مقدمة:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ٢.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٣.
وبعد:
فإن من نعمة الله على هذه الأمة المحمدية، وتشريفه لها، أن جعلها أمة
стр. 2
وسطًا خيارًا عدولًا فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ١، فهي خير الأمم التي أخرجت للناس قاطبة كما وصفها وشهد لها ربها وخالقها بذلك، فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٢.
اختار لها سبحانه من خيارها وأوسطها نسبًا ومكانة خيرة خلقه وأفضل رسله فبعثه فيها نبيًا رسولًا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.
وأنزل عليها أشرف كتبه، وجعله مهيمنًا على الكتب قبله شاملًا لخير ما جاءت به. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ ٤.
بهذا النبي الكريم، وهذا الكتاب العظيم شرفت هذه الأمة وبمتابعتهما، والاهتداء بهديهما، كانت خير الأمم وأوسطها وأعدلها.
ثم كان أسعد هذه الأمة بهذه الخيرية، أسعدها باتباعهما، وأحرصها على هديهما قولًا وعملًا واعتقادًا وهم أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم تابعوهم، ثم التابعون لهم بإحسان من القرون الثلاثة المفضلة، التي شهد لها النبي ﷺ بالخيرية في قوله: "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"٥، فهؤلاء هم خيار الأمة.
ثم يلحق بهم كل من كان على مثل ما كانوا عليه من الهدي والتمسك
стр. 3
بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، من أهل السنة والجماعة في كل زمان ومكان، الدين أخبر النبي ﷺ في حديث الافتراق١ بأنهم الفرقة الناجية، وأنهم الجماعة.
فهؤلاء جميعًا هم خيار هذه الأمة، وأوسطها.
فإنه بعد انتقال رسول الله ﷺ إلى جوار ربه، ومضي عصر الخلافة الراشدة بدأ في آخر عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ظهور التفرق والاختلاف، فخرجت الخوراج ببدعها وأطلت الشيعة بغلوها وفتنها، ثم توالى ظهور البدع وتكون الفرق كما سيأتي ذكر ذلك.
وكل من هذه الفرق قد خالف ما كانت عليه الأمة في عهد الرسول ﷺ وصدر الخلافة الراشدة، وابتدع في الدين ما لم يأذن به الله، وانحرف عن سواء الصراط؛ إما إلى تفريط، أو إلى إفراط، وشابه الأمم الأخرى في بعض بدعها؛ فانحطت منزلة هذه الفرق، وابتعدت عن الوسطية الثابتة لهذه الأمة على تفاوت بينها في قدر ذلك ومبلغه.
وأصبح أهل السنة في هذه الأمة بالنسبة لسائر الأمم، فهم وسط بين فرقها كما أنها وسط بين الأمم.
يدرك هذا المعنى كل دارس متفحص لأقوال أهل السنة وأقوال الفرق الأخرى في كثير من مسائل العقيدة وأبواب الدين.
إذ يجد أمر هذه الفرق يدور بين الغلو والإفراط، وبين التقصير والتفريط، وأهل السنة بين إفراط أولئك وتفريط هؤلاء على هدي قاصد وصراط مستقيم.
ولما كانت الحاجة تمس لتقرير وسطية أهل السنة والجماعة، وبيان اعتدالهم في أقوالهم واعتقادهم وسائر أمورهم، ولا سيما في هذا الوقت الذي
стр. 4
تحتاج فيه هذه الأمة إلى بيان الوسطية والاعتدال والتزامها، لما نراه من تعدد السبل واختلافها، وتشعب الطرق، والمناهج، وادعاء أصحابها والداعين إليها أنهم على الحق والسنة دون غيرهم.
لذلك كله كانت هذه الدراسة المقارنة التي أرجو أن تكون لبنة في بناء دراسات تالية تسلط الأضواء على الوسطية والتوازن والاعتدال التي هي سمة هذه الأمة بعامة، وأهل السنة على وجه الخصوص، وتناول جوانب أخرى لم تطرق في بحثنا هذا، تستكمل فيها جوانب ومظاهر وسطية أهل السنة وعدالتهم واعتدالهم١.
خطبة البحث:
جعلت العمل في هذا البحث في: تمهيد، وبابين، وخاتمة.
أما التمهيد فجعلته في أربعة مباحث:
المبحث الأول: في معنى الوسطية في اللغة ولسان الشارع.
المبحث الثاني: في معنى السنة في اللغة والاصطلاح.
والمبحث الثالث: بينت فيه المراد بأهل السنة؟
والمبحث الرابع: في أسماء أهل السنة وألقابهم عندهم، وعند خصومهم من أهل البدع.
والباب الأول: في وسطية هذه الأمة
стр. 5
بينت فيها وسطيتها من عدة أوجه في تمهيد وثلاثة فصول:
التمهيد: بينت فيها معنى الأمة، والوسطية المثبتة لها والمناسبة بين وسطية هذه الأمة ووسطية أهل السنة.
والفصل الأول: في عدالة هذه الأمة -وفيه أربعة مباحث:
الأول: في وجوب العدل على هذه الأمة وصور من قيامها به.
الثاني: في وصف الله هذه الأمة بالعدالة وشهادته لهابها.
الثالث: في اعتراف أعداء هذه الأمة بعدالتها وشهادتهم لها بذلك.
الرابع: العدل عند أهل الكتاب.
