← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

بعض مجالس اللهو والشراب. وهل تصاب اليوم بغارة على القلب. أو على الجيب. وهل تفقد في بعض المراقص حشاها. أو شيئاً من حلاها. فبادروا أيها الأعوان إلى المليحة وادفعوا عنها كل طارئ شر. وطارق ضر. ولتكن عناية العفريت نسيم بالمروحة الرجراجة. وعناية لؤلؤ بالجواهر الوهاجة. وليوكل (أبو دقيق) بساعتها العسجدية. وليستكف (الجعدي) أمر ضفائرها الذهبية. أما أنا فسأرعى كلبها المألوف. وأحوطه من المهالك والحتوف. فشمروا في مهمتكم هذه عن ساعد الجد وأنجزوها بعزيمة وحد. واعلموا أن من فرط أو قصر فليلقين أنكى العقاب، وأنكل العذاب. فما يسجن في القوارير. أو يسمر بالدبابيس على خرق الحرير. أو يغرق في محلول من البياض والحمرة. أو يعزز ألف عام في خرت إبرة. فإذا حاول الهرب عاقت سبيله الخطوط اللزج واللبان. فهو في حبالته مغلول الجناحين حيران. هنالك يلقى الويل من الشبه القابضة للجلود والأبشار. حتى يعود كالزهرة الرقيقة إذ بلها البرد والإعصار. أو يعلق في أبخرة القرفة والكاكاو. فهو من هول ما تحته من ذلك الزبد الخصم صارخ عاو. عند ذلك هبطت العفاريت من شرع السفينة فأحدقت بالفتاة طبقة فوق طبقة وحلقة دون حلقة. فجماعة تغلغلت في الغاز شعرها الوحف. وأخرى رفرفت منها حول قرط وشنف. وطائفة أحدقت بخصرها كأنها له دون النطاق نطاق. وأخرى بجيدها الحسان كأن أحداقها لزام وعناق. وفئة عند مستعذب الثغر. كأنها سرب من الحور حول الكوثر. قد وقفت من ذلك الفم على باب الخزانة الصدر. تسمح بالخروج لمعروف الكلام وتمنع المنكر وأخرى على باب الأذن تزيد محاسن القول الجميل. وتخفف وطأة الخشن الثقيل وتلطف ثماجة المستهجن المملول. وفرقة عند اللحاظ تحولها عن الصالح. إلى الصالح. وتغريها بالمليح. بصرفها عن القبيح. وأخرى لدى الكف تمنعها مصافحة اللثيم. وتمدها إلى الكريم وجماعة عند القدم تأخذ عليها سبل الفساد. وتخلي لها طرق الرشاد. وتسد مالك الشر. وتفتح مناهج الخير. كل ذلك حاوله العفاريت والجنة بأمر الزعيم آريل إذعاناً لرغبته. وأخذاً بطاعته. وهم أثناء ذلك ترعد أوصالهم وجلاً. وتخفق أحشاؤهم وهلاً. لهول ذلك الخطب المنذر. والمصاب المنتظر. ضارعين إلى الله أن يهديهم إلى سبيل رده. وطريق صده. لو كان يدفع قضاء

стр. 1857

لهذه القصة بقية

стр. 1858

باب العلم والفلسفة المسألة الكبرى مخابرة الموتى معلومات جديدة لا تزال مسألة مخابرة الموتى الحديثة الأكبر بين العلماء ولا يزال البحث دائراً، والجدال حاراً، والأدلة متواترة، وقد رأينا في مجلة لندن مقالاً مستطيلاً أنشأته سيدة من كبار الثقات في المسائل العلمية، جاءت فيه بمعلومات طريفة وتجربة مدهشة قامت بها فآثرنا أن ننقل للقراء شيئاً منها قالت: ـ كان أول لقائي بمسز ريت، الوسيطة الأميريكية الذائعة السيط في مايو عام ١٩١٤، وكنت أشد الناس تكذيباً لهذه المسالة، وأبعدهم عن تصديق الوسطاء وكان يوماً جميلاً صاحي السماء، مستهلاً، ولكن كان لا بد لنا في سبيل هذه الجلسة العلمية من الظلام، ونحن لا نعرف السبب الذي يدعونا إلى وجوب إيجاد الظلام، عندما نريد أن نظفر بنتائج طيبة في مخابرة الموتى، ولكنا نعلم بعد أن الظلام يزيد في تبيين الظاهرة، كما أن النبأ اللاسلكي الذي نرسله في الظلام (أي ليلاً) يصل إلى غرضه في زمن أقل مما إذا أرسلته في النور (أي نهاراً) لأن النور ينقص من سرعة الأثير ويزيد في ارتجاجه ومن ثم لا يجب أن نذهب إلى الشك والإرتياب في ضرورة الظلام عند مخاطبة الموتى، إلا إذا كنا نريد أن نشك في ضرورته عند إبراز الصورة الفوتوغرافية. ومسز ريت عندما تقوم بعملية الوساطة لا يصيبها الغيبوبة أو السبات العميق، بل إنها لتجلس بكل هدوء تحدثك وهي على سكونها الطبيعي، وكانت أول جلسة لنا في غرفتي وكان مجلسي يبعد عن مجلسها بسبعة أقدام أو نحوها وكان البوق عند قدمي وهذا البوق ضروري لأنه يعين على تجمع الارتجاجات الأثيرية، فقدمت إلي مسز ريت البوق لأفحصه فوجدته بوقاً عادياً من معدن الألمانويوم وقامت إلى الأستار فأسدلتها، وساد الظلام، وإذ ذاك ثار في فؤادي إحساس غريب، إذ وجدتني في جوف الظلمة جالسة مع سيدة غريبة ننتظر ظهور الأرواح. وأخذت مسز ريت في أحاديث عامة مألوفة، وهي في مجلسها البعيد عن مجلسي، ولكن لم تكد تمضي لحظة صغيرة، حتى أحسست بشيء يلمس ركبتي، وإن كانت مسز ريت لا تزال في مقعدها بعيدة عني وسمعت على أثر ذلك صوتاً يتكلم من

стр. 1859

البوق، وأنا أقول لكم إنه صوت طبيعي بين، صوت لا يختلف عن صوتي وأصواتكم ويسمعه كل إنسان، ولو كانت الحجرة حافلة بالناس لسمعوه جميعاً ويجب أن لا تذهبوا إلى أنه محض خيال مني ووهم، بل كان صوتاً مسموعاً لا يخطأ في فهمه، ولم تكن مسز ريت قد لاحظته، بل طفقت تجري في حديثها العادي، والصوت لا يزال يتكلم، فسألتها الصمت، وأعلمتها أي أسمع صوتاً مسموعاً. وتبينت في الحال جلية الصوت، فتولتني الدهشة، لأنني أحسست أنني أمام عجيبة أغرب من الآلات البخارية والطيارات وجميع مخترعات العالم، وإنني إزاء أكبر حادث في جميع تاريخ حياتي. وكان الصوت يناديني باسمي العادي، وكان متهيجاً أجش مضطرباً، وجعل يتكلم بضع دقائق وتبينت أنه أحد أصدقاء زوجي عندما أنبأني باسمه وكانت وفاته منذ عدة سنين، ولذلك ازدادت دهشتي، لأنني لم أكن أتوقع محادثته، فسألته عما إذا كان يشعر بالسعادة والغبطة فقال بل كل السعادة، إنني أدرس علم النشوء الآن وأهتم الآن بجميع هذه المسائل، ولكن لم أكن أتوقع وجودك هنا، فسألته السبب قائلة إن مخابرة العالم الآخر كانت تبدو لي دائماً من المسائل الممكنة، فأجاب، نعم، ولكنك الفرد الوحيد الذي حاول أن يكلمنا من الأسرة كلها وخلاف ذلك أصوات آخرين، وكان من بينهم صديقة لي كنت أحبها في هذا العالم، قبل وفاتها، ولكي تدلني على علامةجاءت إلي بمصباح مضيء، مصباح بين ظاهر، في حجم مصباح الدراجة البسكليتوجعلت تلوح به في وجهي في برة الظلام، وكان من الوضوح والبيان بحيث أنني مددت ذراعي فأمسكت بالمصباح من وسطه. وتركت مسز ريت غير مقتنعة، وهجمت على ذهني الشكوك والريب وجعلت أدير في هذا الحادث كل وجوه التكذيب والإنكار، وآخر ما عمدت إليه من إقناع نفسي بكذب الحادث أن أخذت أقول أن هذا الصوت هو ترتيب آلي دقيق عملته مسز ريت، يعين إنساناً في خارج الحجرة على أنفاذ الصوت إلى جوف البوق، ولكن الجلسات الأخيرة التي جلسناها أظهرت خطأ هذا الظن، لأن الجلسات كانت في حجرتي، ثم ذهبت بعد ذلك إلى أنه من المحتمل أن تكون مسز ريت علمت شيئاً من تاريخ أسرتي واستطاعت بذلك أن تذكر لي أناساً بأسمائهم

