← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

يشوبها شيء من نقائص البشر ثقال الظل ولا مؤاخذة، لأن عيوبنا ونقائصنا - هي التي تمزجنا بعضنا ببعض وتجعلنا نتواد ونتحاب، ونحن نتباين كثيراً في سجايانا ومحاسننا ولكننا مجتمعون مشتركون في مساوينا، فمنا البررة الأتقياء، ومن الأكرمون الأجواد، وقليلون فينا الأمناء، والأقلون بيننا الصادقون، ولكنا جميعاً والله الحمد مغرورون، والغرور هو ولا ريب من مراحم الطبيعة التي تؤلف ما بيننا وتقرب مسافة الفروق، فنحن بجمعنا من الهندي الفارس المزهو بحزامه ومنطقته إلى الجنرال الأوروبي المنتفخ تحت نجومه وأوسمته، ومن الصيني الفَرح بضفائره الصفراء إلى الحسناء المتكلفة تتحمل العذاب والآلام لكي تعجل خصرها أشبه بحلقة الكعكة، ومن المرأة الفقيرة تخطر في الشارع تحت مظلتها المتخرقة البالية إلى الأميرة وهي تتثنى في حجرة الاستقبال تجر وراءها ذيلاً يربي في طوله على أربعة أمتار، كلنا نعيش ونتشاجر ونجرح وندمى ونموت تحت علم الغرور المرفرف الخفاق. نعم. إن الغرور هو ولا شك القوة الدافعة التي تحرك الإنسانية وتجرها والملق هو الشحم الذي تدهن به عجلاتها، فإذا كنت تريد أن تغنم الحب والاحترام في هذا العالم فأنت خليق أن تملق الناس وتمتدحهم، إذن فأملق الرفيع والوضيع والغني والفقير والمغفل والعاقل والأحمق والرزين فأنت ولا ريب ظافر بحياة بين الناس حلوة راغدة أمدح فضائل هذا ونقائص ذاك، وحي كل إنسان وأمدحه على كل شيء، ولاسيما على ما لم يؤتَه وما ليس فيه، أمدح المشوهي الخلقة القباح الوجوه الملعوني الشبه بالجمال والرشاقة والحسن واستحسن من الحمقى ذكاءهم وأبد إعجابك من الوقحاء الأراذل لتربيتهم وكرم أدبهم، وإذ ذاك يرفعون دقة بصرك وذكاءك ولطافة ذوقك إلى السموات. ثم إن للملق طرقاً مختلفة وأساليب عدة، وأنت ولا ريب حري بأن تتخذ لكل موضوع الأسلوب الذي يلبسه، فكثيرون يحبون أن يقدم الملق إليهم بالمعالق وهذا النوع لا يطلب شيئاً من البراعة والتفنن، وهناك جماعة من العقلاء يحبون أن يكون التملق لهم بالإشارة لا بالكناية والعبارات، وآخرون يحبون أن يكون ملفوفاً في غطاء من الشتيمة كأن تقول لأحدهم - يا لك من أحمق مغفل، إنك لترمي بآخر قرش معك لأول سائل يلقاك! - ثم إن هناك جمعاً غير هؤلاء لا يتذوقون الملق إلا إذا قدم إليهم عن يد رجل ثالث فإذا أراد أحمد

стр. 1717

مثلاً أن يستأسر لب علي - على شريطة أن يكون على هذا من هذه الماركة نفسها - فعلى أحمد أن يسر إلى أحد أصدقاء عليّ أنه يرى في علي هذا رجلاً بديع الخلق كريماً طيب القلب ويأخذ عليه إلا ما كتم عن هذا عن الناس ولاسيما عن صديقه علي، ولكن المتملق أن يحذر أن يكون هذا الوسيط الذي ألقى إليه الملق رجلاً موثوقاً به كتوماً وإلا خابت الحيلة. وأما هؤلاء الأكياس الصلاب العود الذين يقولون لك أبداً إننا نكره الملق والمديح يا سيدي وإننا لا نسمح لمخلوق أن يتغلب علينا بالملق الخ. . الخ. . فلا تخفنك منهم هذه الطنطنة الحلوة. . . أمدحهم أملقهم فقط على فقدانهم حب الملق والمديح. ثم افعل بهم بعد ذلك ما شئت. وأخيراً أن الغرور فضيلة. . . ولكنك تستطيع بكل سهولة أن تجيء بكراسة طويلة في ما قيل ضدها من الأمثال السائرة، ولكنها بعد عاطفة وثابة تدفعنا إلى المحامد كما تدفعنا إلى المذام، ثم أليست الآمال الكبيرة إلا ضرباً مهذباً من الغرور، ونحن نريد أن نظفر من الناس بالإعجاب والاستحسان أو بالشهرة كما تحبون أنتم أن تسموها، ومن ثم نكتب كتباً ممتعة طيبة ونرسم صوراً فخمة جميلة ونغني أغنيات لذة مطربة، ونكد ونتعب ونعمل بأيدينا وأجسامنا في المكتب والمعمل والمصنع. نحن نود أن نكون أغنياء، لا لكي ننعم بالراحة ورغد العيش ونعومة الحياة فهذه كلها يمكن أن تشتري بثمن بخس حسب الصنف والمقدار، وإنما لكي تكون بيوتنا أبر من بيوت جيراننا وأفخم رياشاً وأجمل مظهراً، ولكي تكون جيادنا وغلماننا أكثر عدداً من جيادهم وغلمانهم، ولنستطيع أن نكسو أزواجنا وبناتنا ثياباً ليست بالفخمة وإن كانت الثمينة الغالية، ولكي نؤدب المآدب الكبرى وإن كنا نحن لا نأكل من أطعمتها ما يساوي خمسة قروش، وبهذا نعين متاجر الدنيا ونصرفها، وننشر التجارة ونروجها على أهلها، ونمد في المدينة إلى أبعد حدودها وتخومها. لا تسخطوا إذن على الغرور، ثم لا تسيئوا استعماله، وخير لكم أن تحسنوا القيام عليه، بل إن الشرف نفسه هو أبدع وجوه الغرور وأسمى نواحي الزهو. نعم إن الأدعياء مغرورون ولكن لا تنسوا أن الأكفاء والأبطال أيضاً مغرورون. إذن تعالوا أيتها الطواويس الصغيرة الحسناء نكن معاً مغرورين. هلموا نتعاون وننمي غرورنا. لنكن إذن مغرورين ولكن ليس

стр. 1718

بسراويلنا وفروع شعْرنا ولكن بالأفعال الكبار والمحامد العظام، وبالحق والجمال والطهر والشرف. تعالوا نزهى بأننا لا ننحني لأي أمر حقير خسيس، وإننا لا نقول لأحد كلمة قاسية ولا لفظة خشنة. دعونا نزهى بأنا نعيش قوماً مهذبين في وسط من اللصوص والإخساء والأشرار، ولنفخر ونعتز بأننا نفكر أفكاراً حلوة، ونعمل أعمالاً ونعيش عيشة باردة راغدة. . ٢ - القناعة إن أهل الطيبة والخير هم على الباطل - وهم أبداً كذلك عندي لأنني لم أتفق يوماً معهم في شيء - إذ يقولون أن الطمع من أكبر الشر. ولكن ماذا كان يكون أمر الدنيا بغير أهل الطمع أكثر الله منهم. إذن لما عدت أن تكون في رخوتها ونعومتها ولينها كعجين العجانة. ثم أليس أهل الطمع هم الخميرة التي ترفع العجين حتى يخرج منه خبز جيد صالح وبغير ذوي الأطماع لا ينهض العالم ولا ينمو ولا ينتعش. باطل أن نكون من أهل الأطماع! يا حلاوتكم أهل الخير. .! أيكون أهل الأطماع على الباطل وهم بظهورهم المنحنية وجباههم المتصببة عرقاً يوطئون الطريق للإنسانية لتسير فيه جيلاً بعد جيل، وهم لا ريب يطلبون النفع لأنفسهم ولكنهم في طلبهم نفعهم يعلمون لنفعنا. لأننا مرتبطون ببعض حتى لا يستطيع أحدنا أن يعمل لخيره وحده دون خيرنا، إن النهر في تدفقه ومسيله متصاعداً فياضاً يدبر طواحين الدقيق ويسقي الزرع ويصل ما بين الأرض والأرض والبلد والبلد، وكذلك الرجل المطماع في إقامته تمثالاً لنفسه يترك أثراً صالحاً للجيل المنحدر بعده، وإن الإسكندر وقيصر قد حاربا لأغراضهما وأمانيهما بذلك قد مدا أنطقة من المدنية حول هذه الأرض، وإن ستيفنسن أراد أن يكسب له رزقاً طيباً فاخترع الآلة البخارية وشكسبير لم يكتب رواياته إلا لكي يملك بيتاً أنيقاً دافئاً لمسز شكسبير والشكسبيرات الصغار. إن القانعين الراضين هم محمودون نوعاً ما. . هم يصلحون ليكونوا في هذه الدنيا ألواحاً ترسم فوقها الصور الفخمة العظيمة. وإني أعدهم إني لن أتكلم عنهم أبداً ما داموا معتصمين بالسكوت، ولكن بحق السماء لا تدعوهم يمرحون في الأرض - كما يحبون أبداً أن يفعلوا - صارخين إنهم الأسوة الحسنة التي يؤتسى بها والمثال الحق الذي يحتذى، لأني لا أراهم

стр. 1719

إلا كذكور النحل في الخلية الكبرى، والغوغاء في الشارع يتلكؤون وينظرون في الحوانيت إلى الذين يعملون ويكدون. ثم لا تدعوهم كذلك يتوهمون - كما هي عادتهم - إنهم عقلاء وفلسفيون وإن من أكبر الحزم أن يكونوا راضين قانعين، فقد يكون الذهن القانع الراضي سعيداً في أي الأحوال كذلك الحمار الأورشليمي، والنتيجة من ذلك أن كليهما يوضع حيث تضعه ويرضى حيث تعامله. فإذا كنت من الحماقة بحيث ترضى بالرضى والقناعة فبالله عليك لا تظهرها، ولكن تسخط مع المتسخطين ووسوس بالشكوى مع الشاكين وإذا استطعت، أن تعيش على القليل فلا تطلب إلا الكثير، لأنك إن لم تفعل فلن تظفر إلا بالقليل ولا بالكثير إذ ينبغي في هذا العالم أن تسير على المبدأ الذي يسيطر عليه المطالبون بالحق المدني في ساحات القضاء تعويضاً عن الخسائر التي لحقتهم إذ يطلبون عشرة أضعاف ما يظنون أنه يرضيهم، فإذا أحسست من نفسك أن مائة فلست بظافر إلا بعشرة. وهذا ما وقع فيه المسكين جان جاك روسو، فقد حدد أوج سعادته الأرضية بأن تمني أن يعيش في بستان أغن وأن تكون إلى جانبه امرأة محببة وأن يكون له جاموسة. . . فلم يظفر حتى بهذه نفسها، فقد أحرز البستان، أو ما يجوز أن يسمى بستاناً، ولكن المرأة التي وجدها لم تكن محببة، ولكي تكون المصيبة تامة جاءت معها بوالدتها، ثم لم يظفر بالجاموسة، ولو كان روسو المسكين أقر في ذهنه أن يكون رب ضيعة واسعة في الريف وبيت حافل بالظباء العين ومعرض من البقر والجاموس، إذن لما عتم أن عاش لكي ينعم على الأقل بقطعة من الأرض، وبرأس واحد على الأقل من الماشية، ولعله كان واقعاً على ممر الزمن بأندر النادر. . . وهي المرأة المحببة حقيقة. هذا وما أبلد ما تكون الحياة لهؤلاء القانعين الراضين، وما أثقل عبء الوقت على رؤوسهم وأكتافهم، ثم أية خواطر وأفكار بعيشك تجول في أذهانهم، إذا فرضنا أن لهم خواطر وأفكاراً، وما أظن إلا أن قراءة الصحف وتدخين اللفائف هي كما يلوح لي الغذاء الذهني الذي يزدرده سوادهم، وأما الباقون وهم أقل بلادة وخمولاً وفتوراً فيضيفون إلى هذه التوقيع على القيثار والكلام في حق الجيران!