الفصل الثاني: في خيرية هذه الأمة -وفيه مبحثان:
الأول: في إثبات خيريتها.
والثاني: في أوجه خيريتها.
الفصل الثالث: في اعتدال هذه الأمة وتوسطها بين طرفي الإفراط والتفريط، وفيه مبحثان:
الأول: في وسطيتها واعتدالها في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته.
والثاني: وسطيتها في باب أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام.
الباب الثاني: في بيان وسطية أهل السنة بين الفرق.
بينت فيه وسطية أهل السنة واعتدالهم، وسلامة أقوالهم واعتقادهم من الإفراط والتفريط، وجعلته في: تمهيد، وخمسة فصول:
التمهيد: بينت فيه نبذة عن ظهور الفرق في هذه الأمة وأسباب ذلك.
والفصل الأول: في بيان وسطية أهل السنة في باب أسماء الله وصفاته
стр. 6
وفيه أربعة مباحث:
الأول: في بيان قول أهل التعطيل.
الثاني: في بيان قول أهل التشبيه والتمثيل.
والثالث: في بيان قول أهل سواء السبيل.
والرابع: في بيان وسطية قول أهل السنة في هذا الباب.
والفصل الثاني: في بيان وسطية أهل السنة في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد، وفيه مبثحان:
الأول: وسطيتهم في الأسماء والأحكام.
والثاني: في وسطيتهم في الوعد والوعيد.
الفصل الثالث: في وسطية أهل السنة في باب القدر، وفيه ثلاثة مباحث:
الأول: في معنى القدر.
الثاني: في نشأة الكلام في القدر ونزاع الناس فيه.
الثالث: في بيان وسطية أهل السنة فيه.
الفصل الرابع: في وسطيتهم في باب الصحابة رضوان الله عليهم، وفيه: تمهيد: بينت فيه معنى الصحابي، ومنزلة الصحابة ومكانتهم في الكتاب والسنة وجعلت المبحث:
الأول: في بيان قول الخوارج والمعتزلة.
والثاني: في ذكر قول من جمع بين الغلو والجفاء.
والثالث: في ذكر قول أهل السنة والجماعة.
الفصل الخامس: في بيان وسطية أهل السنة في باب تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم
стр. 7
والصالحين من أمته، وفيه تمهيد، ومبحثان:
المبحث الأول: في وسطيتهم في باب تعظيم النبي ﷺ .
المبحث الثاني: في بيان وسطيتهم في باب تعظيم الصالحين من أمته.
ثم ذيلت البحث بخاتمة بينت فيها خلاصة ما عالجه من المسائل، وما توصلت إليه فيها من نتائج.
وصنعت بعض الفهارس التي تعين القارئ الكريم على إدراك بغيته، والوقوف على مطلبه في يسر وسهولة، فجعلت:
فهرسًا: للآيات القرآنية الكريمة.
وفهرسًا: للأحاديث الشريفة والآثار.
وفهرسًا: للفرق والطوائف والجماعات.
وفهرسًا: للمصادر والمراجع المستخدمة في البحث.
وفهرسًا: للموضوعات.
الرموز المستعملة في البحث:
استعملت بعض الرموز لبعض المصادر الحديثية، وذلك على النحو التالي:
خ: صحيح البخاري "مع فتح الباري".
م: صحيح مسلم.
ت: جامع الترمذي.
د: سنن أبي داود.
جه: سنن ابن ماجه.
стр. 8
حم: مسند الإمام أحمد.
وسائر المراجع والمصادر الأخرى أذكرها بأسمائها كاملة:
وختامًا، أحمد الله وأشكره على ما من به من الإعانة على إتمام هذا البحث وأخراجه، ثم أشكر كل من كان عونًا على ذلك، وفي مقدمتهم فضيلة شيخي وأستاذي الكريم الأستاذ الدكتور علي بن محمد بن ناصر فقيهي، الذي تولى الإشراف على إعداد هذا البحث، وكان لتوجيهاته وإرشاداته القيمة الأثر الكبير في الوصول به إلى ما هو عليه فجزى الله الجميع خير الجزاء.
وبعد أخي القارئ الكريم هذا جهد المقل، أضعه بين يديك، وقد بذلته فيه جهدي، واستفرغت طاقتي ووسعي، فما كان فيه من صواب وحتى فبتوفيق الله وحده وله المنة والفضل، وما كان فيه من خطأ، أو زلل وخلل فمني ومن الشيطان، لك غنمه وعلي غرمه، على أني أطمع إذا أطلعت على زلة أو هنة أن توقفني على ذلك، مشكورًا مأجورًا إن شاء الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين.
المؤلف
المدينة النبوية
١٨/ ٤/ ١٤١٤ هـ
стр. 9
تمهيد:
المبحث الأول: معنى الوسطية في اللغة وفي استعمال الشارع
أولًا: الوسطية في اللغة
مادة "وسط" تدل على معان متقاربة، يقول ابن فارس: الواو والسين والطاء بناء صحيح يدل على: العدل، والنصف، وأعدل الشيء أوسطه ووسطه١.
فـ "كلمة "وسط" تضبط على وجهين:
الأول: "وسط"؛ بسكون السين.
فتكون ظرفًا بمعنى "بين".
قال في "لسان العرب": وأما الوسط بسكون السين فهو ظرف لا اسم، جاء على وزان نظيره في المعنى وهو "بين"، تقول: جلست وسط القوم، أي بينهم.
