← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ونحن مدينون له (كما قال السير جون لبك في كتابه بدائع الطبيعة) بتوسيع دائرة مشاهداتنا فنرى غير ما تراه العين العارية من الدقائق المتناهية في الصغر والجلائل المتناهية في الكبر ما ترفع الحجاب عن الأنبوبتان السحريتان - المكرو سكوب والتلسكوب. هذا السعي الدائم من كل الناس نحو الإحساس بما تحتويه المحيطات من بديع الخلق غير محس النتيجة عند الأكثرين ولكنك تراه ظاهراً وأضحاً عند الإنسان كلما ارتقى في الإنسانية وصار أوسع علماً بنفسه وبغيره ولاشيء أدل على ذلك من أن كل الذين اتفقت الإنسانية على تسميتهم عظماء الرجال مهما كانت مشاربهم ومذاهبهم لهم تعلق خاص بكل أنواع الجمال أو ببعض منها وإذا كان هناك من يستثنى من هاته القاعدة ممن جازف الناس في تسميتهم عظماء وكانوا لا يحبون الجمال فهؤلاء إن حللنا نفوسهم ودققنا بعض الشيء في تاريخهم نجدهم دائماً ناقصين نقصاً كبيراً في درجتهم الإنسانية وإن الذي أعطاهم العظمة ليس إلا نوعاً من أنواع الجنون الذي يعتري العقل فيجعل صاحبه يفرط في شهوة من الشهوات ويجد من مركزه مساعداً على ذلك كمن يضعه مولده على كرسي الملك ثم يسرف في القتل وسفك الدماء وينال بذلك اسماً في التاريخ. وليسوا هم العظماء وحدهم الذين يقدسون الجمال بل ذلك كما قدمنا سعي كل شخص مالك قواه الطبيعية. فإن تجربتي الشخصية أظهرت لي أن الناس من جميع الطبقات وفي جميع الأعمار لهم به ولوع خاص وإلى حد غير محدود ألا ينام الطفل ساعة تغني له أمه بأغانيها الهادئة الساكنة فينتقل من تهيجه الشديد وبكاءه إلى تخدر الأعصاب الذي يتبع النشوة والطرب ثم ينتقل من ذلك إلى عالم الموت الأصغر (النوم). وكثيراً ما يحدث أنه إذا نام ثم سكتت أمه تعاوده اليقظة ويرجع للبكاء لأن المؤثر الذي كان قد زال ولم تصل أعصابه إلى سكونها الكافي لراحته. كذلك أذكر حين كنت صغيراً وأخرج بعض ليالي الصيف الساهرة للجرن الفسيح لألعب مع الأولاد هناك أنني كنت أجد بعضهم أحياناً واقفاً محدقاً للسماء يرنو إلى البدر ثم يقلب نظره في النجوم وهو تائه في عالم عظيم من الأحلام لا نهاية له وليس ذلك الصغير إلا فلاحاً ساذجاً من الذين لا يعرفون حتى ولا القراءة والكتابة تتوج جمال الطبيعة العظيم وتجلس على عرشه المرأة. في ذلك المخلوق الإنساني الرقيق وراء الجمال المحس جمال آخر أكثر تأثيراً في النفس وامتلاكاً للقلب وسلطاناً على

стр. 177

العواطف. فيه روح شفافة بديعة تجمع إليها من المعاني مالا تجمعه الأشياء الأخرى لذلك لا نكون مغالين إذا قلنا أنها ملكة الجمال. هذا المركز يعترف لها به الناس جميعاً. وأنك إن شئت أن تمثل أرقى المعاني وأرقها في صورة محسة ملموسة. إذا خطر ببالك أن تجمع في جسم من الأجسام الصفات الدقيقة المحبوبة لنفوسنا فأول ما يخطر بذهنك أن تمثلها فيه أن تجعل لها المرأة مثالاً. وباعتبارها ملكة الجمال فأنها تحل من نفوس جميع الناس أعماقها ومن قلوبهم حباتها. ومهما يكن ولوع الإنسان بالطبيعة وما عليها عظيماً. مهما يكن محباً للسماء ونجومها والأرض وأبحارها وجبالها وأشجارها ورياضها وأزهارها فإنه يحني رأسه اعترافاً بأنه إنما على رأس ذلك الجمال الذي يعبد توجد المرأة وقل إن تجد لهذه القاعدة استثناء. كانت المرأة من أجل هذا موضع الحب الذي يملك الحواس والنفس ويستولى على كل وجودنا ويسهل علينا معه أن نندفع لعمل كل المستحيلات والوصول إلى أبعد الغايات وبلوغ كل شيء ولو كان الموت الزؤام. هذا الحب المخصوص الذي ننسى معه أنانيتنا وحبنا لذاتنا من أجل محبوب لنا له من الأثر في الحياة أكبر ما يمكن تصوره. كما أن الولوع بالموجودات الحية والجامدة يشكل وجودنا بشكل مخصوص يكون له على أعمالنا من الأثر ما يجعلها تختلف باختلاف مقداره. وهذا الأثر الذي للحب والجمال يتعدانا إلى ما حولنا ويؤثر في المجموع لتأثيره في أفراده حتى ليكون حتماً علينا أن ننظر فيه بتدقيق ونفتش عما عساه يأتي به في حياة كل فرد وفي حياة الأمة. ذلك هو السبب الذي دفعني إلى البحث في موضوع كهذا يحسب خطأ عندنا ذا أهمية ثانوية وإن هو إلا صاحب الدرجة الأولى في الحياة النفسية مهما رجعنا في التاريخ إلى الوراء ومهما فتشنا في العصور القديمة فإن محالاً أن نجد عصراً كان أصم أمام الجمال بل أنه ليخيل إلي أن أول ما فتح الإنسان عينيه للوجود: أول ما جاء آدم إلى الحياة ورمي بنظرة على ما حوله لا بد أن يكون قد دخل إلى نفسه معنى الجمال فأخذ بصره أشياء أكثر من أشياء أخرى وبلغ بعضها من الأثر فيه إن أوصلته إلى الإعجاب بها وإدامة النظر إليها والشعور بالغبطة لمرآها: أي انه قد خالطه من أول وجوده الإحساس بالجمال.

стр. 178

ليس الإنسان وحده الذي يقدر الأشياء الجميلة ويحبها بل أن كثيراً من الحيوان له من الولوع بذلك ما يفوق التصور. وإذا كنا لا نقيم وزناً لما يروى بعض المؤرخين من إنصات سباع الفلاة لمغن متقن فإن حب بعض الدواب كالثعابين لسماع الموسيقى معروف حتى عند العامة كما أن من الحيوانات ما يبلغ منه الطرب كالخيل التي تسمع الموسيقى فتهتز كل أجزاءها وترقص معها أو كعيس البيداء تنسى نفسها وتنسى التعب إن تسمع الحادي يوقع غناءه توقيعاً حسناً. كما شوهد كذلك أن بعض الطير تعني عناية خاصة بتنظيم عشها وتجميله فتضع حولها أوراقاً مخصوصة لا لغاية أخرى سوى أن ترى العش جميلاً. . . بل أنه ليخيل إلينا أن من الجمادات ما يحس الجمال وإذا كانت الأشياء لا تقدر على إبداء ذلك بحركة إذ لا حركة لها فإن ما أجده من بعضها من الرقة وما يثيره عندي أغلب الاحايين من الاحساسات الغريبة. يجعلني أقدر لها حياة خاصة تستطيع معها أن تتأثر بالمحيطات بها. ما هذا الجمال الذي يحسه الإنسان والحيوان والأشياء، أي شيء هو، وهل في الإمكان تعريفه. ليس من غرضي هنا أن أبحث عن المعنى الذي نجده في القاموس لكلمة الجمال فذلك معروف كما يذكره بعضهم ولكنما أريد أن أصل إلى شيء غير هذا أريد أن أصل لأقول أن الجمال هو السحر الذي تحويه الأشياء فتجذب به إليها سليم الذوق وتعمل في حواسه ما يتركه تحت أثرها مملوأ بالسرور أو الأعجاب أو بتلك اللذة المخدرة التي نتيه معها في عوالم الأحلام الواسعة ناسين أنفسنا والمحيطات بنا. فبمقدار الأثر الذي يحدثه الشيء في نفوسنا يكون مبلغه من الجمال. إذا مررت أمام صورة متقنة جذبك إليها جمالها فكم من الزمن تبقى محدقاً بها رائحاً في إعجابك إلى قصى حدوده. زمن لا يمكنك أن تقدره لأنك في تلك الساعة تنسي الزمان وتقديره وتنسي كل شيء إلا الصورة الجميلة التي أمامك. بل أنك لتنسى نفسك حتى ليهون عليك أن تعمل مالاً تعمله وأنت مستقل مالك كل حواسك كنت العام الماضي في أفنيون وزرت متحفها فاستوقفتني فيها صورة كلما ذكرتها تأوبني لها من الخضوع مالا أفهم. . . تلك صورة عذراء أمامها مستتيب. فتاة رقيقة القوام حادة

стр. 179

الأنف ساحرة العينين قد انسدل فوق جسمها الخصيب ثوب فضفاض ثم لفتها سحابة سماوية اللون. كنت كلما تركتها خيفة أنتهاء الوقت وطمعاً في أن أرى ما سواها رجعت إليها غير مستطيع أن أفارقها الفراق الأخير وحدقت منها بتلك الصورة الملائكية الناطقة. كذلك هنا في باريس في متحف الكسميور تمثال للعذراء على أمتار من شمال الداخل. تمثال مصقول محكم بديع لا تلبث أن تراه حتى يسرق من وقتك ما لا تأسف على ضياعه. هذا السحر الذي تحويه الأشياء الجميلة. هاته القوة التي تجذبنا إليها وتأسرنا بسلطانها وتضطرنا للخضوع لها مسرورين بخضوعنا راضين بأسرنا. هذا السر الكامن تجتليه حواسنا وتجد فيه من الابداع ما يبعث إلينا النشوة أو الطرب - هذا كله هو روح الشيء وحياته. وما من شيء مما يحيط بنا إلا فيه جمال في أية ساعة من النهار تنظر السماء تجد لها العظمة والجلال في صفوها أو الحزن المهيب في قتومها أو الزينة البديعة ساعات الشفق حين تغيب الشمس وراء الآفاق وتبعث إلى القبة الهائلة بألوانها ثم حين يتبدد ذلك قليلاً قليلاً ويأتي على جميعه آية الليل ويدخل الوجود كله تحت ستاره العظيم. وإن أنت اجتليتها بالليل وكنت في أيام القمر حين يخطر الكوكب العاشق وسط السماء ويبعث للعالمين بنظراته الهائمة ويرنو لمحبيه بعين رائقة سائغة ثم يجري من تحته غمام يجعله أشد نحولاً وأكثر عشقاً إن أنت اجتليتها في هذه الساعات الصامتة حين تسكت الخليقة ويتهادى النعيم وسط الجو الساكن ويترنح البدر ثملاً في الفضاء الهائل وجدت بها من الجمال مالا يحويه إلا الخيال. والبدر وحده ما أحلاه وما أجمله. ما رأيته إلا أخذني حسنه وبقيت محدقاً به الزمان الطويل. وإني لأذكر أياماً كنت فيها على شاطئ البحر وأرى مشرق القمر من بين موجاته يبدو محمراً كأنما خرج رغماً من بعد جدال ثم يسري عنه ويراجعه هدوءه ويبسم من جديد ويرسل على الكون كله لجة النور فتغرق فيها الموجودات ويلمع الضوء على صحيفة الماء وتتخطفه الأمواج متلاعبة به ثم قاذفة نفسها وإياه إلى الشاطئ. كذلك أذكر أياماً أخرى كان البدر لي فيها نعم الصديق وأنا بين البحيرات والأجبال. أذكر مرة كنت مسافراً على القارب من جنيف إلى مونتريه وقد غابت الشمس ونحن في

