← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7334

وسطية أهل السنة بين الفرق

محمد با كريم محمد با عبد الله

Полный текст (520 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عن قول بعضهم عن الإمام مالك ﵁ أنه جميع بين السنة والحديث، فما الفرق بين السنة والحديث؟ أجاب: "السنة ههنا ضد البدعة، وقد يكون الإنسان من أهل الحديث، وهو مبتدع، ومالك ﵁ جمع بين السنتين؛ فكان عالمًا بالسنة؛ أي: الحديث، ومعتقدًا للسنة؛ أي: كان مذهبه مذهب أهل الحق من غير بدعة، والله أعلم"١. ولذلك نجد شيخ الإسلام ابن تيمية، عندما يذكر أهل الحديث، ووراثتهم للأنبياء، وإمامتهم، يتحفظ وبين أن المقصود بهم من يجمع بين الرواية والدراية والإتباع. فيقول: ونحن لا نعني بأهل الحديث: المقتصرين على سماعه، أو كتابته، أو روايته؛ بل نعني بهم: كل من كان أحق بحفظه، ومعرفته، وفهمه ظاهرًا وباطنًا، وإتباعه باطنًا، وظاهرًا، وكذلك أهل القرآن٢.

стр. 37

المبحث الثالث: المراد بأهل السنة أولا: نشأة مصطلح "أهل السنة" وتاريخ إطلاقه ... المبحث الثالث: المراد بأهل السنة لكي نحدد المراد بأهل السنة، سأعرض لنشأة مصطلح "أهل السنة" وتاريخ إطلاقه وعلى من أطلق على ضوء النصوص التي سنوردها عن السلف في ذلك، والتي توضح مراد السلف بقولهم: "أهل السنة". ثم سنبين تنازع الطوائف والفرق هذا اللقب ودعوى كل طائفة أنها هي التي ينطبق عليها هذا الوصف، وسنفصل القول في دعوى الأشاعرة ذلك، مع بيان موقفهم من السنة والنقل عمومًا. وسأختم هذا المبحث -إن شاء الله- ببيان موقف أهل العلم قديمًا وحديثًا من دعوى الأشاعرة هذه. أولًا: نشأة مصطلح "أهل السنة" وتاريخ إطلاقه يرجع تاريخ إطلاق هذا اللفظ إلى صدر الإسلام، إلى عصر النبوة والقرون المفضلة. قد أخرج اللالكائي بسنده عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وجُوه﴾ ١؛ "فأما الذين ابيضت وجوههم: فأهل السنة والجماعة وأولوا العلم، وأما الذين اسودت وجوههم: فأهل البدع

стр. 38

والضلالة١". ثم تتابع ورود استعمال هذا اللفظ وإطلاقه عن كثير من أئمة السلف رحمة الله عليهم، أذكر طائفة منهم حسب التسلسل التاريخي: فممن ورد عنه ذلك: -أيوب السختياني "٦٨- ١٣١ هـ": فقد أخرج اللالكائي عنه أنه قال: إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة وكأني أفقد بعض أعضائي. وقال أيضَا: إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة٢. -سفيان الثوري "ت ١٦١ هـ". قال: استوصوا بأهل السنة خيرًا فإنهم غرباء. وقال: ما أقل أهل السنة والجماعة٣. - الفضيل بن عياض "ت ١٨٧ هـ". قال: أهل الإرجاء يقولون: الإيمان قول بلا عمل، وتقول الجهمية: الإيمان المعرفة بل قول ولا عمل، ويقول أهل السنة: افيمانه المعرفة والقول والعمل٤. - أبو عبيد القاسم بن سلام "١٥٧- ٢٢٤ هـ".

стр. 39

قال في مقدمة كتاب "الإيمان" له: فإنك كنت تسألني عن إيمان واختلاف الأمة في استكماله، وزيادته، ونقصانه، وتذكر أنك أحببت معرفة ما عليه أهل السنة من ذلك١. - الإمام أحمد بن حنبل "١٦٤- ٢٤١ هـ": قال في مقدمة كتاب "السنة" له: هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروتها، المعروفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا٢. - الإمام ابن جرير الطبري "ت ٣١٠ هـ": قال: وأما الصواب من القول في رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة وهو ديننا الذي تدين الله به، وأدركنا عليه أهل السنة والجماعة فهو أن أهل الجنة يرونه على ما صحت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم٣. - أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي "٢٣٩- ٣٢١ هـ": قال في مقدمة عقيدته المشهورة: هذا ذكر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة٤. وبهذا النقول يتضح لنا جليًا أن لفظ "أهل السنة" معروف عند السلف

стр. 40

متداول بينهم، أطلقوه في مقابل "أهل البدع"، وألفوا في بيان عقيدة أهل السنة وميزوا بينهم وبين أهل البدع، كما فعل الإمام أحد والإمام الطحاوي وغيرهم. وفي هذا رد على من زعم أن لقب "أهل السنة" أول ما أطلق على الأشاعرة، كما زعم ذلك الأستاذ مصطفى الشكعة؛ إذ يقول في كتابه "إسلام بلا مذاهب": "وهكذا نجد أن لقب "أهل السنة" أطلشق أول ما أطلق على جماعة الأشاعرة ومن نحا نحوهم، ثم اتسعت دائرته فشملت أصحاب المذاهب والفقهاء من أمثال الشافعي ومالك وأبي حنيفة وابن حنبل والأوزاعي وأهل الرأي والقياس"١. ولا أدري كيف يستقيم هذا القول، وهؤلاء الأئمة قد توفوا قبل زمن الأشعري؟ ثم زعم في موضع آخر من كتابه أن هذه التسمية لم تعرف إلا في القرن السابع الهجري قال: "وذلك أن تسمية جمهرة المسلمين بأهل السنة تسمية متأخرة يرجع تاريخها إلى حوالي القرن السابع الهجري؛ أي: بعد عصر آخر الأئمة المشهروين وهو البن حنبل بحوالي أربعة قرون"٢. على أنه يتناقض فيعترف في نفس كتابه هذا، بوجود من يعرف بـ "أهل السنة" قبل أن يخلق الله الأشعري والأشاعرة؛ إذ يقول: "إن المأمون وهو علي أهبة الخروج إلى طرسوس على حدود بلاد الروم سنة ٢١٨ هـ. بعث إلى إسحاق بن إبراهيم عامله على بغداد كتابًا يأمره فيه أن يستحضر علماء بغداد وقضاتها، وأن يمتحنهم في موضع خلق القرآن. وقال: وكتاب المأمون هذا من أشنع الكتب التي حوت سبًا وتطاولًا على