стр. 1720

أفيقو إذن أيها الناس. . أفيقوا. . أفيقوا. أيتها السيدات، أيها السادة أفيقوا انهضوا يا رجال ويا أطفال ويا بنات، اظهروا براعاتكم وكفاآتكم وجربوا قواتكم ومجهوداتكم، أن معرض الحياة مفتوح ولعبة الحياة أبداً قائمة، أفيقوا يا سادة وضعوا أيديكم في أيدي رفقائكم الناس، إن لألعاب الحياة جوائز أيها الناس ومكافآت للجميع، والجميع يستطيعون أن يلعبوا ويتسابقوا، الذهب للرجل يا سادة والشهرة والمجد للشاب، والحب للعذراء، والراحة واللذة للأحمق، إذن أفيقوا، جوائز ومكافآت، القليلون يربحون وأما الباقون فيتمتعون بلذة السعي والكد.

стр. 1721

آداب الإنجليز وآداب الألمان إن الحرب قاسية منكرة، ولكن أقسى منها أن يكون كل من الفريقين المتقاتلين المتصارعين يحمل في أعماق قلبه احتراماً خفياً صامتاً لعدوه، وكل منهما يريد أن يخنق صاحبه ويكتم أنفاسه ويهدم منزله ويرسله مدرجاً في أكفان الهزيمة إلى المقبرة، ولكنه ولا ريب واقف ساعتذاك على قبره خاشعاً لجلاله متهيباً، يصلي من أجل عدوة القوي الذي صارعه وناهضه، ويحوطه بكل مظاهر الشرف والإعجاب والاحترام وهذه الحرب هي حرب الغريزة، حرب الزنجي الشجاع للزنجي المقدام المغوار، حرب السبع للسبع، والنمر للنمر، كل منهما يجالد الآخر ليقتله، ولكنه يمجد في عدوه قوته، لأن القوة تحترم القوة التي مثلها، لأنها تخشى أن لا تحترم نفسها، والكفوء لا يحتقر الكفوء وإن كان يحقد عليه أو ينفس، والحقد غير الاحتقار، لأن الاحتقار ينحدر من ذروة الرجل الأشم العظيم إلى وهدة المخلوق الضعيف الهزيل، والحقد هو أكبر مظهر من مظاهر الإعجاب بالقوة والتمجيد لشأنها، وهو من أكبر فضائل الغريزة، وهو من أسمى منعشات الصحة ومقوياتها، لأنه يرسل الحرارة في نواحي الروح وأجزاء النفس ويبعث النشاط إلى الجسم ويزيد في خفقات القلب ويشد الساعد ويحرك اليد ويلهب الذهن، ولهذا يقول نيتشه: أحبوا أعداءكم وخير منه أن تكرهوا أصدقاءكم. وخلاصة هذا أن الانكليزي يحمل في قلبه الاحترام للألماني وأن الألماني لا يستطيع إلا احترام الانلكيزي، وإن كان هذا الضرب من الاحترام قاسياً مخيفاً مرعباً، وكل منهما ولا ريب يحترم في عدوه قوته، وإن كان يريد أن يصرعها ويزهق روحها ونحن الضعفاء المهازيل لا يسعنا إلا الاحترام للجميع، نحن نقف على مشهد من القتال الناشب بينهما المستحر صارخين كما يفعل الأطفال والولدان عند رؤية الشجار العنيف معولين، مهيبين بالمتقاتلين متوسلين، نصيح بهما أن يكفا عن القتال المستميت، ونضرع إليهما أن يزجرا هذا الصراع الدموي الرهيب، لأننا نخشى ان يميت أحدهما الآخر، لأننا نريدهما جميعاً. لأننا لا نريد أن يفقد العالم قوتهما أو قوة أحدهما. لأن حياة الإنسانية ومدنية العالم تطلبهما معاً، إذ كنا نعيش في كل ألوان العيش من عقل الانكليزي ودأب الألماني، نحن في البيت وفي الشارع وفي القهوة وفي المنتدى وفي القاطرة وفي العجلة وفي الملهى نتنعم بمبتكرات الانكليز ومنشآت الألمان، نحن نمرض ونجرح ونصاب فنشفى ونعافى ونصح بعقول ارلخ

стр. 1722

وكوخ ورونتجن وليستر وجنر مساي، نحن نبتهج بأن الإنكليز أعطتنا شكسبير، وأن الألمان وهبونا جوت، نحن نتهذب بأذهان شيللر وهايني وشوبنهور وكانت ونيتشه وواجنر الألمانيين ونحن نسمو بعقول هوبز ولوك وجبون وكارليل وديكنز وولز وبرنارد شو. نعم لا يسع الانكليز إلا احترام الألمان وليس في أعماق قلوب الألمان إلا احترام الانكليز، وإن كل منهما يريد أن يفترس الآخر ويرديه، ذلك لأن مدنية كل منهما تمس الأخرى وتلاحقها وتتشبث بها والمدينتان في كل فروع الحياة والآداب متداخلتان متلازمتان، فإن أرنست هيكل الألماني هو وليد دارون وخريج وُلّلس وجوت وشيلر ابنا شكسبير، وهكسلي وجالتون ولييل وفراداي ودالتون وهامفري دافي هم الذين أنتجوا أكبر علماء ألمانيا وكيماوييها وحشرييها وبيولوجييها، وانجلترا استفادت من ألمانيا كذلك أكبر أساتذتها وجبابرة عقولها في السياسة والمال والجغرافية والهندسة والطب والفلك واللغة وغيرها، فإن آل بارنج - ومنهم لورد كرومروهو من أكبر أقطاب السياسة في الغرب - يمتون إلى أصل ألماني، وكذلك روتشلد أكبر ماليي هذا العصر وأرنست كاسل المحسن المالي العظيم وسر ويليم هرشلي الفلكي الكبير وماكس موللر المستشرق الفيلولوجي الذائع الصيت وسير موريس دي بونزن سفير انجلترا في برلين قد نزلوا جميعاً من سلالة ألمانية، وكثيرون غيرهم يخطئهم الحصر والعد قد أفادوا انجلترا أكبر الفائدة في الاكتشافات الجغرافية وفي البيولوجيا وفي التصوير والموسيقي والصحافة والمصارف والتشريع والجندية والبحرية، وكانوا من الألمان دماء، وإن كانوا من الانكليز جنسية وموطناً. ولقد كان العالم الإنساني قبل نصف قرن الماضي يغتبط بالألمان ويبتهج بألمانية جوت وشيللر وهيجل وكَنْت وشوبنهور، لأنها كانت ألمانية إنسانية رفيقة صامتة حلوة وديعة تعمل للعالم في هدوء وتلقى بنظرياتها وفلسفاتها وعلومها وآدابها بين أهل الأرض، وهي في لباس الأستاذ الهادئ الحدب المخلد إلى العزلة العلمية المطربة، وهي في بردة لافوازييه وهو يحنو على الدرس العلمي في مكتبه، وضوضاء الثورة الكبرى ضاجة في الفضاء صخابة متعالية، ولكن حرب السبعين جاءت فأسكرت ألمانيا وأثارت عزتها وزهوها فماتت ألمانية كَنْت وشوبنهور، وطلعت ألمانيا الصخابة المزهوة المتعاظمة، نظرت إلى حاضرها ثم التفتت إلى ماضيها فرأت كل شيء أمامها بهيجاً، حاضر المنتصر الثمل وماضي

стр. 1723

الفيلسوف الساكن المعتزل، وإذ ذاك قالت في نفسها. . . هذا أنا حاربت فرانسة البديعة، فرانسة الفلسفة والشعر والقانون والمودة والمجد والزهو والحمية، فرانسة الجمال والرقة والحرية وحقوق الإنسان، فرانسة لويس الرابع عشر وريشيليو وروسو وفولتير وميرابو ودانتون ومارات وروبسبير ونابليون وموسيه. . وهذا أنا انتصرت، وربحت الموقعة. . إذن فلأغزون الأرض وأملكن عين الشمس. . أيها الناس. كونوا ألماناً. كونوا ألماناً. . . تعالوا يا ألمان نطلب السيادة على الأرض. . وأما السقوط - عند ذلك بدأ العالم الإنساني يكره ألمانيا وينفر منها وكان يحبها من قبل ويجلها، ومنذ ذلك اليوم راحت ألمانيا تحول كل قوتها إلى خدمة نفسها ومصلحتها، وكل فلاسفتها ومفكريها وعلمائها ومخترعيها أصبحوا منذ ذلك اليوم يحملون فوق صدورهم ماركة واحدة وهي صنع في ألمانيا ولا جل ألمانيا ولم نعد نحن العالم الإنساني نسمع من ألمانيا التي كانت مهد الفلسفة الإنسانية الجميلة إلا صوت تريتشكي الصخاب الأصم يصرخ فينا. . أيها العالم الإنساني. . نحن الذين هذبناك ورفعناك وربيناك. . نحن أنبياء هذا الزمان. . . نحن العنصر المختار من الله. والشعب المجتبى. أن كلتورنا هو أسمى آداب العالم وأرفعها. . السيادة على العالم أو السقوط ولم نعد نرى غير القائد المتفلسف فون برناردي يعد ويحسب، ويضع الخطط لحرب العالم وغزاته وامتلاكه، بعد أن كنا نسمع نيتشه الإنساني السبرماني المهذب، وكَنْت الفيلسوف النظري الوديع، وشوبنهوَر السوداوي الحزين، وهيجل الخيال الرقيق، وجوت الشاعر الجزل المستفيض، وعند ذلك انقبضت صدورنا عن الألمان، ونفرنا من ألمانيا، لأنها جاءت تمن علينا بمدنيتها وتؤذي إحساسنا بتعداد صنائعها علينا وفضائلها، لأنها تريد أن تقتل حرية العالم. . تريد أن تبتلعه، وتأكله كما يأكل القط الفأرة. إن الألماني رجل عصبي قوي حاد المزاج والانكليزي رجل هادئ الأعصاب متين الخلق وصلب الروح، وما أظن الألماني عند المدفع إلا صاخباً لاعناً شاتماً، وهو يحرك إدارة المدفع ولولبه، ولكن الانجليزي يدير المدفع ولفافته في فمه وهو في أتم هدوءه، حتى لقد وصف القائد الانكليزي بأنه ليقف أمام فوهة المدفع العظيم كما يقف عند باب حجرة الحسناء الناعمة. وهذه الأعراض الأخلاقية تتجلى في آداب الأمتين ووجوه تفكيرهما ومبادئهما، فإن الآداب

стр. 1724

الألمانية تشبه نوعاً من الشجار الحار المضطرم، كل ما فيها ينم عن نفس جياشة متوثبة متجهمة، وكل آدابها في هذا العصر التسليحي الأخير يتبع فكرة واحدة. . . فكرة القوة والشدة. . . فكرة ترتشكي المتلخصة في كلمة كونوا حكوميين ونصيحة نيتشه كونوا قساة يا صحابتي. وهذه الحدة المزاجية تبدو في حب الشعب الألماني للكلمات المنتفخة الفخمة الغليظة وكل طفل في المدرسة لابد من أن يحفظ كراسة مطولة منها، يحفظ عن ليست وبسمارك ومكيافللي وكلوسويتز ومولتكي وترتشكي والإمبراطور، وكل من يزيد في مجموعة هذه الكلمات الكبيرة يغدق عليه المجد والاحترام والشرف والتبجيل، كما أعطى الشاعر ليساور وسام الصليب الحديدي من أجل قصيدة نظمها هي قصيدة الحقد. وهذا الضرب من الآداب في نظر الفلسفة الحرية الصحيحة ليس من الآداب في شيء. . . هو نظام عسكري متين أكثر منه أدباً وشعراً وتصويراً ونقشاً وموسيقى. . هو خطة إسبارطية خشنة. يختفي فيها الفرد في جوف المجموع، وينزوي الفكر الإنساني عند أقدام الحكومة والإمبراطور، ولكن الألمان أنفسهم لا ينكرون هذه الحقيقة ولا يجحدون، لأنهم يعتقدون أن الفكر الجنديّ المنظم هو خلاصة التاريخ الألماني، إذ كانوا يعيشون على الطاعة والنظام منذ أبعد حدود الماضي وعهوده، هم لا يعرفون إلا أن الطاعة منهم وأن الأمر والنظام من الإمبراطور، وهذا الأسلوب التفكيري، وإن كان قد خلق الوطنية الألمانية، لا تقره الإنسانية ولا تمتدحه، ولا تعترف به غريزة الإنسان، لأنها تعيش على الحرية الشخصية وتغتذي من حرية الرأي والكتابة والتفكير، وتسخير كل قوى التفكير والعلم والآداب والحضارة لغاية أهلية واحدة ليست من مطالب مدنية الأرض، لأن الأرض لا تريد أن تحكم بأمة واحدة، أو تساد بعقل واحد، أو يسيطر عليها سيف واحد، والفكر الذي يسخر نفسه لخدمة فكرية جنسية مستقلة غير عامة، لا يسعنا إلا أن ننحني له احتراماً وإعجاباً. ولكنا لا نكتب اسمه في سجل مصلحي الأرض، ولا نضعه في قائمة الإنسانيين الناهضين بحضارة الدنيا، والشعب الذي يطمع في أن يسود العالم ويقوده، هو شعب حيوي وثاب مطماع، ولكنه غير خليق منا بالحب والاحترام، لأنه يريد أن يقتل في الإنسانية فكرة الحمية للجنس وروح العصبية للعنصر، والحب الغريزي للوطن.