стр. 1860

وحوادثهم، وكذلك جعلت أضرب في بيداء الظنون والريب. والحجة الكبرى التي كنت أريدها لتصديق الحادث هو أنني جعلت أقول، إذا كان هناك شخص يستطيع أن يكلمني من العالم الآخر فهو زوجي ولو استطاع زوجي أن يكلمني لتكلم، ولكن كان الصوت الذي كلمني في الجلسات الأولى غير بين، ولم يكن هناك ما يؤيد شخصيته، وظننت من السهل محاولة تغيير الصوت واللهجة، وكنت أريد لتحقيقه شيئاً من الأمور التي تثبته لدي. ووليت عن مسز ريت شاكة مستريبة، ولكني في اليوم التالي قابلت صديقاً لي هو الكولونل جونسون فأنبأني أنه يحمل إلي رسالة ولم أكن التقيت به في ذلك العهد إلا مرة أو مرتين ولم يكن يعرف شيئاً عني أو عن زوجي فبلغني أنه زار مستر ريت وصباح اليوم وأنه تلقى رسالة إلي كتبها في التو واللحظة - لأنه كان يجيد الكتابة في الظلام. وتفصيل الخبر أن صوتاً مضطرباً كلمه من البوق وذكر له اسم زوجي ولقبه وقال أن زوجته (يعنيني) كانت هنا في اليوم الفائت وذهبت دون أن تعتقد بوجودي وأنها لم تفهمه، وطلب إليه أن يؤكد لها شخصيته، وإن أبى سير كوبزكي سعيد وأنه يصرف كثيراً من الساعات معه وسأله أن يذكر لي لفظة جلاتون (هكذا سمعها الكولونل جونسون) وقال ما نصه على المحطة الأوسترالية فهي ستفهم ذلك ولا تستطيع أيها القارئ أن تتصور الدهشة الكبرى التي ثارت لدي عندما سمعت هذه اللفظة، حتى لقد أحسست أن الحجرة تدور بي دوراناً، وجعل قلبي يخفق بشدة ويثب لأنني علمت أنه لا يوجد في أنحاء الكون كله أحد يعرف سر هذه اللفظة إلا زوجي، وهذه اللفظة التافهة كانت تحمل أكبر قوى الإقناع. وصحة هذه اللفظة جلاتياوهو أسم السفينة التي كان يقودها الدوق أوف إدينبرج، وكان زوجي في أيام شبيبته في المحطة الأوسترالية على ظهر هذه السفينة، وكثيراً ما قضى أياماً حلوة مع الدوق فوق سطحها، حتى لقد كان يعيد تذكرها الحين بعد الحين ويحدثني عن لذائذها ومباهجها، ولدي منها ذكريات أخذها زوجي قبل غرقها. وأنا أعتقد أكبر الاعتقاد بأن مسز ريت لا تعلم شيئاً من هذا وأظن من السخف أن اتهمها بأنها راجعت قوائم البحرية وسجلات السفن، لأني أعلم أن ذلك لا يتيسر لها، ولو استطاعت الظفر بها، فما الذي حداها إلى ذكر جلاتيادون غيرها من أسماء السفن العديدة

стр. 1861

التي قضى زوجي عمره فوق ظهورها، فلما زال ما كان يجول بخاطري من الظنة والوساوس، أجمعت على أن أجلس جلسة أخرى مع مسز ريت، فكان ذلك. وجاء قبل زوجي شقيقه، فقال أن الرسالة التي أرسلها إلي وهي جلاتيا أرسلها ليثبت شخصيته وحقيقته، لأنه كان يعلم أنها تكفي لإفهامي، وأنه كان حزيناً لهذا الشك الذي انتابني ثم حضر بعد هذا الصوت صوت زوجي فجعل يسميني الأسماء الخصوصية التي كنا نتنادى بها، ولا يستطيع أن يعرفها غيرنا. ثم عاد إلى ذكر جلاتيا، وانطلق يكلمني عن أمور سرية بيني وبينه، فلما قال أنه سيعود، شهقت بالبكاء في الظلام، وإذ ذاك سمعته بكل أذني يقول لا تبكي!!

стр. 1862

باب الفكاهة والملح مذكرات بكويك (٢) المستر ونكل على الثلج كان المستر بكويك وتلاميذه وخادمه ضيوفاً عند أحد سراة الأرياف - المستر واردل - برهة من الزمن وجاء يوم عيد الميلاد أثناء هذه الضيافة فاجتمعوا للطعام ولما رفع الخوان اقترح عليهم صاحب الدار أن يقضوا ساعة باللعب على الثلج فارتاح الحضور للاقتراح إلا رجال النادي لعجزهم عن أمثال هذه الألاعيب وكان في القوم خلاف أصحابنا الأربعة طالبان من طلبة الطب وجماعة من النساء - من أهل بيت المستر واردل صاحب الضيعة، وأقارب أحد الطالبين. قال المستر واردل ماذا قولكم في ساعة على الثلج؟ قال بنيامين ألين أحد الطالبين هذا أصوب شيء ورب هذا اليوم وقال بوب سويلر (ليس بعد ذلك شيء) قال واردل (أنت تجيد اللعب على الثلج ولا شك يامستر ونكل؟) المستر ونكل (أ - أ - أظن ذلك - ولا - ولا - ولكني بعيد العهد به) السيدة اربيلا (أخت بنيامين) بل تلعب يا مستر ونكل أني أبتهل إليك أن تفعل. إني لأشتهي ذلك من صميم قلبي وتقول آنسة أخرى (لله ما أبدع هذا اللعب وما أحلاه) وتقول غادة ثالثة (أجل والله ما أرشقه) ورابعة تقول (ما أشبهه بخفة الغزلان وتمايل الأغصان) ونكل ما أشد حرصي على إتيان كل ما يسركن ويحمر خجلاً ولكن ليس لي مزلقان (خفان للتزلق على الثلج) فسرعان ما أزيل هذا العائق بإحضار مزلقين وحينئذ عبر لسان ونكل عن مزيد السرور والفرح وثم وجهه عن مزيد الكمد والترح. ثم أن المستر واردل والطالبان لبسوا المزالق ونزلوا إلى الساحة الثلجية فأتوا منفردين ومجتمعين من عجيب إلا لاعب ما أدهش الحضور. كل ذلك والمستر ونكل يحاول لبس

стр. 1863

خفيه وقد عكس وضعهما وعقد الأربطة تعقيداً لا يرجى حله مستعيناً في عمله بصاحبه سنودجراس الذي لعله لا يعرف من أمر هذه اللعبة أكثر مما يعرف زنوج أفريقيا. وأخيراً بمعونة سام ولر توقف المستر ونكل إلى أحكام وضع الخفين المشئومين على قدمه وربطهما ثم أنهضه سام قائلاً انطلق يا سيدي وأر القوم كيف يكون اللعب. قال ونكل مهلاً يا سام مهلاً! قف سام قف! قال ذلك وهو يرجف ويرتعد وقد أمسك ذراعي سام بقبضة الغريق ما أشد بلل هذا الثلج يا سام وما أزلقه للقدم! سام (ليس هذا بمستغرب من الثلج يا سيدي ثبت قدمك واستمسك يا سيدي! نطق سام بهذه العبارة بمناسبة حركة عجيبة حدثت من المستر ونكل إذ ذاك وهو أنه هم بطرح رجليه في الهواء والاستلقاء فوق الثلج. قال ونكل (هذان - هذان الخفان ثقيلان جداً - أليس كذلك يا سام) قال هذا ورجلاه تضطكان من الرعشة. قال سام (أخشى أن يكون الثقل صفة لابسهما لا صفتهما وهنا صاح المستر بكويك ولم يكن يعرف من نكبة صاحبه شيئاً هلم يا ونكل! السيدات كلهن تطلع لرؤية حذقك ومهارتك قال ونكل وعلى وجهه ابتسامة حزينة (سأفعل يا سيدي) قال سام وهو يحاول التملص من قبضة ونكل سيبدأ يا سيدي. انطلق يا سيدي انطلق! قال ونكل تشبث بسام تشبث المعشوقة بالعاشق ساعة الوداع مهلاً يا سام! لحظة يا سام أصغ لي يا سام أن عندي كسوتين جيدتين في المنزل لا حاجة لي إليهما يا سام. هما تحت تصرفك يا سام قال سام (شكراً لك يا سيدي) قال ونكل (لا داعي لأن تخلص يدك من يدي لتؤدي لي تحية الشكر يا سام. لا داعي لذلك يا سام. لقد كان في نيتي منذ أمس أن أعطيك خمس شلنات هبة العيد يا سام. وسأعطيكها هذا المساء يا سام قال سام (ما أحسن تعطفاتك يا سيدي) قال ونكل (ساعدني في مبدأ هذه المشقة يا سام. لا تتركني وحدي يا سام. هذا حسن يا سام. أراني سأعرفها قريباً يا سام لا تسرع يا سام لا تسرع)

стр. 1864

وبينما كان ونكل يسير فوق الثلج مطوقاً بذراعيه ساماً منحنياً فوقه بهيئة تخالف رشاقة الغزلان وتمايل الأغصان (كما وصفت إحدى السيدات شكل لاعبي هذه اللعبة في بدأ هذا الحديث) احتاج المستر بكويك خادمه لبعض شؤونه فصاح به عن غير تعمد إساءة (سام؟) قال سام (لبيك يا سيدي) بكويك (أنت هنا. إني أُريدك) سام يخاطب ونكل (أطلقني يا سيدي، ألا تسمع المستر بكويك يدعوني) وهنا نزع سام نفسه من قبضة ونكل بأشد ما في طاقته فانزلق ونكل فوق الثلج بسرعة الشهاب المنقض فاصطدم بالمستر بوب سويار عندما كان هذا الشاب يبهر الأبصار بأبدع ما يأتيه أستاذ في هذا الفن فهوي الاثنان على الجليد. وحينئذ أسرع بكويك إليهما. فأما بوب سويار فكان قد نهض إلى قدميه وأما ونكل أعقل من أن يفعل مثل ذلك في هذه البقعة المهلكة. فقعد فوق الثلج يبذل أقصى الجهد في محاولة التبسم. ولكن وجهه كان ينم عن غاية الكمد والكربة. قال بنيامين ألين هل أصابك أذي يا مستر ونكل؟ قال ونكل (ليس بالأذى البليغ) وأخذ يحك ظهره قال بنيامين (ليتك تدعني أفصدك) ونكل (كلا! شكراً لك) قال بنيامين (في اعتقادي أنه أولى لك) ونكل (أشكرك. أولى لي ألا أفعل) فالتفت بنيامين إلى المستر بكويك وقال (ما رأيك يا مستر بكويك؟) وكان على وجه بكويك تلوح دلائل الأسف الشديد الغيظ فالتفت إلى سام وقال (انزع خفيه في الحال). قال ونكل (كلا! كلا! أنا لم أكد أبتدي دعني أحاول ثانياً). قال بكويك مشدداً (انزع خفيه). إنه لم يكن في طاقة ونكل عصيان أمر أستاذه لذلك أذعن ومد رجليه إلى سام فخلع الخفين وقال بكويك (أنهضه فأنهضه سام).

