Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
أهتف معه بالضحك. وانطلق من التهليل والاستخفاف والجذل، ولكن عليك أن تحاول جهدك أن تجعل ضحكك يبدو صادقاً غير متكلف، وإذا رأيت منهم قوماً يريدون أن يقابلوا ضحكك بمثله، فليكن ضحكك أطول من ضحكاتهم وأشد صيحة وارتفاعاً، فإنك لا تنوي أن ترى أشجع الحضور وأكبرهم إباء وأربطهم جأشاً. والذين كانوا من قبل يتهاتفون بك ويتضاحكون منك قد عادوا ينهزمون أمامك ويتراجعون إزاء قوتك، ويميلون إلى مهادنتك ومصالحتك، وعقد أولوية السلام معك، وتقديم آداب الصداقة والود إليك، وكذلك فلتعلم أن الضحك قوة كبرى لا يستطيع أشجع الناس أن يناهضها أو يستخف بها، فالذي يريد أن يكون سيد الأرض، فليضحك من العالم بأسره.
إن الدنيا إزاء العظماء والأبطال أشبه بالمرأة، فهي لا تعجب بهم فقط، بل تحبهم كذلك، وتتعشقهم، إذ يفتنها منهم قوة خلقهم وشدة بأسهم، والدنيا المرأة، لا يكون حبها للعظماء، إلا على قدر ما يظهرون نحوها من الإحتقار والقسوة، والرعب الذي يدخلونه عليها.
لقد كانت فرنسا تحب نابليون أشد الحب، وكان نابليون معبود القوم، ومع ذلك كان يسميهم طعاماً للمدافع، وغذاء للبنادق.
كتاب المساكين
هو الكتاب الفلسفي القيم الذي وضعه الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي وأشرنا إليه في بعض أعداد البيان منذ أشهر ونقلنا منه فصلين تركا الأدباء وأهل الرأي يستبطؤون دورة الفلك من شوقهم إلى هذا الكتاب. وقد كان أديبنا الرافعي عدل عن طبعه بعد أن صحت نيته على الطبع إذ وجد سوق الورق كلها تسوق بنفسها في هذه الأزمة ثم كان مع العسر يسر فأصبح هذا الكتاب النفيس وشيكاً أن يظهر. ونحن نتحف قراءنا الأفاضل بهذه القطعة الرائعة من مقدمة الكتاب وقد اختص الرافعي بنشرها البيان.
وأنت فربما رأيت الرجل من الناس وبه من جمال الدنيا مسحة الدينار، وعليه من نضرة هذه الحياة ألوان الجنة والنار، وما تشك في أنه واسع البسطة عريض النعمة طيب المكسبة وهو على ذلك رقعة خلقة في أذيال الفقر يجررها على أقذار الحياة وأدناسها ولو نطق له الغني لقال دعني فما كل ذي متربة فقير ولا كل ذي مثراة غني والفضائل قائمة في الدنيا بالصغار والفقراء ولكن من نكد الدنيا أن عنوانها هم الكبراء وحدهم، على أن أكثر هؤلاء
стр. 1822
لا تكون منهم في كل أمة إلا الطبقة المنحطة انحطاطاً. . عالياً. . . فالناس مخطئون فيما اعتبروا به معنى الفقر إذ حصروه من جهاته الأرضية وقد ترامت، وضيقوا من حدوده السماوية وقد تراجت وإنما هو طبقة معنوية فوق الأرض، وإنما هو أسلوب خاص في نظام الكون ولا سبيل إلى التنقيح والتحرير في أساليب لله نصرفها عن معانيها أو نتكذب في تأويلها أو نرد عليها ما ليس منها، وإنما الشأن كله أن نحسن الفهم عن أوضاع القدرة الإلهية بمقدار ما نستبين فيها من الحكمة فإن في ذلك صلاح أنفسنا، وما جعل الله سبيل المصلحة والمفسدة إلا من أفهامنا حتى أن الأدمغة لتعد من أكبر العلل في أمراض التاريخ الإنساني، وربما كانت العلة الكبرى في طائفة من الطوائف صورة أثرية لأكبر المثراة ما يكون سبباً لتكثير المال ترامت وتراجعت بمعنى اتسعت رأس. فيها فإن نحن أسأنا الفهم أو ذهبنا به المذاهب أو أفسدنا من تأويل حكمة الله أو غيرنا أو بدلنا فذلك واقع بنا لا يعدونا، وما يستولي على الكون من جهلنا اضطراب ولا تلحق به آفة في وضع من أوضاعه وإن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
وما دام في هذه الدنيا شيءٌ من المادة أو المعاني يحتاج إليه أو يتوهم أحد أنه محتاج إليه ففي الدنيا الفقر.
وما دام للناس رغبة يتنافسون فيها أو يرفعون من شأنها بالمنافسة فلم الحسد. وما دام في الغيب أيام وآمال وفي الدنيا فقر وحسد فهناك الطمع.
وما دام هؤلاء الناس من أشيائهم ما تحملهم أخلاقهم على الظن به أو يكون سبيله من الطبيعة أو يضن به، وفيهم الفقر والحسد والطمع فلم خبء السوء والرذيلة الماحقة وثم البخل. وإن البخل وحده لفي حاجةٍ إلى نبي يصلحه.
وهذه أخلاق أعرقت فيها الإنسانية ولا بد منها ومن فروعها حتى يظل الناس ناساً لا ملائكة ولا شياطين فإن من عجيب حكمة الله أنه لا صلاح للعالم إلا بالفساد الذي فيه.
بيد أن في كل شر جهة من الخير أو جهة تتصل بالخير فإذا صلح فهمه صلح هو أيضاً أو كأنه صلح لظهور حكمته والوقوف به عند حد الشر الطبيعي وهو الشر الذي لا بد منه.
فليكن الفقر والحسد والطمع والبخل ولكن برضاً يمنع السخط وسكون يكسر شرة النفس ورفق لا يعنف على الحق واعتدال يقر كل شيءٍ على حده. يومئذٍ يجد الإنسان في كل
стр. 1823
نزوة من نزوات جنونه شيئاً من الحكمة أو على الأقل شيئاً يمكن من بعض الوجوه أن يسمى في باب المنفعة الإنسانية حكمة.
ولقد كان الفقر عريان يوم كان آدم في الأرض وليس عليه إلا ما خصف من ورق الجنة وعاش دهراً تحت السماء يلبس من ضياء كل كوكب ويمرح في ثياب بيضاء من أشعة القمرين إذ لم يكن يعرفه أحد بعد ولا استطربه سماع السوء في الأحياء، بل كان عنصراً مجهولاً في غيب الطبيعة. ولم يكن لهذا الإنسان يومئذٍ من المعاني الفقرية. . . غير شعور طبيعي لا زيغ في تأويله عن الطبيعة وهو شعور المعدة القوية المعصوبة التي لا تحتمل الشعر والخيال وفنون الكذب العقلي ولا تشعر إلا لتطلب ولا تطلب إلا ما تجد، ومتى وجدت وإنطفأ نهمها فليس إلا قوة الجسم وانبساط النفس وحمد الله في كل ضرب من ضروب الجمال في الخليقة.
ثم كانت عداوة ابني آدم إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، وفتحت الصفحة الأولى من تاريخ الدم الإنساني في الأرض فكان البغض أول سطورها وجاء من بعده الفقر وخطت بعد ذلك سطور وسطور كلها يلتقي إلى هذين المعنيين. يومئذٍ عرف هذا الفقر وأصبح يتلبس في كل إنسان بمعنى يلائمه إذ لم تعد الحياة هي الحياة بل الوسائل التي يدفع بها الموت ومنها الموت نفسه، فصار البغض وسيلة والحسد وسيلة والطمع وسيلة والقتل وسيلة وكل ذلك لأن الإنسان فقير بمعنى من معاني الفقر وما البغض إلا فقر من المحبة ولا الحسد إلا فقر من الثقة ولا الطمع إلا فقر من الرضا ولا القتل إلا فقر من القتل.
وإن أردت العجب فاعجب لهذه الطبائع الإنسانية إذ يحاول كل امرئٍ أن لا يفهم من معنى الفقر إلا ما يمكن أن يجريه على الناس كافة حتى هو وحده المبتلى في نفسه الممتحن في سعادته وحتى يجد مادة العزاء من حيث التمسها.
فالفقر على ذلك هو العوز إلى المال، وهذه بلية عليها يحيى الناس وعليها يموتون. ولقد كان الفقر قبل أن يكون المال ثم وجد المال فما منع أن يلتقي أهله الأغنياء من هموم الدنيا وبأس الحياة ما لو استطاعوا لافتقدوا من عذابه بكل ما في أيديهم ولو أن لهم طلاع الأرض، ذهباً ووجدنا المال فما منع الفقراء أن يخولهم الله من رحمته التي لا تفارقهم
стр. 1824
طرفة عين ما لا يحبون أن لهم به من الدنيا ولا الدنيا كلها.
دخل بعض الفقراء على رشيد العباسي وتاجه يوم إذن سبيكة العصر الذهبي في تاريخ الإسلام والإسلام يومئذٍ ترتجف به دفتا الشرق والغرب وكأن الشمس والقمر يتلألآن عل أرجاء ملكه ذهباً وفضة، وكانت في يد الرشيد كأس ماء وقد رفعها إلى فمه فلما أبصر ذلك الملك الذي لا يملكه شيء أمسك ثم قال له عظني. قال أرايت يا أمير المؤمنين لو منعت عنك هذه الشربة التي في يدك أكنت تطلبها بكل ملكك؟ قال بلى. قال أفرأيت لو شربتها ثم امتنع خروجها منك أكنت تفتدي من عاقبة ذلك يا أمير المؤمنين ما قيمة ملك لا يساوي عند قدر الله شربة ولا. . . . ولا بولة!
كذلك يحاول الناس أن لا يخطئوا الرأي فيما يستحبونه أو يطمئنون به وكأنهم لذلك يحاولون أن لا يصيبوا الحق فيما يكرهونه أو ينفرون منه، فكلهم سواء في ابتغاء السعادة المتوهمة التي لا يستحيل أن تتفق ولكنها لا تتفق إذ يزيدها كل امرئ على غير ما يناسب تكوينه الإنساني. وهم بعد على سواء من خشية الفقر لا تبرح أوهامهم تنتجي بمعانيه وهمومه ثم لا تبرح تنمي بها حتى صار الفقر في أنفسهم غير الفقر في نفسه وقد علم الله أنه ما من لسان إلا وفي تكوينه معانٍ كثيرة منه.
لهذه القطعة بقية
مركز المرأة الإجتماعي
(٢)
من أحسن من نفسه الضعف لا يخجل من الدنايا، ومن تربى على الذل هانت عليه نفسه، ومن اعتاد احترام الغير له عزت نفسه عليه، واحترام النفس خير درع يقي الإنسان شر الخبث والرذيلة فإذا تربت البنت على الأنفة وإباء الضيم عميت عيناها عن السفاسف وغرست في أولادها مكارم الأخلاق، فخير حارس للآداب وأحسن شرطي يقي الناس الرذيلة هو احترام المرأة.
إن مصير الأمة بيد المرأة فلا تستصغروا شأنها وأقدروها حق قدرها أماً وبنتاً وزجة، وأنزلوها مكاناً رفيعاً من الإحترام ترده لكم في أنفسكم وتكافئكم عليه بطيب العيش ومكارم والأخلاق.
стр. 1825
يعامل الأوروبي امرأته معاملة حسنة يحترمها ويجل قدرها ولا يثقل عاتقها بالأشغال المتعبة. يحمل عنها حقيبتها في السفر ويساعدها على المشي وصعود القطار وهلم جراً، لا ينظر إليها بالعين التي يرمقها بها الشرقي، تؤاكل زوجها وتقاسمه الحياة ويستصحبها زوجها في النزهة وزيارة الأصدقاء ويستشيرها في مهام أعماله ويأتمنها على أسراره.
للمرأة أثر في تربية الأطفال أطيب من الرجل فإنها لشفقتها وحنانها تسوسهم من غير عنف. أما الرجل وخصوصاً إذا كان قوي العزيمة فإنه يبطش بإرادتهم ويسلبهم الثبات إذا تولى تربيتهم لا ينفك عن إعلاء إرادته ولو بالقوة فلا يدع لهم مجالاً كافياً لنمو إرادتهم، فيحسن بالآباء إذا أرادوا بأولادهم خيراً أن يعهدوا بتربيتهم إلى الأمهات ليقوين فيهم الإرادة والعزيمة باستكانتهن الأنثوية، ويكتفوا بالإشراف فلا يتدخلون إلا إذا خافوا جموح الطفل.
