← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

التهمة الكاذبة والمستر تيمان زير النساء هو في الحقيقة لا تتجاوز منزلته عند النساء منزلة زير قناوي تمر به الواحدة عطشى إلى الضحك حتى إذا أخذت منه نصيبها من المضحكات تركته أزهد الناس فيه. ولكن البطل الأول أعني الخادم سام ولر هو غير هؤلاء البتة. فهو وإن كان خادمهم لكنه في الحقيقة سيدهم. وذلك أنه أمرؤ لم تمنعه عاميته من أن يكون سريع الخاطر حاضر الجواب نادر الذكاء مزاحاً ثاقب المعرفة عظيم البصر واسع التجربة شديد الدهاء حتى لقد قال عنه جماعة النقاد أنه هو في الحقيقة صورة شارل دكنز نفسه لو كان أمياً. وقد صحت عزيمتنا على أن نتحف القراء بفصول عدة من هذه القصة العجيبة ولن نقيد أنفسنا بترتيب فصول الكتاب بل نختار من ههنا وههنا حسب ما نراه أوفق للقراء وبالله التوفيق (١) المستر بكويك في فراش إحدى السيدات نزل المستر بكويك في بعض جولاته بفندق من فنادق لندوة وكان من المباني القديمة الكثيرة الدهاليز والمتائه، الجمة السلالم والدرج. فبعد أن أقام ساعة في غرفة الجلوس العامة بأسفل النزل صعدت به الخادمة في عديد من السلالم والدهاليز مما يضل في متاهاته الجن إلى غرفة كانت أعدتها لنومه في الدور الأعلى من الفندق فأدخلته تلك الغرفة وتركته وعادت أدراجها. فلما بدأ بكويك ينزع ثيابه رأى أنه قد نسى ساعته بغرفة الجلوس ولم يشأ أن يزعج الخدم فعزم على أن يأخذ الشمعة وينزل وحده ليبحث عن ساعته. فخرج من الغرفة والشمعة في يده وهبط في السلام وكلما انتهى من سلم بدا له سلم وكلما سلك دهليزاً اعترضه دهليز. وما زال تتقاذفه الدهاليز وتتلقفه السلالم ويطل من ثقوب الأبواب حتى عثر أخيراً بطريق الصدفة على الغرفة المنشودة وهنالك وجد ساعته. وبدأ يصعد من حيث نزل. ولا غرو إذا قلنا أنه وجد المرتقى أصعب ألف مرة من المنحدر. لقد جعل عشرات المرات يلوى أكر الأبواب بمنتهى الرفق والخفة يحسب أنع عثر بباب غرفته فيصيح به من الداخل صوت أخشن أبح ماذا تريد! باسم أبليس من الطارق، فينقلب على مشطي قدميه مثلاً بأسرع ما لديه. ومازال ذلك شأنه حتى قطع الأمل من العثور على

стр. 1752

حجرته فإنه لكذلك إذ جذب بصره باب مفتوح فأطل فقال في نفسه. لقد اهتديت إلى الغرفة أخيراً. وذلك أنه وجد السرير بالموضع الذي يتذكر جيداً. ووجد الموقد لا يزال يتقد. فدخل وأغلق الباب وكانت شمعته لكثرة ملاعبتها للريح قد أشرفت على النفاذ ولكنه قال في نفسه لا بأس أن في ضوء النار ما يكفي ثم أنه رفع كلة السرير وجلس على كرسي أمامه وأقبل فصاحت المرأة صيحة مذعورة رجل! قال بكويك في نفسه قضى الأمر! وصاحت المرأة رجل غريب! قال بكويك في نفسه وابلواه! - صرخة أخرى وأجد أهل الفندق على الباب وأحس بكويك خشخشة ثياب المرأة وهي تهرع ناحية الباب قال بكويك وأخرج رأسه وهو في أسوأ حالات اليأس والجزع سيدتي! سيدتي! وقد كان لظهور رأس المستر بكويك خارج الأستار أحسن الأثر وذلك أن منظر هذا الرأس في قبعة النوم ذات الزر أزعج المرأة وهي في طريقها إلى الباب فأثبتها في منتصف الطريق كأنما قد سمرت في الأرض قدماها. فوقفت تنظر إلى هذا المنظر العجيب فاغرة فاها (فاتحة فمهاـ وهو شأن المندهش) المنظر العجيب (أعني المستر بكويك) ينظر كذلك إليها فاغر فاه وصاحت المرأة مغطية عينيها بيديها (أيها الشقي! ماذا يدههنا؟) قال بكويك بإخلاص وتضرع (لاشيء يا سيدتي لا شيء مطلقاً) قالت السيدة رافعة بصرها (لاشيء!) قال بكويك وهز رأسه بما ترك زر قبعته يدور في الهواء يرقص (لاشيء يا سيدتي وشرفي! إني ليكاد يغمى علي يا سيدتي وتكاد الأرض تخف بي من مضاضة مشافهتي سيدة نبيلة وأنا لابس قبعة النوم (هنا أسرعت السيدة إلى نزع قبعة النوم من فوق رأسها وكانت لابستها) ولكني لا أطيق نزعها (وهنا جذبها جذبة شديدة برهاناً على مقالته) الآن قد وضح لي يا سيدتي أني أخطأت غرفتي فدخلت غيرها. ولم تمر علي خمس دقائق ههنا يا سيدتي حتى حضرت أنت على بغتة قالت السيدة وقد خنقتها العبرة إذا كان هذا القول الذي لا يكاد يصدق هو في الواقع حقاً فأخرج من ههنا في الحال قال بكويك سأفعل بكل سرور يا سيدتي قالت السيدة في الحال

стр. 1753

قال بكويك بكل سكينة وتؤدة (بلا شك يا سيدتي بلا شك - ولكن اسمحي لي أن أبدي لك عظيم أسفي واستيائي يا سيدتي - وهنا ظهر خارج السرير - لما سببته لك عن غير قصد من هذا الرعب والأسى. لم تفه السيدة بشيء ولكنها أومأت بإصبعها نحو الباب في هذه الظروف الحرجة لم تخن المستر بريك مزاياه الجليلة من رقة الآداب ومعرفة واجبات التحية والتسليم فرغماً من أنه كان في هذه اللحظة يسير حافي القدمين حاملاً خفيه في يده مع الجوربين واضعاً كسوته وصديريته فوق كتفه كدلالي الثياب وباعة الخرق القديمة في الأسواق. جاعلاً قلنسوته فوق قبعة النوم على رأسه - نقول بالرغم من كل ذلك لم يكن شيء قط ليمنع المستر بكويك من تقديمه إلى السيدة واجب تحية الوداع بإحنائه رأسه بكل أدب واحترام وقوله بأرق لهجة وأرخم نغمة (اسمحي لي يا سيدتي أن أظهر عظيم أسفي واستيائي وجزيل شكري) فقاطعته السيدة قائلة (إن كان ذلك حقاً فاخرج في الحال يا سيدي) قال بكويك في الحال يا سيدتي في الحال ثم فتح الباب فسقط الخفان من يده على الأرض بصوت شديد فتناول الخفين وبعد خروجه من الباب التفت إلى السيدة فقال (أملي وطيد يا سيدتي في أن ما يؤثر عني في جميع أنحاء العالم المتأدب من العفة والنزاهة ومن إجلالي جنسكم اللطيف ومغالاتي بقدره سيشفع لي عندك ويقوم ببعض) ولكن السيدة لم تمله حتى يكمل خطبته بل قذفته في الدهليز وأغلقت الباب في وجهه يخلع نعليه وجوربيه على رسله ثم نضا ثوبه وصديريته ووشاحه ولبس قبعة النوم ذات الزر الطويل وربطها جيداً من تحت ذقنه بزناقها. وبعد ذلك أخذ يتذكر ما كان أصابه من الحيرة والإرتباك عند إضلاله غرفته وشرع يضحك من نفسه لنفسه ما أعجب ضلالي بين هاتيك السلالم والدهاليز التي كأنها أبدية لا مبدأ لها ولا نهاية. عجيب عجيب عجيب ثم عاد إلى الضحك وشرع ينضو بقية ثيابه وإذا بحادث فجائي أوقفه وسط عمله. وما أدراك ما هو؟ دخول إنسان من الباب يحمل في يده شمعة. وهذا الطارئ بعد إغلاق الباب سار إلى منضدة اللبس فوضع الشمعة عليها. فاختفت ابتسامة المستر بكويك تحت ما غشي وجهه إذ ذاك من سيما الإندهاش التام. لقد كان دخول هذا الطارئ بمنتهى المباغتة والخفية والخفة حتى أن المستر بكويك لم يجد

стр. 1754

أدنى فرصة للإستغاثة أو للمقاومة. من ترى هذا القادم؟ لص؟ شرير بصر به صاعداً وفي يده ساعة بديعة قيمة؟ ربما كان ذلك ماذا يصنع؟ رأى المستر بكويك أن أحسن طريقة لرؤية الطارق دون أن يراه الطارق هو اختفاؤه في السرير والنظر من خلال الستائر. ففعل ذلك وضم فرجة الكلة بأصابعه بحيث لم يظهر منه سوى وجهه وقبعته. ثم لبس نظارته واستجمع قواه وجعل ينظر. وهنا كاد يغمى عليه من الخوف والدهشة إذ أبصر أمام المنضدة سيدة نصفاً (متوسطة السن) تسرح ضفائرها وقد ظهر له من حركاتها أنها تنوي البقاء في الغرفة طول ليلتها لأنها وضعت الشمعة التي كانت معها في إناء خاص بذلك. قال بكويك في نفسه أعوذ بالله الرحمن الرحيم ما أهول ذلك وما أفظعه! هنا تنحت السيدة فاختفى وجه السيد وراء الستائر بسرعة البرق اللامح. وقال في نفسه ما رأيت أهول من هذا الموقف، وتحلب العرق البارد من جبينه. ما أخوف وما أهول!، لم يكن في طاقة بكويك أن يمنع نفسه من تأمل هذا المنظر فأخرج رأسه ثانياً فأبصر ما هو أفظع وأبشع. فرغت السيدة من تمشيط شعرها ولبست قبعة النوم وأقبلت تتأمل النار مطرقة تفكر. قال بكويك في نفسه الأمر يزداد بشاعة وهولاً ليس في وسعي أن أدع الأمر يستمر في مجراه هذا. يلوح لي منن ثبات هذه المرأة وهدوء بالها أني دخلت غرفتها بطريق الخطأ. فماذا أفعل؟ إني إذا ناديتها صاحت فأزعجت الفندق. وإذا سكت كانت العاقبة أسوأ. لا حاجة بنا أن نذكر هنا أن المستر بكويك كان من أرق الناس عاطفة وأطهرهم ذيلاً وأحسنهم أدباً. وإنه يرى في مجرد ظهوره أمام إحدى السيدات لابساً قبعة النوم المصاب الأكبر والخطب الأجل. ولكنه قد عقد زناق قبعته عقدة لا تحل. ثم لا بد له من كشف هذا الأمر. إذن فليس أمامه إلا طريقة واحدة. فاتخذ هذه الطريقة وذلك أنه انكمش وراء الستائر وصاح بملء فيههوه! هوه!. لا حاجة بنا أن نقول أن السيدة ذعرت من هذا الصوت فتقهقرت نحو الشمعة. غير أنها نسبت هذا الصوت إلى تأثير الوهم والخيال الكاذب. وكان المستر بكويك حسب أن صوته هذا سيفقدها الصواب فاختفى وراء الستار ولكنه لما عاد فأطل رآها جالسة أمام النار

