← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

حرير مبطنة بفروة للشتاء ومصباح بنصاب من الذهب ومؤلفات شعراء الألمان وختم المصائب بقاموس ولا يفوتني القول إني لم أستلذ التبغ الذي اشتريته من اليهودي رغماً من قوله أنه أجود أصنافه ورغماً من أني تلقيت دروس شربه من شفتي الحسناء (منا) فاشتريت تبغاً خلافه وضميري يلومني على ما ارتكبت من سوء الظن وقلة الثقة. الآن انتهيت من قصتي إلى جزئها المحزن وشطرها المشؤوم جاءني صديقي (ويلدر) ذات يوم صحبة رجل من باعة التبغ يدعى المسيو رور وأذاقني بضاعته فاستطبتها ورأيت من الدهاء والحيلة أن أحمله على استبدال مقدار مما لديه بما لدي من التبغ فأخذت أفخر ببضاعتي ثم دخلت خزنتي وعدت بكمية منها فرماها المسيو رور بنظرة ازدراء وقال عندي من هذا الصنف كميات عظيمة. قال صاحبي ويلدر وعلى وجهه ابتسامة خبث. لا تقل ذاك في مثل هذا التبغ فقد اشتراه صاحبي من رجل صادق مخلص ومالي شهير. قال رور بلهجة الساخر هل اشتراه من المسيو لو؟ قلت ما عدوت الحقيقة. وهو مما ورد إليه من أخيه المقيم بالأستانة. قال رور كلا بل ورد إليه من عندي وكنت بعثت سبعة أرطال منه لابنته لو والمسيو هرش أخذاه منى ذات يوم سعر. . . . . . . . في الرطل وهذا ختمي ثم سل من إصبعه القذرة خاتماً له ذلك النقش المطبوع على صرة التبغ. قلت وفي صوتي رنة المحزون وفي قلبي كمد الخائب: هل بعثت هذا للآنسة منا.؟ قال نعم: وخدعتني بخلابتها عن جزء من ثمنه كان لك الله يا سيدي. إن الفتاة هي التي تعقد لأبيها مساومات البيع. لأن لها فتنة وسحراً لا طاقة لنا به. قال ويلدور وهو مسرور بمصيبتي مغتبط ببلائي. وهل تبيع الخمر أيضاً يا مسيو رورو؟ فأجاب الرجل مبتسماً عن أفظع الخبث اليهودي يصنع خمرته بيده. ولكن عندي من نبيذ ميدوك لو يمن عليّ اللورد بطلبه: أرسل إلى سيدي خابيه منه. فصحت بالرجل اخرج من هنا والتهب في عيني الغضب وطار المسيو رور من حضرتي مذعوراً وضحك ويلدر ضحكة شيطان.

стр. 37

وقال أما ترى كيف خدعتك هذه الأسرة؟ فلتعلمن يا أخي أن للقوم سيرة عار وسمعة سوء وما من شاب في المدينة إلا ويحدثك نبأ الأسرة وتاريخها. فأما المسيو لو فساقط القدر لئيم الأصل والفرع وأما ابنته فمصيدة الأحمق وشرك الأبله وإنك يا صاحبي لو تدرك الحقيقة لعلمت أنك هدف مطاعن الناس وغرض أمازيحهم. وكم قبلك وقع الأغرار في تلك الحبالة وختلهم ذلك السراب. وذلك الجندي هيربوك عشق الفتاة وتمادى به الأمر حيناً ثم انجلت عمليته وحدث مثل ذلك للشاب فون تومل ثم تداركه أهله وشغف القائمقام بلتز بالكبرى حتى كاد يطلق امرأته ولم يكن الداء بين جماعة الطلبة بأقل تفشياً منه بين طائفة الجند. وما أبصر اليهودي في فتى من الطلبة مظنة ربح أو مخيلة مغنم إلا استدرجه بحيله وانحط عليه بأساليب مكره ودهائه حتى انكشف أمره عند الجميع وما عنه الشبان قاطبة فلا أحد منهم يقبل على ابنتيه مع مالها من القسامة والوسامة. وإن شئت أن تعرف صدق كلامي فاذهب بنفسك الليلة إلى مرقص جودزبرج تبصر ما أقول لك بعينك فأجبته نعم أنا ذاهب بدعوة من السيدتين ثم انطرحت على المقعد وألححت على أنبوبة التبغ أستثير ضبابها سحابة اليوم وأتململ كالملذوع وقد رسخ في عقيدتي أنه لا بد من أن يكون في كلام ويلدر شيء من الحقيقة. وأقسمت بخالق السموات والأرض لأذبحن كل من لقيت من الجند لسخرهم مني وطعنهم عليّ. ذهبت تلك الليلة مع السيدتين إلى المرقص بحديقة جودزبرج حيث وجدت الطلبة في القلانس الصغيرة والشعور المسدولة بين جالسين إلى الموائد وراقصين الوالز وهو صنف من الرقص أمقته غاية المقت لأني لست من الرقص في شيء ورأيت كذلك طائفة السلاح في ملابسهم المزرورة وشواربهم الملوية يدورون في المرقص ويجولون كالأبالسة لا رعاهم الله ولا قدس أرواحهم! وخيل إليّ أني مرموق من جميع العيون إذ ولجت باب الحديقة متأبطاً يمين الآنسة منالو ولعل الغيظ كان بلغ بي منتهاه في تلك اللحظة لأن ويلدر خبرني فيما بعد أن وجهي أزرق من شدة الغضب وكادت عيناي تشتعلان ومن نظر إلي أنذاك أيقن أني لا محالة قاتل من الجند من صادفت. وكانت منا في حلة شفافة بيضاء كأنما قدت من جلدة الماء. أو قميص الهواء. تريك ذراعها

стр. 38

في قفازتها أحسن بياض في سواد. قد أجاع خصرها النطاق وأشبع الأساور ذراعان عبلتان. وكنت جالساً إلى جانبها لا ينطق فمي. ولكن وجهي ينطق ما بين آيات الغضب ويتلو سورة الرعد وقد نسيت في حضرة جمالها الباهر جميع ما ألم بي في الصباح من الظنون والشكوك. ولم يجئ إلى منا أحد يدعوها لترقص معه وذلك ما كنت أبغي لأني أحد المصابين بداء الغيرة وهو داء لا يكاد يخلو من عاشق - نعم لم يدعها إلى الرقص إنسان إلا هرش وكان قد عاد من السوق حيث كان يشتري لنا سمكاً فإني لأصب في أذن الفتاة شكوى الحب وأسألها الرد على رسائلي وكتبي إذ أقبل هرش على الفتاة فانحنى لها مسلماً فبهمت ونظرت إلى الفتى فنظر إليّ ووضع يداً على ذراعي ورفع إبهام الأخرى إلى شفتيه يأمرني بالصمت ثم اختطف الغادة من جانبي وشرع ينساب بها في زمرة الراقصين. وكان النذل قد هيأ للحفلة أحسن ثيابه فخرج في أجمل شارة وجعل يدور بها في المرقص كاللولب. ويبدع في فنون الرقص ويغرب حتى استوقف سائر الراقصين فتنحوا جانباً ومثلوا ينظرون منه السرعة ومنها الرشاقة. أما أنا فمع اعتقادي أن الكلب (هرش) أحط من أن تتسفل إليه غيرتي فقد وددت لو انصببت عليه بالعصا فأرسلته يطوف الرقص على نغمات الموسيقى من شدة الوجع لا من شدة الطرب. ولكنهما ما لبثا أن عادا وعلى منا أثر الارتباك وحمرة الخجل والتفت هرش إلى أختها إما وقال ألا ترقصين معي طلقا أيتها السيدة؟ فأجابته وسارا إلى المرقص. فما كان أعظم اندهاشي إذ رأيت الراقصين جميعاً قد تركوا المرقص لهرش وصاحبته! فرقصا طلقا ثم رجعا بحال من الكآبة والأسف. وصدح الموسيقى لرقص الجماعة (نوع من الرقص يأتيه عدد كثير مثنى مثني) فسألت منا أن تقوم إلى المرقص وجعلت تعتذر إلى عن القيام بألف علة فلم أصغ لها وأبيت إلا قيامها. فأذعنت والتفت إلى هرش فقلت سربا لمدام سليمان (لمرأة أخ منا) إلى المرقص. ثم سرنا نحن الأربعة. وكان بالمرقص لدن أتيناه عشرون نفساً على الأقل يتهيأون للرقص. فتورد وجه منا وعرتها رجفة فحسبت ذاك لما نالها من الفرح لرقصها مع اللورد الإنكليزي وأقبل هرش

стр. 39

برفيقته الجسيمة فوقفا إزاءنا وعلمت أنه عار ولا شك على اللورد جورج فيزبودل (أنا) أن يراقص حيواناً مثل هرش ولكنها الضرورة! فصفق المسيو هرش لرجال الموسيقى أن ابتدؤا وكنت مقبلاً على وجه حبيبتي أغازلها ثم التفت وإذا المرقص قد خلا من كل مخلوق إلا نحن الأربعة. فدهشت الفتاة وتحول جلنار خدها بهارا وكانت لا محالة ساقطة من قامتها لولا اعتمادها على وقالت دعني أذهب إلى أبي فإني مريضة قلت لها بل لترقصين ثم صوبت قبضتي نحو وجه هرش لأني أنست منه رغبة في الذهاب فاضطر إلى الوقوف واندفعنا نحن الأربعة في الرقص. وخيل إلي من شدة الخجل والارتباك أن الشوط الأول من الرقص استمر مائة ألف عام وعجبت للفتاة منا كيف لم تخر مغشياً عليها. ولكنها استجمعت قواها دفعة واحدة وقذفت القوم من ألحاظها بجمرات الجحيم وعيدا وتهديداً فلو اطلعت عليها إذ ذاك لرأيت شيطاناً بعد ملاك ولكنه شيطان حلو لذيذ ثم مضت في رقصها مضاء الكوكب الوقاد. أما أنا فتوهمت بادئ بدء أن الهواء مملوء بوجوه مساخرة هازئة وجعلت أسير وملء صدري حنق وغيظ ثم طفئت نار الغضب وهدأ بالي حتى استطعت أن أتصفح وجوه القوم. ولم يك بينهم رجل يفرح بي ويبتهج ولكني سمعت أحدهم يوجه إلى منا لفظة برافو مشفوعة بسخرية. والتفت فعرفت القائل دلني عليه احمرار الخجل. ونظر أحدنا إلى أخيه فكان مجرد التقاء الأعين اتفاقا على المبارزة حتى لم تبق هناك حاجة إلى أدنى مفاوضة في الأمر. وفي هذه اللحظة أي بعد إصراري على مبارزة الجندي هيربوك سكن هياجي وهدأ روعي فشكراً لذلك الجندي الذي لولاه لإصابتي الفالج (النقطة) أثناء الرقص. والتفت منا إلى نظرة أعتاب وملاطفة وأحسست قدها المعشوق يرتجف على ذراعي إذ أرجع بها نحو أبيها. وقالت أسمعت - أسمعت يا عزيزي هذا الصوت؟ (تعني بالطبع الصوت الذي قال برافو) عند ذلك برح الخفاء ووضح الحق فلم أشك في أن الفتاة تعشقني فهي ترتجف خشية أن تكون قد هممت بركوب أخطار المبارزة. فتلجلج من فرط الطرب والوجد لساني ولم يك إلا بعد جهد المنطق أن أقسمت لها بالله إليه غراء أني ما سمعت شيئاً على حين أني حلفت في ضميري يميناً ضخمة لأمزقن ذاك النحر الذي خرجت منه

стр. 40

لفظة برافو فتركت غادتي وعمدت إلى ويلدز فأومأت له نحو الرجل. قال هذا هيربوك ماذا تريد منه؟ قلت له بحماس وحدة صاحبي! أريد أن أنفذ جنبيه برصاصة. فاذهب إليه فقل ذلك فلما صحت بصاحبي - وقد رأيته يتردد - أما والله إن لم تنفذ للحال كلمتي لأذهبن إلى الوغد فأنزعن أنفه من وجهه أذعن منقاداً ووعدني إمضاء أمري وانقلبت إلى جماعتي. واقترحت عليهم أن نزور قبل العودة إلى منازلنا قلعة قديمة خربة في ذاك الجوار تشرف على قيعان النهر ذات المياه والأعشاب. فاستلمت ذراع منا وسار اليهودي مع ابنته الأخرى وهرش مع السيدة سليمان. وكانت لحيمة ثقيلة الخطو وكان اليهودي شيخاً ضعيفاً فكان سيرهم لذلك بطيئاً حتى سبقتهم بغادتي سبقاً مبيناً. وعلمت أنها فرصة وأرت انتهازها فجعلت أقول لها أشياء لا تكون إلا من عاشق لحبيبه كقولي لها في أرق لهجة وأعذب لحن قلبي يذوب كلما رآك محزونة ولا جواب فقلت آخذاً في معنى آخر انظري إلى إشراق الليل في سواده إنه يكاد يمثل لي عينيك ولا جواب أيضاً ولعلها كانت في هم مبرح مما جرى تلك الليلة. فلما تمادى بها السكوت قلت منا! إني أحبك وأراك تعلمين ذلك منذ عهد بعيد كلا يا حبيبتي لا تنزعن يدك من يدي. فإنه إن لم تفاوضني في هذا الشأن شفتاك فقد فاوضتني فيه عيناك وناجاني فؤادك. فكوني زوجة لي إذن! ثم أخذت يدها فأوسعتها تقبيلاً وكنت ولا شك منتقلاً إلى خدها لولا أنها لطمتني أشد لطمة ونفرت مني ثم سقطت من قامتها وطفقت تصيح بأرفع صوتها. فسمعت صوت اللعين هرش ينادي من ورائنا (منا! منا! منا زوجتي! ثم أقبل يصعد نحونا وألقت الفتاة بنفسها بين ذراعيه صائحة (لورنزو! زوجي أنقذني!). وأقبل أهلها وصاحت (منا) تسبني والغضب يلتهب في مقلتيها (ويلك يا جبان! يا لقومي لفتاة يهينها وغد لئيم! يا للرجال لوهن النساء من صولة السفلة الجهال!) عند ذلك صاح هرش (يالك من جبان فاسق. لقد أطلعتني وما استحبيت على حبك الحرام لهذه الشريفة الطاهرة - أطلعتني وأنا عريسها وقرينها. ووقحت حتى جعلت ترسل إليها كتب الصبابة وإن لم يصلها بعد من تلك الكتب لفظة واحدة. وبغيت خداعنا نحن اليهود