ومنه قول سوار بن المضرب:
стр. 10
إني كأني أرى من لا حياء له ... ولا أمانة وسط الناس عريانًا١
الثاني: "وسط"؛ بفتح السين:
وتأتي: لمعان متعددة متقاربة، فتكون:
١- " اسمًا: لما بين طرفي الشيء وهو منه. فتقول: قبضت وسط الحبل، وكسرت وسط القوس، وجلست وسط الدار. وهذا حقيقة معناه٢.
٢- تأتي صفة بمعنى "خيار، وأفضل، وأجود"، فأوسط الشيء "أفضله، وخياره" كوسط المرعى خير من طرفيه، ومرعى وسط؛ أي: خيار ومنه:
إن لها فوارسًا وفرطًا ... ونفرة الحي ومرعى وسطًا٣
وواسطة القلادة: الجوهر الذي وسطها وهو أجودها٤.
ورجل وسط ووسيط: حسن٥.
٣- وتأتي "وسط" بمعنى: "عدل" كما تقدم قول ابن فارس أنه يدل على العدل. وأن أعدل الشيء أوسطه.
وفي "لسان العرب": "ووسط الشيء وأوسطه أعدله"٦.
стр. 11
وفي "القاموس": "الوسط: محركة. من كل شيء أعدله"١.
وكذا قال الجوهري في "الصحاح"٢.
٤ وتأتي "وسط" بمعنى الشيء بين الجيد والردئ.
قال الجوهري: ويقال أيضًا: شيء وسط: أي بين الجيد والردئ٣.
وقال صاحب "المصباح المنير": الوسط بالتحريك المعتدل، يقال: شيء وسط: أي بين الجيد والرديء٤.
وكيفما تصرفت هذه اللفظة، نجدها لا تخرج في معناها عن معاني العدل والفضل والخيرية والنصف والبينية والتوسط بين الطرفين. فتقول:
"وسوطًا" بمعنى: المتوسط المعتدل، ومنه قول الأعرابي: "علمني دينًا وسوطًا لا ذاهبًا فروطًا ولا ساقطًا سقوطًا. فإن الوسوط ها هنا المتوسط بين الغالي والتالي"٥.
و"وسيطًا": أي حسيبًا شريفًا.
قال الجوهري: وفلان وسيط في قومه إذا كان أوسطهم نسبًا وأرفعهم محلًا، قال العرجي:
стр. 12
كأني لم أكن فيهم وسيطًا ... ولم تك نسبتي في آل عمرو١
و"الوسط"؛ أي: المتوسط بين المتخاصمين٢.
و"التوسط": بين الناس من الوساطة٣.
و"التوسيط"؛ أي: تجعل الشيء في الوسط٤.
و"التوسيط": قطع الشيء نصفين٥.
و"وسوط الشمس": توسطها السماء٦.
و"واسطة القلادة": الجوهر الذي هو في وسطها، وهو أجودها٧.
стр. 13
ثانيا: الوسطية في استعمال الشارع
مدخل
...
ثانيًا: الوسطية في استعمال الشارع
وردت مادة وسط في القرآن الكريم والسنة المطهرة في أكثر من آية وحديث، تذور معانيها حول المعاني اللغوية لهذه المادة.
فاستعملها الشارع بمعنى:
١" العدالة والخيرية والتوسط بين الإفراط والتفريط.
ومن ذلك: قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ١: أي عدلًا.
стр. 14
كما فسرها النبي ﷺ ، فقال: "والوسط: العدل"١.
وفسرها بعض أهل العلم بـ "الخيار والأجود"٢.
وقال الزجاج: "وفي ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ قولان:
قال بعضهم: ﴿وَسَطًا﴾ : عدلًا، وقال بعضهم: أخيارًا، واللفظان مختلفان والمعنى واحد، لأن العدل خير، والخير عدل"٣.
وفسرها ابن جرير بمعنى التوسط بين الإفراط والتفريط٤.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ ٥.
قال ابن عباس وغيره: أي: أعدلهم وخيرهم٦.
ومن ذلك قوله ﷺ : "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة أو أعلى الجنة" ٧.
قال الحافظ ابن حجر: قوله: أوسط الجنة أو أعلى الجنة. المراد
стр. 15
بالأوسط هنا الأعدل والأفضل، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ١.
ومن ذلك قوله ﷺ : "الوالد أوسط أبواب الجنة" ٢، وفي رواية: "الوالدة"؛ أي: خيرها٣.
ومن ذلك قول أبي بكر ﵁ في حديث السقيفة٤: ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا٥.
ومن ذلك ما جاء في خبر رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم٦: ألا فانظروا رجلًا وسيطًا عظامًا جسامًأ أبيض بضًا٧.
قال ابن الأثير: أي: حسيبًا في قومه٨.
وقال الزمخشري: الوسيط: أفضل القوم من الوسط٩.
стр. 16
٢- الشيء بين الجيد والرديء، أو الأرفع والأدنى.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ ١، على تفسير من قال: إن المراد بالأوسط هنا: الشيء بين الجيد والرديء، كما قال ابن عباس في رواية عنه: كان الرجل يقوت أهله قوتًا دونًا، وبعضهم قوتًا فيه سعة، فقال الله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ الخبز والزيت٢.
