Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
العدد ١ - بتاريخ: ٢٤ - ٨ - ١٩١١
стр. 2
الكتاب والآداب
الحمد لله أودع الكتاب صوت الماضي وروحه بعد أن فنيت مادته وانعدمت ذاته فأصبح كحلم مضى وعهد انقضى انظر كم يشيد البناؤون من المدن والدور والهياكل والقصور والقلاع والحصون والساحات والصحون وماذا يوسعون فيها ويفسحون ويعلون من ذراها ويشرفون فما مسير كل ذلك وأين يذهب يغوله صرف الزمان وبيده طارق الحدثان ويلتهمه من الوقت بحر شديد الصولة على الإنسان وآثاره يسطو بها فيفنيها أو يكاد الله إلا شيئاً واحداً أعني الكتاب فإنه الخالد الباقي السالم على عواصف الدهر اللائح من خلال أمواج الزمن كخيال النجم في جوف المحيط.
أين أمة الأعراب - وصيدهم (ملوكهم) والقواد وأين أندلسهم وبغداد عصف الدهر بها إلا رسوما دارسات وطلولا داثرات ولكن أعمد إلى صحائفهم وافتح إحداها فهنالك العرب ومجدها والدولة وسؤددها تحي في تلك الصحف وتخفق وتتحرك وتكاد تنطق فلله من يرى شبراً من الورق يضم أمة ورجالها ودولة وأعمالها ويستوعب آراءها وأفكارها ونتائجها وآثارها فما أصغر الكتاب وما أكبر وما أعظم وما أحقر وما أضعف وما أقوى وما أفقر وما أغنى.
ويعجبني ما قاله أحد الحكماء إن مخلفات الماضي ثلاث المدن والمزارع والكتب وليست الكتب كالمدائن لا يبرح الدهر ينال منها ويتخون ولكنها أشبه بالمزارع إلا أنها مزارع ذهنية أو ما ترى الكتاب كشجرة روحانية تنمو على الزمن أصولها وتسمو فروعها وتطلع كل عام أوراقها الجديدة من الشروح والحواشي والانتقادات والردود وما إلى ذلك - فيا أيها القادر على إظهار كتاب لا تحسد الملك بأني المدن ولا الفاتح الغازي مخربها فأنت كذلك فاتح منصور مظفر ولكنك منصور على الضلال هازم للشر والباطل وأنت كذلك رب بناء ولكنه بناء أبقى على الزمن من الصخر والحديد والمرمر - بناء العقل ومدينة العلم وكعبة اليقين التي يحج إليها بنو البشر وسكان الأرض كافة.
والكتاب أيدك الله أكبر قوة لترقية المدينة والأخذ بيدها لأنك تراه مصدراً للعلم والعرفان ومنبعثاً لنور التقى والإيمان ولساناً يذيع حجة الحق وسلاحاً ينتصف من القوي للضعيف فأما أنه مصدر العلم فذلك لأنه متى حذق الطالب أوليات فن من الفنون وبلغ شأوا يدرك معه كل ما كتب في ذلك الفن فأي حاجة هناك إلى المدارس والجامعات إنما أستاذه اذذاك
стр. 3
الكتاب وكل بقعة صلحت وطابت سواء بين المائدة والسرير والروضة والغدير أو على ظهر الماء أو في ذروة شاهقة شماء فهي مدراسه وجامعته.
وأما أن الكتاب منبعث لنور التقى والإيمان فذلك لأن كل كتاب صالح إنما هو منبر تسمع منه داعى الخير وصوت الحق وخطيب الحكمة والموعظة الحسنة فأنت من كتابك الصالح في محراب ومسجد ومعبد وأنت منه بحضرة ملك كريم أجنحته تلك الصحائف المنقوشة وهل ترى الشعور الشريف بحلوه لك الكاتب الكبير في أكرم حلة من اللفظ فيدب في نفسك دبيب الغناء - إلا من قبيل العبادة وباب الصلاة والتسبيح: وهل ترى الشاعر يظهر لك من جمال زهرة البستان ما كان من قبل غامضاً عنك إلا دالا إياك على فرع من ينبوع الجمال الكلى وعلى سطر خطه القلم العلوي في صحيفة الوجود وحلية صاغتها يد الصانع الأكبر وآية جديدة من آيات الله تدل على أنه الواحد.
وأما أن الكتاب لسان لإذاعة حجة الحق وسلاح ينتصف به من القوي للضعيف فذلك لأن الكتاب صوت الشعب يحامي عنه وينافح ويعرب عن مطالبه ويبين عن حاجه ومآربه فهو برلمانه قبل البرلمان ودستوره قبل الدستور وما القلم في ذلك إلا خطيباً يسمع الشعب أجمع فهو لهذا قوة عظيمة وفرع من فروع الحكومة له شأن في وضع القوانين والشرائع وفي كل عمل ذي بال ومما لا شك فيه أن كل شعب لا محالة محكوم أو سيكون محكوماً بأرباب الأقلام من أبنائه وذوي الصوت من أهله.
والكتابة نوعان علمية وأدبية فالأولى ما كان أساسها الفحص والتنقيب للوصول إلى الأصول والنظر في الجزئيات لاستنتاج القواعد العامة كعلوم طبقات الأرض والطبيعة والكيمياء والطب والهندسة ما إليها وأما الثانية فهي ما كان محورها وصف الأشياء وصفاً يراعى فيه لذة القارئ قبل كل شيء ثم النصيحة والفائدة بعد ذلك ويكون الوصف من الدقة وحسن البيان بحيث يمثل لك الغائب حتى يقلب سمعك بصراً فإن كان الموصوف إحساساً أثار الوصف نفس هذا الإحساس في قلبك وإن كان شهوة هيجها بعينها في نفسك ولا بد من أن يكون الكاتب رجلاً عظيماً يبصر من أسرار الموصوف وبدائعه ما يخفي على معظم الناس فإن قدم لك الشيء أعارك عينيه لتبصر بها فأنت هو ما دمت تقرأ آياته وتتأمل معجزاته ومن هذا النوع الشعر منظومه ومنثوره والقصص والروايات والسير والتاريخ
стр. 4
والخطب والمواعظ وكلام المتصوفة وكل مارقق الكبد واهتاج الفؤاد.
ولقد ذاع في هذه الأيام بين العامة وأشباههم من الخاصة مذهب مأفون أن للعلميات الفضل الأول والمنزلة العظمى وإن الأدبيات قليلة القيمة عديمة الجدوى ذلك أن الأولى مثمرة للمال والثروة مجلبة للسعادة والرفاهية وما الأدبيات إلا ملهاة للعقول ومروحة للنفوس وما الشعر إلا داعية لعب وباعث طرب وإن ليست الفكاهات إلا حامل على السخف ومسقطة للمروءة - وقد فات هؤلاء أن للإنسان شعوراً كما أن له معدة وإن له روحاً كما أن له أنياباً وأضراساً وأنه يحتاج إلى غذاء مادي من الحنطة والبقول والحلوى وإن أقدس واجبات الإنسان وأول غرض خلق لأجله هو معرفة الله في مصنوعاته وذلك ما لا يكون حتى يكشف له الشاعر والكاتب عن بدائع هذه المصنوعات ومعجزاتها وإن الإنسان في الأرض كناسك في معبد وراهب في صومعة يقرأ في النجوم إنجيلاً وفي سطور الزهر توراة ويسمع في ترنم النسيم مزامير وفي تغريد الطيور زبوراً وليس الإنسان في هذه الأرض كالحيوان الأعجم لا شأن له إلا الخضم والقضم.
لشد ما أخطأ الناس معنى الحياة فحسبوا الحياة مجرد الوجود وإنما هي لعمري الشعور والفهم والتمييز وإن يجعل الإنسان عقله ميزاناً يزن الخير والشر وإن يشعر نفسه الصدق والكرم والحياء والعفة والإخلاص والتقى واليقين.
ولا ننكر أن في الماديات شيئاً من النعيم وإن الرجل الذي تنتهي آماله في المعدة وتقف مآربه عن الحلق ولا تطمح روحه إلى ماوراء ستار مزركش أو سقف مزخرف ينعم بنوع من اللذة ولكني أحسب الإنسان فوق ذلك: قال أحد المزاح: لا ريب في أن المرتب الضخم لذة كما من اللذة أن يدعم الإنسان عيشه بأساس متين من الذهب ومن اللذة أن يكفي المرء حاجه ويروح بعيشة راضية ونعمة فسيحة ومن اللذة أن يتكئ المرء في كرسي الوظيفة ويقبض ألفا في العام ولا ريب في أن اللحم والفاكهة والسمك تقوي البنية وتبعث في الوجه حمرة العافية ولكني مع ذلك أرى أن النصب في ابتغاء المجد الصحيح أشهى والفقر في طلاب الحق أعذب وأحلى.
ما سرني اللؤم والغضارة في العي - ش بديلا بالمجد والقشف
أجل هناك مطمحاً وراء حشو المعدة وتلبية الشهوة والناس الآن أحوج ما يكونون إلى
стр. 5
نهضة أخلاقية نتيجة نهضة أدبية فلقد أوشك الإنسان كما قال أحد المزاح أن يقع في المعدة حتى أصبح من الواجب أن يرجع إلى مكانه من العقل ويثوب إلى مثابته من القلب. وأصبح الأمر الأهم والمسألة الكبرى النظر في شرف الإنسان وعظمته وذلك مالا يكون إلا بالشاعر وكاتب الأدب.
الآداب مصدر المدنية الصحيحة والشعر مبعث الشرف والعظمة ومن ثم كانت الآداب إحدى حاجات الأمم وكان الشعر أمنية الروح ومطمح الأنفس ومن ثم كان الشعراء أول أساتذة العالم ومن ثم وجب أن ينفث الشعر في أفئدة الخلق وأن يترجم إلى العربية شعراء الغرب قديمهم وحديثهم وشعراء الفرس والديلم والهنود وتصب أبياتهم وأبيات العرب في روح هذا الشعب صبك الماء في المكان الجديب.
قال أحد كتاب الفرنسيس: من كان ينكر أن الآداب مصدر المدنية فليلق نظرة في إحدى إحصائيات السجون وإليك مثالاً: كان في سجن طولون عام ١٨٦٢ عشرة وثلاثة آلاف مجرما ألف وسبعمائة وتسعة وسبعون منهم كانوا أميين وتسعماية وأربعة لا يجيدون القراءة والكتابة ومائتان وسبعة وثمانون يقرأون ويكتبون وأربعون يعرفون شيئاً طفيفاً فوق الكتابة والقراءة فكان معظم هؤلاء الأشقياء من ذوي الحرف المنحطة الدنيئة وكان العدد يقل كلما سموت إلى الحرف المستنيرة حتى يصل لك الأمر إلى هذه النتيجة: كل من في السجن ذو مهنة منحطة إلا أحد عشر أربعة من باعة الجواهر وثلاثة من خدمة الكنائس واثنان من الأطباء وممثل واحد وموسيقي واحد ولا متأدب ولا أديب: هذا الدليل قاطع إذا كانت المدنية كما نفهم نحن هي رقي النوع عقلاً وخلقاً مع ما ينجم عن ذلك من الهناء والسعادة ولكن الماديين المتعصبين للعلميات الذين إن تسلهم عن المدنية قالوا إنما هي الكهرباء والفونوغراف والمنطاد والتلغراف لا يرون النعيم إلا في هذه الأشياء فهل خيل إليهم أن السعادة أمر لا يدرك إلا بالقطار والكمال غاية لا تبلغ إلا بالبخار أو حسبوا أن البالون يعرج إلى الجنة فيما يعرج: ولا يسعني في هذا المقام إلا ذكر كلمة للحكيم راسكين هي أبدع ما قيل في هذا الصدد قال:
أيظن الماديون أن الانتقال من مكان إلى آخر بسرعة مائة ميل في الساعة أو نسج الأقمشة بمقياس ألف متر في الدقيقة زائد في سعادة الإنسان فتيلاً أو قطميراً وكيف وأرض الله من
стр. 6
امتلائها بالطيبات والمحاسن بحيث لا يكاد المرء يلم ببعضها ماشيا الهوينا فماذا عساه يدرك منها طائراً بأجنحة البرق أو جامحاً في عنان البخار فلا يحسب الماديون أنهم استعبدوا الزمان والمسافة بمخترعاتهم فإن المسافة والزمن يأبيان بطبيعتهما الاستعباد ثم لا حاجة بالإنسان إلى استعبادهما إنما الحاجة والثمرة حسن تصريفها ومن ذا يرغب في تقصير الزمن والمسافة إلا أحمق فأما العاقل فيود لو طالت له المسافة والوقت نعم ويحب الأحمق أن يقتل الزمان والمسافة ولكن رغبة العاقل في أن يحرزهما ليحييهما وما السكة الحديدية إن فكرت إلا أداة يراد بها تصغير الدنيا ثم لا بأس على المرء إن كان حراً مخلصاً أن يسير على مهل لأن مجده ليس في السير إنما هو في العمل فإذا قال قائل القطار نافع لأنه يعيننا على نقل العلم والعرفان إلى الأمم المتوحشة قلنا له قد صح قولك لو كان لديك علم ينقل أما إذا لم يكن لديك سوى السكك الحديدية والبخار والبارود فماذا تصنع أتزعم أنك تريد نشر الدين بين التوحشين. ولو كان ذلك غرضك لقد أمكنك تنفيذه بلا بخار مدة ألف وثمانمائة عام أي منذ ظهور النصرانية إلى وقت اختراع القطار غير أني رأيت أحسن التعليم الديني ما أحدثه أهله على القدم ولعل القدم في مثل هذا الأمر أسرع من القطار. أو تزعم أنك تريد تعليم المتوحش العلم - علم الحركة والطعام والدواء - فهبك لقنته سر البخار فطار بعجلاته وسر الأكل فأجاد السلق والشي والخبز وسر الطب فعرف كيف يأسو الجرح ويجبر الكسر فماذا بعد ذلك؟ أتراك بعملك هذا قد أدنيت المتوحش خطوة من السعادة أو قربته قيد شبر من المدنية الصحيحة. كلا. بل إن أسباب السعادة أقرب إلينا من كل هاتيك الأشياء ولكنا لا نفقه ولا نبصر ووالله ما أبعدنا عن الصواب حين نحسب أن المدنية والسعادة هما في مناعم الخوان واللباس وفي ملاذ الصيد والسباق وفي مسرات الحفلات الليلية وما بها من الغناء الممل المضجر والملابس المثقلة المتعبة وفي التنافس في المنصب والسلطة والثراء والصيت وما أبعدنا عن الصواب وأضلنا عن الجادة حين نظن أن مثل هذه الحقائر هي مما يجوز لنا أن نفخر بإذاعته بين الشعوب المتوحشة والأمم البربرية.
