا له وهذا أدق نظرا وأصوب. الثاني: أن قول الإمام وأتباعه: إن الله تعالى أنزل في حق أبي لهب أنه لا يؤمن فيه نظرا لأن قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] لا يدل عليه إلا الخسران, وإن كان موجودا حال تلبسه بالكفر فقد يزول, وأما قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا﴾ [المسد: ٣] فكذلك لاحتمال أن يكون صلبه بسبب كبير أنه أتاها بعد الإسلام, وقد ذكر في المحصول في هذه المسألة آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] الآية, وهي لا تدل أيضا على إدخال أبي لهب فيها.
стр. 87
المسألة الثانية:
قال: "المسألة الثانية: الكافر مكلف بالفروع خلافا للمعتزلة, وفرق قوم بين الأمر والنهي، لنا أن الآيات الآمرة بالعادة تتناولهم، والكفر غير مانع لإمكان إزالته، وأيضا الآيات الموعدة على ترك الفروع كثيرة مثل: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦, ٧] وأيضا وإنهم كلفوا بالنواهي لوجوب حد الزنا عليهم, فيكونون مكلفين بالأمر قياسا قبل الانتهاء أبدا, ممكن دون الامتثال, وأجيب بأن مجرد الفعل والترك لا يكفي فاستويا وفيه نظر، قيل: لا يصح مع الكفر ولا قضاء بعده قلنا: الفائدة تضعيف العذاب" أقول: لا خلاف أن الكفار مكلفون بالإيمان، وهل هم مكلفون بالفروع كالصلاة والزكاة؟ فيه ثلاثة مذاهب أصحها نعم، ونقله في المحصول عن أكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة, وقال في البرهان: إنه ظاهر مذهب الشافعي. والثاني: لا، وهو مذهب جمهور الحنفية والإسفرائيني من الشافعية، قال في المحصول: هو أبو حامد وقال في المنتخب: هو أبو إسحاق وعزاه في المنهاج إلى المعتزلة أيضا تبعا لصاحب الحاصل, فإنه نقله عنهم في أول المسألة وفي آخرها, وهو عكس ما في المحصول، وقد وقع في بعض النسخ خلافا للحنفية، وهو من إصلاح الناس. والثالث: أنهم مكلفون بالنواهي دون الأوامر، وذكر الإمام في المحصول في أثناء الاستدلال ما يقتضي أن الخلاف في غير المرتد، ونقل القرافي١ وغيره عن الملخص للقاضي عبد الوهاب٢ حكاية إجراء الخلاف فيه أيضا. قال: ومر بي في بعض الكتب التي لا أستحضرها الآن أنهم مكلفون بما عدا الجهاد، وأما الجهاد فلا؛ لامتناع قتالهم أنفسهم، ومقتضى كلام المصنف أن الخلاف إنما هو في الوجوب والتحريم فقط؛ لأنه عبر أولا بالتكليف وقال: إن الفائدة هي العقاب وما عدا الواجب والمحرم لا تكليف فيه ولا عقاب, وأما من عبر بأنهم مخاطبون فإن عبارته شاملة للأحكام الخمسة.
واعلم أن تكليف الكافر بالفروع مسألة فرعية، وإنما فرضها الأصوليون مثالا لقاعدة، وهي أن حصول الشرط الشرعي هل هو شرط في صحة التكليف أم لا؟ لا جرم أن الآمدي وابن الحاجب وغيرهما قد صرحوا هنا بالمقصود. قوله: "لنا" إن الدليل على أنهم مخاطبون مطلقا من ثلاثة أوجه الأول: أن الآيات الآمرة بالعبادة متناولة لهم كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] ونحو ذلك, والكفر لا يصلح أن يكون مانعا من دخولهم؛ لأنهم متمكنون من إزالته بالإيمان، وبهذا الطريق قلنا: المحدث مأمور بالصلاة فثبت أن المقتضي للتكليف قائم والمانع مفقود, فوجب القول بتكليفهم عملا بالمقتضي السالم
стр. 88
عن المعارض. الدليل الثاني: أنهم لو لم يكونوا مكلفين بالفروع ما أوعدهم الله تعالى عليها, لكن الآيات الموعدة بتركها أي: بسبب تركها, كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦, ٧] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وقوله: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١] وقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثرك ٤٢, ٤٣] الآية, فثبت كونهم مكلفين ببعض الأوامر وبعض النواهي، فكذلك الباقي إما قياسا، أو لأنه لا قائل بالفرق، وذكر في المحصول في هذه الآية الأخيرة مباحث كثيرة منها أن هذا التعليل حكاية عن قول الكفار فلا يكون حجة، وأجاب بأن ذلك يجب أن يكون صدقا؛ لأنه لو كان كذبا "مع أنه تعالى ما بين كذبهم" لما كان في حكايته فائدة، وكلام الله تعالى متى أمكن حمله على ما هو أكثر فائدة وجب المصير إليه، والذي ذكره مشتمل على قاعدتين نافعتين في مواضع، والموعد المذكور في كلام المصنف اسم فاعل من: أوعد, قال الجوهري: أوعد عند الإطلاق يكون للشر ووعد في الخير, وأنشد:
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
الدليل الثالث: أنهم مكلفون بالنواهي بدليل وجوب حد الزنا عليهم, فيكونون مكلفين بالأمر قياسا عليها والجامع بينهما كما قال في المحصول والمنتخب هو إحراز المصلحة الحاصلة في النهي بسبب ترك المنهي عنه, وفي الأمر بسبب فعل المأمور به، ويمكن أن يقال: الجامع بينهما هو الطلب. قوله: "قيل: الانتهاء ممكن" أي: اعترض القائلون بالفرق بين الأوامر والنواهي على القياس بأن النهي يقتضي الانتهاء عن المنهي عنه، والانتهاء عنه مع الكفر ممكن، والأمر يقتضي الامتثال، والامتثال مع الكفر غير ممكن؛ لأن النية في الامتثال لا بد منها، ونية الكافر غير معتبرة، وأجاب في المحصول بأن الفعل والترك المجردين عن النية لا يتوقفان على الإيمان، والإتيان بهما لغرض امتثال حكم الشرع يتوقف على الإيمان، فاستوى الانتهاء والامتثال، وبطل الفرق فإن الترك بغير نية الامتثال كافٍ في إسقاط التكليف فكذلك الفعل. قال المصنف: وفيه نظر ولم يبينه، وتقريره أن الترك على ثلاثة أقسام, أحدها: أن يكون للعجز فقط, فهذا غير مثاب بل معاقب على القصد. والثاني: أن يكون القصد الامتثال, فهذا خارج عن العهدة ومثاب. والثالث: أن لا يقصد شيئا البتة كمن لم تطالبه نفسه بشرب الخمر أو غيره من المنبهات, فلا يمكن القول بتأثيمه لحصول المطلوب منه وهو إعدام المفسدة، وفي ثوابه نظر، ومثل هذا لا يكفي في الفعل فإن الواجب لا يخرج عن عهدته إلا بالنية، واعتقاد وجوبه، وذلك فرع عن الإيمان، وإذا تقرر هذا صح الفارق وهو كون الانتهاء ممكنا دون الامتثال، وحينئذ فيبطل احتجاجنا على الخصم المفصل بالقياس، وإذا كان هذا الجواب عند المصنف لا يستقيم، فجوابه من أوجه:
стр. 89
أحدها: ما ذكره من بعد, وهو أن فائدة التكليف ليست منحصرة في الأمثال حتى ينتفي التكليف عند انتفاء إمكان الفعل, بل فائدته العقاب على تقدير أن لا يسلم ويفعل. الثاني: ما ذكره من قبل وهو كونه قادرا على الامتثال بعد إزالة المانع، وحاصله أن التجاء الفرق الذي ذكره الخصم دائر مع صحة السؤال الآتي وسيأتي إبطاله. الثالث: أن دعواهم منتقضة بالنفقات وغيرها مما لا يشترط فيه قصد التقريب. قوله: "قيل: لا يصح مع الكفر" أي: استدل من قال بتكليفهم بالنواهي دون الأوامر بأن الصلاة مثلا لو كانت واجبة, لكانت مطلوبة منهم؛ لأن الوجوب طلب الفعل مع المنع من الترك، ولكن لا يصح أن تكون مطلوبة منهم, أما في حال الكفر فلعدم صحتها، ويستحيل من الشارع طلب تعاطي الفاسد، وأما بعد الإسلام فلعدم وجوب قضائها عليهم؛ لقوله ﷺ : "الإسلام يجبّ ما قبله" ١ فإذا تعذر الوجوب، وأجاب المصنف تبعا للإمام بأنه لا فائدة لهذا التكليف إلا تضعيف العذاب عليهم في الآخرة، فقولنا: إنهم مأمورون بها لا معنى له إلا أنهم يعاقبون عليها كما يعاقبون على الإيمان، وهذا الجواب مردود من وجهين, أحدهما: أنه غير مطابق لدليل الخصم أصلا فإن الخصم يقول لا شك: إن التعذيب في الآخرة متوقف على تقدم التكليف, فلا بد أن تختار أحد القسمين، إما حالة الكفر أو بعدها، ونجيب عما قاله الخصم فيه، والجواب الصحيح أن نختار أنه مكلف لإيقاع ذلك في زمن الكفر, ونجيب بما تقدم من كونه قادرا على إحالة المانع كالمحدث، ويكون زمن الكفر ظرفا للتكليف لا للإيقاع، أي: يكلف في زمن الكفر بالإيقاع، وذلك بأن يسلم ويوقع، والحديث حجة لنا؛ لأن قوله ﷺ : "يجب" يقتضي سبق التكليف به ولكن يسقط ترغيبا في الإسلام. الاعتراض الثاني: أن دعواه أن لا فائدة لها في الدنيا باطلة بل لها فوائد، منها تنفيذ طلاقة وعتقه وظهاره وإلزامه الكفارات وغير ذلك، ومنها إذا قتل الحربي مسلما ففي وجوب القود أو الدية خلاف مبني على هذه القاعدة كما صرح به الرافعي، ومنها أنه هل يجوز تمكن الكافر الجنب من دخول المسجد؟ فيه خلاف مبني على هذه القاعدة أيضا، وإن كان المشهور في الفرعين خلاف قضية البناء، ومنها إذا دخل الكافر الحرم وقتل صيدا فإن المعروف لزوم الضمان, قال في المهذب: ويحتمل أن لا يلزمه، وهذا التردد منشؤه هذه القاعدة، ومنها فروع كثيرة نقل المعالمي عن محمد بن الحسن عدم الوجوب فيها معللا بذلك، ومذهبنا فيها الوجوب كوجوب دم الإساءة على الكافر إذا جاوز الميقات, ثم أسلم وأحرم، ووجوب زكاة الفطر على الكافر في عبده المسلم، ووجوب الاغتسال عن الحيض إذا كانت الكافرة تحت مسلم.