стр. 41

فبغيت وكان عليك بغيك. فقبحاً لك وويلا! إني لأمقتك وأزدريك!) ثم جعل يمناه نطاقاً للحسناء وساروا جميعاً. وبقيت كالذي ذهب عقله ثم تراجع إليّ رشدي ولحقتني لوعة وحرقة وذهبت إلى منزلي فبت بليلة السليم: ولما كان الصباح جاءني رسول من قبل هرش له سحنة بائع الثياب البالية يحمل إليّ ظرفاً ففضضته فإذا فيه جميع الرسائل التي كنت بعثت بها إلى (منا) ورسالة من هرش يدعوني فيها إما إلى المبارزة أو إلى الاستغفار من زلتي. فقلت للرسول أما المعذرة والاستغفار فله ذلك مني متى شاء أن يحضر قلت ذاك وأشرت إلى عصا غليظة بأقصى الغرفة ثم ليسرع إليّ إن كان آتياً فقد أزمعت الرحيل غداً فلما سمع الرسول ذلك سألني ألست أرغب في شراء تبغ جيد أقصر به مسافة زحلتي فإن لديه صنفاً جمع إلى غاية الجودة منتهى الرخص فأشرت إلى الخادم أن يشيعه إلى باب الدار وحمدت الله على ذهابه. وما زال يجيئني من هرش كل عام رسالتان يسألني فيهما أن أقبل منه على سبيل الهدية إما قصراً فاخراً ببلاد بوهيميا أو أستريا وإما مبلغ مائة ألف جنيه إن كنت أوثر المال وقد رأيت زوجته (منا) عام أول في دار التمثيل مثلقة بالماس والياقوت والشحم واللحم. فقلت في نفسي. أي منا! اسمني ما شئت واقبحي فعندي الأنبوبة التي ذاقت الشهد من أعذب ثغر في طوائف موسى. (تمت)

стр. 42

شذرات العاصفة (نبذة في الوصف من أبلغ ما كتب الكاتبون عربناها عن الإنكليزية) لقد جعل الله ضبط حركات النفس وتدبير شؤون الحياة إلى عاملين قويين - محبة الله ومخافة الإثم والموت. وبينا ترى الكثيرين قد اهتدوا إلى ما أودع الله نواحي الوجود من دواعي العجب والإعجاب والتكبير والتهليل إذا بهم قد أغفلوا أن الله قد جعل كذلك من هائل المناظر ما قصد به إلى إخافة الإنسان وترويعه - لا أريد ذلك الخوف الفجائي الحقير الناشئ من خطب ملم وخطر مشرف بل الخوف الناشئ من تأمل المرء قوى العناصر ثائرة ثوران إتلاف وتدمير يروع مسمعيك بصوت المنون ويلقى في جنانك وحشة البلى. وبذلك يبلغ الرعب من نفوس البشر مبلغاً لا غاية وراءه على حين لا خوف عليهم ولا بأس اللهم إلا رجلا أو اثنين قد يمسهم الضر وقد لا يمسهم فانظر مثلاً إلى عاصفة الصاعقة. ماذا هنالك من تجنيد كتائب السحاب وتعبئة جيوش المزن وحشد جحافل الأنواء وماذا هنالك من سكتة الأشجار قبل هبوب الريح وتهامس الأوراق تتساءل من أين مهبها وأين تضرب؟ وماذا هنالك من دمدمة السحاب في أقصى الأفق وهمهمته قبل أن يسل سيوف نيرانه. وماذا هنالك من تقدم جنازة الدجن في حداد ظلمة اليوم المربد. وماذا هنالك من قعقعاع قبة السماء كأنما تهم أركانها أن تتصدع وهذا رعب لاتقاس مسافته بالدقيقة وإنما روعة تنزل الفؤاد فلا يبرح منه أثرها ومايزال يتردد في المخيلة صداها. ويتمثل في لوح الخاطر خيالها من ههنا وههنا الآداب الإنكليزية: منح أحد نبلاء بريطانيا كلية كمبرج عشرين ألف جنيه لتؤسس بها درساً في الآداب الإنكليزية تسميه درس الملك إدوارد السابع: وأنشأؤا في إنكلترا جمعية دخلها الناس في كل البلاد التي يتكلم فيها بالإنكليزية غايتها إشراب القلوب حب الشعر إذ ثبت أن المدينة المادية الحالية لاتحلو إلا إذا احتفظ الناس فيها بالخيال في الحياة. وكذلك نعتذر إلى قرائنا الأفاضل عن تأخر العدد الثاني من البيان عن موعد (٣٠ رمضان) بأمرين قاما في الطريق أولهما اشتغالنا بكتاب الأبطال الذي نرى في سرعة إنجازه فائدة لا تقل عن أظهار العدد الثاني في إبانه وثانيهما شؤون مطبعية لم نحسب لها حساباً وكانت لنا

стр. 43

نعم الدرس علمنا كيف نأخذ حذرنا ونحتاط لأمرنا حتى لا نقع فيما وقعنا فيه ولا نؤخر البيان لحظة من الزمن - على أنناقد عوضنا ذلك على القراء بإظهار العدد الثالث مع أخيه وإن كان لما يجئ موعده فلعل ذلك يكون عذيراً لنا إلى المنصفين إن شاء الله. حجم البيان وزيادة أبوابه يعلم قراؤنا الأفاضل أن البيان ظهر أول ما ظهر في ٨٠ صحيفة وفي النية مع ذلك أن نزيد حجمه على مر الأيام كلما رأينا تنشيطاً من القارئين وها نحن أولاء قد زدنا هذين العددين عشر صحائف حيث وقع العددان في مائة وسبعين صحيفة وسنستمر على هذه الزيادة كلما زادنا الأنصار إقبالاً ومسعدة - وكذلك رغب إلينا كثير من القراء أن نزيد أبواب البيان (علي كثرتها) أبواباً أخرى تمس إليها الحاجة فطائفة رغبت أن يكون في البيان أمالي في الأدب تلم ما تبدد في كتب الأدب والتاريخ من سير الشعراء والأدباء. والظرفاء والمغنين والمجان وأخبار العرب المستطرفة واقترحت أخرى أن يكون في البيان أمالي في الدين تقرب للناس أبوابه من الفقه والتفسير والحديث والتوحيد والأخلاق الدينية بأسلوب سهل مقبول وثالثة استحثتنا على أن نعني بنشر المباحث العلمية والفلسفية الحديثة - أما الاقتراحان الأولان فقد وقعا من نفسنا موقعاً حسناً وأجمعنا النية على إدخالهما بين أبواب البيان وقد ابتدأنا في الأمالي الأديبة من هذا العدد وسنبتدي في الأمالي الدينية من العدد التالي وأما الاقتراح الثالث فهو من موضوعات البيان التي أخذ على نفسه العناية بها.

стр. 44

العدد ٢ - بتاريخ: ٢٣ - ٩ - ١٩١١

стр. 45

الأبطال وعبادة البطولة يعلم قراء البيان أن مما أخذنا على أنفسنا وجعلناه في مقدمة أعمالنا التي اختار الله لنا العمل عليها: أن نعني بنقل أطيب مؤلفات الإفرنج إلى لغتنا العربية حتى يكون هناك مادة غزيرة مؤاتية لهذه اللغة وآدابها وعلومها وحتى لا يحرم أبناؤها أن يجتنوا ثمار قرائح أولئك القوم الذين سبقونا في كل شيء وبلغوا ولاسيما في العلوم والمعارف والآداب مبلغاً لا يكاد يكون بعده مطمع لطامع ولا مطمح لمستزيد وقد عثر بنا الاختيار أثناء بحثنا عن الأسفار النافعة على كل جليل من أفيد وأمتع وأحكم وأبدع وأبين وأبلغ وأفخم وأنبغ ما كتب الكاتبون وأبان المفصحون ونصح الناصحون - كتاب التقي فيه التاريخ بالفلسفة والأخلاق بل تلاقت فيه العلوم جميعاً وتآخت فبينا ترى كلاماً في سيرة البطل وترجمة حالة إذ تراك تقرأ مبحثا من أجمل وأدق المباحث الفلسفية واذهجم عليك موضوع من أطيب الموضوعات الأخلاقية وإذ مر بك نظرة اجتماعية وطرفة أدبية وما شئت من فصاحة هاشمية وحكمة لقمانية وعلم صحيح وإخلاص صريح. تكاثرت الظباء على خراش ... فما يدري خراش ما يصيد أما ذلك الكتاب فهو كتاب الأبطال وعنوانه بالإنكليزية هكذا - أي الأبطال وعبادة البطولة - وضعه الكاتب الإنكليزي الأكبر والفيلسوف الأشهر توماس كارليل المولود - سنة ١٧٩٥ والمتوفي سنة ١٨٨١ والذي سنفرد لترجمته مقالاً مشبعاً - وموضوع هذا الكتاب الكلام عن عظماء الرجال وسيرهم وسر عظمتهم والدعوة إلى احترامهم والتشنيع على أولئك الذين مرضت قلوبهم وأمعن الخبث في نفوسهم وفت الكفر في أعضادهم فلا يأبهون بعظيم ولا يحفلون ببطل أياً كان وعلى أية حال وجد رسولاً كان أو نبياً أو مصلحاً أو تقياً أو شاعراً أو كاتباً أو ملكاً أو قائداً - وأبطاله الذين كتب عنهم وأفاض في سيرتهم أطيب إفاضة هم سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله ﷺ و (أودين) معبود أهالي السويد والنرويج وأمم الشمال في القديم ولوثر ونوكس المصلحان الدينيان ودانتى وشا كسبير الشاعران العظيمان والكتاب جونسون وبارنز وجان جاك روسو والقائدان الكبيران نابوليون بونابرت وكرومويل - فكتب في هؤلاء كتابة مشبعة عميقة منصفة لم يسبقه إليها سابق ولا يكاد يلحقه فيها لاحق كتابة لو قرأها قارئ ولم

стр. 46

يخرج منها مؤمناً صادقاً ومخلصاً صريحاً وبطلاً عظيماً فلا كتب كاتب ولا قرأ قارئ. وقد ترجم هذا الكتاب إلى العربية أخونا الكاتب النابغة الضليع محمد السباعي واحتفل في هذه الترجمة إيما احتفال وتأنق أيما تأنق حتى تشابه الأصل والترجمة وتشاكل الأمر. فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر وقد طبع هذا الكتاب على نفقة مكتبة البيان ووقع في نيف وأربعمائة صحيفة وهذه فاتحة الكتاب إنما يضمني وإياكم هذا المقام وتواليه للكلام شيئاً عن عظماء الرجال ومظاهرهم في مسارح الحياة والأشكال التي تشكلوها في تاريخ البشر وآراء الناس فيهم وماذا أحدثوا من الأعمال - للكلام عن الأبطال وعما استقبلهم به أهالي أزمانهم وعما صنعوا هم من جلائل الأمور - ولعل هذا مبحث عويص لا أرانى موفيه حقه - مبحث لعمر الله قصى الغاية يشق على نزع الخواطر مرماه ويقع وراء جهد الأوهام منتهاه وما ظنكم بمبحث هو التاريخ بحذافيره إذ في اعتقادي أن التاريخ العام - تاريخ ما أحدث الإنسان في هذا العالم - إنما هو تاريخ من ظهر في الدنيا من العظماء فهم الأئمة وهم المكيفون للأمور وهم الأسوة والقدوة وهم المبدعون لكل ما وفق إليه أهل الدنيا وكل ما بلغه العالم وكل ما تراه قائماً في هذا الوجود كاملاً متقناً فاعلم أنه نتيجة أفكار أولئك العظماء الذين اصطفاهم الله وأرسلهم إلى الناس ليؤدي كلٌّ ما ناطته به القدرة الالهية من الخير. فروح تاريخ العالم إنما هو تاريخ أولئك الفحول وظني أنه مبحث لن يسعه هذا المقام! بيد أن من أسباب العزاء أن في ذكرى العظماء كيفما كانت نفعاً وفائدة والرجل العظيم لا يزال بعد موته ينبوع نور يتدفق فليس أحسن من مجاورته شيء - نور يضيء وكان يضيء ظلمات الحياة وليس هو كسراج أشعل ولكنما نجم شبته يد الله بين أشباهه من كواكب الأفق هو كما قلت ينبوع نور يتدفق بالحكمة ومعاني الرجولة والشرف الكبير وهو الذي شعاعه أنس الأرواح وروح النفوس ومتعة الخواطر واليس في ظني أن أحداً منكم يحجم برهة عن ورود تلك المناهل العذبة كيفما كان طريق المورد ويقيني أن نظرة في تواريخ الأبطال الشتي الصنوف الذين أنا آخذ الآن في سرد سيرهم جديرة أن تكون بمثابة نظرة في مخ تاريخ البشر وصميم لبابه. وما أسعدني لو أستطيع في مثل هذا العصر الذي