ولعل المتوحش حين يتعهد غرسه ... ويجتذب على المحراث والمعول نفسه
ويصبو إلى حبيبه كلفا ويحن إلى عهد الصبا شغفاً ويملأ صدره رجاء ويتهل إلى ربه دعاء
стр. 7
أقرب إلى المدنية وأدنى إلى السعادة - فهذه هي أسباب الهناء ودواعي الصفاء وعلى عرفاننا بها وتعليمنا الناس إياها يتوقف نعيم العالم وسعادته فأما على الحديد والزجاج والكهرباء والبخار فلا.
وإني من حسن الظن وجميل الرجاء بحيث آمل أن يهتدي الناس يوما ما إلى هذه الحقيقة فإنهم قد التمسوا السعادة من جميع الوجوه إلا الوجه الصواب وضربوا في كل طريق إلا الطريق الأسد. وكأني بهم سيجربون الوسيلة الصحيحة والطريقة المثلى بطبيعة الحال إلا تراهم قد جربوا الحرب والتجارة ومظاهر الأبهة والفخامة وجربوا البخل والكبرياء والتحاقر والتصاغر وكل أسلوب للعيش وطريقة للحياة توقعوا من ورائها فضل الهناء والسعادة. وشموا من تلقائها رائحة الغبطة والنعيم - نعم وبينما هم يمتطون كل صعب في سبيل السعادة ويركبون كل عوصاء إذا بالسعادة قد أوجدها الله بمرأى عيونهم في سحب السماء. وبمنال الفهم في نبات الروضة الفيحاء وكثيراً ما رأينا الملك الجليل والسلطان الكبير قد كثرت عليه آفات الملك وفدحته أعباء الدولة فخرج هارباً على وجهه ثم ما لبث أن وجد المملكة العظمى والراحة الكبرى في قيراطة من الأرض وذراع من الظل ولكن الإنسان لم يصدق ذلك وما يزال يضرب صفحاً عن السحاب ويقتلع النبات يقيم مكانه الصانع والمداخن ويطلب السعادة من غير وجهها حتى عثر أخيراً على العلوم الطبيعية فحسب ضلة وخطأ أن السعادة في مكتشفات الكيمياء ومخترعات الطبيعة فشحن السحاب في الأوعية الحديدية وأرسلها تجري مجرى السحاب واستخرج من النبات خيوطاً فنسجها ثياباً له جيدة رخيصة وظن أن هذه هي السعادة - ظن أن المسير بسرعة السحاب ونسج كل شيء من أي شيء منتهى الهناء والنعمة.
ولما كذبت في ذلك أيضاً ظنونه ورأى أن السعادة ما زالت منه كأبعد ما كانت أصبح يفتش عن غلطة جديدة يرتكبها ولكني أحسب أنه قد استنفد في هذا الأمر جميع الغلطات فلا غلطة هناك بعد فأما وقد نفدت حيله وعلم أنه لا فرق بعد الاعتياد بين السير الحثيث وبين البطيء وأنه ليس في استطاعة مصانع مانشستر وما تخرج من الأقمشة والثياب أن تكسب الإنسان راحة النفس ورخاء البال فرجائي أنه سيعلم بعد ذلك أن الله ما صبغ حواشي السحاب وألبس السندس مناكب الغاب إلا ليسعد الإنسان برؤية الخالق في آثاره وبتنفيذ
стр. 8
أوامره تعالى من نشر الأمن والسلام وبث الخير والبر بين جميع مخلوقاته على السواء وليس إلا بهذا يبلغ الهناء وتدرك السعادة.
هذا مذهب راسكن ومذهب كل مؤمن بالله طاهر النفس صادق النظر بعيد الرأي شغلته محبة الله عن حب ذاته وصرفته دواعي المروءة والبر والرحمة عن خدمة الشهوات وإطاعة الأهواء ورأى في عجائب الكائنات وروائع الأرضين والسموات مندوحة عما يشغل الجهلة الأغرار من زخرف الدنيا وزبرج الحياة ولعبات الأطفال والصبية: ولعل في كل إنسان مقداراً من الإيمان صغيراً أو كبيراً بحسب فطرته تبديه التربية الحسنة والتفقيه في الدين وعلوم الأدب وليس أبعث لهذا الإيمان من الشعر الكريم الفاضل فإن نفس الحر لتشعر بشغف عظيم إلى أشياء مجهولة ومعاني مبهمة وتحن حنيناً شديداً إلى روح ذلك الجمال الخفي فهي كالأعمى الذي يعشق الحسان من غيران يراها ولا تزال تتلهف على ذلك السر الغريب وتهيم حتى ينشد الشعر الرائع النفيس فيجلو عمى النفس فتبصر الجمال الغريب الذي طالما اشتاقته ونزعت إليه: هذا الجمال هو أثر الله الذي لا تخلو منه ذرة من الوجود والذي يراه أهل اليقين وذوو القلوب المبصرة والذي قد كان يراه الجهلة الكفار الأغبياء لولا ما ضرب الشيطان (حب الذات) على قلوبهم وأبصارهم ويعجبني جداً ما قاله الحكيم الإنكليزي وليم هازلت في هذا الموضوع
من فضل التربية الأدبية إنها تلطف الحسن وتهذب الذوق وتفسح مدى النظر وتبعد مسافة الرأي وتعود النفس أن تعني من شؤن الخلق وأحوال العالم بمثل ما تعنى به من شؤنها وأحوالها وأن تحب الفضيلة لذات الفضيلة وأن تؤثر المجد على الحياة والشرف على الغنى ومن فضل التربية الأدبية أنها تبعث أفكارنا إلى ما بعد عن مدارك البشر من معاني الجمال ونأى عن مشاعر الخلق من آيات الشرف والجلال فتعقد الصلة بين نفوسنا وبين أسرار الأبد وتمزج أرواحنا بروح الله ومن فضلها أن تنزع الجبن من قلوبنا وتسل من أفئدتنا مهابة الملوك والجبابرة فتعتق رقابنا من رق الخضوع للسلطة الظالمة والألقاب الكاذبة.
نعم إن بالنفس الإنسانية مهما كانت نزعة إلى الجمال أينما كان وحنينا إلى أن ترى عيشاً نعم مما يكون عادة في هذه الدنيا وحياة ألذ وسنة أعدل ونظاماً أكمل والإنسان لا يزال يتمنى الأماني العذبة ويحلم الأحلام المعسولة ثم لا يجد إلا حقائق مرة ونتائج سيئة وأحوالاً
стр. 9
كريهة فيصبح لذلك من نفسه في سجن وظلمة وفي كرب وغمة فمن له بمنقذ من ذلك الحبس والوحشة وكاشف لذلك الضيق والغصة ومن له بمن ينقل ذهنه إلى عالم مصور من اللذة والنعيم والصفاء والرخاء لا سنة فيه إلا العدل والإنصاف تثاب الفضيلة فيه أحسن الثواب ويحل بالرذيلة أنكل العقاب من للإنسان بذلك إلا القصصي والشاعر ألا ترى الطفل إذا فرغ من آفات النهار ومكارهه زحف في العشاء إلى أمه أو أبيه أو جديه يسألها حكاية أو قصة ثم يراها مهما حقرت مملوءة باللذائذ والرجل يأتيك يستعير منك رواية يقرأها أعني يستعير منك بضع ساعات يتحول أثناءها شاعراً يصور الأمور والأحوال كما ينبغي أن تكون لا كما هي كائنة أو ما ترى الرعاع والغوغاء يذهبون أفواجاً أفواجاً ليسمعوا من المحدثين أقاصيص عنترة وأبي زيد وكيف يذوبون رقة وصبابة عند أحاديث الحب والغرام وتغرورق عيونهم عند ذكر الأشجان وسماع المراثي وتحمى الدماء في عروقهم عند الحماسيات والمفاخر ألا ترى الموسيقى الذي هو شعر الأفئدة لا يصدح بمكان حتى يعود كعبة القصاد ومنهل الوراد فبربك أيها العود ماذا تقول وبماذا تحدث القلوب حتى تنصاع إليك هذا الانصياع وتسرع نحوك هذا الإسراع وبربك أيها الصوت الرخيم من أين جئت حتى كان لك من اللذة في الروح مالم يك لشيء غيرك فلا شيء في هذه الدنيا كلذتك إنما تلك لذة قدسية تصف لنا نعيم الجنة.
ولقد سمي أدباء العرب أمتع الشر وألذه المرقص وما عدوا في ذلك عين الصواب فإن الشعر الجميل ضرب من النغم لا يكتفي بأرقاص الأعضاء حتى يرقص أجزاء النفس بعد إذ هي جامدة فتنطلق انطلاقاً لا تعود قط بعده إلى حالها الأولى من الجمود وما من إنسان إلا وفي طبعه ميل إلى عالم الجمال واللذة أعني إلى عالم الشعر والقصص وهذا الميل يشتد في ذوي الأمزجة الحارة حتى يكون غليلاً فأما أن يروي من مناهل الرواية والنظم وإلا نزع بصاحبه إلى مواطن الإثم والجريمة أو طوح به في مهواة الجنون وهذه حقيقة لا نعلم كيف يقف أمامها الماديون القائلون بأن الشعر والأقاصيص ومحدثات الخيال آخذة في الاضمحلال مشفية على الانقراض: رأي فائل ومذهب باطل لا نرى في تفنيده أبلغ من الكلمة الآتية لفيكتور هوجو وبها نختم هذا المقال الذي قد تنفي عظاته ما يحدث طوله من الملال.
стр. 10
يزعم الكثيرون ولا سيما سماسرة الأسهم والسياسيون أن الشعر يتلاشى ويضمحل فهذا كقولهم أن جمال العالم يتلاشى ويضمحل وأن الرياض قد خلعت وشي برودها وحلى ورودها وأن الشمس قد أضلت مشرقها بعد أن فقدت رونقها وأنك قد تجوب جنات الأرض فلا يباسمك ثغر إقحوانة ولا يفغمك عبق ريحانة وإن القمر قد قوض خيام نوره بعد أن طوى أطناب شعاعه والبلبل قد وجم بعد طول ترتيله وتسجاعه وإن الليث قد خرست زماجره وقلمت أظافره والنسر قد هيض جناحه وكف طماحه والسحاب قد حبس ودقه وأطفأ برقه وإن البطون قد ضنت بالحسن والمليح وجادت بالسيء والقبيح فلست ترى وجهاً جميلاً أو طرفاً كحيلاً أو خصراً نحيلاً أو خداً أسيلا وإن الرأفة ضاعت فلست ترى باكياً على قبر أو واقفاً بطلل تفر يبكي عهود الأحباب والحبائب ومنايا الأصحاب والأقارب وإن الحنان قد زال فلا أم ترأم ولدها ولا ابنة تجب والدها وإن المروءة قد قضت نحبها وأسلمت الإنسانية رمقها.
стр. 11
تاريخ الإسلام
مقدمات
المقدمة الأولى
قدم التاريخ - التاريخ فطرة في الإنسان - ماهو التاريخ - الطريقة المثلى في التاريخ - أركان التاريخ - عطمة التاريخ الإسلامي - واجبات مؤرخ الدين - ما هو التاريخ الإسلامي - طريقتنا في تاريخ الإسلام - ماذا نقصد إليه من تاريخ الإسلام - المصادر التي اعتمدنا عليها في تاريخ الإسلام -
التاريخ علم قديم وجد مع الإنسان وليست أمة في أقصى غايات التوحش إلا عالجت إثبات تاريخها على حين أنها من الجهل بالحساب بحيث لا يمكنها أن تعد خمساً - وقد كتب الأقدمون التاريخ بالخيوط الملونة وبالريش المجعول في شكل صور وبالخرز والصدف وبالحجارة أهراماً وهياكل - ذلك لأن الزنجي والرومي والأصفر والأحمر كلهم يعيش بين أبدين ويخشي إذا ما مات أن يمسح الدهر ذكره ويمحو البلى أثره فلذا تراه يبذل الجهد في إثبات عهده في صحيفة الوقت وعقد طرفي سيرته بالماضي والمستقبل.