стр. 90
المسألة الثالثة:
قال: "المسألة الثالثة: امتثال الأمر يوجب الإجزاء؛ لأنه إن بقي متعلقا به فيكون أمرا بتحصيل الحاصل أو بغيره، فلم يمتثل بالكلية. قال أبو هاشم ١: "لا يوجب كما لا يوجب النهي الفساد, والجواب طلب الجامع ثم الفرق"" أقول: هذا الكلام الذي ذكره المصنف هنا غير محرر فلنشرحه على ما هو عليه ثم نبين وجه الصواب فنقول: امتثال الأمر وهو الإتيان بالمأمور به على الوجه المطلوب شرعا, يوجب الإجزاء، أي: سقوط الأمر كما صرح به في الحاصل، واقتضاء كلام المحصول لأن الأمر لو لم يسقط فإن كان متعلقا بين ما أتى به أي: طالبا له فيكون أمرا بتحصيل الحاصل وهو محال، وإن كان متعلقا بغيره فيلزم أن لا يكون المأتي به أولا كل المأمور به بل بعضه، وحينئذ فلا يكون ممثلا وقد فرضناه ممثلا، وقال أبو هاشم وتابعه القاضي عبد الجبار٢: إن امتثال الأمر لا يوجب الإجزاء، كما أن النهي عن الشيء لا يوجب الفساد, بدليل صحة البيع وقت النداء، والجواب طلب الجامع ثم الفرق أي: نطالبه أولا بالجامع بين الأمر والنهي، فإذا ذكر الجامع ذكرنا الفرق، وهذا الكلام مجرد استرواج فإن الجامع واضح بخلاف الفرق, فكان ينبغي له ذكر الفرق، والسكوت عن طلب الجمع كما فعل الإمام وأتباعه، وتقرير الجامع: أن كلا منهما طلب جازم لا إشعار له بذلك، وأيضا فالأمر ضد النهي، والنهي لا يدل على الفساد، فلا يدل على الأمر على الإجزاء؛ لأن الشيء يحمل على ضده كما يحمل على مثله, والفرق أن الأمر هو اقتضاء الفعل فإذا أدى مرة فقد انتهى الاقتضاء, وأما النهي فمدلوله المنع من الفعل، فإن خالف وأتى به فليس في اللفظ ما يقتضي للتعرض لحكمه، ولا منافاة بين النهي عنه وبين أن يقول: فإن أتيت به جعلته سببا لحكم آخر مع كونه ممنوعا منه، وهذا حاصل كلام الإمام وأتباعه في هذه المسألة.
واعلم أنه قد تقدم أن الإجزاء يطلق على الأداء الكافي لسقوط ما عليه، ويطلق على إسقاط القضاء, فالجمهور يقولون: إنه يدل على أنه لا يجب قضاؤه، وأبو هاشم وعبد الجبار وأتباعهما يقولون: إنه لا يمتنع الأمر بالقضاء أيضا مع فعله، بدليل وجوب المضي في الحج الفاسد ووجوب قضائه، وحينئذ فيلزم من ذلك أنه لا يدل على عدم وجوبه بل يكون عدم الوجوب مستفادا من الأصل هكذا حرره الآمدي وغيره, ونقله صريحا عن الخلاصة، وصوبه ابن برهان أيضا كما نقله عنه الأصفهاني في شرح المحصول، فقال: ذهب عبد الجبار إلى أنه لا يدل على الإجزاء وإنما الإجزاء مستفاد
стр. 91
من عدم الدليل يدل على الإعادة، وقد بسط القرافي ذلك على نحو ما قلناه فقال في تعليقه على المنتخب: لا خلاف بين أبي هاشم وغيره في براءة الذمة عند الإتيان بالمأمور به, ثم اختلفوا فقال الجمهور: الأمر كما دل على شغل الذمة دل أيضا على البراءة بتقدير الإتيان، وقال أبو هاشم: الأمر يدل على الشغل فقط والبراءة بعد الإتيان بالمأمور به مستفادة من الأصل, ومعناه أن الإنسان خلق وذمته بريئة من الحقوق كلها، فلما ورد الأمر اقتضى شغلها، فإذا امتثل كان الإجزاء، وهو براءة الذمة بعد ذلك مستفاد من الاستصحاب لا من الإتيان بالمأمور به, قال: وهذا الخلاف شبيه بالخلاف في مفهوم الشرط كما قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، فالقائلون بأن الشرط لا مفهوم له يقولون: عدم طلاقها مستفاد من العصمة السابقة، والقائلون بالمفهوم يقولون: عدم الطلاق من ذلك، ومن مفهوم الشرط, وكذلك أيضا الخلاف الذي ههنا ا. هـ كلامه، وإذا علمت ما قلناه علمت فساد الدليل المذكور في الكتاب ردا على أبي هاشم؛ لأن أبا هاشم لا يقول ببقاء الشغل, بل يقول: إن الأمر لا بد عليه، ودليل أبي هاشم الذي نقله المصنف عنه وهو قوله: كما لا يوجب النهي الفساد, يدل عليه أيضا, ثم إن الإمام والمصنف وجماعة جعلوا محل الخلاف في الإتيان بالمأمور به، وفيه نظر لأن الأفعال لا دلالة لها على الشغل ولا على البراءة, وإنما يدل على عدم الضد فينبغي أن يجعلوا محل الخلاف في الأمر وقد نص عليه الأكثرون, كالغزالي وابن برهان والمعالي وابن فورك والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين والقاضي عبد الوهاب.
стр. 92
الكتاب الأول: في الكتاب والاستدلال به يتوقف على معرفة اللغة
مدخل
...
الكتاب الأول:
قال: "الكتاب الأول في الكتاب والاستدلال به يتوقف على معرفة اللغة ومعرفة أقسامها, وهو ينقسم إلى: أمر ونهي وعام وخاص ومجمل ومبين وناسخ ومنسوخ, وبيان ذلك في أبواب" أقول: قد تقدم في أول الكتاب أنه مرتب على مقدمة وسبعة كتب, وتقدم وجه الاحتياج إلى ذلك ومناسبة تقديم بعضها على بعض, فلما فرغ من المقدمة ذكر الكتاب الأول المعقود للكتاب العزيز, ويعني به الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه, فخرج بالمنزل الكلام النفساني وكلام البشر، وبقولنا: للإعجاز, الأحاديث وسائر الكتب المنزلة كالإنجيل, وقولنا: بسورة نريد به أن الإعجاز يقع بأقصر سورة كالكوثر، والإعجاز هو قصد إظهار صدق النبي في دعوى الرسالة بفعل خارق للعادة، ولما كان الكتاب العزيز واردا بلغة العرب كان الاستدلال به متوقعا على معرفة اللغة ومعرفة أقسامها؛ فلذلك ذكر مباحث اللغة وأقسامها في هذا الكتاب. ثم إن الكتاب العزيز ينقسم إلى خبر وإنشاء لكن نظر الأصولي في الإنشاء دون الإخبار لعدم ثبوت الحكم بها غالب؛ فلذلك قسمه إلى أمر ونهي وعام وخاص ومجمل ومبين وناسخ ومنسوخ فقوله: وهو ينقسم أي: الكتاب العزيز فأطلقه وأراد به قسم الإنشاء منه، ولكن هذا التقسيم ليس خاصا بالكتاب بل السنة أيضا كذلك، وكان المصنف استغنى عن
стр. 93
ذكره هناك بذكره هنا، ولأجل هذه الأقسام انحصرت أبواب هذا الكتاب على خمسة أبواب, الأول: في اللغات، والثاني: في الأوامر والنواهي, والثالث: في العموم والخصوص, والرابع: في المجمل والمبين, والخامس: في الناسخ والمنسوخ, ثم ذكر الإمام في المحصول مناسبة تقديم بعض هذه الأبواب على بعض، وأخذه ﵀ من أبي الحسين البصري، فإني رأيته مذكورا في شرح العمد له, وحاصله أنه إنما قدم باب اللغات؛ لأن التمسك بالأدلة القولية إنما يمكن بواسطة معرفتها، وأنه قدم باب الأوامر والنواهي على الثلاثة الباقية؛ لأن تقسيم الكلام إلى الأوامر والنواهي تقسيم له باعتبار ذاته إلى أنواعها، وانقسامه إلى العام والخاص والمجمل والمبين تقسيم له باعتبار عوارضه كتقسيم الحيوان إلى الأبيض والأسود، فإن البياض والسواد ليسا من الأجزاء الذاتية؛ لأن ماهية الحيوان ليست مركبة منهما فهما عارضان بخلاف انقسامه إلى الإنسان والفرس, فقدمنا ما هو بحسب الذات على ما هو بحسب العرض، وإنما قدم باب العموم والخصوص على البابين الباقيين؛ لأن النظر في العموم والخصوص نظر في متعلق الأمر والنهي، والنظر في المجمل والمبين نظر في كيفية دلالة الأمر والنهي على ذلك المتعلق، ولا شك أن المتعلق بالشيء متقدم على النسبة العارضة بين الشيء ومتعلقه، وإنما قدم باب المجمل والمبين على النسخ؛ لأن النسخ يطرأ على ما هو ثابت بأحد الوجوه المذكورة، وذكر المصنف في الباب الأول تسعة فصول.