стр. 1725

وعلى نقيض آداب الألمان تعيش آداب الانكليز، فإن كل انكليزي يأبى إلا أن يكون عالماً مستقلاً من الأدب والتفكير، ودولة مترامية من الرأي المطلق الحر، وليس للانكليز شعار واحد أو فكرة واحدة يتبعونها ويسخرون قواهم لها، بل إنك لتلتقي عندهم بضروب من الشعائر المتباينة والأفكار المتضاربة المتعارضة، فإن للارستقراطية شعاراً ومبادئ تختلف عن شعار البحرية ومبادئها وهذه تختلف عن الجندية، والجندية تختلف عن التجار. وشعار التجار ومبادئهم لا تشبه شعار الدينيين ومبادئهم. والدينيون لا يتبعون في ذلك أصحاب الألعاب الرياضية، حتى لقد بالغوا في هذا الأسلوب التفكيري الحر المستقل فأصبح شعار لندن ووجهة تفكيرها غير أدنبرج، وأدنبرج تباين منشستر، ومنشستر لا تحكي بلفاست وهلم جراً، بل إن للشرطة من ذلك غير ما لموظفي الحربية والأشغال والمستعمرات، وليست هناك حكومة حقيقية - بالمعنى التام الذي يفهم من هذا اللفظ - يحس الانكليزي بها أو يشعر بوجودها، اللهم إلا في دائرة القضاء والقانون وسوى المحاكم، والتاج في كل مظهره وقوته صورى لا سيطرة له على الفرد ولا أمر ولا نهي. والمدنيون يرأسون الجيش ويتقلدون المناصب العسكرية والوظائف البحرية كالعسكريين، ولو سألت الانكليزي العادي أن يعرف لك انجلترا لقال لك في الحال هي الفوت بول لأن وطنية الانكليزي أرضية صامتة تستمد قوتها من الغريزة والإحساس الداخلي العميق، ومن ثم لا تجد لانجلترا شعاراً أهلياً ولا وجهة تفكير أهلية واحدة عامة، وليست لها فلسفة حياة خاصة بها، والانكليز يفخرون بذلك ويعتزون، لأن وطنيتهم وعصبيتهم الجنسية مستأصلتان في أعماق قلوبهم، لا يتعلمها إنسان منهم ولا يلقنها معلم ولا يستحث عليها كاتب أو خطيب. اه. منقولة عن كاتب انكليزي منصف كبير، بعد أن حذف منا وزيادة وتصرف كثير.

стр. 1726

المساكين للنفوس الكبيرة وثَبات في شوط النبوغ تقطع في الوثبة الواحدة منها ما يقضى غيرها العمر في التعلق بأسبابه وبلوغ الغاية منه ولهذا لا يعجب النوابغ بأعمالهم بعض ما يعجب الناس من قدرتهم على هذه الأعمال، والنابغة هو الذي يستطيع أن يجعل كل سنة من عمره أو كل طائفة من العمر أثراً ظاهراً في التاريخ الذي يعاصره لأنه أحد الأفراد المعدودين الذين ينشأ من أدمغتهم هذا التاريخ. على هذه القاعدة يجري نابغة الأدب العربي الشهير مصطفى صادق الرافعي فلا يكاد يصدر كتاباً حتى يأخذ في غيره فهو أبداً يبحث ويفكر وينظم وينثر كما تعرفه الأمة وإنما هي نفسه المضطرمة تحاول أن تبعث من أشعتها في الأفق لتظهر على الأرض قطعة من جمال السماء. وقد وضع أخيراً كتاب المساكين - وهو تحت الطبع - يكشف به عن الحقيقتين الغامضتين في الحياة حقيقة الغني وحقيقة الفقر، لا يقرؤه الفقير حتى يرحم الغني ولا الغني حتى يرحم الفقير فكأنه مؤاخاة بين الخصمين المتنافرين في الإنسانية. وقد أسند الكلام فيه إلى رجل اسمه (الشيخ علي) والشيخ علي هذا رجل أنعم الله عليه بالبلاهة والراحة والمَترَبة وليس في الأرض أشد منه على ذلك مرحاً واغتباطاً. وسننشر في عدد آخر الترجمة الخيالية البديعة التي وضعها له الرافعي وربما نشرنا صورته. والآن نقدم للقراء هذه القطعة من فصل عنوانه التعاسة - وأسعد الله قراءنا. قال الشيخ علي: وأنت يا بنيّ ما إن تزال تصبغ الدنيا بلون لا أدري كيف أسميه، فلا هو من وجوه أهل الحسد فأقول أصفر ولا من قلوب أهل البغض فأقول أسود ولا من صدور أهل الدم فأقول أحمر ولا من شيء أعرفه لأنه ليس شيئاً يسمى. وعلم الله أن من يهوي في جهنم سبعين خريفاً وعيناه تدوران في رأسه لا يبصر من حيث ابتدأ إلى حيث ينتهي شراً من وجه دنياك. إنك يا بنيّ تصور الأرض لا أرضاً ولا ماءاً بل قلوباً ودموعاً وتراها لا دوَلاً ولا أمماً بل آلاماً وحوادث فكأن هذه الأرض العظيمة تحتاج إلى نارين من قلبك ومن الشمس وإلى

стр. 1727

نفحتين من خيالك ومن الفضاء وإلى قدرين من حزنك ومن الأبد. ومن ثم فلا عجب يا بني إن كان مركز الثقل فيها على وهمين: على محورها وعلى. . . ظهرك. لقد أسرفت على نفسك الضعيفة وجعلت هذه الحصاة تحت مطرقة الزمن فما تزال رخواً منبعثاً مسترسلاً في اندفاق ولين، كأنك ترى رجل من العجين. وكم تقول لي (فلانن) وجاهه العريض، ودهره المريض، وانظر إلى (فلان) كيف جعله الكبر يذكر منا وينسى، وكيف أصبح من الغني وأمسى، (وفلان) كيف تمر من فُرَج أصابعه سفن الآمال، في تيار المال، كأن يده قنطرة على نهر الأقدار، أو جسر تعبره حظوظ السماء إلى أهل هذه الدار، أو (فلان) قبحه الله كيف سار شيطانه في إنسانه، وطول عمره في لسانه، وكثرة ماله في قلة إحسانه، وأخزاه اله فما برّ ولا نفع، بل تفرّق بالحرص على ما جمع، وطمع في كل شيء حتى في الطمع، (وفلان) الذي جمع وعدّد، وخلقه الله واحداً وهو في الرذائل يتعدد، وقد انتفخ كأنه شدق إسرافيل، وامتد كأنه يد عزرائيل، واستلقى كأنه فرعون على النيل، (وفلان) وما أدراك ما فلان: جبل شامخ والناس في سفحه رمال، ومجد باذخ ولا مجد لمن ليس له مال، وهو في أهل الغنى الألف والباء، وإن قيل في غيره (ابن نعمة) فهو في أهل النعمة أو الآباء، على رأس كأنه من الرجل ركن الكعبة الذي يتوجه عباد الغني إليه، وقامة كأنها لجاه صاحبها قطعة من المحور الذي تدور هذه الأرض عليه، وهناك أنف أما في السماء فله منزله، وأما في الأرض فعطسته زلزلة، ينفض الناس من رهبته نفضاً، ويفرش الوجوه من هيبته أرضاً، وكأنه في تلك الكبرياء ميزان معلق يرفع من ناحية ويخفض من ناحية، بل كأنه في ذلك الوجه القفر جحر للنحس تختبئ فيه الداهية. قال الشيخ علي: وما أنت يا بني وهذه (الفلانات) وأمثالها؟ إن هؤلاء الناس بعض أعمال الله في أرضه فهو يخلقهم وينشئهم ويديرهم لتعلق طائفة من الأقدار بنتائج أعمالهم طرداً وعكساً فما أشبههم بدابة الطاحون تلزم دائرتها ولا تفتأ تدور إلى غير انحراف ثم هي لعلها تسمع الجعجعة تحسبها نشيد الاحتفال بها. فهو قوم مسخرون وقد يسرهم الله لما خلقوا له فضربهم بالحرص والطمع ضربة جبار ولو نالت السماوات والأرض والجبال لأشفقن منها، وجاءهم الحرص بهذا المال أما الطمع فجاءهم بماذا جاءهم بماذا؟ يا بني؟ لو قلت بصدأ القلوب وهرم النفس ودناءة الطبع، لو

стр. 1728

قلت بكل ما في الحشرات من القذر وبكل ما في السباع من الضراوة وبكل ما في الدبابات من السموم لكنت عسى أن أقارب الوصف ولكن المعنى الذي يتلجلج في نفسي أكبر من ذلك كله. ولكني أقول لك يا هذا إن ثلاثة من المتشابهات يفسر بعضها بعضاً الحرص مع الطمع، ثم المال ورذائله، ثم ما في المعدة وما في الأمعاء. . . أنحسب أن هذا العالم يحفل برجل من الأغنياء قد أجحف به الدهر وطحنته النوائب بأرحائها. وتركته الأقدار أسود الحظ لا بيضاء ولا صفراء؟ فلم لا يعدون الغني شيئاً دون المال ويحسبونه كل شيء مع المال؟ لعل الحقيقة أيضاً ذات وجهين في الناس. المال. المال وحده لا غيره فنحن نحتاج إلى الغني صاحب المال كما نحتاج إلى بائع الملح. وما أشبهنا في إطرائه وفي الزلفي إليه بأطفال القرية إذ يتزلفون إلى بائع الحلواء التي تلف على العصا وإذ هو واقف بينهم بعصاه وحلوائه كأنه الهبل الأعلى. وهو من تعلم دس الثوب ترب اليد قذر التفصيل والجملة يصلح أن يكتب على وجهه متحب المكروبات المصري ولو رآه طبيب لجعل عصا الحلواء على رأسه تفاريق، ولكن أين لا أين الطبيب في هذا الاجتماع؟ كل أطباء الاجتماع ألسنة وأقلام ومحابر؟ أما اليد التي تزيل المنكر أو تغيره فلا أراها تمتد إلا من جانب الأفق ولا تعمل إلا بعون من الله وملائكته وقد انقضى عصر الأنبياء. قال الشيخ علي: فإن لم يكن الغني إنساناً من الناس يواسيهم ويسعدهم ويتخذ من المال سبيلاً إلى أفئدتهم بالإحسان والمساعفة، ويأخذ لنفسه بقدر مالها ويعطي من نفسه بقدر ما عليها، وإن لم يكن وجهه عند قدمي الفقير وعند رأس المريض ولم يكن ذهبه عند دموع البائسين وعند أنفاس المحزونين ولم يكن اسمه في دعوات المحتاجين وفي ألسنة الشاكرين فقد أصبح عندي كأنه لا شخص له، وإن كان اسمه (فلان باشا) مثلاً فلا فرق بينه وبين صندوق من صناديق الحديد يسميه صانعه استهزاء (فلان باشا). . . . فالمال آلة من آلات القتل لأنه يميت أكثر من أصحابه موتاً شراً من الموت - إلا من عصم الله - موتاً يجعل أسماءهم قائمة على ألواح من العظام ويرسلها كل يوم إلى السماء في لعنات لا عداد لها ثم يثبتها في التاريخ أخيراً لا بأعيانها ولكن بعددها أو كما تثبت الحكومة في كل سنة عدد المواشي التي نفقت بالطاعون. . . فهذا الشخص الميت وهو في