وهذا هو شأن معظم الأوروبيين فإن المرأة الأوروبية هي الآمرة الناهية في بيتها وأطفالها تدير شؤونها المنزلية على استقلال يحترمها أولادها ويطيعونها ويرجعون إليها في قضاء حاجياتهم ولكن لا تزال إلى الآن أقل قدراً من الرجل فإن الأوربي ولو أنه يحسن معاملتها إلا أنه لا يعدها مساوية له في الحقوق والكفاءة فلا يعتبر صنيعه معها احتراماً بمعنى الكلمة وإنما رأفةً بضعفها وإشفاقاً عليها. لو تطاولت إلى مقامه بعض ونازعته الحقوق والحرف المستأثر بها لظهر لها بثوبه الحقيقي مستخفاً بها وما برحت المرأة إلى يومنا هذا محرومة من معظم الحقوق السياسية وحجة القوم أنها أقل من الرجل علماً وقوة وإرادة، وتراها في وظائف الحكومة والأشغال التجارية والصناعية أقل مرتباً وأجراً من الرجل. والمرأة المتزوجة بمقتضى القانون الفرنساوي محرومة من بعض الحقوق المدنية ومحتم عليها أن تطبع زوجها.
أولع الناس بحب المقارنة في كل ما يحيط بهم من علم وأرض وسماء وأشخاص فيفضلون هذا على ذاك ويحكمون بتفوق عالم أو شاعر على آخر ويوازنون بين الرجل والمرأة فمنهم من يتحيز للمرأة فيرفعها على الرجل. والمقارنة توقع المرء في أغلاط كثيرة وتعميه عن كثير من الحقائق فإنها تحمله على أن يجرد المفضول من كل الصفات الموجودة لدى الفاضل. والحقيقة أن من الرجال من يشبه النساء خلقاً وذوقاً ومن النساء من هن رجال في أميالهن وصفاتهن فكم من رجل رقيق العواطف هين الخلق يحب الزينة
стр. 1826
والتبرج وكم من إمرأة شديدة البأس قوية المراس والمخنثون من الرجال غير قليلين كما أن من بين النساء كثيرات مترجلات وفي كل من النوعين الذكر والأنثى يوجد رجال ونساء في الأخلاق والقوى فلا معنى لحرمان الأنثى من بعض الحقوق بحجة أنها أقل من الذكر عقلاً وكفاءة. نعم إن النبوغ بين النساء أقل منه بين الرجال ولكن الوظائف والحقوق السياسية لا تسند خاصة إلى النابغ والرجال النوابغ قليلون أيضاً ومعظم الناس رجالاً ونساء وسط في المدارك ولا نقدر أن نسلم أن كل امرأة أقل إدراكاً من كل رجل.
ولا معنى لتحتيم القانون الفرنساوي على المرأة إطاعة زوجها فإن الرئاسة في الواقع ونفس الأمر لا تكون إلا في جانب الأقوى فإن الزوج هو الأقوى كان هو الرئيس وإن كانت المرأة هي الأقوى كانت الرئاسة لها بطبيعة الحال. وإن كان أولا بد من النص في هذا الصدد فالأجدر بالقانون الفرنساوي من يحث المتزوجين على التشاور والتعاون في الرأي.
لها بقية
الدكتور عبده البرقوقي المحامي
стр. 1827
باب الأدب والتاريخ
مذكرات شبلي شميل
اليوم الثاني
أما جمال الدين فكان من نوابغ عصره، عالماً واسع الإطلاع في علوم الأقدمين وفلسفتهم، ذا ذكاء مفرط وأدب رائع، مع شجاعة في القول لا تصدر إلا من نفوس مستقلة كريمة وكان ذا حديث طلى شهي لا يمل منه سامعه مع فصاحة عربية في التزام القواعد واختيار الألفاظ ولكنها ممزوجة ببعض لكنة أعجمية تنم عن أصله الغريب، وإنما وقعها على الأذن كان محبوباً ونظره كان جذاباً، وله عينان إلى إلى السواد غائرتان قليلاً تتقدان ذكاء. وهو لم يكن يعرف لغة من لغات الإفرنج الحافلة بالأفكار الجديدة والعلوم الحديثة ولكنه كان ذا مقدرة عجيبة في التحصيل حتى أنه ليستفيد منك الشيء الجديد ويصبه في قالب المعلوم المختمر ويوهمك أنه معروف له منذ زمان طويل. وجمال الدين لم يكتب فيما أعلم شيئاً وإنما كان يلقي على آخرين مقالات إضافية نشرت في جريدة مصر تحت أسمائهم. ولولا الشيخ محمد عبده يده الكاتبة لما كان لصوته صدى، ولبقيت تعاليمه في صدور أكثر الذين تلقوها منه وماتت معهم، إذ كانت كل تعاليمه حديثاً يلقيه حسب مقتضى الحال. فهو فيلسوف من الفلاسفة المشائين الروائيين ورواقه كان رواق القهوة التي بجانب البوستة القديمة المتقدم ذكرها. ولعل تلاميذه لا ينسون في مستقبل الأيام أن يحيوا ذكره بينهم في ذلك المكان. وقبل جريدة مصر كانت شهرة جمال الدين مقتصرة على الأخصاء وأعماله محصورة في دائرة مريديه، وأما جريدة مصر فكانت سبباً كبيراً لإذاعة صيته ونشره في الآفاق.
ولما عرفت أديب بجمال الدين كانت معرفتي بهذا الأخير حديثة العهد. فقد كنت أسمع به وأنا في الإسكندرية فلما أتيت إلى مصر وددت أن أتعرف به. وكان يتردد كثيراً على بيت حنا عيد قنصل دولة البلجيك. فلما أبديت رغبتي هذه لعيد المذكور ضرب لي موعداً للإجتماع به عنده في إحدى السهرات. ولما تعارفنا أخذنا ننتقل من حديث إلى حديث إلى أن ابتدرته بالسؤال الآتي (ولم يكن سبق لي كتابة أو تصريح في هذا الموضوع بعد) قلت - ما قول سيدي الشيخ (لفظة الأستاذ لم تكن قد جرت بعد على الألسنة كما هي اليوم) في
стр. 1828
المعبود الأول الذي اتخذه الإنسان من بين أشياء هذا الوجود؟
وكأني لحظت أنه أخذ بهذا السؤال على غرة كأنه لم يخطر له ببال من قبل. فتقلقل قليلاً كأنه يريد أن يتمكن في مجلسه ولم يطل به ذلك حتى دخل في مقدمة مستفيضة أغنته عن التزام الصمت طويلاً للتفكير وأعانته على تصوير الحكم بما له من سرعة الخاطر وحدة الذهن. ولا أذكر شيئاً من هذه المقدمة وإنما أذكر أنه انتهى بها إلى القول إن المعبود الأول للإنسان الأول كان يقتضي أن يكون في ثنايا الغيوم المتلبدة أو هي نفسها.
أما أنا فلم أكن من رأيه وكأني نظرت إلى الإنسان نظراً أعرق في الحيوانية. فاعتبرت الإنسان الأول لاصقاً بأرضه يتخبط فيما أمامه متخوفاً من كل شيءٍ إذ كان يجهل كل شيءٍ فاتخذ معبوده الأول من أشيائها ولم يرتفع ببصره إلى ما فوق إلا بعد ذلك بكثير. واعتبرت حينئذٍ العبادة الفتشية أول عبادات الإنسان وجعلتها في الغابات الكثيفة ذات الشأن في الميثولوجية القديمة وفي الاشجار الكبيرة المفردة القائمة في العراء يستظل بها. للمذكرات بقية
أمالي أدب
٢
وهنا يحس أن نأتي على بلاغات العرب في الليل وظلمته والكواكب والنجوم وما يتصل بهذا المعنى، فمن أعجب ما وصفت به ظلمة الليل قول عبد العزيز بن خلوف أحد شعراء إفريقية:
واسود لا تبدو به النار حالك ... وبيداء لا يجتازها الريح مطلق
فإن قوله - لا بدو به النار - أي لا يظهر ضوءها في سواده مبالغة فائقة مع اختصار اللفظ وجزالة المعنى ولا ينقص من قيمته أنه مأخوذ من قول محمد بن إبراهيم القيروان - بني القيروان عقبة بن عامر الصحابي ﵁
تأملوا ما دهاني تبصروا قصصاً ... ظلامها ليس يمسي فيه بالسراج
فكلاهما أجاد وأحسن ابن خلوف كل الإحسان في تعميم قصور الضوء بذكر النار التي هي سبب كل ضوء ولم يخصه بالسراج حتى يقطع الوهم في ضعف نور السراج وحده عن الإضاءة في هذه الظلمة.
стр. 1829
وإليك قطعة سنية من شعر إبن طباطبا في الليل والنجوم قال:
وتنوفة مد الضمير قطعتها ... والليل فوق أكامها يتربع
ليل يمد دجاه دون صباحه ... آمال ذي الحرص الذي لا يقنع
باتت كواكبه تحوط بقاءه ... في كل أفق منه نجم يلمع
زهر تثير على الصباح طلائعاً ... حول السماء فهن حسرى ضلع
متيقظات في المسير كأنها ... باتت تناجي بالذي يتوقع
متنفساً فيه جناناً واهناً ... في كل لحظة ساعة يتشجع
حتى انزوى الليل البهيم لضوئه ... وقد استجاب ظلامه يتقشع
وبدت كواكبه حيارى فيه لا ... تدري بوشل ريالها ما تصنع
منها دلات النور في آفاقها ... مستعبرات في الدجى تسترجع
وكواكب الجوزاء تبسط باعها ... لتعانق الظلماء وهي تودع
وكأنها في الجو نعش أخي ولا ... يبكي ويوقف تارةً ويشيع
وكأنما الشعرى العبور ورراءها ... ثكلى لها دمع عزيزٌ يهمع
وبنات نعشٍ قد برزن حواسراً ... قدامهن إخواتهن الأربع
عبرى هتكن قناعهن على الدجى ... جزعاً وآلت بعد لا تتقنع
وكأن أفقاً من تلألأ نجمه ... عند افتقاد الليل عين تدمع
والفجر في صفو الهواء مورد ... مثل المدامة في الزجاج تشعشع
يا ليل مالك لا تجيب كواكباً ... زفراتها وجداً عليك تقطع
لو أن لي بضياء صحبك طاقةً ... يا ليل كنت أوده لا يسطع
يتبع محمد عزت
قصيدة اغتصاب الضفيرة
لزعيم شعراء الإنكليز
في القرن الثامن عشر
اسكندر بوب
أكبر شعراء الإنكليز في القرن الثامن عشر اسكندر بوب ولد في ٢١ مايو ١٦٨٨ ومات
стр. 1830
٣٠ مايو ١٧٤٠ ودرة تاريخ شعره هي قصيدة اغتصاب ضفيرة التي نشرها عام ١٧١٢ وهو في الرابعة والعشرين من عمره. ولها أصل حقيقي وهو أن أحد السراة اللورد بطرس أساء أشد الإساءة إلى سيدة من الأشراف الآنسة فرمور بأن تربص للغانية المذكورة في إحدى ليالي اللهو فقص ضفيرة من شعرها غيلةً واغتصاباً.
فشبت العداوة بين الأسرتين وحينئذٍ مشى بالصلح بينهما وسيط متلطف وهو صديق للساعر اسمه كاريل فتقدم إليه بأن يعمل قصيدة يحول بها الحادث عن طوره الجدي إلى طور هزلي حتى يمحو بذلك اسم ذلك الحادث وينتزع شوكته.
فقام بوب بالأمر خير قيام وأظهر ملحة الملح - قصيدة اغتصاب الضفيرة التي فضلاً عن إتيانها بالغرض المقصود أعني الإصلاح بين الأسرتين كانت غرة شعر بوب وأبدع منظوماته وها هي:
الفصل الأول
كم حادث جلل جره الوجد والهيام، وصغير من الأمر أحدث الخطب الجسام، وكم السبب التافه حازب الشر. ومعظم النار من مستصغر الشرر. أيها الملأ عوا نشيدي. وامعوا سجعي وتغريدي. هاكم شعري أرفعه إلى كاريل. ولي الحسناء بيلندا عله يفوز بقبول. لا أكذب الله - موضوعي تافه. ولكن ما أجل حظه من هتاف الجماهير. إذا فزت من العذراء بالوحي ونلت الثناء من الرجل الطرير.