стр. 94
الباب الأول: في اللغات
الفصل الأول:
قال: "الباب الأول في اللغات وفيه فصول, الفصل الأول: في الوضع لما مست الحاجة إلى التعاون والتعارف، وكان اللفظ أفيد من الإشارة والمثال لعمومه وأيسر؛ لأن الحروف كيفيات تعرض للناس الضروري وضع بإزاء المعاني الذهنية لدورانه معها؛ ليفيد النسب والمركبات دون المعاني المفردة وإلا فيدور" أقول: اللغات عبارة عن الألفاظ الموضوعة للمعاني, فلما كانت دلالة الألفاظ على المعاني مستفادة من وضع الواضع, عقد المصنف هذا الفصل في الوضع وما يتعلق به، فالوضع تخصيص الشيء بالشيء بحيث إذا علم الأول علم الثاني, والذي يتعلق به ستة أشياء أحدها: سبب الوضع، والثاني: الموضوع, والثالث: الموضوع له, والرابع: فائدة الوضع, والخامس: الواضع, والسادس: طريق معرفة الموضوع, وذكرها المصنف في هذا الفصل على هذا الترتيب: الأول: سبب الوضع وأشار إليه بقوله: لما مست الحاجة أي: اشتدت, وتقريره أن الله تعالى خلق الإنسان غير مستقل بمصالح معاشه محتاجا إلى مشاركة غيره من أبناء جنسه لاحتياجه إلى غذاء ولباس ومسكن وسلاح, والواحد لا يتمكن من تعلم هذه الأشياء فضلا من استعمالها؛ لأن كلا منها موقوف على صنائع شتى فلا بد من جمع عظيم ليتعاون بعضهم ببعض, وذلك لا يتم إلا بأن يعرفه ما في نفسه فاحتيج إلى وضع شيء يحصل به التعريف، وعبر المصنف عنه بالتعارف تبعا للحاصل وفيه نظر. قوله: "وكان اللفظ إلى قوله: وضع" شرع يتكلم في الموضوع وهو الثاني من الستة المتقدمة، وحاصله أنه
стр. 95
قد تقرر أن الشخص محتاج إلى تعريف الغير ما في نفسه، والتعريف إما باللفظ، أو بالإشارة كحركة اليد والحاجب، أو بالمثال وهو الجرم الموضوع على شكل الشيء, وكان اللفظ أفيد من الإشارة والمثال وأيسر, أما كونه أفيد؛ فلعمومه من حيث إنه يمكن التعبير به عن الذات والمعنى الموجود والمعدوم والحاضر والغائب والحادث والقديم كالبارئ ولا يمكن الإشارة إلى المعنى، ولا إلى الغائب والمعدوم، ولا يمكن أيضا وضع مثال لدقائق العلوم، ولا للبارئ وغير ذلك، قال الإمام: ولأن المثال قد يبقى بعد الحاجة فيقف عليه من لا يريد الوقوف عليه، وأما كونه أيسر فلأنه موافق للأمر الطبيعي؛ لأنه مركب من الحروف الحاصلة من الصوت وذلك إنما يتولد من كيفيات مخصوصة تعرض للنفس عند إخراجه وإخراجه ضروري, فصرف ذلك الأمر الضروري إلى وجه ينتفع به الشخص انتفاعا كليا، فلما كان اللفظ أفيد وأيسر وضع, فقوله: وضع, جواب لما وقوله: يعرض بكسر الراء فقط, قاله الجوهري قال: فإن كان من قولك: عرضت العود على الإناء وشبهه, كسرت أيضا وقد يضم.
واعلم أن الكتابة من جملة الطرق أيضا ولا يصح أن يريدها المصنف بقوله، والمثال لأن تعليله بالعموم يبطله؛ لأن كل ما صح التعبير عنه أمكن كتابته, فلا يكون اللفظ أعم منها فاعرف ذلك.
قوله: "بإزاء المعاني الذهنية" هذا هو الثالث من الأقسام الستة, وهو الموضوع له, وحاصله أن الوضع للشيء فرع عن تصوره فلا بد من استحضار صورة الإنسان مثلا في الذهن عند إرادة الوضع له, وهذه الصورة الذهنية هي التي وضع لها لفظ الإنسان لا الماهية الخارجية، والدليل عليه أنا وجدنا إطلاق اللفظ دائرا مع المعاني الذهنية دون الخارجية ببيانه أنا إذا شاهدنا شيئا فظننا أنه حجر أطلقنا لفظ الحجر عليه، فإذا دنونا منه وظنناه شجرا أطلقنا لفظ الشجر عليه، ثم إذا ظنناه بشرا أطلقنا لفظ البشر عليه, فالمعنى الخارجي لم يتغير مع تغيير اللفظ فدل على أن الوضع ليس له بل للذهني. وأجاب التحصيل عن هذا بأنه إنما دار مع المعاني الذهنية على اعتقاد أنها في الخارج كذلك وهو جواب ظاهر, ويظهر أن يقال: إن اللفظ موضوع بإزاء المعنى من حيث هو، أي: مع قطع النظر عن كونه ذهنيا أو خارجيا, فإن حصول المعنى في الخارج والذهن مع الأوصاف الزائدة على المعنى، واللفظ إنما وضع للمعنى من غير تقييده بوصف زائد، ثم إن الموضوع له قد لا يوجد إلا في الذهن فقط كالعلم ونحوه، وهذه المسألة قد أهملها الآمدي وابن الحاجب, قوله: "ليفيد النسب" شرع يتكلم في فائدة الوضع، وهو الرابع من الأقسام، واللام متعلقة بقوله قبله: وضع، وحاصله أن اللفظ وضع لإفادة النسب بين المفردات كالفاعلية والمفعولية وغيرهما، ولإفادة معاني المركبات من قيام أو قعود، فلفظ زيد مثلا وضع ليستفاد به الإخبار عن مدلوله بالقيام أو غيره، وليس الغرض من الوضع أن يستفاد بالألفاظ معانيها المفردة،
стр. 96
أي: تصور تلك المعاني لأنه يلزم الدور؛ وذلك لأن إفادة الألفاظ المفردة لمعانيها موقوفة على العلم بكونها موضوعة لتلك المسميات، والعلم بكونها موضوعة لتلك المسميات يتوقف على العلم بتلك المسميات، فيكون العلم بالمعاني متقدما على العلم بالوضع, فلو استفدنا العلم بالمعاني من الوضع لكان العلم بها متأخرا عن العلم بالوضع، وهو دور, فإن قيل: هذا بعينه قائم في المركبات؛ لأن المركب لا يفيد مدلوله إلا عند العلم لكونه موضوعا لذلك المدلول, والعلم به يستدعي سبق العلم بذلك المدلول, فلو استفدنا العلم بذلك المدلول من ذلك المركب لزم الدور, وأجاب في المحصول بأنا لا نسلم أن إفادة المركب لمدلوله متوقفة على العلم بكون موضوعا له, بل على العلم بكون الألفاظ المفردة موضوعة للمعاني المفردة, وعلى كون الحركات المخصوصة كالرفع وغيره دالة على المعاني، والمخصوصة، وقد أهمل ابن الحاجب والآمدي هذه المسألة أيضا.