ولعل ملكة التاريخ فطرة في الإنسان فكل إنسان مؤرخ ألا ترى أن ذاكرة المرء إنما هي صفحة تاريخ مشحونة بالأخبار والروايات بعضها للأفراح وبعضها للأتراح وشطرها للفوز وشطرها للخيبة فكأن في كل نفس دولة قد سجلت في لوح الحافظة حظوظها من سعد ونحس وحالاتها من بؤس ونعيم وشؤنها السياسية خارجية وداخلية - وهل ينطق أغلب الناس إلا ليقصوا ويحكوا ويلقوا عليك لا ما جادت به قرائحهم بل ما لاقوا وما جربوا وما قاسوا وما كابدوا ثم تصور ماذا يكون لو حيل بين الناس وبين حكاية الحوادث وذكر الأخبار والنوادر إذن لجفت أنهار الحديث ونضبت عيون القول وعاد الكلام خطرات تخطر بين ذوي الألباب من حين إلى حين وتلاشي بتة بين العامة وأشباه العامة وكذلك ترى أن كل أعمالنا تاريخ وكل أقوالنا تاريخ.
وكذلك ترى أن علم التاريخ أي علم معرفة الحوادث الجسام وما أثرت في أحوال البشر من أجل العلوم قدراً وأردها نفعا وهو في عصرنا هذا أجل منه وأرد في سائر العصور لأنه لما كان الأقدمون أقل علماً وفلسفة وأكثر سذاجة وقوة خيال كان التاريخ عندهم مجرد سرد
стр. 12
المدهشات واقتصاص الأعاجيب لا يتوخى في ذلك سوى اللذاذة وتفكهة النفس أما الآن فوظيفة التاريخ هو التعليم في قالب حلو شائق وعرفوه بأنه الفلسفة تعلم الناس بالمثال والتجربة في أسلوب جميل وكذلك ترى أن أكبر صفات المؤرخ أن يجمع بين ملكتي الخيال والحكمة أي أن يكون شاعراً وحكيماً معاً حتى يأتي كلامه فلسفة في صورة قصص خلاب يأخذ بمجامع القلب فإن استبدت فيه قوة الخيال خرج قوله خرافة وإن ذهبت به ملكة الفلسفة جاء كلامه نظرية وكلاهما انحراف عن المحجة
ولقد درج المؤرخون قديما وفي الحديث على أن يقصروا كلامهم على الأمراء والقواد وما يكون في قصور الملوك ومواطن الحروب كأن ذلك هو كل ما يوجد في أرض الله الطويلة العريضة وكأن ليس في العالم إلا القواد والملوك وإلا حفلات القصر الملوكي ودسائس البلاط وإلا صليل السيوف وصهيل الخيل وقعقعة المدافع وإراقة الدماء وغاب عنهم أن بعيداً عن هذه المواطن يتدفق نهر الفكر وبحر الإنسانية الطامي في مجراه العجيب طوراً في ظلمة وتارة في ضياء وانتصر الجيش أو انهزم ونجحت المكيدة أو خابت كل ذلك عنده سواء وأن هنالك عالما من الإنسانية يزهر وينضر ويثمر في شمس السعادة والرخاء أو يصوح ويذبل ويموت في ظلمة البؤس والشقاء فمن اللائق بالمؤرخ النافع ولا سيما في هذه الأجيال أن ينصرف عن وصف الأفراد ونعت ماكان من الحوادث ليس له الأثر العظيم في تعديل هيئة المجتمع وتحوير حاله - إلى وصف المجتمع نفسه وتحليل أجزائه وفحص مكينته حتى يصبح القارئ منه كالذي ينظر إلى دخيلة مكينة ساعته لا كالذي يظل من ذلك على جهل ويكتفي بسماع الدقات.
والحق أقول أن من دقق النظر وجد أن أجهر الحوادث التاريخية صوتاً وأعظمها جلبة ليس في الحقيقة شيأ وإنما أخطر الحوادث وأشرفها ما وقع في سكينة وصمت فإن الشجرة العظيمة تحطم فتدوي لهول مصرعها أنحاء الغابة وتبذر كف النسيم ألف حبة فلا تحس لذلك أدنى حركة وكذلك الحروب والوقائع وضجيج الفوارس وقعقعة السيوف تصم الآذان ساعة كونها وتدير كأس الفوح فريق وقدح الغم على آخر ثم لا تلبث أن تزول كأنها لم تكن فهي كالأعراس والمآتم.
* سحائب صيف عن قليل تقشع *
стр. 13
وبعد فعلى المؤرخ إذا أراد أن يكتب تاريخاً نافعاً أن يطرقه من جميع أبوابه ويتسرب إليه من سائر وجوهه وهي (١) الوجه السياسي وهو ذكر إدارة الحكومات وعلاقاتها من حروب ومعاهدات و (٢) الوجه الديني وهو أهمها من حيث أنه يهمنا من صلاح سريرة الإنسان وطهارة نفسه أكثر مما يهمنا من صلاح جسمه وصحة علانيته لأن الأصح جسماً لا يعدو كونه الأشد قوة وأمناً والأمن والقوة وحدهما ليسا من الخير المحض والسعادة الصريحة في شيء إنما الخير المحض في التقى والإيمان وكذلك كان الأمر الأهم للإنسان هو العقيدة التي يراها ما يرجى أن يبلغ من مراتب الفضل في الدين لا مذهبه السياسي ومبدأه الحكومي وعلى المؤرخ الديني إذا أراد أن يبلغ الغاية أن يعدل بنظره عن مصطلحات الملل والنحل وظواهرها إلى أعماق سرائر الناس يستشفها من وراء أعمالهم وأقوالهم فيعلم في ارتقاءهم أم في هبوط وانحطاط و (٣) الوجه الفلسفي وهو آراء الإنسان ونظرياته في ماهية خلقه وخلُقه وفي صلته بالكون الظاهر والخفي - وهذا النوع من التاريخ إذا صلح فرع من التاريخ الديني لأن الدين والعبادة جسم يجب أن تكون روحه الفلسفة وقدماً كان الفيلسوف والكاهن رجلاً واحداً: ولكن الفلسفة قد انحرفت عن هذا الطريق وما كان بين المؤرخين من عمل على تقريب المسافة بين المذهبين حتى أصبحت عبادة آيات الله (الدين) وفحص آيات الله الفحص العلماني (الفلسفة) يسيران في منهجين متباينين و (٤) الوجه الأدبي والشعري وهو تأثر الإنسان ببدائع صنع الله من حيوان ونبات وجماد وكيف يتغير هذا التأثر بتغير الزمان والمكان وكيف أثر في النفوس والطباع رقة وتهذيباً وتثقيفاً وتنويراً وما حدث عنه من التطورات والانقلابات والثورات وكيف أن وجود الشعر والأدب وغيرهما من الفنون الجميلة في أمة ما كان يهذبها ويرفعها ويقربها درجات من الله ومن عيشة الملائكة وإن عدم وجوده كان يضع الأمة ويتركها تدب كالحشرات على مساحف الجهل في هواء ملم قفر من النغم والألحان: ويلي ذلك الوجه التشريعي وهو ما يبحث في وضع القوانين والشرائح وهيئات الحكومات ثم الوجه الطبي والرياضي والفلكي والتجاري والصناعي - هذه هي أركان التاريخ الصحيح التي يجب على من يتعرض لتاريخ أمة من الأمم أن يوفيها حقها من البحث والتحليل وإلا فليس هناك تاريخ وإنما هي أرقام وتقويم أيام.
стр. 14
نعم وإذا كانت الأمم تتفاوت في الأولوية بهذا الواجب فأولى الأمم بذلك وأجدر هي تلك الأمة الحافل تاريخها بالعبر والعظات والأعاجيب والمدهشات تلك الأمة التي أسست على أعظم دين نبغ في هذه الأرض وقام للشرائع والعلوم والآداب فيها دولة بل دولات تلك الأمة التي تحسر دون عظمتها الظنون وتفحم بنعتها قرائح الشعراء وتخرس عن العبارة عنها شقاشق الخطباء ويركع أمام هيكل تاريخها المقدس أكبر المؤرخين إعظاماً وإكباراً تلك الأمة بل الأمم الإسلامية التي. . . آه يا رب ماذا أقول لا أقول إلا أني لا أقول فالصمت أبلغ ما يكون في مثل هذا الموقف الرهيب تاريخ الإسلام كله مفارقات ضحك وبكاء ويأس ورجاء وقرب ومنعة وضعة ورفعة وعلم وجهل وحزن وسهل ونعيم ورخاء وبؤس وشقاء وتعاليم صحيحة سماوية في أعلى عليين وتعاليم فاسدة أرضية في أسفل سافلين.
تاريخ الإسلام عظيم - عظيم جداً - وعلى عظمته هذه لم يكتب فيه مؤرخ عظيم وإني يكون ذلك والقائل فيه أما مسلم أي متعصب للإسلام أو غير مسلم أي متعصب عليه وكلاهما لا يمكن أن يكون منصفاً أي عظيماً أي عظيما ويعجبني ما قاله المؤرخ الحكيم ارنست رنان في مقدمة تاريخ السيد المسيح: يجب على الذي يتصدى لتاريخ دين من الأديان أمران (الأول) أن يكون قد آمن به أولاً وإلا فإنه لا يفهم شيئاً من محاسنه ولا يدرك ما فيه من مطمنات النفوس ومرضيات الضمير البشري (الثاني) أن يكون قد صار ممن لا يؤمنون به إيماناً مطلقاً من غير شرط ولا قيد: لأن الإيمان المطلق لا ينطبق على العلم والتاريخ لكونه يوجب التسليم والعلم والتاريخ لا يعرفان تسليما: (وبعد) فلقائل أن يقول ما هو التاريخ الإسلامي وماذا تعني به وماذا عسى أن تقول فيه وماذا تقصد إليه من التعرض له وما هي المصادر الذي ستعتمد عليها فيه - فجواب ذلك ما يأتي
التاريخ الإسلامي هو تاريخ الأمم الإسلامية جميعاً على اختلاف صنوفهم أي تاريخ العرب والفرس والترك والديلم والبربر (المغاربة) والسود والقبط (المصريين) ومن إليهم وذلك يستدعي تاريخ مؤسس هذه النهضة العظيمة السيد الرسول ﵇ والنظر في حياته الطاهرة وشمائله والربانية وما جاء به من التعاليم السماوية نظرا فلسفياً دقيقاً وذلك يستدعي النظر في حال العرب قبل الإسلام ولاسيما قريش الذين بينهم ظهر الإسلام وسطع
стр. 15
نوره وذلك يستدعي النظر في الأديان عامة وأديان العرب خاصة وذلك يستدعي القول في التاريخ وما هو والطريقة المثلى فيه فكان لذلك ما رسمناه لنفسنا أولاً وهو أن جعلنا التاريخ الإسلام ثلاث مقدمات (الأولى) في التاريخ وماهو (الثانية) في الأديان وتاريخها ونظرة فلسفية فيها (الثالثة) في العرب وقريش وصفة مكة وجزيرة العرب ثم كسرنا التاريخ بعد ذلك على كتب وكل كتاب على فصول - أما طريقتنا في التاريخ الإسلامي فهي العمل بما أسلفنا القول فيه من شرح الشؤون السياسية والدينية والأدبية والفلسفية والتشريعية لكل عصر عصر من العصور الإسلامية مع الإشباع والتطويل والتزام خطتي العدل والإنصاف - أما ما نقصد إليه من التعرض لتاريخ الإسلام فاعلم أيها الناظر في كلامنا أن لكل قائل في التاريخ أحد غرضين إما تدوين الحوادث التاريخية كما هي لا لغرض سوى طلب الفن لذاته وأما إصلاح الجمعيات الإنسانية بما يتضمنه التاريخ من العبر والعظات وجميل المثلات حتى يكون الغابر مزدجرا للحاضر وفي الماضي لمن بقي اعتبار أما نحن فغرضنا من القول في التاريخ الإسلامي الأمران معاً أي ذكر حوادث التاريخ الإسلامي كما هي وتوخي الحقيقة فيها جهد الاستطاعة وتذكير الأمم الإسلامية الحاضرة بماضيهم وما فيه من مجد وسودد وتدهور وانحطاط وما في ديننا من آداب عالية هي أرقى ما يصل إليه العقل البشري وما طرأ عليه من التحريف ودخل من التعاليم الفاسدة التي ليست من الحقيقة في شيء - علّ في ذلك تذكرة لمن تذكر وتبصرة للمبصرين - أما المصادر التي سنعتمد عليها في التاريخ الإسلامي فهي مصادر عدة (١) القرآن الكريم (٢) الأحاديث الصحيحة (٣) كتب الفقه وأصول الفقه (٤) كتب السير والتاريخ (٥) كتب الأدب كالأغاني واضرابه (٦) كتب فلسفية وأخلاقية قديمة وحديثة (٧) مقالات ورسائل شتى في موضوعات مختلفة (٨) كتب تقويم البلدان (٩) الرحلات (١٠) العقل أي الميزان الذي يوزن به غث القول وسمينه والمجس الذي يجس به صحيح المعنى وعليله.
هذه هي طريقتنا في تاريخ الإسلام وموعدنا لمقدمة الأديان العدد الآتي إن شاء الله
стр. 16
الفكاهات والملح
التطفيل
سئل رجل أي الشراب ألذ فقال ما لم تبذل فيه درهما. وكم في الناس مثل هذا الرجل ممن تتنازعه الرغبة من جهة والبخل من جهة وكلم فيهم الفقير الذي تدفعه الشهوة إلى ما في أيدي الغير ثم لا يزعه حياء ولا تردعه عفة.
قال رجل لآخر أراد سفراً إن لكل رفقة كلباً يشركهم في فضلة الزاد فإن استطعت أن لا تكون كلب الرفاق فافعل.