стр. 47

ضعف فيه إجلال الرجل للرجل أن أفهمكم شيئاً من معاني عظمة الأبطال وجلالهم أي من معاني البطولة والبطولة في مذهبي هي العروة المقدسة التي تعقد ما بين الرجل العظيم وبين سائر الناس ما أسعدني لو أتيح لي ذلك ولكني محاول وباذل مجهودي ولما كان كلامه عن المصطفي ﵊ من أنصف وأعدل وأفخم وأنبل ما كتب كاتب في هذا الشأن وكان من بين أبواب البيان باب تاريخ الإسلام آثرنا أن نبادر بنشر هذا المبحث الرائع الذي هو في الحقيقة قطب التاريخ الإسلامي ونجتزئ به في هذا العدد عن مبحث الأديان الذي أجلنا نشره إلى العدد الآتي - قال توماس كارليل بعد مقدمة الباب الثاني الذي عقده للكلام عن السيد الرسول ﵇. لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متمدين من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يظن من أن دين الإسلام كذب وإن محمداً خداع مزور وآن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة فإن الرسالة التي أداها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرناً لنحو مائتي مليون من الناس أمثالنا خلقهم الله الذي خلقنا أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها وما عليها هذه الملايين الفائتة الحصر والإحصاء أكذوبة وخدعة؟ أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبداً ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا الرواج ويصادفان منهم مثل ذلك التصديق والقبول فما الناس إلا بله ومجانين وما الحياة إلا سخف وعبث وأضلولة كان الأولى بها أن لا تخلق. فوا أسفاه ما أسوأ مثل هذا الزعم وما أضعف أهله وأحقهم بالرثاء والمرحمة (وبعد) فعلى من أراد أن يبلغ منزلة ما في علوم الكائنات أن لا يصدق شيئاً بتة من أقوال أولئك السفهاء! فلنها نتائج جيل كفر وعصر جحود وإلحاد وهي دليل على خبث القلوب وفساد الضمائر وموت الأرواح في حياة الأبدان ولعل العالم لم يرقط رأياً أكفر من هذا والأم وهل رأيتم قط معشر الإخوان أن رجلاً كاذباً يستطيع أن يوجد ديناً وينشره عجباً والله إن الرجل الكاذب لا يقدر أن يبني بيتاً من الطوب! فهو إذا لم يكن عليماً بخصائص الجير والجص والتراب وماشا كل ذلك فما ذلك الذي يبنيه ببيت وإنما هو تل من الأنقاض وكثيب من أخلاط المواد. نعم وليس جديراً أن يبقى على دعائمه اثني عشر قرناً يسكنه مائتا مليون من الأنفس ولكنه

стр. 48

جدير أن تنهار أركانه فينهدم فكأن لم يغن بالأمس وإن لأعلم أنه على المرء أن يسير في جميع أمره طبق قوانين الطبيعة وإلا أبت أن تجيب طلبته وتعطيه بغيته كذب والله ما يذيعه أولئك الكفار وإن زخرفوه حتي خيلوه حقا وزور وباطل وإن زينوه حتى أوهمو صدقاً ومحنة والله ومصاب أن ينخدع الناس شعوباً وأمماً بهذه الأضاليل وتسود الكذبة وتقود بهاتيك الأباطيل وإنما هو كما ذكرت لكم من قبيل الأوراق المالية المزورة يحتال لها الكذاب حتى يخرجها من كفه الأثيمة ويحيق مصابها بالغير لا به وأي مصاب وأبيكم؟ مصاب كمصاب الثورة الفرنسية وأشباهها من الفتن والمحن تصيح بملء أفواهها هذه الأوراق كاذبة!. أما الرجل الكبير خاصة فإني أقول عنه يقيناً أنه من المحال أن يكون كاذباً فإني أرى الصدق أساسه وأساس كل ما به من فضل ومحمدة وعندي إنه ما من رجل كبير - ميرابو أو نابليون أو بارنز أو كرمويل - كفء للقيام بعمل ما إلا وكان الصدق والإخلاص وحب الخير أول باعثاته عل محاولة ما يحاول أعنى أنه رجل صادق النية جاد مخلص قبل كل خواص الرجل العظيم كيفما كان لا أريد أخلاص ذلك الرجل الذي لا يبرح يفتخر للناس بإخلاصه كلا فإن هذا حقير جداً وأيم الله هذا إخلاص سطحي وقح وهو في الغالب غرور وفتنة إنما أخلاص الرجل الكبير هو مما لا يستطيع أن يتحدث به صاحبه كلا ولا يشعر به بل لا حسب أنه ربما شعر من نفسه بعدم الإخلاص إذ أين ذاك الذي يستطيع أن يلزم منهج الحق يوماً واحداً نعم إن الرجل الكبير لا يفخر بإخلاصه قط بل هو لا يسأل نفسه أهي مخلصة وبعبارة أخرى أقول أن إخلاصه غير متوقف على إرادته فهو مخلص على الرغم من نفسه سواء أراد أم لم يرد هو يرى الوجود حقيقة كبرى تروعه وتهوله - حقيقة لا يستطيع أن يهرب من جلالها الباهر مهما حاول هكذا خلق الله ذهنه وخلقة ذهنه على هذه الصورة هو أول أسباب عظمته هو يرى الكون مدهشاً ومخيفاً وحقاً كالموت وحقاً كالحياة وهذه الحقيقة لا تفارقه أبداً وإن فارقت معظم الناس فساروا على غير هدى وخبطوا في غياهب الضلال والعماية بل تظل هذه الحقيقة كل لحظة بين جنبيه ونصب عينيه كأنها مكتوبة بحروف من اللهب لا شك فيها ولا ريب ها هي! ها هي! - فاعرفوا هداكم الله أن هذه هي أول صفات العظيم وهذا حده الجوهري وتعريفه وقد توجد هذه في الرجل الصغير

стр. 49

فهي جديرة أن توجد في نفس كل إنسان خلقه الله ولكنها من لوازم الرجل العظيم ولا يكون الرجل عظيماً إلا بها. مثل هذا الرجل هو ما نسميه رجلاً أصلياً صافي الجوهر كريم العنصر - فهو رسول مبعوث من الأبدية المجهولة برسالة إلينا فقد نسميه شاعراً أو نبياً أو الهاً وسواء هذا أو ذاك أو ذلك فقد نعلم أن قوله ليس بمأخوذ من رجل غيره ولكنه صادر من لباب حقائق الأشياء نعم هو يرى باطن كل شيء لا يحجب عنه ذلك باطل الاصطلاحات وكاذب الاعتبارات والعادات والمعتقدات وسخيف الأوهام والأراء وكيف وإن الحقيقة لتسطع لعينه حتى يكاد يعشى لنورها ثم إذا نظرت إلى كلمات العظيم شاعراً كان أو فيلسوفاً أو نبياً أو فارساً أو ملكاً ألا تراها ضرباً من الوحي والرجل العظيم في نظري مخلوق من فؤاد الدنيا وأحشاء الكون فهو من الحقائق الجوهرية للأشياء وقد دل الله على وجوده بعدة آيات أرى أن أحدثها وأجدها هو الرجل العظيم الذي علمه الله العلم والحكمة فوجب علينا أن نصغي إليه قبل كل شيء. وعلى ذلك فلسنا نعد محمداً هذا قط رجلاً كاذباً متصنعاً يتذرع بالحيل والوسائل إلى بغية أو يطمح إلى درجة ملك أو سلطان أو غير ذلك من الحقائر والصغائر وما الرسالة التي أداها الأحق صراح وما كلمته إلا صوت صادق صادر من العالم المجهول كلاما محمد بالكاذب ولا الملفق وإنما هو قطعة من الحياة قد تفطر عنها قلب الطبيعة فإذا هي شهاب قد أضاء العالم أجمع ذلك أمر الله وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وهذه حقيقة تدمغ كل باطل وتدحض حجة القوم الكافرين. وهب لمحمد ﵇ غلطات وهفوات - وأي إنسان لا يخطيء إنما العصمة لله وحده - فإنه ليس في طاقة أية هفوات أو غلطات أن تزرى بتلك الحقيقة الكبرى وهي أنه رجل صادق ونبي مرسل. وأرانا على العموم نجسم الهفوات ونجعل من الجزئيات حجباً تستر عنا الحقائق الكلية. الهفوات؟ أيحسب الناس أنه يخلو منها إنسان أن أكبر الهفوات عندي أن يحسب المرء أنه برئ من الهفوات ما بال الناس لا يذكرون نبي الله داود؟ ألم يرتكب داود أفظع الجرائم وأشنع الآثام إلا ما أهون أمر الذنوب وأصغر خطر الأغلاط - الجزئيات والقشور - إذا

стр. 50

كان لبلبها كريماً وسرهاً حراً شريفاً وكان في التوبة النصوح والندم الصادق ووخز الضمير ولذع الذاكرة أكبر مكفر للسيئات ومطهر لاردان الروح من أدران الشوائب أليست التوبة أكرم أعمال المرء قاطبة وأقدس أفعاله؟ إنما ألام الذنب هو كما قلت حسبان المرء أنه برئ من كل ذنب وكل نفس هذا شأنها فهي في نظري مطلقة من الوفاء والمروءة بعيدة عن التقى والبر والحق أو هي ميتة أو إن تشأ فقل هي نقية نقاء الرمل الجاف الميت وإني أحسب أن سيرة داود وتاريخه كما هو مدون في مزاميره لا صدق آية على ارتقاء المرء في معارج المكرمات وعلى حرب العقل والهوى - حرباً طالما يهزم فيها العقل هزيمة تضعضع جانبه وتتركه لقي مشفياً على الانقراض ولكنها حرب بغير نهاية مشفوعة أبداً بالبكاء والتوبة واسنهاض العزم الصادق الذي لا يبرح يتجدد بعد كل هزيمة يا ويل النفس الإنسانية ما أشد خطبها بين ضعفها وقوة شهواتها! أو ليست حياة الإنسان في هذه الدنيا سلسلة عثرات؟ وهل في استطاعة المرء خلاف ذلك وهل يطيق في ظلمات هذه الحياة إلا الاعتساف والتخبط؟ فما ينهض من عثرة إلا لأخرى وبين هذه وتلك نحيب وعبرات وشهيق وزفرات وإنما الأمر إلهام هو أيظفر على هواه بعد كل هذه المجاهدات وأنا لنصفح عن كثير من الجزئيات مادام اللباب حقاً والصميم صحيحاً وما كانت الجزئيات وحدها لتعرفنا حقيقة إنسان كانت عرب الجاهلية أمة كريمة تسكن بلاداً كريمة وكأنما خلق الله البلاد وأهلها على تمام وفاق فكان ثمت شبه قريب بين وعورة جبالها ووعورة أسلافهم وبين جفاء منظرها وجفاء طباعهم وكان يلطف من قسوة قلوبهم مزاج من اللين والدماثة كما كان يبسط من عبوس وجوه البلاد رياض خضراء وقيعان ذات امواه واكلاء وكان الأعراببي صامتاً لا يتكلم إلا فيما يعنيه إذ كان يسكن أرضاً قفراً يباباً خرساء تخالها بحراً من الرمل يصطلى جمرة النهار طوله ويكافح بحر وجهه نفحات القر ليله. رأت رجلا اما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وإما بالعشى فيخصر ولا أحسب أناساً شأنهم الانفراد وسط البيد والقفار يحادثون ظواهر الطبيعة ويناجون أسرارها إلا أنهم يكونون أذكياء القلوب حداد الخواطر خفاف الحركة ثاقبي النظر وإذا صح أن الفرس هم فرنسويوا المشرق فالعرب لا شك طليانه والحق أقول لقد كان أولئك

стр. 51

العرب قوماً أقوياء النفوس كأن أخلاقهم سيول دفاقة لها من شدة حزمهم وقوة إرادتهم أحصن سور وأمنع حاجز وهذه وابيكم أم الفضائل وذروة الشرف الباذخ وق كان أحدهم يضيفه ألد أعدائه فيكرم مثواه وينحر له فإذا أزمع الرحيل خلع عليه وحمله وشيعه ثم هو بعد كل ذلك لا يحجم أن يقاتله متى عادت به إليه الفرص وكان العربي أغلب وقته صامتاً فإذا قال أفصح: ويزعم أن العرب من عنصر اليهود والحقيقة أنهم شاركوا اليهود في مرارة الجد وخالفوهم في حلاوة الشمائل ورقة الظرف وفي ألمعية القريحة وأريحية القلب وكان لهم قبل زمن محمد ﵇ منافسات في الشعر يجرونها بسوق عكاظ في جنوب البلاد حيث كانت تقام أسواق التجارة فإذا انتهت الأسواق تناشد الشعراء القصائد ابتغاء جائزة تجعل للأجواء قريضاً والأحكم قافية فكان الأعراب الجفاة ذووا الطباع الوحشية الوعرة يرتاحون لنغمات القصيد ويجدون لرناتها أي لذة فيتهافتون على المنشد كالفراش ويتهالكون. وأرى لهؤلاء العرب صفة من صفات الإسرائيليين واضحة فيهم وأحسبها ثمرة الفضائل جميعها والمحامد بحذافيرها إلا وهي التدين فإنهم مذ كانوا ما برحوا شديدي التمسك بدينهم كيفما كان وكانوا يعبدون الكواكب وكثيراً من الكائنات الطبيعية يرونها مظاهر للخالق ودلائل على عظمته فهذا وإن يك خطأ فليس من جميع وجوهه فإن مصنوعات الله ما برحت بوجه ما رموزا له ودلائل عليه ألسنا كما قدمت نعتدها مفخرة للشاعر وفضيلة أن يكون يدرك ما بالكائنات من أسرار الجمال والجلال أو أسرار الجمال الشعري كما اصطلح الناس على تسميته؟ قد كان لهؤلاء العرب عدة أنبياء كلهم أستاذ قبيلته ومرشدها حسبما يقتضيه مبلغ علمه ورأيه ثم أليس لدينا من البراهين الساطعة ما يثبت لنا أي حكمة بليغة ورأي مسدد وأي تقوى وإخلاص قد كان لهؤلاء البدو المفكرين؟ وقد اتفق النقاد أن سفر أيوب أحد أجزاء التوراة كتابنا المقدس قد كتب في بلاد العرب. ورأيي في هذا الكتاب فضلاً عن كل ما كتب عنه أنه من أشرف ماسطر يراع ودونت يد كاتب ولا يكاد المرء يصدق أنه من آثار العبرانيين لما فيه من عمومية الأفكار مع شرفها وسموها - عمومية تخالف التعصب والتحيز وحسب الكتاب شرفاً أن يكون يضرب بعرف في كل نفس ويمت بصلة إلى كل قلب ويكون كالبيت يفضى إليه منتهى السبل وكالأرج الضائع تتنازعه جميع