شيطانة الشعر! خبريني ماذا يعزي السيد المهذب بإيذاء الحسناء. وماذا يحمل الحسناء على مقابلة السيد المهذب بالجفاء وكيف يجرأ ظرفا. الرجال على هذا الإثم الأكبر. بل كيف تحمل أفئدة الحسان مراجل الغيظ ذات السعير.
لما حدر الصباح نقابه أرسلت الشمس شعاعاً رعشاً خلل بيض السجوف. ففتحت تينك العينين اللتين لا بد أن ترمي سراج الزرقاء بالكسوف. في هذه الساعة ينفض الكلب الأليف غبار الرقاد. وينفض من مضجعه حليف الغرام بعد طول السهاد. على مثل جمر الغضا أو شوك القتاد، ودقت الجرس ثلاثاً فلما لم تجبها الخادمة دقت بالحذاء على أرض المكان، ثم جست لولب الساعة فنطق بالوقت لسانها الرنان، كل ذلك والعذراء لم تزل ملصقة بالوسادة وردة خدها المصقول، وقد أغرى ملكها الحافظ بعينها سنة ذات حلم
стр. 1831
معسول، فرأت فيما يرى النائم أن فتى أزهى من الطاووس، وأبهى من العروس، قد أدني من أذنها لسانه الخلاب فقال يا أجمل الحسان وأملح الغوان، وموضع عناية الآلاف المؤلفة من الملائكة البراقة سكان الهواء إذا كنت قد آمنت مرة في طفولتك بما كان يرويه لك الحاضنات والقساوسة من رؤيا الجان والعفاريت السائحات في ظلال القمرآء - إذا كنت آمنت مرة بآياتهم الفضية ومناطقهم الخضراء، وبزيارات الملائكة الأطهار مراقد الأبكار، وعلى رؤوسهن (أعني الملائكة) تيجان الذهب وباقات الأزهار، إذا كنت آمنت مرة بذلك فاسمعي مني وصدقي! فاعرفي رفعتك وعلو قدرك ولا تقصري نظراتك على الشؤون الأرضية ولكن ارمي ببصرك العالم العلوي فلربما انكشف ثمت لأعين الأطفال والعذارى من محجبات الأسرار ما ليس ينكشف لغيرهم من الباذخين بالعلم والعرفان. فاسمعي الآن وحي حافظك الكريم وأنزليه من صدرك منزل اليقين، مهما كذب أولو الشك من حضنة العلم البارعين، فاعرفي حرسك الله أنك محفوفة بما لا يحصى ولا يعد من طاهرة الأرواح - كتائب الجو السراع الخفاف، وجيوشه المتكاثفة اللطاف، هذه وإن خفيت عن الأبصار فإنها أبداً طيارةٌ في الفضاء تغشى دار التمثيل فترنق فوق اللوج وتحوم حول المسرح. وأقسم لو رأيت حاشيتك وبطانتك من أولئك الأرواح لحقرت وصيفتيك التين تخدمانك، واعلمي أنا معشر الأرواح أو الملائكة قد كنا حيناً ما بشراً مثلك وكنا نتقمص بديع صورة المرأة ثم تحولنا بقدرة لطيف خبير عن المطية الترابية إلى مطية هوائية الجوهر. فلا تحسبي أنه بموت المرأة يموت زهوها وتيهها، فهي وإن هجرت لعب الورق بعد الوفاء، لكنها لا تزال تشرف على اللاعبين ولا يزال يبقى لها شديد ولوعها بالمركبات المذهبة ولعبة الباشكاه ذلك أن النساء بموتهن تستحيل أرواحهن إلى عناصرها الأول. فروح المشاغبة الصخابة النارية المزاج تصعد فتندمج في زمرة الزبانية. والروح الهادئة المطمئنة تنساب فتنغمس في القناة الجارية. حيث ترشف مع أترابها بنات الماء شاي الجن من أقداح خافية. وروح الماكرة تهبط في صورة عفريتةٍ فتسعى في جوانب الأرض بالشر وتمشي بالنميم كدأبها أيام حياتها. وروح المتظرفة المغناج تسمو على هيئة ملك فلا تزال تمرح وتعبث في مراتع الهواء.
واعلمي كذلك أن كل غادة طاهرة حصان لا يصيدها شرك الغواية ولا تحتلبها مصايد
стр. 1832
الخداع. ولا يستخفها ثناء مفلق، ولا يزدهيها مديح مزوق، فلا فضل لها في ذلك وإنما الفضل لملكها الحفيظ الساكن بين جبينها، والملائكة تعلمين لتجردها من النواميس البشرية تلبس من أشكال البشر وأجناسهم ما تشاء، فالملك الحارس هو الذي يحفظ عفاف الغادة المشوقة المتيمة بين جدران المراقص والملاعب ويقيها شر خلسات اللحظ نهاراً وهمسات اللفظ ليلاً. في ساعة الخلوة حينما تشب الفرصة نار الشهوة، وينطق لسان الموسيقي فيذيب المهج ويرقق القلوب في مثل هذه الساعة إنما يحفظ الحسناء حارسها الأمين، وإن سماه أهل هذا الوجود الشرف الحصين.
ومن الغانيات المتاح لهن الشقاء من تغرهن حارساتهن فتوهمن أنهن أجمل الأنس، وأملح من طلعت عليه الشمس، غيرة عليهن من الرجال واستئثاراً بهن، وكذلك ترى هؤلاء الحارسات يصغون قيم الرجال في أعين غاداتهن حتى يرفضن كل خاطب ثم يرخين لنفوسهن أعنة المطامع ويلقين بأزمة عقولهن في كف الخيال المخادع، والوهم المخاتل فيمنين النفس يتزوج الأمراء والسراة من الرؤوس والأعيان والأئمة والقادة، وتصوغ لهن أيدي المنى الكاذبة أزواج المستقبل رافلين في خلع الإمارة خفاقة فوقهم أعلام المج والسؤدد.
بيض الوجوه كريمة أحسابهم.
شم الأنوف من الطراز الأول تخشع الأبصار وتنكس الهام في حضرتهم، وتخرس الألسن وتلجم الأفواه في مجالسهم، ويخاطب أحدهم بلبيك وأبيت اللعن وسموك وفخامتك، هذه الأباطيل وأمثالها هي ما يلوث نقاوة قلب الغادة ويعلم لحظها الساحر كيف يعبث بالقلوب ويلعب بالنهي، ويعلم خدها الأسيل كيف يتصنع الخجل فيكتسي إحمراراً باطلاً، ويعلم قلبها المداهن كيف يتكلف الوجل فيتعمل خفقاناً كاذباً.
والحارسات هن اللواتي يعصمن الغادة من الزلل في مزالق الأهواء ومداحض الشهوات فيدفعن عنها كيد هذا المخاتل بكيد ذلك ويرددن عنها قحة هذا المغازل بقحة ذاك. وأي فتاة ناعمة كانت تسلم من حبائل محاباة زيد لولا مجاملة عمرو، وأي غادة رود كانت تنجو من إيناس خالد لولا تودد بكر، وإذ نطق عبيد فأي حسناء تستطيع مقاومة خلابته لو لم تلهها غمرة من جانب زياد، وهكذا لا تبرح العفريتة الحارسة تنقل قلب الفتاة بين مختلف
стр. 1833
الأضاليل - تنقل بين شتى الأباطيل هذه القلب الذي لشدة امتلائه بالسفاسف كأنه حانوت الألاعيب. ذها السلوك يسميه الناس خفة ونزقاً. ضلة لهم ولجهلهم! إنه في الحقيقة قضاء من الجنة وتدبير.
قال العفريت. فأحد هؤلاء الجنة الحراس هو أنا - حافظك ورقيبك - واسمي آريل. فاعلمي أيتها الحسناء أني بينما كنت أطوف في صفاء السماء الصاحية قرب السحر نظرت في مرآة نجمك المشرق فرأيت في صحيفتها آية خطب مهدد وبلاء منذر يكون نزوله بك قبل مغرب شمس اليوم. ولكن ستر الغيب لم ينكشف عن كنه هذا الشر فلا أعرف ما هو ولا كيف يكون ولا أين. فتحرزي أيتها الغانية وحاذري. وتحذيري هذا يا غادتي هو كل ما أقدر عليه. فحاذري أيتها الحسناء وليكن معظم حذرك من الإنسان!
هنا ختم الحارس الأمين كلامه. ووثب الكلب فأيقظ الغادة سيدته فهبت من المنام وكان أول ما فتحت عليه عينيها هو صندوق مضمن رسائل الحب الواردة من ضروب عشاقها ففتحته وفضتها وما كاد طرفها يستوعب ما قد حوته هذه الرقع من الوجاع والأسقام والقرح والجراح والسحر والفتنة إلا وكانت قد نسيت رؤيا الملك الحافظ فلم يبق لها أدنى أثر في دماغها.
ثم تمشت الفتاة إلى المزدن (التواليت) حيث آنية الفضة مصفوفة. وأوعية البلور مرصوفة. وهنالك جلست الغادة وأقبلت تمتحن فضيلة كل دهان. وقوة كل طلاء. وتطالع في المرآة خيالها الفتان تقبل عليه وتصوب طرفها إليه. فكانت الناشطة جاثية بين أيدي ولاتها كأنها قسيسة هيكل الجمال بمحراب الحسن راكعة. ثم فتحت كنوزاً عدة وبدت للعيان تحف الأرض ونفائس الوجود مهداة لربة الجمال فأخذت الماشطة من كل صنف قبضة وزينت الفتاة بفنون شتى من الزخرف. فعلبة يتوهج بها لؤلؤ الهند اللامع. وجونة يفوح منها عطر دارين الساطع. وهنا تبصر السلحفاة والفيل قد مسخا أمشاطاً بين بيضاء ورقشاء، وصافية ورقطاء. وتبصر الدبابيس صفوفاً مشرقة والمداري سموطاً متألقة، هنا يلبس الجمال الرائع درعه ولامته ويتقلد الحسن سلاحه وشكته. وكلما ازدادت من الزينة ازداد جمالها شوكة وبأساً. وهي أثناء ذلك تثير كوامن المحاسن وتظهر مكنونات الفتن وتنقح من ابتساماتها. وترهف من نظراتها. والجنة الحراس في هذه الأثناء تحف الفتاة - قرة عيونها - فطائفة
стр. 1834
ترجل وترطل. وطائفة تحسن وتجمد. صنع الجنة المهرة - هم يأدون هذه الوظائف. والناس جهال الحقائق يعزونها للوصائف. انتظروا بقية هذه القصة الغريبة في العدد القادم.
стр. 1835
العلم والفلسفة
غرائب العلم - العلم يدنو رويداً رويداً من الدين - وبعد ذلك - وبعد ذلك سيكونان شيئاً واحداً بعد أن يندمجا بعضهما في بعض ويتجليا في مظهر واحد هو الحقيقة.
هل نستطيع مخابرة الموتى
لا يزال سير أوليفرلودج، العالم الإنكليزي الكبير، يدافع عن مذهبه الروحاني العلمي الجديد بكل قوى حججه وأدلته، ويناضل معارضيه من العلماء بأسلحتهم، أي من ناحية العلم والتدليل العلمي، وقد نشر أخيراً في مجلة استراند المشهورة رسالة جديدة يريد أن يقنع العالم بأن الموتى يستطيعون أن يراسلوا الأحياء ويخابروهم، وأنهم فعلاً لا يزالون يرسلون إليهم الرسائل والمخابرات، وبين فيها الطريقة التي تتبع في ذلك، ولاكتشافات التي يهتدي إليها عن الحياة الأخرى وأحوالها ونظامها، وما يمكن أن يجدي ذلك على الحياة الدنيا وأهلها، ونحن نقتطف منها بعض فقرات صالحة.