على أني طالما عجبت ورأيت الناس يعجبون للبخيل الشحيح أو المسكين العديم الكسب كيف تراه حسن الجال يروح ويغدو بظاهر كالمرآة مجلو وباطن كالمخلاة مشو وكيف يحتال إلى معاشرة الأغنياء ويتلطف حتى يخلص إلى موائدهم ويفضي إلى عقد أكياسهم فلعلها صناعة دقيقة ومطلب عويص وسر لم يهتد إليه إلا القليلون من ذوي الحذق والذكاء. فكم من أناس حاولوا هذه الغاية فأخفقوا وأناس نجحوا في بادئ أمرهم فاستولوا على عدد عظيم من موائد الأغنياء ثم أدبر أمرهم وذهبت ريحهم فجعلت تلك الموائد تنفلت من أيديهم واحدة واحدة حتى أشفقوا على موائدهم العارية أن تزول وأصبحوا في الفقر وقلة الخير ينوحون على ما كانوا فيه من الكثرة والنعيم.
ولا أعلم في الطفيليين من هو أشد جرأة وأكبر أمنية من الأديب الذي يحسب أن منزلته من الأدب شفيع له عند صاحب المال وأنه يدفع من مجونه وأدبه ثمن ما يتناول من طعام الغني وذهبه بل لقد تبلغ من قحة ذلك الأديب أنه يشفع التسول بالكبرياء والتكفف بالتيه والخيلاء حتى كان له على الأغنياء حقاً يبغيه وديناً يقتضيه يفعل الأديب المتطفل ذلك مع من يستطيع خدعه من المنتسبين إلى الأدب فينزل نفسه منهم منزلة الأستاذ من الطالب ولكن هؤلاء قليلون فأما معظم أهل الترف من أعداء العلم والأدب الذين لا يميزون بين الشعر والشعير ولا يفرقون بين المعارف والمغارف فلا يجرأ المتطفل الأديب أن يبدي لهم حركة تنم إلا عن تأدب وخشوع وتواضع وخضوع.
وصناعة التطفيل فن دقيق كما قدمنا قد ينال جزء منه بالمزاولة ولكن لا ينبغ فيه إلا من خلقه الله طفيلياً بالفطرة وللفن قواعد كثيرة أهمها.
стр. 17
أولاً: أن تكون وقاحاً صفيق الوجه. تفاتح الناس الكلام بلا مناسبة ولا تستحي ويعرضون عنك احتقاراً واستنماجا لك فلا تخجل ولا ترعوي
ثانياً: الذلة وذلك أن تكون جباناً مهيناً لا نخوة لك ولا إباء ولا عزة فترضى معاشرة الغنى مع علمك أنه شفيه وله ساعات جهل وبطر ينحط فيها عليك بصنوف الإساآت وضروب الشتائم من غير علة ولا سبب وساعات يريد أن يضحك الحاضرين فلا يجد غيرك هدفاً للضحك وغرضاً للسخرية والطفيلي لا يرى في ذلك باساً ولا عاراً بل يحسب أن ذاك يزيده اتصالاً برب نعمته واستمكانا لمنزلته عنده ويقول لا جرم فإنه يدفع ثمن الضحك والشتم وأراني ساعة يملأ شدقيه ضحكاً أملأ جوفي طعاماً ثالثاً: أن تكون منافقاً متلمقاً. تظل ولا شأن لك إلا حمد كل ما يأتي به رب نعمتك وأبو مثواك حسناً كان أو قبيحاً ثم تجاريه في جميع أمره فتحمد ما يحمد وإن كان مذموماً وتذم ما يذم وإن كان محموداً تنظر بعينيه وتسمع بأذنيه وتذوق بلسانه وتحب بجنانه وتكره بقلبه وتغضب لغضبه وتكون إجابتك ابتسامة بالابتسام وعبوسة بالعبوس وضحكة بالضحك وبكاءة بالبكاء أسرع من رجع صداه وعكس مرآته. وكان أحد المتملقين يقول: إن الرجل الغني ليقول الكلمة الغثة الباردة فاغرب في الضحك وإنما ضحكي بمقدار ما انتظر من العطاء لا بمقدار فكاهة الكلمة. وكان آخر يقول كنت أجلس بين الغنيين فيشتبك بينهما الجدال ويتناضلان بالحجة فلا أزال أميل بالاستحسان إلى هذا تارة وإلى ذاك أخرى فيعجب كل منهما بنفسه ويفتن بحسن قوله ويشغله ما يداخله من الفرح بأصالة رأيه من التمادي في المناظرة ويحمله التيه بذلاقة لسانه. وقوة برهانه. على رحمة مناظره حتى يترك كل منهما المناظرة فيؤول إلى الأمن الوئام والسكينة ما كان يؤذن بالشر والخلاف والخوف. وقال آخر ما خشيت قط شيئاً مثل أن يسألني صاحب الدار عن أمر لا أعرف رأيه فيه فإني أخاف أن أذهب مذهباً لا يراه وفي ذلك من مخالفة أصول التملق ما فيه. ومن أهم صفات المتملق أن لا يكون له مبدأ ولا رأي بل يستعير مبادئ الغنيّ الذي يجالسه مادام في داره فيلبس لكل بيت زياً. ويتلون كل ساعة لوناً كأنه الماء الذي لا شكل له في ذاته وإنما يأخذ شكل ما يحيط به من الوعاء فإذا أبى المتملق إلا أن يكون ذا مبدأ فعليه أن يخلع مبدأه مع حذائه على عتبة كل دار يدخلها فلا يلبسهما إلا ساعة الانصراف.
стр. 18
رابعاً: الاشتغال بعلم صناعة الأطعمة فإذا آكل الطفيلي جماعة على خوان أحد الأغنياء جعل همه أن يفرد صنفاً من بين الأصناف فيغري به القوم إغراء خبير واثق مما يقول حتى لا يجرأ أحد على مخالفته وكذلك ينال الطفيلي على الخوان منزلة أشبه بمنزلة رؤساء الأقلام بين عمالهم والمدرسين وسط أطفالهم ويقال عنه هو حاذق بالمشويات كما يقال الشيخ فلان حاذق بالأدبيات وهو أخصائي في التربية والكباب كما يقال فلان أفندي أخصائي في التربية والحساب ويصبح ذوقه ميزاناً للسلطات والمربات ويشهد له عشاق فن المأكل بأنه الفذ المفرد الذي عرف دقائق الفن ووقف على أسرار الصناعة.
وعلم الأطعمة علم صعب المراس بعيد المنال لا تنال دبلومته إلا بعد اثني عشر عاماً من السعي والجد والطلب المشفوع بالإخلاص والاحترام والتفاني - الإخلاص لجانب المعدة. والاحترام لعظمة الخوان وأبهته والتفاني في حب ما يزف عليك من عرائس الألوان وابكار الزجاج التي لم تفض أختامها.
فمن فعل ذلك صار أستاذاً في الفن وآيته أنك لا تسمع له كلاماً إلا في شأن الأكل ولو اطلعت على ذهنه لم تجد له خاطراً يجزي إلا على صدور الأخونة ولا هاجساً يهجس إلا بين الكوانين والحلل ولا فكراً يرسب إلا في قوارير الزيت والخل ولا أملا يعلق إلا بذيل دجاجة أو جناح أوزة وتجده لا كتب له إلا قوائم الأكل ولا يذكر الأمور والحوادث إلا بمواعيد الأكلات وتواريخ الولائم فإذا سئل متى وقع ذاك الأمر جعل يفكر أكان عقب أكلة سمك أم طعمة بقول وهل جرى قبل وليمة ديك أو مأدبة شاة. هذه علائم أستاذ الطفيليين فاعرفها والسلام.
من طريف مايروى في باب التطفيل ما حكي أن طفيلياً بالبصرة مر على قوم وعندهم وليمة فاقتحم عليهم وأخذ مجلسه مع من دعي فأنكره صاحب المجلس فقالوا له لو تأنيت أو وقفت حتى يؤذن لك أو يبعث إليك فقال إنما اتخذت البيوت ليدخل فيها ووضعت الموائد ليؤكل عليها وما وجهت بهدية فأتوقع الدعوة والحشمة قطيعة وطرحها صلة وقد جاء في الأثر صل من قطعك وأعط من حرمك وأنشد:
كل يوم أدور في عرصة الدا - ر أشم القتار شم الذباب
فإذا ما رأيت آثار عرس ... أو دخان أو دعوة الأصحاب
стр. 19
لم أعرج دون التقحم لا أر - هب طعن أو لكزة البواب
مستهيناً بمن دخلت عليهم ... غير مستأذن ولا هياب
فتراني ألف بالرغم منهم ... كل ما قدموه لف العقاب
(وكان) أشعب الطماع المدني المولود سنة تسع من الهجرة ظريفاً وله نوادر في هذا الباب من أملح ما يكون فمن ذلك أنه وقف مرة إلى رجل يعمل طبقاً فقال له أسألك بالله الا ما زدت في سعته طوقاً أو طوقين فقال له وما معناك في ذلك فقال لعل تهدي إلي فيه شيء (وبينا) قوم جلوس عند رجل من أهل المدينة يأكلون حيتاناً إذ استأذن عليهم أشعب فقال أجدهم إن من شأن أشعب البسط إلى أجل الطعام فاجعلوا كبار هذه الحيتان في قصعة بناحية ويأكل معنا الصغار ففعلوا وأذن له فقالوا له كيف رأيك في الحيتان فقال والله أن لي عليها لحردا شديداً وحنقاً لأن أبي مات في البحر وأكلته الحيتان قالوا له فدونك خذ بثأر أبيك فجلس ومد يده إلى حوت منها صغير ثم وضعه عند أذنه وقد نظر إلى القصعة التي فيها الحيتان في زاوية المجلس فقال أتدرون ما يقول لي هذا الحوت قالوا لا قال إنه يقول أنه لم يحضر موت أبي ولا أدركه لأن سنه يصغر عن ذلك ولكن قال لي عليك بتلك الكبار التي في زاوية البيت فهي أدركت أباك وأكلته.
стр. 20
حضارة العرب في الأندلس
الرسالة الأولى من الإسكندرية إلى المرية
كان انفصالي عن الإسكندرية للوفود إلى الأندلس بسحرة يوم من أيام سنة خمس وأربعين وثلاثمائة من هجرة النبي ﷺ في سفينة عدوليّه لأمير المؤمنين بالأندلس عبد الرحمن الناصر لم ترقط عيني مثلها وكان عبد الرحمن فيما بلغني مولعاً بإنشاء السفن والأساطيل فأنشأ هذا المركب الكبير الذي لم يُعمل مثله وسير فيه أمتعة وبضائع إلى بلاد المشرق لتباع هناك ويعتاض عنها فمر بكثير من ثغور البحر الشامي وكان آخر ما مر به الإسكندرية
ولما نزلت هذا المركب رأيت فيه كثيراً من أهل بغداد والموصل والشام ومصر يريدون الوفود إلى الاندلس - وممن عرفت منهم عالم لغوي أديب من أهل بغداد يعرف بأبي علي إسماعيل بن القاسم بن عيذون القالي وفقيه مصرأحمد ابن أبي عبد الرحمن القرشي الزهري من ولد عبد الرحمن بن عوف وفقيه مقرئ يسمى أبا الحسن علي بن محمد بن إسماعيل بن بشر التميمي الأنطاكي وتاجر رحلة من أهل الموصل يعرف بابن حوقل وقينة اسمها فضل المدينة - وأصل هذه القينة كما أخبرتني لأحدى بنات هرون الرشيد ونشأت وتعلمت ببغداد ودرجت من هناك إلى المدينة المشرفة فازادت ثم طبقتها في الغناء ثم اشتريت للأمير عبد الرحمن مع صاحبة لها تسمى علم المدينة وصواحب أخرى: وقد عقدت الغربة بيني وبين فضل صحبة - لأن الغريب كما قيل للغريب نسيب - فرأيت منها أديبة ذاكرة حسنة الخط راوية للشعر حلوة الشمائل معسولة الكلام ذلك إلى حذقها في الغناء ولباقتها به مع الظرف الناصع والجمال الرائع فكانت ضنع الله لها سلوتنا في سفرنا وكانت تجلو هموم السفر ومرض البحر بما تنفثه بيننا من حين إلى آخر من سحر الحديث الذي يأخذ بالألباب ويرتفع له حجاب القلوب فهو كما قال أبو حية النميري فيمن يقول:
حديث إذا تخش عيناً كأنه ... إذا ساقطته الشهد أو هو أطيب
لو أنك تستشفى به بعد سكرة ... من الموت كادت سكرة الموت تذهب
ولما أقلعت بنا السفينة من مرسى الإسكندرية تحركت الريح الشرقية نسيماً فاتراً عليلاً ثم غثى البحر ضباب رقيق سكنت له أمواجه فعاد كأنه صرح ممرد من قوارير فبقينا لاعبين
стр. 21
على صفحة ماء تخاله العين سبيكة لجين كأنا نجول بين سماأين فكان لذلك منظر قيد النواظر وشرك العقول تجلى لنا فيه جمال الكون وصانعه فكنت ترى السماء صافية الأديم زاهرة النجوم وكوكب الزهرة مقبلاً من ناحية المشرق يحفه الجمال والجلال فلولا التقى لقلت جلت قدرته وترى البحر كأنه مرآة مصقولة تنظر السماء فيها وجهها فكأنما الماء سماء وكأن السماء ماء وترى النوتية مجدين في التجذيف على حال لو هممت بتشبيهها بشيء حسن لاضطرك حسنها إلى رده إليها
مجاذف كالحيّات مدت رؤسها ... على وجل في الماء كي يروى الظما
كما أسرعت عدا أنامل حاسب ... بقبض وبسط يسبق العين والفما
وفيما بين ذلك تسمع فضل المدينة تغني مواليا بغدادية مؤثرة وبين يديها مزهر تقلدته أطرافها.