стр. 52

الأنوف والكتاب المذكور هو أول ما جاءنا عن مسألة المسائل - حياة الإنسان وفعل الله به في هذه الدار وقد أتانا بذلك في أنصع بيان وأشد إخلاص وأحسن سهولة وإني لاتبين فيه العين البصيرة والقلب النافذ الفهم الجم الخشوع فهو الحق من حيث جئته والنظر الراسب في قراره كل شيء وصميم كل أمر - مادي وروحاني ألا تذكرون ما جاء فيه من ذكر الفرس الله الذي أودع الرعد حنجرته فهل ترى صهيله إلا قهقهة لرؤية الرماح؟ هذا والله أجود الاستعارة وما أحسب أن في عالم التشبيه كله ما يماثل ذلك أو يقاربه ذلك إلى ما في الكتاب المذكور من آيات الحزن الشريف والتوكل الحسن الجميل وما قرأت فيه قط إلا حسبت قلب الإنسانية يترنم شجى ووجداً ودمع الإنسانية يفيض حرقة وكمدا فيالها من رقة في شدة ورأفة في قوة وما أشبهها إلا بسحر الليلة الصائفة - رقة نسيم في جلال مشهد عظيم وإلا بالكون وكل ما فيه من أنجم وبحار وليل ونهار وما أحسب في جميع التوراة شيئاً يدانيه فضلاً قيمة. والحجر الأسود كان من أعم معبودات العرب ولا يزال للآن بمكة في البناء المسمى الكعبة وقد ذكر المؤرخ الروماني سيسلا الكعبة فقال إنها كانت في مدته أشرف معابد العالم طرا وأقدمها وذلك قبل الميلاد بخمسين عاماً وقال المؤرخ سلفستاردي ساسي أن الحجر الأسود ربما كان من رجوم السموات فإذا صح ذلك فلا بد من أن إنساناً قد بصر به ساقطاً من الجو! والحجر موجود الآن إلى جانب البئر زمزم والكعبة مبنية فوقهما والبئر تعلمون منظر حيثما كان سار مفرح ينبجس من الحجر الأصم كالحياة من الموت فما بالكم بها إذا كانت تفيض: بديمومة لا ظل في صحصحانها ... ولا ماء لكن قورها الدهر عوم ترى الآل فيها يلطم الآل مائجا ... وبارحها المسموم للوجه الطم أظل إذا كافحتها وكأنني ... بوهاجها دون اللثام ملثم وقد اشتق لها اسمها زمزم من صوت تفجرها وهديرها والعرب تزعم أنها انحبست تحت أقدام هاجر وإسماعيل فيضاً من الله وشفاء وقد قدسها العرب والحجر الأسود وشادوا عليهما الكعبة منذ آلاف من السنين وما أعجب هذه الكعبة وأعجب شأنها فهي في هذه الآونة قائمة على قواعدها عليها الكسوة السوداء التي يرسلها السلطان كل عام يبلغ ارتفاعها سبعاً

стр. 53

وعشرين ذراعاً حولها دائرة مزدوجة من العمد وبها صفوف من المصابيح وبها نقوش وزخارف عجيبة وستوقد تلك المصابيح الليلة لتشرق تحت النجوم المشرقة فنعم أثر الماضي هي ونعم ميراث الغابر هذه كعبة المسلمين ومن أقاصي المشرق إلى أخريات المغرب - من دلهي إلى مراكش تتوجه أبصار العديد المجمهر من عباد الله المصلين شطرها وتهفو قلوبهم نحوها خمس مرات هذا اليوم وكل يوم نعم لهي والله من أجل مراكز المعمورة وأشرف أقطابها. وإنما من شرف البئر زمزم وقدسية الحجر الأسود ومن حج القبائل إلا ذياك المكان كان منشأ مدينة مكة ولقد كانت هذه المدينة وقتاما ذات بال وشأن وإن كانت الآن قد فقدت كثيراً من أهميتها وموقعها من حيث هي مدينة سيء جداً إذ هي واقعة في بطن من الأرض كثير الرمال وسط هضاب قفرة وتلال مجدبة على مسافة بعيدة من البحر ثم يمتار لها جميع ذخائرها من جهات أخرى حتى الخبز ولكن الذي اضطر إلى إيجاد هذه المدينة هو أن كثيراً من الحجيج كانوا يطلبون المأوى ثم إن أماكن الحج مازالت من قديم الزمان تستدعي التجارة فأول يوم يلتقي فيه الحجيج تلتقي فيه كذلك التجار والباعة والناس متى وجدوا أنفسهم مجتمعين لغرض من الأغراض رأوا أنه لا بأس عليهم إن يقضوا كل ما يعرض لهم من المنافع وإن لم يكن في الحسبان لذلك صارت مكة سوق بلاد العرب بأجمعها والمركز لكل ما كان من التجارة بين الهند وبين الشام ومصر بل وبين إيطاليا وقد بلغ سكانها في حين من الأحيان مائة ألف نسمة بين بائعين ومشترين وموردين لبضائع الشرق والغرب وباعة للمأكولات والغلال وكانت حكومتها ضرباً من الجمهورية الأرسطوقراسية عليها صبغة دينية وذلك أنهم كانوا ينتخبون لها بطريقة غير مهذبة عشرة رجال من قبيلة عظمى فيكون هؤلاء حكام مكة وحراس الكعبة وكانت لقريش في عهد محمد وأسرة محمد من قبيلة قريش وكان سائر الأمة مبدداً في أنحاء تلك الرمال قبائل تفصلها بين الواحدة والأخرى البيد والقفار وعلى كل قبيلة أمير أو أمراء: وربما كان الأمير راعياً أو ناقل أمتعة ويكون في الغالب لصاً وكانت الحرب لا تخمد بين بعض هذه القبائل وبعضها ولم يك يؤلف بينهم حلف علني إلا التقاءهم بالكعبة حيث كان يجمعهم على اختلاف وثنياتهم مذهب واحد. وإلا رابطة الدم واللغة وعلى هذه الطريقة عاش العرب دهوراً طوالاً خاملى

стр. 54

الذكر غامضى الشأن - أناساً ذوي مناقب جليلة وصفات كبيرة ينتظرون من حيث لا يشعرن اليوم الذي يشاد فيه بذكرهم ويطير في الآفاق صيتهم ويرتفع إلى عنان السماء صوتهم وما ذلك ببعيد وكأنما كانت وثنياتهم قد وصلت إلى طور الاضمحلال وآذنت بالسقوط وقد حدثت بينهم دواعي اختلاط وفوران وكان قد بلغهم على مدى القرون غوامض أنباء عن أكبر حادثة وقعت على وجه البسيطة - أعني حياة المسيح ووفاته وهي التي أحدثت انقلاباً هائلاً في جميع سكان العالم - فلم تعدم هذه الأنباء تأثيرها من الفوران في أحشاء الأمة العربية. وكان بين هؤلاء العرب التي تلك حالهم أن ولد محمد ﵇ عام ٥٨٠ ميلادية وكان من أسرة هاشم من قبيلة قريش وقد مات أبوه عقب مولده ولما بلغ عمره ستة أعوام توفيت أمه - وكان لها شهرة بالجمال والفضل والعقل فقام عليه جده شيخ كان قد ناهز المائة من عمره وكان صالحاً باراً وكان ابنه عبد الله أحب أولاده إليه فأبصرت عينه الهرمة في محمد صورة عبد الله فأحب اليتيم الصغير بملء قلبه وكان يقول ينبغي أن يحسن القيام على ذلك الصبي الجميل الذي قد فاق سائر الأسرة والقبيلة حسناً وفضلاً ولما حضرت الشيخ الوفاة والغلام لم يتجاوز العامين عهد به إلى أبي طالب أكبر أعمامه رأس الأسرة بعده فرباه عمه - وكان رجلاً عاقلاً كما يشهد بذلك كل دليل - على أحسن نظام عربي. ولما شب محمد وترعرع صار يصحب عمه في أسفار تجارية وما أشبه وفي الثامنة عشرة من عمره نراه فارساً مقاتلاً يتبع عمه في الحروب غير أن أهم أسفاره ربما كان ذاك الذي حدث قبل هذا التاريخ ببضع سنين - رحلة إلى مشارف الشام إذ وجد الفتى نفسه هنالك في عالم جديد إزاء مسألة أجنبية عظيمة الأهمية جداً في نظره - أعني الديانة المسيحية وإني لست أدري ماذا أقول عن ذلك الراهب سرجياس (بَحيرا) الذي يذعم أن أبا طالب ومحمداً سكنا معه في دار ولا ماذا عساه يتعلمه غلام في هذه السن الصغيرة من أي راهب ما فإن محمداً لم يكن يتجاوز إذ ذاك الرابعة عشرة ولم يكن يعرف إلا لغته ولا شك أن كثيراً من أحوال الشام ومشاهدها لم يك في نظره إلا خليطاً مشوشاً من أشياء ينكرها ولا يفهمها ولكن الغلام كان له عينان ثاقبتان ولا بد من أن يكون قد انطبع على لوح فؤاده

стр. 55

أمور وشؤون فأقامت في ثنايا ضميره ولو غير مفهومة ريثما ينضجها له كر الغداة ومر العشى ونحلها له يد الزمن يوماً ما فتخرج منها آراء وعقائد ونظرات نافذات فلعل هذه الرحل الشامية كانت لمحمد أوائل خير كثير وفوائد جمة. ثم لا ننسى شيئاً آخر وهو أنه لم يتلق دروساً على أستاذ أبداً وكانت صناعة الخط حديثة العهد إذ ذاك في بلاد العرب ويظهر لي أن الحقيقة هي أن محمداً لم يكن يعرف الخط والقراءة وكل ما تعلم هو عيشة الصحراء وأحوالها وكل ما وفق إلى معرفته هو ما أمكنه أن يشاهد بعينيه ويتلقى بفؤاده من هذا الكون العديم النهاية وعجيب وأيم الله أمية محمد نعم إنه لم يعرف من العالم ولا من علومه إلا ما تيسر له أن يبصره بنفسه أو يصل إلى سمعه في ظلمات صحراء العرب ولم يضره ولم يزر به أنه لم يعرف علوم العالم لا قديمها ولا حديثها لأنه كان بنفسه غنياً عن كل ذلك ولم يقتبس محمد من نور أي إنسان آخر ولم يغترف من مناهل غيره ولم يك في جميع أشباهه من الأنبياء والعظماء - أولئك الذين أشبههم بالمصابيح الهادئة في ظلمات الدهور - من كان بين محمد وبينه أدنى صلة وإنما نشأ وعاش وحده في أحشاء الصحراء ونما هنالك وحده بين الطبيعة وبين أفكاره. ولوحظ عليه منذ فتائه أنه كان شاباً مفكراً وقد سماه رفقاؤه الأمين - رجل الصدق والوفاء - الصدق في أفعاله وأقواله وأفكاره وقد لا حظوا أن ما من كلمة تخرج من فيه إلا وفيها حكمة بليغة وإني لأعرف عنه أنه كان كثير الصمت يسكت حيث لا موجب للكلام فإذا نطق فما شئت من لب وفضل وإخلاص وحكمة لا يتناول غرضاً فيتركه إلا وقد أنار شبهته وكشف ظلمته وإبان حجته واستثار دفينته وهكذا يكون الكلام وإلا فلا وقد رأيناه طول حياته رجلاً راسخ المبدأ صارم العزم بعيد الهم كريماً برا رؤوفاً تقياً فاضلاً حراً - رجلاً شديد الجد مخلصاً وهو مع ذلك سهل الجانب لين العريكة جم البشر والطلاقة حميد العشرة حلو الإيناس بل ربما مازح وداعب وكان على العموم تضيء وجهه ابتسامة مشرقة من فؤاد صادق لأن من الناس من تكون ابتسامته كاذبة ككذب أعماله وأحواله - هؤلاء لا يستطيعون أن يبتسموا وكان محمد جميل الوجه وضي الطلعة حسن القامة زاهي اللون له عينان سوداوان تتلألآن وإني لأحب في جبينه ذلك العرق الذي كان ينتفخ ويسود في حال غضبه (كالعرق المقوس الوارد في قصة القفازة الحمراء لوالترسكوت) وكان هذا العرق

стр. 56

خصيصة في بني هاشم ولكنه كان أبين في محمد وأظهر نعم لقد كان هذا الرجل حاد الطبع ناري المزاج ولكنه كان عادلاً صادق النية كان ذكي اللب شهم الفؤاد. لو ذعيا كأنما بين جنبي ... هـ مصابيح كل ليل بهيم ممتلئاً ناراً ونوراً رجلاً عظيماً بفطرته لم تثقفه مدرسة ولا هذبه معلم وهو غني عن ذلك كالشوكة استغنت عن التنقيح فأدى عمله في الحياة وحده في أعماق الصحراء. وما ألذ وما أوضح قصته مع خديجة وكيف أنه كان أولا يسافر في تجارات لها إلى أسواق الشام وكيف كان ينهج في ذلك أقوم مناهج الحزم والأمانة وكيف جعل شكرها له يزداد وحبها ينمو ولما زوجت منه كانت في الأربعين وكان هو لم يتجاوز الخمسة والعشرين وكان لا يزال عليها مَسحة ملاحة ولقد عاش مع زوجه هذه على أتم وفاق وألفة وصفاء وغبطة يخلص لها الحب وحدها ومما يبطل دعوى القائلين أن محمداً لم يكن صادقاً في رسالته بل كان ملفقاً مزوراً أنه قضى عنفوان شبابه وحرارة صباه في تلك العيشة الهادئة المطمئنة لم يحاول أثناءها إحداث ضجة ولا دوي مما يكون وراءه ذكر وشهرة وجاه وسلطة ولما يك إلا بعد إلا بعين أن تحدث برسالة سماوية ومن هذا التاريخ توفيت خديجة نعم لقد كان حتى ذاك الوقت يقنع بالعيش الهادئ الساكن وكان حسبه من الذكر والشهرة حسن آراء الجيران فيه وجميل ظنونهم به ولم يك إلا بعد أن ذهب الشباب وأقبل المشيب إن فار بصدره ذلك البركان الذي كان هاجعاً وثار يريد أمراً جليلاً وشأناً عظيماً. ويزعم المتعصبون من النصارى والملحدون أن محمداً لم يكن يريد بقيامه إلا الشهرة الشخصية ومفاخر الجاه والسلطان كلا وأيم الله لقد كان في فؤاد ذلك الرجل الكبير - ابن القفار والفلوات المتوقد المقلتين العظيم النفس المملوء رجمة وخيراً وحناناً وبراً وحكمة وحجي وإربة ونهى - أفكار غير الطمع الدنيوي ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه. . وكيف تلك نفس صامتة كبيرة ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا مخلصين جادين فبينما ترى آخرين يرضون بالاصطلاحات الكاذبة ويسيرون طبق الاعتبارات الباطلة إذ ترى محمداً لم يرض أن يلتفع بمألوف الأكاذيب ويتوشح بمتبع الأباطيل لقد كان منفرداً بنفسه العظيمة وبحقائق الأمور والكائنات لقد كان سر الوجود يسطع لعينيه كما قلت بأهواله ومخاوفه وروانقه ومباهره لم يك هنالك من الأباطيل ما يحجب ذلك عنه فكأن لسان