стр. 1865

فتنحى بكويك عن القوم مسافة وأومأ إلى ونكل فدنا منه. ثم إن يكويك وجه إلى صاحبه نظرة حادة قاسية وقال بصوت منخفض جلي: (إنك لسفيه يا سيدي) فاندهش ونكل وقال (إنني ماذا؟) قال بكويك (سفيه يا سيدي. وإذا شئت أن أزيدك تبياناً وإيضاحاً فأنت دعي يا سيدي خادع غشاش). وبعد هذه الكلمات ولى صديقه كتفيه وعاد إلى زمرة أصدقائه.

стр. 1866

باب تدبير الصحة الإغماء الإغماء عبارة عن توقف مؤقت للمراكز الحيوية يحصل كما يظهر من أنيميا (فقر دم) المخ التي تحصل عن عارض فيه نفسه أو خارجه كفقر دم عام - ويحصل الإغماء عادةً في أمراض القلب وأمراض الدم وضربة الشمس وبعد التخدير العام بالكلوروفورم - وحصوله إما أن يكون فجائياً أو يصيب المريض تدريجياً فيشعر بعدم راحة عمومية في جسمه ثم يشعر بدوار وطنين في الأذنين وظلمة في البصر ثم يبهت وجهه ويعرق عرقاً بارداً ثم يغمى عليه أي يفقد الإدراك فيكون الإغماء حينئذٍ تاماً فيصير الشخص ممتداً باهت اللون ساكن الحركة والحس ويكون التنفس والقلب واقفين تقريباً ثم بعد ثوان أو دقائق تعود دقات القلب وحركات التنفس شيئاً فشيئاً وتنتهي النوبة، واستمرارها إلى الموت نادراً وهذا غير الغثيان (السخسخة) فهو إغماء غير تام لأن التنفس وضربات القلب يبطئان ولكنهما لا يقفان ومدة الغشيان أطول من مدة الإغماء بكثير. ولعلاج هذا الطارئ تخفض الرأس عن الجسم ويرفع الجذع أو توضع الرأس بين الركبتين إذا كان جالساً وينشق منعشاً كالنوشادر ويعطى متى أمكنه قليل من المنبهات كالكونياك أو حقنة الإستركين تحت الجلد ويستريح باقي النهار لأن المرض ربما عاد وإذا استمر الإغماء يعمل للمريض التنفس الصناعي ويستدعى الطبيب. مرض غريب ينتقل إلى الإنسان من الببغاء مرض يسمى بستاكورس وهو مرض نادر يشبه الحمى التيفودية في أدورها ويصعب على الطبيب جداً تشخيصه ومن غريب الأمر أن فحص دم المصاب بهذا المرض تشبه تماماً نتيجته فحص دم المصاب بهذه الحمى فيظهر جلياً مقدار الصعوبة في معرفة حقيقة المرض ولا يساعد على التشخيص شيء أكثر من الإستفهام عما إذا كان المريض يخالط ببغاء أولاً والمرض مجهول من أغلب الأطباء فلا عجب أن يكون غريباً. الزهري الوراثي يعتقد الكثيرون أن الطفل المولود من والدين مريضين أحدهما أو كلاهما بالزهري لا يصح

стр. 1867

غمره في الماء قبل الأربعين يوماً وهذا خطأ محض يجب أن يراعيه كل الناس إذ مثل هؤلاء أحق الأطفال بالتنظيف والحمام. غرابة غذاء المريض بالحمى التيفودية تنتشر الحمى التيفودية الآن ويعتقد الكثيرون أن غذاء المريض بها يجب أن يكون قاصراً على اللبن فقط ويعتقد كل الأطباء تقريباً أن هذا هو طريق السلامة الوحيد ولكن الأستاذ كولمان ويشاركه كثيرون في رأيه ينادون بوجوب تغذية المريض بهذه الحمى كما يشاء فهل يعجب هذا الرأي جماعة الحانقين على الأطباء والكارهين لهم كراهة في اللبن وهل آن لحضرات الأطباء أن يعدلوا رأيهم ولو قليلاً رعاية لخاطر المريض؟

стр. 1868

تفاريق رئيس حكومة مجهول من أكثر رعيته بلاد سويسرة الجمهورية غربية في كل شيء، ولكن أغرب غرائبها أن كثيرين من الرعية والشعب لا يعرفون اسم رئيس الجمهوررية. وقد ينتخب لمقعد الرآسة ثم يمضي عنه، ويتولى إليه غيره، وهم لا يعلمون عن ذلك إلا لنذر اليسير. وذلك أن رئيس الجمهورية الصغيرة في حجمها، الكبيرة الشأن في حياتها، يكاد يكون أشد رؤوس الحكومات والملوك تواضعاً. وأبعدهم عن ضوضاء السلطة والحكم، وهو ينتخب لمدة سنة واحدة، تبتدئ من يناير وتنتهي في آخر ديسمبر وهو لا يتقاضى مرتباً كبيراً، يعينه على عيشة الترف، والبذخ والأبهة، إذ ليس مرتبه إلا خمسمائة جنيه وأربعين في العام، أي ٤٥ جنيهاً في الشهر، وهو مرتب يتقاضاه لدينا رئيس قسم أو مصلحة صغيرة في فرع من فروع الحكومة، وله مجلس وزارة يتألف من سبعة وزراء، ووزير سويسره يتناول ٤٠ جنيهاً في السنة، أي لا يزال في الرتبة الثالثة من البكوية المصرية. فانظر كيف تكون مرتباتهم، إزاء مرتباتنا. أرباح الكتاب الروائيين في إنجلترة إن الرواية التمثيلية التي تنجج في إنجلترة تكفي لأن تمد كاتبها بالثروة الكبرى والغنى العريض، وحسب الكاتب أن يضع رواية واحدة. فيربح ما يكفيه طول حياته، فقد اكتسب مستر بانيلي في رواية واحدة، من نوع (الفودفيل) وهو أحط أنواع الدراما وأسهلها في التأليف نحواً من مائتي ألف جنيه، أما رواية (ملك الفضة) التي وضعها سير آرثر جونس وهو من كبار كتاب المسرح في إنجلترة فقد كانت له منجماً من مناجم الذهب. بل إن ممثل رواية (كزمت) أو (القضاء والقدر) والممثلة التي أخذت الدور الأكبر فيها. أضافا إلى حسابيهما في المصرف من وراء تمثيلهما أربعين ألفاً من الجنيهات. على أن السير هنري جيلبرن وهو من الأسماء المتألقة في المسرح الإنجليزي لم ينل أو أمره في الرواية الأولى التي هجم بها على المسرح إلا ثلاثين جنيهاً، ولكنه لم يصادف بعد ذلك مثل هذه الخيبة، لأنه لم ين أن اكتسب من رواياته (الأوبرا) بالإشتراك مع سير آرثر سيلفان نحو من ١٨٠٠٠٠ من الجنيهات في وقت قصير. وكانت رواية (صديقة الله) التي وضعها الكاتب

стр. 1869

القصصي روبرت هيكنز في أول الأمر قصصية، فطلب إليه أن يجعلها تمثيلية. ودفع إليه في سبيل ذلك عشرون ألفاً، على ما ظفر به من المطابع التي طبعت النسخة القصصية: وقد ظل مستر بري يكسب من روايته (الوزير الصغير) أربعمائة جنيه في الأسبوع سنين عدة.