стр. 180

منتصف الطريق وطلع القمر وأنا مشغول ببعض كتابة في يدي لم يذهلني عنها إلا أن سمعت خادمة المطعم من ورائي تنادي صديقاً لها تعال شوف فوضعت أنا الآخر كراستي ولم أكد أرفع نظري حتى رأيت أبدع منظر. رأيت الجبال يلفها الضباب في ثوبه الشفاف والقمر بين قممها كبيراً متورد اللون أخجلته الأنظار الكثيرة التي اتجهت في تلك اللحظة إليه فرمى بنظراته إلى ما تحته وبعث على البحيرة الوديعة الهادئة خطاباً من ذهب ثم صار يحبو. متثاقلاً بطيئاً وسط لجة السماء وبين صخور الجبال ويلقى عنه ثوبه الوردي ليظهر بجماله ولا يفتر يرنو للبسيطة وما عليها ويتبع قاربنا في مسيره وقد رسم إلى جانبه فوق سطح الماء سكة لجية تتماوج حتى تضيع في ظل الجبل. هذا جمال السماء وليست الأرض أقل جمالاً. ليست جبالها العالية تخرق الجو ثم تنحدر يغطيها الشجر الأخضر والنبات والعشب أو تجلل رؤوسها بتيجان الثلوج الناصعة. وبحارها الواسعة تقصر العين دون آفاقها وتتابع موجاتها عالية هابطة وتكن في جوفها من السر ما نعجز دونه. وسهولها الهائلة تقوم فوقها الزروع شتى ألوانها. وأنهارها وغدرانها وأشجارها وما يحويه ذلك كله ثم حيواناتها باشكالها الجميلة المتباينة وطبائعها المتخالفة العجيبة ما تكنه من معان يحار الذهن دونها. ليس ذلك كله إلا شيأ يأسر اللب ويأخذ بالنفس ويجعلنا نحس أن ما حولنا وما يحويه من جمال هو سبب الحياة ومعنى السعادة. (للرسالة بقية).

стр. 181

العدد ٤ - بتاريخ: ٢٠ - ١٢ - ١٩١١

стр. 182

عبرة وذكرى حديث الهجرة طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داعى أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع بهذه البيوت الشعرية العذبة التي يترقرق فيها ماء الإخلاص فكأنها السيل المنحدر لسهولتها وخلوصها رفع النساء والولائد والصبيان أصواتهم على تلول المدينة في رونق الضحى عند شروق شمس النبوة عليهم ووفدة خاتم النبيين محمد بن عبد الله إليهم كما ترفع البلابل والأطيار والعصافير والديكة أصواتها عندما يغمر نور الفجر هذه الحياة: فما أليق بنا الآن وبعد الآن أن نستشعر إخلاص أولئك الأصفياء ونستظهر شعرهم هذا السهل الصافي من كدر التعمل والرياء ونترنم به في مثل هذا اليوم من كل عام ونعلم أن الإخلاص هو لب التقى وروح الإسلام. في يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول عام ٦٢٢ لميلاد السيد المسيح هاجر السيد السند والرسول الامجد فخر ولد عدنان وصفوة بني الإنسان سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي عليه صلوات الله وتسليماته من مسقط رأسه وريحانة نفسه البلد الأمين (مكة) إلى بلد آخر أجنبي يسمى يثرب في سبيل إعلاء كلمة الدين وبث روح اليقين بعد أن كشرت له الشدائد عن أنيابها ومدت له المنايا بأسبابها وتألبت قريش وسائر قرابته عليه وأجمعوا على قتله والاستراحة منه قبل أن يبلغ رسالات ربه ويتمم هدايته - فصدق بذلك فعله قوله لعمه أبي طالب يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته وأقام لنا بذلك أنصع برهان على صدقه وإخلاصه وأنه على الحق الابلج الوضاح وألقى علينا درساً من أعود الدروس وأردها وأفيدها لمن يعنيه الفوز والظفر ببغيته ذلك هو الثبات والصبر على (المبدأ) ما دام الإنسان يعتقده حقاً مهما لاقى في طريقه من الصعاب والشدائد ومهما طغا الباطل على حقه فإن الباطل عمره قصير وإن الله ليقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.

стр. 183

حديث الهجرة مأخوذاً من أوثق المصادر أقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاث سنين من أول نبوته مستخفياً ثم أعلن في الرابعة فدعا الناس إلى الإسلام عشر سنين وجد في أثنائها الأمرّين (الشدائد) حتى إذا ماتت زوجه السيدة خديجة وعمه أبو طالب نالت منه قريش من الأذى مالم تكن تنال منه في حياة زوجه وعمه فخرج رسول الله إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف والمنعة بهم من قومه ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به عن الله فردوا عليه أقبح الرد وآذوه وأغروا به سفهاءهم - ثم صار النبي يوافي الموسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم وفي المواسم بعكاظ ومجنة وذي المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة فلا يجد أحداً ينصره ويجيبه حتى أنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ويقول أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم فإذا آمنتم كنتم ملوكاً في الجنة وأبو لهب وراءه يقول لا تطيعوه فإنه صابيء كذاب فيردون على رسول الله أقبح الرد ويؤذونه ويقولون أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك وهو يدعو إلى الله ويقول اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا. وكان مما صنع الله لرسوله أن الأوس والخزرج كانوا يسمعون من يهود المدينة أن نبياً من الأنبياء مبعوث في هذا الزمان سيخرج فنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وارم وكان الأنصار يحجون البيت كما كانت العرب تحجه دون اليهود فلما رأى الأنصار رسول الله يدعو الناس إلى الله وتأملوا أحواله قال بعضهم لبعض تعلمون والله يا قوم إن هذا الذي توعدكم به يهود المدينة فلا يسبقنكم إليه وكان سويد بن الصامت من الأوس قد قدم مكة فدعاه رسول الله فلم يبعد ولم يجب حتى قدم أنس بن رافع أبو الحيسر في فتية من قومه من بني عبد الأشهل يطلبون الحلف في قريش فجاءهم رسول الله وقال هل لكم في خير مما جئتم له أن تؤمنوا بالله وحده ولا تشركوا به شيئاً فقال إياس بن معاذ وكان شاباً حدثاً يا قوم هذا والله خير مما جئنا له فضربه أبو الحيسر وانتهره فسكت ثم لم يتم لهم الحلف وانصرفوا إلى المدينة - ولما جاء الموسم تعرض رسول الله عند العقبة لستة نفر من الأنصار كلهم من الخزرج وهم أبو إمامة أسعد بن زرارة وعوف ابن الحارث ورافع بن مالك وقطبة بن عامر وعقبة بن عامر وجابر بن عبد الله فدعاهم إلى الإسلام وإلى معاونته

стр. 184

في تبليغ رسالة ربه فآمنوا به وصدقوه وقالوا إنا تركنا قومنا بينهم من العداوة ما بينهم فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك ووعدوه المقابلة في الموسم المقبل وهذا هو بدء الإسلام لأهل المدينة فلما كان العام المقبل جاء منهم اثنا عشر رجلاً الستة الأول خلا جابر بن عبد الله ومعهم معاذ بن الحارث بن رفاعة أخو عوف المتقدم وذكوان بن عبد القيس - وقد أقام ذكوان بمكة حتى هاجر إلى المدينة فيقال انه مهاجري أنصاري - وعبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة وأبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة والعباس بن عبادة فاجتمعوا برسول الله عند العقبة قال عبادة بن الصامت فبايعناه بيعة النساء - وذلك قبل أن يفترض علينا الحرب - على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله إن شاء غفر وإن شاء عذب وهذه هي العقبة الأولى فلما انصرف القوم عن رسول الله بعث إليهم مصعب بن عمير وعمرو بن أم كلثوم وأمرهما أن يقرآنهم القرآن ويعلمانهم الإسلام ويفقهانهم في الدين فنزلا على أسعد بن زرارة وطفقا يدعوان بقية الأوس والخزرج إلى الإسلام فأسلم على يديهما بشر كثير منهم أسيد بن الحضير وسعد بن معاذ وأسلم بإسلامهما يومئذ جميع بني عبد الأشهل وذاع الإسلام في المدينة وانتشر ثم رجع مصعب إلى مكة ووافى الموسم ذلك العام خلق كثير من الأوس والخزرج من المسلمين والمشركين وزعيم القوم البراء بن معرور فلما كانت ليلة العقبة وقد انقضى هزيع من الليل تسلل إلى رسول الله ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان قال كعب ابن مالك - وكان أحد هؤلاء - فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله حتى جاءنا معه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له فلما جلس كان العباس أول متكلم فقال يا معشر الخزرج - وكانت العرب تسمي الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها - أن محمداً منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه فهو في عز من قومه ومنعة في بلده وأنه قد أبي إلا الانحياز اليكم واللحوق بكم إن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما علمتم من ذلك وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد بعد الخروج به اليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده قال فقلنا له قد سمعنا ما قلت

стр. 185

فتلكم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت قال فتكلم رسول الله فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام ثم قال أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم فأخد البراء بن معرور بيده ثم قال نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك ممن نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابراً عن كابر فاعترض القول: والبراء يكلم الرسول: أبو الهيثم بن التيهان فقال يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت أن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا فتبسم رسول الله وقال بل الدم الدم والهدم والهدم أنا منكم اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم فاخرجوا منهم اثني عشر نقيباً تسعة من الخرزج وثلاثة من الأوس فقال لهم رسول الله أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسي بن مريم وأنا كفيل على قومي يعني المسلمين قالوا نعم - ثم قال لهم رسول الله ارفضوا إلى رحالكم فقال له العباس بن عبادة بن فضلة والله الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل مني غدا بأسيافنا فقال رسول الله لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم قال فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتي جاؤنا في منازلنا فقالوا يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه قال وقد صدقوا لم يعلموه. قال: ونفر الناس من منى وذهب الأنصار إلى المدينة وأذاعوا فيها الإسلام. بدء الهجرة قال محمد بن إسحاق المطلبي كان رسول الله ﷺ قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل وكانت قريش قد اضطهدت على من اتبعه من قومه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم من بلادهم فهم من بين مفتون في دينه ومن بين معذب في أيديهم وبين هارب في البلاد فراراً منهم: منهم من بارض الحبشة ومنهم من بالمدينة وفي كل وجه فلما عتت قريش على الله وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة وكذبوا نبيه وعذبوا

стр. 186

ونفوا من عبده ووحده وصدق نبيه واعتصم بدينه اذن الله لرسوله في القتال والامتناع والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم فكانت أول آية أنزلت في أذنه له في الحرب قول الله: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور - ثم أنزل الله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة - أي حتى لا يفتن مؤمن عن دينه - ويكون الدين لله﴾ - أي حتى يعبد الله لا يعبد معه غيره - فلما أذن الله للنبي في الحرب وتابعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن اتبعه وأوى إليهم من المسلمين أمر رسول الله أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها واللحوق بإخوانهم من الأنصار فخرجوا أرسالا ثم أقام رسول الله بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة ولم يتخلف معه بمكة أحد إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق ﵄ وكان أبو بكر كثيراً ما يستأذن رسول الله في الهجرة فيقول له الرسول لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً فيطمع أبو بكر أن يكونه. خبر دار الندوة ولما رأت قريش أن رسول الله قد كانت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا داراً وأصابوا منهم منعة فحذروا خروج رسول الله إليهم وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم فاجتمعوا له في دار الندوة. وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمراً إلا فيها: يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله حين خافوه وقد اجتمع فيها أشراف قريش مثل عتبة بن ربيعة وأبو سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف وغيرهم ممن لا يعد من قريش فقال بعضهم لبعض إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم فإنا والله ما نأمنه علي الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأينا ثم تشاوروا فقال فقال قائل منهم احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه باباً ثم تربصوا به ما أصاب