стр. 1729

الأحياء لا يبلغ نفسه على الحقيقة أكثر من مقدار حجمه من. من. . من جيفة حمار. . . يا بني! ربما كان الرجل نبات نعمة الله لأنه سيكون حصاد نقمته فهذه منزلة من البؤس والخذلان يستعاذ الله منها. وكم رأينا من أناس تخصب أبدانهم حتى ليضيق بهم الجلد كدنةً وسمناً ويكاد أحدهم ينشق فرحاً ونشاطاً ثم لا يكون هذا الخصب الذي استمتعوا به شطراً من العمر إلا سبباً في أمراض مهلكة تستوفي الشطر الآخر فذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وإن خطأ كبيراً أن تحكم لفلان من (فلاناتك) بمتاع الدنيا فإنك لا تدري أشر أريد به أم الخير وكيف تحكم على غناه بفقرك وعلى آماله بيأسك وعلى شخصه بظلك وعلى نهاره بليلك وعلى عمره كله وهو بعد حي لا تدري ما عسى أن يكون له فيما بقي؟ دعه حتى يستنفد أيامه المكتوبة ويستوفي أنفاسه المقدرة فلعل مصيبته قادمة في الغيب وكان غناه من مقدماتها وعلى قوة المقدمة تقاس قوة النتيجة. فإذا مات الغني ولم تعرف في مجموع عمره هما ولا غما يعدل بؤس الفقر فكفى حينئذ بالموت، وإنما الحياة مدة ستنقضي فسواء انقطع الخيط من أوله أو من وسطه أو من آخره فقد انقطع. تقول لهم أن متاع الحياة ولو أنصفت لقلت أن لهم بؤسها الممتع. .! فإنهم يجمعون المال من طرق لا تؤتيه إلا نكداً ثم يرسلونه في طرق أخرى ليجمعوه أيضاً ثم يجمعونه ليرسلوه ثم يرسلونه ليجمعوه وهلم كما تدور دابة الطاحونة. وهب أنهم لا يألمون فإن يد الله قد غمزتهم من مكان قريب غمزة مؤلمة، وما أحسب الضجر من اللذات قد خلق إلا للأغنياء وحدهم وناهيك من بلاء يغمر النفس بالنعم صنوفاً وألواناً حتى يتنكر لها معنى النعمة فتراها وقد ثابر عليها الضجر متكرهة ولكن لا تريد الكراهة ومتسخطة ولا ترغب في السخط ومتألمة ولا تعرف مم ألمها ولا تبرح تتلمس نعمة لم يخلقها الله لتحدث منها لذة لم يعرفها الناس. ولولا هذا البلاء وأنه ما وصفت لك لما أصبت على الأرض غنياً كهؤلاء الوارثين تضرب به كل لذة وجه أختها فتسلمه الواحدة إلى الأخرى ويجذبنه بكل حروف الجر: من الكأس وإلى القمار وفي الإسراف وعلى الفسق وللمنافسة وهكذا حتى تسلمه اللذة الأخيرة إلى الفقر.

стр. 1730

ولو أن (ضجر اللذات) يصنع بكل الأغنياء هذا الصنيع لفسد الكون بيد أن الله أراد عمر أنه فجعل في طباع أكثر الأغنياء لؤماً خاصاً. لؤماً ذهبياً يكسر من سورة هذا الضجر كما يفتأ الماء البارد من الماء الحار حين يمتزجان. فالقوم إما كريم يضجر فيسرف وإما لئيم يضجر فيمسك وكلاهما يجد لذته ويضجر من لذته. فلا تقل يا بني أن العصا لظهور الفقراء وحدهم فإن هناك السوط أيضاً وهو رتبة عالية فوق رتبة العصا ولذلك خص بشرفها. . الأغنياء. وانظر إذن هل ترى الفرق بعيداً بين الضجر من شيء لأنه موجود وبين الضجر من ذلك الشيء لأنه غير موجود. بين عدم الشعور باللذة وبين الشعور بعدم اللذة. بين ألم الغني الذي لا تجده أبداً إلا على شك في أنه سعيد وبين ألم الفقير الذي لا تجده أبداً يشك في أنه تعيس؟.

стр. 1731

الأرق فوائده - أسبابه - أنواعه - دواؤه نحن أهل هذا العصر مصابون بالأرق، حتى لقد كان يغلبنا الوهم أنا مصبحون عما قليل جيلاً مسهداً مؤرقاً وإن الأرق ومنهكة الذهن ومتعبة الأعصاب سائقتنا ولا ريب إلى مستشفيات المجاذيب، ولكنا في وهمنا مخطئون لأن الأرق الرقيق المتقطع الذي يعرض في الحين بعد الحين ليس مرضاً أو خطراً. إذ كان أكبر آراء الدنيا البدائع التي عملت على تهذيب الإنسانية ورقيها وأبهم مشكلات العلم ومستغلقات المسائل، لم تخطر ولم تحل إلا في ساعة يقظة غير محبوبة ولا مطلوبة وخلال سهد مكروه مسترذل، والذهن القوي الذي يأرق هو غالباً الذهن الحاد الفعال المفكر وإن كان ثمت أذهان لا تكاد تنام أو تهجع لأنها أذهان فارغة مختلة مجنونة. فإذا وجدت إنك لا تستطيع نوماً لأن ذهنك يأبى إلا أن يفكر ويسير في تفكيره فدعه مسترسلاً فيه ولا تقطع عليه عمله وثق أنه لن يصيبك أو يصيب ذهنك كذلك ضر أو سوء. ولعلك تخرج في هذا المأزق الملعون طائفة من الآراء الصائبة النافعة. فإذا تعب الذهن وأجهد قواه بعد حين فأنت واجده ولا ريب مذعناً عند ذلك إلى الرقاد والنعاس. هذا ولا ينبغي أن يضطرب بالك إذا رأيت أنك قد اعتدت أن تأرق مرة في الأسبوع ومرتين أو ثلاثاً في الشهر ولا تظن أنك مقدم على مرض، وإنك سوف تصاب بالميلا خوليا والاضطرابات العصبية العديدة فإن جميع الذين يسهمون في حركة العالم ويأخذون نصيباً ذهنياً من مشاغل النهار وأعماله ويعيشون على التفكير والتدبير معروضون ولا شك لأوقات تنبه فيها قواهم المفكرة وتأرق أداة تفكيرهم. وهم مع ذلك يطلبون الراحة والنوم. ومن ثم فلا ينبغي لهم أن يظنوا ذلك إعراض مرض أو ضعف أو اضطراب، بل على النقيض منها دلائل صحة وقوة وانتظام. ولا يجب أن يندهش القارئ إذا قلنا أن الأرق الرفيق المتقطع في الحقيقة لا يحدث أدنى ضر أو سوء، لأن للذهن القوي السليم من القوة الاحتياطية المختزنة ما يكفل له أن يحتمل خسارة ساعتين أو ثلاث أو أربع من النوم في الأسبوع، بل ليال معدودات في أوقات الشدة والكرب، دون أن يكون عليه من ذلك ضير أو شر، غير ضعف وقتي وفتور يذهبان بنوم

стр. 1732

طيب هنيء مكتمل. ولا يخشى من الأرق إلا إذا كان عارضاً من أعراض مرض مقبل قادم، أو إذا جاء من ناحية نوع المعيشة نفسها ويكون الضرر منه محساً منه صاحبه بينا له. وهذا النوع من الأرق لا يحدث من فقد النوم، ولكن يرجع إلى أحوال خفية أخرى فإن الكلى المريضة والقلب الضعيف والجهاز الهضمي المختل الفاسد تذهب النوم وترنق العيش وتحدث الأرق. وسواد الذين نلتقي بهم في مستوصفات الأطباء من الذين يشكون الأرق هم في الغالب أصحاء البدن أقوياء لا يعتور صحتهم شيء من المرض أو الاعتلال ولكنهم إما أن يكونوا قد عرضوا بأنفسهم إلى انهماك شديد ثم لم يستعيدوا ما فقدوه وأما أن يكونوا قد اعتادوا أن يأخذوا بأسباب معيشة فاسدة غير صحية تمنعهم من أن يستوفوا قسطهم من الراحة والنوم الهنيء الرفيق، وفي هذه الحال لا يحتاج في تخفيف آلامهم إلا إلى معالجة هذه المعيشة نفسها وردهم إلى معيشة صحية صالحة، من ناحية الطعام والعمل واللهو والرياضة. ثم هناك طائفة من المصابين بالأرق يكون أرقهم عارضاً من أعراض مرض من الأمراض إما من ناحية الأعصاب أو المخ وغالباً الكلي أو القلب أو الهضم. وهم لا يحتاجون إلى معالجة أرقهم وإنما إلى وسائل تمنع ازدياد الأرق واشتداده. ويلي هؤلاء جماعة هم أشد عناداً وإصراراً وإرهاقاً من بقية الشاكي الأرق، لأن أرقهم لا وجود له إلا في أذهانهم وهؤلاء لا وسيلة للطبيب معهم إلا أن يداويهم بأذهانهم نفسها، وذلك بأن يجعلهم يعتقدون أنهم ليسوا مصابين بالأرق. وهذا الضرب من العلاج يدخل في حدود علاج الوهم. هذا وتصور إنك في ليلة صاحية أضحيانة وقد اضطجعت في فراشك وأسندت رأسك إلى وسادتك واستقبلت طائف النوم. ثم مكثت كذلك بضعة دقائق، ثم أوفت الدقائق على نصف الساعة، تنتظر وفادة النوم ولم يفد. إذن فماذا أنت صانع؟ لقد دلت طبيعة الأرق على أن الوقت المناسب الواجب لمعالجة الأرق وتلافيه ينبغي أن يكون قبل حدوثه لأن الأرق ليس إلا نتيجة اضطرابات ومتاعب وأسباب حدثت قبله بساعات بل بأيام - وفي هذه الحال لا يفيدك أن تعد جدول الضرب أو تحسب على

стр. 1733

أصابعك عدد ما في كيسك من النقود أو ما في مكتبتك من الكتب أو تقوم إلى أدوات الزينة فتصلح من شعرك أو تشرب قدحاً من الماء وإنما يجب عليك أن تلتمس الأسباب التي أرقتك وأسهدت جفنيك إما في كثرة العمل أو قلة الرياضة واللهو أو في فساد هواء الحجرة أو في خلو المعدة من الطعام، فإذا وجدته في شيء من ذلك فاعمل على إصلاحه وتلافيه من غدك، وأما في الحالة الراهنة فتحمل عقوبة إفراطك أو تفريطك بسكون الفيلسوف، واثقاً من أن الأرق لن يحدث لك ضرراً. فإذا لم تجد سر الأرق في هذه فالتمسه في الأشياء التي حولك، وانظر إذا كان فراشك موضوعاً في موضع غير صالح، كأن يكون في زاوية من الحجرة بعيدة عن مجرى الهواء محتبسة عن التنفس، كما هي الحال في وضع السرر في المنازل، وفي هذه الحال يجب أن تضطجع بحيث تستقبل بوجهك النافذة حتى تحس علائل الهواء تجري فوق جبينك الملتهب، ولا تخف فلن يصيبك برد من ذلك أو رطوبة. والكثيرون منا لا يعنون العناية الواجبة بالوسائد والمضاجع وفراش السرور وإن كنا نصرف في مضاجعنا ثلث يومنا، وكم من وجع وألم مستطيلين يحدثهما الاضطجاع فوق فراش خشن صلب غير ممهد، ولذلك كان خليقاً بك أن تتحرى مضاجعك وتتناولها بالإصلاح والتنجيد والتوثير كل سنة وتغيرها كل خمس فإن إغفال وثارة المضاجع ولينها يفسدان على كثير النوم ويحدثان الأرق. ويلي ذلك في الأهمية الاحتفاظ بتوازن مجرى الدم بين طرفي الجسم، وطرفا جسمك هما رأسك وقدماك، وكأن بين الرأس وبين القدمين ضرباً من المنافسة والمزاحمة لأن كلاً منهما يحاول أن يجتذب إليه جزءاً من الدم أكثر من الآخر فإذا كانت قدماك باردتين فأنت واجد رأسك في الأكثر ملتهباً حاراً والعكس بالعكس ولا يحدث الاضطراب في هذا التوازن إلا من الرأس غالباً ولاسيما عقب الاشتغال أو القراءة أو التفكير في مسألة معضلة، فإذا أويت إلى مضجعك لم تلبث أن تجد أن رأسك قد اجتذب إلى أوعيته كثيراً من الدورة الدموية ولم يترك القدمين فقط باردتين بل اليدين كذلك والجلد وكثيراً من أطراف البدن وأجزائه، وقد يحدث غالباً أن تكون القدمان قد اعتمدتا على بلاط الحجرة أو كانتا حافيتين أو في جوربين خفيفين وإذ ذاك ينسحب الدم إلى أوعية المخ فيلتهب الذهن وتشتد حرارته، وهنا يجب