стр. 1870

العدد ٣٢ - بتاريخ: ٢٠ - ٢ - ١٩١٧

стр. 1871

الرئيسان مستر لويد جورج رئيس الوزارة الإنكليزية - دولة الرئيس حسين رشدي باشا رئيس الوزارة المصرية ليس هناك أشد أثراً في نفوس الناس من قراءتهم سير العظماء، وليس أروح للأفئدة من معرفة أسرار النبوغ، وأخلاق العبقريين، لأن كل إنسان، مهماأسف إلى الحضيض الأوهد، ومهما بلغ من الضعف ووناء الهمة، يريد أن يكون بين الناس عظيماً، ويود لو ارتفع إلى مصاف العظماء، فهو أبداً يسأل نفسه لماذا لم يترك له مقعد من مقاعد الإمارة والسلطان ولماذا يظفر غيره بمقاعد الوزارات ومنصات الحكم، وهو أبداً يأبى أن لا يعرف الأسرار الخفية التي هوت به إلى مهاوي الضعة والخمول، وعلت بغيره إلى سماء المجد والعلاء. ولهذا كان الكلام عن العظماء بليغ الوقع من نفس الإنسان لأن صفات العظماء هي نماذج للناس، وكل رجل يريد أن يجد له نموذجاً جميلاً يحاول أن يحتذي حذوه، ويكمل منه ما يراه من نفسه ناقصاً مبتوراً ونحن لذلك نرسم للناس هنا صورتين من صور العظماء، ونشرح لهم أسرار شخصيتين من كبار شخصيات العالم اليوم، ونقارن بين رجل يدير دفة دولة من أكبر دول الأرض، ورجل يرأس حكومة على صغرها لا تزال في أعظم خطب من خطوب التاريخ، رجل في أمة كبرى تريد أن تطفئ لهيب الحرب، ورجل يريد أن يبتعد بأمته الصغيرة عن منال الرحى الطاحنة، رجل عظيم في إنجلترة العظيمة، ورجل خطير في مصر الخطيرة، مصر المملكة الصغيرة في نفسها، الكبيرة في أهميتها، مصر - هذا اللولب الذي يحرك عجلة الحرب، والزنبلك الذي يجري لعبةالسياسة. إن كل رجل في الحياة العمومية شخصيتين، شخصيته الأصلية، والشخصية التي يراها له إعجاب الأصدقاء والمحبين والأشياع والمنافسين، وكذلك شأن مستر لويد جورج، ودولة الرئيس حسين رشدي باشا، فهما لا يزالان عظيمتين في نفسيهما، عظيمين في نفوس الناس، ولعل ذلك يرجع من جهة إلى أنهما قد وئبا الطليعة في أشد مشاكل الحياة العمومية، وفي أعصب الأزمان، وإلى مزاجهما الطبيعي من جهة أخرى ولا نظن أن هناك رجلين يحملان في السياسة قلباً أنصع من قلبيهما، لأنهما في أحرج مواقف السياسة أشد السياسيين إخلاصاً، وأبعدهم عن الإحساس الشخصي، أو الغرض الذاتي، بل إنهما ليعدان الإحسان

стр. 1872

الشخصي شر العوامل الرجعية في السياسة، حتى لقد قال مستر لويد جورج يوماً إذا أنا وجدت الإحساس الشخصي يريد أن ينازع ضميري حطمت هذا الإحساس تحت قدمي تحطيماً. ومستر لويد جورج يميل إلى الحدة في التعبير، والحمية في الأسلوب، وإنك لواجده في حجرته من دار مجلس العموم يحسو الشاي مع البرلمانيين، وهو في أشد لهجات الحديث، وأحر أساليب القول، ولعل المصريين كذلك يتبينون من تصريحات دولة الرئيس رشدي باشا حرارة في الأسلوب، وغرابة في اللهجة والتعبير، لأن رشدي باشا يضع جميع أعصابه في كل كلمة يقولها، وكل كلمة يكتبها، وإنك لتقرأ تصريحاته الخطيرة فكأنك تقرأ صفحة روحه ظاهرة للعين بينة، لأنه لا يستطيع أن يمنع الفيض الجياش المندفع من فؤاده، أو أن يمسك عليه إخلاصه المنحدر، وأنت تعلم أن الرجل المخلص هو دائماً رجل حاد المزاج، حار اللهجة لأن من أكبر أكبر أعراض الإخلاص الحرارة والتأثر، أما الرياء والكذب والخداع فتخفي نفسها دائماً وراء الهدوء والبرود والصمت والسكون. ومستر لويد جورج رجل صريح، وأكبر أعدائه المواربة والنفاق، وهو أجرأ الناس على قول جميع ما يجول في نفسه، وهذه المزية المحمودة هي من أكبر صفات الرئيس رشدي باشا فهو لا يمتنع عن إبداء رأيه الصريح الخالص في أخشن مواطن السياسة وأعظم المسائل المتعلقة بشؤون الحكومة لأنه يؤثر أن يفقد الدنيا بأسرها على أن يفقد قطعة صغيرة من ضميره، ويرى أن المنصب على خطورته لا يتطلب أن يخسر صاحبه وجدانه من أجله، وهو يعلم أن الحياة - وإن ارتفع الإنسان إلى مقاعد الملوك - لا تستحق أن يعيش الرجل يوماً واحداً وضميره محبوس في أدراج مكتبه مع الخاتم الذي يوقع به على أوراق الحكومة ومكاتباتها. هذا والرئيسان يميلان إلى التواضع، فقد روى مستر أوكونور العضو البرلماني المشهور عن مستر لويد جورج ما يأتي: هو لا يحب المجتمعات بل يأخذه منها الملل، وتعتريه السآمة، وإذا أراد يوماً أن يتمتع بمساء جميل، جمع إليه أصدقاءه، وصرف أكثر الليل مصغياً أكثر منه محدثاً، وهو يجنح إلى البعد عن أنظار الناس والاختفاء عن عيون الجماهير، وقد شهدته يوماً في أشد الاضطراب إذ رأى جمعاً من الناس ينظرون إليه

стр. 1873

بشغف عند خروجه من إحدى المآدب، وقد سمعته مرة وقد ألفى نفسه في مطعم صغير بباريس، بنجوة من مرأى الناس ومسمعهم، يبدي دلائل الراحة والرضى أن أصبح بعيداً عن أبصار الجماهير وتحديقاتهم، - وهذه الصفات تنطبق كل الانطباق على الرئيس رشدي، فهو رجل متواضع جناح إلى العزلة، متباعد عن الكلفة والأبهة، وكثيراً ما شوهد يمشي على قدميه، غير محتفل بالمظاهر الرسمية، ولا مكترث بأبهة الرآسة، لأنه يعلم أن تلك الأبهة المصطنعة، والكبرياء المتعمل، والنفخة الجوفاء التي يعمد إليها كثير من الحكام وأهل السلطة ليست إلا دليلاً بيناً على نضوب قلوبهم من نبعة العظمة الحقيقية، لأن العظمة الصادقة ليست في المظهر، ولكنها في الصميم، والعظمة تعلن عن نفسها ولو كانت في الأطمار والأثواب البالية، ولو رأيت نابليون يوماً في ملابس الخادم الذي يشتغل في بيتك لظل يروعك ويكرهك على الوقوف أمامه خاشعاً متهيباً، كما لو رأيته في لباس الإمبراطورية، ولقد كان ابن الخطاب في ردائه وثوبه الشطرنجي أشد روعة وجلالاً مما لو جئت إليه بأفخر بدلة من ديفس براين نعم لأن العظمة تطل عليك من عينيه، وتهجم عليك من وجهه، وتصدمك من كلامه ومشيته، ومن النور المنبعث من كل ناحية من النواحي. وجملة القول، إذا كان مستر اوكونور عضو البرلمان قد قال عن لويد جورج إنه إذا لم يستطيع هذا الرجل أن ينتصر لإنجلتره وينجح الإنكليز فلن يوجد رجل بعده يستطيع ذلك إلى الأبد، فما أجدرنا أن نقول نحن أيضاً أنه لا يوجد غير الرئيس رشدي باشا، يستطيع أن يسمو في تاريخ العالم الحديث بمكانة مصر والمصريين!!

стр. 1874

جنون الأنانية الايجومانيا وسر خيبة المصابين به في الحياة مجنون الأنانية شديد المبالغة في قدر قيمة نفسه ومبلغ أهمية أعماله مهما صغرت وذلك لأنه لا يشغله شيء غير نفسه والعالم أجمع ليس له في قلبه إلا أضيق مجال بل ربما لم يكن له ثمت مجال قط. فلا غر وأن يظل وهو لا يدرك ما هنالك من الصلات والعلائق بينه وبين سائر الناس والوجود ولا يحسن فهم الوظيفة التي يجب أن يؤديها في مجموعة النظامات الاجتماعية. وقد يخشى أن يخلط القارئ بين جنون الأنانية وجنون العظمة ولكن بين الاثنين فرقاً مميزاً، أجل لا خلاف في أن جنون العظمة ناشئ عن اختلال في الأجهزة الحيوية مؤد إلى دوام اشتغال الإنسان بنفسه فترى أن ما يصاب به صاحب هذا الداء من التهيج الكيماوي البيولوجي في الأجهزة الحيوية هو الذي يحدث تلك التخيلات الفاحشة التي تجعل المرء يتصور أنه ملك أو أمير أو قائد أو نبي أو بطريق. فجنون العظمة مشابه لجنون الأنانية من حيث أن المصاب يكون في كلتا الحالتين مشغولاً بذاته. ولكن الجنونين مختلفان في النقطة الآتية وهي أنه لما كان جنون العظمة يستثير في ذهن المريض تلك الصور اللذيذة التي توهمه أن له في المجتمع مركزاً عظيماً ومنزلة جليلة فذلك يستلزم أن المريض مع شتغاله بنفسه لا بد أن يشتغل كذلك بالمجتمع الذي (حسب تخلياته) قد أصبح أميره أو وزيره أو قائده أو نبيه. أما جنون الأنانية فعلى العكس من ذلك يعزل المصاب عن الجماعة ويحجبه داخل ذاته احتجاب القنفذ في شوكه والسلحفاة في قشرها. ففي جنون العظمة ترى المصاب يحسب حساب المجتمع ويعرف مقداره ويعترف بأهميته مخطورته ويعلق أهمية عظيمة على خضوع ذلك المجتمع له (أي لذلك المريض) واحترامهم له وإجلالهم إياه. أما في جنون الأنانية فلا يرى المصاب ضرورة إحرازه مركزاً اجتماعياً عظيماً (موهوماً بالطبع) ولا يريد إجلال الناس له وإكبارهم إياه ليبرروا له شدة عنايته بنفسه وتفانيه في حب ذاته بل هو لا يرى المجتمع البتة. والناس في نظره غير موجودين. والكون بحذافيره لا يتراآى له إلا كشبح مبهم أو ضبابة رقيقة. كلا بل لا يخطر بباله أنه فرد من الجماعة أو أنه مخلوق أسمى درجة من سائر المخلوقات وإنه لهذا السبب محمود أو محسود. والذي يراه هو أنه منفرد في الدنيا بل هو نفسه الدنيا.