стр. 187

أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهيراً والنابغة ومن مضى منهم من الموت حتى يصيبه ما أصابهم - وقال آخر نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا فإذا أخرج عن فو الله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت - فقال أبو جهل إن لي فيه لرأياً ما أراكم وقعتم عليه بعد قالوا وما هو يا أبا الحكم قال أرى أن نأخذ من كل قبيلة شاباً فتي جليداً نسيباً وسيطاً فينا ثم نعطي كل فتى منهم سيفاً صارماً ثم يعمدون إليه فيضربونه بها ضربة رجل واحد فيقتلونه فنستريح منه فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعاً فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم - فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه فلما رأى رسول الله مكانهم قال لعلي بن أبي طالب نم على فراشي وتسجّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم وكان رسول الله ينام في برده ذلك إذا نام - وكان بين المجتمعين أبو جهل فقال وهم على الباب إن محمداً يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح ثم بعثتم من بعد موتكم ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها - ثم خرج عليهم رسول الله فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال نعم أنا أقول ذلك أنت أحدهم وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل ينثر ذلك التراب على رؤسهم وهو يتلو هؤلاء الآيات من يس والقرآن والحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم إلى قوله فأغشيناهم فهم لا يبصرون حتى فرغ رسول الله من هؤلاء الآيات ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه تراباً ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال ما تنظرون ههنا قالوا محمداً قال خيبكم الله قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلاً إلا وقد وضع على رأسه تراباً وانطلق لحاجته أفما ترون مابكم فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب ثم جعلوا يتطلعون فيرون علياً على الفراش متسجياً ببرد رسول الله فيقولون والله إن هذا لمحمد نائماً عليه برده فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام علي عن الفراش فقالوا والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا - وكان مما أنزل الله من القرآن في ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو

стр. 188

يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين - أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين﴾ - ثم أذن الله لنبيه عند ذلك في الهجرة. هجرة النبي إلى المدينة قال ابن اسحق وكان أبو بكر رجلاً ذا مال فكان حين أستأذن رسول الله في الهجرة فقال له الرسول لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً قد طمع بأن يكون رسول الله إنما يعني نفسه حين قال له ذلك فابتاع راحلتين واحتبسهما في داره يعلفهما إعداداً لذلك: حدثت عائشة أم المؤمنين قالت كان لايخطيء رسول الله أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار أما بكرة وأما عشية حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسول الله في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهر اني قومه أتانا رسول الله بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها فلما رآه أبو بكر قال ماجاء رسول الله هذه الساعة إلا لأمر حدث فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله عليه وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر فقال رسول الله اخرج عني من عندك فقال يا رسول الله إنما هما ابنتاي وما ذاك فداك أبي وأمي فقال إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة فقال أبو بكر الصحبة يا رسول الله قال الصحبة قالت فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ ثم قال يا نبي الله إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا فاستأجرا عبد الله بن أرقط: رجلاً من بني الديل بن بكرو كان مشركاً: يدلهما على الطريق فدفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما قال ابن اسحق ولم يعلم فيما بلغني بخروج رسول الله أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق وآل أبي بكر أما علي فإن رسول الله فيما بلغني أخبره بخروجه وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول الله الودائع التي كانت عنده للناس وكان رسول الله ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته ﷺ فلما أجمع رسول الله الخروج أتى أبا بكر فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته ثم عمدا إلى غار بثور: جبل بأسفل مكة: فدخلاه وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر وأمر عامر ابن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاراً

стр. 189

ثم يريحها عليهما يأتيهما إذا أمسى في الغار وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما - فأقام رسول الله في الغار ثلاثاً ومعه أبو بكر وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن يرده عليهم وكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش نهاره معهم يسمع ما يأتمرون به وما يقولون في شأن رسول الله وأبي بكر ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر وكان عامر بن فهيرة يرعى في رعيان أهل مكة فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا فإذا عبد الله بن أبي بكر غدا من عندهما إلى مكة اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفى عليه حتى إذا مضت الثلاث وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيرهما وبعير له وأتتها أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما ونسيت أن تجعل لها عصاماً فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس فيها عصام فتحل نطاقها فتجعله عصاماً ثم علقتها به فكان يقال لأسماء ذات النطاق بذلك قال ابن اسحق فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله قدم له أفضلهما ثم قال إركب فداك أبي وأمي فقال رسول الله إني لا أركب بعيراً ليس لي فقال فهي لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي قال لا ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به قال كذا وكذا قال قد أخذتها به قال هي لك يا رسول الله فركبا وانطلقا وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه ليخدمهما في الطريق - حدثت أسماء قالت لما خرج رسول الله وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل فوقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليهم فقالوا أين أبوك يا بنت أبي بكر قلت لا أدري والله أين أبي فرفع أبو جهل يده وكان فاحشاً خبيثاً فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي ثم انصرفوا - وحدثت أسماء قالت لما خرج رسول الله وخرج أبو بكر معه احتمل أبو بكر ماله كله معه خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف فدخل علينا جدى أبو قحافة وقد ذهب بصره فقال والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه قلت كلا يا أبت إنه قد ترك لنا خيراً كثيراً قالت فأخذت أحجاراً فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيه ثم وضعت عليها ثوباً ثم أخذت بيده فقلت يا أبت ضع يدك على هذا المال فوضع يده عليه فقال لا بأس إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن وفي هذا بلاغ لكم - ولا والله ما ترك لنا شيئاً ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك - قال ابن اسحق حدثنا سراقة بن مالك قال لما خرج رسول الله من مكة مهاجراً إلى المدينة جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن رده عليهم قال فبينا أنا جالس في نادي قومي إذ

стр. 190

أقبل رجل منا حتى وقف علينا فقال والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مرّوا عليّ آنفاً إني لأراهم محمداً وأصحابه فأومأت إليه بعيني إن أسكت ثم قلت إنما هم بنو فلان يتبعون ضالة لهم قال لعله ثم سكت قال ثم مكثت قليلاً ثم قمت فدخلت بيتي ثم أمرت بفرسي فقيد لي إلى بطن الوادي وأمرب بسلاحي فأخرج لي من دبر حجرتي ثم أخذت قداحي التي استقسم بها ثم انطلقت فلبست لأمتي ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره لا يضره وكنت أرجو أن أرده على قريش فآخذ المائة الناقة فركبت على أثره فبينا فرسي يشتد بي عثر بي فسقطت عنه فقلت ما هذا ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره لا يضره فأبيت إلا أن أتبعه فركبت في أثره فبينا فرسي يشتد بي عثر بي فسقطت عنه فقلت ما هذا ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره لا يضره فأبيت إلا أن أتبعه فركبت في أثره فلما بدا القوم ورأيتهم عثر بي فرسي فذهبت يداه في الأرض وسقطت عنه ثم أنتزع يديه من الأرض وتبعهما دخان كالإعصار فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع مني فناديت القوم وقلت أنا سراقة بن مالك انظروني أكلمكم فو الله لا أريبكم ولا يأتيكم من شيء تكرهونه فقال رسول الله لأبي بكر قل له وما تبتغي منا فقال لي ذلك أبو بكر قلت تكتب لي كتاباً يكون آية بيني وبينك قال اكتب له يا أبا بكر فكتب لي كتاباً في عظم أو في رقعة أو في خزفة ثم ألقاه إليّ فأخذته فجعلته في كنانتي ثم رجعت فسكت فلم أذكر شيئاً مما كان حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله وفرغ من حنين والطائف خرجت ومعي الكتاب لألقاه فلقيته بالجعرانة فدخلت في كتيبة من خيل الانصار فجعلوا يقرعونني بالرماح ويقولون إليك إليك ماذا تريد؟ فدنوت من رسول الله وهو على ناقته والله لكأني أنر إلى ساقه كأنها جمارة فرفعت يدي بالكتاب ثم قلت يا رسول الله هذا كتابك لي أنا سراقة بن مالك فقال رسول الله يوم وفاء وبر ادنه فدنوت منه فأسلمت ثم تذكرت شيئاً أسأل رسول الله عنه فما أذكره إلا أني قلت يا رسول الله الضالة من الأبل تغشي جياضي وقد ملأتها لأبلى هل لي من أجر في أن أسقيها قال نعم في كل ذات كبد حرى أجر ثم رجعت إلى قومي فسقت إلى رسول الله صدقتي - قال ابن اسحق فلما خرج بهما دليلهما عبد الله بن أرقط سلك بهما أسفل مكة ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عسفان ثم سلك بهما على أسفل أمج ثم استجاز بهما حتى عارض

стр. 191

الطريق أسفل من عسفان ثم سلك بهما على أسفل أمج ثم استجاز بهما حتى عارض بهما الطريق بعد أن أجاز قُديداً ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الخرار ثم سلك بها ثنية المرة ثم سلك بهما لقفاً ثم أجاز بهما مدلجة لقف ثم استبطن بهما مدلجة محاج ثم سلك بهما مرجح مجاج ثم تبطن بهما مرجح ذي العضوين ثم بطن ذي كشر ثم أخذ بهما على الجداجد ثم على الأجرد ثم ذا سلم من بطن أعداثم مدلجة تعهن ثم على العبابيد ثم أجاز بهما القاحة وقيل الفاجة ثم هبط بهما العرج وهي من منازل الجادة بين مكة والمدينة ثم سلك بهما من العرج إلى ثنية العائر عن يمين ركوبة حتى هبط بهما بطن رئم ثم قدم بهما قُباء على بني عمرو بن عوف وذلك حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول كما أسلفنا. تتمة الحديث قال ابن اسحق حدث رجال من الأنصار قالوا لما سمعنا بمخرج رسول الله من مكة وتوكفنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننتظر رسول الله فو الله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال فإذا لم نجد ظلاً دخلنا وذلك في أيام حارة حتى إذا كان اليوم الذي قدم رسول الله جلسنا كما كنا نجلس حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا وقدم رسول الله حين دخلنا البيوت فكان أول من رآه رجل من اليهود وقد رأى ما كنا نصنع وأنا ننتظر قدوم رسول الله علينا فصرخ بأعلى صوته يا بني قيلة هذا جدكم قد جاء فخرجنا إلى رسول الله وهو في ظل نخلة ومعه أبو بكر في مثل سنه وأكثرنا لم يكن رأى رسول قبل ذلك وركبه الناس وما يعرفونه من أبي بكر حتى زال الظل عن رسول الله فقام أبو بكر فأظله بردائه فعرفناه عند ذلك - قال ابن اسحق فنزل رسول الله على كلثوم بن هدم أخي بني عمرو بن عوف ويقال بل نزل على سعد بن خيثمة ونزل أبو بكر على خبيب ابن اساف أحد بني الحرث بن الخزرج بالسنح - قال ابن اسحق وأقام عليّ ابن أبي طالب بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى ادي عن رسول الله الودائع التي كانت عنده للناس حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله فنزل معه على كلثوم ابن هدم فكان عليّ بن أبي طالب إنما كانت إقامته بقباء ليلة أو اثنتين: يقول كانت بقباء امرأة لا زوج لها مسلمة قرأيت إنساناً يأتيها من جوف الليل فيضرب عليها بابها فتخرج إليه فيعطيها شيئاً معه فتأخذه فاستربت

стр. 192

بشأنه فقلت لها يا أمة الله من هذا الرجل الذي يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين إليه فيعطيك شيئاً لا أدرى ما هو وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك قالت هذا سهل بن حنيف بن واهب قد عرف أني امرأة لا أحد لي فإذا أمسى عدا علي أوثان قومه فكسرها ثم جاءني بها فقال احتطبي بهذا - قال ابن اسحق فأقام رسول الله بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الاربعاء ويوم الخميس وأسس مسجده ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة فأدركت رسول الله الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي وادي رانوناء فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة فأتاه عتبان بن مالك وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بني سالم بن عوف فقالوا يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة قال خلوا سبيلها فإنها مأمورة: لناقته: فخلوا سبيلها فانطلقت - وهكذا صار كلما مر بقبيلة من قبائل العرب قال له رئيسها أقم عندنا يا رسول الله في العدد والعدة والمنعة فيقول لهم خلوا سبيلها فإنها مأمورة حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار بركت على باب مسجده وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين من بني النجار ثم من بني مالك بن النجار وهما في حجر معاذ بن عفراء: سهل وسهيل ابنى عمرو: فلما بركت ورسول الله عليها لم ينزل وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله واضع لها زمامها لا يثنيها به ثم التفتت إلى خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها فنزل عنها رسول الله وقال ههنا المنزل إن شاء الله فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله ووضعه في بيته ونزل عليه رسول الله وسأل عن المربد لمن هو فقال معاذ ابن عفراء هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابني عمرو وهما يتيمان لي وسأرضيهما منه فاتخذه مسجداً فأمر به رسول الله أن يبني مسجداً ونزل رسول الله على أبى أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه ثم انتقل من بيت أبي أيوب إليها. ثم تلاحق المهاجرون فلم يبق بمكة منهم أحد إلا مفتون أو محبوس أما المدينة فعم أهلها الإسلام. وبعد ذلك ابتدأت الأعمال العظيمة من التشريح والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الدين مما نرجي الكلام عنه إلى موضعه ن تاريخ الإسلام الذي ينشر في البيان تباعاً إن شاء الله.

