← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

تاريخ الإسلام المقدمة الثانية في الأديان نحن الآن بمعرض تاريخ الإسلام بمعرض تاريخ الإسلام دين من الأديان وقد نبع بين أمة كانت تدين قبله بدين وكان لكل جيل من العالم وقتئذ دين كذلك فجاء الإسلام واشتهرها وسفه أحلام أهليها ومحاها كما يمحو النور الظلام فكان حقاً علينا لذلك أن نلم إلمامة بالأديان التي كانت معروفة قبل الإسلام ولاسيما ما كان منها ذائعاً في جزيرة العرب وما ضاقبها حتى نكون على بصيرة تامة بالحركة الدينية في تلك الأعصر ونعلم هل كان هناك حاجة إلى دين صحيح ينتاش أهل تلك الأوقات مما هم مرتطمون فيه ويهديهم إلى صراط مستقيم - وحتى يتجلى لنا كثير من تلك الاصطلاحات الدينية التي ورد ذكرها في القرآن الكريم وعلى لسان السيد الرسول ﵊ وفيما يمر بنا من التاريخ الإسلامي من مثل يهود ونصاري وصابئة ومجوس ومشركين ومن مثل بد وود وسواع ويغوث ويعوق ونسر وهبل ومن مثل بحيرة ووسيلة وحام إلى أمثال تلك الأسماء التي نجهل كثيراً من مسمياتها كما هي في الواقع وفي عرف الإسلام. إن الدين عند الله الإسلام وهو الذي أوصى به نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى وأوتي النبيون من ربهم وأوحي بعد ذلك إلى خاتم النبيين محمد بن عبد الله ﷺ . فدين الله واحد وإنما تتفاوت صوره وتتباين أشكاله بتباين استعدادات الأمم وما تمثله به أمزجتها وتكيفه به طبائعها وتدخله عليه من ضروب البدع وأفانين الأوهام. دين الله واحد وكذلك الحقيقة واحدة وإنما تتعدد ظواهرها بتعدد الأزياء التي تتزياً بها وكثرة ما تحلى به من صنوف الزخارف وأنواع الزينة (وإن كانت زينة كشينة) حتى تتوارى الحقيقة بالحجاب ولا يكون هناك إلا الزخرف والثياب. دين الله واحد لأن ينبوعه واحد - ينبوعه ذات الإله المقدسة وما الأنبياء والمرسلون إلا مبلغون عنها ما فيه صلاح الإنسان متضافرون على طريق هذا الصلاح لأنهم من عند الله الواحد لا من عند أنفسهم مرسلون. دين الله واحد وهل هو غير الفضيلة وكما الإنسان وأن يكون بحال من التقى والصلاح

стр. 142

تستدر عليه أخلاف السعادة وبلهنية العيش وتنفى عنه أكداره. ما هو الدين؟ هو كما أسلفنا وبعبارة أوجز وأجمع (الإسلام) وليس قولنا الإسلام كقولنا الإسلام والنصرانية واليهودية والمجوسية والصابئة والبوذية وما إلى ذلك وإنما هو كما جاء في القرآن الكريم وكما يشعر مدلول اللفظ أن تسلم وجهك لله وتخلص إليه التوحيد والعبادة وما يستتبع ذلك من الخلوص والتقى والصلاح وفعل الخير والتنكب عن الأذي والضير: فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن أتبعن وقل للذين اؤتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد: لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون: ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه - والإسلام هكذا هو الدين الحنيف دين إبراهيم وموسى وعيسى وسائر النبيين بل هو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهرون وسليمان وآتينا داود زبوراً ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك﴾ ﴿فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾. أما ما أصار الدين أدياناً وجعله فرقاً وألواناً وأوجد هذا الاختلاف المبين وذلك التعدد المشين فإنما هو ضيق الفكر الإنساني وما جبل عليه البشر من الطمع والأثرة وما يريده القائمون بأمر الدين لأنفسهم من الهيمنة والسلطان والاستبداد بالعقول وما يصيب العقول في بعض الأحايين من الانحطاط والوهن وما يتسرب إلى الأذهان من الأوهام والأفن حتى يستحيل كل ذلك على كر الغداة ومر العشى ديناً وما هو بدين. لذلك كانت هناك ملل ونحل ومذاهب وأديان: ولا يزالون مختلفين الأمن رحم ربك أسلفنا أن الدين عند الله الإسلام وأنه دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها فكان من البديهة لذلك إن الدين وجد مع الإنسان إذ لا حياة للإنسان بلا دين كما لا حياة له بلا قلب - وجد الدين مع الإنسان الأول ولكن لا في تلك الصورة التي نعرفها نحن وإنما في صورة هي أبسط وأليق بعقل الإنسان الموحش القديم وللعلماء في ذلك أي في ما هو أول معبود للإنسان وما الذي دفعه إلى التدين آراء مضطربة ومذاهب متناقضة لصعوبة أن يعرف

стр. 143

المؤرخ ذلك معرفة يقين وأن يعلمه علماً ليس بالظن فمن قائل أن أول ما عبد الإنسان آباؤه وأجداده وذلك أنه لما رأى ريب المنون يتخطف من كانوا معه من أهليه وذوي قرباه ولم يدرك ما هنالك من بعث ونشور خاف موتاه ثم عبدهم - ومن ذاهب إلى أن الإنسان استهول قوي الكون وخافها فساقه خوفه إلى التماس آلهة يذهبون عنه الروح فجعل يعبدها في الأنهار والأشجار والشمس والقمر وسائر الكواكب وما إلى ذلك فأفرخ ذلك من روعه وسكن من خوفه - وقريب من هذا ما قاله آخرون من أن الإنسان لما أحس ضعف نفسه وضؤولته حيال هذا الوجود وضخامته حاول التماس المعونة فيما يعالج من شؤون الحياة فطفق يقدس ما يظنه الها أو ما فيه روح من عند الله ويتقرب بالقرابين والذبائح وكل ما يظنه مجتلباً رضاء الآلهة ومعونتهم - أما ما ذهب إليه أكثر النظار من المتقدمين والمتأخرين وكات تتفق عليه كلمتهم فهو هذا. فرض الفلاسفة أنه لو ولد إنسان في جوف الأرض فترك ثمت حتى بلغ أشده وكمل عقله ثم اخرج بغتة إلى ظاهر الأرض فإذا الشمس بارزة في موكب لألائها نهاراً وإذا الكوكب الوقاد قد طلع له ليلاً كأنه ماسة تلتهب بلألاء أبهر مما نرى نحن - نحن الذين حجبت الألحاد والكفريات - فيشرق الكوكب في نواحي نفس ذلك الإنسان كما يشررق في نواحي الأفق ويظهر كأنه مقلة في وجه السماء تنظر إليه من أعماق الأبدية وتنم له عن رونق السر الأزلي القديم - ألا ينظر هذا الموحش إلى هذا المنظر الباهر كما ينظر الشاعر وإن لم يقدر على القصيد ثم ينفذ بصره الثاقب إلى ما أودع الله ذاك المشهد من روعة الجلال فيخر له ساجداً. فهذا هو أصل غريزة الدين وهذا هو ما كان من الإنسان الموحش القديم حتى إذا دبت الأيام ودرجت الليالي وجاء اللاحق على أثر السابق وتلقي عنه دينه وتقاليده محرفة غير منظور فيها إلى اللب والجوهر كما هو الشأن في التقليد والمحاكاة وتلوثت فطرة الإنسان وضعف إدراكه ونمت فيه غريزة الطمع والأثرة أخذ هذا السر يتضاءل وذلك الشعور الفطري السليم يختفي وقامت الأصنام والتماثيل مقام هذه المخلوقات السماوية القدسية فإذ ذاك يرسل الله أناساً ذوي بصائر نافذة وقلوب ذكية ثاقبة يفطنون إلى انحراف الإنسان عن الجادة ويقيمونه على الطريق المتسقيم وهكذا أرسل الله الأنبياء والرسل تترى لئلا يكون

стр. 144

للناس على الله حجة بعد الرسل فمن الناس من استرسل في غوايته وتشبث بتقاليده وعادته ومنهم من أنار الله بصيرته وعرفه الحق فانتهج محجته ومنهم مذبذبون بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن هنا بقيت على الأرض أديان كثيرة وعاشت أدهاراً طويلة وقصيرة (متلو). ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ بالأمس كانت العرب تغزو إيطاليا وتفري في أحشائها واليوم تغزو إيطاليا بلاد العرب وتعالج امتلاكها وليس يعلم إلا الله ماذا تلده الليالي فربما غزى العرب إيطاليا كرة أخرى. (للبيان كلمة بهذا العنوان ألم فيها بما كان بالأمس من فتوحات العرب في إيطاليا وما يكون الآن من إيطاليا في بلاد العرب وكلمة في تقويم طرابلس وتاريخها وقد كانت النية أن تنشر في هذا العدد بيد أنه لم تتسع لها صفحاته فأرجأناها إلى العدد الخامس واجتزأنا بنشر خريطة طرابلس وبرقة في هذا العدد وكذلك أرجأنا موضوعات وفيرة كثيرة من بينها شذرات فلسفية وباب النقد والتقريظ وتدبير الصحة وأخبار العلم ومقالات مختلفة لكتاب كثيرين - أرجأنا كل ذلك للأعداد التالية).

стр. 145

فصول من كتاب الأبطال فصل من مقدمة الباب السادس الذي عقده كارليل للكلام عن كرومويل ونابوليون بونابرت وقد تعرض هنا مسائل خطيرة ومباحث معضلة يمنعنا من طروقها ضيق المجال. وإنما نذكر كلمة شبيهة بكلمة (بيرك) حيث يقول (إسناد القضاء إلى نخبة من القضاة يشتركون في إصدار الأحكام هو روح الحكومة) فكذلك نقول نحن أن خلاصة أعمال المجتمع الإنساني سواء سارت على طريق الخطأ أم على منهج السداد هو الاهتداء إلى أعقل رجال بلدك وأفضلهم وأحزمهم ثم تقليده الحكومة والسلطة وإعطاؤه الخضوع والطاعة حتى يستطيع بذلك أن يهدي الناس حسبما يلهمه عقله ويوحي إليه فؤاده وإنما إلى ذلك قصدت البرلمانات وخطبها ولوائح الإصلاح والثورات فرنسية وغير فرنسية. اهتد إلى أعقل رجال بلدك وأكفئهم وأرفعه إلى المكان الأعلى وبجله وأكبره تحرز لبلادك خير حكومة. وإنك إن تفعل هذا فقد بلغت المدى وكل شيء بعد ذلك فضول ولغو. فإن أعقل الرجل هو أيضاً أكرمهم وأبرهم وأرحمهم. وليس فوق نصحه نصح. وقول الإمام امام القول. وكل ما يأمرنا به فهو ولا شك أحكم وأليق وأعلى ما نستطيع أن نجده تحت قبة الفلك. وهو ما يجب علينا أن نأتمره ونصدع به مع الحمد والشكر! وتلك الحكومة هي الضالة المنشودة والغاية القصوى. أقول الغاية القصوى والله يعلم أن الغايات تبلغ بالأمل. ولا تنال بالفعل وللأماني جياد سابحات تسبق وفد الرياح يرسلها الفكر في مضمار الوهم فتطير بأجنحة الرجاء إلى كل غاية أبعد منالاً من الثريا فإذا طلبت تلك الغاية بافراس العمل في ميدان الحقائق قامت العقبات. واعترضت النوب والآفات وسقطت الجياد أثناء المضمار طلحاً أنضاء جسرى من الجهد والإعياء. دامية السنابك من الحفا مهزولة الأعطاف من الأين والوجى. وكذلك تبقى الغايات من طعمة المنى سخرة الواقع كالخيال في المرآة يبيح العين ما يمنع الكف. أو كالسماء وكل ما زينت به ... وكبعدها وكقربها من لاق وأنا وإن استحال علينا أن نبلغ الغايات. فحسبنا أن نأخذ في سمتها أو نقع منها على مسافة ترضي وتسر! ولا يفعل أحد من الناس ما نهى عنه الشاعر الألماني (شلر) إذ قال (المرء

стр. 146

تلقاء الحوادث ضعيف فلا يقس أحد منكم مجهوده النزر القليل بمقياس الكمال) ومن خالف هذا القول كان مريض العقل بداء السخط مأفون الرأي مصدوداً عن الحق. ولكن لا ينس المرء مع ذلك أن تجعل الغاية نصب العين فإنه لا يقوم عمود صلاح الدين والدنيا على أساسه ويستقر في نصابه حتى ينزل الإنسان قريباً من الغاية فإذا لم يتم له ذلك انهارت دعائم الصلاح وتقوض رواقه. ونحن نعلم أنه ليس في العالم بناء يمكنه أن يشيد جداراً فيجعله في أقصى درجة العمودية أي أن يجعل الزاوية الحادثة بينه وبين سطح الأرض تسعين درجة بالضبط لا تنقص درجة ولا تزيد درجة كلا! فهذا مستحيل علينا فكيف باستحالته عملياً! ولكن إذا لم يدن البناء بالجدار من هذه الغاية بعض الدنو فأحر بجداره أن تنهار أركانه. وينهدم جثمانه. نعم إذا استهان بقانون العمودية وطرح مقياسه ومعياره وجعل يراكم الطوب بعضه على بعض بلا نظر ولا حساب كيفما اتفق فأجدر به أن تسوء عقباه ويشقي فإنه قد أغفل أمره ونسي نفسه. ولكن قانون التوازن - ناموس الطبيعة - لم ينس أن يسري عليه وعلى بنائه. وما هي إلا برهة حتى يسقط هو وبناؤه فيرتدا كثيباً مشوشاً ومعهداً خرباً! - وهذا هو أصل كل فتنة وتاريخ كل ثورة وحديث كل انفجار اجتماعي في الأزمان القديمة والحديثة أجل إنما سببها هو أنك وليت الرجل العاجز وجعلت غير الكفؤ على رؤس الأعمال! - الرجل الخسيس السافل الدنيء الكاذب. ونسيت أن هنالك قانوناً أو ضرورة طبيعية تستدعي تولية القادر الكفء وظننت أنه لا بأس عليك أن تراكم الطوب بعضه فوق بعض كيفما جاء واتفق بلا قاعدة ولا حساب. والرجل الكاذب إذا وليته كان جديراً أن يتخذ كل كاذب خبيث مثله ومن ثم يروح أمر الناس مختل النظام مبدد الشمل. تأكل جوفه الخيبة ويهدم أركانه الشقاء والبؤس. وترى الملايين من خلق الله قد اضطربت عليهم أمور دينهم ودنياهم واسودت في عيونهم ظلمات اللبس والحيرة فهم يمدون الأيدي استهداء ولا هادي ولا مرشد ويبسطون الأكف استعطاء ولا مانح ولا رافد. حينئذ ينفذ قانون التوازن حكمه وتسري نواميس الطبيعة وهي التي ما غفلت عن العمل طرفة عين. فتثور الملايين ويجن جنونهم. ويسقط البناء والبناء. إن من يفتش الآن المكاتب العامة والخاصة يلق بها أسفاراً ضخاماً. ومؤلفات جساماً.