قال: "ولم يثبت تعيين الواضع, والشيخ زعم أن الله تعالى وضعه, ووقف عباده عليه لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] ولأنه لو كانت اصطلاحية لاحتيج في تعليمها إلى اصطلاح آخر ويتسلسل، ولجاز التغيير فيرتفع الأمان عن الشرع. وأجيب بأن الأسماء سمات الأشياء وخصائصها أو ما سبق وضعها والذم للاعتقاد والتوقيف يعارضه الإقدار، والتعليم بالترديد والقرائن كما للأطفال, والتغير لو وقع لاشتهر" أقول: شرع في القسم الخامس, وهو الواضع فنقول: ذهب عباد بن سليمان الصيمري المعتزلي إلى أن اللفظ يفيد المعنى من غير وضع, بل بذاته لما بينهما من المناسبة الطبيعية، هكذا نقله عنه في المحصول، ومقتضى كلام الآمدي في النقل عن القائلين بهذا المذهب أن المناسبة وإن شرطناها لكن لا بد من الوضع، واحتج عباد بأن المناسبة لو انتفت لكان تخصيص الاسم المعين بالمسمى المعين ترجيحا من غير مرجح، والجواب أنه يختص بإرادة الواضع أو بخطوره بالبال، ويدل على فسادها أنها لو كانت ذاتية لما اختلفت باختلاف النواحي ولكان كل إنسان يهتدي إلى كل لغة، ولكان الوضع لضدين محالا وليس بمحال, بدليل القرء للحيض والطهر، والجون للسواد والبياض. وإذا تقرر إبطال مذهب عباد وأنه لا بد من واضع، فقد اختلفوا فيه على مذاهب أحدها: الوقف؛ لأنه يحتمل أن تكون الجميع توقيفية, وأن تكون اصطلاحية, وأن يكون البعض هكذا والبعض هكذا. فإن جميع ذلك ممكن والأدلة متعارضة فوجب التوقف، وهذا مذهب القاضي والإمام وأتباعه ومنهم المصنف، ونقله في المنتخب عن الجمهور، وفي الحاصل عن المحققين، وفي المحصول والتحصيل عن جمهور المحققين. والمذهب الثاني: أنها توقيفية ومعناه أن الله تعالى وضعها ووقفنا عليها -بتشديد القاف- أي: علمنا إياها، وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري واختاره ابن الحاجب
стр. 97
والإمام في المحصول في الكلام على القياس في اللغات كما ستعرفه، قال الآمدي: إن كان المطلوب هو اليقين فالحق ما قاله القاضي، وإن كان المطلوب هو الظن وهو الحق، فالحق ما قاله الأشعري لظهور أدلته، واستدل المصنف عليه بالمنقول والمعقول؛ فأما المنقول فثلاثة، الأول: قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] إلى آخر الآية, على أن آدم لم يضعها ولا الملائكة فتكون توقيفية، أما آدم فلأنه تعلم من الله تعالى، وأما الملائكة فلأنهم تعلموا من المراد بالأسماء إنما هو الألفاظ الموضوعة بإزاء المعاني، وذلك يشمل الأفعال والحروف والأسماء المصطلح عليها؛ لأن الاسم سمي بذلك لأنه سمة أي: علامة على مسماه، والأفعال والحروف كذلك، وأما تخصيص الاسم ببعض الأقسام فإنه عرف النحويين واللغويين، سلمنا أن الاسم بحسب اللغة يختص بهذا القسم لكن التكلم بالأسماء وحدها متعذر، سلمنا أنه غير متعذر لكن ثبت أن الأسماء توقيفية, فيثبت الباقي إذ لا قائل بالفرق. الثاني: أن الله ذم أقواما على تسميتهم لبعض الأشياء من غير توقيف، فقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ فثبت التوقيف في البعض المذموم عليه، ويلزم من ذلك ثبوته في الباقي, وإلا يلزم فساد التعليل بكونه ما أنزله. الثالث: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] ووجه الدلالة أن الله قد امتن علينا باختلاف الألسنة وجعله آية، وليس المراد باللسان هو الجارحة اتفاقا؛ لأن الاختلاف فيها قليل, ثم إنه غير ظاهر بخلاف الوجه ونحوه, فتعين أن يكون المراد باللسان هو اللغة مجازا, كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] وحينئذ فنقول: لولا أنها توقيفية لما امتن عليها بها، وأما لمعقول فأمران أحدهما: أنها لو كانت اصطلاحية لاحتاج الواضع في تعليمها لغيره إلى اصطلاح آخر بينهما، ثم إن ذلك الطريق أيضا لا يفيد لذاته، فلا بد له من اصطلاح آخر، ويلزم التسلسل. واعلم أن هذا التقرير هو الصواب، وهو كما أتى به المصنف، ومن الشارحين من يقرره بتقرير ذكره في المحصول على وجه آخر, فنقلوه إلا ههنا فاجتنبه، نعم هذا الدليل لا يثبت به مذهب الأشعري، وإنما يبطل به مذهب أبي هاشم وأتباعه خاصة فاعرف ذلك. والثاني من المعقول: أن اللغات لو كانت اصطلاحية لجاز التغيير فيها, إذ لا حجر في الاصطلاح وجواز التغيير يؤدي إلى عدم الأمان والوثوق بالأحكام التي في شريعتنا, فإن لفظ الزكاة والإجازة وغيرهما يجوز أن تكون مستعملة في عهد النبي ﷺ لمعانٍ غير هذه المعاني المعهودة الآن, وقد علمنا من هذا أن فائدة الخلاف في التغيير. قوله: "وأجيب" شرع في الجواب عن أدلة الشيخ الخمسة، فأجاب عن الأول وهو قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] بوجهين, أحدهما: لا نسلم أن المراد بالأسماء في الآية في اللغات, بل يجوز أن يكون المراد بالأسماء سمات الأشياء وخصائصها كتعليم أن الخيل تصلح للكر والفر, والجمال للحمل، والثيران للزراعة.
стр. 98
فأما تعليم الخواص فواضح، وأما تعليم السمات أي: العلامات فتقريره من وجهين أحدهما: أن هذه الأشياء علامات دالة على تلك الحيوانات, فإنه يعرف بمشاهدة الحرث مثلا كونه من البقر, فإذا علمه هذه الأشياء فقد علمه سمة على الذوات أي: علامة عليها. الثاني: أن الله تعالى علم آدم علامات ما يصلح للكر والفر، وعلامات ما يصلح للحمل، وغير ذلك حتى إذا شاهد صفة ما يصلح للحمل في ذات استعملها في الحمل إذا تقرر هذا, فنقول: يصح إطلاق الاسم على ما ذكرناه؛ لأن الاسم مشتق من السمة أو من السمو, وعلى كل تقدير فكل ما يعرف ماهية ويكشف عن حقيقة يكون اسما؛ لأنه اشتق من السمة, فواضح وإن اشتق من السمو فالعلو أيضا موجود؛ لأن الدليل أعلى من المدلول، وأما تخصيص الاسم باللفظ المصطلح عليه فعرف حادث, والضمير في عرضهم للمسميات لتغليب من يعقل، أي: عرض المسميات على الملائكة وامتحنهم على أسمائها، أي: ألفاظها، كما قال الأشعري: أو صفاتها كما أوله المصنف غيره، وعلى كل حال فليس في المضمر دلالة على شيء مما نحن فيه. الثاني: سلمنا أن الأسماء هي اللغات, لكن يجوز أن تكون تلك الأسماء التي علمها الله تعالى آدم قد وضعتها طائفة خلقهم الله تعالى قبل آدم، فلم قلتم: إنه ليس كذلك؟ وفي المحصول جواب ثالث, وهو أنه يجوز أن يكون المراد من التعليم إلهام الاحتياج إليها وإقدارا على الوضع وفي الأحكام جواب رابع، وهو أن ما تعلمه آدم يجوز أن يكون نسيه ثم اصطلحت أولاده من بعده على هذه اللغات والكلام إنما هو فيها، والجواب عن الثاني وهو الذم في قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] : إنا لا نسلم أن الذم على التسمية, بل على إطلاقهم لفظ الإله على الضم, مع اعتقادهم أنها آلهة, إذ اللات والعزى ومناة أعلام على أصنام, فقرينة اختصاصها بالذم دون سائر الأسماء دليل عليه, ولأن هذه أعلام منقولة وليست بمرتجلة, فلا ذم في التسمية لها على القول بالتوقيف كالحارث وشبهه لعدم ارتجالها. والجواب عن الثالث, وهو قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] : أنه إذا انتفى أن يكون المراد الجارحة كما تقدم، وأن المراد إنما هو اللغات مجازا, فليس محل الامتنان على وضعها حتى يلزم التوقيف بأولى من حمله من الإقدار، إما على ضعها أو على النطق بها فكل منهما آية، وحينئذ فالتوقف يعارضه الإقدار فإن قيل: حمله على الوضع أولى؛ لأنه أقل إضمارا قلنا: لا إضمار هنا أصلا فافهمه، بل حاصله أن الامتنان دل بل لازمه على أن البارئ تعالى له تأثير في اللغات، إما بالوضع أو بالإقدار، والجواب عن الرابع: أنا لا نسلم أنها لو كانت اصطلاحية لاحتاج في تعليمها إلى اصطلاح آخر, بل يحصل التعليم بترديد اللفظ، وهو تكراره مرة بعد مرة على القرائن كالإشارة إلى المسمى ونحوها, وبهذا الطريق تعلمت الأطفال، والجواب عن الخامس: أنا لا نسلم ارتفاع الأمان عن الشرع؛ لأن التعبير لو رفع لاشتهر ووصل إلينا؛ لكونه أمرا مهما فعدم
стр. 99
اشتهاره دليل على عدم وقوعه.
قال: "وقال أبو هاشم: الكل مصطلح وإلا فالتوقيف إما بالوحي فتقدم البعثة, وهي متأخرة لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] أو يخلق علم ضروري في عاقل فيعرفه تعالى ضرورة, فلا يكون مكلفا أو في غيره وهو بعيد، وأجيب بأنه ألهم العاقل بأن واضعا ما وضعها، وإن سلم لم يكن مكلفا بالمعرفة فقط. وقال الأستاذ: ما وقع به التنبيه إلى الاصطلاح توقيفي, والباقي مصطلح" أقول: هذا هو المذهب الثالث الذي ذهب إليه أبو هاشم، وهو أن اللغات كلها اصطلاحية, إذ لو وضعها البارئ تعالى ووقفنا عليها -بتشديد القاف- أي: أعلمنا بها فالتوقيف إما أن يكون بالوحي وهو باطل؛ لأنه يلزم تقدم بعثة الرسل على معرفة اللغات لكن البعثة متأخرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] أو يكون بخلق علم ضروري في عاقل بأن الله تعالى وضعها لهذه المعاني وهو باطل؛ لأنه يلزم منه أن يعرف الله تعالى بالضرورة لا بحصول العلم؛ لأن حصول العلم الضروري بوضع الله تعالى يستلزم العلم الضروري بالله تعالى؛ لأن العلم بصفة الشيء إن كان ضروريا يكون العلم بذاته أولى أن يكون ضروريا، وحينئذ فيلزم أن لا يكون مكلفا بالمعرفة لحصولها، وإذا لم يكن مكلفا بها لم يكن مكلفا مطلقا؛ لأنه لا قائل بالفرق أن يكون بخلق علم ضروري في إنسان غير عاقل, وهو بعيد جدا فإنه يبعد أن يصير غير العاقل عالما بهذه الكيفيات العجيبة, وهذه التركيبات النادرة اللطيفة, فإذا انتفت طرق التوقيف انتفى، وثبت التوقيف، وثبت الاصطلاح، وهذا التقرير هو الصواب على خلاف ما قرره الإمام وأتباعه، فإنهم جعلوه دليلين فلزمهم بطلان دعوى الحصر كما يعرف بالوقوف عليه, فجعله المصنف دليلا واحدا مقسما, فجمع بين الاختصار في اللفظ والانحصار للأقسام، وأجاب المصنف بوجهين, أحدهما: لا يجوز أن يقال: إن الله تعالى ألهم العاقل أي: خلق العلم فيه, بأن واضعا ما وضع هذه الألفاظ بإزاء هذه المعاني, لا أن الله تعالى هو الذي وضع حتى يلزم المحذور, وهو عدم التكليف. الثاني: سلمنا هذا لكن يلزم أن لا يكون مكلفا بالمعرفة فقط؛ لكونه قد عرف وهذا لا استحالة فيه، أما كونه غير مكلف مطلقا فإنه غير لازم, كمن أتى بعبارة دون عبارة.