تميت به البابنا وقلوبنا ... مراراً وتحييهن بعد همود
إذا نطقت صحنا وصاح لنا الصدى ... صياح جنود وجهت لجنود
ظللنا بذاك الديدن اليوم كله ... كأنا من الفردوس تحت خلود
ومضى على ذلك ثلاثة أيام بلياليها كنا من أوقاتها في بلهنية من العيش وغفلة عن أعين الدهر ووصال أخضر ونعمى لا يشوبها بؤس ولا كدر فلما كان اليوم الرابع ولا كان هبت علينا ريح عاصف رمتنا بها الأقدار من حيث لا ندري فأرغى البحر وأزبد وأبرق وأرعد وتلاطمت الأمواج واهتاجت أيما اهتياج وصار بها لعمري مثل الجنون وتراءت في صورها المنون.
وقد فغر الحمام هناك فاه ... وأتلع جيده الأجل المتاح
فانقلب يسرنا عسراً وأدال الله من الحلو مراً وعظم الخطب وعم الكرب ونحن في ذلك قعود كدود على عود وقد نبت بنا من القلق أمكنتنا وخرست من الفرق ألسنتنا وتوهمنا أنه ليس في الوجود أغوار ولا نجود إلا السماء والماء وذلك السفين ومن في قبر جوفه دفين.
البحر صعب المرام جداً ... لا جعلت حاجتي إليه
أليس ماء ونحن طين ... فما عسى صبرنا عليه
ولبثنا على هذه الحال من ظهر اليوم الرابع إلى سحره وبعد ذلك فترت الحال بعض فتور
стр. 22
ثم جاءت ريح رخاء زجت السفينة إلى بر جزيرة أقريطش (كريد) أهنأ تزجية وأخذنا نسير في محاذاتها فما كان إلا كلا ولا حتى وصلنا على مدينة الخندق (كندية) إحدى مدنها ومرافئها العظيمة فارسينا بها ريثما نشتري منها ما يعوزنا من الخبز واللحم والماء والفاكهة.
اقريطش
وهذه الجزيرة من جزر المغرب الكبيرة فيها مدن وقرى كثير يقابلها من بر أفريقية لوبيا وجميع سكانها الآن مسلمون وأميرها يسمي عبد العزيز بن شعيب من ولد أبي حفص البلوطي الأندلسي وذلك فيما علمت أن الحكم بن هشام أمير الأندلس كان قد أمعن صدر ولايته في اللذات فاجتمع أهل العلم والورع بقرطبة مثل يحيى بن يحيى الليثي صاحب مالك واحد رواة الموطأ عنه وطالوت الفقيه وغيرهما فنقموا عليه وثاروا به وبايعوا بعض قرابته وكانوا بالربض الغربي من قرطبة - محلة متصلة بقصره - فقاتلهم الحكم واستلحمهم وهدم ديارهم ومساجدهم فلحقوا بفاس من أرض العدوة وبالاسكندرية - وبعد أن أقاموا في الإسكندرية حيناً من الدهر تلاحى رجل منهم مع جزار من سوقها فنادوا بالثار واستلحموا كثيرا من أهل البلد وأخرجوا بقيتهم وامتنعوا بها وولوا عليهم أبا حفص عمر بن شعيب البلوطي ويعرف بأبي الفيض من أهل قرية مطروح من عمل فحص البلوط المجاور لقرطبة فقام برياستهم وكان على مصر يومئذ عبد الله بن طاهر من جهة المأمون فزحف إليهم وحصرهم بالإسكندرية فاستأمنوا له فأمنهم وبعثهم إلى هذه الجزيرة (أقريطش) فعمروها وأضاؤها بنور الإسلام وشيدوا بها المعاقل والحصون والمدن العظيمة مثل الخندق التي اشترينا منها خبزنا ولحمنا وبهرنا ما رأينا فيها من حضارة العرب وعز الإسلام ولم يزل أميرها إلى اليوم وهو سنة خمس وأربعين وثلاثمائة من ولد أبي حفص البلوطي وهو الأمير عبد العزيز بن شعيب أدام الله ملكه وأبعد عنه كيد الأعداء.
ولما أقلعنا عن بر جزيرة أقريطش أسعدت الريح وأصحت السماء ونام عنا البحر وأخذت السفينة تشق اليم شق الجلم وأخذنا في سمت جزيرة صقلية وما زلنا حتى قطعنا سبعمائة ميل في مدى أربعة أيام بلياليها وقار بنا صقلية وسرنا منها أدنى ظلم (قريبين جدا) فأخذت أعيننا أشباحاً كالأعلام تسير على وجه الماء تنضم إلى بعضها تارة وتنصاع أخري
стр. 23
فتساءلنا فقيل لنا أن هذا أسطول المعز لدين الله أبي تميم معد العبيدي يغدو ويروح بين صقلية وبين قلورية (كلابره) من بر الأرض الكبيرة (أوروبا) فانتشى من هذا المنظر تاجر مغربي أديب من أهل المهدية نزل معنا من أقريطش بنية الوفود إلى صقلية وأخذت منه هزة الطرب حين رأى أسطول بلده ورفع عقيرته قائلاً لله أبو القاسم محمد الأندلسي شاعر المعز لكأنه يرى ما يرى الآن حين يقول في هذا الأسطول:
أما والجوار المنشآت التي سرت ... لقد ظاهرتها عدة وعديد
قبابٌ كما ترحني القباب على المها ... ولكن من ضمت عليه أسود
ولله مما لا يرون كتائب ... مسومة يجدى بها وجنود
أطال لها أن الملائك خلفها ... كما وقفت خلف الصفوف ردود
وإن الرياح الذاريات كتائب ... وإن النجوم الطالعات سعود
عليها غمامٌ مكفهر صبيره ... له بارقات جمة ورعود
مواخر في طامي العباب كأنه ... لعزمك بأس أو لكفك جود
أناخت به آطامها وسما بها ... بناء على غير العراء مشيد
ولي بأعلى كبكب وهو شاهق ... وليس من الصفاح وهو صلود
من الراسيات الشم لولا انتقالها ... فمنها متان شمخ وريود
من القادحات النار تضرم بالصلى ... فليس لها يوم اللقاء خمود
إذا زفرت غيظاً ترامت بمارج ... كما شب من نار الجحيم وقود
تعانق موج البحر حتى كأنه ... سليط له فيه الذبال عتيد
ترى الماء منه وهو قان خضابه ... كما باشرت ردع الخلوق جلود
فأنفاسهن الحاميات صواعق ... وأفواههن الزافرات حديد
يشب لآل الجاثليق سعيرها ... وما هي عن آل الطرير بعيد
لها شعل فوق الغمام كأنها ... دماء تلاقتها ملاحف سود
وعين المذاكي نحرها غير أنها ... مسومة تحت الفوارس قود
فليس لها إلا الرياح أعنة ... وليس لها الحبال كديد
ترى كل قوداء التليل كما انثنت ... سوالف غيد أعرضت وخدود
стр. 24
رحيبة قد الباع وهي نتيجة ... بغير شوى عذراء وهي ولود
تكبر عن نقع يثار كأنها ... موالٍ وحر الصافنات عبيد
لها من شفوف العبقري ملابس ... مفوفة فيها النضار جسيد
كما اشتملت فوق الأرائك خرد ... أو التفعت فوق المنابر صيد
لبوس تكف الموج وهو غطامط ... وتدرأ بأس أليم وهو شديد
فمنها دروع فوقها وجواشن ... ومنها جفانين لها وسرود
وأنا لفي ذلك إذ رأينا قلورية من بر الأرض الكبيرة عن يميننا وبر
جزيرة صقلية عن يسارنا ثم دخلنا المجاز الذي بينهما فرأينا بحراً صعباً ينصب انصباب السيل العرم ويغلي غليان المرجل لشدة انحصاره وانضغاطه فاستمر مركبنا في سيره والريح الجنوبية تسوقه سوقاً عنيفاً فلما شارفنا مدينة مسينى وقد كان الليل مظلماً ربوض النواحي ضربت في وجوهنا ريح انكصتنا على الأعقاب وحالت بين الأبصار والارتقاب وتتابعت علينا عوارض ديم صرنا منها ومن الليل والبحر في ثلاث ظلم وعباب الموج تتوالى صدماته وتظفر الألباب رجفاته فقطعنا هذه الليلة البهماء في مقاساة أهوال تجعل الولدان شيباً ثم تداركنا صنع الله مع السحر ففترت الريح ولأن متن البحر وجاءت ريح رخاء زجت المركب تزجية حسنة إلى مدينة مسينى فأرسينا فيها على مرسى عجيب يأخذ بالألباب وذلك إن أكبر ما يكون من السفن العظام يرسي من الشاطئ بحيث يتناول ما فيها من البر بالأيدي.
وهنا إذ وصلنا إلى مسينى إحدى مدائن جزيرة صقلية يجمل بنا أن نذكر لك عن هذه الجزيرة شيأ تكون به على بينه من أمرها ومن حضارة العرب وعز المسلمين فيها.
صقلية
هي جزيرة في البحر كبيرة على شكل مثلث متساوي الساقين زاويته الحادة من غربي الجزيرة بينها وبين ريو وبلاد قلورية من بر الأرض الكبيرة مجاز مسينى حيث يتراوح البحر بين ستة أميال وعشرة أميال وبين ذنبها الغربي وبين تونس نيف وستون ميلاً وزاويتها الجنوبية تقابل بر طرابلس من أقريقية وبالقرب من زاويتها الشمالية جزيرة صغيرة فيها بركان النار الذي لا يعلم في العالم أشنع منظراً منه وهذا بركان اسم لجبلين
стр. 25
أحدهما هذا والثاني في صقلية نفسها في أرض خفيفة التربة كثيرة الكهوف ولا يزال يصعد من ذلك الجبل لهب النار تارة والدخان أخرى ومن هنا كانت كثيرة الزلازل بحيث يكثر تهدم أبنيتها منها.
وقد كانت هذه الجزيرة قبل الفتح خاملة قليلة العمارة وكانت من عمالات الروم وأمرها راجع إلى صاحب قسطنطينية فلما كانت سنة ثنتي عشرة ومائتين جهز لها زيادة الله بن الأغلب وهو يومئذ الوالي على أفريقية من جهة أمير المؤمنين المأمون بن هرون الرشيد أسطولاً عظيماً في تسعمائة فارس وعشرة آلاف راجل واستعمل عليهم أسد بن الفرات قاضي القيروان ومن أصحاب مالك ﵁ وهو مصنف الأسدية في الفقه على مذهب مالك فذهب إلى الجزيرة وسار إليها من سوسة وافتتحها بالتنقل بعد أن شبت بينه وبين أهلها من الروم معارك كثير لا يتسع لها صدر هذه الرسالة وبقيت الجزيرة بيد بني الأغلب يتناوبها عمالهم إلى أن أدال الله منهم للعبيديين ودانت لعبيد الله المهدي أفريقية وما إليها فأخذوا يبعثون عمالهم عليها إلى أن كانت فتنة أبي يزيد وشغل أبي القاسم القائم والمنصور العبيدي من بعده بأمره.
стр. 26
الروايات والقصص
العاشق المخدوع
للقصصي الأشهر وليم مكبيس ثكرى
كان في مدينة بون إحدى مدن ألمانيا يهودي من أولئك الذين يأكلون الربا اسمه موسي لو وكانت له فتاة تدعى الآنسة مينالو ولقد كنت أتيت هذه المدينة لقضاء حاجة لي عام أول أعني بعد مضي خمسة عشر عاماً من حدوث الحوادث التي أنا ذاكرها في هذه القصة فقيل لي أن موسي قد سجن لدعوى إفلاس زورها فعلمت أنه أهل لما نزل به من الجزاء والعقوبة.
لقد كانت الآنسة مينا وايم الله أجمل من وقع عليه نظري وأما وربكن يافتيات النصرانية لا تسخرن من كلمتي هذه ولا تهزأن فما قلت إلا الحق رأيتها أول ما رأيتها جالسة إلى نافذة عطف عليها الكرم حواشي أوراقه العسجدية تلوح من خلالها العناقيد محمرة كأنها كسيت خدود الملاح صبغها الحياء وشوابك العيدان قد لفها التعانق أشكالاً فكأنها صغار الحيّات ملتفة أو كأنها نقوش صناع أبدع من تأليفها ما أبدع وعلى وجهها الحلو الجميل وعلى ثوبها الأبيض الشفاف ألقى الورق دنانير ظله وكانت حاسرة الذراعين على خصرها النحيل نطاق من الحرير الأزرق وكانت تغزل شأن سائر النسوة الألمانيات وفي زاوية الغرفة كانت تجلس أختها إما - امرأة شديدة البأس - لها صوت أشد وأجهر وكانت جالسة إلى البيانو تغني غناء قبيحاً وكنت وافداً إلى بيت أبيها لتحويل صك وقد وقفت أنظر أين باب الخزينة.
قالت الآنسة مينالو وأمالت رأسها في دلال وعلا وجهها احمرار ورفعت إلي نجلاوين تريانك زرقة السماء ثم خفضتهما كأنما أتعبهما رؤية أجنبي مثلي وقالت لنكس سيدي أعني شمالاً.
فوقع لفظها من كبدي موقع الزلال على أنه لفظ عادي لا شأن له ولا سر وما هو بذي لفظ حلو ولا لحن لذيذ وكل ما فيه أن الآنسة أخبرتني أن أذهب شملة إذ رأتني حائراً أتردد ولو أن فتاة غيرها قالت لي لنكس ألف مرة لما كانت محركة مني ساكناً ولكن شفتي منا لدن فاهتا بتلك اللفظة افترتا عن ثغر منضد وضاح ونغمة عذبة رخيمة مما فتنني وبهرني.