стр. 147

تفيض في موضوع (حقوق الملوك المقدسة: ومعناه أن كل ملك مهما كان هو خليفة الله في الأرض قد ولاه الملك القدوس زعامة خلقه بعقد مقدس خفي فعقدت في رقاب العباد بيعته. ووجبت عليهم طاعته. واستحكمت في نفوسهم مهابته وخشيته) تلك هي عقيدة القرون الغابرة. ورأى آبائنا الأول. عقيدة دفنت معهم في قبورهم ورأي بان ببينهم. ومذهب عفت رسومه وطمس الدهر أعلامه ومجلدات كالقبور تبلى فيها أفكارها. وتنخر في أجوافها عظام محتوياتها. لا يزورها إنسان ولا يعوج بها مخلوق. وباطل لاح في ظلم الجهل ثم محا آيته نور اليقين. ودولة زور استقل نجمها ثم خوى واشمخر طودها ثم هوى. وأكذوبة أديل منها الحق. وإني مع ذلك لا أرى من كرم الطبع وشرف الشيمة أن نتبع ذلك الباطل المدبر لعناتنا. ونلحقه أهاجينا وشتماتنا. فحسبه هزيمته. وكفاه خزيه وفضيحته. بل أرى (ولا يعجب القاريء ولا يرع) أنه لا يحسن بنا أن نترك هذا الزور والمحال يمضي من غير أن نفتش أجزاءه ونفحص أنحاءه وأرجاءه. ونقلبه بطناً لظهر علنا نجد في ثناياه معنى من الحق وإن فيه لحقاً يجدر بنا وبسائر الناس ذكره. أما قول هذه المؤلفات أن أي إنسان تأخذه عينك من بين الناس وتمسكه يدك فتجعل على رأسه صفيحة من الذهب مكللة بالياقوت والزبرجد وتسميه ملكاً يرسل الله عليه في الحال شعبة من نوره ويمده بروح من عنده ويعمر فؤاده بأسراره القدسية ويؤهله في التو واللحظة لأن يحكم عليك حسبما تقتضي مشيئته فذلك حمق وخرافة وحسبه منا أن نتركه يبلي ويعفن في أجواف كتبه أو بعبارة أصدق أجواف قبوره. ولكني أقول - وهو ما عناه وأراده أرباب مذهب حقوق الملوك المقدسة وهو أنه يوجد في الملوك وفي جميع العلائق والمسؤوليات والسلطات التي تكون بين الولاة والرعية أما حق مقدس أو منكر شيطاني. لا بد من أحد هذين! إذ أنه من أفحش الخطأ والكذب ما قاله القرن السالف الكافر من أن هذه الدنيا آلة ومكينة. بل أن في الكون لألها وكل ما يجري بهذا العالم من حكومة وال وطاعة رعية بل كل عمل وحركة لا بد أن يبوء إما برضى وإما بغضب من الله. وأشرف ما يجري بين الرجل والرجل هو لا شك الحكومة والطاعة. والويل لمن يطلب من طاعة الناس ما لا يستحق ولمن يأبى أن يؤدي من الطاعة ما أوجبه الله عليه لزعيم أو أمير! بذلك يجري قانون الله المقدس مهما سنت شرائع البشر ونهجت نواميس الحكومات. نعم إن في كل دعوى يدعيها الرجل على أخيه

стр. 148

إما حقاً مقدساً أو منكراً شيطانياً. هذا أمر جدير بالنظر والتدبر. وخليق أن نذكره في جميع شؤوننا ولاسيما في أمر الزعامة والولاء أهم تلك الشؤون. وعندي أنه شر من مذهب حقوق الملوك المقدسة هو ذاك المذهب القائل أن العالم يدور على محور المصلحة الذاتية وتدبير الثورة وأنه لا معنى هناك مقدساً في تعاشر الناس وتخالطهم. وإني أكرر عليك قولي إنك إن تأتني بالملك القادر الكفء لأجعلن له عليَّ حقاً مقدساً. ولعل دواء أدواء الأمم في هذه العصور هو أن يوفقها الله بعض التوفيق إلى إيجد الملك الكفء وإن يلهمها طاعته والانقياد إليه إذا وجد! وإني أرى في الملك القادر - هادي الأمة في سبيل الأعمال الدنيوية - خلة الدين كذلك ومعنى القسوسية فهو أيضاً هادي الأمة في سبيل شؤونها الروحانية التي هي مصدر الشؤون الدنيوية فالملك لذلك رئيس الكنيسة أيضاً. ولندع بعد مذهب حقوق الملوك المقدسة يبلى في أجواف مؤلفاته أو قبوره لا نوقظ صداه ولا نستثير هامته. وحقاً إن التماس الرجل الكفء والحيرة في ذلك لمن أشق الأمور وأجسمها! وتلك هي آفة الأمم في هذه العصور والأزمة الحرجة. هذه أوقات ثورات. وإني أرى بناة شؤون الدنيا قد اطرحوا المقاييس والمعايير وأغفلوا قانون التوازن فانهار البناء بهم فإذا هم والبناء خليط أنقاض مشوش! وليست الثورة الفرنسة هي مبدأ هذا التهدم والسقوط بل لعلها الغاية والنهاية ولا نخطىء إذا قلنا أن المبدأ كان منذ ثلاثة قرون أي منذ نهضة لوثر. وكان داء العالم إذ ذاك تحول كنيسة الله أكذوبة ووقاحتها وصفاقة وجهها إذ تدعي لنفسها القدرة على غفران ذنوب العباد بالدرهم والدينار. وكان هذا مرضاً في الدين - داء في الروح والجوهر ومتى أدوى الجوهر واعتل الروح فأحر بالحسم والظاهر أن يفسد ويدوي - ثم تزداد فساداً ومرضاً. لقد كان الإيمان قد فني وباد وفاض الشك وتفشى الجحود والإلحاد. وطرح البناء معياره ومقياسه وقال لنفسه أي قيمة لقانون التوازن وأي فضل في الحساب والنظام. ضع الحجر على أخيه كيفما جاء واتفق ولا يعنيك أن نجشم النفس مراعاة قانون أو حساب! وكانت العاقبة يا للأسف كما تعلمون! -. وإني لأتبين اتصالاً طبيعياً والتئاماً تاريخياً ما بين مقالة لوثر إذ قال للبابا أنت أيها الملقب نفسه البابا أفكاً وزوراً ما أنت بأب في الدين ولا والد لنا في الله. إنما أنت أكذوبة يعجز

стр. 149

اللسان أن يجد بين الألفاظ المهذبة الرقيقة ما يليق بنعتك وصفتك! وبين صيحة الثورة الفرنسوية إذ علا بها ضجيج الثوار في قصر الإمارة يصيحون إلى السلاح: إلى السلاح. ولا يحسب الحاسبون أن هذه الصيحة الزعجة الجهنمية كانت شيئاً حقيراً أو باطلاً! كلا إنما كانت صوت الأمم النائمة هبت من رقاد كاد يخنقها أثناءه الكابوس - نعم صوت الأمم هبت من حالة بين الرقاد والموت. فبدأت تشعر أن الحياة شيء حق. وأن عالم الله ليس بمكينة تساس بالدهاء والمكر وتدبر بعلوم الاقتصاد والرياضة. نعم لقد هبت فأرسلت صيحة جهنمية - وإنما أتت جهنمية لأن طغاة الملوك وعتاة الحكام أبو ألا أن تكون كذلك. لقد هبت الأمم وقالت لا بد للأباطيل والأضاليل أن تنتهي ويخلفها نوع من الإخلاص كيفما كان. ولا بد لنا من عودة إلى الحق ولو جرت علينا أهوال ثورة فرنسية وجلبت على رؤسنا شر الفظائع وأشنع البلاء. هذه هي الثورة الفرنسوية - هي كما ترون حق ولكنه حق ملتفع في شواظ الجحيم ولظي جهنم! -. وكان قد ذاع لدى جماعات كثيرة من أهالي إنكلترا أن الأمة الفرنسوية كانت في تلك الأوقات (أوقات الثورة) قد جنت. وإن الثورة الفرنسوية كانت صنفاً من الجنون تحولت فرنسا وفرق عظيمة من سكان المعمورة أثناءه مارستانا. ذلك كان رأي العدد العديد من الإنكليز وفلافستهم أن الثورة كانت حريق جون شب ثم خمد وأصبح الآن في عالم الأحكام والأوهام والقصص والعجائب. والنوادر والغرائب! فليت شعري كيف كان وقع الثورة الثانية - ثورة ١٨٣٠ في نفوس هؤلاء الفلاسفة الذين حسبوا أن الثورة الأولى كانت فلتة جنون وبيضة الديك وإن حديثها أصبح كحديث الخرافات لا يكاد يصدق؟ ماذا كان شعورهم حينما رأوا فرنسا قد ثارت ثانية إلى السلاح تكافح كفاح المستميت تذبح وتُذبح. وكل ذلك لتؤيد الثورة الأولى وتحفظ آثارها وأجدادهم ويأبون إلا تمسكاً به وإصراراً عليه. هم لا يبرأون منه إلى الله. بل يعملون على حفظ أثره. واستنتاج ثمره. باذلين الدماء والأرواح في سبيل ذلك. ولعل في هذا الحادث (حادث الثورة الثانية) أكبر مصاب لأولئك الفلاسفة الذين أسسوا مبدأهم وشادوا مذهبهم على أن الثورة الفرنسوية فلتة جنون تبرأ منها فرنسا ولا يعود بها الزمن أبدا. نعم إن في ذلك الحادث نكبة لأولئك الفلاسفة حتى لقد ذاب قلب الأستاذ المؤخ الألماني نيبور كمداً وتقطعت نفسه حسرة لما بلغه نبأ هذا الحادث. ثم اعتل

стр. 150

على أثر ذلك وقضى نحبه قتيلاً بداء الأيام الثلاثة (هو اسم ثورة ١٨٣٠) وما هكذا تموت الرجال! ولست أشبه هذه الموتة إلا بموتة الشاعر الفرنسوي الكبير (راسين) الذي قتله أن لويز الرابع عشر تجهمه مرة ورمقه شزراً فياليت الأستاذ الألماني علم أن الكرة الأرضية صلبة جلدة وأنها طالما تحملت صدمات الدهر وضربات القضاء وأنه ليس من البعيد أن تعيش وتبقى وترى دائرة حول محورها بعد ثورة (الأيام الثلاثة) ولقد جاءت تلك الثورة الثانية لتعلم الناس جميعاً أن الثورة الفرنسوية لم تكن قط فلتة جنون ولكنها ثمرة حرة من ثمار هذا العالم - عالم الله. وإنها كانت حقاً يحسن بكل إنسان أن يعده حقاً لا باطلاً ولا جنوناً. فصل آخر من مقدمة الباب الخامس الذي عقد للكلام عن الكتاب جونسون وروسو وبارنز كثرت الشكوى الآن مما يسمونه اختلال نظام المجتمع وكيف أن كثيراً من العوامل الاجتماعية تسيء أداء وظائفها. وكيف أن كثيراً من القوى العمرانية الشديدة تكدح في غير مكدح وتكد في غير مكد. وتلك شكوى لا شك في صحتها. ولكن من نظر جهة الكتاب والكتب وجدها أشد الجميع اختلالاً وفساداً بل أصل كل اختلال وفساد - وجدها كأنها قلب يصدر عنه ويرجع إليه كل اختلاط وتشويش في العالم! ولست أرى حالاً أنكر من سوء ما يجزى به الكتاب على جليل ما يسدونه إلى الملأ. ولو غمسنا القلم في هذا المبحث غمسناه في بحر لا قرار له ولكن لابد لنا أن نمس شاطئ الموضوع إذ كنا غير خائضين عبابه إتماماً للفائدة. وأسوأ ما كان من أمر هؤلاء الثلاثة الكتاب أنهم وجدوا عملهم في هذه الحياة ومركزهم ضرباً من الفوضى. والسائح إذا صادف طريقاً مذللاً ومنهجاً واضحاً مضي في سننه وأمعن في قصده. فإذا أصاب طريقاً مذللاً ومنهجاً واضحاً مضي في سننه وأمعن في قصده. فإذا أصاب عقبة لا تقتحم وسداً لا يفتح فجعل يطعن فيه يبغى نفاذاً فأحر به أن يظل من عمله هذا في مصاب جلل وأوشك أن تمر به فريسة بين مخالب الهلاك! أدرك آباؤنا ما هنالك من الفائدة العظمى في خطاب الرجل للرجال وعظة المرء لأخوانه فأسسوا الكنائس والمساجد لذلك الغرض. فما من بقعة في العالم المتمدين إلا بها منبر يستطيع منه الرجل أن يعظ باللسان أخوانه في الله. وكانوا يرون ذلك من أهم الأمور وأنه