стр. 1755

مطرقة تفكر كحالتها من قبل قال بكويك ما أعجب شأن هذه المرأة هوه! هوه لقد كان الصوت هذه المرة أبين وأوضح حينئذٍ صاحت المرأة واخطباه! ماهذا؟ قال بكويك من وراء الستارهذا - هذا - رجل يا سيدتي

стр. 1756

الأخلاق والاجتماع مختارات من آراء ليوباردى الكونت جيا كوموليوباردى من أكبر كتاب الدنيا الذين قسموا الناس شيعاً بعدهم وأحزاباً. وهو اليوم أمام نصف العالم أو أكثر. لأنه يقود وراءه جميع المتشائمين في الأرض وهو في آرائه في الحياة والموت والناس أبدع من المعري وشوينهور. بل أنهما ليعدان متفائلين بالنسبة إليه. وكانت وفاته عام ١٨٣٣ في التاسعة والثلاثين. وقد عاش أكثر عمره مريضاً حزيناً متألماً. وسننشر تباعاً في البيان مختارات آرائه. إن العالم ليس إلا مؤتمراً من الأشرار حرباً للأخيار. وطائفة من اللئام أعداء للكرام. وإذا تلاقى شريران للمرة الأولى في حياتهما لم يلبثا أن يعرف أحدهما الأخر على حقيقته في صمت وسكون، كأن بينهما دلائل لا تبدو لغيرهما، ولم ينويا أن يصبحا أخوين حبيبين في التو والساعة، وإذا لم تسمح مصلحة كل منهما بالإخاء والحب، فلا يسع أحدهما إلا الإحترام صاحبه والإطمئنان إليه. وإذا كان لشرير شأن مع جماعة من الأشرار أو وقعت بينه وبينهم معاملة، فلا يكون ملكه معهم إلا الإخلاص والصدق، ولا يفكر يوماً في خديعتهم، ولكنه إذا ارتبط بمثلها مع نفر من أهل الشرف والخير، فيستحيل عليه أن يتركهم دون الغدر بهم. وإذا رأى الفرصة سانحة له، خرب بيوتهم تخريباً، وإن يكن يعلم مع ذلك أنهم من أهل البأس والشهامة وأنهم قديرون على أن يثأروا لأنفسهم، لأنه يعلل نفسه إذ ذاك بأنه سيهزم بحيله وخدعه شجاعتهم وبأسهم ولقد رأيت كثيرين من الضعفاء الجبناء وجدوا أنفسهم في مأزق بين شرير أضعف منهم وبين رجل خير شهم، فآثروا أن ينحازوا إلى الشرير مخافة منه ورهباً، لأن الحياة أهل الوفاء والشهامة ظاهرة واضحة، وأما الأشرار اللؤماء فشأنهم الأسرار والغموض، والمجهول أبداً أدعي إلى أحداث الرعب من المعلوم والإنسان يستطيع بكل سهولة أن يحتمي من ثأر الأخيار. ولكن لا تستطيع الحيل والألاعيب والمكامن أن تدفع عنك شر غموض اللؤماء من أعدائك، وكذلك ترى الشهامة في العالم قلما يخاف منها أو يحذر شرها، لأنها تحتقر الخداع والكذب والغش، ومن ثم لا تحاول أن تتخذ مظهراً مخيفاً مرعباً، على حين ترى الأشرار مخوفين، يظن بهم الشهامة لأن الناس ينخدعون بهدوئهم الرهيب.

стр. 1757

وأنت قلما ترى الأشرار اللؤماء في نكد من العيش، وإذا وقع شهم في الفاقة فلا ترى إنساناً يمد يد العون والغوث، بل كثيرون يبتهجون بفاقته، ولكن إذا تعثر لئيم يوماً في شدة، فلا تلبث أن تنهض المدينة كلها لإنقاذه وإغاثته والسبب بلا ريب بين واضح، وهو أننا بطبيعتنا نحزن لمصائب رفيق لنا، لأن متاعبه لا تزال في نفسها تهديدات لنا ونذراً، وحيث أن الأشرار هم الفريق الأكبر من العالم، وهم الذين في يدهم القوة، ويعدون غيرهم من اللؤماء الأشرار - وإن لم يعرفوهم - رفاقاً لهم وأحباباً، فهم يجدون من الواجب عليهم أن يتعاونوا في الشدائد، إذ يظنون من الفضيحة في حقهم أن يري الناس لئيماً في شدة! لا يجد الإنسان قط في المحادثة لذة أو بهجة إلا إذا انطلق يتحدث عن نفسه أو مهنته أو ما يشغله من شؤونه ومزاياه، فإذا انحرف الحديث عن هذا السبيل انقبض وثارت في نفسه السآمة والملل، وإن كان السرور الذي يداخلنا ونحن نعلن عن أنسفنا هو البلاء كله على المسامع، فإذا أردت أن نشهر بأن تكون محبباً مؤنس العشرة فاعلم أنك ولا شك ستقاضى عن هذه الشهرة أشد الصبر والألم، لأن الذي يشهر بلطف العشرة هو من يصبر على أنانية الناس في حديثهم، ويؤثر الصمت على الكلام، وهذا لعمري شديد الوطأة على النفس وفيه البلاء والعذاب. فإن جلست إلى إنسان فاجتهد في أن تسوقه إلى الكلام عن نفسه. وعن شؤونه ما شاء حتى يفارقك وهو راضٍ عن نفسه كل الرضى، وأنت ضائق الذرع مقتول مما عانيت. إن الرجل الذي يظفر بحاجة كان يطلبها بعد متعبةٍ أو طول عناءٍ أو مضض تطاول وتسويف، يحس بأشد الغضب والسخط إذ يري غيره ظفر بها في سهولة ورفق، وإن كان ذلك لم يفقده شيئاً من حاجته، ووجه غضبه وحقده أن حاجته تبدو له كأنها قد خسرت شيئاً من قيمتها إذ يراها قد وقعت إلى رجل لم يكدح كدحه، ولم يشق شقاءه. لا مناص للإنسان من أمرين، فإما أن يضيع شبابه تضييعاً وإن كان الشباب هو الزمن الذي يدخر فيه الإنسان شيئاً لشيخوخته وعجزه عن العمل - وإما أن يقضيه تأهباً وكدحاً على أمل أن ينعم ويبتهج في زمن لا يستطيع فيه النعمة والبهجة. مركز المرأة الإجتماعي ١

стр. 1758

الضعيف لدى الجمعيات الساذجة مهضوم الحقوق وذلك لضعف العاطفة الأدبية في نفوس المتوحشين وفقدان السلطة العمومية أو عجزها - إن وجدت - عن كبح جماح القوى. وعلى قدر رقي الأمة يحترم الضعيف، والمرأة أضعف من الرجل تسوء معاملتها بين المتوحشين ويعلو قدرها بين المتمدنين ومن معاملة الرجل للمرأة نقدر أن نحكم على نصيب الأمة من التقدم والتأخر. ولو تصفحنا الأمم لوجدنا أقلعا مدينة أشدها قسوة على المرأة. وكلما ارتقت الأمة ارتخت قيود المرأة وخف عبؤها ففي أستراليا حيث الوحشية ضاربة أطنابها بين السكان الأصليين تقاسي المرأة أشد أنواع العذاب، تكاد تكون حيواناً داجناً ومتاعاً للرجل، يلهو بها ويسخرها في أشق الأعمال وأكثرها تعباً ونصباً. فهي التي تحمل الأثقال العظيمة وتقوم بجميع مهام الحياة ما عدا الصيد والقتال، لا تأكل حتى يمتلئ الرجل شبعاً ويرمي لها فضلات طعامه. هي والكلب في مستوى واحد. إذا مات زوجها تصبح بعد ثلاثة أيام من موته ملكاً لأخيه. قل أن تموت ميتة طبيعية إذ في الغالب يعجل عليها ويقضى على حياتها من قبل أن تشيخ وتصير عالة تستنفد طعام القبيلة من غير مقابل. وإذا انتابت القبيلة مجاعة تذبح النساء لتقتات بلحومهن. وفي فيجى للرجل أن يبيع زوجته، وإن شاء فله أن يقتلها. وغالباً ما ترى مشدودة على خشبة أو مصلوبة على شجرة وزوجها نازل عليها بالسياط. وفي كلدونيا الجديدة لا يحق للمرأة أن تؤاكل زوجها أو تساكنه. ويحل بها كل يوم من الآلام والعذاب ما يبغضها في الحياة ويحملها على الإنتحار فتنتحر غير آسفة على عيش عبوس. وفي إفريقيا لا تقل المرأة تعاسة عن أختها في أوستراليا غير أنها لا تؤكل إلا نادراً لكثرة الصيد في إفريقيا. بيد أن السير بيكر شاهد في جوندوفرو وليمة كبيرة كبيرة من لحوم الجواري والفتيات تعامل المرأة في إفريقيا بأشد أنواع القسوة وتلاقي من الظلم ما يفتت قلب المتمدن ويقشعر منه جسمه. يحتقرها جميع الناس حتى أولادها لا يطيعونها ولا يصغون إليها. لا تأكل مع زوجها وينهال عليها بالرفس واللطم لأقل هفوة. ترفق بالبقر ودواب الحمل. وتستخدم في حرث الأرض وحمل الأثقال من غير أن يكلف الرجل نفسه مؤونة مساعدتها. مسكينة المرأة تنصب من غير حمد ولا شكر. وينهال عليها زوجها وسيدها ضرباً ولكماً

стр. 1759

من غير أن يرثي لحالها أو يصغي لأنينها أحد. يعدها الرجال من سقط المتاع فلا تستحق منه رأفةً. ويظهر أن هذه حالها لدى جميع المتوحشين مع تفاوت في الشدة حسب الطبائع والأمزجة. ففي (بولونيزيا) لا يسوغ للمرأة أن تنضج طعامها مع طعام زوجها على نار واحدة ولا يحق لها أن تأكل في الكوخ الذي يأكل فيه ويحرم عليها بتاتاً أن تلمس قبعته وسلاحه بيدها لئلا تدنسها ويجب عليها أن تطيعه وتسلم نفسها لمن يريده من ضيف أو صديق وتحمل أجر عفافها. ولا يقل متوحشو أمريكا قسوة وفظاعة عن بقية المتوحشين ففي (فيجي) إذا شاخت المرأة تقتل خنقاً بدخان خشب أخضر ويؤكل لحمها. وإذا سئل الرجل لماذا لا يبقى على امرأته ويذبح كلبه قال الكلاب أنفع لنا من النساء فإنها تجلب إلينا الصيد. وهذا هو جزاء المرأة على شقائها ونزولها الماء الزمهرير لصيد السمك والمحار وتعرضهن لجميع الأخطار والمتاعب لخدمة زوجها مدة شبابها. أما في بقية القارة الأمريكية حيث العيش أقل ضنكاً لا تؤكل كل النساء ولكن مقضي عليهن طول الحياة بأشق الأعمال فهن اللاتي يحملن الأطفال والأمتعة حينما تنتقل من مكان لأخر ويحرثن الأرض ويحصدن الزرع ويهيئن الطعام ويسحبن العربات إذا لم تتوفر الخيل. أما في آسيا فأرق طباعاً من القارات التي سبق ذكرها. والمرأة فيها أحسن حالاً ولكنها لا تعد سعيدة على كل حال ففي الصين حيث المدينة أرقى وأرسخ فدماً تساس المرأة بنوع من الشفقة غير أنها أقل قدراً واحتراماً من الرجل. إذا ولد لأحدهم بنت ولم يكن له ابن حزن وأعد نفسه عقيماً، وتباع الفتيات الصينيات في الأسواق كالسلع. ولا يسوغ للصينية أن تأكل مع زوجها وأبنائها الكبار ويجب عليها أن تقف في أدب وسكون لخدمة زوجها أثناء طعامه. وفي (برماني) شهادة المرأة وحدها غير كافية وإذا طلبت الشهادة أدتها على باب المحكمة من غير أن تدخل خوفاً من أن تدنس المحكمة. والأب بمقتضى شريعة (مانو) قيم على ابنته إلى أن تتزوج فإذا تزوجت أصبح زوجها القيم عليها فإن مات فإبنها أو أحد أقارب زوجها فإن لم يوجد واحد من هؤلاء فالملك. ويتحتم عليها كلما قابلت زوجها أن تقابله ببشر وبشاشة ويجب عليها أن تحترمه وتقدسه ولو خانها ولا تذكر اسم رجل آخر إذا