стр. 1875

وكل ما عداه من الناس والحيوانات والأشياء إنما هي وسائط وأسباب (موصلة إليه) عديمة الأهمية لا تستحق الذكر. وكلما كانت الأجهزة الحيوية - الأعصاب الموصلة والمراكز العصبية لأعضاء التغذية والحس والإرادة - كلما كانت هذه الأجهزة أقل اعتدالاً كان جنون الأنانية أقل شدة وكان الضرر الناشئ عنه أقل مقداراً. فأدنى مظاهر هذا الجنون وأخفها أذى هو ما يشاهد أحياناً في المصاب به من شدة الإفتخار بحرفته أو صناعته. فإذا كان مصوراً لم يشك في أن عماد الدنيا ومقدار نظام الكون هو الصور ولاسيما صوره هو. وإذا كان كاتباً أو شاعراً اعتقد أن الدنيا لا تعني إلا بالشعر والكتابة. ولا يعترض معترض بأن هذا العيب ليس خصيصاً بجنون الأنانية بل هو عيب شامل لا يكاد يسلم منه إنسان إذ الحقيقة أن هنالك فرقاً عظيماً بين الإنسان العادي وبين مجنون الأنانية في هذه النقطة. فالإنسان العادي مع عرفانه بأهمية عمله يعرف أيضاً منزلة هذا العمل بالنسبة لغيره مما هو أعلى درجة وأعظم خطورة. ولكن مجنون الأنانية لا يخطر بباله قط أن أي عمل يقوم به يمكن أن يكون قليل الأهمية في نظر الناس. فالإسكاف الصحيح العقل الذي يقضي عمره في ترقيع النعال القديمة بيناً تراه يبذل منتهى جهده الجسماني والعقلي في مزاولة عمله تراه مع ذلك يقر ويعترف بأن هنالك أعمالاً أعظم قيمة بكثير وأجل فائدة ولذة للمجتمع من ترقيع نعل قديم. ولكن مجنون الأنانية على عكس ذلك، يعتقد - إذا كان كاتباً مثلاً - أن الدنيا لم تخلق إلا لتتعان على إخراج كتاب بديع. فإذا اشتد اعتلال الأجهزة اشتد الجنون الأناني حتى لا يقتصر في الكتاب على مجرد التناهي في تفضيل صناعته على سائر أعمال الحياة بل يتجاوز هذا الطور البريء إلى طور الإجرام الأدبي الذي ربما بلغ درجة الجنون الأدبي. ففي هذا الطور تتولد في المصاب الرغبة في ارتكاب الأعمال الضارة به وبغيره. وقد يعترض معترض بأن هذا يحدث أيضاً للصحيح العقل ولكن الصحيح العقل عنده من قوة الإرادة ما يدفع به الميل إلى الإجرام. أما المجنون الأناني فإنه أضعف إرادة من أن يرد نزعاته وشهواته فهو لا يستطيع أن يضبط أفكاره وأعماله بواجب مراعاة مصلحة المجتمع وذلك لأن المجتمع معدوم الوجود في نظره. فهو منعزل عديم الإدراك للنواميس الأدبية المسنونة للحياة في

стр. 1876

المجتمع لا للفرد المنعزل. فحالة هذا الإنسان أشبه شيء بحالة روبنسون كروسو (المزعوم في القصص أنه عاش حقبة من الدهر منفرداً في جزيرة أفضى إليها مفرده عقبة عاصفة أودت بكل من كان معه من ركاب سفينة كانت تسير في المحيط الهادئ الجنوبي) إذ يعيش وحده في جزيرته. فلا شك في أن روبنسون هذا كان لا وجود قانون العقوبات في نظره فهو لا يعمل غير الطبيعة ومهما صنع من قتل حيوان أو سرقة بيض طائر أو عشه فعمله هذا لا يعد من الوجهة القانونية قتلاً أو سرقة. فالمجنون الأناني هو روبنسون كروسو يعيش تخيلاً وتوهماً في جزيرة منفرداً وهو مع ذلك عاجز عن ضبط نفسه فهو لا يرى الناموس الأدبي العام وكل ما يحتمل أن يراه ويعترف به - ولعله يأسف على حدوثه - هو خرقه القانون الأدبي بالنسبة لنفسه - أعني عجزه عن قمع نزاعاته فيما يعود بالضرر على ذاته خاصة. وهناك حالات من المرض يكون الجنون الأناني فيها مقروناً بفسائد الحواس والغرائز، إذ لإخفاء أن الحواس والغرائز إذا فسدت أدت أعمالها على عكس قوانينها المعهودة وفي عكس مناهجها القويمة. ففي حالة فساد الذوق ترى المصاب يشره إلى إلتهام الأشياء التي ينفر منها السليم الذوق بمنتهى الإشمئزاز والكراهية أعني الأشياء المعترف بأذاها والتي تنبذ من أجل ذلك - كالمواد العضوية العفنة والروث والسرجيم والبصاق والمخاط وهلم جرا. وفي حالة فساد الشم ترى المصاب يفضل روائح العفونة على نفحات الريحان والأزاهير. وفي حالة فساد الشهوة للنساء ترى المصاب يشتهي الأمر المنافي للفطرة والحكمة أعني المنافي لإبقاء المثل. وفي حالة فساد الشعور الأدبي ترى المصاب يألف ويلتذ الأعمال التي تملأ الرجل الصحيح اشمئزازاً وكرهاً. نقول فإذا كان الجنون الأناني مقروناً بهذا الفساد من الحواس والغرائز فإن المصاب لا يقتصر أمره على مجرد قلة الشعور بالخير والشر وعدم التمييز بينهما بل يتعدى ذلك إلى ما هو أخبث وأرذل أعني الميل المتعمد إلى الشر بإعظام شأنه في الغير وإتيانه إياه بذاته كلما استطاع إليه سبيلاً ثم يجد فيه من الحسن والجمال ما يجد الرجل الصحيح في الخير. والجنون الأناني - مقروناً بفسائد الغرائز أو غير مقرون - تختلف مظاهره بإختلاف البيئة والدرجة الإجتماعية المنسوب إليها المصاب، وكذلك بإختلاف مشاربه الخاصة وخصاله

стр. 1877

الممين فإذا كان في الرعاع والطغام فلن تراه إلا أمرأ ساقطاً مخالطاً غير شريفة أو تراه مجرماً عادة وصناعة. أما إذا كان موسراً متعلماً أو كان ذا منصب عظيم فإنه يرتكب في هذه الحالة جرائم الطبقات العالية فيكون دون جوان الملاهي والمراقص وحجرات السمر والمؤانثة وتبيع الغواني وزير النساء. يرفع لواء الفجور أنى نزل ويحمل الخزي والعار إلى بيوت صفوة أخدانه. ونخبة من صحابه وخلانه. أو أن يكون صياد الوارثات من النساء وقناص الأرامل الموسرات. وخواناً حيثما أؤتمن. وهمازاً مشاء بنميم، مناعاً للخير معتدياً أثيماً. وزراعاً للفتن بثاثاً للمكايد وأفاً كالكذابا. وغذا كان من أرباب العروش فربما استفحل فيه الداء حتى يصير سبعاً ضارياً ووحشاً مفترساً وقائداً غازياً فاتحاً مدوخاً لشعوب الأرض وممالكها. فإن كان محدود السلطة كان من قبيل شارل الخبيث والكونت دي فريه وملك نافر وجيل دي ريه وقيصر بورجيا. وإذا كان مطلق السلطة كان مثل نابليون بونابرت. هذا وإذا كان جهازه العصبي أضعف من أن يولد عنده البواعث المغرية بمحاولة ضخم الأعمال والمساعي أو كانت عضلاته أوهن من أن تستطيع تنفيذ ما توحي به تلك البواعث فإن هذه الأميال الجنائية تبقى غير مقضية. وتبقى هذه المطامع الإجرامية غير مكفية. وتلك الغلة المتأججة غير مشفية ولا مروية. وإذ كان لا بد لها من منفذ ومخرج فإنها تجعل مخرجها من طريق التصور والخيال. في هذه الحالة يكون المجنون الأناني مجرماً نظرياً أو أفلاطونياً ليس إلا. فإن كان من حملة الأقلام شرع في وضع النظريات الهادمة للنواميس الأدبية والقوانين الإجتماعية مما ينطبق على فساد عقله وغرائزه ويلائم جنونه الأناني. أو أخذ يقرظ فاسد النظريات بأبدع القول وأخلبه، يزين زور الكلام بآنق حلى البلاغة وأبدع زخارف البيان. فأمثال هؤلاء الكتاب هم في الحقيقة مجرمون ولكن الفرق بينهم وبين سكان السجون هو أنهم لم يأثروا في قوة الإرادة ومضاء العزيمة ولا يستطيعون به الذهاب إلى السجن على أجنحة الجرائم الفعلية. بل كل ما يستطيعون تزويق اللفظ وتنميق العبارة. وهنالك خاصة يستوي فيها جميع المجانين الأنانيين وتلك هي عجزهم عن التوفيق بين أنفسهم وبين الظروف التي يعيشون فيها سواء أكانوا ممن يظهرون عداواتهم للنواميس الإجتماعية في صورة فكرية أو فعلية - بالكتابة أو بالإجرام فهذا العجز عن الملائمة بين