стр. 1734

تدفئة القدمين بأية الوسائل الممكنة حتى ينزل الدم من الدماغ ويعود إلى القدمين. ومن أكبر الأسباب المجلبة للأرق خلو المعدة من الطعام ونحن قد حذرنا كثيراً من أن ننام ونحن ممتلئون بالطعام، مخافة أن يعتور نومنا الأحلام المخيفة والأشباح المرعبة والرؤيا المفزعة. ولكن خلو المعدة كذلك يحدث اضطراباً في النوم يفضي إلى الأرق ولهذا ينبغي أن تدرأ عنك عواقب الطرفين. الامتلاء بالطعام والخلو منه. وحركة الهضم تنتظم في خلال النوم على شريطة أن تكون كمية الطعام التي تناولتها صغيرة حتى تتمكن المعدة من هضمها، وإن يمكث الإنسان ساعتين متيقظاً قبل أن يأوي إلى مضجعه إذا كان المقدار كبيراً. حتى يتيسر للمعدة أن تأخذ من الدم ما يكفيها، وحتى يسير الهضم بانتظام قبل الاضطجاع. والسبب الوحيد للامتناع عن الرقاد عقب الطعام أن الرقاد يجعل المعدة الممتلئة تضغط على الرئتين والقلب فتعطل عمل التنفس وحركة الدورة الدموية. وكثرة العمل - ولاسيما الذهني منه - وما يكون ضيق المضطرب مترادف الوتيرة يجلب الأرق لأن سموم التعب السارية في الدم تقتل النوم كما يقتل السم الحقيقي، وشغل الساعات الطوال يحدث الأرق، لأنه يجهد ناحية واحدة من المخ أو نواحي واحدة من البدن، والملاذ العمومية كالمراقص والتمثيل وحفلات الغناء والملهى من أبدع المنومات، لأنها ترقد الناحية المتعبة من الذهن وتشبع الناحية الجائعة ومن ثم ينبغي لك أن لا تجعل عملك يحول بينك وبين ملهاتك الصالحة الطاهرة، لأن الدأب على العمل والسكون له والانقطاع عن الرياضة تؤدي إلى الأرق وتطرد النعاس ليلاً أو نهاراً، ومن هنا اندفع كثيرون من أصحاب الأعمال الكبيرة الشاقة إلى اتخاذ العقاقير المنومة وآخرون إلى الإدمان على الشراب ومعاقرة الكأس. والناس اليوم يتشددون في التساؤل عن مقدار الساعات الكافية ولكن لا يجدي التساؤل عن المقدار لأنه لا يقاس إلا بنتائجه فالسواد الأعظم من الناس يجدون الراحة في نوم ثماني ساعات، ولكن كثيرين من كبار الرجال والمفكرين والعلماء يكتفون بساعات قلائل من النوم فإن توماس أديسون أكبر شيوخ العلم في هذا العصر يصرح بأنه لا ينام أكثر من أربع ساعات، ولكن الحقيقة التي لا ريب فيها هو أن الإنسان لا يستطيع أن يعرف بالضبط

стр. 1735

الوقت الحقيقي الذي نام فيه وأخذ النعاس عينيه، فقد ذكر كثيرون ممن يشتغلون تحت أديسون أنه كثيراً ما يكون في ذهول ذهني شديد مغمض الجفنين مُهوماً مما يدل على أنه في سِنة. وأما العقاقير التي يستعان بها على قتل الأرق فيجب أن يحكم عليها بالإعدام لأنها أقتل للبدن من الأرق ومتاعبه وآلامه.

стр. 1736

قطعة من كتاب رسائل الحب تأليف الكاتب الأديب عبد الرحمن شكري (مقدمة) إن العواطف لا الآراء هي القوة المحركة في الحياة ومن أجل ذلك ينبغي أن لا يكون أدب اللغة ألفاظاً ميتة بل ينبغي أن يكون كالكهرباء يسري في النفوس فيزيدها قوة. إن أدب الأمة في دور قوتها يظهر لك صفات القوة التي في عواطف نفوس أفرادها ولكن أدب الأمة في دور ضعفها ميتة وتصنع فاتر ومن أجل ذلك كنا أحوج الناس إلى أدب يزيل عن نفوسنا ما يعلوها من صدأ الدهور ويقوي عواطفها. هذا الذي دعاني إلى تأليف كتاب رسائل الحب وشرح عاطفته. (رسائل الحب) لقد رأيتك أمس أول رؤية فصرت أعتقد أن المعجز غير مستحيل الوجود لأني ما كنت أعتقد وجود مثل جمالك ولا مثل ما أحس به من الحب، لقد كان لي عينان فصار لي بعد رؤيتك ألف عين وكان لي قلب فصار لي ألف قلب وكان لي سمع فصار لي ألف سمع. إن أسمع نبضات قلبي وكنت لا أكاد أحسها قبل رؤيتك وصرت أحس الدم يتدفق في عروقي وأسمع له خريراً وصرت أجد في الهواء الذي أنشقه حرارة الحب، آه أنت جميل مثل النجوم الزاهرة والأزهار الناظرة أنت جميل مثل ضوء القمر على صفحة الماء جميل مثل الفجر جميل مثل الشمس جميل مثل النسيم جميل مثل الغدير بل أنت أجمل من هذه الأشياء لأنك جمعت في شخصك جمال الشمس والقمر والماء والفجر والنهار فأنت عنوان جمال الطبيعة وآيتها الكبرى وما يدريك لعل هذه الكواكب المضيئة إنما تضيء كي ترى فيها لمحة من جمالك وهذه الأزهار إنما تنضر كي تعرف فيها طرفة من حسنك وهذا النسيم إنما يرق كي ترى فيه شيئاً من رقتك وهذه الطبيعة إنما خلقت كي تكون مرآتك. إني أحبك في كل دقيقة من حياتي وفي كل نبضة من نبضات قلبي وفي كل نظرة من نظراتي وفي كل كلمة من كلماتي وفي كل حركة من حركاتي، أنا تمثال حبك تقرأ فيه آية الحب والولاء والشقاء واللذة والألم. أنت كالزهر جميل وأخشى أن تقتلك لفحة من لفحا حبي فإن حبي مثل ريح السوء التي

стр. 1737

تذبل الأزهار وتذهب بنضارتها، لا تخف يا حبيبي فإن أستزيد بهذا القول من رحمتك وإشفاقك وأضحك فإن الحياة نكتة باردة غثة قبيحة جميلة يضحك المرء من برودتها وغثاثتها، اضحك فإن في ضحكك ألحاناً وأنغاماً، إني أسمع في كل ضحكك نغمة تهتز لها أوتار القلب فأسمع فيه تغريد العصافير وأنغام العود والمزمار وغيرها من آلات الطرب، إني أتمنى أن أنشئ من أنغام ضحكك أنغاماً تفوق أنغام بيتهوفن وفردي ووجنر. لقد كنت أستمد وحي الشعر من الهواء والماء والضياء وغير ذلك من مظاهر الطبيعة ولكني صرت أستمده من حبيك الذي صار لي بمكان الهواء والماء والضياء فهو الهواء الذي أنشقه والماء الذي أروى به ظمأي والضياء الذي يملأ عيني، إن حبك هو عندي حجر الفيلسوف الذي ما مس معدناً خسيساً إلا جعله نفيساً وكذلك حبك ما مس نفساً خسيسة إلا جعلها نبيلة، إن حبك ليريق ضياءه على ظلمات عيشي وظلمات نفسي كما يريق القمر ضوءه على الماء فيضيء ذلك النور أمواج العواطف التي تتضارب في صدري، إن حبك يسري فيّ مسرى الكهرباء في الأجسام، إن حبك هو العين التي أبصر بها واليد التي أبطش بها والسلاح الذي أصول به والعزيمة التي أناهض بها الأمور، آه ما أتعس الحياة لولا الجنون جنون اللذة والألم جنون الحب والبغض جنون العواطف والمطامع جنون الأمل واليأس والثبات والجبن والجود والبخل، يا حبيبي أنت سبب من أسباب الجنهون، إن الله لم يخلقك عبثاً، إن الله خلقك كي يزين بك الحياة ويجعلك سبباً من الأسباب التي تثير العواطف وتستفز المطامع وتبعث الجنون وتوحي بالشعر، إن حبك قد علمني الرحمة ولكنه علمني أيضاً القسوة وقد علمني الشجاعة ولكنه علمني الجبن وعلمني الأمل ولكنه أيضاً قد علمني اليأس وقد بلغ بي جنون اللذة ولكنه بلغ بي جنون الألم، إنك لا يمكنك أن تعرف مقدار جمالك لأن ذهنك لا يقدر أن يحيط به كما أن البصر لا يمكنه أن يرى من أول الفضاء إلى آخره، إنك لو عرفت مقدار جمالك لأصابك الجنون وسكرت منه وقمت ترقص سكراً وجنوناً، أنت جمعت في شخصك بين جمال السماء والأرض وجمال الجنة والنار وجمال الحياة والموت وجمال الخير والشر وجمال الصحة والسقم وجمال الصباح والمساء وجمال الليل والنهار، أنت جمعت في شخصك بين جمال الملائكة وجمال الأبالسة بين الجمال الإلهي المقدس والجمال الذي يحرك الشهوات، أنت جمعت في شخصك بين

стр. 1738

جمال الأطفال والفتيان والفتيات والرجال والنساء، أنت جمعت في شخصك بين جمال البرق في السحاب وجمال المصباح بين الأشجار وجمال النجم في السماء وجمال الحريق الهائل والشرارة الصغيرة وجمال الفكر وجمال العاطفة وجمال التقوى والورع وجمال الخالعة، أنت جمعت في شخصك جمال الأشكال كلها والمطاعم اللذيذة والأشربة الحلوة المسكرة وجمال الفواكه وجمال الأزهار وجمال الأشعار والآداب وجمال سائر الفنون الجميلة، أنت جمعت في شخصك طرفة من كل شيء جميل، سمعته أو قرأته أو رأيته أو فكرت فيه أو هفا إليه قلبي ونبضت له أوتاره فأنت تارة مثل الربيع عليل النسيم كثير التغريد وتارة مثل الصيف المكسال ذوي اللفحات والحر الذي يغلي له الدم في العروق، ومن أجل ذلك أشعر بحبك كما أشعر بالصيف، وتارة أنت مثل الخريف الكثير الثمار، ولكنك أحياناً كالشتاء البارد القلب من عواطف الحنان والرحمة والحب، أنت كالسراب فالسراب جميل مثلك مطمع مثلك ولكنه مثلك يغر ويخدع. سأوحي إلى البلابل بأشعاري وأرسل الطيور المغردة إلى نافذة غرفتك في الليالي المقمرة التي تروق فيها الأحلام فتمتزج في روحك أحلام الصيف التي تراها في نومك أو يقظتك بأشعاري التي هي مثل أحلام الصيف وأناشيد البلابل التي هي مثل أشعاري وأشعة القمر الفضية التي تشبه أناشيد البلابل ولكن خيراً من ذلك كله سحر جمالك الذي هو أجل من أشعار الغزل والنسيب وأحلام الصيف وأناشيد البلابل وأشعة القمر الفضية فاذكرني في أحلامك فإني ليس لي نصيب من يقظاتك وأرسل إلي في تلك الأحلام شعاعة من أشعة نور وجهك كي تضيء ظلمات نفسي وظلمات عيشي وإذا قرأت في شعري شيئاً يسرك فاعلم أنه مستمد من جمالك وإذا رأيت فيه ما لا يسرك فاعلم أنه من نظم تلك الساعات من عمري التي لم تضئها شعاعة من أشعة نور وجهك فإن نفسي في تلك الساعات كظلمات فوقها ظلمات تجري في سمائها السحب التي تحمل الويل والدمار ومن تحتها لج متلاطم كله أشلاء ورمم وبين السحب واللج رياح هوج تعوي عواء الثكلى المجنونة وأكثر حياتي مثل هذه العاصفة لولا ما يضيؤها أحياناً من أشعة نور وجهك ما يتاح لها أحياناً من السكينة الكاذبة الخادعة التي هي أشبه الأشياء بالسكون والكاذب الذي يأتي قبل العاصفة وينذر بها.