стр. 193

مقدمة تاريخ أداب العرب لأبي السامي مصطفى صادق الرافعي صدر المجلد الأول من هذا التاريخ الذي عقمت بمثله العصور العربية إلى اليوم وقد كتب له صاحبه مقدمة سالت من ذلك القلم النوراني كما يسيل الندى من مقلة الفجر، وسقطت على الأرواح كما يسقط ذلك الندي على الزهر فهي النور المشرق في صفحة الصباح ينبعث من أفق واحد ويضيء على كل الآفاق وكذلك تراها في أوراق هذا الكتاب ولا ترى مثلها في سائر الكتب والأوراق. وقد رأينا أن نحلى بها البيان لأنها طراز في الإنشاء لايدانيه طراز ونمط أن رأى فيه صاحبه النابغة معنى الاعجاب رأى الناس فيه معني الإعجاز قال حفظه الله: (أما بعد) فإن هذا التاريخ علمٌ قد كثرت عليه الأيدي واضطربت فيه الأقلام، واستبقت إليه العزائم حتى عثرت بها عجلة الرأي ولجاجة الأقدام، وقد أخصب في الأوهام، حتى نفشت في واديه كل جرباء وامتزج أمره بالأحلام، فلم يمس كتابه علماء حتى أصبح قراؤه أدباء، على أنهم تجاذبوه انتهاباً فجاء واهياً في وثيقته، وتناكروه اهتياباً فخرج ضعيف الشبه بين ظاهره وحقيقته، وما منهم إلا من يحسب أنه أمال بالقلم يده فمضي مرخى العنان، مخلى له عن طريق السبق إلى الرهان، وإن للقلم لو أطلقوا لنفرةً أيسر خطبها الجماح ولكنه مذلل كالطائر أهون ما يطرد إذا كان مهيض الجناح. كثرت الكتب وهي إما أعجمي الوضع والنسب، وإما هجين في نسبته إلى أدب العرب، يلتفت فيها الكلام التفاتة السارق إلى كل ناحية ويسرع في مره إسراع السابق على كل ناجية، فلا يحققون ولكن يخلدون إلى سانح الخاطر كيفما خطر، ولا ينقبون ولكنهم يجدون في كل حجر أصابوه معنى الأثر، وإذا كتبوا تاريخ الرجال فكأنهم يكتبونه على ألواح القبور، ثم ينطلق الكتاب وفي صدره اسمُ (المؤلف) يسعل به كما يسعل المصدور، وهم لو علموا منطق المعاني لرأوا كلاماً كثيراً يدعوهم أن يدعوه، وكان يرفعهم لو أنصفوه ولم يضعوه ولكنهم يأخذون في جانب ويضمون ماضم حبل الحاطب، وإنما العلم كالروض يقصر بعض أغصانه فيسهل على كل متناول، ويطول بعض فروعه فيكد يد الفارع المتطاول وهذا التاريخ قد طوي في رؤس أهله فكانت جماجمهم غلاف كتابه، وغابت

стр. 194

حقائقه في القبور كما يغيب أثر الميت في ترابه، فلم يبق إلا انفاق الأعمار وسيلة لاستدراك ما فات، وليكون ما يموت من عمرُ الأحياء فداءاً لآثار الحياة بعد من مات، وفي ذلك هم من الكد يلحف القلوب والأكباد وحرقة تتلذع حتى في القلم والصحيفة والمداد. وضيقٌ يخيل للباحث أن بين الأوراق. بحاراً ذات أعماق، وأن رأسه يصطدم من أحرف السطور بحروف الصخور، وضجر يتوهم به الكاتب أن روحه تثب من جسده إلى يده، فيجد للقلم حزاً كالحز في الوريد، ومسامن نفسه كمس المبرد للحديد، بل يرى كأن المعاني لا تنضج إلا إذا جعل رأسه قدرها وأوقد من فكره جمرها، فيتنسم وكأنه يتنسم بعض دخانها، ويزفر وكأنما يزفر من حر نيرانها. وأنا لم أصور للقارئ هذا الجحيم الذي خلق للكتاب، ولا ذكرت ما أعد لهم فيه من أنواع العذاب، لأدعي أني الكاتب الذي لا يصرف غيره الأقوال، ولا أن كتابي يعد شيئاً إذا الأشياء حصلت الرجال، ولا أن لي محابر الأقلام ومدادها وبياض الصحف وسوادها، فإني لست في هذا (العصر) ممن تخدعه الشمس بطول ظلله، أو تغره النفس بكثرة وقله، ولكني رأيت من كتب في هذا التايخ يريد أن يستولي على الأمد وادعاً في مكانه، ويلحق الطريدة ثانياً من عنانه، ويستبد بالسبق من قبل أن يجري في رهانه، ومن ألف فقد استهدف أيما استهداف والراي كما قيل ميزان لا يزن الوافي لناقص ولا الناقص لواف، ولا أكذب الله فإن كتب القوم في الأيدي كالثياب المتداعية كلما حيصت من ناحية تهتكت من ناحية، اقتصروا فيها على تمزيق الأسفار، فجعلوا القلم كالمقراض، واختصروا من التاريخ أقبح الاختصار، فكأنه لم يكن للعرب أمرٌ ماض، وهذا العلم إن لم يزاول بقوة النية خرج ضعيفاً والقلم غصن روحي فإن لم تروه النفس أصبح قصيفاً. لا جرم أن هذا التأليف ليس إلا مدرجة التلف، بعد أن أغفله من سلف وعفا الله عما سلف، وقد يقتحمه رجل الهمم، فلا يلبث من فرقه، أن تراه كالصبي في مشيته يتخلع، ويركبه فارس القلم، فلا يلبث من نزوه وقلقه، أن تراه كالجبان في سرجه يتقلع، فإنما هي حقائق بعضها متمني فات، وبعضها لا يزال حملاً في بطون المؤلفات، فليس الصبر على نفض تراب المناجم، حتى يخرج معدن الذهب، بأشد من الصبر على فض الكتب والمعاجم، حتى يخلص تاريخ الأدب.

стр. 195

بيد أني وإن طاولت التعب فيما استطعت من الاتقان والتجويد، وحسبت زمني في إغفال حسابه كأنه عمر قديم ليس فيه يوم جديد، لا أقول إني أتيت منهُ على آخر الادارة، ولا أزعم أني أوفيت على الغاية من الإفادة فذلك أمر تنصرم دونه أعمار، وللكمال عمر لا يحسب بالسنين ولكن بالإعصار، وجهد ما بلغت من همة النفس أن أكون بنجوة من التقصير، وإن أدل بما جمعته من حوادث التاريخ على أن عمر التاريخ غير قصير، ولقد رميت في ذلك المرمي القصى، وعالجت منه الطيع والعصى، ولو أن لي قلماً ينفض مداده شباباً على الإفهام، ويكون في جنة هذا التاريخ آدم الأقلام لخرج منها وليس عليه من حلته، إلا مثل ما هبط به آدم من ورق الجنة في قلته. بيد أن الورقة من أحدهما تعد في بركتها بأشجار، ومن الآخر تعدل في منفعتها بأسفار، وحسبي ذلك عذراً أن جريت على العادة في تقديم الأعذار.

стр. 196

نوابغ الكلم وروائع الحكم حكم روشفكول فرنسوا دوق دي لاروشفكول من أكبر نبلاء فرنسا ولد في ١٥ ديسمبر سنة ١٦١٥ وتوفي سنة ١٦٨٠، عاصر ريشليو ومازارين وكان له شأن معهما، وقد نجذته الشدائد وقومته الزعازع فتلقن الحكمة من أستاذ الدهر. وهذه الشذرات التي ننقل عنها هي كل ما ساهم به في سوق الأدب. قال فولتير إنها من الكتابات التي تساعد على تهذيب ذوق الأمة الفرنسوية وتبث فيه روح الضبط والتدقيق وقال الدكتور جونسون النقاد الإنكليزي أنه الكتاب الفذ الذي خطته بنان رجل من الظرفاء على أنه جدير بغيرة الأدباء والمؤلفين وكتب عنه اللورد شستر فيلد في رسائله المشهورة إلى ولده فقال لا أوصيك بغير كتاب روشفكول لتدرس فيه طباع الناس وأسرار ضمائرهم قبل أن تبلغ بك السن أن تدركها بالمعاشرة والاختبار وقال هلام المؤرخ والأديب المعروف ينبغي أن يتلوه الفليسوف بشيء من الاعجاب: (١) ليست فضائلنا إلا رذائل متنقبة. (٢) إن الذي تدعوه فضيلة ليس إلا أعمالا ومآرب شتى ساقها الاتفاق أو زواج بينها حذقنا في تدبير مبتغياتنا فكثيراً ما تصدر الشجاعة والعفة لا عن قوة النفس في الرجال ولا عن طهارتها في النساء. (٣) إن حب المرء لذاته أخدع له من أكبر الخادعين والمتزلفين. (٤) لايتوقف استمرار عواطفنا على ارادتنا إلا كما يتوقف عليها استمرار حياتنا. (٥) قد تنجح العواطف أضدادها. فيغري الجشع بالسخاء ويؤدي السخاء إلى الشجع وإن المرء ليصير صلباً في ضعفه، جسوراً في خوفه بعض الأحيان. (٦) المرء أسرع إلى نسيان الاساءة منه إلى الاحتفاظ بالحسنة بل ربما وجدته يبغض المحسن إليه ويتناسى بغض المسيء إليه. ويظهر أن الشعور بضرورة الانتقام للأذى أو مكافأة الإحسان نوع من الرق لا تطيق النفوس البقاء في ربقته. (٧) يبدي بعض المحكوم عليهم بالقتل ثباتاً أمام الموت واستخفافاً به، يشيحون عنه لا استهانة برهبته ولكن فراراً من مواجهته. وكأن هذا الثبات عصابة يسدلونها على عقولهم