стр. 1878

النفس والظروف المحيطة بها هو من أوضح خواص مجنون الأنانية، وهو لهم مصدر عذاب دائم مآله الخراب التام في النهاية. بيد أن هذه الخاصة هي نتيجة لزومية لبنية جهازه العصبي الأوسط. فإن أول شروط إمكان الملائمة أن يكون الجهاز المذكور من الصحة بحيث يؤدي إلى الذهن صورة صحيحة للحقائق التي يلزم المرء أن يطابق بينها وبين نفسه (أي أن يسير على سننها ومناهجها) مثال ذلك أنك أيها القارئ لا تستطيع تجنب الحفر التي في الطريق إلا إذا كنت تبصرها. وإنك لا تستطيع أن تتقي اللطمة الواقعة عليك إلا إذا كنت تبصر مصدرها ومأتاها. ولا يمكنك أن تولج النصاح في خرت الإبرة إلا إذا كنت تتبين خرتها بطرف جلى وتحمل نصاحها بكف ثابتة غير رعشة. والحقيقة إن ما نسميه سلطاناً على الطبيعة إنما هو خضوعنا للطبيعة. وإن من خطأ التعبير أن ننسب الخضوع للقوى الطبيعية إذ الحقيقة هي أننا نحن الذين نلاحظ تلك القوى ونعرف خواصها ثم نوقع الملائمة بين صفات القوى المذكورة وبين رغباتنا وأغراضنا. فنحن مثلاً نعرف أن الكهرباء تسري في الأسلاك النحاسية فترانا نحتال بدهائنا فنضع تلك الأسلاك في المكان الذي نريد وصول الكهرباء إليه حيث نلتمس نفعها وفائدتها. أفليس ذلك خضوعاً منا لخواص الكهرباء وطباعها. فبلا خبرة بأحوال الطبيعة لا تتأتى الملائمة وبدون الملائمة لا يمكن الانتفاع بقواها وفضائلها وبعد فمجنون الأنانية لا يستطيع التوفيق بين الظروف المحيطة وبين نفسه لعدم استبانته حقيقة تلك الظروف أما عدم استبانته لحقيقة تلك الظروف فلأنه مريض الأعصاب الموصلة، بليد المراكز الإدراكية ضعيف ملكة التأمل. والسبب الباعث على الملائمة وعلى كل مجهود يبذله الإنسان - والملائمة كما يعلم القارئ ليس سوى نوع من المجهود - هو الرغبة في قضاء حاجة حيوية أو الفرار من ألم ما. أو بعبارة أخرى القصد من الملائمة هو اكتساب الوجدانات اللاذة ودفع الأليمة. وعليه فالمريض العاجز عن إحداث الملائمة أضعف كثيراً عن اجتلاب إحساسات اللذة ودفع إحساسات الألم من السليم القادر على إحداث الملائمة. فلا غرو أن ترى هذا المريض (مجنون الأنانية) لا يزال يصطدم بالعقبات والعثرات لأنه لا يعرف كيف يتجنبها. ولا غرو أن تراه تتقطع نفسه حسرة على التفاحة اليانعة لأنه لا يدري كيف يتوصل الفرع الذي منه تتدلى. فمثل ذلك الإنسان خليق أن يشقى بالحياة وبالناس وإن يكون كثير التسخط

стр. 1879

سريع الغضب سيء الخلق حانقاً على الكون والطبيعة ناقماً على المجتمع ونظاماته مغتاظاً منهما متأذياً بهما لعدم قدرته على التأليف بينهما وبين نفسه. فهو في ثوران مستمر على جميع النظامات والكائنات يحاول هدمها أو على الأقل يتمنى هدمها ويحلم به. ولكن هذه الانقلابات التي يتشوف إليها ويحرص عليها بل التي ربما أفلح في إحداثها بالفعل هي انقلابات عقيمة مجدبة من الثمرة من حيث الرقي والتقدم. فهو باعتباره مصلحاً أشبه شيء بالطوفان أو الإعصار باعتبارهما أداتين من أدوات الكنس. إذ الطوفان والإعصار لا ينكسان الطريق ولكن ينسفانه. فكذلك هذا التأثر على النظامات الاجتماعية لا ينظف المجتمع من آفاته وينقيه من عاهاته ولكنه يهد ويهدم بطريقة عمياء هوجاء مجنونة. وهذا هو الفرق بينه وبين المصلح الحكيم الخبير الذي شأنه الإصلاح يقود الإنسانية المتألمة المتقهقرة حينما يرسله القدر إليها من الظلمات إلى النور بسبل خفية صعبة وعرة. نعم إن المصلح الحكيم قد ينسف بمنتهى العنف والقسوة تلك الرسوم القديمة البالية الخربة التي قد أصبحت عقبات في سبيل التقدم - ينسفها ليقيم النظامات النافعة على أطلالها. أما المجنون الأناني فإنه يطعن على كل ما يراه سواء أكان نافعاً أم غير نافع. ثم إذا هدم وخرب لم يفكر في تنظيف الأرض من أنقاض ما هدم. بل كل لذته في أن يرى كثبان الأنقاض تعلوها الأعشاب الفاسدة نابتة حيث كانت الجدران والسقوف التي هدمها. إن هناك لبوناً شاسعاً بين المصلح العاقل وبين الثائر المصاب بجنون الأنانية. وذلك أن الأول يكون ذا غايات ومقاصد وليس للثاني غايات ولا مقاصد. إذ الثاني أقصر نظراً من ذلك وهو لا يفكر قط فيما يجب أن يكون عوضاً من الأشياء متى يريد إزالتها ومحوها. بل كل ما يعرف هو أنه يكره جميع الأشياء على الإطلاق ويريد إرسال صواعق غيظه على كل ما يراه حوله. ومن ثم ترى أن مثل هذا المتهوس ربما حول تيار غضبه إلى شرور خيالية وأضرار وهمية. وربما رمى إلى غرض حقير ومقصد تافه بل لا يبعد أن يشن غارته على النواميس النافعة الحكيمة فتراه تارة يوجه الطعن إلى مسألة رفع القلنسوة بالتحية فيعتصب مع أعضاء حزبه ضد ذلك وتارة يوجه نقمته إلى مسألة التطعيم الجداري الإجباري. وطوراً إلى مشروع إحصاء عدد الأهالي. وأعجب الأشياء أن مجنون الأنانية في قيامه ضد هذه المسائل يظهر من الاهتمام والتحمس ويلقي من الخطب وينشر من

стр. 1880

المقالات أمثال ما يصدر عن أرباب الانقلابات العظيمة الذين يحاولون إبطال تجارة الرقيق أو يطالبون بتحرير الأفكار وحربة النشر - ماكس نوردو.

стр. 1881

صور هزلية من أخلاق الناس يأبى العالم كله إلا أن يكون مضحكاً، لأن الحياة نفسها هي أضحوكة الأضاحيك، والناس لا يستطيعون أن يكونوا كاملين، لأن الحياة تأبى إلا أن تكون شوهاء ناقصة، بل إن الرزالة والوقار والكمال لتبدو جميعاً أزاء سخافة الدنيا أبدع أنواع المجون، وأغرب ضروب الرياء، وأنت لا تستطيع أن تجد رجلاً واحداً في هذا الأوقيانوس المزدحم، رزين الروح من كل نواحيه، خالياً من الشائنة، بعيداً عن المعابة، وقد تقع يوماً على رجل يبعثك منظره على احترامه، ويريدك خلقه على إجلاله، ولا ترى فيه إلا صورة رائعة من تلك الصور الخلقية بالنسخ والرسم تلك الصور الجميلة التي حاولت الأديان والشرائع والفلاسفة والخياليون والشعراء والمفكرون أن توجد لها مطبعة من مطابع البالوظة لكي يطبع الناس جميعاً أنفسهم عليها، فتظن أنت إذ ذاك أن هذا الرجل الجليل مادة واسعة للكلام عن الفضيلة وخطوة طيبة في سبيل قتل الحيوان الذي يطل دائماً من أثواب الإنسان، ووسيلة ممكنة لتقليد الملائكة، وتظنه جميلاً من كل ناحية التمست رؤيته منها، ووقوراً رزيناً من كل عاطفة أردت الإشراف عليه من صوبها، ولكنك لو رأيت أشعة خلقية على نحو الأشعة الرنتجنية، واستطعت بها أن تبصر كل أجزاء روحه ودخيلة نفسه، إذن لما لبثت أن تهتدي إلى ركن مضحك غريب منه، ولألفيته بعدها مفارقة عجيبة لا يسعك إلا أن تقهقه ضاحكاً منها، ولأدهشك هذا الضعف الإنساني الذي شاءت الطبيعة أن يظل إلى الأبد أكبر فضيلة الإنسان وأكبر عيوبه، ولعلمت أن الرجل العظيم أشبه بتمثال ضخم من الحديد يقوم على ساقين من الطين أو الفخار. وكذلك ترى أن العظيم لا يزال مضحكاً، والحقير مادة الضحك كلها، وإن الحياة ليست إلا نكتة من نكت الطبيعة ولكنها تعد نكتة قاسية تبكي أكثر مما تضحك، ثم يجيء الموت فيختم هذه الطقطوقة الهزلية، وتكون الطبيعة قد شبعت عند ذلك من الضحك من الإنسان والهزؤ به. وأغرب شؤون الطبيعة أنها قد تجعل إنساناً نهاية في الجد وآخر ما يمكن أن يتصور من الرجل الصالح الرزين العاقل التقي الورع، ولكنها تأبى إلا أن تضع له زراً خفياً في خلقه،