стр. 41

علماء المسلمين من أهل السنةِ"١. اهـ. إذن كان هناك أهل سنة يدافعون عن عقيدتهم في القرآن، ويردون على من قال بخلقه، يعرفون بأنهم "أهل السنة". فكيف يقال: إن هذا اللقب أطلق أول ما أطلق على جماعة الأشاعرة؟ أم كيف يقال: أن هذه التسمية لم تعرف إلا في القرن السابع الهجري؟ على أن الأشاعرة السابق منهم واللاحق لم يدعوا لأنفسهم ما ادعاه لهم الأستاذ الشكعة. فهذا الإمام البيهقي "٥٧١ هـ" يقول عن الإمام الأشعري: "فهذا سبب رجوعه عن مذاهب المعتزلة غلى مذاهب أهل السنة والجماعة"٢؛ فإذا أهل السنة والجماعة موجودون معروفون بهذا اللقب والأشعري بعد أن ترك الاعتزال رجع إلى مذهبهم، عن تفصيل في أحوال الأشعري ليس هذا مكان ذكره. ويقول د. علي سامي النشار من الأشاعرة المعاصرين: "لقد شهد القرن الثالث حركة كلامية كبرى حمل لواءها "أهل الحديث".. ثم ذكر كتب: خلق أفعال العباد، والاختلاف في اللفظ، وكتب الدارمي، قال: وتبين هذه الكتب ظهور الاتجاه الكلامي لدى أصحاب الحديث، وأن أصحاب الحديث وجدوا كفرقة مقابلة للجهمية وللمعتزلة، وللخوارج، وأنهم سموا باسم "أهل الحديث وأهل السنة"٣ *.

стр. 42

ويقول الأستاذ أحمد أمين: "واسم أهل السنة كان يطلق على جماعة من قبل الأشعري والماتريدي، وقد حكى لنا أن جماعة كان يطلق عليها أهل السنة، وكانت تناهض المعتزلة قبل الأشعري. ولما جاء الأشعري وتعلم على المعتزلة اطلع أيضًا على مذاهب أهل السنة، وتردد كثيرًا في أي الفريقين أصح، ثم أعلن انضمامه إلى أهل السنة وخروجه على المعتزلة"١.

стр. 43

ثانيًا: معنى أهل السنة أهل الشيء هم أخص الناس به يقال في اللغة: أهل الرجل: أخص الناس به وأهل البيت سكانه، وأهل الإسلام من يدين به، وأهل المذهب من يدين به١. فمعنى أهل السنة؛ أي: أخص الناس بها وأكثرهم تمسكًا بها واتباعًا لها قولًا وعملًا واعتقادًا. وهذا اللفظ أصبح مصطلحًا يطلق ويراد به أحد معنيين: المعنى الأول: معنى عام يدخل فيه جميع المنتسبين إلى الإسلام عدي الرافضة؛ فيقال: هذا رافضي، وهذا سني، وهذا هو اصطلاح العامة؛ لأن الرافضة هم المشهورون عندهم بمخالفة السنة فجمهور العامة لا تعرف ضد السني إلا الرافضي؛ فإذا قال أحدهم: أنا سني فإنما؛ معناه: لست رافضيًا٢. وقد ورد عن بعض السلف ما يشير إلى هذا المعنى فقد قيل لسفيان

стр. 44

الثوري: يا أبا عبد الله! وما موافقة السنة؟ قال: تقدمة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما١، فالسني عنده من قدمها على غيرهما في الخلافة والفضل، ومن لم يقدمها فليس بسني، ولم يؤخرهما عن مرتبتهما إلا الرافضة. المعنى الثاني: معنى أخص وأضيق من المعنى العام، ويراد به أهل السنة المحضة الخالصة من البدع، ويخرج به سائر أهل الأهواء والبدع، كالخوارج والجهمية والمرجئة، والشيعة وغيرهم من أهل البدع. يبين شيخ الإسلام ابن تيمية معنى لفظ "أهل السنة" فيقول: "فلفظ "أهل السنة" يراد به من أثبت خلافة الثلاثة، فيدخل في ذلك -أي: في لفظ أهل السنة- جميع الطوائف إلا الرافضة، وقد يراد به: أهل الحديث والسنة المحضة؛ فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى ويقول: القرآن غير مخلوق، وأن الله يرى في الآخرة، ويثبت القدر، وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل الحديث والسنة"٢. ومن خالف شيئًا من ذلك عد من أصحاب البدع، ولم يكن سنيًا، بذا حكم إمام أهل السنة دون منازع الإمام أحمد بن حنبل ﵀ عليه؛ حيث قال في مقدمة كتاب "السنة": "هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسكين بعروتها المعروفين بها المقتدي بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت عليها من علماء الحجاز والشام وغيرهما عليها فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها؛ فهو مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة زايل عن منهج السنة وسبيل الحق"٣ ثم ذكر اعتقاد أهل

стр. 45

السنة الذي ساق شيخ الإسلام ابن تيمية فيما تقدم طرفًًا منه. فأهل السنة إذن هم: ١- أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأنهم تلقوا عنه مباشرة أمور الاعتقاد كما تلقوا أمور العبادة، فهم أعرف الخلق بسنة نبيهم وأتبع لها ممن جاء بعدهم. ٢- التابعون لهم بإحسان، المقتفون آثارهم في كل عصر ومصر، وعلى رأسهم أهل الحديث والأثر، الذين نقلوا إلينا سنة رسول الله ﷺ وميزوا صحيحها من سقيمها، وعملوا بها واعتقدوا ما دلت عليه. يقول الإمام ابن حزم في بيان من هم أهل السنة: "وأهل السنة الذين نذكرهم أهل الحق ومن عداهم فأهل البدعة فإنهم: الصحابة ﵃، وكل من سلك نهجهم من خيار التابعين رحمة الله عليهم، ثم أصحاب الحديث ومن تبعهم من الفقهاء جيلًا فجيلًا إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها رحمة الله عليهم"١.