стр. 1760

ترملت وما زالت هذه الشريعة إلى الآن أس التشريع في الهند. وفي غرب (أفغانستان) تعد البنت وحدة النقود وفي كثير من الشرائع القديمة (كشريعة مانو) لا ترث المرأة. وفي روسيا إلى يومنا هذا لا ترث البنت من أبيها إلا جزءاً من أربعة عشر من العقار وسبع المنقول. للكلام بقية

стр. 1761

أفكار بليدة لمفكر بليد في أوقات بليدة للكاتب الأخلاقي الفكه جيروم ك. جيروم الحياء إن جميع كبار الكتاب والمفكرين حييون، وأنا لهذا السبب رجل حي خجول، وإن كان الناس لا يفتأون يقولون لي أن حيائي لا يكاد يبين، ولكني والحمد لله مسرور بذلك الآن مثلج الصدر، إذ كان حيائي شديداً لدي، وكان لي يومذاك مدعاة شقاء وتعب، ولأصدقائي وصحباتي باثع ضيق واستثقال، ولا سيما عند صديقاتي السيدات، وصواحبي الآنسات، فقد كن يشكون من حيائي أمر الشكوى. إن نصيب الرجل الحيي في هذه الحياة نصيب سيء مرير، فمعشر الرجال يكرهونه، والنساء يحتقرنه، وهو أيضاً يكره نفسه ويحتقرها، ولكن الرجل الحيي مع ذلك يثأر لنفسه من المجتمع بعض الثأر، فهو يستطيع أن يخيفهم كما يخيفونه لأنه لا يكون في الحجرة الممتلئة بالسمار والأصحاب إلا كصمام المدخنة يخنق نفسه، ويمنع سريان الهواء، فيترك أمرح الأرواح وأبهج الصدور بوجوده حزينة، ضائقة، مضطربة الأعصاب وهذا الضيق الذي يعرو الناس من حضرة الحيي في وسطهم، لايبعث عليه إلا سوء التفاهم، فكثيرون من الناس يخطئون فهم الحيي فيحسبونه زهواً وكبرياء، ولهذا يشعرون بأنهم يتلقون منه إهانة لا تسعها المغفرة، وإذا رأوه وقد أخذه الرعب لأول كلمة توجه إليه منه، وقد تصاعد الدم إلى رأسه، وخذلته الألفاظ والعبارات، وفقد قوة النطق، عدوه مثالاً فظيعاً على نتائج الإنهماك في الشراب والملذات. وهو لا يصيب إلا سوء التفاهم في كل مجلس ومكان، ومهما حاول أن يظهر من التأثير، فالناس لا تدرك إلا نقيض المعنى الذي يريد، فلو أرسل نكتة في المجلس، أخذوها نوعاً ثقيلاً من الجد، وحكموا بها على ضعف قوته في قول الجد، وإذا ألقى دعابةً تلقوها منه رأياً من أرائه، وعدوه من أجلها حماراً، وإذا أراد يوماً أن يستعطف بعض القوم فأنشأ يقول شيئاً من المديح، فظنوه منه تهكماً، وكرهوه من جراء ذلك. هذه وغيرها من آلام الحي كانت أبداً باعث الضحك والمجون عند كثيرين من الناس، وكثيراً ما أمدت الأدباء بموضوعات طيبة للتفكهة، ولكنا إذا نظرنا بعد نظراً أبعد من

стр. 1762

مرمى، وجدنا لهذه الصورة ناحية محزنة، بل قل مبكية، فإن الرجل الحيي يعني رجلاً واحداً، قطع ما بينه وبين الرفقة، وحيل بينه وبين الجماعة، يمشي ويتحرك في العالم، ولكن لا يختلط به ولا يمتزج، يقوم بينه وبين الناس سور منيع شاهق، يحاول أن ينفذ منه، فلا يصيب منه إلا البطح فهو يرى الوجوه الصبيحة، والمطالع المتهللة، ويسمع الأصوات الغريدة، من الناحية الأخرى التي تقوم وراء هذا الجدار الخفي، فلا يستطيع أن يمد ذراعه ليلمس ذراعاً آخر،، ويقف يشهد الجماعات المبتهجة الفرحة، ويود لو يكلمها، وينعم بحديثها، ويطالبها بحقوق القربى، ولكنها تمر به غير ملتفتة ولا آبهة، يكلم بعضها بعضاً، ويضاحك رجالها نسائها، فلا يجد في نفسه القدرة على أن يستوقف أحداً منهم، ويحاول أن يصل إليهم، ولكن سجنه يتحرك معه حيث ذهب، فهو يمكث عن كثب من القوم كالمجذوم أو المبروص، وإن صدره ليفيض حباً وحناناً ورقة وعطفاً، ولكن العالم لايشعر بذلك ولا يدري ولا يعلم، لأن قناع الحياء يحجب وجهه، ويدع الناس لا يبصرون منه الرجل الحقيقي المسكين، وقد تثب الكلمات الرفيقة والتحيات الصديقة إلى شفتيه. ثم تتبدد فجأة في خفوت وهمس، والناس بعد يرون في المخلوق الخجول اللاهث المرتعش الركبتين المتشنج الأطراف، منظراً مؤلماً لهم، وإذا لم يستطع هذا المخلوق أن يطيب من هذا المرض فخيرٌ له أن يذهب ويشنق نفسه. على أن العزاء الوحيد الذي يستطيع أهل الحياء أن يتعزوا به بينهم وبين أنفسهم هو أن الحياء ليس ولا ريب دليل الحماقة، ومن السهل جداً للمجانين المغفلين المعاتية أن يهزأوا بالأعصاب واضطرابها، ولكن الطبائع السامية لا يجب أن تكون هي التي تحتوي مقداراً كبيراً من هذا النحاس الأخلاقي الذي يوجد في وجوه المتبجحين، فالجواد ليس حيواناً أقل مكن الخطاف، وليس الغزال أقل من الخنزير، وليس معنى الحياء إلا تناهياً في الإحساس، ولا علاقة بينه وبين الزهو والكبرياء، وإن كان الثرثارون من مدرسة الفلسفة يصرون على القول بأن العلاقة بينهما متينة. وفي الحقيقة أن الزهو هو أحسن الأدوية للشفاء من الحياء، فإذا أنت يوماً خطر لك أنك أبدع وأفضل وأشطر من غيرك فلان وفلان وفلان، فلا يلبث الخجل أن يمتنع عنك ويتركك، وتصبح متبجحاً، وأنت إذا استطعت أن تدير بصرك في الحجرة الغاصة

стр. 1763

بالجلوس، وتظن أن كل واحد من هؤلاء القاعدين ليس إلا طفلاً من الذكاء بالنسبة إليك، فلن تشعر بشيء من الحياء إزاءهم، اللهم إلا إذا كنت تستحي من مجلس من الأورانج تانج أو الغوريللا!! والفضيلة الكبرى للحيي إخلاصه في الحب، وأنا مستعد للسماح له بهذه الفضيلة، لأنه ثابت أبداً في حبه، ولكن السبب ليس خفياً دقيقاً، فإن إخلاصه لم ينشأ إلا لأن النظر إلى امرأة واحدة في وجهها يستفد منه كل شجاعة، ويستحيل عليه بعد ذلك أن يكرر العملية نفسها مع امرأة ثانية، حسبه امرأة واحدة وأنت ترى الناس أبداً لا يفتأون يقولون للشاب الحيي احتثاثاً له وتشجيعاً أنه خليق بأهن يتخلى عن حيائه، وينكرون عليه أنه أشبه بالفتاة في حيائها ولكني لا أعرف شيئاً يقال له إمرأة حيية، أو على الأقل لم ألتق يوماً بواحدة، ولن أحول عن اعتقادي هذا حتى ألتقي بها، وأنا أعلم أن هذه العقيدة المتفق عليها هي عقيدة مخطئة معكوسة، والناس يتصورون أن النساء جميعاً يتغلب عليهن الحياء، وأنهن يجفلن وتتورد وجنتهن وتتراخى أجفانهن، إذا نظر إليهن، وإنهن ينطلقنا مفلتات إذا خوطبن، وإننا نحن الرجال معشر متبجحون جسورون - هذه نظرية جميلة يا سادة، ولكنها ككل النظريات المتفق عليها، كلام فارغ ليس إلا، فإن الفتاة في الثانية عشرة تكون هادئة النفس، مطمئنة الأعصاب، بينما أخوها ذو العشرين يتلعثم بجانبها ويتمتم، والمرأة تدخل الملهى والرقص متأخرة تعطل التمثيل وتعكر سكون الجمهور، ولا تهتز منها شعرة واحدة، وترى الزوج في أثرها، يتعثر من حياء، ويتمتم بالمعاذير، ويهمس بالشفاعات.