стр. 57

حال ذلك السر الهائل يناجيه ها أنا ذا فمثل هذا الإخلاص لا يخلو من معنى إلهي مقدس وما كلمة مثل هذا الرجل إلا صوت خارج من صميم قلب الطبيعة فإذا تكلم فكل الآذان برغمها صاغية وكل القلوب واعية وكل كلام ما عدا ذلك هباء وكل قول جفاء وما زال منذ الأعوام الطوال - منذ أيام رحله وأسفاره يجول بخاطره آلاف من الأفكار: ماذا أنا؟ وما ذلك الشيء العديم النهاية الذي أعيش فيه والذي يسميه الناس كونا؟ وما هي الحياة؟ وما هو الموت؟ وماذا أعتقد؟ وماذا أفعل؟ فهل إجابته عن ذلك صخور جبل حراء أو شماريخ طود الطور أو تلك القفار والفلوات كلا ولا قبة الفلك الدوار واختلاف الليل والنهار ولا النجوم الزاهرة والأنواء الماطرة لم يبه لا هذا ولا ذاك وما للجواب عن ذلك إلا روح الرجل وإلا ما أودع الله فيه من سره! وهذا ما ينبغي لكل إنسان أن يسأل عنه نفسه فقد أحس ذلك الرجل القفري أن هذه هي كبرى المسائل وأهم الأمور وكل شيء عديم الأهمية في جانبها وكان إذا بحث عن الجواب في فرق اليونان الجدلية أو في روايات اليهود المبهمة أو نظام وثنية العرب الفاسد لم يجده وقد قلت أن أهم خصائص البطل وأول صفاته وآخرها هي أن ينظر من خلال الظواهر إلى البواطن فأما العادات والاستعمالات والاعتبارات والاصطلاحات فينبذها جيدة كانت أو رديئة وكان يقول في نفسه هذه الأوثان التي يعبدها القوم لا بد من أن يكون وراءها ودونها شيء ما هي إلا رمز له وإشارة إليه وإلا فهي باطل وزور وقطع من الخشب لا تضير ولا تنفع وما لهذا الرجل والأصنام وإني تؤثر في مثله أوثان ولو رصعت بالنجوم لا بالذهب ولو عبدها الجحاجح من عدنان والاقيال من حمير أي خير له في هذه ولو عبدها الناس كافة؟ إنه في واد وهم في واد هم يعمهون في ضلالهم وهو ماثل بين يدي الطبيعة قد سطعت لعينيه الحقيقة الهائلة فإما أن يجيبها وإلا فقد حبط سعيه وكان من الخاسرين فلتجبها يا محمد! أجب لا بد من أن توجد الجواب أيزعم الكاذبون إنه الطمع وحب الدنيا هو الذي أقام محمداً وأثاره حمق وأيم الله وسخافة وهوس أي فائدة لمثل هذا الرجل في جميع بلاد العرب وفي تاج قيصر وصولجان كسرى وجميع ما بالأرض من تيجان وصوالجة وأين تصير الممالك والتيجان والدول جميعها بعد حين من الدهر؟ أفي مشيخة مكة وقضيب مفضض الطرف أو في ملك كسرى وتاج ذهبي الذؤابة منجاة للمرء ومظفرة؟ كلا إذن

стр. 58

فلنضرب صفحاً عن مذهب الجائرين القائل أن محمداً كاذب ونعد موافقتهم عاراً وسبة وسخافة وحمقاً فلنربأ بنفوسنا عنه ولنترفع. وكان من شأن محمد أن يعتزل الناس شهر رمضان فينقطع إلى السكون والوحدة دأب العرب وعادتهم ونعمت العادة ما أجل وأنفع ولاسيما لرجل كمحمد لقد كان يخلو إلى نفسه فيناجي ضميره صامتاً بين الجبال الصامته متفتحاً صدره لأصوات الكون الغامضة الخفية أجل حبذا تلك عادة ونعمت فلما كان في الأربعين من عمره وقد خلا إلى نفسه في غار بجبل حراء قرب مكة شهر رمضان ليفكر في تلك المسائل الكبرى إذا هو قد خرج إلى خديجة ذات يوم وكان قد استصحبها ذلك العام وأنزلها قريباً من مكان خلوته فقال لها إنه بفضل الله قد استجلى غامض السر واستثار كامن الأمر وإنه قد أنارت الشبهة وانجلى الشك وبرح الخفاء وإن جميع هذه الأصنام محال وليست إلا أخشاباً حقيرة وإن لا اله إلا الله وحده لا شريك له فهو الحق وكل ما خلاه باطل خلقنا ويرزقنا وما نحن وسائر الخلق والكائنات إلا ظل له وستار يحجب النور الأبدي والرونق السرمدي الله أكبر ولله الحمد: ثم الإسلام وهو إن نسلم الأمر لله ونذهن له ونسكن إليه ونتوكل عليه وإن القوة كل القوة هي في الاستنامة لحكمه والخضوع لحكمته والرضا بقسمته أية كانت في هذه الدنيا وفي الآخرة ومهما يصبنا به الله ولو كان الموت الزؤام فلنتلقه بوجه مبسوط ونفس مغتبطة راضية ونعلم أنه الخير وأن لا خير إلا هو ولقد قال شاعر الألمان وأعظم عظمائهم جايتي إذا كان ذلك هو الإسلام فكلنا إذن مسلمون نعم كل من كان فاضلاً شريف الخلق فهو مسلم وقد ما قيل أن منتهى العقل والحكمة ليس في مجرد الإذعان للضرورة - فإن الضرورة تخضع المرء برقم أنفه ولا فضل فيما يأتيه الإنسان مكرها - بل في اليقين بأن الضرورة الأليمة المرة هي خير ما يقع للإنسان وأفضل ما يناله وإن لله في ذلك حكمة تلطف عن الأفهام وتدق عن الأذهان وإنه من الافن والسخف أن يجعل الإنسان من دماغه الضئيل ميزاناً لذلك العالم وأحواله. بل عليه أن يعتقد أن للكون قانوناً عادلاً وإن غاب عن إدراكه. وإن الخير هو أساس الكون والصلاح روح الوجود والنفع لباب الحياة نعم عليه أن يعرف ذلك ويعتقده ويتبعه في سكوت وتقوى. أقول وما زالت هذه الخطة المثلى والمذهب الأشرف الأطهر: وما زال الرجل مصيباً

стр. 59

وظافراً وحراً وكريماً وسائراً على المنهج الأقوم وسالكاً سبيل السعادة ما دام معتصماً بحبل الله متمسكاً بقانون الطبيعة الأكبر الأمكن غير مبال بالقوانين السطحية والظواهر الوقتية وحسابات الربح والخسارة نعم هو ظافر إذا اتبع ذلك القانون الكبير الجوهري - قطب رحى الكون ومحور الدهر - وليس بظافر إذا فعل غير ذلك وحقاً إن أول وسيلة تؤدي إلى اتباع هذا القانون هو الاعتقاد بوجوده ثم بأنه صالح بل لا شيء غيره صالح! وهذا يا إخواني هو روح الإسلام! وهذا هو أيضاً روح النصرانية والإسلام لو تفقهون ضرب من النصرانية والإسلام والنصرانية يأمراننا أن نتوكل على الله قبل كل شيء وأن نفطم النفس عن الشهوات وننهى القلب عن الهوى وإن لا نجمع في عنان المنى وأن نصبر على البث والأسى وأن نعرف أنا لا نعرف شيئاً وأن نرضى من الله كل ما قسم ونعدها يداً بيضاء ونعمة غراء ونقول الحمد لله على كل حال وتبارك الله ذو الجلال والإكرام ونقول إنا بقسمة الله راضون ولو كان ما قسم لنا المنون. فمن فضائل الإسلام تضحية النفس في سبيل الله وهذا أشرف ما نزل من السماء على نبي الأرض نعم هو نور الله قد سطع في روح ذلك الرجل فأنار ظلماتها هو ضياء باهر كشف تلك الظلمات التي كانت تؤذن بالخسران والهلاك وقد سماه محمد ﵇ وحيا وجبريل وأينا يستطيع أن يحدث له اسماً ألم يجئ في الإنجيل أن وحي الله يهبنا الفهم والإدراك؟ ولا شك أن العلم والنفاذ إلى صميم الأمور وجواهر الأشياء لسر من أغمض الأسرار لا يكاد المنطقيون يلمسون منه إلا قشوره وقد قال نوفاليس أليس الإيمان هو المعجزة الحقة الدالة على الله؟ فشعور محمد إذ اشتعلت روحه بلهيب هذه الحقيقة الساطعة بأن الحقيقة المذكورة هي أهم ما يجب على الناس علمه لم يك إلا أمراً بديهياً وكون الله قد أنعم عليه بكشفها له ونجاه من الهلاك والظلمة وكونه قد أصبح مضطراً إلى إظهارها للعالم أجمع - هذا كله هو معنى كلمة محمد رسول الله وهذا هو الصدق الجلي والحق المبين. ويخيل إلينا أن الصالحة خديجة أصغت إليه في دهشة وشك ثم آمنت وقالت إي وربي إنه لحق ونتوهم أن محمداً شكر لها ذلك الصنيع ورأى في إيمانها بكلمته المخلصة المقذوفة من بركان صدره جميلاً يفوق كل ما أسدت إليه من قبل فإنه ليس أروح لنفس المرء ولا أثلج لحشاه من أن يجد له شريكاً في اعتقاده ولقد قال نوفاليس ما رأيت شيئاً قط آكدليقيني

стр. 60

وأوثق لاعتقادي من انضمام إنسان آخر إلي في رأيي نعم إنه لصنيع أغر ونعمة وفيرة وكذلك ما انفك محمد يذكر خديجة حتى لقي ربه حتى إن عائشة - زوجه الصغيرة المحبوبة تلك التي اشتهرت بين المسلمين بجميع المناقب والفضائل طول حياتها - هذه السيدة البارعة الجمال والفطنة سألته ذات يوم ألست الآن أفضل من خديجة؟ لقد كانت أرملة مسنة فقد ذهب جمالها وأراك تحبني أكثر مما كنت تحبها. فأجاب محمد كلا والله لست أفضل منها وكيف وهي التي آمنت بي والكل كافر ومنكر ولم يك لي في هذا العالم إلا صديق واحد - وهذا الصديق هي وآمن به مولاه زيد (بن حارثة) كذلك وعلي وهؤلاء الثلاثة أول من آمن به. وجعل يذكر رسالته لهذا ولذاك فما كان يصادف إلا جموداً وسخرية حتى أنه لم يؤمن به في خلال ثلاثة أعوام إلا ثلاثة عشر رجلاً وذلك منتهى البطء وبئس التشجيع ولكنه المنتظر في مثل هذه الحال وبعد هذه السنين الثلاث أدب مأدبة لأربعين من قرابته ثم قام بينهم خطيباً فذكر دعوته وإنه يريد أن يذيعها في سائر أنحاء الكون وإنها المسألة الكبرى بل المسألة الوحيدة فأيهم يمد إليه يده ويأخذ بناصره؟ وبينما القوم صامتون حيرة ودهشة وثب علي وكان غلاماً في السادسة عشرة وكان قد غاظه سكوت الجماعة فصاح في أحد لهجة أنه ذاك النصير والظهير ولا يحتمل أن القوم كانوا منابذين محمداً ومعادينه وكلهم قرابته وفيهم أبو طالب عم محمد وأبو علي ولكن رؤية رجل كهل أمي يعينه غلام في السادسة عشرة يقومان في وجه العالم بأجمعه كانت مما يدعو إلى العجب المضحك فانفض القوم ضاحكين ولكن الأمر لم يك بالمضحك بل كان نهاية في الجد والخطر! أما علي فلا يسعنا إلا أن نحبه ونتعشقه فإنه فتى شريف القدر كبير النفس يفيض وجدانه رحمة وبراً ويتلظى فؤاده نجدة وحماسة وكان أشجع من ليث ولكنها شجاعة ممزوجة برقة ولطف ورأفة وحنان جدير بها فرسان الصليب في القرون الوسطى وقد قتل بالكوفة غيلة وإنما جني ذلك على نفسه بشدة عدله حتى حسب كل إنسان عادلاً مثله وقال قبل موته حينما أومر في قاتله أن أعش فالأمر إلي وإن أمت فالأمر لكم فإن آثرتم أن تقتصوا فضربة بضربة وأن تعفوا أقرب إلى التقوى! وكان في عمل محمد هذا إساءة ولا شك إلى قريش حراس الكعبة وخدمة الأصنام وانضم