стр. 46

ثالثا: تنازع الطوائف هذا اللقب مدخل ... ثالثًا: تنازع الطوائف هذا اللقب لما كان أهل السنة، هم أصحاب رسول الله ﷺ ومن ابتعهم على ما كانوا عليه من الهدى. ووجد كثير من الطوائف أن النجاة لا تكون إلا لمن كان على ما كانوا عليه لقوله ﷺ في حديث افتراق الأمة: "وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي" ١.

стр. 47

لما كان الأمر كذلك ادعى كثير من الطوائف والفرق أنهم هم الفرقة الناجية وأنهم أهل الحق، وتسمى بعضهم باسم "أهل السنة". يقول شيخ الإسلام ﵀ عليه- وفي معرض كلامه عن الفرق المشار إليها في الحديث: "فكثير من الناس يخبر عن هذه الفرق بحكم الظن والهوى؛ فيجعل طائفته والمنتسبة إلى متبوعه الموالية له، هم أهل السنة والجماعة، ويجعل من خالفها هم أهل البدع، قال: وهذا ضلال مبين؛ فإن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله ﷺ ، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى؛ فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة بل كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ؛ فمن جعل شخصًا غير رسول الله ﷺ من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدع، كما يوجد ذلك في الطوائف من إتباع أئمة الكلام في الدين وغير ذلك، كان من أهل البدع والضلالة والتفرق"١. فكل طائفة تدعي أنها الفرقة الناجية، وأن الحق معها.

стр. 48

الشيعة الإمامية الرافضة: تجعل نسها الفرقة الناجية دون غيرها، وأنها هي المشار إليها في حديث الافتراق. فقد نقل ابن المطهر الحلي١ عن شيخه النصير

стр. 49

الطوسي١ أنه سئل عن المذاهب؛ فقال: "بحثنا عنها وعن قول الرسول ﷺ : "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة منها ناجية والباقي في النار". وقد عين ﵇ الفرقة الناجية والهالكة في حديث آخر صحيح متفق عليه، وهو قوله: "مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف غرف؛ فوجدنا الفرقة الناجية هي: الفرقة الإمامية؛ لأنهم باينوا جميع المذاهب، وجميع المذاهب قد اشتركت في أصول العقائد"٢. وقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ردًا متينًا مطولًا من ثمانية أوجه٣ فأفاد وأجاد رحمة الله عليه. وقد بين في "الوجه الخامس" أن ق وله صل الله عليه وسلم في حديث الافتراق عن الفرقة الناجية وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي. وفي رواية: "هم الجماعة" يناقض قول الإمامية ويقضي أنهم خارجون عن الفرقة الناجية، خارجون عن جماعة المسلمين يكفرون أو يفسقون أئمة

стр. 50

الجماعة؛ كأبي بكر وعمر، وكذلك يكفرون أو يفسقون علماء وعباد الجماعة. وبين ﵀ أن الإمامية أبعد الناس من سير الصحابة، وأجهلهم بحديث رسول الله وأعداهم لأهله من أصحاب رسول الله صلى الهل عليه وسلم وأمة المسلمين، ثم تبين أن الوصف الوارد في الحديث لا ينطبق إلا على أهله السنة؛ لأنهم هم الذين على ما كان عليه الرسول ﷺ وهم أهل الجماعة الذين ما فرقوا دينهم وكانوا شيعًا. ثم بين في "الوجه السادس"١ أن الحجة التي احتج بها الطوسي على أن الإمامية هي الفرقة الناجية وهي قوله: "لأنهم باينوا جميع المذاهب"، بين رحمه أن هذه الحجة كذب في وصفها، كما هي باطلة في دلالتها. وبين أن كثيرًا من الفرق قد باينت جميع الفرق الأخرى فيما اختصت به من أقوال؛ فالخوارج باينوا جميع المذاهب فيما اختصوا من التكفير بالذنوب ومن تكفير علي ﵁. وغير ذلك مما انفردوا به من أقوال. وكذلك المعتزلة باينوا جميع الطوائف فيما اختصوا به من "المنزلة بين المنزلتين"، وقولهم أن أهل الكبائر يخلدون في النار، وليسوا بمؤمنين ولا كفار، وهكذا جميع الفرق، فلا اختصاص للرافضة بذلك. ثم قال في "الوجه السابع": "إن مباينتهم لجميع المذاهب هو على فساد قولهم أدل منه على صحة قولهم، فإن مجرد انفراد طائفة عن جميع الطوائف لا يدل على أن -قولها- هو الصواب، واشترك أولئك من قول لا يدل على أنه باطل"٢. وكيف يتخذ الاختلاف والإغراق في الابتعاد عن الآخرين أساسًا لنجاة؟

стр. 51

ولو اتبعنا هذا الأساس لكان الإغراق في الإلحاد أساسًا للنجاة؛ بل لكان التخريف أو تخيلات المجانين أكثر قربًا للنجاة؛ لأنها أكثر باتعادًا عن آراء الآخرين١. وأما استدلاله بحديث "سفينه نوح" فهو يتوقف على صحة الحديث، والحديث ضعيف كما ذكر ذلك الذهبي٢، والألباني٣، ولا عبرة يقول الطوسي: "أنه حديث صحيح متفق عليه"؛ فليس هو من أهل هذا الشأن. والمعروف أنه من قول الإمام مالك بلفظ: "السنة مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك". قال شيخ الإسلام في إيضاح معناه: "وهذا حق فإن سفينة نوح إنما ركبها من صدق المرسلين واتبعهم، وأن من لم يركبها فقد كذب المرسلين، واتباع السنة هو ابتاع الرسالة التي جابت من عند الله فتباعها بمنزلة من كرب مع نوح في السفينة باطنًا وظاهرًا، والمتخلف عن إتباع الرسالة بمنزلة المتخلف عن اتباع نوح ﵇ وركوب السفينة"٤.