стр. 197

كتلك التي تسدل على أعينهم قبل إمضاء الأمر فيهم. (٨) إن الفضائل التي تعوزنا لوقاية أنفسنا في وسط النعيم لا جرم تكون أكبر من تلك التي تعوزنا لوقاية أنفسنا في وسط المحنة والشقاء. (٩) ان نقائصنا لا تجلب إلينا من البغض والاضطهاد ما تجلبه إلينا محامدنا. (١٠) لم نكن قط سعداء أو تعساء كما نتصور في أنفسنا. (١١) مهما عظمت المواهب التي تمنحها الطبيعة أفذاذ الرجال، فليس بها وحدها بل باشتراك الصدف وعناية الجد معها، ينشأ الرجل العظيم. (١٢) إن التقزز الذي يبديه الفلاسفة والحكماء للغنى ومتاع الحياة إنما هو ميل خفي إلى الاقتصاص لأنفسهم من ظلم الحظ لهم باحتقار تلك النعم التي حرمهم إياها. أو هو إحساس يرفعون به أنفسهم عن ضعة الفقر. أو هو طريق خلفية يصلون منها إلى ما هم قاصرون عن بلوغه على سروات الطريق. (١٣) لم يعمل الحق الصراح من الخير للعالم قدر ما عمل الحق المموه من الضرر له. (١٤) متى وجد الحب فلا شيء يكتمه أمداً طويلاً. ومتى فتر فلا شيء يمارى في إظهاره. (١٥) إذا نحن حكمنا على العشق بما ينجم عنه في بعض الأحوال فأنا نراه إلى أن يكون بغضاً أقرب منه إلى أن يدعى حباً. (١٦) ليس حذر الشيخوخة بأقرب إلى الصواب في أكثر المواقف من تهجم الشباب. (١٧) البعد قد يمحو العواطف الهنية ولكنه ينمي القويّ منها. كالريح تطفي القنديل وتضرم الحريق. (١٨) يصعب علينا أن نحب من لا قدر له في أعيننا وأصعب منه حبنا لمن نرى له من القدر فوق ما نرى لذواتنا. (١٩) ليس وفاء أكثر الناس إلا طمعاً في الاستزادة من النفع. (٢٠) إني لا أرى أكثر فضليات النساء إلا كالكنوز المخبرءة، بقيت مصونة من أيدي السرقة لأنهم لم ينقبوا عنها. عباس محود العقاد حكم لأفلاطون

стр. 198

قال لا تصحبوا الأشرار فإنهم يمنون عليكم بالسلامة منهم. وقال إذا أقبلت الدولة خدمت الشهوات العقول وإذا أدبرت خدمت العقول الشهوات وقال لا تقسروا أولادكم على آدابكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم. وقال لا تطلب سرعة العمل واطلب تجويده فإن الناس ليس يسألون في كم فرغ من هذا العمل وإنما يسألون عن جودته. وقال لا تحقرن صغيراً يحتمل الزيادة.

стр. 199

الحب والزواج للفاضل عباس محمود العقاد دافيد هيوم أكبر فيلسوف إنكليزي في مباحث ما وراء الطبيعة وهو من فطاحل رجل الأب والتاريخ والاقتصاد السياسي عندهم. وهذا فصل من فصوله كتبه على أسلوب له يمزج فيه الحقيقة بالخيال ويورد الأفكار طي الفكاهات والدعابات. قال: لا أعلم ما بال النساء وحدهن يغضبهن كل بحث يتناول التنديد بالزوجية أو يتنسم منه رائحة الدعوة إلى العزوبة كأنما يحسبن أنهن المعنيات دون الرجال بكل ما يقال في هذا الصدد وكأنما يحسبن أنهن المعنيات دون الرجال بكل ما يقال في هذا الصدد وكأنما يرين أن قسطهن من الخسارة يكون أكبر من قسط سواهن إذا جر ذلك التنديد إلى نتيجة المرقوبة، وهي التنفير من الزواج. أو لعلهن يدركن أن تلك المآخذ والنقائص التي ينعيها الكتاب على الزوجية إنما ترجع إلى عملهن وان أسبابها آتية من تلقائهن. فإذا صدق حدسي فما أجدرهن أن لا يضعن هذا السلاح الباتر في أيدي أخصامهن - وأعني بهم الرجال - أو يوجهن خواطرهم إلى هذه المظنة. ولقد طالما حدثت نفسي أن أكتب فصلا في الزواج يلتئم عند بنات الجنس اللطيف مع تلك النزعة المأثورة عنهن فأعوزتني المواد وتعارضت الآراء وخرجت من التفكير وقد رأيتني إلى الهجاء أميل مني إلى الاطراء وقلت لنفسي إذا لم يكن بد من الثناء فلأذيلن تلك الأمدوحة بأهجوة وإلا فالسكوت أولى. أما أن أشوه جمال الحقيقة أو أمس طلعتها الناصعة بدهان الدهان، فذلك مالا أظنهن يدعونني إليه أو يرقهن أن يسمعنه عني. ذلك على أنه ربما كان في قلب وجوه الأحوال من المناوأة لهن أكثر مما فيه من النفع والجدوى. ولا يفوتهن أن الحقيقة ينبغي أن تكون أحب إلي وأدنى إلى قلبي حتى من بنات حواء. فأنا الساعة سأكون سفير أبناء جنسي لدى النساء، أفصح لهن عن أشد ما نشكوه من الزوجية والزوجات فإذا آنست منهن ميلاً إلى المفاوضة والاتفاق في هذه المسألة التي نعدها أم المسائل وكبرى ذرائع الخلاف فلا بأس نرجيء بقية الخلافات والتجنيات فتلك أمرها هين وخطبها متدارك.

стр. 200

فإذا لم يكن قد تطرق الخطأ إلى حكمي على الرغم منى فإن أطوار المرأة تنبيء بأن حب الهيمنة على الرجل والتفرد بالأمر والنهي دونه من أخص صفاتها وألزم طباعها. وأن ما كان بينها وبين الرجل من شقاق ونزاع فإنما مثاره هذه الصفة. وإن كان تعلقنا بهذه النقطة واستنادنا إليها قد يعد في عرف بعضهن دليلاً على أننا ننعتهن بوصف قد امتلك عقولنا واستحوذ على حواسنا. ولقد يبدو لي مع هذه أنه ليس في أميال المرأة ميل له من السلطان على نفسها والتحكم في أخلاقها ما لهذا الميل. وفي نوادر التاريخ رواية ظاهرة في تأييد ما أقول. فقد رووا أنه حدث فيما غبر من الأيام أن نساء (سيثيا) ضقن ذرعاً بما يكابدنه من الرجال فأهبن بكيدهن العظيم وتآمرن فيما بينهن على الإيقاع بهم، ثم كتمن الأمر وأخفينه - وذلك أغرب مافي هذه المؤامرة! - حتى تمكن من تنفيذه قبل أن يفطن إليهن أحد، فباغتن الرجال في أسرة النوم وعلى موائد الطعام والشراب فشددن وثاقهم وغللن أيديهم إلى أعناقهم وقيدن أرجلهم ثم جمعنهم في صعيد واحد وتنادين إلى مجلس عام يتدبرن فيما ينزله بأولئك الأعداء الألداء من صنوف العذاب وضروب التشفى والتنكيل وينظرن في الانتفاع بهذا الظفر فلا يقعن بعد ذلك في أصفاد الأسر والاستخذاء. فأما إبادة الرجال جميعاً فذلك مالا أحسب أنه خطر لأحداهن أو جامت حوله آراؤهن، رحمة منهن ورفقاً وإن لم يبق موضع للرحمة والرفق بعد ما تجرعنه منهم من غصص العيش وكابدنه من مضض العسف والجور. فقر رأيهن بعد الحجاج الشديد واللغط والفديد على أن يسملن أعينهم وتجاوزن في سبيل الحرية والسلطة عن تلك الخيلاء التي كانت تحلو لهن إذ يترنحن بين التيه والدلال ويعرضن الجمال على أعين الرجال. فودعنها وإن كانت أعز مودع عليهن وبكين الزينة والخضاب، وزخارف الحلي والأثواب، ثم هون عليهن أمرها أنهن سيتعوضنها بالحرية والنجاة من الأسر - قلن إننا لن نسمع بعد تأوهات العشاق ومناجاة الأحباب ولكن لايغيب عنا أننا سوف لا نسمع أيضاً صيحات الامر وزعقات السيادة والزجر. وسيرحل عنا الحب أبداً ولكنه سيحمل معه الاستعباد. ولشد ما أحزن البعض هذا الحكم فرثوا لأولئك المناكيد وقالوا ما كان أقسي قلوب النساء على الرجال المساكين، فإنهن حرمنهم نعمة البصر لينقادوا إليهن ذلك الانقياد الأعمى ولئن

стр. 201

أبقين عليهم مسامعهم فما هي بمغنية شيئاً بعد الإبصار ولو كانت تغني لصلمنها ولم يتعدينها إلى الأعين فيفقأنها وأنا أعلم أنه قل بين أهل الخبرة بأحوال الزواج من لا يستخف فقد الاذن بالقياس إلى فقد البصر لاسيما وأن وراء فقد الأذن الراحة من سماع المطالب الجمة والقوارص المصمة. وكيفما كان هذا الرأي فإن كثيراً من بنات اليوم من لا يعولن كل التعويل على هذه الطريقة ولا يبالين أن يتركن لأزواجهن عيونهم اعتقاداً منهن أنهن أدرى بتسخيرهم صاغرين سواء ذهبت أبصارهم أو بقيت في رؤسهم ولسوء حظ الرجال أن كان هؤلاء الأزواج ممن لا يصونون الجميل أو يعترفون بالإحسان فاقتسروا نساءهم على أن يحذون حذو أخواتهن لاسيما بعد أن صرح الزمن زهرة صباهن وأطفأ في وجوههن رونق الشباب وما أيسر الأمر إذا كان للمرأة النفوذ والسيطرة. ولا أدري لعل سيداتنا الأيقوسيات يقلدن جداتهن السيثيات ولكني طالما تولاني العجب إذ كنت أرى امرأة منهن تنتقي من بين الرجال زوجاً مغفلاً غبياً وتؤثره على سواه رفيقاً لها في الحياة وكأنها ترى أن غفلته وغباوته مما يعنيها على تذليله وترويضه. فما ترددت في الجزم بأن بين جنبيها نفساً تربو على نفوس أولئك السيثيات بربرية بمقدار ما تزيد عين البصيرة التي تسلمها هذه عن العين الباصرة التي قد سملها أولئك. بيد أني لا أكون عادلاً إذا أنا لم أنجح بسر يختلج في صدري ويتردد على لساني، فلقد يكون ولع النساء هذا بالسلطة أثراً لسوء تصرف أبناء جنسنا بسلطتنا. وقد أنبأت حوادث التاريخ أن الطغاة إذا أرهقوا رعاياهم ولجوا في الطغيان والعدوان أحفظوا أولئك الرعايا وحفزوهم إلى التمرد. فإذا تمردوا فتكوا وأهلكوا ونكبوا وأخربوا وضيعوا وروعوا، وانقلبوا هم طغاة كأولئك الطغاة الذين ينقمون عليهم بل أشد. ومن يدري لعل أمر النسوة معنا على حد ما علمنا؟ هذا ما صيرني أود لو تخلى كل منا عن مزاعمه فلا حاكم ولا محكوم ولا سيد أو مسود بل نجري في الأمور بالهوادة بيننا ويأخذ كل منا فيما يخصه بلا رقابة أو إيحاء من الآخر كأننا ندان متساويان ولا ننس أننا شطرا جسد متعادلان كما قال أفلاطون. فقد جاء في مرويات ذلك الفيلسوف الحاذق أن الإنسان لم يكن في أصله كما نحن الآن.