قال سير اوليفرلودج، إذا صح أن الموتى لا يعرفون شيئاً فلا يكون من ذلك إلا أن نقول أنهم قد فنوا وإنهم لا يوجدون ومن ثم لا نستطيع أن نخابر العدم، ونراسل ماهو في حكم الفناء ولكن هذه الطريقة في الجدل والبحث ليست منطقية وليست إلا طريقة معكوسة خلفية، والوجه الصحيح المعقول في البحث أن تحاول أولاً أن نثبت بالتجاريب والملاحظات إذا كان التراسل ممكناً، فإذا تقرر ذلك وثبت، خرجنا منه بأن الموتى يعلمون شيئاً وإن لهم وجوداً حقيقياً.
وهنا يثبت في وجوهنا سؤال آخر، وهو كيف يستطاع مخابرة شخص ليس له أداة جثمانية لإخراج صورة الأفكار التي لديه، وليس في وسعنا إلا أن نحيل المتعرضين إلى رد جزئي وصلنا إليه اليوم، وهو اكتشاف علم التليبائي أي انتقال صور الأفكار من ذهن إلى ذهن بدون واسطة الحواس أو الوسائل الخارجية، ولكن هناك من يقولون أنه لابد من وجود ميكانيزم أي جهاز جثماني لنقل هذه الأفكار التي يبعث بها الموتى. ونحن نقول أننا نتمشى معهم ونوافقهم في وجوب وجود هذه الأداة ملكاً للقوة المراسلة (الميت) فإن الموسيقار الذي تحرمه من قيثاره، قد يستطيع أن يتعلم كيف يوقع على قيثار موسيقار أخر، وإذا عزت عليه الآلات، فلا تزال روحه حافلة باللغم، ممتلئة باللحن، ولكنها موسيقى صامتة غير
стр. 1836
مفهومة، ولا محسوسة، ولا يستطاع نقلها من أضعاف روحه أو كتابتها، ولهذا يجب أن يكون هناك آلة أخرى يستعين بها على إخراج الموسيقى الكامنة فيه.
وهناك أناس كثيرون يفيدوننا في توسيع معارفنا دون أن يشعروا، وهم يسمحون أن يستخدم جزءهم الجثماني في حمل الرسائل - وهم لا يشعرون ـمن أذهان غير أذهانهم، أما شخصيتهم فتظل في هذه الحالة معلقة أو معطلة أو في غيبوبة وذهول، بينما يظل جثمانهم وذهنهم عاملين نشيطين وهكذا تنتقل الرسائل بواسطتهم وهي تحوي معلومات لم يكونوا يعرفونها من قبل، ولا تترك بعد رجوع شخصيتهم أثراً في ذاكراتهم.
ونحن نسمي هذا الشخص المستخدم أداة لذهن غيره وسيطاً وهذا هو السبيل إلى مراسلة الموتى، ونحن نرى أن المعلومات التي تتلقى بهذه الواسطة تكون في أغلب الأحيان حوادث عائلية تافهة، لا تفيد الجميع ولكن حسبها أنها تثبت شخصية الشخص اللذين يراسلونه، ولا نعتقد أن المعلومات الهامة الخطيرة تفيد فائدة كبرى، لأنها إما أن تكون مستحيلة الإثبات، وإما أن تكون معروفة للناس من قبل، ولكن الذي يهم من هذه المعلومات هي المعلومات التافهة المنزلية لأنها تظهر شخصيات الموتى للأحياء المحزونين عليهم.
وأنا أشرح للناس أنواع الرسائل التي تتلقى من الموتى فمن هذه الرسائل ما يشرح الحقائق والمشاهدات التي ترى في العالم الآخر، كالحياة التي يعيشونها والمكان الذي يحوطهم، واهتمامهم بأحوال الأرض والصعوبة التي يجدونها في التراسل، ولكن هذه المخابرات لا يمكن أن تعرض في الكتب أو تنشر للناس لأنه ليس لدينا وسائل لفحصها والتأكد من صحتها، وحسبنا أن نقول أن هذه المخابرات تدور جميعاً حول نقطة واحدة، وهي أن الحياة هناك أشبه بحياتنا مما كان يظن المراسلون أو يتوقعون. وهم كثيراً ما يتكلمون عن الأزهار والحيوانات والكتب والجمال، ويؤكدون لنا أنهم لا يعرفون أكثر مما نعرف إلا الشيء النذر اليسير، وإنهم لم يتغيروا عنا في شيء كثير، ويقولون كذلك أن كل ما حولهم محسوس ملموس، وإن المادة التي كانت في الأرض أصبحت لديهم ظلاً مضمحلاً، ومن ثم لا يشعرون بما يجري في الأرض، إلا إذا وكل إليهم أن يعينوا الذين ينتقلون إليهم منها، وإلا إذا حاولوا أن يشرفوا على أحبابهم الذين تركوهم وصحابتهم الذين يعيشون بعدهم.
وأما الرسائل الأولى فلا تحوي شيئاً من هذا الوصف وهم لا يحاولون فيها إخبارنا بل
стр. 1837
إقناعنا بأن الذين نفقدهم لا يزالون أحياء فرحين سعداء، وأنهم ينعمون بالبهجة إذا نحن أردناها لهم ولم نقلقهم، وإنهم يحزنون لأحزاننا وإن كانوا يرون حياتهم الجديدة حافلة بالإبتهاج والغبطة والنعيم.
ومن ثم تعلم أن الرسائل الأولى التي نتلقاها من الموتى، هي أكثر ما تكون رسائل عواطف، ثم يأتي بعدها الرسائل الحاوية لطائفة من الذكريات التي ترضي الذين يريدونها من أقاربهم الأحياء، أو تدور حول إزالة شك أو سوء فهم أو ريبة تتعلق بحوادث خطيرة وقعت للأحياء من ذوي قرباهم، وقد لاحظنا أن المراسلين في العالم الآخر يجتهدون في أن يرسلوا العزاء والراحة لأهلهم من هذه الناحية.
ونحن لا نعرف كيف يستطيعون علم ذلك، ويلوح لنا لغزاً غامضاً، ولكن هذه الأشياء، لا تزال تقع لكثيرين في هذه الحياة، إذ يحدث لهم أن يهتدوا إلى أسرار غريبة بطريقة غريبة الهامية.
وقد أصبحت هذه الرسائل ضرورية في هذا الوقت وهذا الزمن الحافل بالأحزان والآلام، وهذه الرسائل تأتي تباعاً من كل سبيل، فالشبان الذين قتلوا في هذه الحرب، وهم في غضارة الشباب، وطراءة السن، لا يستطيعون أن يستريحوا في العالم الآخر وهم يحسون حبائبهم في حزن شديد لفقدتهم، وإنهم في بادئ الأمر لا يرتابون في أماكن مخابرة الأحياء الذين خلفوهم ورائهم، فإذا حدث أنهم علموا أن السبيل ممكنة لهم، فلا يزالون يجتهدون كل الجهد في إثارة الرغبة الشديدة في أرواح الأحياء إلى مخابرة موتاهم.
стр. 1838
باب تدبير الصحة
في الطفل
يندر أن يبتسم الطفل قبل مضي ثلاثة أسابيع من عمره وفي الأيام الأولى تتحرك عيناه في جميع الجهات بدون أن تتعلق بشيء مما تراه إلى مضي شهرين.
صياح الطفل
يصيح الطفل في الأشهر الأولى من أقل مؤثر ويكفي لسكوته إزالة ذلك المؤثر وإذا لم يعلم السبب يعرض للضوء أو يمس على بطنه أو تمرر اليد على رأسه جملة مرات فإن ظل يصيح كان سبب الصياح ألماً لا محالة.
الخوف الليلي
قد يحصل لبعض الأطفال إنزعاج وفزع شديدان يستيقظون معهما بحالة خوف شديد ويحصل ذلك عادةً بعد نوم الطفل بساعتين أو ثلاث ساعات فيستيقظ صائحاً منادياً باكياً مغطى بعرق غزير غير ملتفت لمن حوله متأثراً بتصور كاذب أزعجه في نومه كرؤية كلب أو هر أو رجل بشع الهيئة ولا يمكن تسكين روعه إلا بعد جهد جهيد عندئذٍ يعرف من حوله فيرجوهم في بقائهم معه وأن لا يطفئوا النور ثم ينام إلى الصباح إذ يندر تكرر الخوف في ليلة واحدة وإذا ما أصبح الصباح استيقظ هادئاً خالي البال مما حصل في الليل - يعالج أمثال هؤلاء بتنظيم الهضم وتجنب الإمساك وكل ما يهيج عقل الطفل خصوصاً وقت النوم ويعود من ابتداء ولادته على النوم ف٦ي الظلام.
السل الرئوي
يظن الكثيرون أن السل الرئوي مرض فتاك لا محالة ليس ينجو منه واحد ممن استضافه ونزل داره - هذا لا شك مبالغ فيه إذ ثبت من جملة إحصائيات أن السل الرئوي يصيب أكثر من عشرين في المئة من الأحياء يشفى من هؤلاء في ظرف ثلاثة أشهر من بدء المرض أكثر من تسعين في المائة وهم لا يعلمون مرضهم ويسمى النوع الإجهاضي أما الباقون والذين تظهر عليهم علامات السل منهم فيشفى منهم الكثير ممن يدرك العلاج الناجع في الدور الأول للمرض وربما في الدور الثاني إذا استعمل الطبيب شيئاً من ذكائه ومن هذا يظهر أن ليس كل سل قاتلاً.
стр. 1839
فتاوي طبية
فتحنا هذا الباب كما بينا في العدد الفائت بعد أن تكفل صديقنا النابغة الدكتور محمد عبد الحي بالإجابة على كل سؤال طبي ويصل إلينا من أي مشترك من مشتركي البيان - ولنا على السائل أن يبين اسمه ولقبه وبلده وعنوانه وأي حرفةٍ يحترف وله علينا أن نصرح باسمه أو نرمز إليه بالحروف إذا أحب وسننشر الأسئلة وأجوبتها حسب ترتيب وصولها إلينا وبالمقدار الذي يتسع له العدد.
ـ سؤالان من حضرة صاحب الإمضاء
أولاً ما هو الضرر الذي يسببه غشيان الرجل زوجه عقب الأكل مباشرةً وما هي الطرق التي يسلكها إذا عراه شيء من جراء ذلك حتى تنتظم حاله؟
ثانياً ما هي أسباب الإغماء وما هو علاجه؟
إبراهيم علي الشمردل بالفشن
الجواب أما عن السؤال الأول فهو يتلخص في عمل مجهود جسماني وعقلي بعد الأكل وذلك أنه بعد الأكل مباشرةً يعرو الإنسان شيء من الخمول والتعب من جراء تحول الدم بكثرة إلى الجهاز الهضمي ويأخذ القلب في العمل بهمة وتتزايد دقاته ومن هنا كان الهضم مجهوداً قائماً بنفسه فإذا أضيف إليه مجهود آخر ترتب على ذلك أن القلب يؤدي مجهوداً مضاعفاً يتغلب على لوازم المجهود الجديد وهنا ضرر محقق عند المسنين الضعفاء ومن هم معدون لعلل القلب أو من هم مصابون بها إذن ربما نجم عن ذلك شلل عام أو موضعي أو سكتةٍ قلبية أو مخية أو ضعف عام - وفي الوقت نفسه بسبب عدم كفاءة القلب القيام بمجهودين في وقت معاً يتحول جزء من المجهود الهضمي للمجهود الجديد فينشأ عن ذلك عثر في الهضم وإذا تكرر ذلك حصل تمدد في المعدة ولعلاج هذه الحال يجب الراحة التامة بعد الأكل مباشرةً مدة ثلاثة أشهر مع تنظيم مواعيد الأكل بدقة وكذلك مواعيد قضاء الحاجة.
وأما عن السؤال الثاني فسنفرد له مقالاً في العدد القادم لأن الكلام عن الإغماء قد يطول.
الدكتور محمد عبد الحي
стр. 1840
تفاريق
نباتي غريب ونبات أغرب
إذا فرضنا أننا نستطيع أن نزرع في حديقتنا شجرة من أشجار الفاكهة مختلفة الثمر متنوعته، حتى لنذهب فنقطف منها جميع أنواع الفاكهة والأزهار والخضروات التي نريدها لطعام الغذاء، ومائدة العشاء، فما أبهج ما يكون العيش. وما ألذ ما يكون الخوان.