واعلم أن الأحسن في الجواب ما أجاب به ابن الحاجب, وهو أن يقال: إن الله تعالى علمها آدم ولا يرد عليه شيء مما قاله الخصم, ثم علمها آدم لبنيه, ثم بعثه الله تعالى إليهم بلغتهم, وأحسن من هذا أيضا أن يقال: الوحي قد يكون إلى نبي وهو الذي أُوحي إليه لكن لا للتبليغ, وقد يكون إلى رسول وهو المبعوث لغيره؛ ولهذا قالوا: كل رسول نبي ولا ينعكس, والآية إنما تنفي تعلمها بالوحي إلى رسول فيجوز أن يكون حصل التعليم بالوحي إلى نبي. قوله: "وقال الأستاذ" هذا هو المذهب الرابع اختيار الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني الشافعي, وهو أن القدر الذي وقع به التنبيه إلى
стр. 100
الاصطلاح توقيفي, فإنه لو كان اصطلاحيا في تعليمه إلى اصطلاح آخر وتسلسل كما قلناه, وأما الباقي فيكون اصطلاحيا، وهكذا قاله الإمام لما تكلم على تفصيل المذاهب, فتابعه المصنف لكنه نقل عنه عند الاستدلال عليه أن الباقي يحتمل أن يكون اصطلاحيا، وأن يكون توقيفيا وهو الذي نقله عنه ابن برهان والآمدي وصاحب التحصيل وابن الحاجب وغيرهم, فعلى هذا يكون مذهبه مركبا من الوقف والتوقيف، وفي المسألة قول خامس: أن ابتداء اللغات اصطلاحي والباقي محتمل, كذا في المحصول والتحصيل، لكن في المنتخب والحاصل الجزم بأن الباقي توقيفي.
قال: "وطريق معرفتها النقل المتواتر أو الآحاد واستنباط العقل من النقل كما إذا نقل أن الجمع المعرف بالألف واللام يدخله الاستثناء، وأنه إخراج بعض ما تناوله اللفظ فيحكم بعمومه، وأما العقل الصرف فلا يجدي" أقول: هذا هو القسم السادس وهو الطريق إلى معرفة اللغات, ويعرف بثلاثة أمور, أحدها: بالنقل المتواتر كالسماء والأرض والحر والبرد ونحوها مما لا يقبل التشكيك. الثاني: الآحاد كالقرء ونحوه من الألفاظ العربية, قال في المحصول: وأكثر ألفاظ القرآن من الأول وذكر الآمدي نحوه. الثالث, ولم يذكره الآمدي ولا ابن الحاجب: استنباط العقل من النقل كما إذا نقل إلينا أن الجمع المعرف يدخله الاستثناء، ونقل إلينا الاستثناء إخراج ما يتناوله اللفظ فيحكم العقل بواسطة هاتين المقدمتين أن الجمع المعرف للعموم، وأما العقل الصرف بكسر الصاد أي: الخالص, فلا يجدي أي: فلا ينفع, في معرفة اللغات؛ لأن العقل إنما يستقل بوجوب الواجبات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، وأما وقوع أحد الجائزين فلا يهتدي إليه، واللغات من هذا القبيل لأنها متوقفة على الوضع.
стр. 101
الفصل الثاني:
قال: "الفصل الثاني في تقسيم الألفاظ: دلالة اللفظ على إتمام مسماه مطابقة, وعلى جزئه تضمن, وعلى لازمه الذهني التزام" أقول: لما فرغ من الكلام على وضع اللفظ وما يتعلق به, شرع في تقسيمه وذلك من وجوه, وقدم تقسيم الألفاظ باعتبار دلالتها؛ لأن التقسيمات كلها متفرعة على الدلالة وإنما قلنا: إن تقسيم الدلالة تقسيم للألفاظ؛ لأن كلامه في الدلالة اللفظية ويلزم من تقسيم الدلالة اللفظية إلى الثلاثة تقسيم اللفظ الدال بالضرورة, فاندفع سؤال من قال: كلام المصنف في تقسيم الألفاظ فكيف انتقل إلى تقسيم الدلالة, ثم إن الدلالة معنى عارض للشيء بالقياس إلى غيره ومعناها كون الشيء يلزم من فهمه فهم شيء آخر وهي إما لفظية أو غير لفظية, فغير اللفظية قد تكون وضعية كدلالة الذراع على المقدر المعين وغروب الشمس على وجوب الصلاة وقد تكون عقلية كدلالة وجود المسبب على وجود سببه, وليس الكلام في هذين القسمين بل في اللفظية؛ فلذلك احترز المصنف عنها بقوله: دلالة اللفظ، ثم إن اللفظية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: إما عقلية كدلالة المقدمتين على النتيجة ودلالة اللفظ على وجود اللافظ وحياته, وإما طبيعية كدلالة اللفظ الخارج عند السعال على وجع الصدر, وإما
стр. 102
وضعية وهي المقصودة ههنا, فكان ينبغي أن يقول: دلالة اللفظ الوضعية على أن الإمام قال: إن دلالة المطابقة وحدها وضعية, وأما التضمن والالتزام فعقليتان, وتعريف هذه الدلالة التي يريدها المصنف هو كون اللفظ إذا أطلق فهم منه المعنى من كان عالما بالوضع, وإن شئت قلت: فهم السامع من الكلام تمام المسمى أو جزأه أو لازمه, وقسمها المصنف إلى ثلاثة أقسام أحدها: المطابقة وهي دلالة اللفظ على تمام مسماه كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق, وسمي بذلك؛ لأن اللفظ طابق معناه. الثاني: دلالة التضمن وهي دلالة اللفظ على جزء المسمى كدلالة الإنسان على الحيوان فقط، أو على الناطق فقط, وسمي بذلك لتضمنه إياه. الثالث: دلالة الالتزام وهي دلالة اللفظ على لازمه كدلالة الأسد على الشجاعة, وإنما يتصور ذلك في اللازم الذهني وهو الذي ينتقل الذهن إليه عند سماع اللفظ سواء كان لازما في الخارج أيضا كالسرير والارتفاع أم كالعمى والبصر, وكدلالة زيد على عمر, وإذا كانا مجتمعين غالبا ولا يأتي ذلك في اللازم الخارجي فقط, كالسرير مع الإمكان, فإنه إذا لم ينتقل الذهن إليه لم تحصل الدلالة البتة، ومن هذا يعلم أن قوله: وعلى لازمه الذهني التزام غير مستقيم؛ لأن هذا يوهم وجود الدلالة مع اللازم الخارجي وهو باطل. قال في المحصول: وهذا اللزوم شرط لا موجب, يعني أن اللزوم بمجرده ليس هو السبب في حصول دلالة الالتزام, بل السبب هو إطلاق اللفظ واللزوم شرط، وهذا التقسيم يعرف منه حد كل واحد منها, وفيه من وجوه منها: أن اللفظ جنس بعيد لإطلاقه على المستعمل والمهمل, وهو مجتنب في الحدود، فكان ينبغي أن يقول: دلالة للقول، ومنها: أن التمام لا يكون إلا فيما له أجزاء، وحينئذ فيرد عليه دلالة اللفظ الموضوع لمعنى لا جزء له كالجوهر الفرد، والآن والنقطة، وكلفظ الله . ومنها: أنه ينبغي أن يقول من حيث هو تمامه، وفي التضمن من حيث هو جزء، وفي الالتزام من حيث هو لازمه؛ ليحترز به عن اللفظ المشترك بين الشيء وجزئه، كوضع الممكن العام والخاص ما ستعرفه في الاشتراك, وكذلك وضع مصر للإقليم الخاص وللبلدة المعروفة، وعن المشترك بين الشيء ولازمه كالشمس في الكوكب مع لازمه وهو الضوء، فإن دلالة مصر مثلا على البلد المعروف إنما تكون بالمطابقة من حيث إنها تمام المسمى لا من حيث إنها جزؤه، فإن دلالتها من هذه الحيثية دلالة التضمن وكذلك القول في دلالة التضمن والالتزام على أن الإمام أتى بهذا القيد في التضمن والالتزام فقط، ويلزمه ذلك في الباقي، وهكذا فعل صاحب التحصيل، لكن حذفها صاحب الحاصل ثم المصنف من الجميع؛ اكتفاء بقرينة التمام والجزئية واللازمية, واتباعا للمتقدمين, فإنه لم يذكره أحد قبل الإمام كما قاله القرافي، ومنها: أن انحصار الدلالة الوضعية في الثلاثة يرد عليه سؤال قوي أورده بعضهم, وتقريره موقوف على مقدمة وهي الفرق بين الكلي والكلية والكل، والجزئي والجزئية والجزء، فأما الكلي فهو الذي يشترك في مفهومه كثيرون
стр. 103
كالإنسان, والجزئي مقابله كزيد وسيأتي ذلك، وأما الكلية فهو الحكم على كل فرد بحيث لا يبقى فرد من الأفراد كقولنا: رجل يشبعه رغيفان غالبا، وتقابله الجزئية وهو الحكم على بعض أفراد حقيقة من غير تعيين كقولنا: بعض الحيوان إنسان، وأما الكلي فهو الحكم على المجموع من حيث هو مجموع كأسماء العدد وكقولنا: كل رجل يحمل الصخرة العظيمة, فهذا صادق باعتبار الكل دون الكلية، ويقابله الجزء وهو ما تركب منه ومن غيره كل, كالخمسة مع العشرة إذا علمت ذلك فنقول: صيغة العموم مسماها كلية ودلالتها على فرد منه كدلالة المشركين على زيد المشرك مثلا خارجة عن الثلاثة, أما انتفاء المطابقة والالتزام فواضح، وأما التضمن فلأنه دلالة اللفظ على جزء مسماه كما تقدم, والجزء إنما يقابله الكل، ومسمى صيغة العموم ليس كلا كما قررناه، وإلا لتعذر الاستدلال بها على ثبوت حكمها لفرد في النفي أو النهي, فإنه لا يلزم من نفي المجموع نفي جزئه, ولا من النهي عن المجموع النهي عن جزئه.