стр. 202

وإنما كان بدنا مندمجاً جامعاً بين الذكر والأنثى في جسد واحد فكان زوجاً وزوجة يشتركان روحاً وجسداً. ولا حاجة بنا إلى القول بأن هذا الإنسان المركب قد كان في منتهى الكمال والهناء فكان كل فرد مزدوج منه يعيش ملتئما متحداً لا يفكر في الانفصال ولقد أبطرت السعادة هذا النوع، وقديماً ترافق البطر والسعادة، فانقلبوا على الآلهة ونفضوا عنهم مخافة الأرباب. قال فأراد الآلة الاقتصاص منهم وقال قائل منهم إننا إن نقتلهم نيأس مما يقدمونه لنا من البخور والنذور فاختاروا لهم معشر الآلهة قصاصاً غير القتل. وبعد أن تشاوروا ما أجمعوا على أن يكتفوا بايهان قواهم فعمدوا إلى كل إنسان فشقوه شطرين، فانفصمت وحدته وضعفت بذلك منته. ومنذ ذلك العهد انقسم النوع الإنساني رجالاً ونساء. بيد أن ذلك الانقسام لم يمح من أنفسهم تلك الذكرى القديمة فما زال كل شطر يصبو إلى شطره ويتلهف عليه فينقب عنه ويفتقده حتى إذا التقيا تضاماً باشتياق وابتهاج وأخذا في عناق والتزام ووفاق والتئام. ولكن كثيراً ما كانت الأشطر تضل الاهتداء إلى بعضها فتتصل بغير شطرها. ففي هذه الحال يعودان إلى الفراق والطلاق ولا يزالان في انطباق وافتراق واتصال وانفصال حتى يعثر كلاهما بجزء يندمج فيه كل الاندماج ويطابقه تمام الانطباق كذلك ارتأى أفلاطون منشأ الشقاق والوفاق بين الأزواج ولو أتيح لي أن أكمل هذه الأسطورة الأفلاطونية لقلت وهاك أسطورتي: بعد أن شق جوبيتير الذكر والأنثى ندم على ما أحله بنوع الإنسان من النقمة الشديدة وأخذته الشفقة على عبيده في الأرض بعد أن عاين ماحاق بهم من الويل واستولى عليهم من القلق فباتوا وقد هجرتهم السكينة وفرت منهم الطمأنينة ورأى كيف أنهم مالبثوا منذ حلت بهم نقمته يضجرون من الحياة ويتأففون من هذا الوجود ويحسبون ما وهبهم من نعمة الحياة شقاء وبلاء قد أصبح النوع الإنساني منذ ذلك الحين ولا هم له إلا الأسف على ذلك التآلف القديم والحنين إلى استرجاعه فعطلوا العلوم وكفوا عن الأعمال ولم يجدوا في ملذات الدنيا ومسراتها ما يملأ ذلك الفراغ الذي أحدثه في كل جسد بعد نصفه عنه. فصحت نية ذلك الإله الغفور الرحيم على أن يصفح عن زلتهم ويتجاوز عن رعونتهم وطيشهم وإذا كان لا سبيل إلى ذلك التآلف وجوبيتير لم ينس بعد عصيانهم وتألبهم على

стр. 203

الآلهة. فلا أقل من أن يعوضهم عنه بما يسيهم ذكره وينسيهم خبره. فأوحى إلى ملكي الحب والزواج أن اهبطا إلى الأرض فاجمعا تلك الأعشار المتفرقة والأشطر المحطمة وألحماها وأرأبا ما تصدع منها كأحسن ما في وسعكما فصدع الملكان بالأمر الإلهي وهبطا إلى الأرض فوجدا من شوق الناس إلى التلاحم والتواصل ما مهد السبيل لهما وسهل عليهما قصدهما فدأبا بلا مال وانكبا على العمل. وما زال النجاح موالياً لهما فلحما ورقعا وأصلحا. ولكن حدث في يوم من الأيام أن شجر بنهما الخلاف لشأن من شؤونهما فتغير كل منهما على صاحبه وأسر في نفسه الكيد له وتصديه في عمله. وكان للزواج معاون في شغله هو الحسبان. كان هذا المعاون لا يفتأ يملأ رأس رئيسه بهواجس المستقبل ومشاغل العيش وهموم العائلة والأطفال والخدم فقلما راعياً في أعمالهما غير ذلك. واصطفى الحب له نصوحاً هو الطرب وما كان أسلم من الحسبان نصحاً لمولاه أو أصوب منه رأياً فكان يمنعه أن يمتد ببصره إلى أبعد من لذة برهة وطرب ساعة. وبعد أن نسي الناس مصابهم أو كادوا. جاء هذا الشقاق بين الحب والطرب من جانب والزواج والحسبان من الجانب الآخر فجدد لهم هماً شاغلاً وحرك في نفوسهم قلقاً ساكناً. فكان الحب إذا أصلح نصفين ووفق بينهما أسرع الحسبان واستصحب معه الزواج ففصلا هذا من ذاك وألصقاه بنصف آخر قد أعداه له. فإذا أراد الطرب أن يثأر لنفسه عمد أيضاً إلى نصفين وفق بينهما الزواج فتسرب اليهما خلسة واستعان بالحب فجعلا يصلان أحدهما أو كليهما بصلة خفية إلى نصف من أنصافهما المهيأة لهذه المآرب. ولم يطل على ذلك الأمد حتى علا ضجيج البشر إلى لاسماء وجأروا بالدعاء إلى عرش جوبيتير فاستدعى إليه الملكين وأمرهما أن يقدما إليه صحيفة أعمالهما. فطفقا يتحاوران ويتنصلان وجوبيتير يسمع. فلما فرغا من الأخذ والرد والتنصل والاتهام رأى أنه لا سبيل إلى إسعاد البشر إلا بالتوفيق بين الحب والزواج فأصلح بينهما. وأراد أن يكون واثقاً من دوام هذا الصلح إلى ماشاء فشدد عليهما أن لا يبر ما أمراً أو بيتاً في عقد إلا بعد مشاورة معاونيهما الحسبان والطرب واسترضائهما. فأيما قران تحققت فيه إرادة أبي الآلهة وتراضى عليه الحب والزواج والحسبان والطرب

стр. 204

فذلك القران السعيد الذي يتألف منه ذلك الإنسان المركب ويجتمع به النصفان الغائبان. نعم إننا أضعنا منوال جوبتير الذي يحيك حاشيتيهما ويحبك طرازيهما. ولكن لنا من خيوط القلوب وعلائق الأرواح ما هو أمتن وأقوى على أن يدمج ذاتين في ذات واحدة. يحدب كلاهما على صاحبه فيضحك لضحكه ويبكي لبكائه وتمتزج أوطار نفسيهما فتحس كل نفس أن ألم الأخرى ألمها وأن ما يسر إحداهما يجب أن يسر الثانية فتخشى خشيتها وترجو رجاءها.

стр. 205

شذرات مقتبسات من امرسن رالف والدو إمرسن أشهر كاتب أمريكي على الإطلاق ولد في مدينة بوستن للخامس والعشرين من شهر مايو عام ١٨٠٣ وتوفي في السابع والعشرين من شهر أبريل عام ١٨٨٢. وأحرز مكانة عالية بكتاباته فأصبح معدوداً من كتاب الطبقة الأولى في اللغة الإنكليزية. وإليك بعض مقتبسات من فصوله: (١) فلسفة الفنون الحد بين الطبيعة والصناعة في الفنون الجميلة الموسيقى والفصاحة والشعر والتصوير والنحت والمعمار، إذا نحن سردناها كما نفعل الآن لم يكن ذلك إلا إحصاء ظاهرياً للفنون الجميلة. ولقد أغفلت فن البلاغة لأنه لا يبحث إلا في وضع الشعر والفصاحة. وأرى المعمار والفصاحة من الفنون المشتركة التي يقصد بها الجمال حيناً والنفع أحيانا. ومما يشاهد أن شيئاً من روحية كل فن من هذه الفنون يذهب عنها حتى يتهيأ تجسدها ووضوحها للحس فيتلاقى عندها فعل الصناعة بفعل الطبيعة وأن لكل منها ناسوتا من المادة يتلبس به. وفي كل منها تقف الفكرة المبتدعة إلى حد محدود عند تلك المادة التي يتجلى فيها ذلك الفن. فالشعر ناسوته الألفاظ ولئن لم تكن الألفاظ مادية إلا من جانب واحد فقد وضعها الناس من قبل وتداولتها الألسنة في آرابها. فالشاعر لن يبتدعها ابتداعاً لأداء مقاصده. فهي ليست اذن من بنات فنه ولا من ثمرات الروح الملهمة في ذلك الفن. والموسيقى قاعدتها تموجات الهواء واهتزاز الأوتار الأدوات المرئية وإن نبرة من خيط أو سلك مشدود لتبعث في النفس من لدن الأذن سرورها بالرنة العذبة. ذلك وإن لم يؤلف الموسيقار من تلك النبرات لحناً أو يستنزل وحي الأنغام والأدوار من آلهة فنه. والفصاحة في الحيز الذي تعتبر من قبله فناً جميلاً، نراها تتحسن وتكتسب شيئاً من تأثيرها وفعلها في النفوس من أحوال الخطيب الجسدانية في الإشارة والإيماء ورنة الصوت وقوة الصدر وتغير السحنة. وفي كل ذلك من النقص من روحية اللذة والسرور قدر ما فيه من

стр. 206

النقص في عمل الصناعة نفسها، نقصاً يرجع بها إلى حيز الطبيعة (والطبيعة والصناعة في الاصطلاح الفني كلمتان متقابلتان من حيث أن الحالة الطبيعية للأشياء هي بقاؤها على ما هي عليه. وإن الحالة الصناعية لها هي انتقالها من ذلك الطور وتشكلها في أطوار أخرى). وفي التصوير تزيغ الألوان والنقوش البصر قبل أن ينفذ إلى سر الجمال المودع في رسم المزرعة أو المنظر الطبيعي. وكذلك في النحت والمعمار فالمادة في الأول كأن يكون التمثال من مرمر أو حجر مجب مثلا، والمادة والحجم في الثاني تحدثان في نفس الرائي سرورا لايمكن إلا أن نعده سرورا مستقلاً عن ذات الفن في ذلك التمثال وتلك البنية. فرح الفن تبدو في النموذج والطريقة. إذ أنه في هذين لا في التمثال أو الهيكل من حيث هما تظهر قدرة الصانع. فالرونق الذي يزيد به تمثال المرمر على نموذج الطين، والفخامة والعظم والجلال التي يمتاز بها الصرح الممرد أو الهرم المشيد على رسميهما في القرطاس. ذلك من عمل الطبيعة وليس من عمل الصناعة. (٢) الشجاعة المعرفة ترياق الخوف. ويدخل في هذه المعرفة التجربة والتعقل. فالخطر على الطفل من الصندوق أو الموقد أو حوض الاستحمام أو السنور قد لا يقل عن الخطر على الجندي من المدافع والكرات والخنادق والمتاريس وكلاهما يتغلب على خوفه حالما يعرف وجهة الخطر ويلم بوسائل الدفاع والدرء عن نفسه. وكلاهما قد يستسلم لذعر أو قلق ليسا في الواقع إلا نتيجة تصورات وخيالات ولدها في المخيلة الجهل بحقيقة الخطر المحدق بكليهما فالمعرفة تؤيد القلب فلا يجفل من اقتحام المخاطر، وهي التي تنزع الخوف من الصدور. ومثلها التجربة وما معناها إلا المعرفة من طريق الاختبار. إنما يقهر من يأنس من نفسه القدرة على القهر. وإن الذي لا يحجم عن الأمر إنما هو الذي أقدم عليه مرة قبل ذلك. والسائس المروض للجواد الجامح هو الذي يستطيع أن يمتطيه آمنا. وليس إلا الجندي المدرب يرى شظية القذيفة فيتزحزح عن طريقها ساكناً. والعادة تخلق جندياً باسلاً ممن لا يجعله الشعور بالواجب جندياً وإن كان ذلك الشعور فيه مكينا: ذلك لأن كثرة ممارسته للخطر مكنته من تقدير الخطر. فقد رأى رأى العين إلى أي حد