стр. 1764

الأدب والتاريخ الشاعر جوت أغلقوا بيرونكم وتعالوا نسمع جوت الجديد كارليل ١ـ مكان جوت من تاريخ مات جوت عام ١٨٣٢، أي منذ ثمانين حولاً وأربعة أحوال، مات في السنة التي قضى فيها الروائي والتر سكوت، وقبل عامين من وفاة الشاعر كولوريدج، وقبل ثمانية عشر عاماً من نعي الشاعر وردسورز، وبعد عشرين عاماً من ذهاب بيرون، وسبعة وعشرين عاماً من متوفى صديقه شيللر، فلما مات، كان ملك الشعر الألماني، وسيد الأدب الغوطي، ورأس الأدب الغربي، وكان كارليل القيثار الحلو لاغاريد الذي يتغنى باسمه، وينشد الأرض بطولته، ويترنم الناس بشاعريته، وكان يصيح في العالم أن في جوت الدواء الناجع من أمراض الحياة، والأشفية الصالحة من علل العصر، وأن جوت أمير الأدب والشعروالفلسفة والفكر، وغن الشباب الذين لا يزالون في دور الحيرة من أمور حياتهم، والذين يعانون من هموم العصر ومساوئه، ينبغي لهم أن يتبعوا هذه الوصفة الطبية، وهي أغلقوا بيرونكم وافتحوا جوتكم ومنذ ذلك اليوم أصبح جوت رأس كتاب ألمانيا، وفي طلائع كتاب الغرب بأسره، وإن ثنا كثيرون من الكتاب يتغنون في أثر كارليل باللحن الجوتي ويضجون بأنشودته وأنت تعلم أن جبابرة الكتاب وعظماء الذهن يمرون في طريقهم إلى الخلود بأدوار عديدة بين موتهم وبين ظفرهم بهذه الخاتمة، إذ يتسآءل الناس بعدهم عما إذا كان الجيل الذي جاء في أعقاب وفاتهم. سيحبهم كما أحبهم الجيل الذي شهد موتهم. وعما إذا كانت كتبهم وتواليفهم ستصلح بعد الجيل قد تطورت أراؤه في الحياة والدين والعلم والفلسفة، ووثب فيه إلى مكانهم شعراء مغلقون غيرهم، ونحن نرى أنه قد لا تمضي عشرون عاماً أو ثلاثون على وفاة الشاعر الكبير، أو الكاتب المبدع، حتى ينساه الناس، ويجهله العصر، إذ تخرج إلى العالم صحيفة جديدة من الفكر تذهب برواء صفحاته، وتفقده البهجة والجدة والبهاء التي كانت جميعاً في كتبه، وإذا بك ترى الكاتب الذي كنت تظنه موفضاً في سبيله إلى الكواكب قد عاد فهوى إلى الأرض، وغاب في غمار الناس، واختفى

стр. 1765

في مقابر العامة - وإذا كان الناس لا يفتأون يشبهون الشعراء والكتاب بالكواكب، فنحن نطرد معهم في تشبيههم فنقول أنهم في أدوارهم الأولى لا يظلون في سماء الشعر كواكباً ثابتة بل إنهم ليختفون حيناً وحيناً يظهرون، شأن الكواكب والنجوم ويعد عليهم ما يعد عليها من الكسوف والخسوف والأبدار والمحاق، ولا يزال الخلود بين هذا معلقاً غير محقق. وكذلك نقول عن الشاعر جوت فقد مضى الآن ثمانون عاماً وتزيد على العهد الذي كان ينادي فيه ملك الأدب الألماني وسيده، فهل تراه كذلك إلى اليوم بعد أن أخرجت ألمانيا كثيراً من الشعراء، وأخرجت جمعاً عظيماً من الكتاب والفلاسفة، وهل يظل كذلك بعد أن طلع في الغرب غيره من الشعراء الجبابرة وبعد أن تغير العصر وتغيرت أمراضه وعلله. إن هذه المسائل تستحيل إلى سؤالين وهما، ماذا يرى الألمان أنفسهم في جوتهم بعد أن انصرم ثمانون عاماً وأربعة. وماذا يرى العالم فيه الآن، أما عن الأول فإن جوت عانى بعد وفاته بسنتين شيئاً من النقض والطعن والإنتقاص، فقد انطلق الشاعر هايني العظيم يعيبه ويتزري عليه ويتناوله بالنقد ولكن هايني عاد فأبدى لنا الباعث الذي ابتعته على ما كان منه إذ قال أما البواعث التي بعثت على هذه المطاعن التي قذف الناس جوت بها فإني أعرف على الأقل سرها من ناحيتي. . . . . وقد كان الحسد! ولكنه لم يلبث الناس أن نهضوا إلى إعلاء شأن جوت والتنويه باسمه، وانطلق أهل ألمانيا يمجدونه ويكبرون ذكره، لأن نهضة الأمة الألمانية منذ عام ١٨٧٠ حملت معها اسم شاعرها الأكبر إلى مكانة أسمى من سابقة مكانته، وصار الكتاب يمدحونه وينوهون به ويعدونه من بين شعراء الإنسانية والأبد، أما أهل الغرب فلا يزالون يحبونه ولا يزال عند ذاكرتهم، يطالع إلى اليوم كأنه كتاب قائم على الزمن، جديد لا تضيع جدته، ولا يذهب رواؤه (انتظروا الباقي من تاريخه وحسنات أدبه في الأعداد القادمة).

стр. 1766

مذكرات شبلي شميل الدكتور شبلي شميل معروف مشهور لإخفاء به، وهل يخفى القمر؟ والدكتور - وليس يدافع في ذلك اثنان - ذو عقل كبير جبار كعقول الفلاسفة، وذو قلب سليم طاهر كقلوب الأطفال. لذلك نحبه جداً ونحترمه جداً. والدكتور خليق منا نحن الناطقين بالضاد بالحب والإحترام، وأن ننافس به الغربيين رافعين أصواتنا إذا كان عندكم معشر الغربيين أمثال هيكلوولس ودارون فعندنا شبلي شميل، وليس ينقصنا أن يكون عندنا أمثاله ولكن ينقصنا فقط أن جمهورنا ليس كجمهورهم في تقدير النوابغ والعبقريين. والدكتور وان كنا نحبه ونحترمه كما أسلفنا بيد أنا لا نتفق وإياه في كثير من أرائه الدينية وبعض آرائه الأخرى وهذا لا ينافي حبنا احترامنا وأن ننتفع بعمله وأدبه وبكل ما يفيض علينا عقله وتجاربه وملاحظاته - ونحن نقدم اليوم إلى قرائنا مما لم ينشره الدكتور مذكراته التي رأيناها كالمرآة يرى فيها الناظر تاريخ مصر ونهضتها العلمية والأدبية والسياسية والإجتماعية منذ منتصف القرن الماضي إلى اليوم مما لا يكاد يظفر بمثله في كتاب أو مجلة، ذلك إلى كثير من تعليقات الدكتور التي لا نغالي إذا قلنا أنها جماع فلسفته وآرائه وسننشرها تباعاً في البيان إن شاء الله. اليوم الأول حتى سنة ١٨٧٥ وهي السنة التي اتخذت فيها مصر موطناً لي بعد تخرجي من المدرسة الكلية في بيروت ورجوعي من فرنسا لم يكن في كل القطر المصري جريدة عربية عمومية سوى جريدة أسبوعية اسمها (الإسكندرية) لمنشئها سليم حموي وكان مركزها مدينة الإسكندرية. وهي التي انتقلت بعد ذلك إلى القاهرة وتحول اسمها إلى (الفلاح) ثم ماتت. فسليم حموي شيخ الصحافة العربية في القطر المصري لو برَّ الصحافيون. وفي هذه السنة قدم إلى مصر سليم تقلا وأخوه بشارة تقلا من كفرشيما من أعمال لبنان وأنشأ جريدة الأهرام في الإسكندرية أسبوعية أولاً ثم يومية ثم انتقلت إلى القاهرة ولا تزال حية حتى اليوم. ولقد أظهرا من الثبات وحسن الإدارة وصادفا من المساعدة ما سهل لهما النجاح وحبب للآخرين الإقتداء بهما. وفي هذه السنة عينها قد الإسكندرية أديب إسحق وسليم نقاش من مدينة بيروت وفي

стр. 1767

عزمهما أن يمارسا فن التمثيل وقد مثلا بعض الروايات في تياتروزيزينيا في الإسكندرية وأثنى الجمهور عليها كثيراً لأنهما كانا مقتدرين في فن الإنشاء والتمثيل معاً. ومن الروايات التي شخصاها رواية أندرومارك لراسين المؤلف الفرنسوي نقلها إلى العربية أديب اسحق واقتفى مؤلفها في كل ما التزمه من المحسنات اللغوية فجاءت في العربية محكمة كما هي في الفرنساوية. وكأنهما رأيا كثرة نفقات التمثيل وليس لهما سند مالي فانفصل أديب ونوى أن يلحق بالصحافة ففي ذات يوم ورد لي كتاب من أخي أمين شميل المقيم في الإسكندرية يقول فيه أن أديب اسحق متوجه إلى القاهرة وفي نيته أن يشترك مع أنيس خلاط صاحب جريدة الجريدة العربية الوحيدة التي كانت تطبع فيها. وقد وصف لي براعته وكنت قد سمعت بها. فلما تعرفت به فتنت بمقدرته في فن الإنشاء مع اتساع مقتبساته مما كان له شأن عظيم في تلك الأيام والنهضة اللغوية في أولها. ومما قرأه لي حينئذٍ مقالة في غاية الإحكام كل عباراتها مقتبسة وليس له فيها غير التنسيق والربط فأسكنته معي وعرفته ببعض نوابع تلك الأيام كالشيخ محمد عبده واللقاني ولطيف سليم وغيرهم ممن كانوا يجتمعون كل مساء تحت لواء الشيخ جمال الدين الأفغاني في قهوة بالقرب من البوستة القديمة. ولما أبدى لي أنه آتٍ ليشترك في تحرير جريدة أنيس خلاط لم أستصوب رأيه لعلمي أن الجريدة المذكورة ليس لها شأن فخفت أن تؤثر على مطلعه فلا تبدو حينئذٍ مواهبه كما يجب. ووددت له الإستقلال في العمل. فأشرت عليه أن ينشئ جريدة باسمه وكأنه استصعب الأمر جداً فقال ومن أين لي المال اللازم وذكر لي أن تقلا كلفته الرخصة نحو مائة ليرة. فشجعته وقلت له لعلي أستطيع أن آخذ لك رخصة بلا نفقة تذكر. وأما الطبع فيكون في أول الأمر بالأجرة المؤجلة. وفي الحال قمت معه إلى نظارة الداخلية وكانت الأعمال يومئذٍ تجري بالنفوذ أكثر منها بالنظام. وقابلنا أدوار اليأس من مفتشي الداخلية فعرفته به وأوصيته أن يساعده للحصول على الرخصة فوعدنا الرجل خيراً وبراً بوعده. فقدم أديب حينئذٍ طلباً بإنشاء جريدة أسبوعية اسمها (مصر) ومركزها القاهرة. ثم تركته يمشي وحده لأني رأيته في أمر المداخلة مع الناس أقدر مني جداً فحيث أخطو أنا خطوة يخطو هو خطوات. ولم يمض أسبوع حتى جاءني يقول أن الرخصة جاهزة ويلزم نصف

стр. 1768

جنيه فقط لدفع الرسم في المحافظة فنقدته القيمة وكنا حينئذٍ في الطريق متوجهين إلى المطعم للغذاء ومعنا أخي أمين وكان قد قدم إلى القاهرة زائراً في شغل. قلت عن أديب أنه كان مقتدراً جداً في أمر الإختلاط بالناس واجتذابهم إليه فكان يفتن من يجانسه ممن يجالسه فتعرف في هذه المدة القصيرة بكثير من أهمهم له كان بلا ريب عبد السلام المويلحي وكان في إبان نفوذه يومئذٍ فأعجب بأديب جداً وأصبح له صديقاً حميماً وسنداً مالياً عظيماً كما كان له بعد ذلك جبرائيل مخلع من وجهاء التجار السوريين في الإسكندرية فلم يصادف صعوبات كثيرة في إصدار جريدته في القاهرة ولا في نقلها بعد ذلك بأشهر قليلة إلى الإسكندرية. ومن أول ما ظهرت جريدة مصر انتشرت انتشاراً عظيماً والتف حولها أشهر كتاب مصر في تلك الأيام من مصريين وسوريين. وقد تمكنت الصداقة بين أديب وجمال الدين ورجاله حتى صارت جريدة مصر لسان جمال الدين وحزبه بل صارت معروفة بين الجميع أنها لسان الحزب الوطني. وهذه أول مرة ذكر فيها اسم هذا الحزب في مصر فيما أعلم. وكانت مرامي هذا الحزب ضد. وهي التي انتهت بعد ذلك بالثورة العرابية.