стр. 1739

انظر إلى النجوم فإني أنظر إليها عسى أن تلتقي روحاناً هناك في لحظة من تلك اللحظات البطيئة التي نرسلها إليها، إني أحب النجوم وأحب الليل وسكونه وجلاله، إني أحب أن أقف وحدي أنا والليل فأحس كأن الليل مخلوق حزين كبير الروح واسعها عظيم القلب وإنما سكون الليل وإطراقه إطراق المفكر الذي ينظر في الكون وأحواله وما يعتوره من التغيير، أيتها النجوم أما بعتورك حزن أو ملال، يا عيون الليل أما آن لليل أن يفيق من حزنه وتفكيره وإطراقه، أيتها العيون النعسانة أنت تطلين من سمائك علينا فتقع لحظاتك على ما نعانيه من الآلام والجرائم والمصائب، أيتها العيون أبريقك بريق القسوة والغلظة أم بريق الحزن والرحمة وأنت ماذا يهمك يا حبيبي من بريق النجوم وسواد الليل أنت أخو الفجر الباسم والعصافير المغردة والضياء والأزهار فانتهز فرصة جمالك وامرح فإن الدنيا جميلة بك ولا تفكر في جمال الحياة فإن من كان يضيء لنا الحياة بجماله خليق أن تكون الحياة في عينه جميلة.

стр. 1740

جبريل داننزيو مثير إيطاليا إلى الحرب مع الحلفاء من أكبر العوامل التي بعثت إيطاليا على الخروج من شملة السلم وارتداء لباس الحرب - بعد أن لبثت أشهر لا تدري ماذا يراد بها ولا ماذا تريد - قول شاعر، والشعراء لا يزالون يحفظون عظمة الماضي في هذا العصر العملي الغريب، يثيرون الشعب بالقصيد ويوقدون سعير الحرب بالقصيد، لأنهم سادة القلوب، وسلاطين العواطف، والعواطف البشرية نزاعة وثابة خوارة، وإذا كان ذلك هكذا فليس إذن من الغرابة أن يكون السنيور جبريل داننزيو، شاعر الطليان في هذا العصر، هو الذي دفع الجنود إلى البنود، وأقام إيطاليا وأقعدها، وأرسل نبض المملكة في أشد خفقانه وضربانه، وذلك لأنه مولع بفرنسا ومدنيتها ورقتها، ومن أكبر المدافعين المتحمسين للمدنية اللاتينية، إذ قال بعد أن ظفر بتحريك إيطاليا إلى الحرب. . لقد دق ناقوس الحرب. . . وصيحات الجماهير تصيح في فضاء السموات الحلوة الجميلة. . إني الآن أكاد أجن من الفرح. إن معجزة النهضة اللاتينية ستعاد. الآن سيشهد العالم معجزة إيطالية. والشاعر داننزيو اليوم في الثانية والخمسين، وقد ولد في بصقرة في شمال إيطاليا، وهو ابن دوقة، وربيب النعمة والترف والرقة والأبهة، وقضى عهد طفوليته يمرح في الحقول يمرح في الحقول والمراعي والمزارع والأمكنة العراء، ولعل هذا هو الذي أحدث شاعريته، فلما كان في السادسة عشر دفع إلى الجامعة في ولاية تسكانيا، ولم تمض سنة حتى نشر ديوان أشعاره الأولى، وسماه الشعر الجديد، وكان يحتوي عدة مترجمات من الأدب اللاتيني القديم. وكان أسلوبه فيها على الرغم من حداثة سنه طيباً رائقاً، حتى أن أحد كبار كتاب ذلك العهد نشر عنه مقالاً مستفيضاً في الصحف. وذهب داننزيو بعد ذلك إلى رومة وبدأ ينشر قصائده ورواياته وكان أسلوبه الخفيف الروح، والعاطفة الشهوية الحيوانية المتجلية في شعره قد بدآ يدهشان نقادي الشاعر ومقرظيه، وقد أعرض عنه أولئك الذين قد التفوا حوله بادئ بدء واستمعوا لأغنياته، ذاهبين إلى أن شعره يحمل أكبر مفسدة لآداب العصر، ولكن الشهويين أخذوا يمجدونه ويحيونه ويصفقون له ويحيون فيه الشاعر الجديد الذي جاء يرسل روحاً جديدة في الآداب.

стр. 1741

ودخل بعد في الصحف فاشتغل في جريدة التريبونا الإيطالية فكان عهده فيها أكبر العهود، ولئن كان شعر في دانونزيو محبوباً اليوم من هذا الجيل مقدساً من أهل العصر، لأنه يمجد اللذة والشهوة ويتغنى بهما، إلا أن دانونزيو قد ظفر بأكثر مما يستحق، وأما رواياته فتدور حول النفسيات وهو قد استمد أبحاثه النفسية من الكتاب البسيكولوجيين من الفرنسيين والروس والاسكندناويين والألمان، وقوة الابتكار في تواليفه كبيرة فياضة، ولكنها لا تستمد نفسها إلا من المعلومات الشخصية ولذلك فهي ضيقة الحدود. والشاعر يميل إلى فرنسا ويتعشقها، لأن كل شاعر يميل إلى فرنسا ويعبدها، ودانونزيو، ومعناها في الإيطالية الرسول يعيش في إيطاليا كأمير، ويحب اللذائذ والمناعم، ولا يشتغل إلا ليلاً، ومن عادته أن يتعشى في الساعة السابعة عشاء فاخراً منوعاً غالياً، فإذا جاءت الثامنة جلس إلى مكتبه منزوياً إلى تأليفه، وهو من أشد الكتاب سرعة في الكتابة واستفاضة، فلا يترك مكتبه حتى التاسعة صبحاً من الغداة فإذا تناول القهوة واستحم أوى إلى مضجعه فلا يصحو حتى الأصيل، ولا يكتب إلا إذا ارتدى في شملة مزركشة بالذهب، وقد جمع بيته بين القصر والمتحف معاً.

стр. 1742

السينما توغراف في الفاتيكان البابا لم يشهد الصور المتحركة إلا في سنة ١٩١٤ لقد عدوها إحدى الغرائب يوم صرح أحد علمائنا بأن التصوير محرم ممنوع شرعاً ولكن أغرب من ذلك أن البابا - الرئيس الديني للمسيحية كلها - لم يكن شهد السينما توغراف حتى العام الفائت، وكان هذا اللهو العلمي البريء قد لحقه شيء من سخط رجال الدين ككل المسائل التي استحقت سخط ساكن الفاتيكان. . ولهذه الحيلة التي دخلت بها آلة الصور المتحركة هذا القصر الديني الحرام قصة لذيذة نرويها عن أحد الأمريكيين كان قد أنفذ من ناحية إحدى الشركات الكبرى للحصول على عدة صور للبابا أجمعت على إبرازها فوق لوحة السينماتوغراف. ذلك أنه في فبراير سنة ١٩١٣ أنفذ جيمس سلفن من قبل بعض الشركات الأميركية إلى مدينة رومة مزوداً بأموال طائلة وتوصيات عديدة من أساطين رجال السياسة والدين في أميركا، وكان سلفن هذا يعرف عن البابا كراهية شديدة لدور التمثيل وما يتصل بها وإن كثيرين حاولوا أن يظفروا بصورته فخابوا، فلما نزل هذا الرجل رومة وجد أنه يستحيل عليه أن يظفر بطلبته أو بعضها من قصر الفاتيكان إلا إذا حذق اللسان الطلياني، لأن العقبة الكؤود الوحيدة التي كانت تقوم في وجهه هي إفهام البابا أن الصور المتحركة طاهرة بريئة وأنها خليقة بأن لا تنال منه هذه القسوة الدينية المؤلمة، فتوفر على تعلم الطليانية حتى أتقنها، وهنا قامت في وجهه عقبة أخرى وهي كيف يتوصل إلى البابا في حين أن الدخول على ملوك أوروبا كلهم أسهل من اقتحام باب واحد من أبواب الفاتيكان، ففكر في استئذان وزير خارجية الفاتيكان في أن يعرض بعض المناظر الطبيعية والتاريخية أمام البابا ولكي يحصل على مشاهد طبية تستحق عناية البابا ذهب إلى مدينة فينسيا - البندقية - وكانت مسقط رأس البابا فأخذ مشاهد كثيرة من صفوة مشاهدها ثم سافر إلى مالطة فأخذ صورة مجمع كاثوليكي كان منعقداً هناك ثم انحدر إلى بلاد الانجليز فأخذ صورة الملك جورج ثم عاد آخر الرحلة إلى رومة فطلب إلى الكاردينال القائم بمنصب وزارة الخارجية الباباوية أن يقدمه إلى حضرة الرئيس الديني الأكبر لكي يعرض أمامه بعض المناظر الشائقة وكان

стр. 1743

هذا الوزير الكردينال رجلاً متعلماً على شيء من توقد الذهن وحدة الخاطر فسأله أن يعرضها أمامه هو أولاً وكذلك فعل الأميركاني واستطاع أن يظفر بثقة الوزير الأول لخليفة المسيح في الأرض! وصادق البابا أخيراً على الطلب وكان يوم ١١ يونيو من العام المنصرم يوماً مشهوداً في رومة البلد الخالد، واهتزت لهذا الحادث التاريخي العظيم كل دوائر السياسة والعلم وطلب كل عظيم أن يشهد الحفلة التي فيها سيقف الزعيم الديني على إحدى غرائب العلم، ولكن البابا لم يشأ أن يأذن لأحد أياً كان بأن يطأ الفاتيكان وقرر أن تكون الحفلة الأولى مقصورة على موظفي بلاطه الكبير وأن لا يشهدها من النساء إلا أختاه الراهبتان وابنة أخيه ليس غير. وبدأت الحفلة. . فتقدم سلفن الأميركي وركع فقبل أطراف ثوب البابا ثم بدأ يخطب وقد أظهر كل عواطف الرجل المتدين فقال إن أعظم منحة يمكن أن تعطي الكاثولكيين في العالم أن يشهدوا صورة زعيمهم المقدس الأكبر وتكون هذه المنحة أكبر تعزية لهم عن آلام الحياة وقسوتها ثم أفاض في هذا المعنى، وابتسم البابا لهذا المديح ابتسامة واهنة وأمر أن تعرض الصور. فلما عرضت أمامه صورة البلد الذي ولد فيه صفق بيديه طروباً أشد الطرب وهو يصيح - مرحى. . . مرحى. . . إنها لإحدى الغرائب. . . إنها لمناظر متقنة كما لو كنا نشهدها من نوافذ بيوتنا. وظل صاحب الصور يعرضها عليه صورة صورة حتى أدهش الحضور وختم الصور بأن عرض صور إمبراطور الألمان وملك الانكليز وبعض كبار رجال الغرب. وعاد الرجل بعد هذا الفصل إلى خطبته فقال أن ثلثمائة مليون من الكاثوليك ينتظرون أن يروا عظيمهم وقائدهم وكيف يعيش وظل يتكلم مدة طويلة في حرارة وإخلاص وقد استطاع أن يخفي نيته التجارية وراء برقع الكثلكة والعقيدة الدينية. وانصرف البابا صامتاً. . . وانقضت أشهر طويلة ولا جواب. . وسئم الذين في أمريكا غياب رسولهم فطلبوه، ومن ثم سافر وقد خاب الخيبة كلها، ولكنه استطاع أن يقنع الأميركيين بوجوب الانتظار والثبات،