ولعل الناس يظنون هذا الغرض وهماً مضحكاً، ومستحلاً من المستحيلات، وتخيلاً من تخيلات الجوع، ولكن الحقيقة هي أنه يوجد في مدينة بنسلفانيا من أعمال الولايات المتحدة رجل نباتي يسمى مستر والتر، يثبت لمن في المكان زرع هذه الشجرة، وقد عمد إلى إثبات ذلك بالدليل والبرهان فإن لديه الآن في حديقته، أو قل في بستانه العلمي، شجرة لا تقل في الغرابة عن هذه الشجرة الذهبية المتخيلة.
ولا يجب الذهاب لي أن هذا الرجل من المحتالين البلافين فإنه من العلماء المعروفين في الولايات المتحدة وقد وضع كثيراً من الكتب العلمية المختلفة،
وهو يشتغل أستاذاً بالفلسفة في جامعة هارفرد وقد قصر كل اهتمامه ووقف أبحاثة منذ سنين على الاشتغال بما يسميه الفلسفة النباتية ولديه في بستانه أغرب ما شوهد من التجاريب النباتية وهي دائماً في سبيل النجاح.
مثال ذلك أن لديه أكماماً من السوسن طعمت في شهر أكتوبر سنة ١٩١٥ بشجرة من الخوخ، فشوهدت حية يانعة مزهرة عليها في مايو سنة ١٩١٦ ويوجد فوق هذه الشجرة كذلك فروع من الورد كانت قد طعمت في ذلك التاريخ وعليها أيضاً أغصان من الدفلي والتوت ونوع آخر من الورد وهي ناضرة مثمرة ناحجة، ولشد ما تثور في صدر الإنسان البهجة والمسرة إذ تقع عينه على شجرة وهي تحمل جميع هذه الألوان، وهذه الطائفة المختلفة المتنوعة من الأزهار والأثمار.
وأكبر مقاصد المسترولتر أن يتوصل إلى زرع شجرة يسميها فواكه المائدة وتعريشة تجمع كل أزهار الدنيا، والذي يزور هذا البستان العلمي يعتقد بأن الرجل لن يخيب في مقصده.
الآلهة في الأسطحه
في إحدى قرى اليابان اعتاد جميع السكان أن يضعوا فوق أسطحه منازلهم للإله شوكي
стр. 1841
وهو في لباسه الحربي يحمل سيفاً في يده. يحرس أهل البيت. وليس هناك منزل يخلو سطحه من تمثال هذا الإله. وهم يعتقدون أنهم يظلون في مأمن من اللصوص والأمراض والأوبئة والنكبات، مادام هذا التمثال منصوباً على أسطحتهم. فماذا ترى يفعل لصوصهم؟
стр. 1842
ماجدولين الجديدة
يرى القراء في غلاف هذا العدد الصفحات الأولى من ماجدولين الجديدة وهي الرواية البديعة الرائعة الحوادث والأسلوب المغذي التي سننشرها تباعاً في البيان. وحسبنا أن نقول عن مجدولين الجديدة أنها إحدى بدائع الروائي الطائر الصيت ويلكي. كولنز صاحب رواية ذات الثوب الأبيض ولعل المطلعين على آداب الغرب يعرفون مقدار الجلال الفني الذي يبدو في جميع روايات كولنز وقصصه والروح الفلسفية الفياضة التي تتجلى في كل قطعة من أدبه، وإنه ليس من الروائيين العاديين الذين يقعون على التافه من الموضوعات فلا يزالون يدخلون به في شعاب متعرجة ودروب مترامية، ويزيدون في تعقيد الحوادث ومزجها حتى إذا بلغوا بها النهاية من التعقيد، عادوا يحلون عقدها، ويبسطون شعابها ثم لا يخرج القراء من ذلك إلا بلهو وقتي لا يبقى في الذاكرة منه شيء إذا انتهوا من تلاوة السطر الأخير منها، ولكن دأب كولنز أن لا يقتصر على الاحتفال بحوادث الرواية وإظهار كل قوى الفن الذي أوتيه في سبكها، وإنما يجتهد في أن يبث في روايته كل فكر جديد أو مغزى اجتماعي صالح، أو تحليل نفساني غريب. ولا نذكر أننا وجدنا من بين رواياته رواية خلت من هذه المزية الفريدة.
ومجدولين الجديدة هذه هي الرواية التي أراد بها أن يظهر قسوة المجتمع في معاملة المرأة البغي ومطاردتها واحتقارها وإن عمدت بعد إثمها إلى التوبة والتكفير عن ماضيها، والإحسان إلى الناس كل جهدها، إذ لا يزال ظل الماضي يجري في أثرها أين ذهبت.
وقد استعار لروايته اسم مجدولين من مريم المجدلية التي جاء ذكرها في الإنجيل، وكانت بغياً فجاء بها إلى عيسى يريدون أن يرجموها، فقال لهم السيد المسيح، من كان منكم بلا خطيئة فليأخذ حجراً وليرجمها فكف القوم عنها لواذا منهزمين.
ونحن نطلب إلى القراء أن يصبروا ويتمهلوا لهذه الرواية البديعة. حتى يستطرد الموضوع وتنبسط الحوادث في الأعداد القادمة إذ كان ما نشر منها في الغلاف لا يكاد يجاوز سطوراً معدودات.
стр. 1843
العدد ٣١ - بتاريخ: ٥ - ٢ - ١٩١٧
стр. 1844
باب الأخلاق والاجتماع
مختارات من آراء ليوباردى
لعل أندر الأمور في هذا العصر أن تجد رجلاً ظفر بمدح الناس، وشاع ثناؤه على أفواه الجماعة ولم يكن هو أول مادحيه، ولم يظهر الثناء أول مرة على شفتيه. ولقد اشتدت الأنانية بالناس. وطال التحاسد بينهم، حتى أنك إذا أردت أن تكسب لنفسك اسماً جميلاً، فلا يكفيك أن تقوم فقط بالأعمال الكبار، والمكرمات الجسام، ولكن ينبغي لك كذلك أن تمتدحها أنت وتغالي في الثناء عليها، أو أن تجد لك مطيباً أو بوقاً لا يسكت لحظة واحدة عن تفخيم أعمالك وتعظيمها والصراخ بها في أذان الجمهور، حتى يكرههم بالقحة والجرأة والمثابرة على ترديد جزء منها أو كلها، وأنت فلا يدور في خلدك أن إنساناً سيمدحك إذا أنت لم تستحثه على المديح، أو تغريه بالثناء، فإذا تركت ذلك، ألفيت أكثر الناس ينظرون إليك صامتين واجمين، بل قد يحاولون أن يمنعوا غيرهم من رؤية فضلك. إذن فمن أراد أن ينوه بنفسه أو يسمو باسمه، فلينفض عنه الحياء، وليمسك عن التواضع. فإن العالم أشبه في ذلك بالمرأة، لا تستطيع أن تظفر منها بشيء. لو جنحت إلى الحياء، والصمت والانزواء.
إن أنجع دواء تستشفي به من اغتياب الناس إياك واتهامك والرتع في لحمك، هو الزمن، فإذا عابك الناس بمبادئك، أو تقول في سلوكك، واتهموك التهمة النكراء، فإن خير سبيل لك أن لا تأبه بهم، وأن لا تحفل بسبابهم، وأن تسترسل فيما أنت فيه مسترسل، وتأخذ فيما أنت فيه آخذ، ولذلك لا تلبث حتى تجد الموضوع قد أصبح تافهاً قديماً، والمغتابين المتهمين قد كفوا عنك منطلقين إلى البحث عن فضيحة جديدة لغيرك، وأنت كل ما أظهرت الثبات والمثابرة والإصرار في متابعة سبيلك، غير آبه بالإشاعات. ولا مكترث بالأقاويل ولا تلبث أن ترى سلوكك الذي قد عابوه عليك وشؤونك التي عدوها نزقاً منك وطيشاً ونكراً قد عادوا ينظرون إليها نظراً آخر. ويعترفون بسدادها وحكمتها ووجوبها. وهكذا شأن الناس أن يعودوا آخر الأمر إلى آراء الذين يصرون على متابعة سبيلهم، وينحازون إلى مبادئ العنيدين منهم، ومن هنا ترى الضعفاء يعيشون كما يريد العالم، وأما الأقوياء فكما يريدون هم ويشاءون.
لا يخجل الناس من الأذى الذي يحدثونه أو يصيبون به غيرهم، وإنما أكبر خجلهم من
стр. 1845
الأذى الذي يصيبهم، فالسبيل الأقوى لإخجال المسيئين وفضح الأشرار. أن تكيل لهم بصاعهم.
إذا أردت أن تعلم مقدار الحب الذي وضعته الطبيعة في فؤاد الإنسان لأبناء جنسه، فعليك أن تنظر ماذا يفعل الحيوان أو الطفل الرضيع إذا لمح صورته في المرآة، إذ يظنه في الحال مخلوقاً مثله، ولهذا يجن جنونه، ويبلغ منه الغضب مبلغه، فيحاول جهده أن يؤذي هذا المخلوق الذي يطل عليه أو يقتله، أما الأطيار الأليفة الداجنة، على فرط رقة طبيعتها ونعومة أظافرها، فتلطم صفحة المرآة مغضبة، وتقذف بنفسها فوقها حانقة، ضاربة بأجنحتها، عارضة بمناقيرها، وأما القرد فيرمي بالمرآة إلى الأرض، ويحطمها تحطيماً، إذا مكنته الفرصة من ذلك.
إذا قدموك إلى إنسان للتعرف به، فدع المعرف - إذا أراد حقاً أن لا يسيء إليك - أن لا يذكر شيئاً عن أكبر فضائلك، وأخص مزاياك ومواهبك، بل حسبه أن يقتصر على العرضى من شؤونك، والدنيوي من صفاتك، فإذا كنت ذا جاه عريض في الأرض، فليقل ذلك ولا يزد، وإذا كنت غنياً. فعليه أن لا ينسى ذكر غناك، وإذا كنت عظامياً شريف الأعراق فليذكر عظاميتك، ولكن إياك أن تأذن له في الكلام عن عظمة روحك، ونبل وجدانك، وفضائلك، أو نبل أدبك أو رقة حاشيتك، اللهم إلا قليلاً، أو من باب الإضافة إلى صفاتك العرضية الأخرى، أما إذا كنت أديباً وكنت قد ظفرت بالشهرة والصيت البعيد، فلا تدعه يمدحك بروعة معانيك. وبلاغة أساليبك، واتساع معارفك، وعمق تفكيرك، وجلال نبوغك. بل حسبه أن يقول عنك مشهوراً لأن الكفاءة في هذا العالم للشهرة لا للفضل.
في كل بلد من بلاد الدنيا، وكل إقليم من أقاليم العالم، نرى الناس يعدون النقائص العامة والشرور الطبيعية التي تشترك فيها الإنسانية كلها، معائب خاصة مقصورة على بلدهم وحده، فما نزلت أرضاً إلا رأيت أهلها يقولون هنا النساء صلفات متقلبات، جاهلات، قليلات الأدب، والناس في بلدنا هذا فضوليون ثرثارون، مغتابون، نمامون. هنا السلطان للذهب، والنفوذ للوساطة، والقوة للدناءة واللؤم. هنا يسود الحقد، ويستبد الحسد، ولا تصفو الصداقة، ولا يخلص الود، وهلم جراً.
كأن الحال ليست كذلك في البلاد الأخرى، وهكذا ترى الناس فاسدين لؤماء، بالضرورة
стр. 1846
والحاجة والقصد، ويأبون إلا أن يعتقدوا أنهم فاسدون لئام. عرضاً وصدفة واتفاقاً. . .
مركز المرأة الإجتماعي
٣
أتينا في المقالين السابقين على مجمل أحوال المرأة في مختلف الأمم والشعوب المتمدنة وغير المتمدنة توطئة لما سنتكتبه على المرأة المصرية ولفتاً للقارئ إلى بعض عاداتنا ومنزلة المرأة عندنا من الرقي والإنحطاط.
ولما كانت المدنية الإسلامية هي المدنية السائدة في بلادنا المصرية فلا يسعنا الكلام على مركز المرأة المصرية من غير أن نتكلم على حقوق المرأة في الإسلام.