стр. 151

لا خير في الحياة من دونه ولله ما كان اتقاه عملاً وأجمله مشهداً فأما الآن وقد ظهرت صناعة الكتابة والطباعة فقد طرأ تغير كلي على ذلك الأمر. أو ليس الكاتب الذي يضع كتاباً خطياً ليست خطبته قاصرة على هذا البلد أو ذاك رهينة بذلك اليوم أو هذا ولكنها خطبة لكل إنسان في كل زمان ومكان؟ وحقاً أنه من يخطئ في عمله فأوجب الواجبات على كاتب الكتاب أن يتوخى الصواب والسداد والخطب العظيم والطامة الكبرى أن الناس لا يحفلون البتة أصاب كتاب الكتب أم أخطأوا - وجد كتاب الكتب أم فقدوا. نعم قد يكون للكاتب شيء من الأهمية عند طابع الكتب الذي يرجو أن يربح مبلغاً من وراء مؤلفه. فأما عند خلافه فلا. كلا ولا يعبأ الناس من أين جاء ذلك الكاتب وأين يذهب وكيف وصل وكيف يمكن أن تسهل له طرق التقدم والاستمرار. وإنما يراه المجتمع كأنما هو إحدى الشواذ فيتركونه يهيم كالذي لا يدري أين هو. أنا في أمة تداركها الل ... هـ غريب كصالح في ثمود وصناعة الكتابة لا شك أكثر الفنون إعجازاً وأعجب ما أبدع الإنسان وحروف أو دين كانت أول عمل أتاه أول أبطال العالم. وليست الكتب في هذه الأوقات إلا من قبيل (حروف) أو دين والكتب حرسكم الله مستودع حكمة الغابرين وفيها تتجلى لنا أرواح العصور الماضية. والحقب الخالية. بعد أن فنيت أجساماً. وأصبحت أوهاماً وأحلاماً. ولا ننكر أن الجيش اللهام. والأسطول الضخم الجسام. والمرافيء والثغور. والمدائن والقصور. أشياء رائعة جليلة. ولكن ماذا مآلها وأين مصيرها؟ وإذا سألت اليوم عن أغا ممنون وبير كليس وينانهم رأيتها عهوداً تبكي وتذكر بعد أن كانت مشاهد تروع وتسر. ولم تنك عينك منها إلا دمنا عافيات. وطلولاً دارسات. ورسوماً داثرات. ومعاهد خربات كأنها صحف باليات تنشرها أيدي السحب السواكب وتطويها أكف الرياح الغرائب إذا نفشتها أقلام الهاطلات. مسحتها أنامل السافيات. لأيدي البلى فيها سطور مبينة ... عبارتها أن كل بيت سيهجر ولكن ماذا كان من أمر مؤلفات اليونان؟ هي اليوم عينها بالأمس. لم يغيرها الزمان. ولم ينكرها الحدثان ولا أبلتها العصور ولا أخلقتها الدهور. هذا وقد خلد الله اليونان بين أوراقها وصحفها. وأحياها في سطورها وحروفها. فكأنها لم تمت وإنما طوتها من تلك الكتب

стр. 152

صناديق وخزائن. وأصبحت في تلك الأسفار ودائع ودفائن. والكتاب رعاكم الله فؤاد العالم يعي كل ما طرأ عليه من حوادث وآثار. وخواطر وأفكار. ووجدانات ومشاعر وفعال ومآثر ومشاهد ومناظر. فنعم تراث الأوائل للأواخر وتحفة الغابر للحاضر! أو مازالت الكتب تأتي بالمعجزات كالتي زعموا أن حروف أودين كانت تأتيها؟ بلى حسبها أن فيها للناس دوافع ومحركات. وبواعث ومحرضات. ولن تعدم أحقر قصة واسخفها أثرها الحميد في قارئاتها ذوات الخرق والحمق من بنات الريف تفيدها بعد الزواج في ترتيب بيتها وتنظيمه ثم انظروا ما الذي شاد كنيسة سانت بول. هو كتاب التوراة الذي هو كلمة الرجل موسى الخارجي الطريد راعي الغنم في صحارى الطور! نعم لقد أقامت الكتابة في العالم دولة المعجزات وضمت الماضي والحاضر بأوثق العقد وأوكد الصلات ولاصقت بين الشرق والغرب. وصاقبت بين القطب والقطب. وجمعت بين طنجة وبكين في قرن. وألفت بين نوح ونابليون في زمن وغيرت للناس وجوه الأمور وصور الأعمال وجددت شأناً بعد شأن وحالاً بعد حال. فانظروا مثلاً إلى التعليم وما أحدثت فيه الكتب من الأثر الجليل. وحسن التغيير والتبديل لقد كانت الجامعات قبل الكتب هي الطريقة الوحيدة لاقتناء العلوم واكتساب المعارف. نشأت الجامعة حين لا كتب تذيع وتنتشر وحين كان الرجل يريد الكتاب فيبذر الضياع والعقد. وكان ذو العلم إذا أراد أن يعطي من علمه لم يجد بداً من جمع الطلاب حوله فيلقيهم العلم فماً لفم فإذا كنت في ذلك الوقت فأحببت أن تعرف من العلم ما يعرفه ابلادرد لم يكن أمامك إلا أن تذهب إلى ابلادرد حتى لقد بلغ قصاد ابلادرد وحجاجه نحواً من ثلاثين ألفاً يحتشدون حوله ليستمعوا فلسفته وإذ وجد بهذا المكان هذا العديد المجمهر من طلاب العلم رآها العلماء الآخرون فرصة يحسن اعتنامها فمن وجد في نفسه الكفاءة لتدريس علم رأى ذلك المكان أحق الأمكنة بأن يذهب إليه فيعرض في سوقه سلعة علمه وهكذا لكما زاد فيه عدد المدرسين زاد عليه الإقبال من الطلاب والمعلمين معاً. وبعد ذلك أصبح المكان لا يحتاج إلا إلى التفات السلطان إليه ليجمع تلك المدارس المتعددة في مدرسة واحدة ثم يمنحها المباني والمير والمنح ويسميها جامعة. وهذا هو في نظري منشأ الجامعات. ولكن انتشار الكتب وسهولة اجتلابها قلب الأمر قدماً لرأس. وذروة لأس. ومتى أوجدت

стр. 153

الطباعة نسخت أمر الجامعات وعلوتها علواً مبيناً. إذ لا يصبح المعلم في حاجة إلى أن يجمع الطلاب حوله ليسمعوا منه وما هو إلا أن تطبع الكتاب حتى يتناوله من بأقاصي الأرض غنيمة بلا عناء ويرتشفه شربة بلا رشاء - هنيئاً مريئاً وهو متكيء على أريكته مرتفق فوق وسادته ليقلب فيه البصر. وينعم في معاينه النظر! ولا شك أن في الخطبة لمزيد خاصة. حتى لقد يحسن أحياناً بكتاب الكتب أن يخطبوا طلابهم أيضاً. وحسبكم ما نحن فيه الآن! وأرى أنه ما دام للمرء لسان فسيبقى للخطابة فضل لا ينكر وقيمة لا تحقر ومنطقة للكلام خلاف منطقة الأقلام. ولكن الحد الفاصل بين المنطقتين لم يعين حتى اللحظة ولم توجد بعد تلك الجامعة التي يفرض معها نفوذ قوة الكتب وتأثير سلطانها. ولا عرف بعد كيف تكون تلك الجامعة وما معالمها وحدودها. فإذا كنا مفكرين في ذلك فمثل هذه الجامعة لن تكون إلا كأقدم جامعة أعني أن يكون من شأنها تعليم القراءة - القراءة في مختلف اللغات والعلوم - أي تعليم مبادئ كل صنف من أصناف الكتب. ولكن مأخذ العلوم ومقتبسها هو الكتب أعينها! ومبلغنا في العلم متوقف بعد على ما نقرأ بأنفسنا مهما صنع لنا المعلمون وأجاد المدرسون نخرج من ذلك على أن خير جامعة في هذه الأوقات هي مجموعة كتب. وأما من جهة الكنيسة فالتغيير الحادث عليها من نشر الكتب تغيير تام. والكنيسة هي جماعة القسوس والأنبياء ذوي الهداية والإرشاد من يهدون بعظاتهم عباد الله الصراط المستقيم. وقد كان اللسان يوم لا كتابة ولا طباعة هو الأداة الوحيدة لبث النور والهدى. فأما وقد ذاعت الكتب فقد أصبح كل كاتب يلين من قلوب الناس ويأخذ بزمامها نحو الحق فذلك بطريق أمته وأمامها. وطالما قلت أن كتاب الجرائد والمجلات والرسائل والشعر والكتب هم في الحقيقة الكنيسة العاملة الفعالة في الأمم الحاضرة. وليست الكتب خطباً لنا فقط بل هي أيضاً ضرب من ضروب العبادة وبعضها تكون قراءته أحسن صلاة لله وتسبيح. أوليس المعنى الشريف يزفه إليك البليغ في رونق اللفظ المصقول يختال من صفاء السبك وإشراق الديباجة في أكرم حلة وأبهج خلعة فيمتزح بأجزاء النفس ويجري مع الروح حتى: يظل سامعه لدناً مفاصله ... كأنما فترت أوصاله الكاس يفعل بالنفس ما تفعله العبادة ولعل الكثيرين لا يعرفون في هذه الأوقات الفاسدة من أساليب

стр. 154

العبادة إلا هذا الأسلوب. والشاعر الذي يريك من جمال الزهرة ما كان قبل غائباً عنك أليس كأنه أطلعك على مظهر من مظاهر قوة الله وعظمته وشعبة من ينبوع الجمال الإلهي الشامل وعلى سطر خطه القلم العلوي في صحيفة الكون فبدا مبيناً ناصعاً. جلياً ساطعاً. وكأنما غنى لنا نشيداً قدسياً فصدحنا معاً وإذا كان هذا شأن من يصف زهرة الروض فكيف الذي يتغنى لنا بمكارم أولى العزم ومآثرهم. ومناقب ذوي الفضل ومفاخرهم. مثل هذا كأنما يمس أكبادنا بجذوة من مجامر المحراب. ولعلها أشرف طرق العبادة. وما الأدب إلا كشف وجلاء لأسرار بدائع الله أو ما يسمونه السر الجلي وقد عرف الأدب فيشتي بأنه البيان المستمر لما يكمن من أسرار الله في الأشياء الأرضية العادية. فإن أسرار الله ما برحت كائنة في كل شيء وما برحت تصادف من هذا الكاتب وذاك من يبرزها في هذه الصورة أو تلك في مقادير مختلفة من الوضوح ودرجات متفاضلة من البيان كل حسب ما وهب الله من الفضل هذا هو الذي ما زال ذووا المواهب اللدنية من الشعراء والكتاب والخطباء والمتكلمين يصنعونه عمداً أو عفواً حتى لقد تجد أن شعر بيرون لا يخلو من تلك الأسرار برغم ما قد امتلأ به من زوابع الحنق وصواعق القذف والانتقام ومعاسف الغل والحقد والضغينة على بني البشر. وهي (الأسرار) أيضاً كائنة في متواضع شعر بارنز ذلك الفلاح الذي كان يختلس القوافي من خلال حركات الفاس والمحراث - صاحب القصائد التي كانها أغاريد القنبرة صاعدة من أديم التراب. إلى أعلى ذوائب السحاب. والحقيقة أن كل غناء صادق هو عبادة كما أن كل شغل صادق هو أيضاً عبادة وما الغناء الصادق لو نظرت إلا صفة للشغل الجيد الحر وتمثيل موسيقى مطرب ومن أنعم النظر رأى هنالك قطعاً جمة من الأناشيد الكنيسية. والصلوات الدينية. طافية على مياه ذلك البحر الخضم الذي يسمونه بحر الأدب: فالكتب أيضاً كنيستنا. ننتقل الآن إلى تأثير الأدب في الحكومة لقد كان البرلمان قوة عظمى تبرم أمور الرعية وتنقض وتعقد شؤون الأمة وتحل. وتصرف أعنة البلاد وتدبر. وتقطع أحكامها وتقرر. بعد طول الروية والنظر وإدمان التأمل والفكر. وإطالة المناقشة والمحاورة وإدامة المجادلة والمناظرة ولكن انظرو الآن أما ترون أن عمل البرلمان هذا يعمل الآن خارج البرلمان في طول البلاد وعرضها بواسطة المطبوعات من جرائد ومجلات. ورسائل ومؤلفات. وإن