وفسر بعضهم: "أوسط" في الآية بأنه: الأعدل والأمثل، فتكون الآية على هذا التفسير مندرجة تحت المعنى الأول الذي هو "العدالة والخيار والأجود".
٣- الوسطية الحسية، وهي: ما بين الطرفين وما بين طرفي الشيء وحافتيه.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ ٣، وسميت الوسطى؛ لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين، على اختلاف في تحديد اي الصلوات هي٤.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ٥؛ أي: دخلن به وسط العدو٦.
стр. 17
قال الرازي: "صرن بعدوهن وسط جمع العدو"١.
وقال الشوكاني: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ؛ أي: توسطن بذلك الوقت، وتوسطن متلبسات بالنفع جمعًا من جموع الأعداء، أو صرن بعدوهن وسط جمع الأعداء. يقال: وسطت المكان؛ أي: صرت في وسطه٢.
ومن ذلك قوله ﷺ : "البركة تنزل وسط الطعام؛ فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه" ٣، فأراد بالوسط ما بين الحافتين والطرفين.
ومن ذلك ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ النبي ﷺ خط خطًا مربعًا، وخطًا وسط الخط المربع وخطوطًا إلى جانب الخط الذي وسط الخط المربع، وخطًا خارجًا من الخط المربع، فقال: "أتدرون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "هذا الإنسان الخط الوسط، وهذه الخطوط إلى جانبه الأعراض تنهشه" ٤.
ومن ذلك قوله ﷺ : "وسطوا الإمام وسدوا الخلل" ٥.
٤- بمعنى "بين" ظرفًا.
من ذلك قوله ﷺ : "لعن الله من جلس وسط الحلقة" ٦.
ومن خلال هذه الأمثلة لورود "الوسطية" في استعمال الشرع نرى أنه لم يخرج بها عن أحد المعاني اللغوية التي دلت عليها مادة "وسط".
стр. 18
شرح بعض الألفاظ المقابلة للوسط:
يعبر عن المعاني المضادرة للوسط بعدة ألفاظ يحسن أن نقف على معانيها لتعلقها بالوسطية، وهي مما سيتكرر ذكره كثيرًا أثناء الرسالة؛ فمنها:
١- الغلو: وهو في اللغة: مجاوزة الحد.
قال ابن فارس: "الغين واللام والحرف المعتل "غلو" أصل صحيح.
يدل على ارتفاع ومجاوزة قدر. يقال: غلا السعر يغلو غلاء؛ وذلك ارتفاعه وغلا الرجل في الأمر غلوًا، إذ جاوز حده، وغلا بسهمه غلوًا، إذا رمى به سهمًا أقصى غايته١.
وقال الجوهري: وغلا في الأمر يغلو غلوًا، أي: جاوز فيه الحد٢.
وقال ابن منظور: وغلا في الدين والأمر يغلو غلوًا، جاوز حده، وفي التنزيل ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ٣.
стр. 19
الغلو في استعمال الشرع:
ورد لفظ الغلو في موضعين من القرآن الكريم، وكلاهما بمعنى: مجاوزة الحد، وهو المعنى اللغوي للكلمة.
فالأول في سورة النساء في قوله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ ١.
والثاني في سورة المائدة في قوله ﵎: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ ٢.
أي: لا تجاوزوا الحد في إتباع الحق ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الألوهية، كما صنعتم في المسيح وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلهًا من دون الله٣.
وفي السنة: ورد لفظ "الغلو" فيعدد من الأحاديث:
منها: حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ غداة الغقبة وهو على ناقته "القط لي حصى"، فلقطت له سبع حصيات هن حصى الحذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول: "أمثال هؤلاء فارموا"، ثم قال: "يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" ٤.
ومنها قوله ﷺ : "اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به، ولا تجفوا عنه ولا تغلوا فيه" ٥.
стр. 20
ومنها: قوله ﷺ : "ويحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحالا لمبطلين وتأويل الجاهلين" ١.
ومعنى الغلو فيها: التشدد ومجاوزة الحد، كما ذكر ابن الأثير٢.
٢- الإفراط: وهو في اللغة:
التقدم ومجاوزة الحد في الأمر.
قال ابن فارس: ألفًا والراء والطاء: أصل صحيح يدل على إزالة شيء عن مكانه وتنحيته عنه، يقال: فرطت عنه ما كرهه؛ أي: نحيته.
ثم يقال: أفرط: إذا تجاوز الحد في الأمر. يقولون: إياك والفرط؛ أي: لا تجاوز القدر، وهذا هو القياس؛ لأنه إذا جاوز القدر قد أزال الشيء عن وجهته٣.
وقال الجوهري: وأفرط في الأمر، أي: جاوز فيه الحد٤.
وقال صاحب "لسان العرب": والإفراط: الإعجال والتقدم، وأفرط في الأمر: أسرف. والإفراط: الزيادة على ما أمرت٥.
٣- التفريط: وهو في اللغة:
التقصير وإزالة الشيء عن مكانه.
قال ابن فارس: وكذلك التفريط، وهو التقصير؛ لأنه إذا قصر فيه فقد
стр. 21
قعد به عن رتبته التي هي له١.
وقال الجوهري: فرط في االأمر فرطًا؛ أي: قصر فيه، وضيعه حتى فات، وكذلك التفريط٢.
وقال ابن منظور: وفرط في الشيء وفرطه: ضيعه وقدم العجز فيه٣.