стр. 52

و المعتزلة: يزعمون أنهم أهل الحق وأنهم الفرقة الناجية، يقول مقدمهم وكبيرهم عمو بن عبيد١ للخليفة المنصور- وقد سأله أن يعينه بأصحابه: "أظهر الحق يتبعك أهله"٢ يريد المعتزلة. فما على المنصور إذا أراد معونتهم إلا أن يرفع رايتهم ويظهر مذهبهم. ويستدلون على أنهم الفرقة الناجية برواية محرفة لحديث الافتراق فقالوا: روي سفيان الثوري عن ابن الزبير عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ : "ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أبرها وأتقاها الفئة المعتزلة"، ولعلهم شعروا بتفردهم بهذه الرواية فاتهموا سفيان بأنه قال لأصحابه: "تسموا بهذا الاسم لأنكم اعتزلتم الظلمة، فقالوا: سبقك بها عمرو بن عبيد وأصحابه -قالوا: فكان سفيان بعد ذلك يروي: واحدة ناجية"٣. ولهؤلاء نقول: من مذهبكم عدم الاحتجاج بأحاديث الآحاد في باب الاعتقاد؛ فكيف سوغتم لأنفسكم الاحتجاج بهذا الحديث مع اتهامكم راويه سفيان بأنه تصرف في الحديث بوضع عبارة مكان أخرى؟ ولكن لا غرابة فإن إحدى علامات أهل البدع: أنهم يأخذون من السنة ما وافق أهواءهم، صحيحًا كان أو ضعيفًا، ويتركون ما لم يوافق أهواءهم من الأحاديث وإن صح وأخرج الشيخان! ٤. ويزعم المعتزلة أنهم هم المتمسكون بالسنة والجماعة دون غيرهم مع قولهم بعدم حجية حديث الآحاد.

стр. 53

فقد جاء في كتاب "فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة"١ قولهم: "ومعنى السنة إذا أضيفت إليه ﷺ ؛ هو ما أمر ليدام عليه، أو فعله ليدام الاقتداء به، فما هذا حاله يعد سنة الرسول ﷺ ؛ وإنما يقع هذا الاسم على ما ثبت أنه قاله أو فعله، فأما ما ينقل من أخبار الآحاد فإن صح فيه شروط القبول، يقال فيه: أنه سنة على وجه التعارف؛ لأنا إذا لم نعلم ذلك القول أو ذلك الفعل فالقول بانه سنة يقبح؛ لأنا لا نأمن أن نكون كاذبين في ذلك، وعلى هذا الوجه لا يجوز في العقل أن يقول في خبر الواحد، قال رسول الله ﷺ قطعًا؛ وإنما يجوز أن يقال: روي عنه ﷺ ". وأما الجماعة: فالمراد به ما أجمعت عليه الأمة، وثبت ذلك من إجماعها؛ فأما ما لم يثبت مما لم يجز التمسك به فهو بمنزلة أخبار الآحاد، وإذا صح ما ذكرناه فالمتمسك بالسنة والجماعة هم أصحابنا والحمد لله دون هؤلاء المشنعين. وهكذا سائر الطوائف والفرق، فما من طائفة إلا وتدعي أنها الناجية، وأن الحق معها، وتستكره النصوص على تأييد مذهبها، كما فعلت الشيعة والمعتزلة، كما أوضحنا ذلك.

стр. 54

الأشاعر ة: لا يفتأ أئمة الأشاعرة يذكرون في كتبهم أنهم أهل السنة وأهل الحق، وأنهم هم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية. وهذا أمر لا يخفى على من قرأ كتبهم، وأنا أذكر فقط نماذج من كلامهم في ذلك على مر العصور: - كلام أبي بكر الباقلاني "ت ٤٠٣ هـ"، وهو من تلاميذ أبي الحسن الأشعري: قال مثلًا في صفة الكلام التي خالفوا فيها السلف من أهل الحديث والسنة: "أعلم أن الله تعالى متكلم، له كلام عند أهل السنة والجماعة، وأن كلامه قديم ليس بمخلوق ولا مجعول ولا محدث بل كلامه قديم صفة من صفات ذاته، كعلمه وقدرته وإرادته ونحو ذلك"١. ثم قال في موطن آخر: "فإن قالوا: أليس تقولون إن كلام الله مسموع بحاسة الآذان على الحقيقة؟ قلنا: بلى، فإن قالوا: فليس يجوز أن يكون مسموعًا على الحقيقة؛ إلا ما كان صوتًا وحرفًا. فالجواب: أن هذا جهل عظيم؛ وذلك أن أهل السنة والجماعة قد أجمعوا على أن الله تعالى يرى بالأبصار على الحقيقة، ولا يجوز أن يرى على الحقيقة إلا ما كان جسمًا٢ وجوهرًا٣ وعرضًا٤، أفتقولون إن الله تعالى، جسم

стр. 55

وجوهر وعرض، فإن قالوا: نعم فقد أقروا بصريح الكفر والتشبيه، وإن قالوا: يرى وليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، ولا يشبه شيئًا من المرئيات، قلنا: فكذلك كلامه قديم ليس بمخلوق ومسموع على الحقيقة، وليس بحرف ولا صوت١. فانظر كيف جعل هذا القول الذي هو من خصائص المذهب الكلابي، هو قول أهل السنة والجماعة، مع أن إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه, وسائر أئمة أهل الحديث المعروفين بالإمامة في السنة، قالوا بإثبات الحرف والصوت في كلام الله. وهذا يدل على أن الباقلاني يطلق اسم "أهل السنة والجماعة" على طائفة الأشعرية الكلابية، وهكذا كرر هذا الإطلاق في صفحات "١٤٤، ١٦١، ١٦٢، ١٦٨"، من كتاب "الإنصاف". - كلام البغدادي "ت ٤٢٩": قال: "فأما الفرقة الثالثة والسبعون؛ فهي: أهل السنة والجماعة من فريقي الرأي والحديث، دون من يشري لهو الحديث، وفقهاء الفريقين وقراؤهم ومحدثوهم، ومتكلموا أهل الحديث منهم، كلهم متفقون على مقالة واحدة في توحيد الصانع وصفاته، وعدله. مع قبول ما صح من سنة رسول الله ﷺ "٢. وقال في بيان أنهم الفرقة الناجية: "ولسنا نجد اليوم من فرق الأمة من هم على موافقة الصحابة ﵃ غير أهل السنة والجماعة من فقهاء الأمة ومتكلميهم الصفاتية، دون الرافضة، والقدرية"٣.