انتشل الإسلام المرأة العربية من وهدة الإنحطاط التي كانت فيها ورفع عن كاهلها كثيراً من المظالم ورد إليها بعض حقوقها المسلوبة وصعد بها إلى مستوى الإنسانية وخولها حقوقاً لم تحصل عليها بعد المرأة الأوروبية. وكفاه مجداً وفخراً أن انقضى على العادة الوحشية عادت وأد البنات التي لا تزل الإنسانية تقشعر منها فزعاً وتذوب منها ألماً وكمداً كلما مر بخاطرها ذكراها. وقرع الناس أشد التقريع على حزنهم وانقباض نفوسهم حينما تولد لهم بنت.
ولم يهمل الدين الإسلامي شأن المرأة ولم يقض بفناء روحها بعد الممات بخلاف بعض الأديان الأخرى بل اعتبرها مثل الرجل وفرض عليها من الواجبات الدينية ما فرضه عليه وأعد لها في الآخرة من النعم والعذاب ما أعده للرجل.
وأوصى الإنسان خيراً بوالديه على السواء فلم يميز الأب عن الأم بل على العكس خصها بالنصيب الأوفر من الرعاية والإحترام وزاد من قدرها حتى جعل الجنة تحت أقدامها.
وسبقت الشريعة الإسلامية الشرائع الأخرى في منح الزوجة حق الإرث عن زوجها مع أنه إلى يومنا هذا لا تزال بعض القوانين الأوروبية تنكر على الزوجين حق التوارث بينهما ولم تحرم الشريعة الغراء البنت من أن ترث أبويها وأقاربها في العقار المنقول على حد سواء.
غير أن الشرع الإسلامي لم يسو بين المرأة والرجل في مقدار الإرث بل ميز الرجل وجعل نصيبه ضعف نصيب المرأة وقدم في الإرث الأقارب الذين ينتسبون إلى الميت
стр. 1847
برجل عن اللذين ينتسبون إليه بإمرأة.
ولكن من جهةٍ أخرى أنصفت الشريعة الإسلامية المرأة حيث قضت على الرجل أن ينفق على زوجته ولو كانت غنية وأن يقوم بأداء كل ما تحتاج إليه ولم تكلف المرأة بخدمة زوجها ولا بالقيام بأي عمل من الأعمال إلا إذا كان ذلك برضاها وعن طيب خاطرها.
وقد عمم الفقهاء قاعدة لإرث في كل شيء حتى في الدية والشهادة فقرروا أن دية المرأة نصف دية الرجل وإن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل بل ذهبوا في الشهادة إلى أبعد من هذا حيث قالوا إن شهادة المرأة وحدها غير كافية إلا فيما هو خاص بالنساء كالحيض وما أشبه وفيما عدا ذلك اشترطوا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين أي أن شهادة أربع نسوة غير كافية في نظرهم.
ولا ينعقد الزواج إلا بإيجاب وقبول من الزوجين غير أن للرجل دون المرأة أن يحل عقدة الزواج ويطلّق زوجته بغير رضاها.
والرجال قوامون على النساء. بيدهم الأمر والنهي وعليهن الطاعة والانقياد إلا فيما حرمه الله. فإن عصين فلهم حق تأديبهن ولو بالضرب ولكن الضرب البسيط الذي لا يترك أثراً على الجسم. وعلى النساء أن يلتزمن بيوتهن ولا يخرجن بغير إذن إلا إذا كان ذلك لزيارة آبائهن ومحارمهن بحيث لا تزيد الزيارة عن مرة واحدة في كل شهر بالنسبة للآباء وعن مرة في كل سنة بالنسبة للمحارم الآخر.
وهذه الرآسة قاصرة على الشؤون الزوجية. فلا سلطان للرجل على المرأة فيما هو خاص بإدارة ثروتها فلها أن تتصرف فيها حسب ما تريد من بيع وشراء ورهن وهبة من غير أن يكون لزوجها حق الاعتراض عليها ولها أن تعين وصية أو قيمة وتوكل غيرها وتتوكل عن غيرها وبالاختصار لها كل الحقوق المدنية التي للرجل بخلاف المرأة الأوربية التي لا تتمتع من الحقوق المدنية إلا بالنذر اليسير ما دامت متزوجة فهي في مرتبة القاصرة أو المحجور عليها لا يسوغ لها أن تتصرف في مالها بدون إجازة وليها وهو الزوج.
وسنرى في ما يلي أن الأمة المصرية وإن اتبعت الشريعة الغراء في كثير من هذه الأحكام إلا أنها ما زالت تغمط قدر المرأة وتعاملها في بعض الأمور معاملة سيئة لا تتفق مع ما اتصفت به من الوداعة واللطف وما لها من المجد المؤثل في المدينة.
стр. 1848
الدكتور عبده البرقوقي المحامي
стр. 1849
آراء في المرأة ومكانها من المجتمع
(١) رأي فردريك نيتشه
تريد المرأة أن تتحرر وتنطلق من سلطة الرجل، ولهذا تحاول أن تفهمنا نفسها على حقيقتها، وهذا لعمري أكبر وسيلة لتشويه أوروبا ومسخها، إذ ماذا أنت مستنتج من هذه المحاولات المنكرة السقيمة الشوهاء التي تريد المرأة بها أن تظهر لنا تفلسفها وتكشف لنا عن نفسها. إن المرأة يجب أن تخجل وتستشعر الخزي والفضيحة، لأن أكبر صفاتها الادعاء، والتظرف، والسطحية، والرياء، والخلاعة، والطيش الخفي، وهذه الصفات لم تستطع أن تكتمها أو تقهرها وتغالبها الأمن - خوفها من الرجل ولكن صيحاتها ولا ريب تبعث الآن على الخشية والخوف، إنها تريد أن تكون عالمة، ولكن العلم كان ولا يزال من شؤون الرجال وموهبة من مواهبه، ونحن يجب أن نشك في هذه الرغبة التي تنزع إليها المرأة، وهي أنها تريد التنوير والتهذيب والعلم، لأن المرأة إذا كانت تريد حلية جديدة لها، والحلي هي أبداً مطلب النساء - فلماذا إذن تريد أن تجعل نفسها مخوفة مرهوبة. ألعلها تريد أن تظفر بالسيادة. ولكنها لا تريد الحقيقة، بل إن الحقيقة هي أعدى أعداء المرأة وأشد الأمور إرعاباً لها - إذ كان أكبر فنونها الكذب. وأشد مزاياها التظاهر والجمال. ونحن الرجال يجب أن نعترف ونقر بأننا نحب هذا الفن منها، نعم ونعجب بهذه الغريزة فيها، نحن الذين علينا الكد والعمل والواجب الأشق نتطلب الرياضة والنزهة في رفقة مخلوقات، إزاء نظراتها وحماقاتها وخلاعاتها تبدوا رزانتنا ووقارنا وجدنا كأنها إحدى الحماقات، وأنا أسألكم أخيراً، هل رأيتم يوماً امرأة شهدت لامرأة أخرى بقوة الذهن ونيل الروح، أليس الواقع أن المرأة كانت ولا تزال تحتقر وتزدرى من المرأة نفسها، وليس منا نحن الرجال.
لقد كانت المرأة - ولا تزال - تعامل من الرجال كالأطيار، التي فقدت طريقها فهبطت إليهم من حالق، وكانوا يعدونها شيئاً ضعيفاً سهل الانكسار، غريباً، حلواً مخيفاً، منعشاً، ولكنه يجب مع ذلك أن يقص جناحاه، حتى لا يستطع الفرار.
إن من أكبر دلائل السخف وبساطة الذهن أن تجهل المكانة الطبيعية للرجل والمرأة وتتنامى العداء الشديد الطبيعي بينهما، وتتمنى أن تجد التساوي في الحقوق، والتساوي في التعليم، والمركز، والعمل، إن المفكر الذي يرى ذلك يعد سطحياً تافه الذهن، يجب أن يعد
стр. 1850
متهماً مشبوهاً بل مخدوعاً مدخولاً في عقله، وأما الرجل العميق الروح. العميق الرغبات المحب للخير - وإن امتزاج هذا الخير بالقوة والشدة والجفاء - فينظر إلى المرأة نظر الشرقيين، يجب أن يعدها ملكاً من أملاكه، ومتاعاً محبوساً من أمتعته، ومخلوقاً قضت عليه الطبيعة بالخدمة وأداء واجبه الذي أعد له، يجب أن يقتدي في ذلك بحكمة آسيا العظيمة، وسمو غريزة آسيا، كما فعل اليونان القدماء - وهم أبدع ورثة آسيا وتلامذتها - إذ كانوا من زمن هوميروس إلى بركليز يشتدون في معاملة المرأة، ويظلون أبداً شرقيين إزاءها، فعلينا نحن أن نفهم ضرورة ذلك وحكمته وسداده.
إن هذا الجنس الضعيف لم يعامل في العصور الماضية بمثل هذا الاحترام الذي يعامل به اليوم. وهذا بفضل مزاج الديمقراطية الحديثة. فلا غرو إذا كان هذا الجنس يريد أن يسيء استعمال هذا الاحترام. لأن النساء يطلبن أكثر منه. وقد تعلمن أن يسألن حقوقاً أخرى ومطالب. حتى لقد كادت ضريبة هذا الاحترام تصبح مخيفة مفزعة، وجملة القول أن المرأة قد فقدت الحياء. ويجب أن نقول أيضاً أنها فقدت الذوق. إنها ابتدأت تتعلم أن لا تخاف الرجل. والمرأة التي لا تخاف الرجل. والمرأة التي لا تخاف تضحى أكبر غرائزها النسائية، وعلى هذا ينبغي أن نفهم أن المرأة قد بدأت تتلف الآن وتفسد.
إن تحرير المرأة الذي تطلبه النساء أنفسهن. ويصيح به معهن الفارغو الرؤوس من الرجال، ليس يراد به إلا إضعاف الغرائز النسائية وقتلها، إنها حركة طائشة بلهاء، حركة رجولية حمقاء، يجب أن تخجل منها المرأة الصالحة، لأن تركها الأسلحة التي أعدتها الطبيعية لانتصارها، واستباقها الرجل وتقدمها عليه وإزالة إيمانه بنسائيتها الأبدية فيها، واجتهادها في إغراء الرجل أن يجتنب عقيدته بأن المرأة يجب أن يحتفظ بها، ويحرص عليها ويرعى شأنها، ويتمتع بها كحيوان داجن، ضعيف ومفترس معاً، ليس ذلك كله إلا دليلاً على غرائز المرأة، ولا يقصد به إلا ترجيلها وتذكيرها!!
стр. 1851
باب الأدب والتاريخ
مذكرات شبلي شميل
قلت أن جمال الدين كان من الفلاسفة الرواقين أي أنه كان ينشر تعاليمه في طي المحادثات الإعتيادية ولكنها كانت محادثات خلابة في لذة المعنى وحسن الإنسجام، ولم يتهيأ له أن وقف خطيباً في قوم إلا مرة واحدة أظهر فيها أنه خطيب مفوه أيضاً، وكان ذلك بمعنى أديب اسحق وفي تياتروزيزينيا على محضر من جمهور غفير من علية القوم من رجال ونساء من السوريين والمصريين. فألقى خطبة اجتماعية سياسية أبدع فيها معنى ومبني وجرأة وبقي يرتجل الكلام نحو ساعتين من دون أن يبدو عليه أدنى تعب أو يتعلثم حتى خلب العقول وأقام الناس وأقعدهم كأنه رابطهم بسلاسل كلامه يلعب بهم كما يشاء وقد أعجبني منه قوله فيها وهو يتكلم عن استبداد الملوك واستماتة الشعوب. قال كأن الناس ليسوا شيئاً والملك هو كل شيء إن قام قاموا وإن قعد قعدوا.