стр. 61

إليه منهم رجلان أو ثلاثة أولوا بأس ونفوذ وسرى أمر محمد ببطء ولكنه سريان على كل حال وكان عمله بالطبع سيء الوقع لدي كل إنسان حيث جعلوا يقولون من هذا الذي يزعم أنه أعقل منا جميعاً والذي يعنفنا ويرمينا بالحمق وعبادة الخشب! وأشار عليه أبو طالب أن يكتم أمره ويؤمن به وحده وأن يكون له من نفسه ما يشغله عن العالم وأن لا يسخط القوم ويثير غضبهم عليه فيخطر بذلك حياته فأجابه محمد والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته كلا فإن في هذه الحقيقة التي جاء بها لشيئاً من عنصر الطبيعة ذاتها لا تفضله الشمس ولا القمر ولا أي مصنوعات الطبيعة ولابد لتلك الحقيقة من أن تظهر برغم الشمس والقمر ما دام قد أراد أن تظهر وبرغم قريش جميعها وبكره سائر الخلائق والكائنات نعم لا بد من أن تظهر ولا يسعها إلا أن تظهر بذلك أجاب محمد ويقال أنه اغرورقت عيناه اغرورقت عيناه: لقد أحس من عمه البر والشفقة وأدرك وعورة الحال وعلم أنه أمر ليس بالهين اللين ولكنما أمر صعب المراس مر المذاق. واستمر يؤدي الرسالة إلى كل من أصغى إليه وينشر مذهبه بين الحجيج مدة إقامتهم بمكة ويستميل الاتباع هنا وهنالك وهو يلقى أثناء كل ذلك منابذة ومناوأة ومناصبة بالعداوة ومجاهرة وشرا بادياً وكامنا وكانت قرابته تحميه وتدافع عنه ولكنه عزم هو وأتباعه على الهجرة إلى الحبشة فوقع خبر ذلك العزم من قريش أسوأ موقع وضاعف حنقهم عليه فنصبوا له الأشراك وبثوا الحبائل وأقسموا بالآلهة ليقتلن محمداً بأيديهم وكانت خديجة قد توفيت وتوفى أبو طالب وتعلمون أصلحكم الله أن محمداً ليس بحاجة إلى أن نرثى له ولحاله النكراء إذ ذاك ومقامه الضنك وموقفه الحرج ولكن اعرفوا معي أن حاله إذ ذاك من الشدة والبلاء كما لم ير إنسان قط فلقد كان يختبئ في الكهوف ويفر متنكراً إلى هذا المكان والى ذاك لا مأوى ولا مجير ولا ناصر تتهدده الحتوف وتتوعده الهلكات وتفغر له أفواهها المنايا وكان الأمر يتوقف أحياناً على أدنى صغيرة - كأجفال فرس من أفراس أتباع محمد - فلو حدث ذلك لضاع كل شيء ولكن أمر محمد - ذلك الأمر العظيم - ما كان لينتهي على مثل تلك الحال. فلما كان العام الثالث عشر من رسالته وقد وجد أعداءه متأليين عليه جميعاً وكانوا أربعين

стр. 62

رجلاً كل من قبيلة أتمروا به ليقتلوه وألغى المقام بمكة مستحيلاً هاجر إلى يثرب حيث التف به الأنصار والبلدة تسمى الآن المدينة أي مدينة النبي وهي من مكة على مائتي ميل تقوم وسط صخور وقفار ومن هذه الهجرة يبتديء التاريخ في المشرق والسنة الأولى من الهجرة توافق ٦٢٢ ميلادية وهي السنة الخامسة والخمسون من عمر محمد فترون أنه كان قد أصبح إذ ذاك شيخاً كبيراً وكان أصحابه يموتون واحداً بعد واحد ويخلون أمامه مسلكاً وعراً وسبيلاً قفراً وخطة نكراء موحشة فإذا هو لم يجد من ذات نفسه مشجعاً ومحركاً ويفجر بعزمه ينبوع أمل بين جنبيه فهيهات أن يجد بارقات الأمل فيما يحدق به من عوابس الخطوب ويحيط به من كالحات المحن والملمات وهكذا شأن كل إنسان في مثل هذه الأحوال وكانت نية محمد حتى الآن أن ينشر دينه بالحكمة والموعظة الحسنة فقط فلما وجد أن القوم الظالمين لم يكتفوا برفض رسالته السماوية وعدم الإصغاء إلى صوت ضميره وصيحة لبه حتى أرادوا أن يسكتوه فلا ينطق بالرسالة - عزم ابن الصحراء على أن يدافع عن نفسه دفاع رجل ثم دفاع عربي ولسان حاله يقول وأما وقد أبت قريش إلا الحرب فلينظروا أي فتيان هيجاء نحن! وحقاً رأى فإن أولئك القوم أغلقوا آذانهم عن كلمة الحق وشريعة الصدق وأبوا إلا تمادياً في ضلالهم يستبيحون الحريم ويهتكون الحرمات ويسلبون وينهبون ويقتلون النفس التي حرم الله قتلها ويأتون كل إثم ومنكر وقد جاءهم محمد من طريق الرفق والاناة فأبوا إلا عتوا وطغيانا فليجعل الأمر إذن إلى الحسام المهند والوشيج المقوم والى كل مسرودة حصداء وسابحة جرداء! وكذلك قضى محمد بقية عمره وهي عشر سنين أخرى في حرب وجهاد لم يسترح غمضة عين ولا مدر فواق وكانت النتيجة ما تعلمون! ولقد قيل كثيراً في شأن نشر محمد دينه بالسيف فإذا جعل الناس ذلك دليلاً على كذبه فشد ما أخطأوا وجاروا فهم يقولون ما كان الدين لينتشر لولا السيف ولكن ما هو الذي أوجد السيف؟ هو قوة ذلك الدين وإنه حق والرأي الجديد أول ما ينشأ يكون في رأس رجل واحد فالذي يعتقده هو فرد - فرد ضد العالم أجمع فإذا تناول هذا الفرد سيفاً وقام في وجه الدنيا فقلما والله يضيع وأرى على العموم أن الحق ينشر نفسه بأية طريقة حسبما تقتضيه الحال أو لم تروا أن النصرانية كانت لا تأنف أن نستخدم السيف أحياناً وحسبكم ما فعل شارلمان

стр. 63

بقبائل السكسون وأنا لا أحفل أكان انتشار الحق بالسيف أم باللسان أم بأية آلة أخرى فلندع الحقائق ننشر سلطانها بالخطابة أو بالصحابة أو بالنار لندعها تكافح وتجاهد بأيديها وأرجلها وظافرها فإنها لن تهزم إلا ما كان يستحق أن يهزم وليس في طاقتها قط أن تفني ما هو خير منها بل ما هو أحط وأدنى فإنها حرب لاحكم فيها إلا الطبيعة ذاتها ونعم الحكم ما أعدل وما أقسط وما كان أعمق جذراً في الحق وأذهب أعراقاً في الطبيعة فذلك هو الذي ترونه بعد الهرج والمرج والضوضاء والجلبة نامياً زاكباً وحده. أقول الطبيعة أعدل حكم بلى ما أعدل وما أعقل وما أرحم وما أحلم أنك تأخذ حبوب القمح لتجعلها في بطن الأرض وربما كانت هذه الحبوب مخلوطة بقشور وتبن وقمامة وتراب وسائر أصناف الأقذاء ولكن لا بأس عليك من ذلك وألق الحبوب بجميع ما يخالطها من القذى في جوف الأرض العادلة البارة فإنها لا تعطيك إلا قمحاً خالصاً نقياً فأما القذى فإنها تبلعه في سكون وتدفنه ولا تذكر عنه كلمة وما هي إلا برهة حتى ترى القمح زاكياً يهتز كأنه سبائك الذهب الابريز والأرض الكريمة قد طوت كشحاً على الأقذاء واغضت بل أنها حولتها كذلك إلى أشياء نافعة ولم تشك منها شجواً ولا نصباً وهكذا الطبيعة في جميع شؤونها فهي حق لا باطل وهي عظيمة وعادلة ورحيمة حنون وهي لا تشترط في الشيء إلا أن يكون صادق اللباب حر الصميم فإذا كان كذلك حمته وحرسته أو كان غير ذلك لم تحمه ولم تحرسه فترى لكل شيء تحميه الطبيعة روحاً من الحق أليس شأن حبوب القمح هذه والطبيعة هو واأسفاه شأن كل حقيقة كبرى جاءت إلى هذه الدنيا أو تجيء فيما بعد؟ أعني أن الحقيقة مزيج من حق وباطل نور في ظلام وتجيئنا الحقائق في أثواب من القضايا المنطقية ونظريات علمية من الكائنات لا يمكن أن تكون تامة صحيحة صائبة ثم لا بد من أن يجيء يوم يظهر فيه نقصها وخطؤها وجورها فتموت وتذهب نعم يموت ويذهب جسم كل حقيقة ولكن الروح يبقى أبداً ويتخذ ثوباً أطهر وبدنا أشرف وما يزال يتنقل من الأثواب والأبدان من حسن إلى أحسن وجيد إلى أجود سنة الطبيعة التي لا تتبدل نعم إن جوهر الحقيقة الكريم حيٌ لا يموت وإنما النقطة الهامة والأمر الوحيد الذي يعرض في محكمة الطبيعة ومجلس قضائها هو هل هذا الروح حق وصوت من أعماق الطبيعة؟ وليس بهام عند الطبيعة ما نسميه نقاء الشيء أو عدم نقائه وليس هو بالسؤال النهائي ليس الأمر

стр. 64

الهام عن الطبيعة حينما تقدم إليها أنت لتصدر حكمها فيك هو أفيك أقذار وأكدار أم لا وإنما هو أفيك جوهر حق وروح صدق أم لا أو بعبارة تشبيهية ليس السؤال الهام عند الطبيعة هو أفيك قشور أم لا بل أفيك قمح؟ أيقول بعض الناس أنه نقي إني أقول له نعم نقي - نقي جداً ولكنك قشر - ولكنك باطل وأكذوبة وزور وثوب بلا روح ومجرد اصطلاح وعادة وما امتد بينك وبين سر الكون وقلب الوجود سبب ولا صلة والواقع أنك لا نقي ولا غير نقي وإنما أنت لا شيء والطبيعة لا تعرفك وإنها منك براء. نحن سمينا الإسلام ضرباً من النصرانية ولو نظرنا إلى ما كان من سرعته إلى القلوب وشدة امتزاجه بالنفوس واختلاطه بالدماء في العروق لأيقنا أنه كان خيراً من تلك النصرانية التي كانت إذ ذاك في الشام واليونان وسائر تلك الأقطار والبلدان - تلك النصرانية التي كانت تصدع الرأس بضوضائها الكاذبة وتترك القلب ببطلانها قفراً ميتاً! على أنه قد كان فيها عنصر من الحق ولكنه ضئيل جداً وبفضله فقط آمن الناس بها وحقاً أنها كانت ضرباً كاذباًَ من النصرانية كالدعي بين الأصلاء ولكنها ضرب حي على كل حال ذو حياة قلبية وليست مجرد قضايا قفرة ميتة. ونظر محمد من وراء أصنام العرب الكاذبة ومن وراء مذاهب اليونان واليهود ورواياتهم وبراهينهم ومزاعمهم وقضاياهم - نظر ابن القفار والصحاري بقلبه البصير الصادق وعينه المتوقدة الجلية إلى لباب الأمر وصميمه فقال في نفسه الوثنية باطل وهذه الأصنام التي تصقلونها بالزيت والدهن فيقع عليها الذباب أخشاب لا تضر ولا تنفع وهي منكر وفظيع وكفر لو تعلمون إنما الحق أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له خلقنا وبيده حياتكم وموتكم وهو أرأف بكم منكم وما أصابكم من شيء فهو خير لكم لو كنتم تفقهون. وإن ديناً آمن به أولئك العرب الوثنيون وأمسكوه بقلوبهم النارية لجدير أن يكون حقاً وجدير أن يصدق به وإن ما أودع هذا الدين من القواعد هو الشيء الوحيد الذي للإنسان أن يؤمن به وهذا الشيء هو روح جميع الأديان - روح تلبس أثواباً مختلفة وأثواباً متعددة وهي في الحقيقة شيء واحد وبأتباع هذه الروح يصبح الإنسان إماماً كبيراً لهذا المعبد الأكبر - الكون - جارياً على قواعد الخالق تابعاً لقوانينه لا محاولاً عبثاً أن يقاومها ويدافعها ولم أعرف قط تصريفاً للواجب أحسن من هذا والصواب كل الصواب في السير

стр. 65

على منهاج الدينا فإن الفلاح في ذلك (إذ كان منهاج الدينا هو طريق الفلاح): وجاء محمد وشيع النصارى تقيم أسواق الجدال وتتخابط بالحجيج الجائرة وماذا أفاد ذلك وماذا أثمر إما أنه الأهم ليس صحة ترتيب القضايا المنطقية وحسن إنتاجها وإنما هو إن خلق الله وأبناء آدم يعتقدون تلك الحقائق الكبرى لقد جاء الإسلام على تلك الملل الكاذبة والنحل الباطلة فابتلعها وحق له أن يبتلعها لأنه حقيقة خارجة من قلب الطبيعة وما كاد يظهر الإسلام حتى احترقت فيه وثنيات العرب وجدليات النصرانية وكل ما لم يكن بحق فإنها حطب ميت أكلته نار الإسلام فذهب والنار لم تذهب. أما القرآن فإن فرط إعجاب المسلمين به وقولهم بإعجازه هو أكبر دليل على اختلاف الأذواق في الأمم المختلفة هذا وإن الترجمة تذهب بأكثر جمال الصنعة وحسن الصياغة ولذلك لا عجب إذا قلت أن الأوربي يجد قراءة القرآن أكبر عناء فهو يقرؤه كما يقرأ الجرائد لا يزال يقطع في صفحاتها قفاراً من القول الممل المتعب ويحمل على ذهنه هضاباً وجبالاً من الكلم لكي يعثر في خلال ذلك على كلمة مفيدة أما العرب فيرونه على عكس ذلك لما بين آياته وبين أذواقهم من الملاءمة ولأن لا ترجمة ذهبت بحسنة ورونقه فلذلك رآه العرب من المعجزات وأعطوه من التبجيل ما لم يعطه أتقى النصارى لأنجيلهم وما برح في كل زمان ومكان قاعدة التشريع والعمل والقانون المتبع في شؤون الحياة ومسائلها والوحي المنزل من السماء هدًى للناس وسراجاً منيراً يضيء لهم سبل العيش ويهديهم صراطاً مستقيما ومصدر أحكام القضاة الدرس الواجب على كل مسلم حفظه والاستنارة به في غياهب الحياة وفي بلاد المسلمين مساجد يتلى فيها القرآن جميعه كل يوم مرة يتقاسمه ثلاثون قارئاً على التوالي وكذلك ما برح هذا الكتاب يرن صوته في آذان الألوف من خلق الله وفي قلوبهم اثني عشر قرناً في كل آن ولحظة ويقال إن من الفقهاء من قرأه سبعين ألف مرة! إذا خرجت الكلمة من اللسان لم تتجاوز الأذان وإذا خرجت من القلب نفذت إلى القلب والقرن خارج من فؤاد محمد فهو جدير أن يصل إلى أفئدة سامعيه وقارئيه وقد زعم براديه وأمثاله أنه طائفة من الأخاديع والتزاويق لفقها محمد لتكون أعذاراً له عما كان يرتكب ويقترف وذرائع لبلوغ مطامعه وغاياته ولكنه قد آن لنا أن نرفض جميع هذه الأقوال فإني