стр. 56

ثم لما بين الأصول التي اجتمعوا عليها ذكرها على منهج الأشاعرة الكلابية، وفيها الكثير من المخالفة لمنهج السلف١. كقوله إن حديث الآحاد يوجب العمل دون العلم، وكقوله في نفي الحركة عن الله ، واقتصاره على إثبات سبع صفات الله عزك وجل٢ وكل ذلك على مذهب الأشاعرة والكلابية، أما أهل السنة من سلف الأمة فقولهم في كل ذلك على خلاف ما ذكر. -كلام أبي المظفر الإسفرائيني "ت ٤٧١ هـ": قال: "والفرقة الثالثة والسبعون هي الناجية، وهم: أهل السنة والجماعة من أصحاب الحديث والرأي وجملة فرق الفقهاء"٣. ثم لما ذكر اعتقادهم ذكر ما عليه الأشاعرة من نفي الاستواء، والحروف والصوت عن كلام الله ، وتأويل صفة الرحمة وغيرها من الصفات الفعلية وغير ذلك مما هو مخالف لعقيدة السلف ومصادم للكثير من النصوص الصحيحة الصريحة٤. - كلام الجويني "ت ٤٧٨ هـ": قال في مقدمة كتابه "لمع الأدلة": "هذا وقد استدعيتم -أرشدكم الله ذكر لمع من الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة"، ثم ذكر عقيدة الأشاعرة، كقولهم في كلام الله أنه كلام نفسي ليس بحروف ولا

стр. 57

صوت١. -كلام الغزالي "ت٥٠٥ هـ": قال في كتابه "قواعد العقائد" بعد أن سرد مسائل الاعتقاد على منهج الأشاعرة -كقولهم بالنفي المفصل في صفات الله، فقال: "وإنه ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود مقدر. وأنه ليس بجوهر ولا بعرض؛ فكل ذلك مما وردت به الأخبار وشهدت به الآثار؛ فمن اعتقد جميع ذلك موقنًا به كان من أهل الحق وعصابة السنة، وفارق رهط الضلال وحزب البدعة"٢. وقال في "الاقتصاد في الاعتقاد": "الحمد لله الذي اجتبي من صفوة عباده عصابة الحق وأهل السنة"٣. - كلام الرازي "ت ٦٠٦ هـ": قال في كتابه "معالم أصول الدين": "قال الأكثرون من أهل السنة: كلام الله واحد"٤ وهذا قول الكلابية والأشاعرة وليس بقول أهل السنة والحديث. - كلام أحمد بن موسى الخيالي "ت ٨٦٢ هـ": قال في "حاشيته على العقائد النسفية": "الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة.

стр. 58

هذا هو المشهور في ديار خراسان والعراق والشام، وأكثر الأقطار، وفي ديار ما وراء النهر يطلق ذلك على الماتريدية أصحاب الإمام أبي منصور"١. - كلام إبراهيم بن محمد البيجوري "ت ١٢٧٧ هـ": قال في "شرح جوهرة التوحيد"٢: "وأما عند أهل السنة فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع". وهذا قول الأشاعرة وليس هو قول السلف من أهل السنة. -كلام الدكتور محمد سعيد رمضان "من الأشاعرة المعاصرين": قال في معرض كلامه على مسألة كلام الله : "ثم إن المعتزلة فسروا هذا الذي أجمع المسلمون على إثباته لله تعالى، بأنه أصوات وحروف يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ وجبريل، ومن المعلوم أنه حادث وليس بقديم، ثم إنهم لم يثبتوا لله تعالى شيئًا آخر من وراء هذه الأصوات والحروف تحت اسم: الكلام. -قال-: أما جماهير المسلمين، أهل السنة والجماعة؛ فقالوا: إننا لا ننكر هذا الذي تقوله المعتزلة؛ بل نقول به ونسميه كلامًا لفظيًا، ونحن جميعًا متفقون على حدوثه وأنه غير قائم بذاته تعالى، من أجل أنه حادث؛ ولكنا نثبت أمرًا وراء ذلك وهو الصفة القائمة بالنفس"٣. وهذا القول من خصائص المذهب الكلابي الذي عليه الأشاعرة، ولم

стр. 59

يوافقهم عليه أحد من أئمة الحديث وأهل السنة من سلف هذه الأمة؛ فجعل الدكتور البوطي أصحاب هذا المعتقد في كلام الله هم أهل السنة. - كلام وهبي سليمان غاوجي الألباني "من الأشاعرة المعاصرين": قال: "الفرق في شأن صفات الله تعالى ثلاث: أهل السنة والجماعة، وهم المثبوت لله تعالى كل صفة كمال ورد بها الدليل القطعي"١. ثم ذكر أقسام الصفات على منهج الأشاعرة: وهكذا نرى الأشاعرة يعلنون منذ نشأتهم وإلى اليوم أنهم هم أهل السنة، وأنهم الفرقة الناجية دون غيرهم. ونراهم ينصون على سبب استحقاقهم هذا اللقب، وكونهم الفرقة الناجية. وهو: إتباعهم لسنة الرسول ﷺ وسنة أصحابه من بعده. فيقول البغدادي: ولسنا نجد اليوم من فرق الأمة من هم على موافقة الصحابي ﵁ غير أهل السنة والجماعة، من فقهاء الأمة ومتكلميهم الصفاتية٢. وقال قبل ذلك عندما ذكر الفرقة الثالثة والسبعين وأنهم أهل السنة والجماعة وذكر مما يجمع هذه الفرقة: "والإقرار بتوحيد الصانع، ومع قبول ما صح من سنة رسول الله ﷺ "٣. ويقول الإسفراييني: في سبب نجاة أهل السنة وهو متابعتهم للرسول ﷺ : "وليس في فرق الأمة أكثر متابعة لأخبار الرسول ﷺ ، وأكثر تبعًا لسنته من

стр. 60

هؤلاء، ولهذا سموا: أصحاب الحديث، وسموا بأهل السنة والجماعة"١. إذن إتباع ما كان عليه ﷺ وأصحابه، هو الضابط لاستحقاق لقب "أهل السنة" والفوز بالنجاة. وهذا ضابط مهم لمعرفة أهل السنة من غيرهم؛ فهل التزم الأشاعرة بذلك وحققوا الإتباع كما ادعوا؟ أم أنهم قدموا على السنة غيرها، وحكموا فيها العقل، وصرفوها عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات ومستنكرات التأويلات؟ ذلك ما سيتضح لنا فيما بعد إن شاء الله. وقبل ذلك علينا أن نعرف ما هو الطريقة لمعرفة السنة، وبأي شيء تدرك؟