ولما بلغني أن جمال الدين بعد أن نفي من مصر ببضع سنين كتب رسالة باللغة الأفغانية في نفي مذهب الماديين ترجمها الشيخ محمد عبده إلى العربية دهشت لتصوري أن الرجل لم يكن من المتدينين. على أن جمال الدين كسائر الفلاسفة الأقدمين لم يكن يستطيع بمبادئه النظرية وفلسفته المجردة أن يجزم جزم الطبيعيين في استنادهم إلى العلوم الحديثة اليوم فكان يتعذر عليه إلا أن يكون من الشكوكيين أمثال المعري وفولتير الذين ينكرون الأنبياء ولكنهم يقفون مترددين في أمر الخلق هل هو حادث أو قديم فيكونون تارةً من الإلهين وطوراً من اللا أدريين لعم تمكنهم من ضابط علمي محسوس يضبط أحكامهم ويقوي حجتهم في ترددهم اللهم إلا أن يكون كفولتير من النفعيين وجمال الدين تنبوا أخلاقه العالية عن ذلك. فبقي أنه من المصافيين الحكماء الذين يكونون في اعتقادهم على هوى جليسهم تارة أقرب إلى المعطلين وطوراً أقرب إلى المؤمنين أي أنهم يكونون كما وصفهم الإمام الغزالي حيث يقول إن الآراء ثلاثة أقسام رأي يشارك فيه الجمهور فيما هم عليه ورأي يكون بحسب ما يخاطب به كل سائل ومسترشد ورأي يكون بين الإنسان ونفسه لا يطلع عليه الأمن هو شريكه في اعتقادي. ويصعب علي جداً بعد اختباري الرجل بنفسي من جهة ثم سماعي عنه بعد ذلك أن أبدي فيه حكماً جازماً ولكني أرجح جداً أنه لم يكن من
стр. 1852
المؤمنين.
اليوم الثالث
وأما أديب فأول عدد أصدره من جريدة مصر أصدره في القاهرة. وقد أعدت له مقالة موضوعها العبادة الفتيشية لقرب عهد المذاكرة في هذا الموضوع على ما تقدم وجعلت لها توطئة من عندياتي تعبت فيها جداً حتى جاءت على ما أحب (وهي التي كانت غرضي في كل تلك المقالة) ودفعتها إلى أديب لينشرها في أول عدد يصدر من جريدته فلم يبد عليها أقل ملاحظة وكان يقيم هو في المكان الذي كنت فيه. وقد تأخر صدور العدد الأول أكثر من أسبوعين وكلما سألته عن ميعاد صدوره كان يجيب بأن أسباباً طرأت أخرت صدوره ولكنه لم يذكر لي شيئاً يختص بمقالتي. ثم قبل صدور العدد بأيام قليلة عزمت على ترك القاهرة والعودة إلى الإسكندرية. وبعد وصولي إليها بأيام وصلني العدد المنتظر من الجريدة وبالطبع أول ما بحثت عنه مقالتي وهي كانت أول مقالة نشرتها في جريدة مصر. ولقد دهشت جداً لما رأيتها منشورة ولكنها مبتورة والتوطئة التي كانت موضع إعجابي - لأنها كانت لي وكل فتاة بأبيها معجبة - محذوفة بلا شفقة ولم ينشر من المقالة إلا الحوادث المعروفة في الكتب والتي هي شواهد على حقيقة هذه العبادة في الأمم والقبائل المختلفة. فأخذتني سورة الغضب من صاحبي ولاسيما من تكتمه هذا وهو معي كل يوم فكتبت له كتاباً بأحرف من نار أظهرت له فيه مزيد استيائي من سلوكه هذا المسلك معي وحسبت ذلك آخر العهد بيننا لتبايننا في الأخلاق. أما أديب فكان إذا جرح يعرف كيف يؤاسي فما عتم أن وردني جوابه فكان لغضبي كالزيت الطافي فوق أمواج البحر الهائج فاسترضاني بذكائه أكثر مما أغضبني بحيلته وكان جوابه شعراً في أكثر من عشرين بيتاً من النظم الرقيق الخفيف لا أروي منها سوى الأبيات الثلاثة الأولى والكتاب فقد مني. قال: ـ
العذر ثم العذر يا سيدي ... من حادث ما إن جرى عمدا
قد ألزموني حذف ديباجه ... كانت لجيد صحيفتي عقدا
قالوا تمس الدين في بلد ... كل له فيه غداً عبدا
وهذا كان شأنه معي كلما طرأ طارئ أثارني ضده وأديب كان كاتباً مصوراً فإذا وصف شيئاً أراكه كأنه مرسوم أمامك وقد وقع لي مرة أني كتبت له كتاباً طويلاً في أمر تأثرت
стр. 1853
منه جداً خططته بريشة دقيقة وبسرعة واحدة فائقتين وخطي الهيروغليفي معروف للمطلعين عليه فوردني منه جواب لم أطلع على فاتحته حتى كنت ألين من الشمع لقبول عذره فيه مهما كان. قال: ـ
قرأتك بصعوبة وفهمتك بسهولة أما الأول فلتعرج خطك السرطاني وأما الثاني فلظهور حدتك على رؤوس أحرفك.
للمذكرات بقية
قصيدة اغتصاب الضفيرة
الفصل الثاني
ما نضار أشعة الغزالة فياضاً على بساط الماء. وغلالة الهواء بأبهى من جمال نظيرتها بيلندا الحسناء. ينساب بها على التاميز فوق لجينه المذاب. زورق سهو الأراجيح وثاب. لقد كانت هذه الشمس الآدمية محفوفة من الشباب إناثاً وذكراناً بأمثال النجوم الشوابك غير أن العيون لم تكن لغيرها ترنو. ولا النفوس إلى غيرها تصبو. وكانت تلبس على صدرها صليباً لا تستنكف اليهود إن تلثمه حباً وإكراماً. ولا تأنف المجوس إن تسجد له تجلة وإعظاما. وكانت حركات لحظها السراع تنم عن قلب ذكي وقاد. شبيه بطرفها في البريق وفي كثرة التقلب والترداد. وكانت الآنسة تجود للكل بغرور الإبتسام. وتبخل بصدق الإحسان والإنعام. وتعطي زور الموعد الهواء. وتمنع رعاية العهد والوفاء. ولطالما قابلت خاطب ودها بالإباء. وإن لم يشب إباءها قط إساءة ولاإيذاء. وكانت مقلتها كالشمس تبهر الإبصار بالضياء. وهي كذلك كالشمس تعم بنورها الكل على حد سواء. وكانت عذوبة شمائلها وحلاوة أنسها تستر عيوبها إن كان للحسان عيوب وكان من ساءه من صفاتها شيء نكر فحسبه إن ينظر إلى وجهها ليزول ذلك الأثر.
وكانت هذه الغادة تحمل على متنها لإتلاف نفوس البشر ضفيرتين تحسن ربهما وتعهدهما فكانتا تنسدلان وراءها في حسن تماثل وتعادل متآزرتين على تزيين جيدها الحسان بحلقات فاحم ذي صقال. ففي ألغاز هذه الحلقات كان الغرام يسجن أسراه. ويقيد حسراه. فيا من أبصر صناديد الرجال. ترسف من خيوط الذهب في أغلال. وما زال ابن آدم يتخذ من الشعر شباكه. ومن الخيط أشراكه، يصيد بها السمك في الماء. والطير في السماء. غير أن
стр. 1854
الإنسان سيد الأسماك والطيور تصيده ضفائر الفتيات والحسن يقود الرجال بشعرات. بهاتين الضفيرتين أولع البارون الجسور. فما هو إلا أن رآهما حتى تطاول إليهما سوم طاوية الضفور وضارية النور ولما أبى إلا نيل بغيته. شرع في أعمال حيلته. وتدبير خطته. سيان عنده الكيد ومخاتلة. والبطش والمصاولة. بحجة أنه متى كلل النجح سعى العاشق الملتاع. فليس يحفل الناس أكان ذلك بالغضب أم بالخداع.
لذلك لما شابت ذوائب الظلماء. وهم نجم الصبح بالإغفاء ركع هذا البارون لربة الحب وتضرع إليها أن تنيل طلبته. وتقضي حاجته. وأقام لها قرباناً من اثنتي عشر قصة من غزليات شعراء الفرنس ذهبية الأغلفة ووضع على هذه المجلدات ثلاثة مناديل ووشاحين وقفازتين وغير هذه من آيات حوادث غرامه السالفة ودلائل معاشقه السابقة. ثم جاء ببعض ما لديه من رسائل الحب فأضرمها وبذلك اللهب أشعل القربان الذي هيأه. ثم أزكى الضرام بخمس زفرات من صدره الحران. وقلبه الولهان. وبعد ذلك سجد للربة وابتهل إليها أن تقدره على نيل بغيته. ثم تبقيها مدى العمر في حوزته. فسمعت الآلهة دعاءه فقضت له نصف حوجائه. ونصفها الثاني أطاره عاصف الريح في نكبائه.
وانسابت السفينة الأنيقة في تيه وخيلاء وخفقت الأشعة على بساط الماء، وسرت أنغام الآلات في صفاء جو بديع. ورقت على الموج لطاف الألحان قد براها الشجا فكادت تضيع. وسالت الأمواج لينة المسيل. ولاعب سيالها كل نفس من لين المطرد عليل. في تلك الساعة السعيدة تبسمت من السرور بيلندا فابتسم لابتسامتها الوجود وسبح الماء والهواء بحمد خالق بيلندا الإله الموجود.
ولكن الملك الحافظ حارس المليحة كان بحازب الهم مقهوراً وفي حومة الغم مغموراً. فأومأ إلى أعوانه وجنوده. فانضوت إلى ظل أعلامه وبنوده. وجعلت تتهامس من خافت أجراسها. بما ظنه أهل الأرض خفيف الرياح ودوى وسواسها وبعضها أقبل ينشر في بهاء الأشعة وشى جناحه. وأخرى أنشأت تهبط الماء كأنها سحب من العسجد وتارةً تركب من الهواء كواهل رياحه فيا لها من خلائق لطفت فغابت عن الأبصار وكأن أجسادها للخفاء جواهر مذابة في أضواء وأنوار. وقد طارت منها في الهواء أطراف الجلابيب والحلل. وما حللها إلا الشفوف حاكتها يد الغزالة من الندى والطل. ثم غمستها في أبهج أصباغ السماء.
стр. 1855
حيث النور لا يزال من ضروب الألوان يلبس رداء وينصل من رداء. ويمزج ياقوتةً حمراء. بلا زوردةٍ زرقاء. والشعاع يطرح على الدنيا كل لون ناصع لماع. كالرشقاء تفرش الأرض من ثوبها المخلوع بصبغ أنواع. والحباحب تتداول من ألوانه التي يخلعها على الروض المجاور أطياف لماحة سراع وكان زعيمهم آريل يتبوأ قمة الدقل فاستقبل الشمس بجناحيه الزرقاوين ثم افتتح القول:
أيها الملائكة والجنة والعفاريت والأبالسة أعيروني أنا زعيمكم وقريعكم آذاناً صاغية. وأفئدة واعية. كلكم يعرف ما قد أسند إلى كل طائفة منكم من الأعمال والوظائف فجماعة يمرحن في نسائم الأسحار. ويصلين جمرة النهار وفئة تهدي جحافل النجوم الزاهرة. وكتائب الكواكب الباهرة. وطائفة أكشف جوهراً. وأغلظ عنصراً. ترشف النطف من الدجنة المستهلة أو تغمس أطراف القوادم في الخضلة أو تنشئ الرواعد القاصفة أو تمسح حوالب المزنة الواكفة. وطائفة تحرس الإنسان في عالمه الأرضي وترعاه. وتمهد السبيلة وتسدد خطاه. ورؤوس هذه الطائفة وزعمائها تدبر شؤون الأقاليم والأمصار. وتحوط سدود المملكة في البر والبحار.
أما نحن فإن لنا عملاً أدنى قيمة من ذلك وهو صيانة الملاح، وقاية الوجوه الصباح في الأمساء والأصباح. فنحن نقي مسحوق الطلاء. أن تطير الريح الهوجاء عن الخد الأسيل والعارض الصقيل. والأنف. الذي كأنه خد السيف. ونحن نحفظ الغاية أن تزول عن الغانية ونحن نستعير حلك الليلة الظلماء، لنزيد به كحل اللواحظ الوطفاء. ولمع السراب. لمنضودة الثغور العذاب. وحلاوة الشهد المشتار. لطلاوة اللفظ المختار. وحمرة الورود. لصبغة الخجل في الخدود واهتزاز الغصن الميال. لخطرات التيه والدلال. بل ربما أوحينا إلى المليحة في المنام. استبدال قلادة بقلادة أو حزام بحزام.