стр. 27
فقلت في نفسي ايه أيها الفم المليح بل أيها الجرس الحلو. شنف بهذه النغمة الرخيمة مسمعي ما غرد في الأيك عصور! فما أحبها إلى نغمة وما أثلجها لصدري وأنداها على كبدي أقول قلت ذلك في نفسي ولم أقله بلساني لجهلي بالألمانية أولاً ولشدة ارتباكي وهيبتي ثانياً. فلم أزد على أن خجلت واصطكت قدماي ورفعت قلنسوتي وانحنيت بهيئة تدل على الحمق المفرط ثم ملت إلى الباب فاستلمت الحلقة أقلبها.
ثم دخلت فوجدت المسيو موسى والمسيو سليمان في غرفة النقود وسليمان هو ابن موسي وشريكه فقضيت معهما حاجتي فأما كونهما خدعاني وغشاني فهذا من البديهيات. فإنه لا غنى لليهودي المرابي عن الغش أبداً - ولو لم يكن إلا من أجل درهم - أأقول من أجل درهم كلا من أجل دانق - من أجل سحتوت إنه ليغشك أولا في تحويل ورقتك. ثم في أبدال فضتك ذهباً. وأنه وإن أولم لك بعد ذاك وأدبك إلى خوان حافل فإنما يصنع لك ذلك كي يسرق ساعتك أو كيسك وما كان ليرغب عن هذا ولو كنت أباه أو أخاه.
إن موسي وابنه الآن في السجن كما خبروني حينما كنت في مدينة بون عام أول. ولا أكذب الله شد ما خفق قلبي إذ مررت بالبيت الذي فيه رمتني لحاظ منا.
وليقل القائلون ما شاؤا فمذهبي أن المرأة التي كنت تعشقها حيناً ما فمهما صحوت عن حبها وأفقت من غرامها فلن تزال تنزل من حشاك منزلة لا تكون لغيرها. مثل هذه المرأة إذا دخلت علي في مجلس صبغت وجنتي وهاجت صبوتي. فرنوت إليها مرتاحاً. وانجذبت نحوها ملتاحاً هذه المرأة هي التي كنت تهوى وتعشق. وتخب إليها روحك وتعنق. هي هى. وليست هي. هاتان عيناها اللتان كنت تهوى. ولكن أين ذلك النظر الفاتر واللحظ الساحر هذا هو الصوت الذي كنت تحب. ولكن أين المنطق الشهي. وحديث هو الزهر الجني. مثل هذا كمثل غرفة كان بها ليلة عرس وحفلة أنس أشرق بهاؤها. وسطع ضياؤها. وضحكت زهورها ورقت ثغورها. ثم أصبحت فإذا هي قد ذبلت نضرتها. وصوحت زهرتها ونضب ماؤها. وغاض رواؤها. ومثله كمثل دفتر أموال كان فيه من الورق مقدار خمسة آلاف فذهبت تلك الأوراق. والدفتر باق. تراه فتذكر متاعاً مضي. وخيراً تقضي. وكنزاً فنى. وذخراً تولى ثم تأخذك للدفتر المسلوب رقة ورأفة وتعطفك عليه إيما عاطفة. ولا يسعك أن تنظر إليه نظراتك إلى غيره من الدفاتر العادية وكيف وما ينفك
стр. 28
تذكر أنه كان زمناً ما قرة عين وعلق مضنة.
وهذا شأني في الحب. إن لي بأوربا في كل واد أثر محبة. وذكرى صبابة. أعني امرأة كان لي معها وقتاً ما شأن من الشؤون. عفت عليه السنون. أو كما شبهت لي دفاتر مالية فارغة بأنحاء أوربا مبثوثة وبأرجائها منثورة وما إن أزال اذهب إليها. وأعوج عليها.
مافي وقوفك ساعة من باس ... تقضي حقوق الأربع الأدراس
فتتمثل لعيني تلك العصور الخالية. والحقب الماضية. وتمثل لعيني عوين الأحباب. قد فترت ألحاظها رقة الشكوى ولين العتاب. ويصافح سمعي صدى تلكم الأصوات العذبة. وانشق شذا تلكم العهود الطيبة. وقال لي المسيو موسي وهو يعد لي الدنانير سيدي إذا كنت ممضياً في بلدنا هذا برهة من الدهر فلا تحرمني وبناتي طلعتك البهية وصحبتك الهنية.
قلت المدينة آية الحسن ومتعة الناظر وإذا كانت الجامعة هنا تشتغل بتأليف تاريخ الدولة الرومانية الشرقية وكنت ممن أولعوا بهذا التاريخ فما أراني إلا مقيماً هنا مدة طويلة
ذلك ما قلته للرجل والله يعلم أنها علة كاذبة ودعوى باطلة. وإنما الحامل لي على الإقامة بالبلد هو جمال الآنسة منا وسحر مقلتيها ولولاهما لبت في بلدة كوبلنز تلك الليلة. وفيها أصلح الله القارئ فندق البريد وهو من أحسن فنادق العالم.
وكان يصحبني إذ ذاك صديق لي من الجند ممراح لعوب عليم بالألمانية وكنا تشاجرنا مرتين في الطريق مرة بمدينة (روتردام) وأخرى ببلدة (كولونيا) فلما حدثت بيننا المشاجرة الثالثة هنا علمت أنها فرصة فعاجلتها بالانتهاز وكلما دنا صابي من الصلح خطوة أبعدت عنه فرسخاً حتى انفرجت مسافة الخلاف وصاح قائلاً: لأذهبن إلى بلدة (مايانس) فأجبته ولأمكثن هنا. ثم عمدت إلى أقرب فندق من بيت اليهودي وصورة ابنته نصب عيني. وبين جفني فاخترت لي مثوى به وقال لي صاحبي الجندي اسكن أين شئت فما أنا بمغادر مثواي بين الجنود وقد صدقت قوله عند ما رأيته في نفر من ضباط الألمان عقد معهم صحبة جديدة يدخن على باب الثكنة.
أما أنا فما كنت قط ممن خصوا بسهولة الجانب وأنس الناحية فابذل الصداقة لكن من لقيت وامنح المودة كل من صادفت وأدع نفسي حمى مباحاً لكل مرتاد. وفؤادي منزلاً حلا لكل من أراد. ولكني كأهل بلادي وعر المرام مخوف الناحية. شامس العطف. شامخ الأنف.
стр. 29
سامي الطرف. طامح العنان تياه متكبر مختال في برديه. نظار في عطفيه. فكنت إذا دخلت مجلساً رميت ببصري أقصى القوم نظرة الساخط المختقر. والناقم المستنكر. ثم عزفت عنهم بناظري ترفعاً وكبرياء. وزهوا وخيلاء. وكأن لسان حالي يقول ما هؤلاء الغوغاء السفلة. وأي شأن لهم هنا. بل بأي حق وأية علة يوجدون في هذا العالم! تلك شيمتي. وهي أظهر ما تكون بين الأجانب. والحق يقال إني لا يسعني إلا احتقار الأجانب حقاً كان أم باطلاً. وبسبب هذه الخصلة المحبوبة والخلة المألوفة زهدت في طعام الفندق الذي يتنازعه عدة ويتناوله رهط واعتبرته حطة وسفالة أشبه بالسوقة وأبعد من الأمراء. وجعلت من دأبي وديني أن لا أخاطب سائلا قط بل أحدد في وجه سائلي نظر إصغار واحتقار وكذلك لم يبق إنسان إلا وتركت لي في فؤاده هيبة ومخافة. استبدلت المطعم بمنزلي مما حمل صاحبي الجندي ويلدار على مخاطبته إياي ذات يوم بقوله قبحاً لك وتعسا إذا كان قصدك الصمت فلم لا تستمر تأكل معنا فإنه لطعمتك وأسوغ لجرعتك فأما من يث خوفك كلامنا معك فلعن الله من يخاطبك ولتوقن أنه لن يفاتحك والله أحد مناولو أدى ذلك إلى انتحارك.
قلت ألا دعني آكل ما اشا كما أشاء.
قال فتفعل ما بدا لك وعليك العفاء وهكذا استبددت بمذهبي وانفردت بنفسي.
ثم أردت أن أدرس الألمانية واسترشدت المسيو لو فدلني على أستاذ من معارفه وتبرع لي من ذلك بكاتبه يجالسني كل يوم ساعتين ليصلح من لساني ويقوم لهجتي فأدرك بفضل ذلك صحبة المخارج وحسن المنطق.
وكان ذلك الكاتب - واسمه هرش - فتى بشع الخلقة أبيض الشعر أحمر العينين له شاربان بلون اللهب وحلقان في أذنيه بلون شاربيه. وكان جاحظ العينين بارز الشفتين غليظهما شديد حمرتهما. وما هي إلا برهة قصيرة حتى كثر ترداد الفتى المذكور على غرفتي فلا تكاد تراه إلا خارجاً منها أو داخلاً فيها حاملاً إلى الرسائل من كل صوب وذاهباًَ من عندي بأمثالها إلى كل حدب. وكنت إذا ناديته لم أقل إلا هرش! يا هذا الوغد النكس والكلب الدنس هات حذائي هرش أيها العبد نظف ردائي (أجر أيها الذئب فضع هذا الكتاب في صندوق البريد) إلى ما يماثل ذلك من ألفاظ المدح والتقريظ. وكان الخبيث أطوع إلى من
стр. 30
بناني لا يبالي ما أدعوه وبماذا أسبه.
ورغبني فيه أيضاً أنه من لدن حبيبتي (منا). نعم إنه ليس بالحبيب ولكنه من عنده. إنه ليس بالوردة ولكنه يحمل طيبها وشذاها ويهديك أرجها ورياها. وهل ببطحاء ألمانيا وسهلها وقاعها وجبلها وردة أبهى من (منا)؟
أنا لو لم أقصد إلى تهذيب النفوس وأرم إلى تثقيف الطباع ما كنت قائلاً كلمة عن الفتاة (منالو) ولا ذاكر لفظاً عما أتيته من الهفوات في ذلك الصدد وما أحدثته من السقطات. وما كابدته من المنغصات بسبب جهلي وكبريائي. والحق أقول أن للإنكليزي لاسيما في ديار الغربة كبرياء وغطرسة هي أثقل على النفس وأمقت في الحس من جعجعة الفرنسيين وتيههم فالفرنسوي يمشى مرحاً. ويتمايل مرنحاً. ويفاخر في المجالس بحسبه ونسبه. ولا يدع فرصة حتى يصم أذنيك بذكر مآثره وسرد مفاخره. ولكن طنطنة الفرنسوي وجعجعته ليست وأيم الله أشد كراهة وأثقل وقعاً مما يظهر الإنكليزي من عظمة في جمود. وأبهة في جفاء وركود. وغطرسة خرساء. وصمت في كبرياء وغرور في صعر. وغفلة في صور. والإنكليزي يعتقد أن أمر فضله على غيره من الشعوب. وسبقه لسواه من الأمم أمر ظاهر لا يختلف فيه اثنان. فهو لا يحتاج إلى برهان. فيرى من حقه ومن شأنه أن يحتقر الأجنبي أياً كان. وينثر على خلق الله الاحتقار والازدراء أينما كان. مما يجر عليه بغض الناس ومقت العالم ولا غرو فلو أي شعب آخر رمقنا بالعين التي نرمق بها الغير لا بغضناه بغض الغير إيانا.
(وبعد) فلما تركت بلادي إلى القارة الأروبية جعلت أتوهم أني خيرمن مشى على ساق وقدم. وأحسن من طلع عليه شمس ونجم. فإذا دعيت إلى حفلة ادعيت رئاستها أو أتيت حلقة توسطت دائرتها ثم غمرت سائر الأصوات بصوتي وفي المجلس أئمة الفضل وأعلام العلم وجعلت أضحك من أقوالهم وهي عقائل الأقوال. واسخر من حديثهم وإنه السحر الحلال. فلله درى حينذاك من مؤنس مطراب. وفاتن خلاب.
ومن العجب أني وهذه حالتي وتلك أرائي أجلس إلى الفتاة (منا) ساعات متواليات فلا انفك أضجرها بهذياني. وأسئمها بممقوت أقوالي ومرذولها وأسخر بعادات بلادها وأحول أوطانها وما في إلا موضع سخر ومجال هزء أما الفتى (هرش) فكنت أقصده بمعظم تنديدي وأرميه
стр. 31
بأكثر سخريتي بحصرة الحسناء (منا) تفكهة لها وترويحاً لنفسها حتى قررت لها أن الفتى لا يصلح إلا لبيع البرتقال والخبز في مركبات السفر.
وكانت الحسناء تقول لي (لله دركم شبان الإنكليز ما أخف أرواحكم وأرق ظرفكم) وكنت أجيبها جواب الأبله المعتوه (إي وربك نحن كما تصفين وأخف أرواحاً من الألمان وأظرف) ثم أقارب بين أجفاني وأصوب نحوها نظرة أحسب أنها ستذيب مهجتها.
أأذكر لك أيها القارئ ماذا كانت عاقبة محاوراتي معها؟ في المحاورة الأولى سألتني الفتاة أما تستطيب ذلك الشاي الذي اسقيك منه وتستلذه؟ ثم ذكرت أنه من واردات الصين وأنه ليس بألمانيا ذرة منه عند ذلك أيقنت أنه لكما تصف ولما كان صباح الغد دخل (هرش) علي باسما يحمل ستة أرطال من الشاي المذكور في صرة وتشرفت بأن دفعت له ثمنها ثلاثة جنيهات إنكليزية على الفور.