стр. 155

كان البرلمان لما يزل باقياً ولقد قال بيرك أن البرلمان ثلاثة أركان ولكن بمجلس مخبري الجرائد ركناً رابعاً أهم من تلك الأركان الثلاثة ولم تك كلمته هذه بالمجاز والاستعارة ولكنها عين الحقيقة. وقد أصبحت خطارتها اليوم أجسم منها يوم قالها بيرك. فالأدب هو برلماننا أيضاً. والديمرقراطية أيدكم الله رهن الطباعة التي هي من نتائج الكتابة. وما هو إلا أن تخترع الكتابة حتى تتبع الديموقراطية فالكتابة تنتج الطباعة الطباعة العامة اليومية كما نرى اليوم فيصبح كل ذي لسان بوقاً يسمع الشعب وقوة وفرعاً من أفرع الحكومة راجح الميزان عند وضع الشرائع والقوانين. وجميع تصاريف السلطة. ولا ينظر إليه من أي طبقة هو وماذا يملك وماذا يلبس. وإنما الأمر الجوهري هو أصاحب لسان. وأخو بيان. فيصغي إليه ويقبل عليه. هذا لا غيره الأمر الأساسي فالأمة محكومة بكل ذي لسان من أبنائها. وهناك الديموقراطية ولا مشاحة. ضف إلى ذلك أنه ما من قوة موجودة في الكون إلا وسيريكها الدهر يوماً ما فعالة معترفاً بسلطانها. فهي لا تزال تعمل في خفاء وتكد تحت غطاء تدافع العوائق والعوائق تدافعها وتصارع الموانع والموانع تصارعها. حتى يجلوها صبح اليقين من غياهب الشبهات. وتطلقها يد النصر من سلاسل العقبات. فتذهب في شعاب الحق كل مذهب. وتضرب في مناصي الاصلاح كل مضرب. ولا تستريح الديموقراطية حتى تبرز للعيان. ويصطلي شمسها كل إنسان. أو ما يزال في كل شيء دليل على أن خير ما في طاقة امرئ أن يصنع وأعجب الأشياء طرا وأثقلها في النفوس وزناً. وأخفها على الأسماع حسناً. وألطفها في النفوس مكاناً. وأقلها في العقول رجحاناً هو كتاب لله تلك الرقع الواهية المرقشة المتون بلمع المداد الأسود أي جليل من الأمر لم تأت وأي شيء لم تصنع ولن تصنع! ولا غرو فهل كانت تلك الرقع مهما حقر ظاهرها إلا أشرف نتائج الذهن البشري؟ هي فكر الإنسان - الفضيلة الحرة التي بها يصنع كل شيء. وجميع ما يفعل الإنسان ويحدث إنما هو ثوب فكرة. وجسم روحه رأي من آرائه فمدينة لندن هذه بجميع ما بها من منازل ودور. وحلل وقصور وعدد وآلات وكنائس وبيعات وحركة وصخب. وجلبة ولجب - ما كل هذه إلا فكرة أو مليون فكرة ألف شملها نظام فصارت واحدة. ما هي الأروح فكرة جسيمة قد تجسدت في الطوب والحديد والخشب والتراب والدخان والقصور والبرلمانات والمركبات والمصانع وسائر ما تنظر من

стр. 156

الأشياء وما من طوبة صنعت إلا وقد أعمل بعض الرجال فكرته كيف يصنعها وما نسميه قطعاً من الورق عليها لمع من الحبر إنما هو أطيب مظهر للفكر البشري. فلا عجب أن يكون أنشطها وأكرمها. وقد طالما أقر الناس بفضل الكتاب وخطارة شأنهم في العصور الحديثة واستعلائهم على الكنيسة والبرلمان والجامعات وغيرها ولكنه إقرار لم يشفعه عون ولا مساعدة. وعسى أن يكون قد آن للعواطف أن تخلي مكانها للإمدادات المادية. وإذ كنا نقر ونعترف بأن للكتاب على المجتمع النعم الغراء والمنن البيضاء. وإنهم يحدون به في سبيل التقدم ويسمون به مراقي المدينة فما بالنا إذن نتركهم في أسوأ حال من نكد الحياة وجحد العيش. من أمرهم في حيرة عشواء وضلالة عمياء ويقيني أن كل شيء فيه فضيلة قوة خفية فسيحسر يوماً ما لثامه ويميط قناعه ويسفر لنا ناصع الصورة. واضح الغرة بين الإشارة جهير الصوت. فأما إن يلبس أناس زي الادب والكتابة ويقبضون أجرها. ويتضور من الجوع الكاتب الحقيقي صاحب الخير والمنفعة فما ذلك بعدل وإنما جور وعسف. ولكن رد هذه المظلمة لن يكون وآاسفاه. إلا بعد الجهد الجهيد. والزمن المديد! وكم دون ذلك من مشكلات ومعضلات الله وحده المعين على حلها. فإذا سألتموني ما هو أحسن نظام تجعل عليه حالة الكتاب في العصور الحديثة وما هي خير طريقة لتنظيم شؤونهم واستمرارها تكون على تمام مطابقة لمركزهم ولمركز المجتمع: استقلت من الإجابة على هذ١ السؤال لقصور مبلغ عقلي عنه. وأنها لمعضلة لو تتابعت عليها عدة عقول راجحة لما استطاعت لها حلا تقريبياً فكيف بعقل واحد؟ نعم ولا أحب أن أحد يقدر أن يقول ما هو أحسن نظام لأمر الكتاب فأما إذا سأل سائل ما هو شر نظام وأخبثه قلت هذا الذي هو كائن اليوم - هذا الخلط السائد والفوضي المستحكمة. وما أبعد ما بيننا وبين نظام صالح طيب. وثمت شيء لا يفوتني ذكره وهو أن هناك غير أمر العطايا المالية أمراً أهم وأعظم إلا وهو إجلال الكتاب وتقديسهم وهو أمر كان معدوماً في القرن الثامن عشر - قرن الجحود والكفر. فأما هبة العطايا وترتيب الرسوم فهي على ضرورتها في بعض الأحيان قلما تقربنا وحدها من النظام المطلوب لحالة الكتاب. وإني لأحد الذين أسأمهم كثرة ما يلغط به من

стр. 157

سلطان المال وفضله على كل شيء. بل أني أحد القائلين بأنه لا ضير على الحر أن يكون فقيراً وأنه يجب أن يكون من الفقر محك لأذهان الكتاب ومعيار لقيمهم وأقدارهم. وقد أوجدت الكنيسة النصرانية فرق الشحاذين من رجال أبرار قدرت لهم الشحذ والتسول ورأت الكنيسة أن ذلك من أسباب نشر روح الدين وتأييده. وهل أسست النصرانية نفسها إلا على الفقر والحزن والاضطهاد والصلب وسائر أصناف الغم والمهانة؟ ولنا أن نقول أن من لم يعرف هذه الأشياء فيتعلم منها درسها الذي لا تقدر قيمته فقد فاته من فرص التعليم أثمنها. ومن أسباب التقويم والتثقيف أمتنها: ومن فوائد التربية والتهذيب أكرمها وأحسنها. ولم تكن الشحاذة والحفاء ولبس المسوح وشد الحبال في الأواسط بالشيء الجميل أو الجليل في أعين الناس حتى جمله وشرفه مزاولة الكرام له وإتيان الجلة الأشراف إياه. وليس موضوع الشحاذة من أغراض هذا الكتاب ولكن من ذا الذي لا يقول بأن كاتباً كجونسون لم ينفعه الفقر وتفده الفاقة؟ ولقد كان مثله جديراً أن يعلم أن المال أو النجاح كيفما كان لم يكن الغرض الذي يسعى ليدركه. وكان ملياً أن يعرف أن فؤاده لم يخل مما قد جبلت عليه سائر القلوب من الكبرياء وحب الذات بجميع شعبه وفروعه. وأنه من أوجب الواجب اقتلاع هذه الأغراس اللئيمة من تربة النفس. ثم اذكروا أن بيرون مع غناه وشرف نسبه كان أقل فائدة وأصغر مأثرة من بارنز مع فقره وضعة نسبه. وما يدرينا أنه إذا وجد في المستقبل البعيد ذلك النظام المنشود كان الفقر لا يزال ركناً من أهم أركانه وكان الكتاب - أبطالنا الروحانيون - لا يزالون طائفة من الشحاذين متاحاً لهم العوز والتكفف حتى يجنوا مافيهما من كرائم الثمرات وينتفعوا بهما انتفاع غيرهم باليسار والغني؟ ولا أنكر أن الطيب الكثير يبلغ بالمال. ولكن ما يبلغ بالفقر أطيب وأكثر: وإنما علينا أن نعرف حد المال فنقف عنده ونعلم أن ما زاد على ذلك فضول حقه الرد والرفض. هذا ولو فرضنا وجود الامدادات المادية والرسوم المالية فأنى لنا بمعرفة الكاتب الكبير الذي يستحقها؟ أنه لا بد قبل ذلك من أن يجوز الامتحان اللائق. وأرى أن الحياة الأدبية - تلك التي كلها فوضي يتلاطم موجهاً ويتصادم لجها. هي نوع من الامتحان وما زال هناك عنصر من الحق في قولهم أن الجهاد في سبيل الصعود من وهاد الطبقات السفلى إلى ذرى الطبقات العليا هو من الأمور التي لا بد من بقائها لما يترتب عليها من استمرار رقي

стр. 158

العالم. إذ أنه ما زال يولد في الطبقات السفلى من ينبغي أن يكون في أرفع المازل وأسمى الطبقات. ولكن كيف ينظم ذلك الجهاد؟ هذه مسألة المسائل فأما أن يترك هذا الجهاد كما هو الآن رهناً بمحاسن الصدف فكلما أفلح فيه كاتب من عصابة خاب الباقون أو نجا واحد من ألف هلك في الطريق بعد التسعمائة تسعة وتسعون. ويترك مثل بارنز يجود بروحه ولا يجود عليه إنسان بدرهم ومثل جونسون يزجى الوقت بين الثؤباء والمطواء في حجرته ينطبق عليه قول القائل: نلوم على تبلدها قلوباً ... تلاقي من معيشتها جهاداً إذا ما النار لم تطعم وقوداً ... فأوشك أن تمر بها رماداً حتى إذا شرع يكتب راح وهو من دفعة العمل وعجلته مع البخس والوكس كأنه في مضمار أو كأن يديه يداً عائم يكافح التيار. ويترك مثل روسو على جمر الأعسار والاحتقار يتململ ويقذف بشرر الكلم اللذاع فيؤجج الثورات الفرنسوية - هذا وايم الله شر النظام أسوءه. فأما النظام إلا حسن فهيهات منه نحن وإني لنا به الآن! بيد أنه لا شك هناك في أن ذلك النظام آتٍ يحمله المستقبل البعيد في جوفه جنيناً في رحم الزمان الآجل وهذا ما أجرأ على أن أتنبأ به لأنه لا يكاد الناس يرون فضل الشيء حتى يأخذوا في تسهيله وتزجيته. وتنظيمه وترقيته. ثم لا يستريحون أو يروه قد بلغ منتهى ما يستطيعون أن يبلغوا به وقد قلت أنه ليس في سلطات الكنيسة والحكومات بأنواعها سلطة تستحق أن تقارن بدولة الأقلام. وقد قال الوزير بيت وقد سئل أن يكتتب بشيء من المال للشاعر الأكبر بارنز الأدب سيد نفسه يدبر زمامها ويسوسها وليس في حاجة إلى الناس قال المستر سوذى نعم هو سيد نفسه يسوسها ويدبر زمامها. وهو أيضاً سيدك يسوسك ويأخذ بخطام أنفك إذا أنت لم تلتفت إليه وتعرف له قدره!. وما معظم الضرر بواقع على الكتاب فإنهم أفراد وجزء ضئيل جداً من الجسم الكلي. وفي جهدهم أن يجاهدوا ويكابدوا. حتى يظفروا أو يموتوا فيعذروا. ولكنه يهم المجتمع أن يضع شهبه ومصابيحه في الذرى والغوارب وحيث ترى فتهدي. أم يجعلوها تحت أقدامهم ويبددوا جوهرها الساطع شرراً يستطير في حيث لا مقتبس ولا متنور ويعرضوا أنفسهم بذلك لما قد عساه يحدث من الحريق وقد حدث والنور هداكم الله هو رأس المنافع وأصل

стр. 159

الحياة وأول حاجات المجتمع وآخرها. وإن دنيا يتقدمها النور لجديرة أن تظفر في حربها مع الدهر وتكون للإنسان أحسن دنيا. وعندي أن مرض الفوضي الكتابية هو أصل سائر الأمراض فداوه تشف المجتمع من كل داء به وعلة.