стр. 61

رابعًا: طريق معرفة السنة وإدراكها إذا كانت السنة هي ما كان عليه النبي ﷺ فلا شك أنه لا سبيل إلى معرفتها إلا بالنقل لا غير. بالنقل الصحيح نعرف ما كان عليه الرسول ﷺ ، ولا سبيل للعقل إلى ذلك البتة. وبالاتباع لما جاء به النقل من ذلك تدرك السنة. يقول إمام أهل السنةمن غير منازع الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه "ت ٢٤١ هـ": "وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول، والأهواء؛ إنما هي الإتباع، وترك الهوى"١. ويقول الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي زمنين "٣٢٤- ٣٩٩ هـ": "أعلم رحمك الله أن السنة دليل القرآن، أنها لا تدرك بالقياس، ولا تؤخذ بالعقول،

стр. 62

وإنما هي في الإتباع للأئمة، ولما مشى عليه جمهور هذه الأمة"١. ويقول الإمام أبو نصر السجزي٢ "ت ٤٤٤ هـ": "ولا خلاف بين العقلاء في أن سنة رسول الله ﷺ لا تعلم بالعقل، وإنما تعلم بالنقل"٣. وقال: "فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله فإن أتى بذلك علم صدقه، وقيل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف، علم أنه محدث زائغ"٤. وقال أبو المظفر السمعاني "٤٨٩ هـ": "فلا بد من تعرف ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وليس طريق معرفتنا إلا النقل، فيجب الرجوع إلى ذلك"٥. أما شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه يقول في هذا الصدد: "إن السنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها، ويذم من خالفها، هي سنة رسول الله ﷺ في أمور الاعتقادات، وأمور العبادات، وسائر أمور الديانات؛ وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي ﷺ الثابتة عنه في أقواله وأفعاله، وما تركه من قول،

стр. 63

وعمل، ثم ما كان عليه السابقون والتابعون لهم بإحسان، وذلك في دواوين الإسلام المعروفة"١. هذا كلام أهل العلم من أئمة أهل السنة يبين في جلاء أن السنة لا سبيل لمعرفتها وإدراكها إلا بالنقل الثابت الصحيح، والاتباع المحض لما ثبت منها. فما هو موقف الأشاعرة، من النقل؟ الذي هو السبيل الوحيد. لمعرفة ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، ذلك ما سنقف عليه في الفقرة التالية.

стр. 64

خامسًا: موقف الأشاعرة من النقل عمومًا والسنة خصوصًا إذا تأملنا كتب القوم، تجدهم يجعلون العقل هو الأساس، والنقل تبعًا له، ولا يخلوا النقل مع العقل من إحدى الحالات الآتية: ١- إما أن يكون النقل قطعي الثبوت كالمتواتر مثلًا، موافقًا للعقل؛ فهذا يقبلونه، لموافقته مقتضى العقل وكونه موجبًا للعمل. ٢- وإما أن يكون قطعيًا، مخالفًا للعقل. وله حالتان: ١- أن يمكن تأويله بما يوافق العقل فيجب تأويله، ويقبل النقل ويؤول. ٢- أن لا يمكن تأويله، وهذا يرد لمخالفته العقل، والعقل مقدم على النقل عندهم. ٣- وإما أن يكون النقل ليس بقطعي -عندهم- كخبر الآحاد وله ثلاث حالات: ١- أن يكون موافقًا لمقتضى العقل: فهذا يقبل لموافقته العقل لا لذاته. ٢- أن يكون مخالفًا لمقتضى العقل، لكن يمكن تأويله بما يوافق.

стр. 65

مقتضى العقل؛ فهذا يشتغل بتأويله على سبيل التبرع، وإلا فليسوا ملزمين بتأويله؛ لأنه ليس يجب تأويل إلا ما كان موجبًا للعلم وهو المتواتر، أما الآحاد فليس كذلك. ٣- أن يكون مخالفًا لمقتضى العقل ولا يمكن تأويله؛ فهذا حكمه الرد لعدم إيجابه للعلم أصلًا، وعدم إمكان تأويله. هذه خلاصة موقف القوم من النقل، وإليك كلامهم من كتبهم في بيان موقفهم من النقل، مراعيًا الترتيب الزمني لنقف على تطور موقفهم: ١- كلام ابن فورك "ت ٤٠٦ هـ": قال: "وأما ما كان من نوع الآحاد، مما صحت الحجة به، من طريق وثاقة النقلة، وعدالة الرواة، واتصال نقلهم؛ فإن ذلك -وإن لم يوجب العلم والقطع فإنه- يقتضي غالب الظن وتجويز حكم"١. ٢ كلام البغدادي "ت ٤٢٩ هـ": قال: "والأخبار عندنا ثلاثة أقسام: متواتر، وآحاد، ومتوسط، بينهما مستفيض جار مجرى التواتر في بعض أحكامه. فالمتوتر: هو الذي يستحيل التواطؤ على وضعه وهو موجب للعلم الضروري بصحة مخبره. وأخبار الآحاد: متى صح إسنادها، وكانت متونها غير مستحيلة، وفي العقل، كانت موجبة للعمل بها دون العلم، وكانت بمنزلة شهادة العدول عند الحاكم، يلزم الحكم بها في الظاهر وإن لم يعلم صدقهم في الشهادة"٢.