فلما زرت القوم بعد ذلك قال لي المسيو موسي لتشربن معي زجاجة من خمرة قبرص قائلاً نها لا توجد إلا عند أخيه المقيم في الاستانة ولم يمض على ذلك أربعة أيام حتى سألني المسيو لو كيف وجدت النبيذ الذي بعثه إلي بناء عن طلبي وهل أريد مقداراً آخر؟ قلت عجباً ماذا تعني وأي نبيذ طلبت منك فأرسلته إليّ ومتى كان ذلك؟ قال أرسلته منذ ثلاثة أيام وهو في خزانتك ثم أقترح أن يبعث إليّ بصنف آخر اسمه (نبيذميدوك) ولم تمض ساعتان بعد ذلك حتى كان في منزلي صندوق من ذاك النبيذ مشفوع بحوالة معنونة باسم جناب الكونت فون فيتسبودل (اسمي) وقد كان في الذي أبدته هذه الأسرة من الولوع بخدمتي ما رد قليلاً من ولوعي بهم وكف بعض الشيء من تهافتي عليهم حتى قالت لي (منا) لما زرتها بعد ذلك وتنهدت آه يا عزيزي هل أسأنا إليك حتى حرمتنا لقاءك.
قلت لها (سآتيك غداً) ثم لحظتني لحظة وأومضت لي إيماضة واغوثاه ويالله - إني أحمق مغرور! وقبلي ما حمق العاشقون واغتروا ومنهم أولو الألباب. وذوو الأحساب. أو لم ينخدع من قبلي قيصر انطانيوس وسامسون وهرقل؟ أقول لما قدمت على دارها من الغد وجدتها بين أوراق الكرم فتبسمت وقامت فمدت إلي يداً بضة وبنانا لدنا. عليها قفاز أصفر هو عندي إلى الآن! وقد كنت ألفت أثناء الطريق عبارة غزل وتشبيب أردت أن أحييها بها وحسبتها آية في الخلابة فلما مثلت أمامها عاقتني الهيبة أن أقول ما كنت هيأت وأصابني
стр. 32
العيّ والحصر فما استطعت بعد الجهد إلا قولي لها اليوم حر؟
قالت هنيئاً لك يا مسيو جورج ما بلغت في الألمانية. لقد جريت في مضمارها شأواً وكأن بين فكيك لسان ألماني.
ولكني لأمر ما آثرت أن أسوق الحديث بالافرنسية ودخل علينا أبوها فوجدني أعبث بحاشية قطيفة حمراء وألحاطي عاكفة على وجه ابنته تقطف ورد خديها وهي مطرقة أعارت الأرض مقلتيها السحورين.
في ذلك اليوم لم تبع لي الأسرة من بضائعها شيئاً ثم رآني الغد بينهم والرجل يجتذب أنفاس انبوبته.
قالت الآنسة تنح عنايا أبتاه. فسادة الإنكليز يؤذيهم التبغ. والسيد لا شك يمقته.
فأجاب خادمك المطيع بقوله (بلى قد أدخن أحياناً)
فصاح الرجل قائلاً: هات لجنابه أنبوبة يا قرة عين أبيك
صاحت الآنسة نعم تلك الطويلة التي جاءتنا من تركيا ثم وثبت من مكانها وما لبثت أن عادت تحمل عصا طويلة من العناب مغشاة بنسيج أحمر مطرز بالذهب بإحدى طرفيها فوهة من الكهرمان المرصع بالصدف، وبالآخر أنبوبة مذهبة. ودخلت علينا الفتاة تميل وتترنح كأنها ملك يحمل عوداً من أعواد الجنة.
وقالت لا بد من أن أوقدها للمسيو جورج. الله أكبر. لقد كانت الفتاة تنطق اسمي جورج بنغمة أجارك الله من وقعها في الفؤاد وأثرها في الأحشاء.
وبعد أن أمرت أختها أن تقبس لها ناراً وقفت ما رأيت قط أجمل منها ولا أفتن.
قدم لطيفة ممدودة إلى الأمام ورأس ملقاة إلى الوراء ويد غضة صغيرة ممسكة عصا الأنبوبة بين إبهامها وسبابتها. وشفتان كالعقيقتين تلثمان فوهة العصا وابتسامة كأفتن ما طل دما. وقتل مغرما. وجاءت أختها تقهقه فأشعلت التبغ وإذا بدخان أبيض دقيق الحجم يتصاعد من بين هاتين المرجانتين الباسمتين عن سمطي لآلئ نحو السقف تتضوع له أرجاء الحجرة أرجا ويفغم عبقه الخيلثيم.
وإذ كيت الأنبوبة وقدمت إلي برشاقة وبنظرة كان من أثرهما أني دفعت إلى اليهودي في الحال أربعة عشرة جنيهاً ثمن الأنبوبة. فأما الفوهة التي لثمتها شفتاها فما لبثت أن أخذتها
стр. 33
فلففتها في قفازة الفتاة وجعلتهما معاً لصق أحشائي. ولما كان صباح الغد وقد دخل عليّ صديقي الجندي بغتة وجدني مستوياً في فراشي أمامي القفازة الصفراء وفي فمي الفوهة المعهودة الوكها وأمضغها كأنها قطعة من الحلوى في شدق غلام أو حلمة ثدي في فم رضيع.
فوقف وحدق إلي ثم قهقه ضاحكاً وأسرع نحو القفازة وكنت أقرأ في ديوان الشاعر توماس مور: لست ممن ينزع إلى السعر ولكنيوجدت بذلك الديوان قصة تصف حالي: فلما رأيت صديقي يهرول إلى القفازة ثار غضبي وأرسلت (توماس مور) في وجهه فأخطأه بلطف من الله وتناول هو وسادة فرماني بها وكان من حسن حظه أنه لم يلجأ إلا إلى هذا السلاح العديم الأذى لأني كنت في أشد ثوران الغضب حتى لو قد بدا منه أدنى إساءة لأزهقت روحه لتوه وساعته.
علم القارئ إذن أني لم أزهق روح صاحبي ولكني خلفت له لأفعلن به ذلك لو فاه بكلمة في هذا الشأن وكان يعرف أني فعال لما أقول: وكان غير جاهل بحديث علاقتي فأراد أن يجعل أمر غرامي غرضاً لمزحاته الخشنة العسكرية ولكني زجرته.
فقال: لم تصدني عن هذا الباب وما أظنك ستقترن بالفتاة.
قلت: وهبني يا سيدي سأقترن بها.
قال: ماذا تقول! تتزوج ابنة ذاك السوقي الحقير ويحك! إن جنود فرقتي ما زالوا يتهمونك بالجنون فأكذب عنك. فأما وقد قلت ما قلت فقتلني الله إن لم تكن كذلك.
قلت: سيدي من مس كرامة الآنسة (منا) فهو نذل ساقط ومن تناول اسمها الكريم بغير التحميد والتمجيد فهو كذاب أشر:
وبعد محادثة قصيرة مضى ويلدر وتركني للقفاز والأنبوبة
وكان فيما ذكره صديقي (ويلدر) من أمر الاقتران بالفتاة ما أدهشني. أأقترن بابنة إسرائيلي! وأنا جورج فيتزبودل! هذا لا يكون أبداً اللهم إلا أن يكون لها مليون من الذهب وما كان مثل المسيو لو حقارة ليهب ابنته مليوناً ولكني سواء تزوجتها أم لم أتزوجها فقد أبيت إلا التلذذ بحبها والتمتع بهواها وعدم التوقع لما يأتي به الغد قانعاً بلذة اليوم.
ما مضى فات والمؤمل غيب ... ولك الساعة التي أنت فيها
стр. 34
وما لبثت إلا هنيهة بعد ذهاب ويلدر حتى جاءني هرش كعادته. فأحببت أن أستطلع منه مقدار ثروة منا وأجعله رسولي إليها.
قلت أي هرش يا أسد اليهود. لعلك أتيتني بعصا الأنبوبة
فأجاب نعم يا سيدي وبسبعة أرطال من التبغ الذي قلت أنك استطبته. إنه من أكرم بضاعة الشام وصفقتك في رابحة.
قلت - وتصنعت الارتياح وعدم الاهتمام - خيراً فعلت أتدري يا هرش أن صغرى بنات المسيو لو المسماة الآنسة حنة فيما أظن -
قال هرش وابتسم ابتسامة دهاء ومكر لا بل منا
قلت ليكن كما تقول منا - أتدري يا هرش أن (منالو) فتاة قتالة العينين خلابة الهوى، أي وربي إنها لكذلك وفوق ذلك
قال هرش أذلك اعتقادك
قلت أجل ذلك اعتقادي. وما كانت قط أجمل منها أمس وهي تشعل لي التبغ. لقد والله تامت لي حينذاك ولاعت فؤادي
قال لشد ما تشرف وطننا بحبك إحدى بناته
قلت أغني أبوها وكم يهب ابنته إذا هي زوجت
قال قليل جداً لا يبلغ مقدار ما تنفق في أسبوع واحد يا سيدي
قلت مهلا مهلاً! إنك ما تزال تتهمني بالغني وأنا بعد رجل فقير. أجل وعريق في الفقر
قال هرش: أنت فقير! ليت لي ابراد عام من أعوامك. إذن لكنت مثريا؟ والله يعلم انه أكثر مني مالاً وثروة ولكنه يكذب
قلت وهل بلغ بك الفقر هذا الحد؟
فأجاب إنه لا يملك درهما وإن المسيو (لو) رجل شحيح وإنه (أعني هرش) ليفعل مهما آمر به ابتغاء شيء من المال
قلت له: هرش. أتحمل مني إلى منا رسالة؟
لم يكن هناك أدنى ما يدعوني إلى اتخاذ الفتى بريداً بيني وبين الغادة إذ كان من أسهل السهل أن أسلم رسائلي إليها يداً بيد. وكيف لا وقد كنت أجالسها الساعات إثر الساعات
стр. 35
وكانت الخلوة بها من أقرب الأشياء فما كان أسهل أن أدس لها ورقتي في قفازها أو منديلها. ولكني كنت بمسائل الحب أجهل من طفل واخترت هرش رسولاً لأني رأيت فيما قرأت من الروايات أن الحيل والتدابير ليست من شأن العاشق وما تنبغي له وإنما يقوم بها خادم أو رسول. ولذلك سألت هرش السؤال المتقدم وهو من يحمل الرسالة إلى (منالو)
قال مبتسماً أنا
ولكن الرسالة لم تكتب بعد. وما كتابتها إلا خطب من الخطوب ومحنة من المحن. أأكتبها نثراً أم نظما؟ بل نظماً إنكليزياً إذ أن منا كانت تعرف قليلاً من هذه اللغة. ولكن ليس في الإنكليزية جميعها قافية على روى منا والخطب أكبر في لقبها لو فعلمت أني سأركب الصعب في تأليف الرسالة بالإفرنسية وتم لي ذلك مع العار والفضيحة لأتيانها مملوءة بالأغلاط النحوية مشحونة باللغو والسخف وأخذ هرش الكتاب ورأيت من الحزم أن أرشوه على الصمت والكتمان فاشتريت منه سلسلة ساعة بشعة المنظر أولى بها أن تكون سلسلة مجرم نقدته فيها أربعة جنيهات وكان طالما عرضها علي من قبل فأرفضها وخبرني الفتى أن رسالتي صادفت أيما قبول. ولكن الغادة لم تستطع وقد اجتمعنا مساء أن تفاوضني في شأن الرسالة لحضور أهلها. إلا أني آنست من لين لحظها عطفاً وتودداً بينما كنت أقامر سيدة سمينة (امرأة أخ الفتاة) وأخسر لها الدينار إثر الدينار حتى اقفر جيبي. وفي تلك الليلة باع لي المسيو لو عشرين ثوباً من التيل ليفصل أقمصة ولا ينس القارئ أن المسيو لو يبيع كل شيء ولو أنه شم منى رائحة ميل إلى كيلو متر طوب أو جراب ثعابين أو كفن لوجدته من الغد على باب داري
وأقمت أرسل الرسائل إلى منى أنسخها كتاب صغير نافع عنوانه الغزليات الفرنسوية فادخل علي ما أنسخ من التبديل والتعديل ما يترك العبارة المنسوخة مطابقة لحالي ملائمة لأمري. وطال تردادي إلى دارها وكثر ثمت تمكثي وتريثي. وتمادى هنا لك تلبثي وتشبثي. وما ساءني الآن أكثر من أنها أصبحت لا ترى الأصحبة بعض أقاربها وإذ كن يتكلمن بالألمانية طبعاً لم أجد سبيلاً إلى إمضاء الوقت إلا بالتنهد والنظر والصمت. ومرت الليالي كلها سواء في الشقاء والكرب وما أشبه الليلة بالبارحة. والمسيو لو يبيعني كل أسبوع عشر سلع على الأقل من أطباق وسكاكين وخواتم وشمع وأساور وصابون وحلة
стр. 36
حرير مبطنة بفروة للشتاء ومصباح بنصاب من الذهب ومؤلفات شعراء الألمان وختم المصائب بقاموس
ولا يفوتني القول إني لم أستلذ التبغ الذي اشتريته من اليهودي رغماً من قوله أنه أجود أصنافه ورغماً من أني تلقيت دروس شربه من شفتي الحسناء (منا) فاشتريت تبغاً خلافه وضميري يلومني على ما ارتكبت من سوء الظن وقلة الثقة.
الآن انتهيت من قصتي إلى جزئها المحزن وشطرها المشؤوم
جاءني صديقي (ويلدر) ذات يوم صحبة رجل من باعة التبغ يدعى المسيو رور وأذاقني بضاعته فاستطبتها ورأيت من الدهاء والحيلة أن أحمله على استبدال مقدار مما لديه بما لدي من التبغ فأخذت أفخر ببضاعتي ثم دخلت خزنتي وعدت بكمية منها فرماها المسيو رور بنظرة ازدراء وقال عندي من هذا الصنف كميات عظيمة.