стр. 160

صفحة من التاريخ يوسف بن تاشفين سلطان مراكش وواقعة الزلاقة كان بر المغرب الجنوبي لقبيلة تسمى زناته فعبرت على ذلك حيناً من الدهر إلى أن ضرب الدهر من ضربانه وخرج عليهم من جنوبي المغرب من البلاد المتاخمة لبلاد السودان جماعات يعرفون بالملثمين يرأسهم رجل منهم يسمى أبا بكر بن عمر وكان رجلاً ساذجاً كريم الطبع مؤثراً لبلاده على بلاد المغرب غير ميال إلى الرفاهية والنعيم وكان ولاة المغرب من زناته ضعفاء لا طاقة لهم بمقاومة الملثمين فأخذوا البلاد من أيديهم من باب تلمسان إلى ساحل البحر المحيط فلما حصلت البلاد لأبي بكر بن عمر سمع أن عجوزاً في بلاده ذهبت لها ناقة في غداة فبكت وقالت ضيعنا أبو بكر بن عمر بدخوله إلى بلاد المغرب فحمله ذلك على أن استخلف على بلاد المغرب رجلاً يسمى يوسف بن تاشفين ورجع إلى بلاده الجنوبية - وكان يوسف هذا رجلاً شجاعاً عادلاً مقداماً اختط بالمغرب مدينة مراكش. وكان موضعها مكمناً للصوص. فكان إذا انتهت القوافل إليه قالوا مراكش ومعناه بلغة المصامدة امش مسرعاً - فلما تمهدت له الأمور وةاستوسق. ملكة واستخذت له البربر مع شدة شكيمتها تاقت نفسه إلى العبور لجزيرة الأندلس فهم يذلك وأخذ في إنشاء المراكب والسفن ليعبر فيها فلما علم بذلك ملوك الأندلس كرهوا المامه بجزيرتهم وأعدوا له العدة والعدد وصعبت عليهم مدافعته وكرهوا أن يكونوا بين عدوين الفرنج عن شمالهم والمسلمين عن يمينهم وكانت الفرنج (الاسبان) تشتد وطأتها عليهم وتغير وتنهب وربما يقع بينهم صلح على شيء معلوم كل سنة يأخذونه من المسلمين وكانت الفرنج ترهب ملك المغرب يوسف بن تاشفين إذ كان له اسم كبير وصيت عظيم لنفاذ أمره وسرعة تملكه بلاد المغرب وانتقال الأمر إليه في أسرع وقت مع ما ظهر من أبطال الملثمين ومشايخ صنهاجة في المعارك من ضربات السيوف التي تقد الفارس والطعنات التي تنظم الكلى فكان له بسب ذلك ناموس ورعب في قلوب المنتدبين لقتاله. وكان ملوك الأندلس يفيؤن إلى ظله ويحذرونه فلما رأوا ما دلهم على عبوره إليهم وعلموا ذلك راسل بعضهم بعضاً يستنجدون آراءهم في أمره. وكان مفزعهم في ذلك إلى المعتمد بن عباد لأنه أشجع القوم وأكبرهم

стр. 161

مملكة فوقع اتفاقهم على مكاتبته يسألونه الأعراض عنهم وأنهم تحت طاعته وتلك صورة ما كتبوا. (أما بعد فإنك إن أعرضت عنا نسبت إلى كرم ولم تنسب إلى عجز وإن أجبنا داعيك نسبنا إلى عقل ولم ننسب إلى وهن. وقد اخترنا لأنفسنا أجمل نسبتينا فاختر لنفسك أكرم نسبتيك فإنك بالمحل الذي لا يجب أن تسبق فيه إلى مكرمة وإن في استبقائك ذوي البيوت ما شئت من دوام لأمرك وثبوت والسلام). فلما وصله الكتاب مع تحف وهدايا. وكان يوسف لا يعرف اللسان العربي غير أنه ذكي الطبع يجيد فهم المقاصد وكان له كاتب يعرف العربية والمرابطية. فقال له أيها الملك هذا الكتاب من ملوك الأندلس يعظمونك فيه ويعرفونك أنهم أهل دعوتك وتحت طاعتك ويلتمسون منك أن لا تجعلهم في منزلة الأعادي فأنهم مسلمون وذووا بيوتات فلا تغير بهم وكفى بهم من وراءهم من الأعادي الكفار وبلدهم ضيق لا يحتمل العساكر فأعرض عنهم إعراضك عمن أطاعك من أهل المغرب. فقال يوسف بن تاشفين لكاتبه فما ترى أنت. فقال أيها الملك أعلم أن تاج الملك وبهجته. شاهده الذي لا يرد فأنه خليق بما حصل في يده من الملك والمال أن يعفو إذا استعفى وأن يهب إذا استوهب وكلما وهب جليلاً جزيلاً كان قدره أعظم فإذا عظم قدره تأصل ملكه وإذا تأصل ملكه تشرف الناس بطلعته وإذا كانت طاعته شرفاً جاءه الناس ولم يتجثم المشقة إليهم. وكان وارث الملك من غير أهلاك لآخرته. واعلم أن بعض الملوك الحكماء البصراء بطريق تحصيل الملك قال من جاد ساد ومن ساد قاد ومن قاد ملك البلاد فلما ألقى الكاتب هذا الكلام على السلطان يوسف بلغته فهمه وعلم صحته. فقال للكاتب أجب القوم واكتب بما يجب في ذلك واقرأ على كتابك فكتب بسم الله الرحمن الرحيم من يوسف بن تاشفين سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته تحية من سالمكم وسلم عليكم وأنكم مما في أيديكم من الملك في أوسع إباحة. مخصوصين منا بأكرم إيثار وسماحة فاستديموا وفاءنا بوفائكم واستصلحوا أخاءنا بأصلاح أخائكم والله ولي التوفيق لنا ولكم والسلام. فلما فرغ من كتابه قرأه على يوسف بن تاشفين بلسانه فاستحسنه وقرن به ما يصلح به من التحف والدرق اللمطية (نسبة إلى لمطة وهي بليدة عند السوس الأقصى وهي معدن الدرق

стр. 162

اللمطية) التي لا توجد إلا في بلاده وأنفذ ذلك إليهم. فلما وصلهم ذلك وقرؤا كتابه فرحوا به عظموه وتقوت نفوسهم على دفع الفرنج عنهم وأزمعوا إن رأوا من الفرنج ما يريبهم أنهم يرسلون إلى يوسف بن تاشفين يعبر إليهم أو يمدهم بإعانة منهم. وكان ملك الافرنج الأذفونش (الفونس السادس ملك الاسبان) لما وقعت الفتنة بالأندلس وثار الخلاف. وكان كل من حاز بلداً وتقوى فيه ملكه انتحل الملك لنفسه وصار ملوك الأندلس مثل ملوك الطوائف فطمع فيهم الأذفونش وأخذ كثيراً من ثغورهم فقوى شأنه وعظم سلطانه وكثرت عساكره وأخذ طليطلة الآن) من صاحبها القادر بالله بن المأمون بن يحيى بن ذي النون في منتصف محرم سنة ٤٧٨ وفي ذلك يقول ابن العسال (أحد شعراء الأندلس): حثوا روا حلكم يا أهل أندلس ... فما المقام بها الأمن الغلط السلك ينثر من أطرافه وأري ... سلك الجزيرة منثوراً من الوسط من جاور الشر لا يأمن عواقبه ... كيف الحياة مع الحيات في سفط وكان المعتمد بن عباد كما أسلفنا أعظم ملوك الأندلس ومتملك أكثر بلادها مشل قرطبة وإشبيلية وكان مع ذلك يؤدي الضريبة إلى الاذفونش (الفونس) كل سنة فلما تملك الاذفونش طليطلة أرسل إليه المعتمد الضريبة المعتادة فلم نقبلها منه وأرسل إليه يهدده ويتوعده بالمسير إلى قرطبة ليفتحها إلا أن يسلم إليه جميع الحصون المنيعة وبقيى السهل للمسلمين وتشطط وأمعن في التجني وكان السفير في ذلك يهودياً كان وزير الاذفونش فامتنع ابن عباد من ذلك فراجعه فأباه وأيأسه فراجعه اليهودي في ذلك وأغلظ له في القول وواجهه بمالم يحتمله ابن عباد فأخذ ابن عباد محبرة كانت بيديه وضرب بها رأس اليهودي فأنزل دماغه في حلقه وأمر به فصلب منكوساً في قرطبة فلما سكت عنه الغضب استفتى الفقهاء عن حكم ما فعله باليهودي فبادره الفقيه محمد بن الطلاع بالرخصة في ذلك لتعدي الرسول حدود الرسالة إلى ما استوجب به القتل إذ ليس له ذلك. وقال للفقهاء إنما بادرت بالفتوى خوف أن يكسل الرجل عما عزم عليه من منابذة العدو وعسى الله أن يجعل في عزيمته للمسلمين فرجاً وبلغ الاذفونش ما صنعه ابن عباد فأقسم بآلهته. ليغزونه بأشبيلية وليحاصرنه في قصره فجرد جيشين جعل على أحدهما كلباً من مسامير كلابه وأمره أن يسير على كورة باجة من غرب الأندلس ويغير على تلك التخوم والجهات ثم يمر على لبلة

стр. 163

إلى اشبيلية وجعل موعده أمام طريانة للاجتماع معه ثم زحف الازفونش بنفسه في جيش آخر عرمرم فسلك طريقاً غير الطريق التي سلكها الآخر وكلاهما عاث في البلاد وخرب ودمر حتى اجتمعا لموعدهما بضفة النهر الأعظم قبالة قصر ابن عباد. وفي أيام مقامه هنالك كتب إلى ابن عباد زاريا عليه - كثر بطول مقامي في مجلسي الذباب واشتد على الحر فأتحفني من قصرك بمروحة أروح بها على نفسي وأطرد بها الذباب عن وجهي فوقع له ابن عباد بخط يده في ظهر الرقعة قرأت كتابك وفهمت خيلاءك وإعجابك وسأنظر لك في مراوح من الجلود اللمطية تروح منك لا تروح عليك إن شاء الله فلما وصلت الأذفونش رسالة ابن عباد وقرئت عليه وعلم مقتضاها أطرق إطراق من لم يخطر له ذلك ببال وفشا في الأندلس توقيع ابن عباد وما أظهر من العزيمة على جواز يوسف ابن تاشفين والاستظهار به على العدو فاستبشر الناس وفرحوا بذلك وفتحت لهم أبواب الآمال وأما ملوك طوائف الأندلس. فلما تحققوا عزم ابن عباد حذروه عاقبة ذلك وقالوا له الملك عقيم السيفان لا يجتمعان في غمد واحد فأجابهم ابن عباد بكلمته السائرة رعي الجمال خير من رعي الخنازير ومعناه أن كونه مأكولاً ليوسف بن تاشفين أسيراً يرعى جماله في الصحراء خير من أن يكون ممزقاً للاذفونش أسيراً له يرعى خنازيره في قشتالة. وقال لعذاله يا قوم إني من أمري على حالين حالة يقين وحالة شك ولا بد لي من إحداهما أما حالة الشك فإني إن استندت إلى ابن تاشفين أو إلى الاذفونش في الممكن أن يفي لي ويبقى على وفائه وفي الممكن أن لا يفعل فهذه حالة شك. وأما حالة اليقين فإن إن استندت إلى ابن تاشفين فإني أرضي الله وإن استندت إلى الاذفونش أسخطت الله تعالى فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة فلأي شيء أدع ما يرضي الله وآتي ما يسخطه فقصر أصحابه عن لومه ولما عزم أمر صاحب بطليوس المتوكل عمر بن محمد وعبد الله بن حبوس الصنهاجي صاحب غرناطة أن يبعث إليه كل منهما قاضي حضرته ففعلا واستحضر قاضي الجماعة بقرطبة أبا بكر عبيد الله بن أدهم وكان أعقل أهل زمانه فلما اجتمع عنده القضاة باشبيلية أضاف إليهم وزيره أبا بكر بن زيدون وعرفهم أربعتهم أنهم رسله إلى يوسف بن تاشفين وأسند إلى القضاة ما يليق بهم من وعظ يوسف بن تاشفين وترغيبه في الجهاد وأسند إلى وزيره مالا بد منه في تلك السفارة من إبرام العقود

стр. 164

السلطانية. وكان يوسف بن تاشفين لا تزال تفد عليه وفود ثغور الأندلس مستعطفين مجهشين بالبكاء ناشدين بالله والإسلام مستنجدين بفقهاء حضرته ووزراء دولته فيسمع إليهم ويصغي لقولهم وترق نفسه لهم فما عبرت رسل ابن عباد البحر إلا ورسل يوسف بالمرصاد ولما انتهت الرسل إلى ابن تاشفين أقبل عليهم وأكرم مثواهم واتصل ذلك بابن عباد فوجه من إشبيلية أسطولاً نحو صاحب سبتة فانتظمت في سلك يوسف ثم جرت بينه وبين الرسل مراوضات ثم انصرفت إلى مرسلها ثم عبر يوسف البحر عبوراً سهلاً حتى أتى الجزيرة الخضراء ففتحوا له وخرج إليه أهلها بما عندهم من الأقوات والضيافات وأقاموا له سوقاً جلبوا إليه ما عندهم من سائر المرافق وأذنوا للغزاة في دخول البلد والتصرف فيه فامتلأت المساجد وةالرحبات بالمتطوعين وتواصى بهم خيراً. ثم سار إلى اشبيلية على أحسن الهيئات جيشاً بعد جيش وأميراً بعد أمير وقبيلاً بعد قبيل وبعث المعتمد ابنه إلى لقاء يوسف وأمر عمال البلاد بحلب الأقوات والضيافات ورأى يوسف ما سره من ذلك ونشط وتواردت الجيوش مع أمرائها على إشبيلية وخرج المعتمد إلى لقاء يوسف من أشبيلية في مائة فارس ووجوه أصحابه فلما أتى محلة يوسف ركض نحو القوم وركضوا نحوه فبرز إليه يوسف وحده والتقيا منفردين وتصافحا وتعانقا وأظهر كل منهما لصاحبه المودة والخلوص وتواصيا بالصبر والرحمة ثم افترقا فعاد يوسف إلى محلته وابن عباد إلى جهته وباتوا تلك الليلة فلما أصبحوةا وصلوا الصبح ركب الجميع وساروا نحو إشبيلية ورأى الناس من عزة سلطانهم ماسرهم وكان الاذفونش لما تحقق الحرب استنفر جميع أهل بلاده وما يليها وما وراءها ورفع القساوسة والرهبان والاساقفة صلبانهم ونشروا أناجيلهم فاجتمع له من الجلالقة وةالافرنجة مالا يحصى عدده وجواسيس لك فريق تتردد بين الجميع. وكان الاذفونش قبل ذلك كتب إلى امير المسلمين يوسف كتاباً يغلظ له في القول ويصف ما معه من القوة والعدة والعدد فلما وقف عليه يوسف أمر كاتبه أبا بكر بن القصيرة أن يجيبه وكان كاتباً مفلقا فكتب وأجاد فلما قرأه على الأمير قال هذا كتاب طويل وأحضر كتاب الأذفونش وكتب في ظهره (الذي يكون ستراه) ثم أردفه بكتاب يعرض عليه فيه الدخول في الإسلام أو الجزية أو الحرب ثم وافت الجيوش كلها بطليوس فأناخوا بظاهرها وخرج