стр. 66

وقال في شروط قبول خبر الآحاد: "والشرط الثالث: أن يكون متن الخبر مما يجوز في العقل كونه. فإن روى الراوي ما يحيله العقل، ولم يحتمل تأويلًا صحيحا فخبره مردود. وإن كان ما رواه الراوي الثقة يروع١ ظاهره في العقول؛ ولكنه يحتمل تأويلًا يوافق قضايا العقول قبلنا روايته وتأولناه على موافقة العقول"٢. ٣- كلام الجويني "٤٧٨ هـ": قال في باب القول في "السمعيات": "اعلموا -وفقكم الله تعالى- أن أصول العقائد تنقسم إلى ما يدرك عقلًا، ولا يسوغ تقدير إدراكه سمعًا، وإلى ما يدرك سمعًا، ولا يتقدر إدراكه عقلًا، وإلى ما يجوز إدراكه سمعًا وعقلًا؛ فإذا ثبتت هذه المقدمة، فيتعين بعدها على كل معتن بالدين واثق بعقله أن ينظر يما تعلقت به الأدلة السمعية؛ فإن صادفه غير مستحيل في العقل، وكانت الأدلة السمعية قاطعة في طرقها، لا مجال للاحتمال في ثبوت أصولها ولا في تأويلها، فما هذا سبيله، فلا وجه إلا القطع به. وإن لم تثبت الأدلة السمعية بطرق قاطعة، ولم يكن مضمونها مستحيلًا في العقل، وثبتت أصولها قطعًا، ولكن طريق التأويل يجول فيها؛ فلا سبيل إلى القطع، ولكن المتدين يغلب على ظنه ثبوت ما دل الدليل السمعي على ثبوته وإن لم يكن قاطعًا.

стр. 67

وإن كان مضمون الشرع المتصل بنا مخالفًا العقل؛ فهو مردود قطعًا بأن الشرع لا يخالف العقل، ولا يتصور في هذا القسم ثبوت سمع قاطع"١. فبين ﵀ ما يقبل من النقل والسمع وما يرد، وما يتأول، وبين في كتاب "لمع الأدلة" أن النقل يقبل إذا كان مضمونه مما يجوز في العقل فقال: "كل ما جوزه العقل، وورد به الشرع، وجب القضاء بثبوته"٢. كما أوضح في "الشامل" أنه لا يتحتم عليهم تأويل كل حديث ورد مخالفًا للعقل؛ وإنما يجب عليهم تأويل الأحاديث التي توجب العلم وهي المتواترة، بخلاف الآحاد. قال: "وليس يتحتم علينا أن نتأول كل حديث مختلف، كيف وقد بينا أن ما يصح في الصحاح من الآحاد لا يلزم تأويله، إلا أن نخوض فيه مسامحين، فإنه إنما يجب تأويل ما لو كان نصًا لأوجب العلم"٣. ٤- كلام الغزالي "ت ٥٠٥ هـ": قال بعد أن قسم ما لا يعلم بالضرورة إلى: ما يعلم بدليل العقل دون الشرع. وإلى ما يعلم بالشرع دون العقل، وإلى ما يعلم بهما. ثم كلما ورد السبمع به ينظر: فإن كان العقل مجوزًا له، وجب التصديق به قطعًا، وإن كانت الأدلة السمعية قاطعة في متنها ومستندها لا يتطرق إليها احتمال. وأما ما قضى العقل باستحالته، فيجب تأويل ما ورد السمع به، ولا

стр. 68

يتصور أن يشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول. وظواهر أحاديث التشبيه أكثرها غير صحيحة، والصحيح منها ليس بقاطع؛ بل هو قابل للتأويل. فإن توقف العقل في شيء من ذلك فلم يقض فيه باستحالة ولا جواز، وجب التصديق أيضًا لأدلة السمع؛ فيكفي في وجوب التصديق انفكاك العقل عن القضاء بالإحالة، وليس يشترط اشتماله على القضاء بالجواز١. ثم بين أن هذا القسم غير جائز اعتقاد ما جاء به في حق الله تعالى لتوقف العقل فيه؛ وإنما يجوز في حق الله ما دل العقل على جوازه؛ فقال: "وبين الرتبتين فرق ربما يزل ذهن البليد حتى لا يدرك الفرق بين قول القائل: أعلم أن الأمر جائز، وبين قوله: لا أدري أنه محال أم جائز، وبينهما ما بين السماء والأرض؛ إذ الأول جائز على الله تعالى، والثاني غير جائز، فإن الأول: معرفة بالجواز. والثاني: عدم معرفة بالإحالة، ووجب التصديق جائز في القسمين جميعًا"٢. ٥- كلام فخر الدين الرازي "ت ٦٠٦ هـ": وضع الرازي ما يسمى بالقانون الكلي، الذي يرجع إليه عند تعارض العقل والنقل -بزعمهم، وإلا فإن النقل الصحيح لا يعارض العقل الصريح- فقال في كتابه الموسوم بأساس التقديس: "الفصل الثاني والثلاثون: في أن البراهين العقلية إذا صارت معارضة بالظواهر النقلية فكيف يكون الحال فيها؟. اعلم أن الدلائل القطعية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية

стр. 69

يشعر ظاهرها بخلاف ذلك؛ فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة: ١- إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل. فيلزم تصديق النقيضين وهو محال. ٢- وإما أن يبطل، فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال. ٣- وإما أن يصدق الظواهر النقلية، ويكذب الظواهر العقلية، وذلك باطل؛ لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية، إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته. وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول ﷺ ، وظهور المعجزات على محمد، ولو جوزنا القدح في الدلائل العقلية، صار العقل متهمًا غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة، فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل، يفضي إلى القدح في العقل والنقل معًا، وأنه باطل. ولما بطلت الأقسام الأربعة١ لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال: ١- إنها غير صحيحة. ٢ أو يقال: إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها. ثم إن جوزنا التأويل واشتغلنا به على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم يجز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى؛ فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جمع المتشابهات٢. وقال أيضًا في شروط إفادة الدليل اللفظي اليقين:

стр. 70

مسألة: الدليل اللفظي لا يفيد اليقين إلا عند تيقن أمور عشرة: ١- عصمة رواة مفردات الألفاظ. ٢- وإعرابها. ٣- وتصريفها. ٤- وعدم الاشتراك. ٥- والمجاز. ٦- والنقل. ٧- والتخصيص بالأشخاص والأزمنة. ٨- وعدم الإضمار والتأخير والتقديم. ٩- والنسخ. ١٠- وعدم المعارض العقلي الذي لو كان لرجح عليه؛ إذ ترجيح النقل على العقل يقتضي القدح في العقل المستلزم للقدح في النقل؛ لافتقاره إليه، وإذا كان المنتج ظنيًا فما ظنك بالنتيجة؟ ١. وبنحو هذا قال الإيجي "٧٥٠ هـ" أيضًا٢. ومن الأشاعرة المعاصرين يقول د. محمد سعيد رمضان البوطي: "ولكن الصحيح نفسه يرقى في درجات متفاوته، تبدأ من الظن القوي إلى الإدراك اليقيني؛ فإذا كانت السلسلة التي توفرت فيها مقومها الصحة مكونة من آحاد الرواة الذين ينتقل الخبر بينهم فهو لا يعدو أن يكون خبرًا ظنيًا في حكم العقل.