стр. 1769

أمالي أدب بين ظهرانينا أديب فضل لا يكاد يتخلف عن كثير من أدبائنا الذين ملأو الدنيا شهرة، وهو محمد عزت أفندي الذي تكفل للبيان بأن يوافى كل عدد من أعداده بقطعة وافية الأدب العربي يضمنها أطيب ما عثر عليه اختياره من منظوم المتقدمين ومنثورهم مع الشرح والضبط والتعليق، وقد قدم لهذا العدد نبذة طيبة افتتحها بالقول على تفشي العجمة بين الناطقين بالضاد لعهدنا هذا وأن ذلك إنما نشأ من أعراض القوم عن فصيح اللغة والاحتفاظ بالمأثور من بلاغات العرب التي بإدمان النظر فيها والدربة عليها تستقيم الألسنة وتتهذب ملكات البيان ويبقى هذا الدين كتابهم وسنته وشرائعه ومدنياته قائماً محفوظاً معمولاً به، إلى كثير من الأفكار الصائبة التي أودعها مقدمته ثم هجم بعد ذلك على ما قصد إليه من هذا الأملى. قال فمما هو غاية في الإبداع وجمال الأسلوب قول الحارث بن خالد في طول الليل تعالوا أعينوني على الليل أنه ... على كل عين لا تنام طويل ويقال أنه أول من ذكر العلة في طول الليل ذم تبعه الشعراء فقال الفرزدق واسمه همام بن غالب وكنيته أبو فراس يقولون طال الليل والليل لم يطل ... ولكن من يهوى من الوجد يسهر واحتذى أبو معاذ بشار بن برد حذوه فقال أظن الدجى طالت وما طالت الدجى ... ولكن أطال الليل هم مبرحِ وقال الوليد بن يزيد لا أسأل الله تغييرا لما صنعت ... سعدي وإن أسهرت عيني عيناها فالليل أطول شيءٍ حين أفقدها ... والليل أقصر شيءٍ حين ألقاها فذكر العلة في طول ليله وزاد عليها العلة في قصره وجاراه مؤيد الدولة الطغرائي فقال ليلي وليلي نفي نومي اختلافهما ... حتى لقد صيراني في الهوى مثلا يجود بالطول ليلي كلما بخلت ... بالوصل ليلي وإن جادت به بخلا ثم جاء من امتثل قول الفرزدق وثنى بقول الوليد فقال أخو الهوى يستطيل الليل من سهر ... والليل من طوله جار على قدره ليل الهوى سنةٌ في الهجر مدته ... لكنه سنةٌ في الوصل من قصره أما علي بن العباس الرومي خواص الشعراء فقد رمي الغرض الأقصى في طول يوم

стр. 1770

الهجر فقال: يحول الحول في الوصل ... ويبقى لي تذكاره ويوم الهجر والبين ... كيوم كان مقداره يشير إلى قوله تعالى (كان مقداره خمسين ألف سنةٍ) وربما ضربوا صفحاً عن ذكر العلة في طول الليل أو اليوم وقصره لأن الحال تقتضيها أو أن ذكرها من قبيل الإتيان بما لا يشك فيه ما دام الإجماع على سرعة انقضاء ساعات السرور وبطء مرور مضاداتها واقعاً في النفوس ومن ذلك قول امرئ القيس بن حجر الكندي ألا أيها اليل الطويل ألا انجلي ... بصبحٍ وما الأصبح منك بأمثل فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل كأن الثريا علقت في مضائها ... بأمراس كتان إلى صم جندل ويذبل اسم جبل ببلاد الحجاز وكثيراً ما يسمى بيذبل الجوع لأنه مجدب أبداً. والأمراس جمع مرس. وهو الحبل. وصم. صلاب واحدها أصم والأنثى صماء والجندل الصخرة والجمع جنادل. وهذا معنى لطيف ظريف لم يتفق لكثير بعده أما بلاغة الأبيات فهي النهاية في الإبداع. فإنه لما توهم أن النجوم مشدودة بالحبال في الجبل جعل الحبال محكمة الفتل وأنها من الكتان ليدل على متانتها وعجز النجوم عن قطعها وخص الجبل بيذبل لأنه صخري والصخر قوي يصعب نزع الأمراس المشدودة عليه. ثم أفرد الثريا بالذكر من بين النجوم ليدل على شرفها وتقدمها. وكانت هذه عادة العرب في تعظيم الثريا وأنهم إذا ذكروا جملة أن يفردوا أشرفها عندهم وأعظمها وقعاً في نفوس ويخصون بالذكر كما في قول إمرئ القيس. وقد جاء في القرآن الشريف مثل هذا ومنه قوله تعالى فيهما فاكهة ونخل ورمان والنخل والرمان من جملة الفاكهة. أما أصرم بن حميد فقد جعل الكواكب مقيدة ولم يتعرض لبيان نوع القيد كما فعل إمرؤ القيس. قال وليل طويل الجانبين قطعته ... على كمد والدمع تجري سواكبه كواكبه حسرى عليه كأنها ... مقيدة دون المسير كواكبه

стр. 1771

ومن الشعر المليح الخفيف الروح قول كشاجم في قصر الليل وليلةٌ فيها قصر ... عشاؤها مع السحر صافيةٌ من الكدر ... تقضي ولم يقض الوطر في مثلها ألتذ السهر ... تمحو إساآت القدر وتترك الدهر أغر وقول كشاجم - عشاؤها مع السحر - من قول ابن المعتز ملك الشعراء في التشبيه يا ليلةً كاد من تقاصرها ... يعثر فيها العشاء بالسحر وأبلغ ما قيل في سرعة انقضاء ليلة السرور قول محمد بن أحمد العلوي المشهور بابن طباطب وليلةٌ مثل أمر الساعة اقتربت ... حتى تقضت ولم نشعر بها قصرا لا يستطيع بليغ وصف سرعتها ... كانت ولم تعتلق وهماً ولا نظرا

стр. 1772

تاريخ سعد زغلول باشا سنستأنف من العدد القادم تاريخ رجل مصر العظيم ووكيل الأمة الأوحد حضرة صاحب المعالي سعد زغلول باشا - وقد كنا نشرنا كلمات إضافية من هذا التاريخ - الذي كأنه روح تاريخ مصر الحديث والذي تكفل البيان بكتابه - في عدة أعداد من البيان الشهري - وسنستمر في نشر هذا التاريخ حتى يتم بعون الله ثم نظهره بعد ذلك في سفرٍ قائمٍ بنفسه إن شاء الله. دقات قلب المرء قائلةٌ له ... إن الحياة دقائق وثواني شوقي رأيت الدهر يرفع كل وغدٍ ... ويخفض كل ذي شيمٍ شريفه كمثل البحر يغرق فيه حيٌ ... ولا تنفك تطفو فيه جيفةُ ابن الرومي

стр. 1773

العلم والفلسفة ميت يصف العالم الآخر السر أوليفر لودج علم من أكبر علماء هذا العصر. وكان رئيس المجمع العلمي البريطاني. وهو الآن مدير جامعة برمنجهام وقد أحدث في هذه السنين ضجة كبرى بين أساطين أهل العلم الحديث. وانتصر للمتدينين والمؤمنين. إذ لا يزال يؤيد مذهبه الجديد في وجود الروح والعالم الآخر وتحضير الأرواح ومخابرة الموتى. وقد استطاع إلى الآن أن يقف أمام أعدائه العلماء الآخرين ويناضل إزاءهم بحجج قوية وأدلة مدهشة. وقد وضع في هذه الأيام كتاباً أسماه (رايموند أو الحياة والموت) فكان للكاتب رجفة أخرى بين العلماء الطبيعيين - ورايموند هذا هو ابن أوليفر لودج نفسه. مات قتيلاً في هذه الحرب في ميادين فرنسا في شهر سبتمبر من العام - ١٩١٥ - والكتاب يدور حول رسائل ومخابرات تلقاها أوليفر لودج من ابنة في العالم الآخر. على لسان (وسيط) من الأحياء نومه تنويماً مغناطيسياً. وكان بدء تلقيه هذه الرسائل في الثالث والعشرين من سبتمبر أي بعد انصرام عشرة أيام من وفاة نجله وفحوى هذه الرسالة أن حياة رايمون لم تنته بموت جسمانه بل قد أنبأ أباه أنه نام بادئ ذي بدء بضعة أيام ثم أخذ يتبين شيئاً فشيئاً أنه في عالم جديد وأنه اندهش لأول وهلة أن رآه يشبه في مظهره مظهر العالم الذي تركه ولم يكن يظن أول الأمر عن ما تيقظ من سباته أنه سيكون سعيداً بعيشه. ولكن هذا الإحساس لم يلبث أن زال بتة وألفى له عملاً يقوم به. وقال أنه التقى بأصدقاء كثيرين له وأنهم جعلوا بعينونه على عمله الجديد. أما عن وصف هذه الحياة فقد قال أنه كان أولاً في حيرة واضطراب فلم يستطع أن يدرك أين هو. ولا المكان الذي وجد فيه ولكنه لم يلبث أن شرح له ذلك وقال أن القادمين الجدد من الكوكب الأرضي يؤخذ أولاً في تفهيمهم ومواساتهم وتهدئة اضطرابهم. وعرف بعد ذلك أن عمله الجديد هو أن يعين في ميادين القتال لا الجرحى ولكن المنتقلين من الأرض إلى عالمه. وقد رأى أن المقاتلين الذين ينتقلون إلى العالم الآخر يظلون بادئ الأمر بإحساسهم الأرضي. وإن بعضاً منهم عند يقظتهم يتقاتلون ويتضاربون أو يريدون ذلك. قال رايمون بعد ذلك ما نصه. والذي هدأ من اضطرابي وجعلني آلف مكاني الجديد هو أن الأشياء كانت تبدو لي حقيقة مادية محسوسة بل إن الأشخاص الذين التقى بهم ظاهرون

стр. 1774

يلمسون وأول شخص ألتقي به جده ثم آخرون عرفهم في هذه الحياة وآخرون سمع بهم وقال أن الليل لا يتبع النهار. كما هي الحال في الأرض بل أن الظلام لينتشر إذا أحببنا أن يكون ظلام. وليس الوقت الذي بين النور والظلام واحداً في جميع الأحوال. وقال رايمون أنه يسكن بيتاً مبنياً من الأجر. وإن هناك أشجاراً وأزهاراً وكتباً وموسيقى. وقال أنه لا يأكل لأنه لا يريد ذلك. ولكن هناك كثيرين يأكلون متى يريدون وهم يطاف عليهم بما يلوح شبيهاً بأطعمة الأرض. وكان ريموند هذا في الدنيا ماجناً مزاحاً، ولذلك لا يزال يمزح في بعض رسائله، فقد جاء في إحداها ما يأتي جاءنا شخصٌ منذ أيام. فلم يلبث أن افتقد السجاير وكان يدخنها في الأرض، فظن أن ذلك قد زال الآن وأنهم لا يستطيعون هنا أن يجيؤه بلفافة من التبغ. ولدينا هنا مصانع ومعامل يصنعون فيها أشياء كثيرة. ولكن ليس من المادة كما تفعلون بل من الأبخرة والأثير والهواء. وهكذا جيء إليه بما يشبه السيجارةوإذا رآها الرجل وثب فرحاً بها. غير أنه لم يكد يدخنها حتى طابت نفسه، وبعد السيجارة الرابعة لم يعد إلى طلب التبغ مرة أخرى. والأجسام لا تزل كما كانت. لأنه يتحرك ويمشي كما كان هنا بيد أن الأجهزة الداخلية في البدن قد تغيرت وتبدل نظامها عن نظام جسومنا في هذا العالم. وقال أنه لم ير إلى الآن دماً، وأن له وجهاً وحاجباً وهدباً ولساناً وأسناناً، وأنه قد نبت له سن جديد في موضع السن التي كانت فاسدة في الدنيا. وقد عرف رجلاً كان في هذا العالم مقطوع الذراع. ولكنه الآن ذو ذراعين صحيحتين، وأنه إذا كان البدن مهشماً عند الوفاة، فلا يلبث حتى يستقيم ويعود تاماً مكتملاً. وأنه أحب في أول الأمر أن يلبس أثواباً تشبه الأُواب التي كان يرتديها في الدنيا، فكان ذلك. ولكن الناس هنا تلبس سرابيل بيضاء. فلم يسعه إلا أن يحتذي حذوهم. وقال أخيراً أن الناس في العالم الجديد لا يتزوجون ولا يلدون، وأن العاطفة بين الرجال والنساء قد تغيرت، ولاسيما بين المرء وزوجه، ولكن لا تزال العاطفة باقية بين الأم وابنها والأب وابنته. وأنبأ ريموند أباه كذلك أنه يسكن في الطبقة الثالثة وتسمى أرض الصيف وفي هذه الطبقة طرق ومنازل وأشجار وأزهار، وأنه يوجد طبقات فوقها وأخرى دونها، وأن أرض الصيف هذه قريبة من الكوكب الأرضي، وأن النجوم لاتزال ترى كما كانت