стр. 1882

إذا حركته تغير المنظر، وتوارى هذا الستار، وجد ستار آخر على فصل من أغرب فصول الفودفيل الخليع، وأنت قد تلقى رجلاً يحب الصلاة، ولكنه يميل بطبيعته على السكر، وهذه مناقضة لا تغيب عن ذهن الطبيعة، ولكنها تريد أن تلعب بالناس وحسبه، ولهذا ترى حيرة الرجل بين هذين الميلين مجونية مضحكة، إذ تجده يسقط فوق ركبتيه ركوعاً لله، في ميقات من مواقيت الصلاة، ويسقط مترتحاً ساجداً للكأس في موعد من مواعيد الشراب، ثم لا تنسى أن الصلاة هي محاولة التقرب من الله، وإن الشراب أيضاً هو محاولة إخماد الحس، أي أنه محاولة الإقتراب من الموت، والموت هو من نفسه اقتراب من الله. الحياة أضحوكة أيها الناس، وأبدعكم من كان أشد إضحاكاً من الجميع، والهازئ بالحياة أصلح لها من المقطب لها الجاد في الحرص عليها، والإبتسامات ألطف من العبرات، وخير للإنسان أن يكون مضحكاً من أن يكون كايوسا وأن يكون مفرقعاً من أن يكون سائلاً لأن الضحك ليس إلا فرقعة من مفرقعات العواطف، وهو انفجار أشبه بانفجار النيازك في الأعياد، لأنه انفجار كثير الألوان، زاهي الأصباغ، أما الدموع فهي العواطف ذائبة، والأحزان سائلة، فإذا جاشت بنفسك دمعة وأرادت أن تهجم على عينيك، فلا تدعها تسيل وتنحدر، لأنها ماء الروح، وخير لروحك أن تظل بمائها، حتى لا تجف وتنصب، ولكن عليك أن تحيل هذا البكاء ضحكاً هستيرياً متشنجاً، حتى تدع الذي يراك يبتسم لك ويكون صدى ضحكتك، إذ ينبغي أن تحاول جهدك أن لا تظهر أمام الناس حزيناً، لأن حزنك ثقيل الظل على الناس، مكروه المظهر في المجلس والرجل الحزين لا يلتفت إليه إلا من قبيل التهكم به وبحزنه معاً، لأنه يريد أن يقطع مادة الضحك من قلوب الحاضرين. أيها الناس، إن الحياة سخيفة، ودمعة واحدة تطفر من عين إنسان يجب أن تقدر بالعالم كله، فدعوا البكاء جانباً لأن الدموع غالية، وما أرخص ثمن الضحكات، كل عشر ضحكات بقرش، أيها الناس، فاضحكوا ملء أفواهكم. نعم. لنضحك، ولنجتهد في أن نضحك كثيراً من بعضنا، وأنا موافيكم بعد اليوم بصوركم المضحكة، وبادئ صورتي الهزلية قبل كل صورة فإلى الملتقى. ع. ح

стр. 1883

مذكرات شبلي شميل ومن المقالات التي لي ونشرت في جريدة مصر الفتاة مقالة نقدت فيها قانون المطبوعات وهو القانون المعمول به اليوم والذي وضعت مواده حوال سنة ١٨٨٠ ولكن لم يعمل به في ذلك الحين، ومضمونها أن الآلات التي يخترعها الإنسان ليست إلا أعضاء متممة لأعضائه الطبيعية فلا يجوز أن يسن لها قانون غير القانون المسنون لنفس هذه الأعضاء وهو القانون العام. فإذا كنا نستطيع أن نسعى بأرجلنا إلى الشر وأن نعمله بأيدينا فهل تقيد أرجلنا وأيدينا بالقيود قبل العمل. فالذي يطلق على الأعضاء الطبيعية يجب أن يشمل الأعضاء الإضافية والطباعة من هذه الأعضاء فيجب أن تترك لها الحرية كما تترك لليدين والرجلين حتى إذا جنت أخذت بجنايتها. وكأنه بلغني أن واضع بنود هذا القانون رجل فرنسوي طريد الحرية في بلاده أو طريد أكثر منها يدعى بورلي هذه المنشورة في مصر الفتاة وقد أرسلت إليه نسخة منها. ثم ختمت كتابي بقولي: ـ إني لأعجب كيف أن رجلاً نظيرك طريد الحرية يقبل أن يضع بنود مثل هذا القانون. ولكن يظهر أن لسماء مصر تأثيراً خاصاً على العقول. ولم أزد على ذلك. والظاهر أن صاحبنا وهو في أبان نفةذه في قلم قضايا الحكومة في ذلك الحين يوم مسألة مقاطف جبل الزيت وظهور العملة (المزيفة التي أثري بها ناس تحني لهم الرؤوس اليوم وترفع لهم القبعات) لم يألف عندنا مثل ذلك فكبر عليه أن يخاطب بمثل هذه اللهجة من رجل مجهول وهو في هذا المقام من النفوذ فهاج وماج وتوعد وأخذ يسأل من أكون أنا كما بلغني بعد حين من الموظفين في مصلحته وبعضهم وهو نجيب عنحورى لا يزال حياً يسعى حتى اليوم. والظاهر أنه حاسب نفسه بعد ذلك فعرفأن الحق أغلب وأن صاحب هذا القول لا يخشى تهويلاً فصمت وانفض هذا الإشكال ولكن من دون رد على خطابي كما كان يفعل أكابر القوم في بلاده وكأنه جرى في ذلك مجرى أكابرنا في بلادنا لأن كل شيء يعدي والقبيح عدواه أسرع من عدوى الحسن. ومذكراتي هذه خدمتني كثيراً في مجلة الشفاء بعد ذلك وقد فقدت مني اليوم ولم يبق في ذاكرتي منها إلا أهم حوادثها ولم أحفظ من أسماء الأطباء إلا الذين لازمتهم كثيراً ووقعت لي معهم حوادث تحفظ ولاسيما أن ذاكرتي في الأسماء والتاريخ في غاية الضعف ولكنها

стр. 1884

قوية جداً في الحوادث نفسها وذلك يدل على ما بي في كل أموري من الميل الخاص المنطبع في من أصل فطرتي من النظر إلى الجوهر والإعراض عن الأعراض. وقد رافقني هذا الضعف في كل أعمالي العملية والدنيوية حتى كنت أشعر به عندما كنت أريد أن أبسط مسألة جوهرية علمية أو أدبية تلزمني فيها المصاحبات المحسنة والمؤيدة مما هو ضروري في كل كتابة. وكان شره الأكبر علي في أشغالي المالية ذهبت كلها طعمة سائغة لقلة تدبيري وعد احتياطي وكثرة تسليمي واعتمادي فيها كثيراً على سواي ولقد كان لهذا الإضطراب في أموري الدنيوية صدى وأي صدى على سائر حياتي العلمية والفكرية بعد ذلك ونزع مني كل لذة كنت أشعر بها وأنا منصب عليها كل الإنصباب بجملتي قبل هذا التاريخ.

стр. 1885

مركز المرأة الإجتماعي (٤) إن الأمة المصرية على الرغم من رسوخ قدمها في المدينة وعلو كعبها في الحضارة لا تزال متمسكة ببعض العادات القديمة التي أورثتها إياها القرون الغابرة. وهذه العادات غير ملتئمة مع بعضها لاختلاف المصادر التي استقيناها منها وغير منسجمة مع المدينة الحديثة لاندثار الظروف الإقتصادية والبيآت الإجتماعية التي ولدتها وقيام ظروف وبيآت أخرى. فلا نزال إلى الآن نقابل البنت ساعة ميلادها بانقباض وكسوف بال ونعتبر المرأة التي لم ترزق بذكر عاقراً وإن كان لها من البنات عشر. وكلما كثر عدد بناتها خجلت من نفسها وعيرتها أترابها بذلك ويرثي الناس لحال زوجها كأنه أصيب بداهية دهماء. ولهذا الشعور أصل تاريخي وذلك أن القبائل المتوحشة التي تعيش على النهب والصيد لا تكسب قوتها إلا بشق الأنفس ولا تحصل منه إلا على القدر الضروري ولا يفيض عن قوت يومها شيء وإن فاض فنزر ضئيل. والمرأة لضعفها ورقة تركيبها عاجزة عن معاونة الرجل في أعمال الصد والقتال. فهي بطبيعة الحال عالة تعيش من كسب غيرها. وبقدر عدد النساء تقل أقوات القبيلة ويشتد الضيق على أفرادها. فلا عجب إذا رغب المتوحشون عن المرأة وكرهوا وجودها وعملوا جهدهم على تقليل النساء بوأدهن. أما الآن فلا مبرر لهذا الشعور حيث انفتحت أمامنا سبل الحياة ونبذنا الصيد والقتال إلا اللهو أو حرب ضرورية واحترفنا بمهمة أخرى كالزراعة والتجارة والصناعة وتوفرت لدينا طيبات الحياة وأصبحت المرأة قادرة على معاونة الرجل في أعماله بل أصبحت خير معين له كلما سمحت لها العادات والظروف بإظهار كفاءتها. ولا تلبث البنت تثمر وتنتزع حتى تشعر بضعة مركزها وتمييز أخيها عنها في الحقوق. إن اختصت معه لا تجد لها منصفاً بل ينقلب عليها أبواها يعنفانها وينصرانه عليها ولو كان ظالماً. يهشان في وجهه ويفرحان بلقياه ويخصانه بلذيذ الطعام وجميل الثياب وهي تنظر إليه عن كثب بحسرة تفتت قلبها من غير أن تجرأ على الشكاية. بل تثور في نفسها وتذرف الدمع غيرة وانكساراً.