"فائدة": جميع ما تقدم في دلالة اللفظ كما عبر عنه المصنف, وقد تقدم أنها فهو السامع والفرق بينهما وبين الدلالة باللفظ بزيادة الباء, أن الدلالة باللفظ استعمال اللفظ, أما في موضوعه وهي الحقيقة غير الموضوعة لعلاقة وهو المجاز، والباء فيها للاستعانة والسببية؛ لأن الإنسان يدلنا على ما في نفسه باطلا لفظه, فإطلاق اللفظ آلة الدلالة كالقلم للكتابة، والفرق بينهما من وجوه أحدها: المحل فإن محل دلالة اللفظ القلب ومحل الدلالة باللفظ اللسان وغيره من المخارج، وثانيها: من جهة الموصوف, فإن دلالة اللفظ صفة للسامع، والدلالة بلفظ صفة للمتكلم, وثالثها: من جهة السببية, فإن الدلالة باللفظ سبب، ودلالة اللفظ مسبب عنها، ورابعها: من جهة الوجود, فإنه كلما وجدت دلالة اللفظ وجدت الدلالة باللفظ بخلاف العكس، وخامسها: من جهة الأنواع, فدلالة اللفظ ثلاثة أنواع: المطابقة والتضمن والالتزام، وللدلالة باللفظ نوعان: الحقيقة والمجاز.
قال: "واللفظ إن دل جزؤه على جزء معناه فمركب وإلا فمفرد, والمفرد إما أن لا يستقل بمعناه وهو الحرف، أو يستقل، وهو فعل إن دل بهيئته على أحد الأزمنة الثلاثة، وإلا فاسم كلي إن اشترك معناه، متواطئ، إن استوى، ومشكك إن تفاوت، وجنس إن دل على ذات غير معينة كالفرس، ومشتق إن دل على ذي صفة معينة كالفارس، وجزئي إن لم يشترك، وعلم إن استقل، ومضمر إن لم يستقل" أقول: اللفظ ينقسم إلى: مركب ومفرد؛ وذلك لأنه إن دل جزؤه على جزء المعنى المستفاد منه فهو المركب سواء كان تركيب إسناد كقولنا: قام زيد وزيد قائم، أو تركيب مزج كخمسة عشر، أو تركيب إضافة كغلام زيد، وأورد القاضي أفضل الدين الخونجي على هذا الحيوان ناطق علما على إنسان، فينبغي أن يزاد حين هو جزؤه, كما ذكره الإمام في المحصول. وقوله: "إن دل جزؤه" أي: كل واحد من أجزائه, واستغنى المصنف عن ذكره بإضافة اسم الجنس
стр. 104
لأنها للعموم، أو نقول: إذا دل جزء واحد منه على جزء من معناه يلزم دلالة الجزء الآخر؛ لأن ضم الجزء المهمل إلى المستعمل غير مفيد، قال الأصفهاني في شرح المحصول: ولا فرق بين المركب والمؤلف عند المحققين، وقال بعضهم: المركب ما قلناه, وأما المؤلف فهو ما دل جزؤه لا على جزء المعنى كعبد الله. قوله: "وإلا فمفرد" أي: وإن لم يدل جزؤه على جزء معناه فهو المفرد, وذلك بأن لا يكون له جزء أصلا كباء الجر, أو له جزء ولكن لا يدل على جزء معناه, زيد: ألا ترى أن الدال منه وإن كانت تدل على حرف الهجاء لكنه ليس جزءا من معناه أي: من مدلولها وهو الذات المعينة، وكذلك عبد الله وتأبط شرا ونحوه غلاما، ولك أن تقول: هذا التعريف يقتضي أن: قام زيد مفرد؛ لأن جزأيه وهو القاف من قام والزاي من زيد لا يدلان على جزأي معناهما, فينبغي تقييد الجزء بالقريب. قوله: "والمفرد ... إلخ" بدأ بالكلام على المفرد لتقدمه على المركب بالطبع, ثم إن المفرد ينقسم من وجوه فقدم ما هو باعتبار أنواعه وهو تقسيمه إلى الاسم والفعل والحرف، وحاصله أن المفرد إن كان لا يستقل بمعناه الحرف أي: لا يفهم معناه الذي وضع باعتبار لفظ آخر دال على معنى هو متعلق معنى الحرف, ألا ترى أي الدراهم من قولك: قبضت من الدراهم, دالة على معنى هو متعلق مدلول من؛ لأن التبعيض تعلق به، وإن استقل نظر إن دل بهيئته أي: بحالته التصريفية على أحد الأزمنة الثلاثة؛ أما الماضي كقام أو الحال كيقوم أو المستقبل كقم فهو الفعل. "وإلا" أي: وإن لم يدل بهيئته على أحد الأزمنة فهو الاسم، وذلك بأن لا يدل على زمان أصلا كزيد, أو يدل عليه لكن لا بهيئته بل بذاته, كالصبوح والغبوق وأمس والحال والمستقبل والآن. قوله: "كلي" اعلم أن الاسم قد يكون كليا وقد يكون جزئيا وتسميته بذلك مجاز، فإن الكلية والجزئية من صفات المسمى، فالكلي هو الذي لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه سواء وقعت الشركة كالحيوان والإنسان والكاتب, أو لم تقع مع إمكانها كالشمس, واستحالتها كالإله وتعبير صدق عليها وهو الجزء الحقيقي، ويقال لما يدل على أخص من آخر جزئي: إضافي أي: بالإضافة إلى الأعم ثم الجزئي. "وعلم إن استقل" بالدلالة بمعنى أنه وضع لمدلوله بلا قرينة. "مضمر إن لم يستقل" قال المدقق في إيضاح المفصل: المضمر ما وضع لمدلوله بقوله: إنه اشترك معناه غير مستقيم لأن الكلي الذي لم يقع فيه شركة يخرج منه، فالأولى أن يقول: إن قبل معناه الشركة، وقال الغزالي: الكلي هو ما يقبل الألف واللام وينتقض بقولنا: ابن آدم وشبهه. ثم إن الكلي إن استوى معناه في أفراده فهو المتواطئ كالإنسان, فإن كان فرد من الأفراد لا يزيد على الآخر في الحيوانية والناطقية، وسمي متواطئا لأنه متوافق يقال: تواطأ فلان وفلان أي: اتفقا، وإن اختلف فهو المشكك سواء كان اختلافه بالوجوب والإمكان كالوجود, فإنه واجب في البارئ ممكن في غيره أو بالاستغناء والافتقار كالوجود يطلق على الأجسام مع استغنائها عن المحل، وعلى الأعراض مع
стр. 105
افتقارها إليه, أو بالزيادة والنقصان كالنور فإنه في الشمس أكثر منه في السراج، والمفهوم من قول المصنف إن تفاوت اختصاصه بهذا الأخير وليس كذلك وسمي مشككا؛ لأنه يشك الناظر فيه: هل هو متواطئ لكون الحقيقة واحدة، أو مشترك لما بينها من اختلاف؟
"فائدة": قال ابن التلمساني: لا حقيقة للمشكك؛ لأن ما حصل به الاختلاف إن دخل في التسمية كان اللفظ مشتركا، وإن لم يدخل بل وضع القدر المشترك فهو المتواطئ, وأجاب القرافي بأن كلا من المتواطئ والمشكك موضوع للقدر المشترك، ولكن الاختلاف إن كان بأمور من جنس المسمى فهو المصطلح على تسميته بالمشكك، وإن كان بأمور خارجة عن مسماه كالذكورة والأنوثة والعلم والجهل فهو المصطلح على تسميته بالمتواطئ. قوله: "وجنس" يريد: أن الكلي إن دل على ذات غير معينة كالفرس والإنسان والعلم والسواد وغير ذلك مما دل على نفس الماهية, فهو الجنس أي: اسم الجنس كما قال في المحصول ومختصراته، وهذا التعريف ينتقض بعلم الجنس كأسامة للأسد وثعالة للثعلب، فإنه يدل على ذات غير معينة تقول: رأيت ثعالبة أي: ثعلبا مع أنه ليس باسم جنس بل علم جنس حتى يعامل في اللفظ معاملة الأعلام كالابتداء به، ووقوع الحال منه في الفصيح ومنع صرفه إن انضمت إليه علة أخرى, فهو وارد على هذا بخصوصه، وعلى أصل التقسيم لكونه أهمله منه. والفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس أن الوضع فرع التصور فإذا استحضر الواضع صورة الأسد ليضع لها تلك الصورة الكائنة في ذهنه في جزئية بالنسبة إلى مطلق صورة الأسد, فإن هذه الصورة واقعة لهذا الشخص في هذا الزمان, ومثلها يقع في زمان آخر وفي ذهن شخص آخر والجميع يشترك في مطلق صورة الأسد, فهذه الصورة جزئية من مطلق صورة الأسد، فإن وضع لها من حيث خصوصها فهو علم الجنس، أو من حيث عمومها فهو اسم الجنس, إذا تقرر هذا فنقول: اسم الجنس هو الموضوع للحقيقة الذهنية من حيث هي هي، وعلم الجنس هو الموضوع للحقيقة من حيث هي متشخصة من في الذهن، وعلم الشخص هو الموضوع للحقيقة بقيد التشخص الخارجي. قوله: "مشتق" أي: وإن دل على ذي صفة معينة أي: صاحب صفة معينة, فهو المشتق كالأسود والفارس. قال ابن السكيت: وهو من كان على حافر سواء كان فرسا أو حمارا، وقال عمارة: لا أقول لصاحب الحمار: فارس ولكن حمّار, حكاه الجوهري قال: وأما الراكب فهو من كان على بعير خاصة، ولقائل أن يقول: إذا كان الفارس يطلق عليها فلا يحسن تمثيل المصنف به للصفة المعينة. قال في المحصول: والأسود ونحوه من المشتقات يدل على ذات إما متصفة بالسواد، وإما خصوص تلك الذات من كونها جسما أو غير جسم فلا؛ لأنه يصح أن تقول: الأسود جسم, فلو كان مفهوم الأسود أنه جسم ذو سواد, لكان كقولك: الجسم ذو السواد جسم وهو فاسد، ولو كان
стр. 106
مفهومه أنه غير جسم لكان نقضا، نعم قد يعلم ذلك بطريق الالتزام.