الإفراط والتفريط في استعمال الشرع:
وقد وردت مادة "فرط" في القرآن الكريم في ثمانية مواضع٤. وكلها بمعنى: التقصير والضياع والتقدم في الشيء.
قال الزجاج: وقد أفرط في الشيء إذ سقط فيه، وقد فرط في الشيء أي قصر، ومعناه كله التقدم في الشيء؛ لأن الفرط في اللغة المتقدم٥.
كما وردت مادة "فرط" في السنة في عدد من الأحاديث يضيق المقام عن حصرها نذكر منها على سبيل التمثيل:
قوله ﷺ : "أما إنه ليس في النوم تفريط؛ إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى" ٦ والتفريط هنا بمعنى: التقصير.
стр. 22
ومنها: قوله ﷺ : "إني فرطكم" ١ ومعنى فرطكم؛ أي: السابق٢ والمتقدم.
٤- الجفاء، والجفو: في اللغة:
"الجيم والفاء والحرف في المعتل "جفو": يدل على أصل واحد، نبو الشيء عن الشيء. من ذلك جفوت الرجل أجفوه. وجفا السرج عن ظهر الفرس، وأجفيته أنا وكذلك كل شيء إذا لم يلزم شيئًا يقال: جفا عنه يجفو. والجفاء: خلاف البر، والجفاء: ما نفاه السيل، ومنه اشتقاق الجفاء. قاله ابن فارس٣.
الجفاء في استعمال الشرع:
وقد وردت هذه المادة في القرآن الكريم في موضع واحد في قوله : ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ ٤.
قال الزجاج في "معاني القرآن": "والجفاء ما جافا الوادي؛ أي: رمى به"٥.
وفي السنة: وردت هذه المادة في عدد من الأحاديث:
منها قوله ﷺ في الحديث الذي ذكر فيه الخصال التي إذا فعلتها الأمة حل بها البلاء: "وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه، وبر صديقه، وجفا أباه" ٦ فالجفاء هنا خلاف البر كما هو واضح.
стр. 23
ومنها قوله ﷺ : "اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه" ١.
قال أبو عبيد في معنى الجفاء في الحديث: "والجافي عنه التارك له وللعمل به"٢.
стр. 24
المبحث الثاني: في بيان معنى السنة في اللغة والاصطلاح
أولًا: السنة في اللغة
هي الطريقة، والسيرة، حسنة أو قبيحة، محمودة أو مذمومة.
قال ابن فارس: والسنة: السيرة، وسنة رسول الله ﷺ سيرته، قال الهذلي:
فلا تجزعن من سنة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها١
وفي "لسان العرب": والسنة: السيرة، حسنة كانت أو قبيحة، وذكر البيت قال: وقد تكرر في الحديث ذكر السنة وما تصرف منها، والأصل فيه الطريقة٢.
ومنه قوله ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة، فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء" ٣.
стр. 25
ثانيا: السنة في الإصطلاح
مدخل
...
ثانيًا: السنة في الاصطلاح
يختلف معنى السنة في الاصطلاح عند كل من المحدثين، والأصوليين والفقهاء وعلماء الوعظ وأصول الدين، وإن كان الجميع يتفق على أنها سنة النبي ﷺ ؛ وإنما وقع الاختلاف عند التفصيل والتحديد؛ ومرد هذا الاختلاف في المعنى الاصطلاحي للسنة إلى اختلافهم في الأغراض التي يعني بها كل فئة من أهل العلم١.
السنة عند المحدثين:
فعلماء الحديث، عندما عنوا بنقل كل ما ينسب إلى النبي ﷺ قالوا: السنة هي ما أثر عن النبي ﷺ : من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقية، أو خلقية، أو سيرة، سواء كان قبل البعثة٢، أو بعدها٣.
السنة عند الأصوليين:
وعلماء الأصول إنما عنوا بالبحث عن الأدلة الشرعية، فعنوا بأقواله وأفعاله وتقريراته التي تثبت الأحكام وتقررها٤ فقالوا: السنة هي: ما نقل عنه ﷺ ، من قول، أو فعل، أو تقرير.
стр. 26
قال الآمدي: وقد تطلق -أي: السنة- على ما صدر عن الرسول ﷺ من الأدلة الشرعية مما ليس بمتلو، ولا هو معجز، ولا داخل في المعجز، وهذا النوع هو المقصود بالبيان ههنا، ويدخل في ذلك: أقوال النبي ﷺ ، وأفعاله، وتقاريره١.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في تعريف السنة: وفي اصطلاح الشرع هي: ما قاله رسول الله ﷺ ، أو فعله، أو قرر عليه٢.
السنة عند الفقهاء:
أما علماء الفقه؛ فإنهم لما عنوا بالبحث عن حكم الشرع على أفعال العباد وجوبًا أو حرمة أو إباحة أو غير ذلك٣.
قالوا: السنة هي: الطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض ولا وجوب٤.
وقال بعضهم: السنة: ما في فعله ثواب وفي تركه ملامة وعاب لا عقاب٥.
وهي على هذا تقابل الواجب عندهم.
قال الخطيب البغدادي: وقد غلب على ألسنة الفقهاء، أنهم يطلقون
стр. 27
السنة فيما ليس بواجب؛ فينبغي أن يقال في حد السنة: أنها ما رسم ليحتذى استحبابًا١.