стр. 66

لأمقت كل من يرمي محمداً بمثل هذه الأكاذيب وما كان ذو نظر صادق ليرى قط في القرآن مثل ذلك الرأي الباطل والقرآن لو تبصرون ما هو إلا جمرات ذاكيات قذفت بها نفس رجل كبير النفس بعد أن أوقدتها الأفكار الطوال في الخلوات الصامتات وكانت الخواطر تتراكم عليه بأسرع من لمح البصر وتتزاحم في صدره حتى لا تكاد تجد مخرجاً وقل ما نطق به في جانب ما كان يجيش بنفسه العظيمة القوية هذا وقد كان تدفع الوقائع وتدفق الخطوب يعجله عن روية القول وتنميق الكلم ويا لها من خطوب كانت تطيح به وتطير فلقد كان في هذه السنين الثلاث العشرين قطباً لرحى حوادث متلاطمات متصادمات وعالم كله هرج ومرج وفتن ومحن - حروب مع قريش والكفار ومخاصمات بين أصحابه وهياج نفسه وثورانها - كل ذلك جعله في نصب دائم وعناء مستمر فلم تذق نفسه الراحة بعد قيامه بالرسالة قط وقد أتخيل روح محمد الحادة النارية وهي تتململ طول الليل الساهر يطفو بها الوجد ويرسب وتدور بها دوامات الفكر حتى إذا أسفرت لها بارقة رأى حسبته نوراً هبط عليها من السماء وكل عزم مقدس يهم به يخاله جبريل ووحيه أيزعم الأفاكون الجهلة أنه مشعوذ ومحتال كلا ثم كلا! ما كان قط ذلك القلب المحتدم الجائش كأنه تنور فكر يفور ويتأجج ليكون قلب محتال ومشعوذ لقد كانت حياته في نظره حقاً وهذا الكون حقيقة رائعة كبيرة. والإخلاص المحض الصراح يظهر لي أنه فضيلة القرآن التي حببته إلى العربي المتوحش وهي أول فضائل الكتاب أياً كان وآخرها وهي منشأ فضائل غيرها بل لاشيء غيرها يمكنه أن يبعث للكتاب فضائل أخرى ومن العجب أن نرى في القرآن عرقاً من الشعر يجري فيه من بدايته إلى نهايته ثم يتخلله نظرات نافذات - نظرات نبي وحكيم أجل لقد كان لمحمد في شؤون الحياة عين بصيرة ثم له قدرة عظيمة على أن يوقع في أذهاننا كل ما أبصره ذهنه أنا لا أحفل كثيراً بما جاء في القرآن من الصلوات والتحميد والتمجيد لأني أرى لها في الإنجيل شبيهاً ولكني شديد الإعجاب بالنظر الذي ينفذ إلى أسرار الأمور فهذا أعظم ما يلذني ويعجبني وهو ما أجده في القرآن وذلك كما قلت فضل الله يؤتيه من يشاء. وكان محمد إذا سئل أن يأتي بمعجزة قال حسبكم بالكون معجزة انظروا إلى هذه الأرض التي خلق الله لكم ونهج لكم فيها سبلاً تسعون في مناكبها وتأكلون من رزقه وهذا السحاب

стр. 67

المسير في الآفاق لا يدري من أين جاء وهو مسخر في السماء كل سحابة كمارد أسود ثم يسح بمائه ويهضب ليحي أرضاً مواتاً ويخرج منها نباتاً ونخيلاً وأعناباً أليس ذلك آية والأنعام خلقها لكم تحول الكلاء لبنا وهي فخر لكم والسفن - وكثيراً ما يذكر السفن - كالجبال العظيمة المتحركة تنشر أجنحتها وتحتفز في سواء أليم لها حادٍ من الريح وبيننا تسير إذا هي قد وقفت بغتة وقد قيض الله الريح معجزات الله كل هذه وأي معجزات بعدها تريدون ألستم أنتم معجزات؟ لقد كنتم صغاراً وقبل ذلك لم تكونوا أبداً ثم لكم جمال وقوة وعقل ثم وهبكم الرحمة أشرف الصفات وتهرمون ويأتيكم المشيب وتضعفون وتهن عظامكم وتموتون فتصبحوا غير موجودين ثم وهبكم الرحمة لقد ادهشتني جداً هذه الجملة فإن الله ربما كان خلق الناس بلا رحمة فماذا كان يكون أمرهم! هذه من محمد نظرة نافذة إلى لباب الحقيقة وكذلك أرى في محمد دلائل شاعرية كبيرة وآيات على أشرف المحامد وأكرم الخصال وأتبين فيه عقلاً راجحاً عظيماً وعيناً بصيرة وفؤاداً صادقاً ورجلاً قوياً عبقرياً لو شاء لكان شاعراً فحلاً أو فارساً بطلاً أو ملكاً جليلاً أو أي صنف من أصناف البطل. نعم لقد كان العالم في نظره معجزة أي معجزة وكان يرى فيه كل ما كان يراه أعاظم المفكرين حتى أمم الشمال المتوحشة وهو أن هذا الكون الصلب المادي إنما هو في الحقيقة لا شيء - إنما هو آية على وجود الله منظورة ملموسة وهو ظل علقه الله على صدر الفضاء لا غير وكان يقول هذه الجبال الشامخات ستحلل وتذوب مثل السحاب وتفنى وكان يقول الجبال أوتاد الأرض وأنها ستفنى كذلك يوم القيامة وإن الأرض في ذلك اليوم العظيم تنصدع وتتفتت وتذهب في الفضاء هباءً منثورا فتنعدم وكان لا يزال واضحاً لعينيه سلطان الله على كل شيء وامتلاء كل مكان بقوة مجهولة ورونق باهر وهول عظيم هو القوة الصادقة والجوهر والحقيقة وهذا ما يسميه علماء العصر القوي والمادة ولا يرونه شيئاً مقدساً بل لا يرونه شيئاً واحداً وإنما أشياء تباع بالدرهم وتوزن بالمثقال وتستعمل في تسيير السفن البخارية فسرعان ما تنسينا الكيماويات والحسابيات ما يكمن في الكائنات من سر الله وما أفحش ذلك النسيان عاراً وأكبر هذه الغفلة إثما! وإذا نسينا ذلك فأي الأمور يستحق الذكر إذن فمعظم العلوم أشياء ميتة خاوية بالية - بقول ذابلة نعم وما أحسب العلوم

стр. 68

لولا ذلك إلا خشباً يابساً ميتاً وليس بالشجرة النامية ولا بالغاية الكثيفة الملتفة التي لا تبرح تمدك بالخشب إثر الخشب فيما تمدك وتعطيك! ولن يجد المرء السبيل إلى العلم حتى يجده أولاً إلى العبادة أعني أنه لا علم إلا لمن عبد وإلا فما العلم إلا شقشقة كاذبة وبقلة كما قلت ذابلة. وقد قيل وكتب كثيراً في شهوانية الدين الإسلامي وأرى كل ما قيل وكتب جوراً وظلماً فإن الذي أباحه محمد مما تحرمه المسيحية لم يكن من تلقاء نفسه وإنما كان جارياً متبعاً لدى العرب من قديم الأزل وقد قلل محمد هذه الأشياء جهده وجعل عليها من الحدود ما كان في أمكانه أن يجعل والدين المحمدي بعد ذلك ليس بالسهل ولا بالهين وكيف ومعه كل ما تعلمون من الصوم والوضوء والقواعد الصعبة الشديدة وإقامة الصلاة خمساً في اليوم والحرمان من الخمر وليس كما يزعمون كان نجاح الإسلام وقبول الناس إياه لسهولته لأنه من أفحش الطعن على بني آدم والقدح في أعراضهم أن يتهموا بأن الباعث لهم على محاولة الجلائل وإتيان الجسائم هو طلب الراحة واللذة - التماس الحلو من كل صنف في الدنيا والآخرة! كلا فإن أحسن الآدميين لا يخلو من شيء من العظمة والجلال فالجندي الجاهل الجلف الذي يؤجر يمينه وروحه في الحروب بأجر بخس له مع ذلك شرف يحلف به فتراه لا يبرح يقول: لأفعلن ذلك وشرفي: وليست أمنية أحقر الآدميين هي أن يأكل الحلوى بل أن يأتي عملاً شريفاً وفعلاً محموداً ويثبت للناس أنه رجل فاضل كريم ليعمد أيكم إلى أبلد إنسان فيريه سبيل المكرمات والمحامد فإذا هو قد تأجج قلبه حماساً واتقدت نفسه غيرة وصار في الحال بطلاً وما أظلم الذين يتهمون الإنسان بقولهم أنه ميال بفطرته إلى الراحة وأنه يستهوى بالترف ويستغوى باللذة إنما مغريات الإنسان وجاذباته هي الأهوال والصعائب والاستشهاد والقتل أقدح ما بنفس المرء من زناد الفضل تذك ناراً تحرق سائر ما فيه من الخسائس والنقائص وما كان قط اعتناق الناس لدين من الأديان لما يرجون من متاع ولذة بل لما يثور في قلوبهم من دواعي الشرف والعظمة. وما كان محمد أخا شهوات برغم ما اتهم به ظلماً وعدواناً وشد ما نجور ونخطئ إذا حسبناه رجلاً شهوياً لا هم له إلا قضاء مآربه من الملاذ - كلا فما أبعد ما كان بينه وبين الملاذ أية كانت لقد كان زاهداً متقشفاً في مسكنه ومأكله ومشربه وملبسه وسائر أموره وأحواله وكان

стр. 69

طعامه عادة الخبز والماء وربما تتابعت الشهور ولم توقد بداره نار وإنهم ليذكرون - ونعم ما يذكرون - أنه كان يصلح ويرفو ثوبه بيده فهل بعد ذلك مكرمة ومفخرة؟ فحبذا محمد من رجل خشن اللباس خشن الطعام مجتهد في الله قائم النهار ساهر الليل دئباً في نشر دين الله غير طامح إلى ما يطمح إليه أصاغر الرجال من رتبة أو دولة أو سلطان غير متطلع إلى ذكر أو شهرة كيفما كانت رجل عظيم وربكم وإلا فما كان ملاقياً من أولئك العرب الغلاظ توقيراً واحتراماً وإكباراً وإعظاماً وما كان ممكنه أن يقودهم ويعاشرهم معظم أوقاته ثلاثاً وعشرين حجة وهم ملتفون به يقاتلون بين يديه ويجاهدون حوله لقد كان في هؤلاء العرب جفاء وغلظة وبادرة وعجرفية وكانوا حماة الأنوف أباة الضيم وعر المقادة صعاب الشكيمة فمن قدر على رياضتهم وتذليل جانبهم حتى رضخوا له واستقادوا فذلكم وأيم الله بطل كبير ولولا ما أبصروا فيه من آيات النبل والفضل لما خضعوا له ولا أذعنوا وكيف وقد كانوا أطوع له من بنانه وظني أنه لو كان أتيح لهم بدل محمد قيصر من القياصرة بتاجه وصولجانه لما كان مصيباً من طاعتهم مقدار ما ناله محمد في ثوبه المرقع بيده فكذلك تكون العظمة وهكذا تكون الأبطال! وكانت آخر كلماته تسبيحاً وصلاة - صوت فؤاد يهم بين الرجاء والخوف أن يصعد إلى ربه ولا نحسب أن شدة تدينه أزرت بفضله كلا بل زادته فضلاً وقد يروي عنه مكرمات عالية منها قوله حين رزئ غلامه: العين تدمع والقلب يوجع ولا نقول ما يسخط الرب: ولما استشهد مولاه زيد (ابن حارثة) في غزوة مؤتة قال محمد لقد جاهد زيد في الله حق جهاده وقد لقي الله اليوم فلا بأس عليه ولكن ابنة زيد وجدته بعد ذلك يبكي على جثة أبيها - وجدت الرجل الكهل الذي دب في رأسه المشيب يذوب قلبه دمعاً! فقالت ماذا أرى قال صديقاً يبكي صديقه مثل هذه الأقوال وهذه الأفعال ترينا في محمد أخا الإنسانية الرحيم - أخانا جميعاً الرؤوف الشفيق وابن أمنا الأولى وأبينا الأول. وإني لأحب محمداً لبراءة طبعه من الرياء والتصنع. ولقد كان ابن القفار هذا رجلاً مستقل الرأي لا يعول إلا على نفسه ولا يدعى ماليس فيه. ولم يك متكبراً ولكنه لم يكن ذليلاً ضرعاً. فهو قائم في ثوبه المرقع كما أوجده الله وكما أراد. يخاطب بقوله الحر المبين قياصرة الروم وأكاسرة العجم يرشدهم إلي ما يجب عليهم لهذه الحياة وللحياة الآخرة. وكان