"فائدة": الكلي على ثلاثة أقسام: طبيعي ومنطقي وعقلي؛ فالإنسان مثلا فيه حصة من الحيوانية, فإذا أطلقنا عليه أنه كلي فههنا ثلاثة اعتبارات, أحدها: أن يراد به الحصة التي شارك بها الإنسان غيره, فهذا هو الكلي الطبيعي وهو موجود في الخارج فإنه جزء الإنسان الموجود وجزء الموجود موجود، والثاني: أن يرد به أنه غير مانع من الشركة فهو هذا الكلي المنطقي, وهذا لا وجود له لعدم تناهيه، والثالث: أن يراد به الأمران معا, الحصة التي يشارك بها الإنسان غيره مع كونه غير مانع من الشركة، وهذا أيضا لا وجود له لاشتماله على ما لا يتناهى، وذهب أفلاطون إلى وجوده، وقد ذكر الإمام تقسيمات أخرى في الكلي كانقسامه إلى: الجنس والنوع، وأهمله المصنف هنا لذكره إياه في المصباح. قوله: "وجزئي, إن لم يشترك" أي: لم يشترك في معناه كثيرون، وهو قسيم لقوله: أولا كلي, إن اشترك معناه، ثم إن الجزئي إن استقل بالدلالة أي: كان لا يفتقر إلى شيء يفسرها فهو العلم كزيد، وإن لم يستقل فهو المضمر كأنا وأنت؛ لأن المضمرات لا بد لها من شيء يفسرها، وفي كلامه نظر من وجوه أحدها: أن عدم الاستقلال موجود في أسماء الإشارة والأسماء الموصولة وغيرها مع أنها ليست بمضمرات، الثاني: أن هذا التقسيم كله في الاسم، وقد تقدم أن الاسم هو الذي يستقل بمعناه, فكيف يقسم إلى ما لا يستقل؟ الثالث: أن عدم الاستقلال قد جعله أولا حدّا للحرف، فإن أراد بالاستقلال الأول غير ما أراد بالاستقلال الثاني فليبين.
"فائدة": ذهب الأكثرون إلى أن المضمر جزئي كما ذهب إليه المصنف, واحتجوا بأن الكلي نكرة والمضمر أعرف المعارف فلا يكون كليا، وبأنه لو كان كليا لما دل على الشخص المعين؛ لأن الدال على الأعم غير دال على الأخص. ونقل القرافي في شرح المحصول, وشرح التنقيح عن الأقلين أنه كلي، وقال: إنه الصحيح، وقال الأصفهاني في شرح المحصول: إنه الأشبه وهذا القول هو الصواب؛ لأن أنا وأنت وهو صادق على ما لا يتناهى فكيف يكون جزئيا؟ وأيضا فإن مدلولاتها لا تتعين إلا بقرينة بخلاف الإعلام، وعلى هذا فأنا موضوع لمفهوم المتكلم، وأنت لمفهوم المخاطب، وهو لمفهوم الغائب، وأما استدلالهم بالوجهين فعنهما جواب واحد, وهو أن إفادة اللفظ للشخص المعين له سببان, أحدهما: وضع اللفظ له بخصوصه كالإعلام، والثاني: أن يوضع لقدر مشترك ولكن ينحصر في شخص معين, فيفهم الشخص لحصر المسمى فيه, لا لوضع اللفظ له بخصوصه, كفهم الكوكب المعين من لفظ الشمس وإن كان كليا, وكذلك القول أيضا فيما عدا العلم من المعارف, كاسم الإشارة والموصول والمعرف بأل؛ ولهذا قال شيخنا أبو حيان: الذي نختاره أنها كليات وضعا، جزئيات استعمالا. قال: "تقسيم آخر: اللفظ والمعنى إما أن يتحدا وهو المفرد, أو يتكثرا وهي المتباينة تفاصلت معانيها كالسواد والبياض، أو تواصلت كالسيف والصارم
стр. 107
والناطق والفصيح، أو يتكثر اللفظ ويتحد المعنى وهي المترادفة، أو بالعكس فإن وضع للكل فمشترك إلا فإن نقل لعلاقة واشتهر في الثاني, سمي بالنسبة إلى الأول منقولا عنه والثاني "منقولا" إليه، وإلا فحقيقة ومجاز، والثلاثة الأول المتحدة المعنى نصوص, وأما الباقية فالمتساوي الدلالة مجمل، والراجح ظاهر، والمرجوح مؤول، والمشترك بين النص والظاهر المحكم, وبين المجمل والمؤول المتشابه" أقول: هذا تقسيم آخر للفظ باعتبار وحدة تعدده ووحدة المعنى وتعدده فيكون تقسيما له باعتبار ما يعرض له؛ ولهذا أخره عن التقسيم الأول المعقود للتقسيم الذاتي كما تقدم بيانه. وحاصله أن اللفظ والمعنى على أقسام أربعة؛ لأنهما إما أن يتحدا أو يتكثرا، أو يتكثر اللفظ مع اتحاد المعنى أو عكسه, الأول: أن يتحد اللفظ، والمعنى كلفظ الله فإنه واحد ومدلوله واحد، ويسمى هذا بالمنفرد؛ لانفراد لفظه بمعناه، وقال الإمام: وهذا هو التقسيم إلى جزئي وكلي, الثاني: أن يتكثر اللفظ ويتكثر المعنى كالسواد والبياض، ويسمى بالألفاظ المتباينة لأن كل واحد منها متباين لآخر أي: مخالف له في معناه, ثم إن الألفاظ المتباينة قد تكون معانيها متفاصلة، أي: لا تجتمع كما مثلناه وكالأسود للإنسان والفرس، وقد تكون متواصلة أي: يمكن اجتماعها إما بأن يكون أحدهما اسما للذات والآخر صفة لها كالسيف والصارم، فإن السيف اسم للذات المعروفة سواء كانت آلة أم لا والصارم مدلوله الشديد القطع فهما متباينان، وقد يجتمعان في سيف قاطع، وأما أن يكون أحدهما صفة والآخر صفة للصفة كالناطق والفصيح، فإن الناطق صفة للإنسان مع أن الناطق قد يكون فصيحا، وقد لا يكون فالفصيح للناطق، وإذا قلت: زيد متكلم فصيح فقد اجتمعت الثلاثة، وكذلك إذا كان مدلول أحدهما جزءا من مدلول الآخر كالحيوان والإنسان، ولم يذكره المصنف, الثالث: أي: يتكثر اللفظ ويتحد المعنى, فنسمي تلك الألفاظ مترادفة سواء كانا من لغة واحدة أو من لغتين كلغة العرب، ولغة الفرس مثلا، والترادف مأخوذ من الرديف, وهو ركوب اثنين دابة واحدة، الرابع: أن يكون اللفظ واحدا والمعنى كثيرا فإن وضع لكل أي: لكل واحد من تلك المعاني فهو المشترك كالقرء الموضوع للطهر والحيض، وفي كثير من النسخ، فإن وضع للكل بأن المعرفة وهو منقوض بأسماء الأعداد فإن العشرة مثلا موضوعة لكل الأفراد, ومع ذلك ليست مشتركة؛ لأنها ليست موضوعة لكل منها، وكذا لفظ البلقة الموضوع للسواد والبياض إلا أن يقال: لا نسلم أن المعنى متعدد بل واحد وهو المجموع أو يقال: أراد بالكل الكلي العددي كما تقدم بسطه في تقسيم الدلالة، فيصبح على أن تعريف كل ممتنع من جهة اللغة، وإن لم يوضع لكل واحد بل وضع لمعنى, ثم نقل إلى غيره نظر، فإن كان لا لعلاقة قال في المحصول: فهو المرتجل واستشكله القرافي بأن المرتجل في الاصطلاح هو اللفظ المخترع أي: لم يتقدم له وضع, قال: وأما تفسيره بما قاله الإمام فغير معروف، ولم يذكر المصنف هذا التقسيم
стр. 108
ولعله لهذا السبب وإن نقل لعلاقة, فإن اشتهر في الثاني أي: بحيث صار فيه أغلب من الأول كما في المحصول، وذلك كالصلاة سمي بالنسبة إلى المعنى الأول منقولا عنه، وبالنسبة إلى الثاني منقولا إليه, إما شرعيا أو عرفيا أو عاما أو خاصا بحسب الناقلين كما سيأتي إيضاحه وتمثيله في حد المجاز. واعلم أن اشتراط المناسبة في المنقول مردود, فإن كثيرا من المنقولات لا مناسبة بينها وبين المنقول عنها, ألا ترى أن الجوهر لغة هو الشيء النفيس ثم نقله المتكلمون إلى تقسيم للعرض وهو القائم بنفسه، وإن كان في غاية الخسة؟ وأجاب الأصفهاني في شرح المحصول بأن القيام بنفسه نفاسة وهو ضعيف، وإن لم يشتهر في الثاني كالأسد فهو حقيقة بالنسبة إلى الأول وهو الحيوان المفترس, مجاز بالنسبة إلى الثاني وهو الرجل الشجاع، وعلم من هذا أن المجاز عند المصنف غير موضوع، وسيأتي ما يخالفه وهذا التقسيم مردود؛ لأن المجاز أيضا قد يكون أشهر من الحقيقة وهي المسألة المعروفة بالحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح وسيأتي, وأيضا فالوضع على حدته لا يكفي في إطلاق لفظ الحقيقة على المعنى الأول, بل لا بد من استعمال، وكذا في المجال أيضا. قوله: "والثلاث الأول" أي: متحد اللفظ والمعنى, ومتكثر اللفظ والمعنى, ومتكثر اللفظ متحد المعنى, فإنها نصوص لأن كلا منها يدل على معنى لا يحتمل غيره، وهذا هو معنى النص وسمي بذلك؛ لأن النص في اللغة على ما حكاه الجوهري وغيره هو بلوغ الشيء منتهاه وغايته، وهذه الألفاظ كذلك لأنها في الدرجة الغاية والمرتبة النهائية من وجوه الدلالة، واحترز بقوله: المتحدة المعنى عن القرء والعين والجون, فإنها متباينة مع أنها ليست بنصوص لأن كل لفظ منها مشترك بين معانٍ، وكذلك الألفاظ المترادفة قد تكون مشتركة أيضا كلفظ العين والذهب. قوله: "وأما الباقية" أي: الأقسام الداخلة في كون اللفظ واحدا، والمعنى كثيرا وهو المشترك، فالمنقول عنه والمنقول إليه, والحقيقة والمجاز, فإنها تنقسم إلى مجمل وظاهر ومؤول وذلك لأن اللفظ إن كانت دلالته على تلك المعاني بالسوية كالقرء والعين وغيرهما من الألفاظ المشتركة فهو المجمل مأخوذا من الجمل -بفتح الجيم وإسكان الميم- وهو الاختلاط كما حكاه القرافي فسمي بذلك لاختلاط المراد بغيره وسيأتي أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] ، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وغير ذلك من المجملات, فلا يكون محصورا في المشترك، وإن كانت دلالته على بعض المعاني أرجح من بعض, سمي بالنسبة إلى الراجح ظاهرا وبالنسبة إلى المرجوح مؤولا؛ لكونه يؤول إلى الظهور عند اقتران الدليل به المنقول لعلاقة, ولم يشتهر كالأسد دلالته على الأول ظاهرة، وعلى الثاني مؤولة فإن اشتهر وهو المسمى بالمنقول كالصلاة فهو على العكس. قوله: "والمشترك" يعني أن النص والظاهر مشتركان في الرجحان إلا أن النص فيه رجحان بلا احتمال لغيره كأسماء الأعداد, والظاهر فيه رجحان مع احتمال كدلالة اللفظ على المعنى الحقيقي, فالقدر المشترك بينهما من الرجحان يسمى المحكم, فالمحكم
стр. 109
جنس لنوعين: النص والظاهر، ثم إن المجمل والمؤول مشتركان في أن كلا منهما يفيد معناه إفادة غير راجحة, إلا أن المؤول مرجوح أيضا والمجمل ليس مرجوحا بل مساويا, فالقدر المشترك بينهما من عدم الرجحان يسمى بالمتشابه, فهو جنس لنوعين: المجمل والمؤول, وهذا الاصطلاح مأخوذ من قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] .