стр. 207

يبلغ فلم يدع للخيال موضعاً للتخمين والتقدير. النواتي لا تساوره المخاوف إلا ريثما يحسن أن يقبض على الشراع ويقوي على تسخير الريح أو تصريف البخار. والجندي لا يجد الفزع إلى قبله سبيلاً ما دام يحمل على كتفه رامية متينة ويحكم التصويب والتسديد. وذلك النواتي الخبير يعد لكل خطر مفاجئ عملاً يتقيه به. فالتقلبات والطوارئ التي تخلع قلوب السفر هلعاً لا يقابلها الرجل إلا بإصدار الأوامر المتوالية والإشارات المتتالية. والأعاصير والتيارات والجنادل لا معنى لها عنده إلا أنها داعية العمل الكثير. لا أكثر ولا أقل. والصياد لا ترعبه الدببة والضواري التي يثيرها ولا الراعي يخاف ثوره كلا ولا مربي الكلاب كلبه العادي ولا العربى السموم. . . . . . . . الشجاعة هي وزن الخطر وما يعادله من القوة كذلك هي في كل غرض ومعرض. سواء في شؤون الحياة أو العلم أو التجارة أو المجلس أو العمل. ومدارها في كل هذه المواضع على اقتناع النفس بأنها لا تقف أمام قوة أكبر منها. ويجب على القائد أن يقرر للجنود أنهم رجال وأن أعداءهم ليسوا إلا رجالاً. فالمعرفة هي العلاج كله. فإن الوهم هو الخطر الحقيقي وهو منشأ الجبن والذعر وما أسهل ما تذعن العين. فإن الطبول والإعلام والخوذ اللامعة ولحى الجند وشواربهم كثيراً ما تتملك قلب المرء قبل أن تصل سيوفهم وحرابهم إلى جسده. ولا ينبغي أن ننسى اختلاف البنى والأمزجة فإن لها أثراً كبيراً في استعداد المرء لمقاومة الطوارئ. وقد لاحظوا أن أضيق الناس خيالاً أقلهم خوفاً، تراهم يلبث أحدهم جامداً حتى يشعر بالألم. أما أصحاب الأمزجة الدقيقة الحساسة فهم يتوقعونه ويتألمون من خوف الألم أكثر من الألم نفسه. ولا شك أن الوعيد يكون أحياناً أرهب للنفس من العقاب. وقد يمكن أن يحس المشاهد ألماً أشد مما يحسه المصاب. فما الآلام البدنية إلا وهم سطحي مقره في الجلد والأطراف والغرض منها أن تنبهنا إلى أخذ الحيطة لأنفسنا في حين اقتراب الخطر. وهي لا تتعمق في الإنسان إلى أعضائه الحيوية وأجهزته الرئيسية فقد لا تحس هذه ألماً حتى في حال الموت، وقد لا تتأثر حواس المرء بالجرح البالغ والصدمة القاتلة تأثرها بالخدوش واللكز الخفيف.

стр. 208

قلنا أن الألم وهم سطحي، والخوف إنما هو من الألم فليس الخوف إلا وهم سطحي مثله. وإنه ليخيل لي أن الشهيد الذي كان يحترق بالنار ما كان يحس من لذعها ما يحسه واقف ينظر إليه عن بعد. فإن عذاب ذلك الشهيد ليس إلا هواجس تقوم بأذهاننا وإن أول ما يمس بشرته هو آخر ما يحسه. أما الآلام الأخيرة فأنها تضيع في غيبوبة الذهول والإغماء. (٣) حافظ الشيرازي كان حافظ أمير شعراء فارس. ولقد خص بمواهب خارقة، فكانت له قريحة كقرائح بندار وأنا كريون وهوراس وبيرنس وزاد عليهم نظرته الصوفية إلى أعماق الطبيعة وأحشاء الكون: نظرة تتغلغل إلى أبعد مما يصل إليه نظر واحد من هؤلاء الشعراء. . . . . . ولقد كان يتغنى بالصهباء، ويبسم للورود الحمراء، ويتغزل بالفتيان، وينسب بالعذارى الحسان، ويطرب لأهازيج العصافير، ويبتهج بالصباح المشرق المنير، ويهتز لشجى الألحان، وتوقيع القيان، ولكنه كان يخفى وراء ذلك ولها متأصلاً بكل صورة من صور الجمال وتهافتاً على الطرب والأنس يمزجه بازدراء قداسه المرائين وحكمة قصار الأنظار من الغافلين. ذلك ما كان يدور عليه أكثر شعره. فإذا هممت باتهامه في أخلاقه وشيمه ألقى إليك بيتاً من الشعر يلوح لك منه كيف أن الشهوة كانت أصغر مشتهيات الرجل، وقذف العالم بأكبر ما سمع من احتقار مظاهره وحظوظه. ومن تلك الأبيات ما يهبط إلى الناس من أعلا ذروة الفكر الإنساني كقوله: آتنى بالكأس أحيي الر ... وح من أعذب راح ما يرى في عالم الأر ... واح مخمور وصاح أو ملوك وعبيد ... بين أبناء القداح . . . . . قيل أنه أبصر غلاماً مليحاً في أسواق شيراز فقال فيه: وهبتك قلبي يا ابن شيراز مدنفا ... وقلب الفتى أغلى وأكبر ما أهدى ولو كنت ذا ملك وهبت لخاله ... بخارى متاعاً سائغاً وسمرقنداً فتناشد الناس البيتين واتصل خبرهما بتيمور في قصره فأمر به فأحضر. فلما مثل بين يديه، قال له: أيها الرجل كيف اجترأت أن تنزل هكذا من شأن مدينتي اللتين ما رفعتهما

стр. 209

إلا بعد أن دككت المعاقل والحصون ولا عمرتهما إلا بعد أن دمرت المدن والبلاد؟ قال عفواً يا مولاي! إنني لولا كل هذا السرف والبذل في لم أكن من العوز والفاقة بالحال التي ترى!! عباس محمود العقاد كيف يكتب الكاتب من فصل لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ واختر من المعاني ما لم يكن مستوراً باللفظ المنعقد مفرقاً في الإكثار والتكلف فما أكثر من لا يحفل باستهلاك المعني مع براعة اللفظ وغموضه على السامع بعد أن يتبين له القول - وما زال المعنى محجوباً لم تكشف عنه العبارة فالمعنى بعد مقيم على استخفائه وصارت العبارة لغلوا وظرفاً خالياً - وشر البلغاء من هيأ رسم المعنى قبل أن يهيء المعني عشقاً لذلك اللفظ وشغفاً بذلك الاسم حتي صار يجر إليه المعنى جراً ويلزقه به إلزاقاً حتى كأن الله تعالى لم يخلق لذلك المعني اسماً غيره ومنعه الإفصاح عنه إلا به والآفة الكبرى أن يكون ردئ الطبع بطيء اللفظ كليل الحد شيديد العجب ويكون مع ذلك حريصاً على أن يعد في البلغاء وتصفح دواوين الحكماء ليستفيد المعاني فهو على سبيل صواب ومن نظر فيها ليستفيد الألفاظ فهو على سبيل خطأ - والخسران ها هنا في وزن الربح هناك لأن من كانت غايته انتزاع الألفاظ حمله الحرص عليها والاستهتار بها إلى أن يستعملها قبل وقتها ويضعها في غير مكانها ولذلك قال بعض الشعراء لصاحبه أنا أشعر منك. قال صاحبه ولم ذاك. قال لأني أقول البيت وأخاه وأنت تقول البيت وابن عمه وإنما هي رياضة وسياحة والرفيق مصلح والآخر مفسد ولا بد مع هذين من طبيعة مناسبة - وسماع الألفاظ ضار ونافع فالوجه النافع أن تدور في مسامعه وتغيب في قلبه وتخيم في صدره فإذا طال مكثها تناكحت ثم تلاقحت وكانت نتيجتها أكرم نتيجة وثمرتها أطيب ثمرة لأنها حيئذ تخرج غير مسترقة ولا مختلسة ولا مغتصبة ولا دالة على فقر إذ لم يكن القصد إلى شيء بعينه والاعتماد عليه دون غيره - وبين الشيء إذا عشش في الصدر ثم باض ثم فرخ ثم نهض وبين أن يكون الخاطر محتالاً واللفظ اعتسافاً واغتصاباً فرق بين. ومتى اتكل صاحب البلاغة على الهوينا والوكال وعلى السرقة والاحتيال لم ينل طائلاً وشق عليه النزوع

стр. 210

واستولى عليه الهوان واستهلكه سوء العادة. والوجه الضار أن يحفظ ألفاظاً بأعيانها من كتاب بعينه أو من لفظ رجل ثم يريدان يعد لتلك الألفاظ قسمها من المعاني فهذا ألا يكون إلا بخيلاً فقيراً وحائفاً سروقاً ولا يكون إلا مستكرهاً لألفاظه متكلفاً لمعانيه مضطرب التأليف منقطع النظام فإذا مر كلامه بنقاد الألفاظ وجهابذة المعاني استخفوا عقله وبهرجوا علمه ثم اعلم ان الاستكراه في كل شيء سمج وحيثما وقع فهو مذموم وهو في الظرف أسمج وفي البلاغة أقبح وما أحسن حاله ما دامت الألفاظ مسموعة من فمه مسرود في نفسه ولم تكن مخلدة في كتبه وخير الكتب ما إذا أعدت النظر فيه زادك في حسنه وأوقفك على حده.

стр. 211

الروايات والقصص صريع الكاس للكاتب الروائي الأشهر تشارلزد كنز عربها إبراهيم عبد القادر المازني الأستاذ بالمدرسة الخديوية ليس بين من يسيرون في شوارع لدره المزدحمه من لا يذكر أنه راى في بعض مغاديه أناساً تقتحمهم العين وتنبو عن منظرهم الأحداق لسوء متوسمهم وقبح هيئتهم كانوا فيما خلا من الأيام يرفلون في برود النعيم ويخطرون في مطارف السعادة ثم ما زال بهم الدهر يتخونهم ويسقط من جاههم ويخفض من حالهم حتى ألقاهم في مراغة الفقير وحمأة الهوان فلو رأيت أحدهم للعج فؤادك ما صار إليه من رقة الحال وخساسة المنزلة ومن ذا الذي تقلب بين الناس وحاضر طبقاتهم وتخلل دهماءهم فلم يعرف في بائس من هؤلاء إذ يمر به في سمل رث وقد شفه المرض وأضوته الفاقة ذلك التاجر السرى أو الوجيه الأغر ومن من الفراء لا يعرف من بين معارفه واحداً أوضعه الدهر وضعضعته الأيام فلصق بالتراب من الفقر ولصقت بطنه بظهره من الجوع وباعده من كان يمنحه الود والدهر مقبل ونفر منه الناس جميعاً. ألا أن ذلك كثير الوقوع وعندي أن علة ذلك الولع بالشراب - تلك الشهوة الشديدة التي تحمل المرء على حتفه وتسوقه إلى حمامه وتختم على قلبه وتضرب على سمعه فيطرح زوجه وبنيه وصاحبه وعشيره وسعادته ومنزلته ويندفع في طريق الخراب والذل والموت. ومن هؤلاء من بلغت المحنة مجهوده وملكت عليه مذاهبه فتدلى إلى الاثموواقعه حتى صار إلى مثل ما وصفنا من ضعة الشأن وحقارة القدر فقد تحول ضروف الليالي بين المرء وما يؤمل أو ينزل الحمام بمن تيمه وذهب بفؤاده فتتقطع نفسه حسرات وتتصدع زفرات ويخونه الصبر ويسلمه الجلد فيختلط عقله. ويجن جنونه. ولكن جل هؤلاء قد عاقروا الخمر مختارين وطرحوا نفوسهم مفتوحي العيون في تلك الهوة التي لا ينجو منها أحد ولا يزال المرء فيها يهوى حتى تعز النجاة ويستحيل الخلاص. ولقد وقف مرة واحد من هذا الصنف بإزاء زوجته وقد أظلها الحمام وبلغت روحها التراقي وكان حولها بنوها يبكون وقد اختلطت دعواتهم بزفراتهم وصلاتهم بعويلهم وكانت الغرفة