стр. 1744

وألف شركة بلغ رأس مالها ألوفاً من الجنيهات ورجع إلى العاصمة الدينية الكبرى، فظل ينتقل بين الأندية السياسية الخطيرة ويتعرف إلى رجال الكنيسة، فلما ذاع في أوربا أن شركة أميركية تحاول أن تحتكر صور البابا فوق لوحة السينماتوغراف، أوفدت شركات كثيرة رسلاً لها ومبعوثين لهذا الغرض وكذلك صعبت الوسائل في الحصول على رسوم البابا، وخابت الشركات كلها وأخيراً خطر للأميركي أن يهدي مجموعة ثمينة من المناظر والآلات السينماتوغرافية، ليستطيع رجال الفاتيكان أن يتمتعوا بشيء من اللهو داخل قصرهم، وبهذه الهدية استطاع الرجل أن يظفر بصور البابا وأن يقدم إلى العالم للمرة الأولى في سنة ١٩١٤ عدة مناظر لرب الفاتيكان واستطاعت الشركة أن تربح ملايين الجنيهات!!!

стр. 1745

مختارات قال الصحفي الوزير الأندلسي يصف الخمر صفراء تطرق في الزجاج فإن سرت ... في الجسم دبت مثل صل لاذع خفيت على شرابها فكأنهم ... يجدون ريا من إناء فارغ وقال صُرّدُر يصف جارية سوداء علقتها سوداء مصقولة ... سواد قلبي صفة فيها ما انكسف البدر على تمه ... ونوره إلا ليحكيها وقال ابن قلاقس السكندري في سوداء أيضاً رب سوداء وهي بيضاء معنى ... نافس المسك عندها الكافور مثل حب العيون يحسه النا ... س سواداً وإنما هو نور وللمأسوف عليه أمام المعبد وسوداء كالليل البهيم عشقتها ... لأجمع بين الحظ واللون في عيني إذا ضمنا ليل تبسم ثغرها ... فلولا سناه بت في جنح ليلين وقال القاضي الفاضل من كلمة له في قلعة نثر وهي عقاب في عقاب، ونجم في سحاب، وهامة، لها الغمامة عمامة، وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة. وقال ناصح الدين الأرجاني شاور سواك إذا نابتك نائبة ... يوماوان كنت من أهل المروآت فالعين تنظر ما منها دنا ونأى ... ولا ترى نفسها إلا بمرآة وقال بعضهم يقصد أهل الفضل دون الورى ... مصائب الدنيا وآفاتها كالطير لا يحبس من بينها ... إلا التي تطرب أصواتها وقال أبو الفتح البستي وقد يلبس المرء خز الثياب ... ومن دونها حالة مضنيه كمن يكتسي خده حمرة ... وعلتها ورم في الريه وقال ابن الرومي

стр. 1746

رأيت الدهر يرفع كل وغد ... ويخفض كل ذي شيم شريفه كمثل البحر يغرق فيه حيي ... ولا تنفك تطفو فيه جيفه وقال لولا علاج الناس أخلاقهم ... إذا لفاح الحمأ اللازب وقال التهامي قالت أسود عارضاك بشعر ... وبه تقبح الوجوه الحسان قلت أشعلت في فؤادي ناراً ... فعلى وجنتي منها دخان وقال وإذا جفاك الدهر وهو أبو الورى ... طرا فلا تعتب على أولاده وقال أبو نواس ألا كل حيي هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق وقال أعرابي يصف الليل والنهار نثر الليل والنهار، فرسان يركضان بالبشر إلى انقضاء الأعمار.

стр. 1747

مطبوعات جديدة الخريطة التاريخية للممالك الإسلامية والفتوحات العربية كنا نقرأ في الكتب وفيما انتهى إلينا من آثار الغرب أن اللور هولدين وزير الحربية الانكليزية نقل تآليف الفيلسوف شوبنهور الألماني إلى اللغة الانكليزية فيبهرنا هذا الأمر ويتركنا حائرين نتلدد لا ندري من أي عنصر كريم خلق هؤلاء الناس ومن أي طينة خلقنا نحن حتى نرى رجالات الحرب فيهم يُعنَوْن بالنقل والتأليف وليس بشاغلهم عن ذلك مدفع ولا سيف، ثم ننظر فنرى الرجل منا يكون منهوماً بالعلم معروفاً بأنه في طليعة أهل الفضل حتى إذا ما انتظم في سلك الحكومة طلق العلم وجعل حبله على غاربه فكأن المنْصب في الحكومة ابنة الكرم لا يزدردها المؤمن حتى يطير طائر الإيمان من قلبه، وكأن الحكومي منا يرى قرارات الحكومة ومنشوراتها هي آخر ما وصل إليه العلم والأدب على أن أداة اليبريتر قد تغنى عنه في ذلك الغناء كله وكل أولئك اللورد هولدين وكلنا والأسف ملء قلوبنا ذلك الرجل! اللهم إلا أفراداً منا معدودين هم في الحقيقة من النوابغ الذين لو ظهروا في بيئة من تلك البيئات لعدوا من نوابغ العالم وأبطال الدنيا وإلا لما استطاعوا أن يخالفوا سنة القوم، وفي طليعة هؤلاء فتحي زغلول وقاسم أمين ومحمد عبده وأمين واصف بك مفتش وزارة الأوقاف اليوم ومدير الجيزة بالأمس، فقد رأينا من هذا الرجل الحكومي نابغة يواصل ليله بنهاره في وضع الكتب الأخلاقية والاجتماعية وفي التوفر على كل ما هو بسبيل من العلم والأدب على أنه من رجال الحكومة المعروفين بالحذق والمهارة وحسن الإدارة، ولكن نفسه الثائرة الطموح تأبى عليه إلا أن يكون قوة في هذه الدنيا مفكرة عاملة تترك وراءها آثاراً خالدة، فقد أهدى إلينا أخيراً خريطة تاريخية كبيرة صور فيها الممالك الإسلامية والفتوحات العربية فسد بذلك ثلمة في العربية كان تركها من أكبر العار علينا. ولعل القراء يعرفون أنه وضع بالأمس كتاباً نافعاً جليلاً قررته وزارة المعارف على طلابها وكذلك سيرى العالم العربي من نابغتنا المصري ما يكون من رجل العقل كبير الزوج لا يهدأ أو يملأ الدنيا ذكراً ومجداً وخلوداً - أما ثمن هذا المصر التاريخي فهو. وهو يطلب من إدارة هذه المجلة. ديوان شكري

стр. 1748

أهدى إلينا صديقنا الكاتب الشاعر الأستاذ عبد الرحمن أفندي شكري الجزء الثالث من ديوان شعره، أما الأستاذ فهو كما نعتقد من أدبائنا الأفذاذ الذين لا يكادون يبلغون أصابع اليدين عدا غير أنا نأخذ عليه بعض المعاني الغريبة التي ينبو عنها الذوق العربي وينكرها الإنكار كله وإن كانت ليست محالاً وكان لها متأوَّل نبيل، وذلك مثل تشبيهه النهدين بالجبلين وجعله صنماً للحب وقوله يخاطب حبيبه في رسائل الحب التي نشرنا منها قطعة في هذا العدد وفيك جمال الأبالسة إلى أشباه من ذلك على أنه كفى المرء نُبلاً أن تعد معايبه. والديوان يطلب من إدارة هذه المجلة. تقويم مسعود ظهر تقويم الكاتب الفاضل المشهور محمد أفندي مسعود لهذا العام الهجري وقد تصفحنا تقويم اليوم فأصبناه مفعماً بالموضوعات المتنوعة الممتعة المفيدة كسائر التقاويم الماضية، والحق يقال أن تقويم مسعود هو موسوعات عربية ودائرة معارف كبيرة على صغر حجمه. فنحث كل قارئ على اقتناء هذا التقويم النافع الذي قلما يتيسر لإنسان أن يظفر بما فيه من الفوائد الأدبية والتاريخية والفلكية والصناعية وما إلى ذلك في كتاب أو خمسة أو عشرة. ومع هذا كله ومع أنه يقع في ٤٠٠ صفحة فإن ثمنه ٥ صاغ وهو يطلب من إدارة البيان ومن سائر المكاتب. الإسعاف الطبي وأهدى إلينا كذلك الدكتور الفاضل عثمان لبيب عبده كتيباً أسماه الإسعاف الطبي - وموضوع الكتاب يدل عليه عنوانه وهد كتيب لابد منه في كل بيت ولذلك نحث كل إنسان وكل إنسانة على اقتنائه وثمنه خمسة قروش وهو يطلب من إدارة البيان.

стр. 1749

العدد ٢٩ - بتاريخ: ٥ - ١ - ١٩١٧

стр. 1750

مذكرات بكويك لأكبر الروائيين شارل دكنز اشتهر دكنز بتفوقه على سائر الروائيين في باب الفكاهة والمراد بهذه اللفظة هنا المضحك فليس من رواية له إلا وتتخللها المضحكات كالبستان تشقه الجداول والأنهار على أن أثري. ولذته من الفكاهة هو الكتاب المسمى مذكرات بكويك فهذا بلا خلاف أضحك كتاب في الإنكليزية وحسبه أنه في باب المضحكات هو ثاني دون كيثوت الإسبانيولي - أضحك كتاب أخرج إلى الناس منذ بدء تاريخ البشر إلى وقتنا هذا. وأبطال الكتاب الإنكليزي خمسة أسماءهم منزلة الخادم صموئيل ولر (مختصر سام ولر) والثاني هو سيده المستر صموئيل بكويك رئيس نادي بكويك. ثم الأعضاء الثلاثة ناثانيل ونكل تراسيي تبمان وأغسطس سنودجراس وأساس هذه القصة هو أن النادي المسمى باسم رئيسته نادي بكويك نظراً إلى ما قد عهده في الرئيس صموئيل بكويك من الفطنة الثاقبة والذكاء الحاد والخبرة التامة بأخلاق البشر والغيرة الشديدة على نصرة العلوم ورفع منارها ولما عرف في تلاميذه الثلاثة الآنفى الذكر من جليل المواهب والمزايا كطبيعة الشعر في المستر سنودجراس وعبارة الجنس اللطيف في المستر تيمان والفتوة والفروسية في المستر ونكل قد أسند إلى الرئيس الجليل وتلاميذه الفضلاء مهمة عظيمة الخطر وهي عمل سياحة طويلة في أنحاء إنكلترا لإستكشاف الخفى المجهول من آثار القدماء ومن طبائع النفس وغرائزها فيمن يصادفون أثناء هذه التجولات من مختلف صنوف الناس وشتى ضروبهم. وإرسال التقارير بذلك إلى إدارة النادي من حين إلى آخر. المدهش العجيب في ذلك هو أن أولئك الأربعة الذين عهد إليهم النادي بهذه المهمة الكبرى ووصفهم بهذه الصفات الجليلة النادرة هم أعجز خلق الله عن القيام بالمهمة المذكورة لحملهم من الصفات عكس ما نسبه إليهم النادي فالمستر بكويك الذي وصف بالفطنة الثاقبة والخبرة التامة بأخلاق البشر هو في الحقيقة أجهل الناس بأخلاق البشر لشدة غفلته الناشئة عن سلامة النية والسذاجة المتناهية والمستر سنودجراس الموصوف بالنزعة الشعرية هو رجل رقيق الشعور ولكنه أسخف من نظم قافية والمستر ونكل المنعوت بالفروسية والألعاب الرياضية رجل نحيف ضعيف ثقيل الحركة يصلح لكل شيء إلا لما ألصق به من تلك