стр. 165

إليها صاحبها المتوكل عمر بن محمد بن الأفطس فلقيهم بما يجب من الضيافات والأقوات وبذل المجهود وجاءهم الخبر بشخوص الاذفونش ولما ازدلف بعضهم إلى بعض أذكى المعتمد عيونه في محلات الصحراويين خوفاً عليهم من مكايد الأذفونش وجعل يتولى ذلك بنفسه وجاءت الطلائع تخبر أن العدو مشرف عليهم صبيحة يومهم وهو يوم الأربعاء فأصبح المسلمون وقد أخذوا مصافهم فرجع الأذفونش إلى أعمال المكر والخديعة فعاد الناس إلى محلاتهم وباتوا ليلتهم ثم أصبح يوم الخميس فبعث الأذفونش إلى ابن عباد: غدا يوم الجمعة وهو عيدكم والأحد عيدنا فليكن لقاؤنا بينهما وهو يوم السبت فعرف المعتمد بذلك السلطان يوسف وأعلمه أنها حيلة منه وخديعة وإنما قصده الفتك بنا يوم الجمعة فبات الناس ليلتهم على أهبة واحتراس وبعد مضي هزيع من الليل جاء فارسان من طلائع المعتمد يخبران أنهما أشرفا على محلة الاذفونش وسمعا ضوضاء الجيوش واضطراب الأسلحة ثم جاءت الجواسيس من داخل محلتهم تقول استرقنا السمع فسمعنا الاذفونش يقول لأصحابه: ابن عباد مسعر هذه الحروب وهؤلاء الصحراويون وإن كانوا أهل حافظ وذوي بصائر في الحروب فهم غير عارفين بهذه البلاد فاقصدوا ابن عباد واهجوا عليه واصبروا فإن انكشف لكم هان عليكم الصحراويون بعده فبعث ابن عباد الكاتب أبا بكر بن القصيرة إلى السلطان يوسف يعرفه بأقبال الاذفونش ويستحث نصرته فأمر يوسف بعض قواده أن يمضي بكتيبة رسمها له حتى يدخل محلة الاسبان فيضرمها ناراً مادام الفونس بجموعه وأحاطوا به من كل جهة فهاجت الحرب وحمى الوطيس واستحر القتال في أصحاب ابن عباد وصبر ابن عباد صبراً لم يعهد مثله لأحد واشتد عليه وعلى من معه البلاء وأتخن جراحات وضرب على رأسه ضربة فلقت هامته حتى وصلت إلى صدغه وجرحت وضرب على رأسه ضربة فلقت هامته حتى وصلت إلى صدغه وجرحت يمنى يديه وطعن في أحد جانبيه وعقرت تحته ثلاثة أفراس كلما هلك واحد قدم له آخر وهو يقاسي حياض الموت ويضرب يميناً وشمالاً ثم أقبل السلطان يوسف بعد ذلك وطبوله تصعد أصواتها إلى الجو فلما أبصره الفونس وجه حملته إليه وقصده بمعظم جنوده فبادر إليهم السلطان يوسف وصدمهم بجمعه فردهم إلى مركزهم وانتظم به شمل ابن عباد واستنشق ريح الظفر وتباشر بالنصر ثم

стр. 166

صدقوا جميعاً الحملة فتزلزلت الأرض بحوافر خيولهم وأظلم النهار بالعجاج والغبار وخاضت الخيل في الدماء وصبر الفريقان صبراً عظيماً ثم تراجع ابن عباد إلى يوسف وحمل معه حملة جاء معها النصر. فانكشف الفونس وفر هارباً منهزماً وقد لصق به أسود من سودان يوسف وقبض على عنانه وانتضى خنجراً كان متمنطقاً به فأثبته في فخذه فهتك حلق درعه ونفذ من فخذه مع بداد سرجه ولجأ الفونس إلى تل كان يلي محلته في نحو خمسمائة فارس كل واحد منهم مكلوم وأباد القتل والأسر من عداهم من أصحابهم واستولى المسلمون على ما كان في محلته من الأثاث والانية والمضارب والأسلحة وكانت شيئاً كثيراً يخطئه العد وقد عف عن جميعها السلطان يوسف - وأقبل ابن عباد على السلطان وصافحه وهنأه وشكره وأثنى عليه وشكر السلطان صبر ابن عباد وحسن بلائه وجميل صبره - وكتب ابن عباد إلى ولده الرشيد كتاباً يخبره فيه بالنصر وأطار به الحمام - وكان موضع هذه الواقعة يسمى الزلاقة وهو مكان أفيح من الأرض على أربعة فراسخ من بطليوس - وكانت هذه المعركة سنة ٤٧٩ للهجرة الموافقة سنة ١٠٨٦ للميلاد - وهذا الأذفونش هو الفونس السادس ملك قشتالة ولاون وجليقية. للكلام بقية وفيها ما حصل للأندلس عقيب هذه الوقعة من استيلاء السلطان يوسف بن تاشفين عليه وقبضه على المعتمد بن عباد وسجنه بأغمات وما قاله الشعراء في ذلك.

стр. 167

أثار المتقدمين والمتأخرين فصل من رسالة في الحاسد والمحسود لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ١ والحسن أبقاك الله داء ينهك الجسد ويفسد الاود علاجه عسر وصابه ضجر وهو باب غامض وأمر متعذر وما ظهر منه فلا يداوى وما بطن منه فمداويه في عناء ولذلك قال ﷺ دب اليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء. وقال بعض الناس لجلسائه أي الناس أقل غفلة فقال بعضهم صاحب ليل إنما همه أن يصبح فقال أنه لكذا وليس كذا وقال بعضهم المسافر إنما همه أن يقطع سفره فقال أنه لكذا وليس كذا وقال بعضهم المسافر إنما همه أن يقطع سفره فقال أنه لكذا وليس كذا فقالوا له فأخبرنا بأقل الناس غفلة فقال الحاسد إنما همه أن ينزع الله منك النعمة التي أعطاكها فلا يغفل أبداً ويروى عن الحسن أنه قال الحسد أسرع في الدين من النار في الحطب اليابس وما أتى المحسود من حاسده إلا من قبل فضل الله عنده ونعمته عليه قال الله : ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً﴾. والحسد عقيد الكفر وحليف الباطل وضد الحق وحرب البيان فقد ذم الله أهل الكتاب به فقال: ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم: منه تتولد العداوة وهو سبب كل قطيعة ومنتج كل وحشة. ومفرق كل جماعة وقاطع كل رحم من الأقرباء ومحدث التفرق بين القرباء وملقح الشر بين الحلفاء يكمن في الصدر كمون النار في الحجر - ولو لم يدخل على الحاسد بعد تراكم الغموم على قلبه واستكمان الحزن في جوفه وكثرة مضضه ووسواس ضميره وتنغص عمره وكدر نفسه ونكد عيشه إلا استصغاره نعمة الله وسخطه على سيده بما أفاد غيره وتمنيه عليه أن يرجع في هبته إياه وأن لايرزق أحداً سواه لكان عند ذوي العقول مرجوماً وكان لديهم في القياس مظلوماً وقد قال بعض الأعراب ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد: نفس دائم وقلب هائم وحزن لازم والحاسد مخذول وموزور والمحسود محبوب ومنصور والحاسد مغموم ومهجور

стр. 168

والمحسود مفشي ومسرور. والحسد رحمك الله أو خطيئة ظهرت في السموات وأول معصية حدثت في الأرض خص به أفضل الملائكة فصي ربه وقايسه في خلقه واستكبر عليه فقال خلقني من نار وخلقته من طين فلعنه وجعله إبليساً وأنزله من جواره بعد أن كان أنيساً وشوه خلقه تشويهاً وموه على مثليه تمويهاً نسى به عزم ربه فواقع الخطيئة فارتدع المحسود وتاب عليه وهدى ومضى اللعين الحاسد في حسده فشقى وغوى وأما في الأرض فابنا آدم حسد أحدهما أخاه فعصي ربه وأثكل أباه وبالحسد طوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين فقد حمله الحسد إلى غايته القسوة وبلغ أقصى حدود العقوق فأنساه من رحمته جميع الحقوق إذا لقى الحجر عليه تفادخا وأصبح عليه نادماً صارخاً ومن شأن الحاسد إن كان المحسود غنياً أن يوبخه على المال فيقول جمعه حراماً ومنعه أيتاماً وغلب عليه محاويج أقاربه فتركهم له خصماً وأعانهم في الباطن وحمل المحسود على عطيعتهم في الظاهر فقال لقد كفروا معروفك وأظهروا في الناس ذمك ليس أمثالهم يوصلون فأنهم لا يشكرون وإن وجد لهم خصماً أعانه عليه ظلماً. وإن كان ممن يعاشره فاستشاره غشه أو تفضل عليه بمعروف كفره. أو دعاه إلى نصر خذله وإن حضر مدحه ذمه وإن سئل عنه همزه. وإن كانت عنده شهادة كتمها. وإن كانت منه إليه ذلة عظمها. يحب أن يعاد ولا يعود. ويرى عليه القعود. وإن كان المحسود عالما قال مبتدع لرأه متبع حاطب ليل. ومبتغى نيل. لا يدري ماحمل. قدر ترك العمل. فأقبل على الحيل قد أقبل بوجوه الناس إليه وما أحمقهم إذ انثانوا عليه فقبحه الله من عالم ما أعظم بليته. وأقل رعيته. وأسوأ طعمته وإن كان المحسود ذادِين قال يتصنع أن يوصى إليه. ويحج بشيء عليه ويصوم لتقبل شهادته. ويظهر النسك ليودع المال بيته. ويقرأ في المسجد ليزوج جاره ابنته. ويحضر الجنائز لتعرف شهرته. وما لقيت حاسداً قط إلا تبين مكنونه بتغير لونه. وتخوص عينه. وإخفاء سلامه. والاقبال على غيرك. والاعراض عنك والاستثقال لحديثك. والخلاف لرأيك وكان عبد الله ابن ابي قبل نفاقه نسيج وحده لجودة رأيه وبعد همته. ونيل شيمته. وانقياد العشيرة له بالسيادة. واذ عانهم بالرياسة وما استوجب ذلك إلا بعد ما استجمع لهم لبه. وتبين لهم عقله وفقد بينهم جهله. ورأوه لذلك أهلاً لما أطاق حملاً فلما بعث الله نبيه ﷺ وقدم المدينة

стр. 169

ورأى غيره تشمخ بأنفه. فهدم أسلامه لحسده. وأظهر نفاقه وما صار منافقاً حتى صار حسواداً. ولا صار حسوداً حتى صار حقوداً. فحمق بعد اللب. وجهل بعد العقل. وتبوأ النار بعد الجنة. ولقد خطب النبي ﷺ بالمدينة فشكاه إلى الأنصار فقالوا يا رسول الله لا تلمه فأنا كنا عقدنا له الخرز قبل قدومك لنتوجه ولو سلم للمخذول قلبه من الحسد لكان من الإسلام بمكان ومن السؤدد في ارتفاع فوضعه الله لحسده وأظهر نفاقة ولذلك قال القائل: طال على الحاسد أحزانه ... فاصفر من كثرة أحزانه دعه فقد اشتعلت في جوفه ... ما هاج من حر نيرانه العين أشهى عنده لذة ... من لذة المال لخزانه فارم على غاربه حبله ... تسلم من كثرة بهتانه للرسالة بقية القراءة والمطالعة لفيلسوف الإنكليز اللورد باكون الكتب أنس في الوحدة ولذة في الخلوة. وزينة في المحفل وصقال الخاطر ومشحذ القريحة تترك الرجل عليماً بتصريف المسائل وسياسة الشؤون والرجل المحنك الحاذق رما أجاد إنفاذ الأمور والحكم في الجزيئيات على انفراد ولكنك إذا أردت رب مشورة وأخا نظر وتدبير فابغه بين الكتب والدفاتر والتمسه بين الصحف والمحابر هذا وانفاق جميع أوقات المرء في القراءة نوع من الكسل والاسترخاء وقصر العلوم والمعارف على التحلي بها والتزين ضرب من التصنع والرجوع إليها عند كل مشكل والصدور عن رأيها في كل أمر صنف من الخطل وضعف العقل وإنما الكتب تهذب الفطرة. والحنكة تهذبها فهي ثقاف الطبع والتجربة ثقافها والملكات الغريزية كالنبات تحتاج من العلم إلى مشذب والعلم يعطيك الآراء مبهمة تحتاج من التجربة إلى حدود فاصلات. وموضحات بينات وأهل المكر والدهاء يحقرون الكتب والقراءة وذووا السذاجة يعجبون بها وأولوا العقل والأدب ينتفعون بفوائدها فأن لها خلاف المعلومات المستفادة منها فضل بصيرة ونظر تتوفر للذي يقرن القراءة بالتأمل ويشفع النظر في نواحي الصحف بالنظر في نواحي الأمور وإذا تناولت