стр. 1775

ترى في الأرض، ولكنه فقط يحس أنها أقرب إليه وأوضح مما كانت، وكذلك الشمس وأن الإنسان يساق إلى المكان المعد له. فإذا أردت أن تنتقل إلى حال أحسن من الحال التي أنت بها، فعليك أن تظهر الكفاءة لإحرازها.

стр. 1776

الزراعة والصناعة حتى تتوفر في هذه المجلة جميع مطالب القراء فتحنا هذا الباب - باب الزراعة والصناعة - فبادر أستاذان أخصائيان في هذا الفن هما الأستاذ نعمان محمد مدرس علم الحشرات في مدرسة الزراعة العليا والأستاذ محمد مختار الجمال الموظف بوزارة الزراعة وكتب لنا الأول موضوع الدودة القارضة وكتب الأستاذ مختار موضوعاً في الألبان سننشره في العدد القادم. الدودة القارضة أو دودة البرسيم الدودة القارضة - وهي الدودة المعروفة عند الزراعيين باسم دودة البرسيم وسميت بالدودة القارضة تبعاً لعاداتها لأنها تقرض النباتات وتتغذى بالأجزاء المقروضة منها، والإسم العلمي لهذه الدودة هو هي إحدى الحشرات الضارة التي تفتك بمزروعاتنا فتكاً شديداً فتصيب القطن الحديث الزرع وتقرض سيقانه عند سطح الأرض وكذلك تصيب البرسيم والذرة الصفراء. وقد انتشرت الدودة القارضة هذا العام انتشاراً عظيماً وفتكت بمحصول البرسيم فتكاً ذريعاً حتى اضطر الفلاحون لإعادة زراعته أكثر من مرة وفي بعض الجهات استعاضوا عنه بزراعة مخروط من البرسيم والشعير أو الشعير وحده حتى لا يعدموا غذاء للمواشي زمن الشتاء. وقد كثر الكلام في الجريدة اليومية عن وصف هذه الآفة وما تسببه من الضرر فوصفها بعضهم بأن لها فمين تلتهم بهما المزروعات وبالغ في طولها لدرجة كبيرة. وسآتي في هذه الرسالة الصغيرة على وصف الحشرة في أطوارها المختلفة وتاريخ حياتها وطرق إبادتها. تتولد الدودة القارضة من فراشات كبيرة الحجم نوعاً يبلغ طول جسمها سنتيمترين وهي أكبر من فراشات ديدان القطن المعروفة، ولون هذه الفراشات أسود مسود وكذلك لون أجنحتها الأمامية أما أجنحتها الخلفية فهي بيضاء مسمرة، تظهر هذه الفراشات بالليل وتضع إناثها بيضها مفرداً على النباتات فيوضع على سيقانها والسطح الأسفل من أوراقها

стр. 1777

وتضع الأنثى مئات من هذا البيض، ويفرخ البيض بعد أربعة أيام أو خمسة وتخرج منه يرقات صغيرة ذات لون مخضر تتغذى بأوراق النباتات في الإبتداء فإذا كبرت أخذت تقرض سيقانها وتتغذى بها، وتظهر اليرقات في الليل لتتغذى وتختفي بالنهار بين كتل الأرض والحشائش النامية وغيرها وتستمر اليرقة في عملها المتلف مدة عشرين يوماً حتى يتم نموها ويبلغ طولها إذ ذاك أربعة أو خمسة سنتيمترات ويكون لونها أخضر معتماً وعند ذلك تنزل إلى باطن الأرض وتصنع حول نفسها شرنقة من الطين وتتحول داخلها إلى عذراء وهي صغيرة الحجم يبلغ طولها سنتيمتراً ونصفاً ولونها أحمر غامق ويمكن الحصول عليها بالبحث تحت النباتات على بعد ثلاثة أو أربعة سنتيمترات من سطح الأرض وتمكث الحشرة في هذا الطور أسبوعين تقريباً إلى أن يخرج منها الفراش السابق الذكر فتتزاوج الذكور والإناث وتضع الأخيرة بيضها كما سبق الوصف. للدودة القارضة عدة أجيال في السنة أي أنها تظهر في أوقات مختلفة تصيب النباتات كالقطن والبرسيم والذرة وغيرها من المحصولات. ولمقاومة هذه الآفة تتخذ الطرق الآتية: (١) عند إصابة البرسيم يجب أن يحش ويروى أو تمرر مندالة على الأرض أثناء الليل لقتل اليرقات، ويجب قبل ذلك أن تحاط الأرض المصابة بخنادق صغيرة تملأ بالماء ويوضع عليه قليل من غاز البترول لمنع اليرقات من الإنتقال من قطعة لأخرى وإذا لم يتيسر وجود البترول فيرش على الحافة الخارجية للخنادق قليل من الجير حتى إذا عبرت اليرقات الماء ووقعت في الجير ماتت حالاً. (٢) عند ظهور الإصابة في غيط يمكن حصره كما سبق القول وتوزيع طعم سام به لقتل اليرقات عندما تتغذى به. ويتركب الطعم السام من جوهر سام كزرنيخات الرصاص يخلط مع مادة أخرى كالنخالة وبعد عجنهما بالماء يضاف إلى المخلوط قليل من العسل الأسود ثم يوزع المخلوط في الغيط وعندما تظهر اليرقات بالليل تتغذى به أولاً لأنها تحب المواد العسلية فتموت قبل أن تحدث تلفاً. ويمكن الاستعاضة عن النخالة بنبات أخضر كالبرسيم أو الذرة بعد تقطيعه قطعاً صغيرة ويتركب الطعم السام بهذه النسبة: - رطل من الجوهر السام وخمسةٌ وسبعون رطلاً من النخالة وقليل من العسل الأسود.

стр. 1778

وعند استعمال هذا الطعم يجب الاحتراس من وجود المواشي والأغنام بهذه الجهة. (٣) إذا كان البرسيم التحريش (القلب) مصاباً فيحسن حشه وحرث الأرض جيداً لتعريض اليرقات والعذارى للنظر حتى يسهل إلتقاطها باليد وكذلك تتعرض للطيور فتلتقطها، وللمؤثرات الجوية كالشمس تأثير عليها كذلك.

стр. 1779

الطب وتدبير الصحة من بين أبواب البيان الأسبوعي كما بينا في المقدمة باب الطب وتدبير الصحة. وقد أحسنت إلينا الأقدار وهدتنا إلى حضرة النابغة الدكتور محمد عبد الحي الطبيب بالمستشفى العباسي والأخصائي في الأمراض الباطنية والعصبية والأطفال فتعهد حفظه الله وأكثر من أمثاله الصادقين المخلصين أن ينهض بهذا الباب وأن يقدم لكل عدد من أعداده شذرات مفيدة في تدبير الصحة وأخر ما وصل إليه الطب الحديث. فتاوى طبية وزادنا الدكتور معروفاً وعم قراءنا جميعاً بفضله بأن أخذ على نفسه أن يجيب في البيان على كل سؤال طبي يرسل إلى البيان مهما كان موضوعه ومصدره. نصيحة إلى القراء ومن هنا ننصح إلى جميع قراءنا أن لا يتأخروا عن إرسال أي سؤال طبي يريدون الاستفتاء عنه ومتى وصل إلينا السؤال عرضناه على الدكتور ونشرنا السؤال والجواب معاً في عدد واحد - وهنا ننشر النبذ الأولى التي أهداها الدكتور إلينا. تأثير عصير الفاكهة في الأطفال يصل الأطفال في بعض الأحايين بل في كثير منها إلى حال من الضعف والهزال ليس معها رجاء إذ يبدو الطفل هيكلاً عظمياً يكسوه جلد رقيق متجمد مندمل فغي أكثر من موضع ومع الضعف الشديد إسهال أشد وأرق ملازم وسهد. ولقد جرب الدكتور جلادستون أخيراً عصير الفواكه في هذه الأحوال المستعصية فأتى بفوائد جمة ونجح في تجربته نجاحاً تاماً وقرر أن جزأين من عصير البرتقال وجزءاً من عصير التفاح يعطي الطفل من مزيجهما ما يقارب ثلثي اللتر يومياً مع إضافة غذاء صالح بعد اليوم الأول يحوي قليلاً من الزلال والدهن وكثيراً من السكر هو خير علاج، وقال في إحصائيته أن الطفل ربما فقد قليلاً من وزنه في المبدأ ولكنه سرعان ما يستعيض ذلك في أواخر الأسبوع الأول من العلاج، وقال أن تأثير العصير يرجع إلى حمضيته التي تمنع الميكروبات من النمو في الأمعاء إذ هذه لا تنمو إلا في وسط قلوي وقال أن العصير مقوي ومنظف للأمعاء ومدر للبول ومعرق، وطريقة تحضير العصير سهلة للغاية إذا وجد البرتقال فيؤخذ عصيره

стр. 1780

ويضاف إليه عصير التفاح الذي يؤخذ فيغسل ثم يقشر ويضغط حتى يخرج العصير إذا لم يوجد البرتقال يستعاض عنه بعصير البطيخ وإن يكن الأول أفضل ولقد جرب أيضاً عصير الشليك والكرز والموز بنجاح أيضاً لكن يستحسن في هذه الحالة إضافة قليل من عصير الليمون لعمل الحمضية اللازمة ولقد جربت هذه الطريقة مع كثيرين فنجحت تماماً. الدواء تحت اللسان كثيراً ما تدعو حالة المريض إلى الحقن تحت الجلد أو في العضلات وتلك طريقة لا شك أن في سبيلها بعض الصعوبات ولقد شوهد أخيراً أن الإستعاضة عن الحقن بوضع أقراص من الدواء المطلوب استعماله تحت اللسان حيث يذوب ويمتص قد أتت بنفس الفوائد التي تنجم عن الحقن كالسرعة وحسن التأثير. البيضة السليمة السامة ذكر الدكتور أدلستون أنه عرف فتاة شاهدها لأول مرة وعمرها سنة واحدة وظن ما عندها نزلة معدية حادة فأمر لها بماء زلال البيض حدث عن أثره هبوط عام فأدرك أن السر ربما كان في البيض وإن التسمم نتج عنه لاستعداد خاص فأوقفه ولم يعط غذاء لبضع ساعات ثم أعطاها مرق فرخة صغيرة فتحسنت حالتها وشفيت ومن ذلك العهد منع عنها البيض وما يصنع منه حتى حدث أنها تناولت قطعة كعك بالبيض (روانه) فانحطت قواها وأغمي عليها في الحال وهكذا تكرر ذلك كلما حدث أنها تناولت بيضاً عن خطأ أو من غير قصد. وحكى الدكتور فقال إنها تبلغ الآن (أكتوبر سنة ٩٦) أحد عشر عاماً ولا تزال حالتها كما هي كلما أخذت نوعاً من البيض. كل هذا ليس بالغريب إذا علمنا أن لكل شخص استعداداً خاصاً لكل شيء فما يكون علاجاً لشخص قد يكون سماً لآخر ولقد ذكر الطب كثيراً من أمثال هذه الشواهد.