стр. 70

يعرف لنفسه قدرها. ولم تخل الحروب الشديدة التي وقعت له مع الأعراب من مشاهد قسوة ولكنها لم تخل كذلك من دلائل رحمة وكرم وغفران. وكان محمد لا يعتذر من الأولى ولا يفتخر بالثانية. إذ كان يراها من وحي وجدانه وأوامر شعوره ولم يكن وجدانه لديه بالمتهم ولا شعوره بالظنين. وكان رجلاً ماضي العزم لا يؤخر عمل اليوم إلى غد. وطالما كان يذكر يوم تبوك إذ أبى رجاله السير إلى موطن القتال واحتجوا بأنه أو أن الحصيد وبالحر. فقال لهم: الحصيد! أنه لا يلبث إلا يوماً. فماذا تتزودون للآخرة؟ والحر؟ نعم إنه حر ولكن جهنم أشد حراً. وربما خرج بعض كلامه تهكماً وسخرية. إذ يقول للكفار ستجزون يوم القيامة عن أعمالكم ويوزن لكم الجزاء ثم لا تنجسون مثقال ذرة. وما كان محمد بعابث قط ولا شاب شيئاً من قوله شائبة لعب ولهو. بل كان الأمر عنده أمر خسران وفلاح ومسألة فناء وبقاء. ولم يك منه إزاءها إلا الإخلاص الشديد والجد المر. فأما التلاعب بالأقوال والقضايا المنطقية والعبث بالحقائق فما كان من شأنه قط. وذلك عندي أفظع الجرائم إذ ليس هو إلا رقدة القلب ووسن العين عن الحق. وعيشة المرء في مظاهر كاذبة. وليس كل ما يستنكر من مثل هذا الإنسان هو أن جميع أقواله وأعماله أكاذيب بل أنه هو نفسه أكذوبة. وأرى خصلة المروءة والشرف - شعاع الله - متضائلاً في مثل ذلك الرجل مضطربا بين عوامل الحياة والموت. فهو رجل كاذب لا أنكر أنه مصقول اللسان مهذب حواشي. الكلام محترم في بعض الأزمان والأمكنة. لا تؤذيك بادرته لين المس رفيق الملمس كحمض الكربون تراه على لطفه سما نقيعاً. وموتاً ذريعاً. وفي الإسلام خلة أراها من أشرف الخلال وأجلها وهي التسوية بين الناس. وهذا يدل على أصدق النظر وأصوب الرأي. فنفس المؤمن راجحة بجميع دول الأرض. والناس في الإسلام سواء. والإسلام لا يكتفي بجعل الصدقة سنة محبوبة بل يجعلها فرضاً حتماً على كل مسلم. وقاعدة من قواعد الإسلام ثم يقدرها بالنسبة إلى ثروة الرجل. فتكون جزءاً من أربعين من الثروة. تعطى إلى الفقراء والمساكين والمنكوبين. جميل والله كل هذا. وما هو إلا صوت الإنسانية - صوت الرحمة والإخاء والمساواة يصيح من فؤاد ذلك الرجل - ابن القفار والصحراء. وينكر البعض تغلب الحسية والمادية على جنة محمد وناره فأقول إن العيب في ذلك على

стр. 71

الشراح والمفسرين لا على ما جاء في الكتاب فإن القرآن قد أقل جداً من إسناد الحسيات والماديات إلى الجنة والنار وكل ما فيه عن هذا الشأن إيماء وتلميح وإنما المفسرون والشراح هم الذين لم يتركوا لذة حسية ولا متعة شهوية حتى ألحقوها بالجنة ولا عذاباً بدنياً وألماً اجتماعياً حتى أسندوه إلى النار ثم لا تنسوا أن القرآن جعل أكبر ملاذ الجنة روحانياً إذ قال وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها آمنين فالسلام والأمن هما في نظر كل عاقل أقصى أماني المرء وأعظم الملاذ قاطبة والشيء الذي عبثا يلتمسه الإنسان في الحياة الدنيا وقال أيضاً ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين وأي رذيلة أخبث من الغل مصدر المحن والمصائب والنقم والآفات وأي شيء أهنأ من التآلف والتصافي؟ وأي دليل أشهر ببراءة الإسلام من الميل إلى الملاذ من شهر رمضان الذي تلجم فيه الشهوات وتزجر النفس عن غاياتها وتقدع عن مآربها وهذا هو منتهى العقل والحزم فإن مباشرة اللذات ليس بالمنكر وإنما المنكر هو أن تذل النفس لجبار الشهوات وتنقاد لحادي الأوطار والرغبات ولعل أمجد الخصال وأشرف المكارم هو أن يكون للمرء من نفسه على نفسه سلطان وإن يجعل من لذاته لا سلاسل وإغلالا تعيبه وتعتاص عليه إذا هم أن يصدعها بل حليا وزخاف متى شاء فلا أهون عليه من خلعها ولا أسهل من نزعها وكذلك أمر رمضان سواء كان مقصوداً من محمد معيناً أو كان وحي الغريزة وإلهاماً فطرياً فهو والله نعم الأمر. ويمكننا القول على كل حال بأن الجنة والنار هاتين هما رمز لحقيقة أبدية لم تصادف من حسن الذكر قط مثلما صادفت في القرآن وماذا ترون تلك الجنة وملاذها وهاته النار وعذابها وقيام الساعة التي يقول عنها يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ماذا ترون كل هذه إلا ظلاً تمثل في خيال ذلك النبي الشاعر للحقيقة الروحانية الكبرى رأس الحقائق أعني الواجب وجسامة أمره لقد كان هذا الرجل يرى الحياة أمراً جسيماً ويرى لكل عمل إنساني مهما حقر خطارة كبرى فما كان من سيءٍ فله من السوء نتيجة أبدية وما كان صالحاً فله من الصلاح ثمرة سرمدية وإن المرء قد يسمو بصالحاته إلى أعلى عليين ويهبط بموبقاته إلى أسفل سافلين

стр. 72

وإن على عمره القصير تقوم دعائم أبدية هائلة خفية كل ذلك كان يلتهب في روح ذلك الرجل القفري كأنما قد نقش ثمت بأحرف النار وكل ذلك قد حاول في أشد إخلاص وأحد جدان يخرجه للناس ويصوره لهم فأخرجه وصوره في صورة تلكم النار والجنة وأي ثوب لبسته هذه الحقيقة وأي قالب صبت فيه فلا تزال أولى الحقائق مقدسة في أي أسلوب وأي صورة. وعلى كل حال فهذا الدين ضرب من النصرانية وفيه للمبصرين أشرف معاني الروحانية وأعلاها فاعرفوا له قدره ولا تنجسوه حقه ولقد مضى عليه مئتان وألف عام وهو الدين القويم والصراط المستقيم لخمس العالم وما زال فوق ذلك ديناً يؤمن به أهله من حبات أفئدتهم ولا أحسب أن أمة من النصارى اعتصموا بدينهم اعتصام المسلمين بإسلامهم - إذ يوقنون به كل اليقين ويواجهون به الدهر والأبد وسينادي الحارس الليلة في شوارع القاهرة أحد المارة من السائر؟ فيجيبه السائر لا اله إلا الله وإن كلمة التوحيد والتكبير والتهليل لترن آناء الليل وأطراف النهار في أرواح تلك الملايين الكثيفة وإن الفقهاء ذوي الغيرة في الله والتفاني في حبه ليأتون شعوب الوثنية بالهند والصين والمالاي فيهدمون أضاليلهم ويشيدون مكانها قواعد الإسلام ونعم ما يفعلون. ولقد أخرج الله العرب بالإسلام من الظلمات إلى النور واحي به من العرب أمة هامدة وأرضاها مدة وهل كانت إلا فئة من جوالة الأعراب خاملة فقيرة تجوب الفلاة منذ بدء العالم لا يسمع لها صوت ولا تحس منها حركة فأرسل الله لهم نبياً بكلمة من لدنه ورسالة من قبله فإذا الخمول قد استحال شهرة والغموض نباهة والضعة رفعة والضعف قوة والشرارة حريقاً وسع نوره الأنحاء وعم ضوءه الأرجاء وعقد شعاعه الشمال بالجنوب والمشرق بالمغرب وما هو إلا قرن بعد هذا الحادث حتى أصبح لدولة العرب رجل في الهند ورجل في الأندلس وأشرقت دولة الإسلام حقباً عديدة ودهوراً مديدة بنور الفضل والنبل والمروءة والبأس والنجدة ورونق الحق والهدى على نصف المعمورة وكذاك الإيمان عظيم وهو مبعث الحياة ومنبع القوة وما زال للأمة رقي في درج الفضل وتعريج إلى ذري المجد ما دام مذهبها اليقين ومنهاجها الإيمان ألستم ترون في حالة أولئك الأعراب ومحمدهم وعصرهم كأنما قد وقعت من السماء شرارة على تلك الرمال التي كان لا يبصر بها فضل

стр. 73

ولا يرجى فيها خير فإذا هي بارود سريع الانفجار: وما هي برمل ميت: وإذا هي قد تأججت واشتعلت واتصلت نارها بين غرناطة ودلهي ولطالما قلت أن الرجل العظيم كالشهاب من السماء وسائر الناس في انتظاره كالحطب فما هو إلا أن يسقط حتى يتأججوا ويلتهبوا.

стр. 74

نوابغ العالم ابن حمديس - جولد سميث من بين أبواب البيان باب نوابغ العالم وتراجم عظماء الرجال من علماء وفلاسفة وأدباء وملوك وقواد - وقد رأينا أن نترجم في العدد الواحد: الذي يكون من نصيبه هذا الباب: اثنين من النوابغ نابغة عربياً ونابغة من غير العرب وهذان أعزكم الله نابغتان من نوابغ العالم الأول الشاعر الكبير أبو محمد عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمد يس الأزدي السرقوسي الصقلي (من صقلية) والثاني الكاتب الانكليزي الأكبر والشاعر الأشهر ألفر جولد سميث - ولقد يعلم قراء البيان أن طريقته في ترجمة النوابغ التطويل اللذ والإشباع غير الممل فلذلك سنفيض في ترجمة هذين النابغتين ونأتي على الغاية من كل ما يتعلق بهما ونبدأ بشاعرنا العربي الصقلي. ابن حمديس ترجمته إجمالاً - ترجمته بتفصيل - سرقوسة مسقط رأس الشاعر - صقلية في عصر ابن حمديس - وفوده إلى الأندلس - تشوقه صقلية - حب الوطن - المعتمد بن عباد - مدائح الشاعر في المعتمد - نكبة المعتمد - رثاء الشاعر له - سائر شعره في غيره - يحيى بن تميم بن المعز بن باديس وابنه أبو الحسن علي - المنصور بن الناصر بن علناس - شعر ابن حمديس - منزلته من الشعر ترجمته إجمالاً - ولد ابن حمديس حوالي سنة ٤٤٥ في سرقوسة إحدى مدائن صقلية (التي يسميها الإفرنج الآن سِسَلي والتي هي الآن إحدى الايات إيطاليا) ثم انتقل إلى الأندلس سنة ٤٧١ ومدح المعتمد بن عباد صاحب اشبيلية حتى إذا نكب المعتمد نكبته المعروفة وتوفى باغمات رحل شاعرنا إلى إفريقية وامتدح يحيى بن تميم بن المعز بن باديس وابنه أبا الحسن علياً والمنصور بن الناصر بن علناس بن حماد بن يوسف بلكين بن زيرى ثم قضي في جزيرة ميورقة وقيل في بجاية سنة ٥٢٧. ترجمته بتفصيل - ولما كان القارئ الكريم قد يتشوق معرفة الأماكن والبلدان التي ولد فيها الشاعر وتنقل فيها وامتدح أصحابها وماذا كانت أحوالها أيام المترجم به رأينا أن نلم بها إلمامة تجعل القارئ على بصيره تامة بشؤن هذا الشاعر العظيم

стр. 75

صقلية في عصر ابن حمديس أما سرقوسة التي ولد فيها الشاعر فهي فرضة بجرية شرقي جزيرة صقلية على ٣٠ ميلاً من قطانية إلى جنوبي الجنوب الشرقي و ٨١ ميلاً عن مسيني إلى الجنوب الغربي وتسمى الآن سيراكوسا (وسيمر بك كلام وافٍ عنها في الرسالة الأولى من كتاب حضارة العرب في الأندلس) وقد جاء ذكرها في شعر لابن قلاقس الاسكندري المتوفي سنة ٥٦٧ قال يصف سفينة سار بها إلى صقلية: ثم استقلت بي على علاتها ... مجنونة سبحت على مجنون هو جاء تقسم والرياح تقودها ... بالنون إما من طعام النون حتى إذا ما البحر أبدته الصبا ... ذا وجنة بالموج ذات غضون ألقت به النكباء راحة عائث ... قلبت ظهور مشاهد لبطون وتكلفت سرقوسة بأماننا ... في ملجأ للخائفين أمين وأما صقلية عموماً في عصر ابن حمد يس فقد جاء في الكامل لابن الأثير ما يأتي: كان الأمير على صقلية سنة ثمان وثمانين وثلثمائة أبا الفتوح يوسف ابن عبد الله بن محمد بن أبي الحسين ولاه عليها العزيز العلوي صاحب مصر وأفريقية فأصابه في هذه السنة فالج فتعطل جانبه الأيسر وضعف الجانب الأيمن فاستناب ابنه جعفراً فبقي كذلك ضابطاً للبلاد حسن السيرة في أهلها إلى سنة خمس وأربعمائة فخالف عليه أخوه علي وأعانه جمع من البربر والعبيد فأخرج إليه أخوه جعفر جنداً من المدينة (بلرم) فاقتتلوا سابع شعبان وقتل من البربر والعبيد خلق كثير وهرب من بقي منهم وأخذ علي أسيراً فقتله أخوه جعفر وعظم قتله على أبيه فكان بين خروجه وقتله ثمانية أيام وأمر جعفر حينئذ أن ينفي كل بربري بالجزيرة فنفوا إلى أفريقية وأمر بقتل العبيد فقتلوا عن آخرهم وجعل جنده كلهم من أهل صقلية فقل العسكر بالجزيرة وطمع أهل الجزيرة في الأمراء فلم يمض إلا يسير حتى ثار به أهل صقلية وأخرجوه وخلعوه وأرادوا قتله وذلك إنه ولي عليهم إنساناً صادرهم وأخذ الأعشار من غلاتهم واستخف بقوادهم وشيوخ البلد وقهر جعفراً واستطال عليهم فلم يشعر إلا وقد زحف إليه أهل البلد كبيرهم وصغيرهم فحصروه في قصره في المحرم سنة عشر وأربعمائة وأشرفوا على أخذه فخرج إليهم أبوه يوسف في محفة وكانوا له محبين فلطف
следующие страницы →