قال: "تقسيم آخر: مدلول اللفظ إما معنى, أو لفظ مفرد, أو مركب مستعمل, أو مهمل نحو الفرس والكلمة وأسماء الحروف والخبر والهذيان, والمركب صيغ للإفهام, فإن أفاد بالذات طلبا فالطلب للماهية استفهام, والتخيل مع الاستعلاء أمر، ومع التساوي التماس، ومع التسفل سؤال، وإلا فمحتمل التصديق والتكذيب خبر وغيره تنبيه, ويندرج فيه والتمني والترجي والقسم والنداء" أقول: مدلول اللفظ قد يكون معنى وقد يكون لفظا, فإن كان لفظا فقد يكون مفردا وقد يكون مركبا, وكل منها قد يكون مستعملا وقد يكون مهملا، ومجموع ذلك خمسة أقسام وقد ذكرها المصنف بأمثلتها من باب اللف والنشر, الأول: يكون المدلول معنى أي: شيئا أي: بلفظ كالفرس وزيد, وهذا هو الذي تقدم انقسامه إلى جزئي وكلي. الثاني: أن يكون المدلول لفظا مفردا مستعملا كالكلمة, فإن مدلولها لفظ وضع لمعنى مفرد وهو الاسم والفعل والحرف. الثالث: أن يكون المدلول لفظا مفردا مهملا كأسماء حروف الهجاء, ألا ترى أن حروف: ضرب وهى ضه وره وبه, لم توضع لمعنى مع أن كلا منها قد وضع له اسم: للأول الضاد، وللثاني الراء، وللثالث الباء، وهكذا ذكره سيبويه، ونقله عن الخليل فافهمه واجتنب غيره من التقديرات والهاء اللاحقة لضه وره وبه وهي هاء السكت. الرابع: أن يكون المدلول لفظا مركبا مستعملا نحو الخبر، فإن مدلوله لفظ مركب موضوع كاقم زيد. الخامس: أن يكون المدلول لفظا مركبا مهملا, قال الإمام: والأشبه أنه غير موجود؛ لأن الغرض من التركيب هو الإفادة، وجزم به في المنتخب وتبعه على ذلك صاحب الحاصل والتحصيل وهو ضعيف، فإن ما قالوه دليل على أن المهمل غير موضوع لا على أنه لم يوضع له اسم لا جزم بأن المصنف خالفهم، وزاد على ذلك فمثل له بالهذيان فإن لفظ مدلوله لفظ مركب مهمل وهو مصدر هذى بالذال المعجمة. قال الجوهري: هذى في منطقه يهذي ويهذو هذوا وهذيانا. قوله: "والمركب صيغ للإفهام" لما فرغ من تقسيم المفرد شرع في تقسيم المركب, ولا شك أن المتكلم إنما صاغ المركب من المفردات وألفه منها لإفهام الغير ما في ضميره، فتارة يفيد طلبا وتارة يفيد غير ذلك، فإن أفاد طلبا بذاته نظر فإن كان الطلب للماهية أي: لذكرها كما قال في المحصول١ فهو الاستفهام، كقولك: ما حقيقة الإنسان؟ وهل قام زيد؟ وهذا التقرير
стр. 110
الذي ذكره لا دليل عليه في كلام المصنف مع أنه لا بد منه، وإلا يرد الأمر لكونه طلبا للماهية أيضا، والمصنف تبع في ذلك صاحب الحاصل وإنما سمي بالاستفهام؛ لأنه طلب للفهم، كاستعطى إذا طلب أن يعطى له إذ السين دالة على الطلب لكن الطلب في الحقيقة إنما هو بالأداة كهل ومتى، فإطلاق الاستفهام والطلب على اللفظ المركب من باب إطلاق اسم الجزء على الكل. وإن كان مع التسفل أي التذلل، فهو السؤال كقول العبد: اللهم اغفر لي. وقوله: "بالذات" يعني بالوضع، ومنهم من يعبر عنه بقوله: إفادة أولية, والكل بمعنى واحد, واحترز به المصنف عما يفيد بالطلب باللازم كقولك: أنا طالب منك أن تذكر حقيقة الإنسان، وأن تسقيني الماء، وأن لا تفعل كذا, فإنه لا يسمى الأول استفهاما، ولا الثاني أمرا, لا الثالث نهيا, بل هي إخبارات وكذلك التمني والترجي والقسم والنداء تفيد أيضا الطلب باللازم، وهذا الذي قرره فيه نظر من وجوه، منها أنه مناقض للمذكور في الأوامر والنواهي حيث قال: ويفسدهما أي: ويفسد اشتراط العلو والاستعلاء قول فرعون: ماذا تأمرونني؟ ومنها أنه خلط مذهبا بمذهب, فإن التساوي ليس قسيما للاستعلاء والتسفل بل للعلو، وهو أن يكون الطالب أعلى مرتبة كما سيأتي في باب الأوامر والنواهي، لكنه قلد الإمام في ذلك، ومنها أنه أهمل الطلب للترك تبعا لصاحب الحاصل, وهو وارد على التقسيم، وقد ذكره الإمام وغيره. وقالوا: فإنه ينقسم إلى الأقسام الثلاثة المذكورة في طلب التحصيل, لكنه مع الاستعلاء يسمى نهيا. قوله: "وإلا" أي: وإن لم يفد بالذات طلبا, وذلك بأن لا يدل على طلب أصلا كقام زيد أو يدل عليه لكن لا بالذات كقولك: أنا طالب كذا، ومنه التمني وغيره مما تقدم فينظر فيه, فإن كان محتملا للتصديق والتكذيب فهو الخبر كقولنا: قام زيد، وإنما عدل المصنف عن الصدق والكذب إلى التصديق والتكذيب؛ لأن الصدق مطابقة الواقع، والكذب عدم مطابقته. ونحن نجد من الأخبار ما لا يحتمل الكذب كخبر الصادق وقولنا: محمد رسول الله وما لا يحتمل الصدق كقول القائل: مسيلمة صادق، مع أن كل ذلك يحتمل التصديق والتكذيب؛ لأن التصديق هو كونه يصح من جهة اللغة أن يقال لقائله: صدق, وكذلك التكذيب وقد وقع ذلك فالمؤمن صدق خبر الله تعالى والكافر كذبه، وهذا الحد الذي ذكره المصنف للخبر قد ذكره الإمام في المحصول هنا وجزم به ثم أعاده في باب الأخبار وقال: إنه حد رديء؛ لأن التصديق والتكذيب عبارة عن الأخبار عن كون الخبر صدقا أو كذبا فتعريفه به دوري، ثم قال: والحق أن الخبر تصوره ضروري لا يحتاج إلى حد ولا رسم. قوله: "وغيره تنبيه" أي: غير محتمل التصديق والتكذيب هو التنبيه أي: نبهت به على مقصودك؛ وقال في المحصول: سمي به تمييزا له عن غيره، قال: وأنواعه تعلم بالاستقراء لا بالحصر، وتندرج فيه الأربعة التي ذكرها المصنف, والفرق بين التمني والترجي أن الترجي لا يكون إلا في الممكنات كقولك: لعل زيدا يقدم، والتمني يكون فيهما كقولك: ليت الشباب يعود. واعلم أن قولنا: أنا طالب كذا لم يصرح المصنف بكونه داخلا في قسم الخبر أو التنبيه, وفيه نظر.