قال صاحبي ويلدر وعلى وجهه ابتسامة خبث. لا تقل ذاك في مثل هذا التبغ فقد اشتراه صاحبي من رجل صادق مخلص ومالي شهير.
قال رور بلهجة الساخر هل اشتراه من المسيو لو؟
قلت ما عدوت الحقيقة. وهو مما ورد إليه من أخيه المقيم بالأستانة.
قال رور كلا بل ورد إليه من عندي وكنت بعثت سبعة أرطال منه لابنته لو والمسيو هرش أخذاه منى ذات يوم سعر. . . . . . . . في الرطل وهذا ختمي ثم سل من إصبعه القذرة خاتماً له ذلك النقش المطبوع على صرة التبغ.
قلت وفي صوتي رنة المحزون وفي قلبي كمد الخائب: هل بعثت هذا للآنسة منا.؟
قال نعم: وخدعتني بخلابتها عن جزء من ثمنه كان لك الله يا سيدي. إن الفتاة هي التي تعقد لأبيها مساومات البيع. لأن لها فتنة وسحراً لا طاقة لنا به.
قال ويلدور وهو مسرور بمصيبتي مغتبط ببلائي. وهل تبيع الخمر أيضاً يا مسيو رورو؟
فأجاب الرجل مبتسماً عن أفظع الخبث اليهودي يصنع خمرته بيده. ولكن عندي من نبيذ ميدوك لو يمن عليّ اللورد بطلبه: أرسل إلى سيدي خابيه منه.
فصحت بالرجل اخرج من هنا والتهب في عيني الغضب وطار المسيو رور من حضرتي مذعوراً وضحك ويلدر ضحكة شيطان.
стр. 37
وقال أما ترى كيف خدعتك هذه الأسرة؟ فلتعلمن يا أخي أن للقوم سيرة عار وسمعة سوء وما من شاب في المدينة إلا ويحدثك نبأ الأسرة وتاريخها. فأما المسيو لو فساقط القدر لئيم الأصل والفرع وأما ابنته فمصيدة الأحمق وشرك الأبله وإنك يا صاحبي لو تدرك الحقيقة لعلمت أنك هدف مطاعن الناس وغرض أمازيحهم. وكم قبلك وقع الأغرار في تلك الحبالة وختلهم ذلك السراب. وذلك الجندي هيربوك عشق الفتاة وتمادى به الأمر حيناً ثم انجلت عمليته وحدث مثل ذلك للشاب فون تومل ثم تداركه أهله وشغف القائمقام بلتز بالكبرى حتى كاد يطلق امرأته ولم يكن الداء بين جماعة الطلبة بأقل تفشياً منه بين طائفة الجند. وما أبصر اليهودي في فتى من الطلبة مظنة ربح أو مخيلة مغنم إلا استدرجه بحيله وانحط عليه بأساليب مكره ودهائه حتى انكشف أمره عند الجميع وما عنه الشبان قاطبة فلا أحد منهم يقبل على ابنتيه مع مالها من القسامة والوسامة. وإن شئت أن تعرف صدق كلامي فاذهب بنفسك الليلة إلى مرقص جودزبرج تبصر ما أقول لك بعينك فأجبته نعم أنا ذاهب بدعوة من السيدتين ثم انطرحت على المقعد وألححت على أنبوبة التبغ أستثير ضبابها سحابة اليوم وأتململ كالملذوع وقد رسخ في عقيدتي أنه لا بد من أن يكون في كلام ويلدر شيء من الحقيقة. وأقسمت بخالق السموات والأرض لأذبحن كل من لقيت من الجند لسخرهم مني وطعنهم عليّ.
ذهبت تلك الليلة مع السيدتين إلى المرقص بحديقة جودزبرج حيث وجدت الطلبة في القلانس الصغيرة والشعور المسدولة بين جالسين إلى الموائد وراقصين الوالز وهو صنف من الرقص أمقته غاية المقت لأني لست من الرقص في شيء ورأيت كذلك طائفة السلاح في ملابسهم المزرورة وشواربهم الملوية يدورون في المرقص ويجولون كالأبالسة لا رعاهم الله ولا قدس أرواحهم!
وخيل إليّ أني مرموق من جميع العيون إذ ولجت باب الحديقة متأبطاً يمين الآنسة منالو ولعل الغيظ كان بلغ بي منتهاه في تلك اللحظة لأن ويلدر خبرني فيما بعد أن وجهي أزرق من شدة الغضب وكادت عيناي تشتعلان ومن نظر إلي أنذاك أيقن أني لا محالة قاتل من الجند من صادفت.
وكانت منا في حلة شفافة بيضاء كأنما قدت من جلدة الماء. أو قميص الهواء. تريك ذراعها
стр. 38
في قفازتها أحسن بياض في سواد. قد أجاع خصرها النطاق وأشبع الأساور ذراعان عبلتان. وكنت جالساً إلى جانبها لا ينطق فمي. ولكن وجهي ينطق ما بين آيات الغضب ويتلو سورة الرعد وقد نسيت في حضرة جمالها الباهر جميع ما ألم بي في الصباح من الظنون والشكوك.
ولم يجئ إلى منا أحد يدعوها لترقص معه وذلك ما كنت أبغي لأني أحد المصابين بداء الغيرة وهو داء لا يكاد يخلو من عاشق - نعم لم يدعها إلى الرقص إنسان إلا هرش وكان قد عاد من السوق حيث كان يشتري لنا سمكاً فإني لأصب في أذن الفتاة شكوى الحب وأسألها الرد على رسائلي وكتبي إذ أقبل هرش على الفتاة فانحنى لها مسلماً فبهمت ونظرت إلى الفتى فنظر إليّ ووضع يداً على ذراعي ورفع إبهام الأخرى إلى شفتيه يأمرني بالصمت ثم اختطف الغادة من جانبي وشرع ينساب بها في زمرة الراقصين.
وكان النذل قد هيأ للحفلة أحسن ثيابه فخرج في أجمل شارة وجعل يدور بها في المرقص كاللولب. ويبدع في فنون الرقص ويغرب حتى استوقف سائر الراقصين فتنحوا جانباً ومثلوا ينظرون منه السرعة ومنها الرشاقة.
أما أنا فمع اعتقادي أن الكلب (هرش) أحط من أن تتسفل إليه غيرتي فقد وددت لو انصببت عليه بالعصا فأرسلته يطوف الرقص على نغمات الموسيقى من شدة الوجع لا من شدة الطرب.
ولكنهما ما لبثا أن عادا وعلى منا أثر الارتباك وحمرة الخجل
والتفت هرش إلى أختها إما وقال ألا ترقصين معي طلقا أيتها السيدة؟ فأجابته وسارا إلى المرقص. فما كان أعظم اندهاشي إذ رأيت الراقصين جميعاً قد تركوا المرقص لهرش وصاحبته! فرقصا طلقا ثم رجعا بحال من الكآبة والأسف. وصدح الموسيقى لرقص الجماعة (نوع من الرقص يأتيه عدد كثير مثنى مثني) فسألت منا أن تقوم إلى المرقص وجعلت تعتذر إلى عن القيام بألف علة فلم أصغ لها وأبيت إلا قيامها. فأذعنت والتفت إلى هرش فقلت سربا لمدام سليمان (لمرأة أخ منا) إلى المرقص. ثم سرنا نحن الأربعة.
وكان بالمرقص لدن أتيناه عشرون نفساً على الأقل يتهيأون للرقص. فتورد وجه منا وعرتها رجفة فحسبت ذاك لما نالها من الفرح لرقصها مع اللورد الإنكليزي وأقبل هرش
стр. 39
برفيقته الجسيمة فوقفا إزاءنا وعلمت أنه عار ولا شك على اللورد جورج فيزبودل (أنا) أن يراقص حيواناً مثل هرش ولكنها الضرورة!
فصفق المسيو هرش لرجال الموسيقى أن ابتدؤا وكنت مقبلاً على وجه حبيبتي أغازلها ثم التفت وإذا المرقص قد خلا من كل مخلوق إلا نحن الأربعة.
فدهشت الفتاة وتحول جلنار خدها بهارا وكانت لا محالة ساقطة من قامتها لولا اعتمادها على وقالت دعني أذهب إلى أبي فإني مريضة قلت لها بل لترقصين ثم صوبت قبضتي نحو وجه هرش لأني أنست منه رغبة في الذهاب فاضطر إلى الوقوف واندفعنا نحن الأربعة في الرقص.
وخيل إلي من شدة الخجل والارتباك أن الشوط الأول من الرقص استمر مائة ألف عام وعجبت للفتاة منا كيف لم تخر مغشياً عليها. ولكنها استجمعت قواها دفعة واحدة وقذفت القوم من ألحاظها بجمرات الجحيم وعيدا وتهديداً فلو اطلعت عليها إذ ذاك لرأيت شيطاناً بعد ملاك ولكنه شيطان حلو لذيذ ثم مضت في رقصها مضاء الكوكب الوقاد. أما أنا فتوهمت بادئ بدء أن الهواء مملوء بوجوه مساخرة هازئة وجعلت أسير وملء صدري حنق وغيظ ثم طفئت نار الغضب وهدأ بالي حتى استطعت أن أتصفح وجوه القوم. ولم يك بينهم رجل يفرح بي ويبتهج ولكني سمعت أحدهم يوجه إلى منا لفظة برافو مشفوعة بسخرية. والتفت فعرفت القائل دلني عليه احمرار الخجل. ونظر أحدنا إلى أخيه فكان مجرد التقاء الأعين اتفاقا على المبارزة حتى لم تبق هناك حاجة إلى أدنى مفاوضة في الأمر. وفي هذه اللحظة أي بعد إصراري على مبارزة الجندي هيربوك سكن هياجي وهدأ روعي فشكراً لذلك الجندي الذي لولاه لإصابتي الفالج (النقطة) أثناء الرقص.
والتفت منا إلى نظرة أعتاب وملاطفة وأحسست قدها المعشوق يرتجف على ذراعي إذ أرجع بها نحو أبيها. وقالت أسمعت - أسمعت يا عزيزي هذا الصوت؟ (تعني بالطبع الصوت الذي قال برافو) عند ذلك برح الخفاء ووضح الحق فلم أشك في أن الفتاة تعشقني فهي ترتجف خشية أن تكون قد هممت بركوب أخطار المبارزة. فتلجلج من فرط الطرب والوجد لساني ولم يك إلا بعد جهد المنطق أن أقسمت لها بالله إليه غراء أني ما سمعت شيئاً على حين أني حلفت في ضميري يميناً ضخمة لأمزقن ذاك النحر الذي خرجت منه
стр. 40
لفظة برافو فتركت غادتي وعمدت إلى ويلدز فأومأت له نحو الرجل.
قال هذا هيربوك ماذا تريد منه؟
قلت له بحماس وحدة صاحبي! أريد أن أنفذ جنبيه برصاصة. فاذهب إليه فقل ذلك فلما صحت بصاحبي - وقد رأيته يتردد - أما والله إن لم تنفذ للحال كلمتي لأذهبن إلى الوغد فأنزعن أنفه من وجهه أذعن منقاداً ووعدني إمضاء أمري وانقلبت إلى جماعتي.
واقترحت عليهم أن نزور قبل العودة إلى منازلنا قلعة قديمة خربة في ذاك الجوار تشرف على قيعان النهر ذات المياه والأعشاب. فاستلمت ذراع منا وسار اليهودي مع ابنته الأخرى وهرش مع السيدة سليمان. وكانت لحيمة ثقيلة الخطو وكان اليهودي شيخاً ضعيفاً فكان سيرهم لذلك بطيئاً حتى سبقتهم بغادتي سبقاً مبيناً. وعلمت أنها فرصة وأرت انتهازها فجعلت أقول لها أشياء لا تكون إلا من عاشق لحبيبه كقولي لها في أرق لهجة وأعذب لحن قلبي يذوب كلما رآك محزونة ولا جواب فقلت آخذاً في معنى آخر انظري إلى إشراق الليل في سواده إنه يكاد يمثل لي عينيك ولا جواب أيضاً ولعلها كانت في هم مبرح مما جرى تلك الليلة.
فلما تمادى بها السكوت قلت منا! إني أحبك وأراك تعلمين ذلك منذ عهد بعيد كلا يا حبيبتي لا تنزعن يدك من يدي. فإنه إن لم تفاوضني في هذا الشأن شفتاك فقد فاوضتني فيه عيناك وناجاني فؤادك. فكوني زوجة لي إذن! ثم أخذت يدها فأوسعتها تقبيلاً وكنت ولا شك منتقلاً إلى خدها لولا أنها لطمتني أشد لطمة ونفرت مني ثم سقطت من قامتها وطفقت تصيح بأرفع صوتها.
فسمعت صوت اللعين هرش ينادي من ورائنا (منا! منا! منا زوجتي! ثم أقبل يصعد نحونا وألقت الفتاة بنفسها بين ذراعيه صائحة (لورنزو! زوجي أنقذني!).
وأقبل أهلها وصاحت (منا) تسبني والغضب يلتهب في مقلتيها (ويلك يا جبان! يا لقومي لفتاة يهينها وغد لئيم! يا للرجال لوهن النساء من صولة السفلة الجهال!)
عند ذلك صاح هرش (يالك من جبان فاسق. لقد أطلعتني وما استحبيت على حبك الحرام لهذه الشريفة الطاهرة - أطلعتني وأنا عريسها وقرينها. ووقحت حتى جعلت ترسل إليها كتب الصبابة وإن لم يصلها بعد من تلك الكتب لفظة واحدة. وبغيت خداعنا نحن اليهود
следующие страницы →