قال الحافظ ابن حجر في تعريف السنة عند الفقهاء: وفي اصطلاح بعض الفقهاء: ما يرادف المستحب٢.
وإذا نظرنا في كلام كثير من السلف، نجدهم يعنون بالسنة معنى أوسع من معناها عند المحدثين، أو الأوصليين، أو الفقهاء.
إذ يعنون بالسنة: موافقة الكتاب وسنة الرسول صلى الله الله عليه وسلم وأصحابه، سواء في أمور الاعتقادات، أو العبادات.
ويقابلها: البدعة٣، فيقال فلان على السنة: إذا كانت أعماله على وفق الكتاب وسنة النبي ﷺ ، ويقال فلان على البدعة؛ إذ كان عمله مخالفًا للكتاب والسنة أو أحدهما.
قال الشاطبي: ويطلق -أي: لفظ السنة أيضًا- في مقابلة البدعة فيقال: فلان على سنة؛ إذ عمل على وفق ما عمل عليه النبي ﷺ ، كان ذلك مما نص
стр. 28
عليه الكتاب أو لا، ويقال: "فلان على بدعة"، إذا عمل على خلاف ذلك، وكأن هذا الإطلاق إنما اعتبر فيه عمل صاحب الشريعة، فأطلق لفظ السنة من تلك الجهة، وإن كان العمل بمقتضى الكتاب.
ويطلق أيضًا لفظ السنة على ما عمل عليه الصحابة، وجد ذلك في الكتاب والسنة أو لم يوجد١ لكونه اتباعًا لسنة ثبتت عندهم لم تنقل إلينا، أو اجتهادًا مجتمعًا عليه منهم أو من خلفائهم٢.
ويقول الحافظ ابن رجب: والسنة هي: الطريق المسلوك، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون، من الاعتقادات، والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة؛ ولهذا كان السلف قديمًا لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك٣.
والذي كان عليه النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون هو الكتاب والسنة، فيكون لفظ السنة شاملًا لذلك كله في مقابلة البدعة.
ولأهمية وخطورة مسائل الاعتقاد، التي هي أصل الدين وعليها يبنى غيرها من أعمال الإسلام، أطلق السلف لفظ "السنة" على موافقة الكتاب والسنة فيقضايا الاعتقاد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ولفظ السنة في كلام السلف، يتناول السنة في العبادات، وفي الاعتقادات، وإن كان كثير ممن صنف في السنة يقصدون الكلام في الاعتقادات.
стр. 29
وهذا كقول: ابن مسعود، وأبي بن كعب، وأبي الدرداء ﵃: "اقتصاد في سنة من اجتهاد في بدعة"١، ٢.
وقال ابن رجب: "وكثير من العلماء المتأخرين يخص السنة بما يتعلق بالاعتقاد؛ لأنها أصل الدين، والمخالف فيها على خطر عظيم"٣.
بل وكثير من علماء السلف المتقدمين أيضًا، خصوا السنة بذلك، وأطلقوها على ما يتعلق بأمور الاعتقاد، فمن وافق فيها السنة فهو من أهل السنة.
وفيما يلي ذكر بعض أئمة السلف الذين أطلقوا ذلك ونماذج من أقوالهم:
١- سفيان بن عيينة "ت ١٩٨ هـ"٤:
أخرج اللالكائي عنه من طريق بكر بن الفرج أبي العلا، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: السنة عشرة، فمن كن فيه فقد استكمل السنة، ومن ترك منها شيئًا فدق ترك السنة.
إثبات القدر، وتقديم أبي بكر وعمر، والحوض، والشفاعة، والميزان، والصراط، والإيمان في قول وعمل، والقرآن كلام الله، وعذاب القبر، والبعث يوم
стр. 30
القيامة، ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم١.
فهذه كلها أمور ومسائل اعتقادية، خصها ابن عيينة ﵀ باسم السنة.
٢- الإمام الشافعي: "١٥٠- ٢٠٤ هـ".
قال: القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت عليها الذين رأيتهم مثل سفيان ومالك وغيرهما، الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء وينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء. وذكر سائر الاعتقاد٢.
٣- علي بن المديني "٢٣٤ هـ":
قال: "السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها، أو يؤمن بها، لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره، ثم تصديق بالأحاديث والإيمان بها لا يقال: لم؟ ولا كيف؟ إنما هو التصديق بها، والإيمان بها، وإن لم يعلم تفسير الحديث، ويبلغه عقله. ولا يخاصم أحدًا، ولا يناظر ولا يتعلم الجدل، والكلام في القدر وغيره من السنة مكروه ولا يكون صاحبه وإن أصاب السنة بكلامه من أهل السنة حتى يدع الجدل ويسلم.
والقرآن كلام الله ليس بمخلوق ولا تضعف أن تقول ليس بمخلوق، فإن كلام الله ليس بباين منه، وليس منه شيء مخلوق، يؤمن به، ولا يناظر فيه أحدًا"٣ إلى آخر ما ذكر من مسائل الاعتقاد.
стр. 31
٤- الإمام أحمد بن حنبل "ت ٢٤١ هـ":
أخرج اللالكائي من طريق عبدوس بن مالك العطار؛ قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل يقول: أصول السنة عندنا:
التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، والاقتداء بهم، وترك الخصومات والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين.