стр. 170

الكتاب فلا تجعل همك معارضة ما تقرأ ومناقضته ولا التسليم به والتصديق ولا اللهو ودفع الملل وإنما نقد الكلام ووزنه - واعلم أن من الكتب ما يتذوق ومنها ما يسترط (يزدرد ويبتلع) وقليل جداً ما يمضغ ويهضم وبيان ذلك أن من الكتب ما يتصفح ومنها ما يقرأ لكن بغير تدقيق وتدبر وقليل ما يقرأ كله مع التأمل والانعام ومن الكتب مايكلف الرجل أن يقرأها ثم يعطيه أحسنها وإنما يكون ذلك في القل قيمة وقدراً والمختارات فيما عدا ذلك كالمياه المقطرة لا طعم لها. والقراءة تترك الرجل مفعم الوعاء فياض الإناء والجدال يتركه سريع الخاطر شديد العارضة والكتابة تصيره محكم الحساب مستجمع الفكر فلذلك إذا كان الرجل قليل الكتابة احتاج إلى أن يكون قوي الذاكرة ضنين الحافظة وإذا كان قليل المناظرة استحق أن يكون طلق البديهة حاضر الذهن وإذا كان قليل القراءة وجب أن يكون كثير الدهاء حتى يوهم الناس أنه عالم بالذي لايعلم والتاريخ يترك قارئه حكيماً والشعر يتركه لبيباً والحساب يجعله سريع الذهن والفلسفة الطبيعية تصيره عميق النظر. وعلم الأخلاق يدعه شديد الوقار كثير الجد وعلوم البلاغة والمنطق ترده قديراً على المحاجة جلداً على المجادلة: وما من عورة في الذهن إلا ولها من بعض العلوم سداد ولا مرض في العقل إلا وله دواء في هذا الفن أو ذاك كما تداوى الأمراض البدنية بأنواع الألعاب فالكرة لمرض الكلى والرماية لداء الرئة والصدر والسير اللين لعلة البطن وركوب الجياد للدوار والصداع فكذلك إذا كان بعقل الرجل شرود فعالجه بعلوم الحساب لأنه إذا شرد به ذهنه أثناء البرهان أدنى شرود اضطر إلى إعادة الدليل وإذا أتى الرجل من ضعف تمييز ومعرفة بالفروق فداوه بالأدب لأن الكتاب قوم يجزئون الذرة ويقسمون الهباءة وإذا كان يعجز عن تشبيه الشيء بالشيء والاستشهاد على ذلك الأمر بذاك فاجعل له جولة في قضايا المحاكم وهكذا لكل داء من علل الذهن دواء. خطرة ضمير للأديب المفضال محمد أفندي صادق عنبر يا نائياً والفؤاد في أثره ... مضناك سله إن شئت عن خبره قد عزه شوقه فأسهره ... يا ويح للمستهام من سهره يطوى من الليل برده تعبا ... لم يشك من طوله ولا قصره

стр. 171

مرددا في نجومه بصرا ... حتى تمل النجوم من بصره كلما لاح بينها قمر ... هفا به شوقه إلى قمره يا رحمتا للمحب ما صنعت ... به عيون المها على حذره كم يشتكي من صدود فاتنه ... إذا غفا عاذلوه في سحره ويرسل الدمع من محاجره ... يسيل منظومه بمنتثره يا ساكن القلب وهو ملتهب ... سلمت من حره ومن شرره رفقاً بمضنى غدا على خطر ... وراح من حبه على خطره من مسعد الصب في هوي رشأ ... الحسن في دله وفي خفره والغصن يهتز في غلالته ... والبدر بادٍ منها لمنتظره منية العاشقين ناظره ... ومنية العاشقين في حوره يا خائف السحر لا مررت به ... فالسحر في لحظه وفي سمره ويا صريع العيون خذ حذراً ... من فاتك الطرف جد منكسره ما أنس لا أنس ساعة عدلت ... عمري مد الإله في عمره نعمت فيها من أنسه طرباً ... بالحسن يبدو في الجم من صوره يؤنسني والعذول يضجره ... أفديه في أنسه وفي ضجره رحماك يا هاجري بلغت مدى ... هجر الذي أنت منتهى وطره تجد في التيه ما يجد به ... هداك مهلا أسرفت في ضرره يا نظرة قد جنت عليّ وهل ... جنى على مغرم سوى نظره لم أجن غير الهوى وما ظفرت ... يداي إلا بالمر من ثمره

стр. 172

العلوم والفنون ننشر في هذا الباب كل مجد من المباحث العلمية البحتة والفنون المختلفة من طبيعية وكيماوية وفلكية وطبية وزراعية وما إليها حتى تتم الفائدة وتكمل العائدة ويجد كل طالب طلبته وكل ناشد ضالته إن شاء الله. في الزراعة الدورة الزراعية او نظام التعاقب الزراعي للفاضل البحاثة أحمد أفندي الألفى ١ ترتيب زراعة الأرض بأنواع النبات وتعاقبها زرعة بعد زرعة وتواليها سنة بعد سنة - هذا هو نظام تعاقب الزروعات المسمى بالدورة الزراعية وإذا نظم التعاقب الزراعي على أن يزرع الصنف الواحد في الأرض الواحدة كل سنتين اثنتين مرة واحدة وصفت الدورة بأنها ثنائية أو على أن يزرع كل ثلاث سنين وصفت بأنها ثلاثية وعليه قولهم الدورة الثنائية والدورة الثلاثية. وأصول الفلاحة والاقتصاد تقضي بزراعة الأرض بترتيب يساعد على زيادة ربحها وتيسير خدمتها وتوفير خصبها إذ هو أهم مادة في رأس مال الفلاح والنظر في ذلك يستدعي البحث في مسائل عديدة تتعلق بالتربة والنبات والمناخ (الجو) والبيئة (الصقيع) ووسائل الخدمة والاقتصاد وغيرها فلنبحث فيما ذكرنا أولاً لكل نوع من أنواع التربة - طبقة الأرض الزراعية - أصناف من النبات تجود فيه أكثر من جودتها في غيره فيجب أن يزرع في كل أرض الصنف الأحسن نمواً فيها. ففي الأرض الصفراء - أجود الأراضي - تجود أنواع النبات المختلفة عدا القطن فإن جودته فيها أقل منها في الأرض الكحلة أي السوداء الخفيفة وعدا النبات الذي أكثر ما يجود في الأرض الرملية كالفول السوداني مثلاً. وفي الأرض السوداء تنجح أكثر أصناف النبات المعروفة ماعدا نبات الأرض الرملية

стр. 173

والنباتات الدرنية والبصلية كالبطاطس والقلقاس والبصل والتوم فلا تجود إلا في الأرض السلسة الرخوة وأحسن ما يجود في هذه الارض السوداء القطن والقمح والفول. وفي الأرض الرملية يزرع الشعير والذرة الرفيعة خاصة وبعض النباتات الصغرى كالحنا والفول السوداني والسمسم والنباتات البصلية والدرنية والخضروات بشرط أن تسمد كل هذه النباتات بما يوافقها من الأسمدة وينجح فيها بدون تسميد أكثر نباتات الفصيلة البقلية المخصبة للأرض كالبرسيم والحلبة والترمس. وفي الأرض الرقيقة والمستحدثة لا ينجح إلا القطن والبرسيم والشعير والأرز إلى أن تتوفر فيها المواد العضوية ويتم تحسين طبيعتها فيمكن أن ينجح فيها القمح ثم الذرة أخيراً. وقد اختبر من وجهة اقتصادية أن تزرع الأصناف الأكثر أهمية وربحاً كالقطن والقمح والقصب والفول والذرة في الأرض إلا على جودة وأن تزرع الأصناف الأخرى كالشعير والحلبة والترمس والحنا في الأرض الأقل خصباً وإن كانت هذه الأصناف كغيرها أحسن ما تجود في الأرض الخصبة. ثانياً إن بعض النباتات كالقطن والقصب والنيلة يجهد الأرض أو كما يعبر الفلاحون يتعبها أو ينخعها أو يعييها أكثر من غيره فإذا كثرت زراعته في أرض استفرغ خصوبتها وأضعفها عن إنماء سائر النبات إنماءً جيداً كما لوحظ ذلك الآن في الأرض التي يزرع القطن فيها بكثرة. فلحفظ جودة الأرض يجب الاقتصار في زراعة ذلك النبات المنهك للتربة إلى الحد الذي لا تجهد الأرض معه هذا مع تنويع زراعتها بالنبات المخصب للتربة كالبرسيم والفول والحلبة ونحوها من الزروعات التي تسمى الأرض عقبها باق وهذه اللفظة في العرف الزراعي دليل الخصب والجودة. وزراعة القمح عقب القطن مخالفة لأصول الدورة وإن كان الأول أقل إجهاداً للأرض من الثاني فإن الغرض المنشود أن يعوض المحصول التالي على الأرض ما أفقده المحصول السابق منها لا أن يكون أقل إجهاداً لها منه ونبات القمح يحتاج لعنصر الازوت فيمتصه بجذوره السطحية من سطح التربة فيفقره منه ويكون القطن قبله قد أفقر جميع التربة من هذا العنصر المهم بامتصاص جذور الطويلة له مع عمقها واذن تصير التربة بعد هذين

стр. 174

المحصولين مجهدة من ظاهرها إلى عمقها. وأغلب أصناف الذرة من النبات الذي يحتاج نموه الجيد لغذاء وفير والمدة القليلة التي تمكثها الذرة في الأرض لا تكفي لاغتذاءه منها الغذاء الكافي لنموه النمو المناسب بدون أن يجهد خصوبتها فيلزم تسميد الأرض له بكمية كبيرة من السماد الجيد وإذن يكون فيه عوض بل ونفع للأرض أما إذا لم تسمد بكمية وفيرة فإن محصوله فيها لا يكون جيداً ويكون مع ذلك ذا تأثير منهك للتربة خصوصاً إذا كانت الذرة من الصنف الأمريكي. ثالثاً لكل نبات قدرة مخصوصة به على أخذ الغذاء المناسب له من الأرض قاذا زرع صنف واحد مرتين متعاقبتين على أرض واحدة فلا يجد نبات الزرعة التالية في الأرض كفايته من الغذاء الذي يحتاجه لتمام نموه لأن المحصول السابق يكون قد استهلك أكثره منها فتأتي الزرعة التالية أقل نمواً وأشد تأثيراً وإذن لا يصح زراعة قمح بعد قمح ولا فول بعد فول لضعف استعداد الأرض وقابليتها عن إنماء الزرعة التالية بما استغرقته منها الزرعة السابقة. والفول وإن أفاد التربة في الازوت الذي هو أهم عنصر في خصبها فإنه ينقص منها عنصر آخر هو البوتاسا ولايسد مسده وفرة عنصر آخر غيره وخصوبة الأرض لأي محصول إنما تكون بوفرة جميع العناصر اللازمة لنموه وإنما كان الأزوت أهم عنصر في خصب الأرض لأنه ألزم من غيره لنمو النبات ولكن لأنه لا يوجد فيها الابقلة فإذا زاد هو عن حاجة زرع ما ونقص عنصر آخر يحتاجه ذلك الزرع اعتبرت الأرض غير خصبة له للمقال بقية.

стр. 175

المقالات والرسائل الجمال والحب وأثرهما في الحياة للكاتب الفاضل محمد حسين هيكل لعل أرقى غاية يعيش من أجلها الإنسان أن يصل إلى اكتشاف الجمال المكتن في الأشياء التي تحيط به ولعل كل القوى التي يصرفها في أعماله والمجاشم التي يتجشمها والمتاعب الكثيرة التي تثقله بحكم الحياة والآلام التي تنتابه من حين إلى حين. لعل ذلك كله على الرغم مما كان يقتضيه بالطبيعة من إدخال اليأس إلى نفسه وتشجيعه على مغادرة عيش مملوء بالأحلام الفظيعة أكبر دليل على أن هناك له مقصداً سامياً غير الغرض المادي الذي يريد: هذا المقصد السامي هو تقديس الجمال وعبادته. سألت نفسي مراراً ما معنى الحياة ومن أجل ماذا أعيش. وسألت آخرين هذا السؤال فلم احر جواباً في الأولى ولا رد على من سألت في الأخرى إلا بنوع من الحيرة تخالطه دهشة وغرابة حتى كأن صاحبي لم يسمع هذا السؤال حياته. والواقع أنه سمعه مراراً. ولكن لما لم يكن يدري الغرض المحدود الذي يرنو له والذي يريد أن يظفر به من حياته. لما لم يكن يدري المعاوضة التي سيجدها يوم يريد أن يودع أرضنا إلى الفناء الأبدي المهيب لم يجد جواباً يجيبني به غير الدهشة والحيرة. أما أنا فأعتقد أن أرقى الناس مدارك وأدقهم إحساسات إنما يعيشون ويعملون ويحبون الحياة حباً في الجمال الذي تحويه. ذلك شأنهم من أيام ما قبل التاريخ وشأنهم اليوم. ولو أنك أخذت أقدم الكتب التي يمكن أن تقع تحت أيدينا لوجدت المعنى الشعري يتمشى فيها من أولها إلى آخرها ولتبين لك مقدار خيال الغابرين من أجداد الإنسانية وولوعهم بالطبيعة التي تحيط بهم وتقديرهم لما تحويه من جمال. كما أن الكتب العلمية البحتة في هذه العصور الحاضرة أي حين جاهد الكتاب للتفريق بين العلوم والآداب ما أمكنهم لا تخلو من الوصف الدقيق والولوع بالجمال في أدق الأشياء إلى حد كبير. بل أن أكثر الناس ولوعاً بالطبيعة وجمالها جماعة العلماء أمثال دارون وسبنسر. وكفى دليلاً على ذلك بحثهم فيها وتنقيبهم عن مخبآتها. والواقع أن العلم فتح أمامنا باباً واسعاً نقدر منه تقديراً أدق ما تحويه الأشياء من إبداع