стр. 212

حقيرة الأثاث وحسب الناظر أن يرى ذلك الوجه الشاحب وصاحبته في سياق الموت تجود بأنفاسها ليعلم أن الأسى والفاقة والهموم قد اعتلجت في ذلك الصدر سنين طوالا. وكان يسند رأسها أمرأة ذاوية العود خاوية العمود قد لجت في الاستعبار واسترسلت في البكاء وعلى ذراع الزوجة طفلة هي ابنتها. غير أن ذلك الوجه الشاحب لم يرفع إليها فقد كانت يدها الباردة المنتفضة ممسكة ذراع زوجها وعيناها ترنوان إليه في سكون وهو ينتفض من لحظهما: وكانت ثيابه رثة خلقة. ووجهه ملتهباً وعيناه كالفبس غير أن فيهما فترة الشراب وثقلة الخمار فقد كان في بعض الحانات بين الكؤوس والأقداح يرتشف الراح ويرتضع نثر الكأس فاستدعوه إلى سرير الموت. وكان إلى جانب السرير مصباح ينبعث من بعض جوانبه نور ضئيل. وقد شمل سكون الليل كل شيء خارج البيت وبات سكون الموت ملء الغرفة إلا ساعة على رف واهنة الدقات ولكنها دقات تهتك حجاب القلب ما سمعها أحد ممن التفوا حول السرير إلا أخذته رعدة وأحس أنها بعد ساعة ستدق للموت. فظيع منظر الموت وارتقابه وإن نعلم أن الرجاء سحاب خلب وإن البرء لا مطمع فيه ولا مغمز - وإن نقضي الليالي الطوال تعد الساعات البطاء ولكن أفظع من هذا وذاك أن يبوح المريض وقد رنقت عليه المنية بما طوى من دفائن صدره وستر من مخبآت نفسه فلا ينفعه اكتتامه وحرصه إذا برجت به الحمى وأخذه هذيانها فقد قص الناس وهم في نزاع الروح أغرب القصص - جرائم وأوزار اجترحوها في حياتهم وغيبوها في صدورهم ففضت ختمها الحمى - حتى لقد ارتاع من قام عليهم ففروا لئلا تستلب عقولهم مما رأوا وسمعوا وكم من بائس قضى نحبه وهو يهذي بما ركب من الأثام ويحدث جدران الدار بجرائم جبن أقوى الناس جائشاً واثبتهم جناناً عن سماعها. ولكن لم يسمع أحد شيئاً من ذلك في الغرفة التي تقدم ذكرها فقد كانت المرأة المسكينة ساكنة وحولها بنوها ركعاً يبكون ولما وهي ذراعها ورفعت طرفها إلى بنيها وزوجها وهي تجاول النطق عبثاً ثم سقطت رأسها على الوسادة كان يخيل للناظر انها اضطجعت لتنام. فأشرفوا عليها ونادوها برفق بادئ الأمر ثم صوت اليائس وصرخة القانط فلم يجبهم أحد. فاستمعوا إلى نفسها فلم يجدوا له حساً فأقبلوا بسمعهم على قلبها فلم يسمعوا له ركزا لقد

стр. 213

زهقت نفسها وطاحت روحها. وارتمى الزوج على كرسي بجانب السرير واشتبكت يداه على جبينه الملتهب وجعل يصفح بنيه وكلما التقت عينه بعين عبرى نكس بصره وأغضاه ولم يعزه أحد في مصيبته ولا رق له بل نفروا منه جميعاً واجتنبوه ولم خرج يترنح من الغرفة لم يحاول أحد أن يتبعه ليواسيه. لقد مرت به أيام لو نزل به فيها مثل هذا الخطب لتسابق إخوانه إلى ساحته ليشاطروه أحرانه ويضربوا له الأسى وأين هم الآن؟ لقد جفاه الإخوان والأقارب والناس جميعاً واجتووا عشرة السكير وعافوا صحبته ولم يحفظ له العهد في الرخاء والجهد والشدة والخفض والاعتلال والفقر غير زوجته وكيف كان جزاؤها؟ لقد جاء يتمايل من الخمارة ليشهد موتها. وخرج من البيت وانصلت يعدو في الشارع وقد ننازعه الندم والخوف والخجل وغلب عليه الشراب وذهب بعقله ما رأى في ليلته فعاد إلى الخمارة التي تركها منذ قليل. وطيف عليه بالكاس بعد الكاس فدبت الخمر في عظامه وعملت فيه الصهباء الموت. شريعة كل الناس واردها. وما كانت إلا فرجاً مثل كافة الناس. ولقد انقضت أيامها فأي غرابة في ذلك أو بأس. لقد كانت أبر مني وأمثل ولقد قال لي ذلك أهلها مراراً لعنهم الله. ألم يقطعوها ويجذموا حبلها ويتركوها تنطع مراحل الوقت بالبكاء. لقد ماتت ولعلها اليوم أسعد حالاً ولعلني. فاسقنيها بحتا صراحا ما أعذب طعم الحياة وأحلى مذاقها. ودرجت الأيام وتصرمت الليالي وشب من بنيه أربعة أخطاتهم المنايا فجاوزوا حد الصغر وأبوهم على ما يعهد القارئ من الفقر المدقع وضعة الشأن ودناءة المنزلة والإدمان وكان قد فر من أولاده الغلمان فتشردوا في الشوارع وبقيت البنت تكدح له وتصل نهارها بالليل وصباحها بالمساء ابتغاء الرزق وكلما كسبت شيئاً سلبها إياه تارة بالقول اللين وأخرى بقرع العصا وصرفه في الخمارة ولبث على هذه الحال ردحا من الزمن وفي ليلة ليلاء من ليالي الشتاء بمم داره في الساعة العاشرة - وذلك خلاف عادته ولكن الفتاة كانت مريضة فلم يجد ما يصرفه في الخمارة - أقول في الساعة العاشرة من هذه الليلة يمم داره فسار وهو يحدث نفسه ويقول أنه ينبغي أن يسألها مم تشكو (وهو مالم يتكلفه حتى اليوم) أو أن يستوصف لعاتها لتقوى على السعي والكسب:

стр. 214

وكانت الليلة قرة ذات رياح وأمطار فاستمنح أحد المارة بضع بنسات وابتاع رغيفاً (لأن من أصالة الرأي أن يطعم الفتاة حتى لا تهمد من الجوع) ثم أغذ السير إلى البيت. فألفى بابه أو ما بقي منه مفتوحاً إلى آخره. ليتسنى لكل ساكن أن يلج البيت من غير أن يكلفه ذلك عناء. وصعد مدرجاً قديماً متهدماً وهو يوشك من فرط الظلمة أن يمشي على راحتيه ورجليه وينال الأرض بوجهه. فلما صارت غرفته منه قاب قوسين أو أدنى فتح الباب وظهرت فيه فتاة ذات وجه ظمآن وجثمان تخونه السقم ودكه المرض وأذوت نضرته الفاقة. وفي إحدى يديها شمعة أظلتها بالأخرى. ونظرت بمجامع عينها إلى القادم ثم قالت أهذا أنت يا أبي؟ فتعبس وقال ومن غيري كنت تتوقعين، وما بالك ترعشين، إني لم أنقع إلى الساعة غلتي ولقد طال تلوحى ولا سبيل إلى الري إلا بالمال ولا مال إلا بالعمل فما خطب الفتاة. فقالت الفتاة إني عليلة وصبة وتحدرت عبرتها وتساتلت على وجنتها عقود دمعها. فزقر الرجل زفرة من لا يجد مناصاً من الاعتراف بأمر لا يندى على كبده يود لو استطاع أن يتلهى عنه ويسهو. وقال يجب أن تصحى وتثوبي إذ لا بد لي من المال ولذلك يجب أن تستوصفي طبيب الكنيسة ليحسم عنك داءك قبل أن يستغز بك ويعطيك بعض الاشفية لعنهم الله فلا بد من دفع ثمنها، مالك تقفين في وجهي. دعيني أدخل فأوصدت الباب وراءها وهمست إليه أبي لقد عاد وليام فقال وقد نالته فزعة شديدة من؟ قالت صه - ويليام. أخي ويليام فقال الرجل وهو يحاول أن يسكن جأشه وماذا يبغي مني أخوك وليام. ألمال، أم اللحم، أم الشراب لقد ضل فليس هنا قراه. اعطني الشمعة - اعطنيها ياغبية - فلا بأس على أخيك ولا مكروه واختطف الشمعة من يدها ودخل الغرفة. فانس فيها شاباً في الثانية والعشرين من عمره رث الكسوة باذ الهيئة جالساً على صندوق قديم ورأسه مسندة إلى يده وعيناه ترنوان إلى نار قد خبا سعارها وفتر ضرامها. فلما أحس أباه حملق إليه وقال لأخته أو صدى الباب يا ماري أو صدى الباب أراك يا أبي تنظر إلى كانك لا تعرفني إن عهدك بطردي بعيد لا ريب وأنت معذور إذا نسيتني.

стр. 215

فجلس الأب على دكة وقال وماذا تبغي مني الآن قل ماذا تبغي. أريد أن تبوأني كنفك وتأويني إلى ظلك فقد حدثت على حادثة وحسبك هذا فإذا ظفر بي الشرط فأنا ميت لا محالة وهم لا ريب ظافرون بي إن لم تحلني دارك وقد حدثتك بأمري فأشر كيف تأمر، فقال الأب أتعني أنك سرقت أو قتلت، نعم. أعني ذلك. وهل فيه ما يعجبك يا أبي ثم أتأر إليه بصره ولكنه ما عتم أن غضه ونظر إلى الأرض. وقال الأب بعد سكتة طويلة وأين أخوتك هم حيث لا ينالك منهم أذى. أما جون فقد ذهب إلى أمريكا وأما هنري فقد - مات: فارتعدت فرائص الأب على الرغم منه وقال مات،. نعم مات - وفاضت نفسه بين ذراعي - رماه حارس الصيد فتساقط إليّ وسال دمه على يدي - لقد كان الدم يجري كالماء - وكان ضعيفاً فغشى عليه ولكنه ما لبث أن ركع على الأرض واستغفر الله ثم قال لقد كنت قرة عين أمي ومحل أنسها يا ويليام وأنه ليثلج نفسي ويطيب قلبي أني لم أبكها يوماً إني ليلة ماتت - وإن كنت إذ ذاك حديث السن - ركعت عند قدميها وجوانحي تكاد تنقض وحمدت الله على ذلك. أي ويليام كيف تودي ويبقى أبي، هذه كانت كلماته وهو في نزاع الروح فتبين منها ما تشاء. لقد لطمت وجهه في خمارك يوم تشردنا وهذا ما صار إليه أمرنا جميعاً فانتحبت الفتاة وأطرق الأب وجعل يميل يمنة ويسرة ورأسه بين ركبتيه وعاد ويليام إلى الكلام فقال: هذا وإذا قبض على الشرط ذهبوا بي إلى الريف وأباؤوني بذلك الحارس وذلك من فوق امكانهم إلا أ، تمدهم بعلمك وتكون وهم يداً واحدة علي وكأني بك تفعل ذلك فإذا كذب ظني وأخلق به أن يكون كاذباً فإني أقيم حيث أنا حتى تلين لي أعطاف الأمور ويستيسر لي الفرار. وقبع الثلاثة في كسر غرفتهم يومين كاملين وأقاموا بها لا يبرحونها وفي مساء اليوم الثالث اشتد على الفتاة المرض وفدحها ونفد طعامهم فكان لا مندوحة لأحدهم من الخروج ولما كانت الفتاة لأقبل لها بذلك خرج الأب وعلى الأرض غيابات الطفل. فاستجدى المارة واشترى ببعض مالديه بعض الأشافي للفتاة وجاءته في أوبته بنسات ست
следующие страницы →