والسنة عندنا آثار رسول الله ﷺ ، والسنة تفسير القرآن، وهي دلائل القرآن ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها لا يقال: لم؟ ولا كيف؛ إنما هو التصديق بها والإيمان بها. ولا يخاصم أحدًا، ولا يناظره ولا يتعلم الجدل، والإيمان بالميزان، والإيمان بالحوض، والإيمان بعذاب القبر والإيمان بشفاعة النبي١، وذكر عددًا من الأموار الاعتقادية.
٥- سهل بن عبد الله التستري "ت ٢٧٣ هـ":
وقيل له: متى يعلم الرجل أنه على السنة والجماعة؟ قال: إذا عرف من نفسه عشر خصال: لا يترك الجماعة، لا يسب أصحاب النبي ﷺ ، لا يخرج على هذه الأمة بالسيف، ولا يكذب بالقدر، لا يشك في الإيمان، لا يماري في الدين، لا يترك الصلاة على من يموت من أهل القبلة بالذنب، لايترك المسح على الخفين، لا يترك الجمعة، خلف كل وال جار أو عدل٢.
هذه نماذج مختارة من كلام السلف، الذين أطلقوا اسم السنة، وأرادوا
стр. 32
بها ما يتعلق بالاعتقادات، وأبلغ من ذلك أنهم سموا الكثير من مصنفاتهم في العقيدة باسم "السنة"؛ وذلك مثل:
١- "السنة" للإمام أحمد بن حنبل "ت ٢٤١ هـ" وهو مطبوع.
٢- "السنة" لأبي داود السجستاني "ت ٢٧٥ هـ" ضمن كتابه "السنن".
٣- "السنة" لابن أبي عاصم "ت ٢٨٧ هـ" وهو مطبوع بتخريج الألباني.
٤- "السنة" لعبد الله بن أحمد "ت ٢٩٠ هـ" وهو مطبوع.
٥- "السنة"١ لأحمد بن هارون الخلاف "ت ٣١١ هـ".
٦- "السنة"٢ لأن أبي حاتم الرازي "ت ٣٢٧ هـ".
٧- "السنة"٣ لأبي القاسم سليمان بن محمد الطبراني، صاحب "المعاجم" "ت ٣٦٠ هـ".
٨- "السنة"٤ لأبي الشيخ الأصبهاني "ت ٣٦٩".
٩- "الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة" لعبيد الله بن بطة "ت ٣٨٧ هـ". وهو مطبوع بتحقيق رضا نعسان معطي.
١٠- "شرح السنة" لابن أبي زمنين "ت ٣٩٩ هـ"٥.
وهناك الكثير غير ما ذكرت مما أطلق عليه "السنة" أو "شرح أصول أهل
стр. 33
السنة"١؛ إذ لم أراد الاستقصاء وإنما القصد التمثيل على أن السلف كانوا يسمون ما يصفنون في أبواب الاعتقاد باسم "السنة" أو "شرح السنة".
وهذه المصنفات اشتملت على المسائل العقدية والاحتجاج عليها من الكتاب والستة وآثار السلف الصالح. وفي ذلك دلالة على أن السلف يقصدون بالسنة معنى زائدًا على الحديث، وأنهم يريدون بها: ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه في أمور الاعتقادات والعبادات وغيرها؛ وذلك شامل للقرآن وسنته ﷺ .
стр. 34
تفريق السلف بين مفهوم السنة والحديث:
ولذلك نجد أئمة السلف كثيرًا ما يفرقون بين السنة والحديث، ويجعلون السنة في مقابل البدعة، والحديث هو أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته.
فهذا الإمام الشافعي ﵀ يروي عنه الربيع بن سليمان١ قائلًا: قال لنا الشافعي: أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر٢، إمام في
стр. 35
الزهد١، إمام في الورع، إمام في السنة٢.
وقال عبد الرحمن بن مهدي٣: "الناس على وجوه، فمنهم من هو إمام في السنة، إمام في الحديث، ومنهم من هو غمام في الحديث؛ فأما من هو إمام في السنة وإمام في الحديث فسفيان الثوري٤"٥.
ويشرح لنا الإمام ابن الصلاح٦ الفرق بين السنة والحديث عندما سئل
стр. 36
عن قول بعضهم عن الإمام مالك ﵁ أنه جميع بين السنة والحديث، فما الفرق بين السنة والحديث؟
أجاب: "السنة ههنا ضد البدعة، وقد يكون الإنسان من أهل الحديث، وهو مبتدع، ومالك ﵁ جمع بين السنتين؛ فكان عالمًا بالسنة؛ أي: الحديث، ومعتقدًا للسنة؛ أي: كان مذهبه مذهب أهل الحق من غير بدعة، والله أعلم"١.
ولذلك نجد شيخ الإسلام ابن تيمية، عندما يذكر أهل الحديث، ووراثتهم للأنبياء، وإمامتهم، يتحفظ وبين أن المقصود بهم من يجمع بين الرواية والدراية والإتباع.
فيقول: ونحن لا نعني بأهل الحديث: المقتصرين على سماعه، أو كتابته، أو روايته؛ بل نعني بهم: كل من كان أحق بحفظه، ومعرفته، وفهمه ظاهرًا وباطنًا، وإتباعه باطنًا، وظاهرًا، وكذلك أهل القرآن٢.
стр. 37
المبحث الثالث: المراد بأهل السنة
أولا: نشأة مصطلح "أهل السنة" وتاريخ إطلاقه
...