стр. 176

ونحن مدينون له (كما قال السير جون لبك في كتابه بدائع الطبيعة) بتوسيع دائرة مشاهداتنا فنرى غير ما تراه العين العارية من الدقائق المتناهية في الصغر والجلائل المتناهية في الكبر ما ترفع الحجاب عن الأنبوبتان السحريتان - المكرو سكوب والتلسكوب. هذا السعي الدائم من كل الناس نحو الإحساس بما تحتويه المحيطات من بديع الخلق غير محس النتيجة عند الأكثرين ولكنك تراه ظاهراً وأضحاً عند الإنسان كلما ارتقى في الإنسانية وصار أوسع علماً بنفسه وبغيره ولاشيء أدل على ذلك من أن كل الذين اتفقت الإنسانية على تسميتهم عظماء الرجال مهما كانت مشاربهم ومذاهبهم لهم تعلق خاص بكل أنواع الجمال أو ببعض منها وإذا كان هناك من يستثنى من هاته القاعدة ممن جازف الناس في تسميتهم عظماء وكانوا لا يحبون الجمال فهؤلاء إن حللنا نفوسهم ودققنا بعض الشيء في تاريخهم نجدهم دائماً ناقصين نقصاً كبيراً في درجتهم الإنسانية وإن الذي أعطاهم العظمة ليس إلا نوعاً من أنواع الجنون الذي يعتري العقل فيجعل صاحبه يفرط في شهوة من الشهوات ويجد من مركزه مساعداً على ذلك كمن يضعه مولده على كرسي الملك ثم يسرف في القتل وسفك الدماء وينال بذلك اسماً في التاريخ. وليسوا هم العظماء وحدهم الذين يقدسون الجمال بل ذلك كما قدمنا سعي كل شخص مالك قواه الطبيعية. فإن تجربتي الشخصية أظهرت لي أن الناس من جميع الطبقات وفي جميع الأعمار لهم به ولوع خاص وإلى حد غير محدود ألا ينام الطفل ساعة تغني له أمه بأغانيها الهادئة الساكنة فينتقل من تهيجه الشديد وبكاءه إلى تخدر الأعصاب الذي يتبع النشوة والطرب ثم ينتقل من ذلك إلى عالم الموت الأصغر (النوم). وكثيراً ما يحدث أنه إذا نام ثم سكتت أمه تعاوده اليقظة ويرجع للبكاء لأن المؤثر الذي كان قد زال ولم تصل أعصابه إلى سكونها الكافي لراحته. كذلك أذكر حين كنت صغيراً وأخرج بعض ليالي الصيف الساهرة للجرن الفسيح لألعب مع الأولاد هناك أنني كنت أجد بعضهم أحياناً واقفاً محدقاً للسماء يرنو إلى البدر ثم يقلب نظره في النجوم وهو تائه في عالم عظيم من الأحلام لا نهاية له وليس ذلك الصغير إلا فلاحاً ساذجاً من الذين لا يعرفون حتى ولا القراءة والكتابة تتوج جمال الطبيعة العظيم وتجلس على عرشه المرأة. في ذلك المخلوق الإنساني الرقيق وراء الجمال المحس جمال آخر أكثر تأثيراً في النفس وامتلاكاً للقلب وسلطاناً على

стр. 177

العواطف. فيه روح شفافة بديعة تجمع إليها من المعاني مالا تجمعه الأشياء الأخرى لذلك لا نكون مغالين إذا قلنا أنها ملكة الجمال. هذا المركز يعترف لها به الناس جميعاً. وأنك إن شئت أن تمثل أرقى المعاني وأرقها في صورة محسة ملموسة. إذا خطر ببالك أن تجمع في جسم من الأجسام الصفات الدقيقة المحبوبة لنفوسنا فأول ما يخطر بذهنك أن تمثلها فيه أن تجعل لها المرأة مثالاً. وباعتبارها ملكة الجمال فأنها تحل من نفوس جميع الناس أعماقها ومن قلوبهم حباتها. ومهما يكن ولوع الإنسان بالطبيعة وما عليها عظيماً. مهما يكن محباً للسماء ونجومها والأرض وأبحارها وجبالها وأشجارها ورياضها وأزهارها فإنه يحني رأسه اعترافاً بأنه إنما على رأس ذلك الجمال الذي يعبد توجد المرأة وقل إن تجد لهذه القاعدة استثناء. كانت المرأة من أجل هذا موضع الحب الذي يملك الحواس والنفس ويستولى على كل وجودنا ويسهل علينا معه أن نندفع لعمل كل المستحيلات والوصول إلى أبعد الغايات وبلوغ كل شيء ولو كان الموت الزؤام. هذا الحب المخصوص الذي ننسى معه أنانيتنا وحبنا لذاتنا من أجل محبوب لنا له من الأثر في الحياة أكبر ما يمكن تصوره. كما أن الولوع بالموجودات الحية والجامدة يشكل وجودنا بشكل مخصوص يكون له على أعمالنا من الأثر ما يجعلها تختلف باختلاف مقداره. وهذا الأثر الذي للحب والجمال يتعدانا إلى ما حولنا ويؤثر في المجموع لتأثيره في أفراده حتى ليكون حتماً علينا أن ننظر فيه بتدقيق ونفتش عما عساه يأتي به في حياة كل فرد وفي حياة الأمة. ذلك هو السبب الذي دفعني إلى البحث في موضوع كهذا يحسب خطأ عندنا ذا أهمية ثانوية وإن هو إلا صاحب الدرجة الأولى في الحياة النفسية مهما رجعنا في التاريخ إلى الوراء ومهما فتشنا في العصور القديمة فإن محالاً أن نجد عصراً كان أصم أمام الجمال بل أنه ليخيل إلي أن أول ما فتح الإنسان عينيه للوجود: أول ما جاء آدم إلى الحياة ورمي بنظرة على ما حوله لا بد أن يكون قد دخل إلى نفسه معنى الجمال فأخذ بصره أشياء أكثر من أشياء أخرى وبلغ بعضها من الأثر فيه إن أوصلته إلى الإعجاب بها وإدامة النظر إليها والشعور بالغبطة لمرآها: أي انه قد خالطه من أول وجوده الإحساس بالجمال.

стр. 178

ليس الإنسان وحده الذي يقدر الأشياء الجميلة ويحبها بل أن كثيراً من الحيوان له من الولوع بذلك ما يفوق التصور. وإذا كنا لا نقيم وزناً لما يروى بعض المؤرخين من إنصات سباع الفلاة لمغن متقن فإن حب بعض الدواب كالثعابين لسماع الموسيقى معروف حتى عند العامة كما أن من الحيوانات ما يبلغ منه الطرب كالخيل التي تسمع الموسيقى فتهتز كل أجزاءها وترقص معها أو كعيس البيداء تنسى نفسها وتنسى التعب إن تسمع الحادي يوقع غناءه توقيعاً حسناً. كما شوهد كذلك أن بعض الطير تعني عناية خاصة بتنظيم عشها وتجميله فتضع حولها أوراقاً مخصوصة لا لغاية أخرى سوى أن ترى العش جميلاً. . . بل أنه ليخيل إلينا أن من الجمادات ما يحس الجمال وإذا كانت الأشياء لا تقدر على إبداء ذلك بحركة إذ لا حركة لها فإن ما أجده من بعضها من الرقة وما يثيره عندي أغلب الاحايين من الاحساسات الغريبة. يجعلني أقدر لها حياة خاصة تستطيع معها أن تتأثر بالمحيطات بها. ما هذا الجمال الذي يحسه الإنسان والحيوان والأشياء، أي شيء هو، وهل في الإمكان تعريفه. ليس من غرضي هنا أن أبحث عن المعنى الذي نجده في القاموس لكلمة الجمال فذلك معروف كما يذكره بعضهم ولكنما أريد أن أصل إلى شيء غير هذا أريد أن أصل لأقول أن الجمال هو السحر الذي تحويه الأشياء فتجذب به إليها سليم الذوق وتعمل في حواسه ما يتركه تحت أثرها مملوأ بالسرور أو الأعجاب أو بتلك اللذة المخدرة التي نتيه معها في عوالم الأحلام الواسعة ناسين أنفسنا والمحيطات بنا. فبمقدار الأثر الذي يحدثه الشيء في نفوسنا يكون مبلغه من الجمال. إذا مررت أمام صورة متقنة جذبك إليها جمالها فكم من الزمن تبقى محدقاً بها رائحاً في إعجابك إلى قصى حدوده. زمن لا يمكنك أن تقدره لأنك في تلك الساعة تنسي الزمان وتقديره وتنسي كل شيء إلا الصورة الجميلة التي أمامك. بل أنك لتنسى نفسك حتى ليهون عليك أن تعمل مالاً تعمله وأنت مستقل مالك كل حواسك كنت العام الماضي في أفنيون وزرت متحفها فاستوقفتني فيها صورة كلما ذكرتها تأوبني لها من الخضوع مالا أفهم. . . تلك صورة عذراء أمامها مستتيب. فتاة رقيقة القوام حادة

стр. 179

الأنف ساحرة العينين قد انسدل فوق جسمها الخصيب ثوب فضفاض ثم لفتها سحابة سماوية اللون. كنت كلما تركتها خيفة أنتهاء الوقت وطمعاً في أن أرى ما سواها رجعت إليها غير مستطيع أن أفارقها الفراق الأخير وحدقت منها بتلك الصورة الملائكية الناطقة. كذلك هنا في باريس في متحف الكسميور تمثال للعذراء على أمتار من شمال الداخل. تمثال مصقول محكم بديع لا تلبث أن تراه حتى يسرق من وقتك ما لا تأسف على ضياعه. هذا السحر الذي تحويه الأشياء الجميلة. هاته القوة التي تجذبنا إليها وتأسرنا بسلطانها وتضطرنا للخضوع لها مسرورين بخضوعنا راضين بأسرنا. هذا السر الكامن تجتليه حواسنا وتجد فيه من الابداع ما يبعث إلينا النشوة أو الطرب - هذا كله هو روح الشيء وحياته. وما من شيء مما يحيط بنا إلا فيه جمال في أية ساعة من النهار تنظر السماء تجد لها العظمة والجلال في صفوها أو الحزن المهيب في قتومها أو الزينة البديعة ساعات الشفق حين تغيب الشمس وراء الآفاق وتبعث إلى القبة الهائلة بألوانها ثم حين يتبدد ذلك قليلاً قليلاً ويأتي على جميعه آية الليل ويدخل الوجود كله تحت ستاره العظيم. وإن أنت اجتليتها بالليل وكنت في أيام القمر حين يخطر الكوكب العاشق وسط السماء ويبعث للعالمين بنظراته الهائمة ويرنو لمحبيه بعين رائقة سائغة ثم يجري من تحته غمام يجعله أشد نحولاً وأكثر عشقاً إن أنت اجتليتها في هذه الساعات الصامتة حين تسكت الخليقة ويتهادى النعيم وسط الجو الساكن ويترنح البدر ثملاً في الفضاء الهائل وجدت بها من الجمال مالا يحويه إلا الخيال. والبدر وحده ما أحلاه وما أجمله. ما رأيته إلا أخذني حسنه وبقيت محدقاً به الزمان الطويل. وإني لأذكر أياماً كنت فيها على شاطئ البحر وأرى مشرق القمر من بين موجاته يبدو محمراً كأنما خرج رغماً من بعد جدال ثم يسري عنه ويراجعه هدوءه ويبسم من جديد ويرسل على الكون كله لجة النور فتغرق فيها الموجودات ويلمع الضوء على صحيفة الماء وتتخطفه الأمواج متلاعبة به ثم قاذفة نفسها وإياه إلى الشاطئ. كذلك أذكر أياماً أخرى كان البدر لي فيها نعم الصديق وأنا بين البحيرات والأجبال. أذكر مرة كنت مسافراً على القارب من جنيف إلى مونتريه وقد غابت الشمس ونحن في

стр. 180

منتصف الطريق وطلع القمر وأنا مشغول ببعض كتابة في يدي لم يذهلني عنها إلا أن سمعت خادمة المطعم من ورائي تنادي صديقاً لها تعال شوف فوضعت أنا الآخر كراستي ولم أكد أرفع نظري حتى رأيت أبدع منظر. رأيت الجبال يلفها الضباب في ثوبه الشفاف والقمر بين قممها كبيراً متورد اللون أخجلته الأنظار الكثيرة التي اتجهت في تلك اللحظة إليه فرمى بنظراته إلى ما تحته وبعث على البحيرة الوديعة الهادئة خطاباً من ذهب ثم صار يحبو. متثاقلاً بطيئاً وسط لجة السماء وبين صخور الجبال ويلقى عنه ثوبه الوردي ليظهر بجماله ولا يفتر يرنو للبسيطة وما عليها ويتبع قاربنا في مسيره وقد رسم إلى جانبه فوق سطح الماء سكة لجية تتماوج حتى تضيع في ظل الجبل. هذا جمال السماء وليست الأرض أقل جمالاً. ليست جبالها العالية تخرق الجو ثم تنحدر يغطيها الشجر الأخضر والنبات والعشب أو تجلل رؤوسها بتيجان الثلوج الناصعة. وبحارها الواسعة تقصر العين دون آفاقها وتتابع موجاتها عالية هابطة وتكن في جوفها من السر ما نعجز دونه. وسهولها الهائلة تقوم فوقها الزروع شتى ألوانها. وأنهارها وغدرانها وأشجارها وما يحويه ذلك كله ثم حيواناتها باشكالها الجميلة المتباينة وطبائعها المتخالفة العجيبة ما تكنه من معان يحار الذهن دونها. ليس ذلك كله إلا شيأ يأسر اللب ويأخذ بالنفس ويجعلنا نحس أن ما حولنا وما يحويه من جمال هو سبب الحياة ومعنى السعادة. (للرسالة بقية).
следующие страницы →