стр. 1781

تقويم العالم نبي زيلنده وأورشليم الجديدة إن أعجب ما في الأرض اليوم أنها لاتزال في عدة أصقاع منها تحتفظ بصورتها القديمة التي خلقها الله فيها. فنحن اليوم أهل القرن العشرين، ولكن لا يزال على وجه هذه الأرض التي تحملنا أمم وشعوب وقبائل لم تبلغ بعد في التقدير التاريخي حدود القرن الأول: إن هذه الذوائب مقدسة، وإنها لم تقص إلى الأبد، وستبقى متراخية آخر الحياة، ولهذا أعد غلاماً خاصاً به يمشي ورائه دائماً للعناية بضفائره، وهو يقول أنه في ذلك مثل يوحنا المعمدان (يحيى بن ذكريا) إذ كان يعيش في البرية، مسترسل الشعر، مرخى الذوائب، وإنه مثل شمشون الذي كانت قوته في شعر رأسه، ثم عمد إلى تقليد سليمان فأعلن أنه يريد أن يكون له أكثر من زوجة واحدة وجاء بدليل من التوراة وهو الإصحاح الرابع من سفر أشعيا إذ جاء فيه أن سبع نسوة يمسكن رجلاً واحداً، وأنه هو هذا الرجل، وأن هؤلاء النسوة يجئنا إليه دون أن يبحث هو عنهن، وكذلك جاء إليه القوم بهن، ومن كل قبيلة واحدة. وطلب إليهم كذلك أن يكون له معبد، لأن سليمان كان له معبد. ويجب أن يكون مكانٌ لحرمه ومقامه، فبنى المعبد والمكان والحرم وأحضرت إليه أموالٌ طائلة لنشر دعوته وتوطيد دعائم ملته. وله الآن إثنا عشر من أئمته وصحابته، يتخذون حذوه في إرسال شعر رؤوسهم، ولا يشربون مثله التبغ، والذي من أمره أن اعتاد أن لا يخرج يده اليسرى من جيبه. وهو يقول أن قوته في هذه اليد، ومن ثم ينبغي أن يحميها من أعين الناس. وهو يعيش في أورشليم الجديدة عند سفح جبال روكى في أبهة الإمارة والسطوة والجلال الديني، وقد حاول كثيراً أن يجيء بمعجزات له، فقد حدد منذ سنين يوماً إدعى أن الملك إدوارد السابع سيزور فيه زيلنده وينزل ضيفاً عليه، فلما لم يحضر الملك بالطبع عرف النبي روا كيف يعتذر لأصحابه إذ قال أن إدوارد السابع كان سيحضر بالتأكيد. ولكنه منعه لأنه شهد أن إيمانهم به لم يصر بعد قوياً كما يريد.

стр. 1782

ووعدهم يوماً بأن يمشي على الماء فاجتمع خلق كثير عند البحر ليرقبوا المعجزة. فلما كان الميعاد جاءهم فقال أتعتقدون أنني أستطيع أن أمشي على الماء؟. . فأجاب الجميع نعم فلم يكن منه لا إن قال حسن جداً. إذاً فلا لزوم لذلك ما دمتم تعتقدون أنني سأفعل وامتطى صهوة جواده. وانطلق عادياً.

стр. 1783

تفاريق كم عدد أجدادك؟ لا أظنك من النبلاء فتستطيع أن تفخر بسلسلة طويلة من الأجداد والآباء، ولكننا جميعاً في الحقيقة من الرفيع إلى الوضيع متساوون في عدد أجدادنا، وهناك سؤلا يدهش صحابتك وأصدقائك إذ تسأل يوماً كم عدد أجدادك الذين انحدرت منهم مباشرة منذ عشرين جيلاً؟ وجواب ذلك أن لك في الجيل الأول أبوين (أمك وأبيك) وفي الجيل الثاني أربعة آباء (جدان من ناحية الأب وجدان من ناحية الأم) وفي الجيل الثالث ثمانية وفي الجيل الرابع ستة عشر. وهلم. وإذا استرسلت في حساب ذلك وجدت أن عدد أجدادك في هذه المدة هو ١. ٠٤٨. ٥٨٦ وإذا اعتبرنا أن كل قرن يحتوي ثلاثة أجيال - وهذا تقدير على التقريب - نتج من ذلك أنه كان لك حول عام ١٢٥٠ من الميلاد مليون وثمانية وأربعون ألفاً وخمسمائة وستة وسبعون من الناس تجري دماؤهم لآن في عروقك. إحدى خرافات اليابان إذا حدث يوماً أن رجلاً متزوجاً وقع في حب امرأة غير زوجته وتملكته فتنتها، حتى ثارت الغيرة في فؤاد امرأته، فماذا يظن هذه مانعة؟ إنها لا تلبث أن تصنع صورة عشيقة زوجها من القش فتأخذها في صميم الليل إلى المقابر أو غيرها من الأماكن المقفرة النائية وتصلبها في جذع شجرة، ثم تعاودها كل ليلة فتدخل في الصورة مسماراً وهي ضارعة إلى الآلهة أن يجعل بموت مزاحمتها، وأهل اليابان يعتقدون أن وضع هذه المسامير في الصورة لا يلبث أن يأتي بالمرض للعشيقة، وأنها تأخذ بعد ذلك في الضمور والهزال والمرض حتى تفارق الحياة.

стр. 1784

حوادث الأسبوع مات اليوم فيلسوف الشرق مات الدكتور شبلي شميل. مات اليوم فيلسوف العرب بل الشرق كله في القرن التاسع عشر. مات الرجل الحر الذي صدع أغلال الجمود وأمعن في حرية الفكر وحرية القول بين أقوام عرفوا بالجمود والتنطع في المحافظة على القديم، الأمر الذي سبب مغالاة هذا الرجل الكبير في تمرده على الذين فإن الضغط الشديد يحدث دائماً الانفجار الجديد الشديد. مات الدكتور شبلي شميل والموت حتى وكل من عليها فان ولكنها الأثرة وحب الإنسان نفسه وخوفه من الغيب كل ذلك جعله يتثبت بهذه الحياة الدنيا على الرغم من تزاحم كدارها، وأعماه عن هذه الحقيقة الملموسة (الموت) التي نراها بأعيننا وآذاننا كل يوم بل كل ساعة بل بين كل غمضة عين وانتباهتها ومع ذلك لا تعتبر ولا تنفع الذكرى فمثلنا في ذلك مثل قطيع من الغنم تهجم عليه الذئاب من حين إلى حين وكلما هجمت ذعرت الأغنام وطارت شعاعاً حتى إذا توارت الذئاب عنها تضامت واطمأنت ومضت لطيتها كأن لم يكن ثمت شيء. غريب مع ذلك أمر هذه الحياة التي هي أشبه برواية تمثيلية مرسخها الأرض وليلها الستر والنهار الملعب. غريب أمرها جداً - أمرها المضحك ولكنه الضحك الذي كالبكاء فقد لقينا الدكتور قبل نعيه بيومين - يومين فقط - وقد كان ممتلئاً صحة وعافية ومرحاً على الرغم من شيخوخته وإسناده في حدود السبعين. وأخذ يسمعنا إحدى روايات الشاعر راسين وقد نقلها إلى العربية شعراً منسجماً يقطر عذوبةً وقد كان في عزمه أن يطبعها ويقدمها إلى الأجواق العربية لتمثلها في مراسحها ثم انتقلنا بعد ذلك إلى حديث مذكراته التي وضعها في أيامه الأخيرة وضمنها كل شيء وأبى إلا أن ينشرها في البيان الذي كان يحبه ويحترمه ويعجب به الإعجاب كله ويحنو عليه حنو الأم الرؤم على وحيدها فأخذنا منه المذكرات التي يرى قراؤنا اليوم الأول منها منشوراً في هذا العدد - وأول الغيث قطر ثم ينهمل - ثم فارقناه على أن نتقابل اليوم الاثنين أول يناير سنة ١٩١٧ فما جاء اليوم حتى كأنا أحسسنا موته واستحالة لقياه فصادف أن حال عملنا دون مقابلته وكان ذلك حوال الساعة العاشرة صباحاً فاكتفينا بأن نكلمه بواسطة التلفون فما كدنا نضع السماعة على الأذن ونسأل عن الدكتور حتى سمعنا هذه الكلمة لقد توفى الدكتور الساعة فما كان

стр. 1785

أهولها من ساعة، وكان ذلك بعد أن طبعت المذكرات وجميع موضوعات العدد وكانت الملزمة الأخيرة في المطبعة فما كان إلا كلاً ولا حتى أوقفنا العمل، وكتبنا هذا النعي على عجل والنية إن شاء الله أن نعيد الكرة ونوفي هذا النابغة حقه.

стр. 1786

النقد أرسطو ولطفي السيد بك نحن نعلم وكل الناس ولا ريب يعلمون، أن العلم الجديد قد نسف جميع آداب القديم. وأن الفلسفة العصرية قد جاءت فهذبت فلسفات اليونان. وإن أرسطو وأفلاطون وتلاميذهما قد اضطجعوا الآن فوق رفوف المكاتب، ولا نهضة لهم إلى الأبد، وأنهم لا يجدون فتيلاً في تهذيب حياة هذا الجيل الذي خرجت فيه عدة من الأذهان القوية التي جمعت في أدمغتها جميع أدمغة الذين جاؤوا قبلها، وإن شوبنهور وسبنسر ونيتشه وروسو وفولتير وستندال وأضرابهم من الفلاسفة المتأخرين قرأوا أرسطو وجميع أدب اليونان وفلسفتهم قبل أن يكتبوا حرفاً واحداً مما وضعوا من الآراء والفلسفات. هذه قضية لا تحتاج إلى الجدال، ولكن لطفي بك السيد، الذي يجلس في وسط أكثر من مائة ألف مجلد من الكتب الحديثة والقديمة، أبى إلا أن يذهب فينبش عظام رجل ميت رضي بنصيبه من التاريخ ونام إلى الأبد، وأصر على أن يذهب على رفوف كتبه فيسحب أول كتاب من كتب الدنيا ليطلع به إلى آخر ناس وجدوا اليوم على الأرض، ونسي الكتب البديعة التي تحف من حوله والمؤلفين العصريين الذين يطلون عليه من الدواليب، يتلهفون على نظرة منه. إن ترجمة أرسطو يا سيدي البك أو محاولة ترجمته فقط فضيحة كبرى للعصر الذي نعيش فيه، وسيخرج أرسطو للناس على يديك فيصيح بالقراء. . معذرة أيها السادة. إنني لم أكن أبداً أريد أن أطلع إليكم، ولم أكن أريد أن أفارق أكفاني. ولكن صاحبكم هذا أبى إلا أن يقلقني في ضجعتي، وينتزعني من مكمني لفرجة الناس علي. أنا لا أفيدكم الآن شيئاً يا سادة. لأنني قديم. قديم. جداً. وكنت أهذي في أول عهد الناس بالهذيان فسموني فيلسوفاً. إذن أقفلوني أيها القراء وافتحوا تلاميذي فلاسفة المدينة والنور.