المبحث الثالث: المراد بأهل السنة
لكي نحدد المراد بأهل السنة، سأعرض لنشأة مصطلح "أهل السنة" وتاريخ إطلاقه وعلى من أطلق على ضوء النصوص التي سنوردها عن السلف في ذلك، والتي توضح مراد السلف بقولهم: "أهل السنة".
ثم سنبين تنازع الطوائف والفرق هذا اللقب ودعوى كل طائفة أنها هي التي ينطبق عليها هذا الوصف، وسنفصل القول في دعوى الأشاعرة ذلك، مع بيان موقفهم من السنة والنقل عمومًا.
وسأختم هذا المبحث -إن شاء الله- ببيان موقف أهل العلم قديمًا وحديثًا من دعوى الأشاعرة هذه.
أولًا: نشأة مصطلح "أهل السنة" وتاريخ إطلاقه
يرجع تاريخ إطلاق هذا اللفظ إلى صدر الإسلام، إلى عصر النبوة والقرون المفضلة.
قد أخرج اللالكائي بسنده عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وجُوه﴾ ١؛ "فأما الذين ابيضت وجوههم: فأهل السنة والجماعة وأولوا العلم، وأما الذين اسودت وجوههم: فأهل البدع
стр. 38
والضلالة١".
ثم تتابع ورود استعمال هذا اللفظ وإطلاقه عن كثير من أئمة السلف رحمة الله عليهم، أذكر طائفة منهم حسب التسلسل التاريخي:
فممن ورد عنه ذلك:
-أيوب السختياني "٦٨- ١٣١ هـ":
فقد أخرج اللالكائي عنه أنه قال: إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة وكأني أفقد بعض أعضائي. وقال أيضَا: إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة٢.
-سفيان الثوري "ت ١٦١ هـ".
قال: استوصوا بأهل السنة خيرًا فإنهم غرباء. وقال: ما أقل أهل السنة والجماعة٣.
- الفضيل بن عياض "ت ١٨٧ هـ".
قال: أهل الإرجاء يقولون: الإيمان قول بلا عمل، وتقول الجهمية: الإيمان المعرفة بل قول ولا عمل، ويقول أهل السنة: افيمانه المعرفة والقول والعمل٤.
- أبو عبيد القاسم بن سلام "١٥٧- ٢٢٤ هـ".
стр. 39
قال في مقدمة كتاب "الإيمان" له: فإنك كنت تسألني عن إيمان واختلاف الأمة في استكماله، وزيادته، ونقصانه، وتذكر أنك أحببت معرفة ما عليه أهل السنة من ذلك١.
- الإمام أحمد بن حنبل "١٦٤- ٢٤١ هـ":
قال في مقدمة كتاب "السنة" له: هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروتها، المعروفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا٢.
- الإمام ابن جرير الطبري "ت ٣١٠ هـ":
قال: وأما الصواب من القول في رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة وهو ديننا الذي تدين الله به، وأدركنا عليه أهل السنة والجماعة فهو أن أهل الجنة يرونه على ما صحت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
- أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي "٢٣٩- ٣٢١ هـ":
قال في مقدمة عقيدته المشهورة: هذا ذكر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة٤.
وبهذا النقول يتضح لنا جليًا أن لفظ "أهل السنة" معروف عند السلف
стр. 40
متداول بينهم، أطلقوه في مقابل "أهل البدع"، وألفوا في بيان عقيدة أهل السنة وميزوا بينهم وبين أهل البدع، كما فعل الإمام أحد والإمام الطحاوي وغيرهم.
وفي هذا رد على من زعم أن لقب "أهل السنة" أول ما أطلق على الأشاعرة، كما زعم ذلك الأستاذ مصطفى الشكعة؛ إذ يقول في كتابه "إسلام بلا مذاهب": "وهكذا نجد أن لقب "أهل السنة" أطلشق أول ما أطلق على جماعة الأشاعرة ومن نحا نحوهم، ثم اتسعت دائرته فشملت أصحاب المذاهب والفقهاء من أمثال الشافعي ومالك وأبي حنيفة وابن حنبل والأوزاعي وأهل الرأي والقياس"١.
ولا أدري كيف يستقيم هذا القول، وهؤلاء الأئمة قد توفوا قبل زمن الأشعري؟
ثم زعم في موضع آخر من كتابه أن هذه التسمية لم تعرف إلا في القرن السابع الهجري قال: "وذلك أن تسمية جمهرة المسلمين بأهل السنة تسمية متأخرة يرجع تاريخها إلى حوالي القرن السابع الهجري؛ أي: بعد عصر آخر الأئمة المشهروين وهو البن حنبل بحوالي أربعة قرون"٢.
على أنه يتناقض فيعترف في نفس كتابه هذا، بوجود من يعرف بـ "أهل السنة" قبل أن يخلق الله الأشعري والأشاعرة؛ إذ يقول: "إن المأمون وهو علي أهبة الخروج إلى طرسوس على حدود بلاد الروم سنة ٢١٨ هـ. بعث إلى إسحاق بن إبراهيم عامله على بغداد كتابًا يأمره فيه أن يستحضر علماء بغداد وقضاتها، وأن يمتحنهم في موضع خلق القرآن.
وقال: وكتاب المأمون هذا من أشنع الكتب التي حوت سبًا وتطاولًا على