стр. 71

فأما الظني من الخبر الصحيح فلال يعتد به الحكم الإسلامي في بناء العقيدة؛ لأنه إنما يفيد الظن، ولقد نهى القرآن -في مجال البحث في العقيدة- عن اتباع الظن"١. وهكذا نرى الأشاعرة في ماضيهم، وحاضرهم، يقفون من النقل والمسع موقفًا ليس لهم سلف فيه إلا المعتزلة. فقد جعلوا العقل أصلًا يرجع إليه، وجعلوا ما جاءت به الأنبياء تبعًا له؛ فما وافق عقولهم قبلوه، وما خالفها ردوه، أو تأولوه على مقتضى عقولهم. فهل هذا الموقف الذي اتخذه الأشاعرة من النقل بصفة عامة، ومن السنة بصفة خاصة، يؤهلهم لأن يكونوا هم أهل السنة؟ كيف وقد عد أهل العلم بالسنة من أهم ما يميز أهل السنة من أهل البدعة تقديم النقل والأثر والاحتكام إليهما؛ كما يقول أبو المظفر السمعاني: "وأعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو: مسألة العقل؛ فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الإتباع والمأثور تبعًا للمعقول. وأما أهل السنة قالوا: الأصل في الدين الإتباع، والعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول، لاستغنى الخلق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء"٢. وعدوا من أهم علامات أهل السنة أنهم عند التنازع يدعون إلى التحاكم إليها دون آراء الرجال وعقولها؛ بينما أهل البدع يدعون إلى التحاكم إلى آراء الرجال ومعقولاتها٣.

стр. 72

وهؤلاء -الأشاعرة- يقضي قانونهم الكلي الذي وضعوه، بالرجوع عند الاختلاف إلى العقل كما تقدم. فما جوزه قبل، وما اعتبره مستحيلًا وجب تأويله إن كان قطعي الثبوت، وإن كان ظنيًا اشتغل بتأويله على سبيل التبرع، أورد لعدم حجيته. وبذلك ردوا، وأولوا كثيرًا من نصوص الشرع، مما أفضى بهم إلى القول بقول الجهمية تارة، كما في مسألة الإيمان مثلًا، والقدر، ويقول المعتزلة تارة في نفي وتأويل بعض الصفات التي جاء بها السمع الصحيح. ولا نشتغل بذكر ذلك هنا؛ إذ سنبين موضعهم عند الكلام على وسطية أهل السنة بين طرفي الإفراط والتفريط، في كل باب إن شاء الله تعالى. وإنما اكتفى هنا بالإشارة إلى أن موافقتهم للمعتزلة في قضية العقل والنقل جرتهم غلى موافقتهم في كثير مما خالفوا فيه السلف من أهل السنة والحديث والأثر. وبعد هذا العرض لموقف الأشاعرة من قضية النقل، وما ترتب عليه من مخالفة السلف، وموافقة أهل البدع. يتبين لنا أن دعوى الأشاعرة أنهم أهل السنة دعوى عريضة لم يستطيعوا أن يدللوا عليها؛ فهم لم يلتزموا بها برروا به اعتبار أنفسهم أهل السنة والفرقة الناجية وهو زعمهم أنهم هم من بين فرق الأمة الذين على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه١. وأنهم يقبلون ما صح من سنته صلى الله عليه وسلم٢. فإنهم وإن قبلوا شيئًا من سنته ﷺ ، لم يقبلوه لكونه سنة يجب التسليم

стр. 73

لها؛ وإنما قبلوه لكون العقل دل على ما جاءت به السنة، بدليل أنه إذا كان النص وإن صح معارضًا للعقل -في نظرهم- لم يقبل، فإما أن يرد أو يؤول كما تقدم. ومن كان هذا حاله لا يكون من أهل السنة، وإن أصاب السنة كما جاء عن الإمام أحمد، إن صاحب الكلام لا يكون من أهل السنة وإن أصابها١. لأنه لم يستمد من السنة أو يتلقي منها ويسلم لها؛ فمن تلقى من السنة واستمد منها فهو من أهلها وإن أخطأ -أي: في فهمها، ومن تلقى من غيرها؛ فقد أخطأ وإن وافقها في النتيجة.

стр. 74

سادسًا: سلف الأشاعرة وموقف أهل السنة منهم سلف الأشاعرة: قبل أن أذكر مواقف أهل العلم من ادعاء الأشاعرة أنهم أهل السنة، أرى أن نتعرف على سلف الأشاعرة، وموقف علماء أهل السنة من السلف منهم. تشير المصادر التي بين أيدينا بما فيها كتب الأشاعرة أنهم -إلى أن سلفهم في مقالتهم هو عبد الله بن سعيد بن كلاب١، وأبو العباس القلانسي٢، والحارث المحاسبي٣.

стр. 75

يقول الشهرستاني "٤٧٩- ٥٤٨ هـ" -بعد أن بين أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون صفات الله من غير تفرقة بين الصفات الذاتية منها والصفات الفعلية: "حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي، وأبي العباس القلانسي، والحارث بن أسد المحاسبي. وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام، وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية، وبراهين أصوليه، وصنف بعضهم، ودرس بعض، حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه١ مناظرة في مسائل من مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما، وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة، فأيد مقالتهم بمناهج كلامية، وصار ذلك مذهبًا لأهل السنة والجماعة، وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية"٢. وكلام الشهرستاني يفيد صراحة؛ أن مذهب الأشعرية إنما تلتمس أصوله لدى جماعة من الصفاتية باشروا الكلام وأثبتوا الصفات من أمثال الكلابي، والقلانسي والمحاسبي٣. ويعتبر الأشاعرة ابن كلاب، إمام أهل السنة في عصره، ويعدونه شيخهم الأول فيقولون: "ذهب شيخنا الكلابي عبد الله بن سعيد إلى"٤. كما يذكرونه وكذا القلانسي في كتبهم مشيرين إلى أنهما من أصحابهم٥.
следующие страницы →