стр. 1787

اسمعوا أيها الأطباء نحن نحترمكم أيها الأطباء ونؤمن بضرورة صناعتكم، وكثيراً ما لزمنا الفراش ثم أبللنا على أيديكم، وكانت لنا نساء وصبية وأفراخ نخاف عليهم الموت فآمنتمونا من خوفنا بحقائبكم ومشارطكم وسماعاتكم وأدوات طبكم، وكنا نصر على أن لا تظهر أزواجنا وفتياتنا وقريباتنا على الغرباء، فاضطررنا إلى أن نأذن لكم في دخول مقاصيرنا وخدورنا ومخادعنا لثقتنا بنفعكم، واطمئناننا إلى عونكم، ولكن ماذا تقولون يا سادة إذا كنا قد سمعنا اليوم عنكم كلاماً سيئاً، وقرأنا في حقكم نقداً مؤلماً، ورأينا لكم اليوم عدواً رهيباً، لا من السوقة، ولا من العاديين، ولا من المتفلسفة الكاذبين، عدواً يستحق الإعجاب والإكبار، عدواً يهاجمكم جميعاً على كثرة عديدكم، ويثب إليكم في وجوهكم، وأنتم قوةٌ لا يستهان بها. أتعرفون من هو هذا العدو الجديد؟ هو اكبر كتاب إنجلترة في هذا العصر، هو فيلسوف من مشورى الفلاسفة، وروائي من خيرة الروائيين، هو برناردشو صاحب رواية الإنسان والإنسان الأعلى، وقيصر وكيلو بطره، ورجل الأقدار وغيرها، وقد اجترأ على أن يضع عنكم رواية مسرحية، تمثل غي دور التمثيل، وتقدم لتفكهة الجماهير، هي رواية ورطة الطبيب ولم يكتف بذلك بل وضع عنكم كتاباً صغيراً شرحاً لروايته، ونقد المسائل كثيرة تخصكم. فماذا أنتم صانعون يا سادتي الأطباء؟ أتظلون صامتين، مادامت عياداتكم حافلة بالمرضى، وجيوبكم ممتلئة بالفوزيتات والجراثيم والعدوى والإهمال والطبيعة تعمل لصالحكم، أم نراكم غاضبين من هذا الرجل الذي يريد أن يفقدكم ثقة الناس بكم. وتاركين المشرط ساعة واحدة، تتمسكوا بدله القلم فتدافعوا عن أنفسكم وصناعتكم الشريفة وتحطموا حجج شو وسفسطاته، وتخرجوا من المعركة منتصرين مبتهجين. هذا ما هو خليق بكم يا سادة. والآن. نحن نقتصر على أن نقتطف شذرات من الكتاب، وإذا أحببتم نقلناه برمته. وإذا شئتم عربنا الرواية بجملتها. اسمعوا الآن ماذا يقول برناردشو الطب وضمائر الأطباء أسمع أصواتاً مغضبة تتمتم أمثالاً قديمة في نبل صناعة الطب وشرف أهلها. وضمائرهم،

стр. 1788

وأنا أجيب هؤلاء أن صناعة الطب لا تظفر بالمكانة العالية، بل إن لها مكانة مذمومة ممقوتة، وأنا لا أعرف رجلاً واحداً أوتى نصيباً من العقل والخبرة لا يشعر بأن متعبة المرض اليوم تسلمك إلى أيدي صناعة أنت في أعماق نفسك تشك فيها كل الشك، لأنها تستعمل أشد أنواع القوة والفظاعة سعياً وراء المعرفة والعلم والتحقيق، وتبرر ذلك بحجج واهية كما قد تبرر أنت إحراق لندن بأسرها لاختبار نوع جديد من المطافئ، ثم لا تكتفي بذلك بل إنها لتزعج الناس ثم تواسيهم وتهدئ روعهم بأكاذيب من السخافة والحمق. هذه هي حال صناعة الطب اليوم، وقد نستحقها وقد لا نستحقها، ولكن هذا هو مكانها وحسب، والأطباء الذين لم يعرفوا ذلك بعد، في غفلة من أمرهم. أما عن شرف الأطباء وضمائرهم فيهم قد أصابوا منهما ما أصاب بقية الناس، لا زيادة ولا نقصان، وهل تظن أحداً من الناس يستطيع أن يدعي الإخلاص والبعد عن الغرض في أمر له فيه الفائدة المادية الكبرى وإنه لفوق احتمال الطبائع البشرية أن تقدم إلى طبيباً أدفع إليه ثمن فحصه على شريطة أنه إذا أخطأ موضع الداء أو غلط في الدواء لا يمكن أن يمسك إليه شيء، ومن الخطأ العلمي أن تعتقد أو تذهب إلى أن الأطباء لا يعمدون إلى عمل عمليات جراحية لا لزوم لها ولا حاجة، ويختلقون أمراضاً لا توجد بالمريض، ويمدون في عمر المرض ما شاءوا، ثم لا تنسى هذه الحقيقة النفسية الغريبة، وهي أن مرضاً خطيراً أو موتاً يعلن عن الطبيب كما يعلن الشنق عن المحامي الذي كان يدافع عن المشنوق. تصور أن ملكاً أو فرداً من الأسرة المالكة تألم يوماً من حنجرته أو من معدته، فإذا وصف الطبيب له دواء بسيطاً مثل أقراص من النعناع أو مكمدات باردة، فلن ترى أحداً يحفل به، وأن يذكر الناس كلمة عنه، ولكنه إذا فتح له ثغرة في حنجرته أو قتله، أو استأصل عضواً داخلياً من أعضائه، وجعل الأمة بأسرها متلهفة ليالي وأياماً، هذا والمريض يعاني الأمرين، بين الحياة والموت، فقد ضمن السعادة إلى الأبد، فإن كل غني ينسى أن يستدعيه إذا ظهرت أعراض المرض نفسه في أهل بيته، يعد في نظر الناس أنه لم يؤد الواجب لمريضه. والعجيب بعد هذا أن يترك على الأرض ملك أو أمير حياً إلى الآن.

стр. 1789

ماجدولين الجديدة الفصل الأول المرأتان في ليلة ممطرة شديدة الظلام، وقد تولى المساء، وانحدرت المغرب مبعدة، التقت فرقة من الفرنسويين على غرة بفرقة من الألمان على مقربة من قرية لاجرانج، بلد صغير يداني الحدود الألمانية. هناك استحر بينهما القتال واشتدت الملحمة، وخدم التوفيق الفرنسويين وتراجع الأعداء إلى حين منكفئين إلى تخومهم. هذا وقد جلس الضابط أرنولد قائد الفرقة الفرنسوية في كوخ من أكواخ القرية كان لطحان الناحية، وكان في تلك الساعة يقرأ على ضوء مصباح ضئيل عدة رسائل ومخابرات انتزعوها من العدو، وكانت الموقدة مخنوقة الأنفاس هادئة اللهيب، وعلى أرض الحجرة بعض غرائر الطحان وأكياسه، وفي ناحية منها سريره الخشبي الخشن. وبين الحجرة والمطبخ باب قد انتزع خشبه، واستعيض عنه ستر من الخيش، وقد أفرد المطبخ لتمريض الجرحى بعناية جراح الفرقة وممرضة إنكليزية من نسوة الصليب الأحمر، وكان للحجرة باب آخر يفضي إلى فناء الدار فأغلقوه، وعمدوا إلى النافذة فأوصدوا خشبها، وقامت الحراس على منافذ القرية ومناحرها ترقب وتحرس، ولم يترك القائد وسيلة من وسائل الحذر إلا أقامتها ليكفل له ولرجاله ليلة راضية هادئة. وبينما هو مستغرق في تلاوة أوراقه وكتابة ملاحظاته عليها، إذ دخل الجراح سيرفيل وتقدم إلى مكتب القائد فابتدره الضباط في لهجة خسنة، ماذا تريد؟ فأجاب الجراح - سؤال أريد أن ألقيه إليك - أنحن في أمان الليلة؟ قال الضابط مستر بيا ولماذا تريد أن تعلم؟ فأشار الجراح صوب حجرة الجرحى ثم أجاب إن هؤلاء المساكين في خوف ورعب من الساعات الباقية من الليل، وهم مشفقون أن تطلع علينا داهمة من العدو ويسألون لا ما كانت لهم الليلة ضجعة هانئة طيبة، فهل تعلم من الأمر شيئاً؟ فهز القائد كتفيه

стр. 1790

قال الجراح وهو يصر أنت ولا ريب تعلم أجاب الضابط إني لا أعلم إلا أننا أصحاب القرية هذه الساعة، ولا أعرف أكثر من ذلك، وهذه أوراق العدو ورفع الأوراق بيده وهزها مستطرداً في حديثه لا أكاد أرى من خلالها ما أستطيع أن أعتمد عليه وإذ ذاك قام القائد وأرخى عصابة معطفه فوق رأسه وأشعل لفافته من المصباح وتمشى يريد الإنصراف. قال الجراح إلى أين أنت ذاهب؟ أجاب لكي أزور مرابط الحراس! قال الجراح وهل أنت في غنى عن هذه الحجرة برهة من الزمن؟ فأجاب القائد بل ساعات طوالاً. فهل تريد أن تنقل إليها نفر من جرحاك؟ فأجابه الجراح إني كنت أفكر في أمر السيدة الإنكليزية فإن المطابخ ليس بالمكان الخليق بها ولعلها تكون أنعم حالاً في هذه الحجرة وستجالسها الممرضة الإنكليزية. فابتسم الضابط أرنولد وغمر بعينيه ثم قال. إنهما لغادتان جميلتان والجراح سيرفيل عافاه الله بالغانيات شغوف، إذن فدعهما يقيمان هنا إن كانتا جريئتين إلى حد الثقة بالجلوس إليك وحدهما. ثم تحفز للذهاب ولكنه التفت وراءه إلى المصباح متخوفاً وهو يقول وحذر السيدتين أن يطمعا في معرفة ما وراء هذه الجدران؟ قال الجراح لم أفهم ماتريد. فأشار القائد إلى النافذة الموصدة وقال إن النساء يتقن إلى فتح النوافذ، فقل للسيدتين أني لا أريد أن ينم نور المصباح عن مرابضنا فيهتدي إليها الألمان. . . وما حال الجو الآن. ألا تزال السماء تسح بالمطر؟ قال الجراح نعم بل إنها لتعصف بع عصفاً أجاب القائد. ذلك خير لنا. فلن يستطيع العدو اكتشاف مقرناً. وانطلق ففتح الباب الموصد المؤدي إلى فناء الكوخ وخرج، وإذ ذاك رفع الجراح طرف الستر ونادى قائلاً يا مس مريك. ألديك وقت للراحة الآن؟ فأجابه صوت ناعم يختفي في نبراته حزن عميق. نعم لكما وحدكما. وأزاح الستر، فظهرت المرأتان وكانت الممرضة أولهما، تمشي في رفق ممشوقة القد
следующие страницы →