стр. 1751

التهمة الكاذبة والمستر تيمان زير النساء هو في الحقيقة لا تتجاوز منزلته عند النساء منزلة زير قناوي تمر به الواحدة عطشى إلى الضحك حتى إذا أخذت منه نصيبها من المضحكات تركته أزهد الناس فيه. ولكن البطل الأول أعني الخادم سام ولر هو غير هؤلاء البتة. فهو وإن كان خادمهم لكنه في الحقيقة سيدهم. وذلك أنه أمرؤ لم تمنعه عاميته من أن يكون سريع الخاطر حاضر الجواب نادر الذكاء مزاحاً ثاقب المعرفة عظيم البصر واسع التجربة شديد الدهاء حتى لقد قال عنه جماعة النقاد أنه هو في الحقيقة صورة شارل دكنز نفسه لو كان أمياً. وقد صحت عزيمتنا على أن نتحف القراء بفصول عدة من هذه القصة العجيبة ولن نقيد أنفسنا بترتيب فصول الكتاب بل نختار من ههنا وههنا حسب ما نراه أوفق للقراء وبالله التوفيق (١) المستر بكويك في فراش إحدى السيدات نزل المستر بكويك في بعض جولاته بفندق من فنادق لندوة وكان من المباني القديمة الكثيرة الدهاليز والمتائه، الجمة السلالم والدرج. فبعد أن أقام ساعة في غرفة الجلوس العامة بأسفل النزل صعدت به الخادمة في عديد من السلالم والدهاليز مما يضل في متاهاته الجن إلى غرفة كانت أعدتها لنومه في الدور الأعلى من الفندق فأدخلته تلك الغرفة وتركته وعادت أدراجها. فلما بدأ بكويك ينزع ثيابه رأى أنه قد نسى ساعته بغرفة الجلوس ولم يشأ أن يزعج الخدم فعزم على أن يأخذ الشمعة وينزل وحده ليبحث عن ساعته. فخرج من الغرفة والشمعة في يده وهبط في السلام وكلما انتهى من سلم بدا له سلم وكلما سلك دهليزاً اعترضه دهليز. وما زال تتقاذفه الدهاليز وتتلقفه السلالم ويطل من ثقوب الأبواب حتى عثر أخيراً بطريق الصدفة على الغرفة المنشودة وهنالك وجد ساعته. وبدأ يصعد من حيث نزل. ولا غرو إذا قلنا أنه وجد المرتقى أصعب ألف مرة من المنحدر. لقد جعل عشرات المرات يلوى أكر الأبواب بمنتهى الرفق والخفة يحسب أنع عثر بباب غرفته فيصيح به من الداخل صوت أخشن أبح ماذا تريد! باسم أبليس من الطارق، فينقلب على مشطي قدميه مثلاً بأسرع ما لديه. ومازال ذلك شأنه حتى قطع الأمل من العثور على

стр. 1752

حجرته فإنه لكذلك إذ جذب بصره باب مفتوح فأطل فقال في نفسه. لقد اهتديت إلى الغرفة أخيراً. وذلك أنه وجد السرير بالموضع الذي يتذكر جيداً. ووجد الموقد لا يزال يتقد. فدخل وأغلق الباب وكانت شمعته لكثرة ملاعبتها للريح قد أشرفت على النفاذ ولكنه قال في نفسه لا بأس أن في ضوء النار ما يكفي ثم أنه رفع كلة السرير وجلس على كرسي أمامه وأقبل فصاحت المرأة صيحة مذعورة رجل! قال بكويك في نفسه قضى الأمر! وصاحت المرأة رجل غريب! قال بكويك في نفسه وابلواه! - صرخة أخرى وأجد أهل الفندق على الباب وأحس بكويك خشخشة ثياب المرأة وهي تهرع ناحية الباب قال بكويك وأخرج رأسه وهو في أسوأ حالات اليأس والجزع سيدتي! سيدتي! وقد كان لظهور رأس المستر بكويك خارج الأستار أحسن الأثر وذلك أن منظر هذا الرأس في قبعة النوم ذات الزر أزعج المرأة وهي في طريقها إلى الباب فأثبتها في منتصف الطريق كأنما قد سمرت في الأرض قدماها. فوقفت تنظر إلى هذا المنظر العجيب فاغرة فاها (فاتحة فمهاـ وهو شأن المندهش) المنظر العجيب (أعني المستر بكويك) ينظر كذلك إليها فاغر فاه وصاحت المرأة مغطية عينيها بيديها (أيها الشقي! ماذا يدههنا؟) قال بكويك بإخلاص وتضرع (لاشيء يا سيدتي لا شيء مطلقاً) قالت السيدة رافعة بصرها (لاشيء!) قال بكويك وهز رأسه بما ترك زر قبعته يدور في الهواء يرقص (لاشيء يا سيدتي وشرفي! إني ليكاد يغمى علي يا سيدتي وتكاد الأرض تخف بي من مضاضة مشافهتي سيدة نبيلة وأنا لابس قبعة النوم (هنا أسرعت السيدة إلى نزع قبعة النوم من فوق رأسها وكانت لابستها) ولكني لا أطيق نزعها (وهنا جذبها جذبة شديدة برهاناً على مقالته) الآن قد وضح لي يا سيدتي أني أخطأت غرفتي فدخلت غيرها. ولم تمر علي خمس دقائق ههنا يا سيدتي حتى حضرت أنت على بغتة قالت السيدة وقد خنقتها العبرة إذا كان هذا القول الذي لا يكاد يصدق هو في الواقع حقاً فأخرج من ههنا في الحال قال بكويك سأفعل بكل سرور يا سيدتي قالت السيدة في الحال

стр. 1753

قال بكويك بكل سكينة وتؤدة (بلا شك يا سيدتي بلا شك - ولكن اسمحي لي أن أبدي لك عظيم أسفي واستيائي يا سيدتي - وهنا ظهر خارج السرير - لما سببته لك عن غير قصد من هذا الرعب والأسى. لم تفه السيدة بشيء ولكنها أومأت بإصبعها نحو الباب في هذه الظروف الحرجة لم تخن المستر بريك مزاياه الجليلة من رقة الآداب ومعرفة واجبات التحية والتسليم فرغماً من أنه كان في هذه اللحظة يسير حافي القدمين حاملاً خفيه في يده مع الجوربين واضعاً كسوته وصديريته فوق كتفه كدلالي الثياب وباعة الخرق القديمة في الأسواق. جاعلاً قلنسوته فوق قبعة النوم على رأسه - نقول بالرغم من كل ذلك لم يكن شيء قط ليمنع المستر بكويك من تقديمه إلى السيدة واجب تحية الوداع بإحنائه رأسه بكل أدب واحترام وقوله بأرق لهجة وأرخم نغمة (اسمحي لي يا سيدتي أن أظهر عظيم أسفي واستيائي وجزيل شكري) فقاطعته السيدة قائلة (إن كان ذلك حقاً فاخرج في الحال يا سيدي) قال بكويك في الحال يا سيدتي في الحال ثم فتح الباب فسقط الخفان من يده على الأرض بصوت شديد فتناول الخفين وبعد خروجه من الباب التفت إلى السيدة فقال (أملي وطيد يا سيدتي في أن ما يؤثر عني في جميع أنحاء العالم المتأدب من العفة والنزاهة ومن إجلالي جنسكم اللطيف ومغالاتي بقدره سيشفع لي عندك ويقوم ببعض) ولكن السيدة لم تمله حتى يكمل خطبته بل قذفته في الدهليز وأغلقت الباب في وجهه يخلع نعليه وجوربيه على رسله ثم نضا ثوبه وصديريته ووشاحه ولبس قبعة النوم ذات الزر الطويل وربطها جيداً من تحت ذقنه بزناقها. وبعد ذلك أخذ يتذكر ما كان أصابه من الحيرة والإرتباك عند إضلاله غرفته وشرع يضحك من نفسه لنفسه ما أعجب ضلالي بين هاتيك السلالم والدهاليز التي كأنها أبدية لا مبدأ لها ولا نهاية. عجيب عجيب عجيب ثم عاد إلى الضحك وشرع ينضو بقية ثيابه وإذا بحادث فجائي أوقفه وسط عمله. وما أدراك ما هو؟ دخول إنسان من الباب يحمل في يده شمعة. وهذا الطارئ بعد إغلاق الباب سار إلى منضدة اللبس فوضع الشمعة عليها. فاختفت ابتسامة المستر بكويك تحت ما غشي وجهه إذ ذاك من سيما الإندهاش التام. لقد كان دخول هذا الطارئ بمنتهى المباغتة والخفية والخفة حتى أن المستر بكويك لم يجد

стр. 1754

أدنى فرصة للإستغاثة أو للمقاومة. من ترى هذا القادم؟ لص؟ شرير بصر به صاعداً وفي يده ساعة بديعة قيمة؟ ربما كان ذلك ماذا يصنع؟ رأى المستر بكويك أن أحسن طريقة لرؤية الطارق دون أن يراه الطارق هو اختفاؤه في السرير والنظر من خلال الستائر. ففعل ذلك وضم فرجة الكلة بأصابعه بحيث لم يظهر منه سوى وجهه وقبعته. ثم لبس نظارته واستجمع قواه وجعل ينظر. وهنا كاد يغمى عليه من الخوف والدهشة إذ أبصر أمام المنضدة سيدة نصفاً (متوسطة السن) تسرح ضفائرها وقد ظهر له من حركاتها أنها تنوي البقاء في الغرفة طول ليلتها لأنها وضعت الشمعة التي كانت معها في إناء خاص بذلك. قال بكويك في نفسه أعوذ بالله الرحمن الرحيم ما أهول ذلك وما أفظعه! هنا تنحت السيدة فاختفى وجه السيد وراء الستائر بسرعة البرق اللامح. وقال في نفسه ما رأيت أهول من هذا الموقف، وتحلب العرق البارد من جبينه. ما أخوف وما أهول!، لم يكن في طاقة بكويك أن يمنع نفسه من تأمل هذا المنظر فأخرج رأسه ثانياً فأبصر ما هو أفظع وأبشع. فرغت السيدة من تمشيط شعرها ولبست قبعة النوم وأقبلت تتأمل النار مطرقة تفكر. قال بكويك في نفسه الأمر يزداد بشاعة وهولاً ليس في وسعي أن أدع الأمر يستمر في مجراه هذا. يلوح لي منن ثبات هذه المرأة وهدوء بالها أني دخلت غرفتها بطريق الخطأ. فماذا أفعل؟ إني إذا ناديتها صاحت فأزعجت الفندق. وإذا سكت كانت العاقبة أسوأ. لا حاجة بنا أن نذكر هنا أن المستر بكويك كان من أرق الناس عاطفة وأطهرهم ذيلاً وأحسنهم أدباً. وإنه يرى في مجرد ظهوره أمام إحدى السيدات لابساً قبعة النوم المصاب الأكبر والخطب الأجل. ولكنه قد عقد زناق قبعته عقدة لا تحل. ثم لا بد له من كشف هذا الأمر. إذن فليس أمامه إلا طريقة واحدة. فاتخذ هذه الطريقة وذلك أنه انكمش وراء الستائر وصاح بملء فيههوه! هوه!. لا حاجة بنا أن نقول أن السيدة ذعرت من هذا الصوت فتقهقرت نحو الشمعة. غير أنها نسبت هذا الصوت إلى تأثير الوهم والخيال الكاذب. وكان المستر بكويك حسب أن صوته هذا سيفقدها الصواب فاختفى وراء الستار ولكنه لما عاد فأطل رآها جالسة أمام النار

стр. 1755

مطرقة تفكر كحالتها من قبل قال بكويك ما أعجب شأن هذه المرأة هوه! هوه لقد كان الصوت هذه المرة أبين وأوضح حينئذٍ صاحت المرأة واخطباه! ماهذا؟ قال بكويك من وراء الستارهذا - هذا - رجل يا سيدتي
следующие страницы →