وبعد فاعلموا أيها الجن والعفاريت والملائكة إن أشأم الفال يهدد اليوم بيلندا نخبة الخرد. الغيد. وصفوة البيض الرعاديد. لست أعلم ما كنهه وما حقيقته. بل كل ما أعلم أنه خطب سينالها اليوم بطشه أو خديعته. فلا ندري أذلك الخطب هو أن الغادة ستهتك اليوم ستر العفاف. أم ستكسر كوبة أو تخدش صفحة من الصحاف. بل لا ندري أهو أنها ستلوث الشرف الوضاح. أم المنطقة والوشاح وهل تفوتها الصلات في المحراب. أو موعد في
стр. 1856
بعض مجالس اللهو والشراب. وهل تصاب اليوم بغارة على القلب. أو على الجيب. وهل تفقد في بعض المراقص حشاها. أو شيئاً من حلاها. فبادروا أيها الأعوان إلى المليحة وادفعوا عنها كل طارئ شر. وطارق ضر. ولتكن عناية العفريت نسيم بالمروحة الرجراجة. وعناية لؤلؤ بالجواهر الوهاجة. وليوكل (أبو دقيق) بساعتها العسجدية. وليستكف (الجعدي) أمر ضفائرها الذهبية. أما أنا فسأرعى كلبها المألوف. وأحوطه من المهالك والحتوف. فشمروا في مهمتكم هذه عن ساعد الجد وأنجزوها بعزيمة وحد. واعلموا أن من فرط أو قصر فليلقين أنكى العقاب، وأنكل العذاب. فما يسجن في القوارير. أو يسمر بالدبابيس على خرق الحرير. أو يغرق في محلول من البياض والحمرة. أو يعزز ألف عام في خرت إبرة. فإذا حاول الهرب عاقت سبيله الخطوط اللزج واللبان. فهو في حبالته مغلول الجناحين حيران. هنالك يلقى الويل من الشبه القابضة للجلود والأبشار. حتى يعود كالزهرة الرقيقة إذ بلها البرد والإعصار. أو يعلق في أبخرة القرفة والكاكاو. فهو من هول ما تحته من ذلك الزبد الخصم صارخ عاو.
عند ذلك هبطت العفاريت من شرع السفينة فأحدقت بالفتاة طبقة فوق طبقة وحلقة دون حلقة. فجماعة تغلغلت في الغاز شعرها الوحف. وأخرى رفرفت منها حول قرط وشنف. وطائفة أحدقت بخصرها كأنها له دون النطاق نطاق. وأخرى بجيدها الحسان كأن أحداقها لزام وعناق. وفئة عند مستعذب الثغر. كأنها سرب من الحور حول الكوثر. قد وقفت من ذلك الفم على باب الخزانة الصدر. تسمح بالخروج لمعروف الكلام وتمنع المنكر وأخرى على باب الأذن تزيد محاسن القول الجميل. وتخفف وطأة الخشن الثقيل وتلطف ثماجة المستهجن المملول. وفرقة عند اللحاظ تحولها عن الصالح. إلى الصالح. وتغريها بالمليح. بصرفها عن القبيح. وأخرى لدى الكف تمنعها مصافحة اللثيم. وتمدها إلى الكريم وجماعة عند القدم تأخذ عليها سبل الفساد. وتخلي لها طرق الرشاد. وتسد مالك الشر. وتفتح مناهج الخير.
كل ذلك حاوله العفاريت والجنة بأمر الزعيم آريل إذعاناً لرغبته. وأخذاً بطاعته. وهم أثناء ذلك ترعد أوصالهم وجلاً. وتخفق أحشاؤهم وهلاً. لهول ذلك الخطب المنذر. والمصاب المنتظر. ضارعين إلى الله أن يهديهم إلى سبيل رده. وطريق صده. لو كان يدفع قضاء
стр. 1857
لهذه القصة بقية
стр. 1858
باب العلم والفلسفة
المسألة الكبرى مخابرة الموتى
معلومات جديدة
لا تزال مسألة مخابرة الموتى الحديثة الأكبر بين العلماء ولا يزال البحث دائراً، والجدال حاراً، والأدلة متواترة، وقد رأينا في مجلة لندن مقالاً مستطيلاً أنشأته سيدة من كبار الثقات في المسائل العلمية، جاءت فيه بمعلومات طريفة وتجربة مدهشة قامت بها فآثرنا أن ننقل للقراء شيئاً منها قالت: ـ
كان أول لقائي بمسز ريت، الوسيطة الأميريكية الذائعة السيط في مايو عام ١٩١٤، وكنت أشد الناس تكذيباً لهذه المسالة، وأبعدهم عن تصديق الوسطاء وكان يوماً جميلاً صاحي السماء، مستهلاً، ولكن كان لا بد لنا في سبيل هذه الجلسة العلمية من الظلام، ونحن لا نعرف السبب الذي يدعونا إلى وجوب إيجاد الظلام، عندما نريد أن نظفر بنتائج طيبة في مخابرة الموتى، ولكنا نعلم بعد أن الظلام يزيد في تبيين الظاهرة، كما أن النبأ اللاسلكي الذي نرسله في الظلام (أي ليلاً) يصل إلى غرضه في زمن أقل مما إذا أرسلته في النور (أي نهاراً) لأن النور ينقص من سرعة الأثير ويزيد في ارتجاجه ومن ثم لا يجب أن نذهب إلى الشك والإرتياب في ضرورة الظلام عند مخاطبة الموتى، إلا إذا كنا نريد أن نشك في ضرورته عند إبراز الصورة الفوتوغرافية.
ومسز ريت عندما تقوم بعملية الوساطة لا يصيبها الغيبوبة أو السبات العميق، بل إنها لتجلس بكل هدوء تحدثك وهي على سكونها الطبيعي، وكانت أول جلسة لنا في غرفتي وكان مجلسي يبعد عن مجلسها بسبعة أقدام أو نحوها وكان البوق عند قدمي وهذا البوق ضروري لأنه يعين على تجمع الارتجاجات الأثيرية، فقدمت إلي مسز ريت البوق لأفحصه فوجدته بوقاً عادياً من معدن الألمانويوم وقامت إلى الأستار فأسدلتها، وساد الظلام، وإذ ذاك ثار في فؤادي إحساس غريب، إذ وجدتني في جوف الظلمة جالسة مع سيدة غريبة ننتظر ظهور الأرواح. وأخذت مسز ريت في أحاديث عامة مألوفة، وهي في مجلسها البعيد عن مجلسي، ولكن لم تكد تمضي لحظة صغيرة، حتى أحسست بشيء يلمس ركبتي، وإن كانت مسز ريت لا تزال في مقعدها بعيدة عني وسمعت على أثر ذلك صوتاً يتكلم من
стр. 1859
البوق، وأنا أقول لكم إنه صوت طبيعي بين، صوت لا يختلف عن صوتي وأصواتكم ويسمعه كل إنسان، ولو كانت الحجرة حافلة بالناس لسمعوه جميعاً ويجب أن لا تذهبوا إلى أنه محض خيال مني ووهم، بل كان صوتاً مسموعاً لا يخطأ في فهمه، ولم تكن مسز ريت قد لاحظته، بل طفقت تجري في حديثها العادي، والصوت لا يزال يتكلم، فسألتها الصمت، وأعلمتها أي أسمع صوتاً مسموعاً.
وتبينت في الحال جلية الصوت، فتولتني الدهشة، لأنني أحسست أنني أمام عجيبة أغرب من الآلات البخارية والطيارات وجميع مخترعات العالم، وإنني إزاء أكبر حادث في جميع تاريخ حياتي.
وكان الصوت يناديني باسمي العادي، وكان متهيجاً أجش مضطرباً، وجعل يتكلم بضع دقائق وتبينت أنه أحد أصدقاء زوجي عندما أنبأني باسمه وكانت وفاته منذ عدة سنين، ولذلك ازدادت دهشتي، لأنني لم أكن أتوقع محادثته، فسألته عما إذا كان يشعر بالسعادة والغبطة فقال بل كل السعادة، إنني أدرس علم النشوء الآن وأهتم الآن بجميع هذه المسائل، ولكن لم أكن أتوقع وجودك هنا، فسألته السبب قائلة إن مخابرة العالم الآخر كانت تبدو لي دائماً من المسائل الممكنة، فأجاب، نعم، ولكنك الفرد الوحيد الذي حاول أن يكلمنا من الأسرة كلها
وخلاف ذلك أصوات آخرين، وكان من بينهم صديقة لي كنت أحبها في هذا العالم، قبل وفاتها، ولكي تدلني على علامةجاءت إلي بمصباح مضيء، مصباح بين ظاهر، في حجم مصباح الدراجة البسكليتوجعلت تلوح به في وجهي في برة الظلام، وكان من الوضوح والبيان بحيث أنني مددت ذراعي فأمسكت بالمصباح من وسطه.
وتركت مسز ريت غير مقتنعة، وهجمت على ذهني الشكوك والريب وجعلت أدير في هذا الحادث كل وجوه التكذيب والإنكار، وآخر ما عمدت إليه من إقناع نفسي بكذب الحادث أن أخذت أقول أن هذا الصوت هو ترتيب آلي دقيق عملته مسز ريت، يعين إنساناً في خارج الحجرة على أنفاذ الصوت إلى جوف البوق، ولكن الجلسات الأخيرة التي جلسناها أظهرت خطأ هذا الظن، لأن الجلسات كانت في حجرتي، ثم ذهبت بعد ذلك إلى أنه من المحتمل أن تكون مسز ريت علمت شيئاً من تاريخ أسرتي واستطاعت بذلك أن تذكر لي أناساً بأسمائهم
стр. 1860
وحوادثهم، وكذلك جعلت أضرب في بيداء الظنون والريب.
والحجة الكبرى التي كنت أريدها لتصديق الحادث هو أنني جعلت أقول، إذا كان هناك شخص يستطيع أن يكلمني من العالم الآخر فهو زوجي ولو استطاع زوجي أن يكلمني لتكلم، ولكن كان الصوت الذي كلمني في الجلسات الأولى غير بين، ولم يكن هناك ما يؤيد شخصيته، وظننت من السهل محاولة تغيير الصوت واللهجة، وكنت أريد لتحقيقه شيئاً من الأمور التي تثبته لدي.
ووليت عن مسز ريت شاكة مستريبة، ولكني في اليوم التالي قابلت صديقاً لي هو الكولونل جونسون فأنبأني أنه يحمل إلي رسالة ولم أكن التقيت به في ذلك العهد إلا مرة أو مرتين ولم يكن يعرف شيئاً عني أو عن زوجي فبلغني أنه زار مستر ريت وصباح اليوم وأنه تلقى رسالة إلي كتبها في التو واللحظة - لأنه كان يجيد الكتابة في الظلام. وتفصيل الخبر أن صوتاً مضطرباً كلمه من البوق وذكر له اسم زوجي ولقبه وقال أن زوجته (يعنيني) كانت هنا في اليوم الفائت وذهبت دون أن تعتقد بوجودي وأنها لم تفهمه، وطلب إليه أن يؤكد لها شخصيته، وإن أبى سير كوبزكي سعيد وأنه يصرف كثيراً من الساعات معه وسأله أن يذكر لي لفظة جلاتون (هكذا سمعها الكولونل جونسون) وقال ما نصه على المحطة الأوسترالية فهي ستفهم ذلك ولا تستطيع أيها القارئ أن تتصور الدهشة الكبرى التي ثارت لدي عندما سمعت هذه اللفظة، حتى لقد أحسست أن الحجرة تدور بي دوراناً، وجعل قلبي يخفق بشدة ويثب لأنني علمت أنه لا يوجد في أنحاء الكون كله أحد يعرف سر هذه اللفظة إلا زوجي، وهذه اللفظة التافهة كانت تحمل أكبر قوى الإقناع.
وصحة هذه اللفظة جلاتياوهو أسم السفينة التي كان يقودها الدوق أوف إدينبرج، وكان زوجي في أيام شبيبته في المحطة الأوسترالية على ظهر هذه السفينة، وكثيراً ما قضى أياماً حلوة مع الدوق فوق سطحها، حتى لقد كان يعيد تذكرها الحين بعد الحين ويحدثني عن لذائذها ومباهجها، ولدي منها ذكريات أخذها زوجي قبل غرقها.
وأنا أعتقد أكبر الاعتقاد بأن مسز ريت لا تعلم شيئاً من هذا وأظن من السخف أن اتهمها بأنها راجعت قوائم البحرية وسجلات السفن، لأني أعلم أن ذلك لا يتيسر لها، ولو استطاعت الظفر بها، فما الذي حداها إلى ذكر جلاتيادون غيرها من أسماء السفن العديدة
следующие страницы →