стр. 1886

وكلما تقدمت في الحياة ازداد مقامها انحطاطاً واتسعت الفروق التي بينها وبين أخيها انفراجاً حيث يذهب هو إلى المدرسة ليتلقى علوماً تثقف عقله وتهذب نفسه وتزج هي في سجن الحجاب فلا تخرج منه إلا إلى القبر. وإن حاولت الهروب والخروج حيث الهواء الطلق والطبيعة الجميلة تعاد إليه مع الضرب والزجر حتى تنصاع وتألف رجلاها القيد فتلازم بيت أبيها غارقة في غياهب الجهالة لا تدري من أمر الحياة ما لا يزيد عن السليقة والإلهام بالشيء الكثير. تحيا وتموت من غير أن يتعهدها معلم يهذب نفسها ويقوي مداركها. فما أشبهها بالشجرة الشيطاني التي تنبت في الفلاة ولا تجد من يعني بأمرها ويرعاها بالسقي والحرث ويشذب أغصانها ويقوم إعوجاجها فتنمو سقيمة ويأتي ثمرها كالعلقم تعافه النفوس وتتقزز منه الطباع. وإذا ما بلغت البنت سن المراهقة انقطعت عن الأكل مع أبيها وإخوتها خجلاً من نفسها وشعوراً بضعف مركزها ولأنها في الغالب تتولي بدل أمها خدمة أبيها على الطعام. والزوجة في أغلب عائلات الطبقة الوسطى لا تأكل مع زوجها وتقوم بخدمته فتناوله الماء وألوان الطعام وذلك إذا لم يكن عنده خادمة أو بنت كبيرة. ولا تأكل عادةً إلا بعد فراغه. فيا لها من عادة قاسية تكسر أنف المرأة وتذهب بكبريائها وتغرس في قلوب الأبناء احتقار الأمهات والإستخفاف بهن. للكلام بقية الدكتور عبده البرقوقي المحامي

стр. 1887

باب تدبير الصحة اللسان ودلالته على المرض اللسان يدل دلالة صريحة على حالة الجهاز الهضمي وتتغير حالته تغيراً مدهشاً مختلفاً في كثير من الأمراض فمن أحمر رطب نظيف إلى ما يأتي من الأشكال. (١) في النزلة المعدية المزمنة - باهت اللون رخو مغطى بطبقة بيضاء ومحاط بانخفاضات من ضغط الأسنان. (٢) في الإمساك المزمن - مغطى بطبقة سميكة ضاربة إلى الصفرة. (٣) في القلاع (من أمراض الفم) - مغطى بنقط بيضاء. (٤) في الحميات - جاف ومغطى بطبقة. (٥) في القرمزية (حمى طفحية) - في لون الشليك وشكله. (٦) في التيفودية - رطب في الأول وعلى جانبه سلك أبيض بجوار حافتيه الحمراوين وفي الأيام الأخيرة يجف اللسان ويتشقق. (٧) في البول السكري - متسع وذو لون كلون اللحم العجالي. (٨) في الإدمان على الخمر والشلل العام الجنوبي مرتعش بلطف إذا مد. (٩) في التجمد المنتشر (مرض عصبي) وفي الرقص الزنجي - مرتجف بشدة إذا مد. (١٠) في الكربتنزم (ضعف في النمو) اللسان كبير بالنسبة للفم. (١١) في الشلل النصفي - اللسان ملقى في زاوية الفم (١٢) المرض النخامي - إسوداد في اللسان. الأسئلة الطبية وأجوبتها السؤال الأول ما هو الدواء الناجع لمن يوجد في بوله ٠. ٠٢٤٩ من مجموع البول من حمض البوليك وما هو الطعام الواجب استعماله أثناء الغذاء وإذا كان اللحم ممنوعاً فهل يجوز أن يستعاض منه السمك أو بعض الطيور. السؤال الثاني هل لحمض البوليك تأثير على الأعصاب ولاسيما الأقدام، وهل يحدث ورماً في أصابع الأقدام والتهاباً كما يحدث ذلك الزلال للمصاب به؟

стр. 1888

السؤال الثالث ما هي الأعراض الأولية التي يشعر بها المريض أول إصابته بالسل الرئوي ومم ينشأ هذا المرض وما هو العلاج الأولى الذي يلجأ إليه للوقاية منه أو لتخفيف وطأته إلى أن يعرض المريض نفسه على طبيب أخصائي؟ أحمد عبد المحسن عثمان المخزنجي بالسكة الحديد السودانية بعطبره السؤال الرابع شاب يتمشى في السابعة والعشرين يظنه الرائي بديناً صحيحاً بيد أنه يشعر بضعف الأعصاب ورعشة اليدين وفي بعض الأحيان تؤلمه المفاصل وهذا يجعل جثمانه يتدرج في الهزال تدرجاً غير محسوس ويتركه يئن من آلام متقطعة فما رأي حضرة الدكتور في هذا المرض؟ أحمد كامل بمديرية طنطا الأجوبة (١) يقول حضرة السائل أن البول يحوي ٠. ٠٢٤٩ من مجموع البول والمفهوم من كلمة مجموع البول أنه بول ٢٤ ساعة فإذا تقرر ذلك كان المقدار الذي يقول عنه حضرة السائل قليلاً جداً بالنسبة للحالة الطبيعية إذ يجب أن يحوي البول على الأقل من ٠. ٥٥ إلى ٠. ٧٠ جرام فيظهر جلياً أن المقدار المقول عنه إنما هو لمريض بحمض البوليك أو بالنقرس، والأدوية المفيدة التي قر عليها الرأي الطبي هي الأدوية المقوية للهضم والمساعدة للأمعاء خصوصاً الملينات الملحية (لا المسهلات) وعادة يصف الطبيب بعض أملاح البوتاسيوم والليثيوم وكذلك حمض الثيمينيك أما الببرازين الذي اعتاده الكثيرون ففي نظري لا قيمة له. أما الغذاء والعناية به فمهمة جداً فيجب أن يكون خلوا من الأطعمة النيروجينية والأطعمة السكرية العالية والتي تحوي البيورين فمن التي لا تحويه - اللبن. البيض. الزبدة. الجبن. الخبز الأبيض. الأرز. الفواكه. الكرنب. الخس أما البطاطس والفول السمك والفراخ واللحم الضان والعجالي ولحم الخنزير والكبد فتحوي مقادير مختلفة ولكن أخفها السمك فلحم الضان، كذلك يجب الإمتناع عن المشروبات الروحية بتة، ويستعاض عن السكر بالسكارين كما في البول السكري. (٢) يسأل حضرة السائل عما إذا كان لحمض البوليك تأثير على الأعصاب خصوصاً

стр. 1889

الأقدام إلخ. ولعل حضرة السائل يقصد أن يقول تأثير على الأعضاء لأن الأقدام ليست من الأعصاب وفي كلتا الحالتين الجواب نعم له تأثير هام على سائر الأعضاء خصوصاً أصابع الأقدام وفي الغالب تكون أو مظاهره، وكذلك له تأثير على الأعصاب خصوصاً ما يتعلق منها بالنخاع الشوكي. (٣) يصعب جداً أن يعرف المريض بالسل الرئوي حقيقة أمره في المبدأ وعلى كل حال فالمرض قد يبدأ بعنف وسرعة وغضب كما قد يبدأ بلطف وبطء فبعض الحالات يبدأ بسعال وبصاق ربما كانا قليلين إلى درجة لا تدرك وبعضها يبدأ بالنفث الدموي أو بالنزيف الصدري وبعضها يبدأ بالتهاب رئوي يذهب ويترك أرضاً خصبة للسل كما أن البعض ربما بدأ عنده المرض وليس عنده من الأعراض إلا ارتفاع قليل في الحرارة بعد الظهر أو ألم متقطع بين الكتفين أو أسفل الضلوع والبعض لا يشعر بشيء إلا بضيق قليل في التنفس والبعض يهزل ولا يدري لهزاله سبباً والبعض لا يدرك شيئاً مطلقاً. أما المرض فينشأ عن عدوى المريض بباسليوس كوخ ويساعد على ذلك التزاحم وعدم تهوية الأماكن - والجلوس في غرف ملىء بالغازات - وضعف التغذية - والشغل المتعب - والتعرض للرطوبة والبرد - والحمى التيفودية - والمشروبات الروحية - والبول السكري - والضعف الزهري - ومخالطة المصاب به - وتتطاير ذرات بصاق المسلولين متى جفت في الهواء، فإذا كانت هذه هي الأسباب أمكن التفادي منها جهد المستطاع. (٤) يلوح لي أن هذا الشاب عصبي أكثر مما هو مريض لو صح أنه مريض وأن كل ألامه هذه وتصوراته عصبية أكثر مما هي مرضية على أني أنصحه أن يبتعد عن الدخان والمشروبات الروحية والمكيفات الأخرى والعادة المضرة لو كان ممن يقترفونها فإن لم تتحسس حالته فأنا مستعد لأن يستشيرني كتابةً أو بشخصه كلما أراد ومتطوع جهدي لهذه الإستشارة. الدكتور محمد عبد الحي

стр. 1890

تفاريق غرامات الحروب الحرب لعبة غاية الثمن، باهظة القيمة، وأغرب ما يذهب في سبيلها ما يسمونه غرامة الحرب، إذ لا يكفي المنهزم نكبة هزيمته، والنفوس التي ذهبت فدى لفكرة وهمية قامت برأس ملك أو برلماني أو جماعة من السياسيين، والملايين المنثورة التي خرجت من الجيوب لتدخل رصاصاً وقنابل وقذائف في جسوم القطعان الإنسانية المسوقة إلى المجزرة، بل ترى سنن الحرب تطالبه بعد كل ذلك بالغرامة، وشروط الصلح تلزمه المكافأة للغالب، والجائزة للمنتصر، فهو على حد المثل العلمي السائر موت وخراب ديار. ولا أدري ماذا كان يقول أجدادنا الذين شهدوا الملايين العديدة التي ذهبت في حرب القرم أو الحروب النابولونية، إذا هم علموا أن كل ما ضاع في تلك الحرب يكفي إنجلترة في هذه الحرب أسبوعين لا غير، وإن جميع الملايين من الجنيهات التي صرفتها بريطانيا في حربها مع البوير لا تعدو أن تبلغ قيمة فاتورة واحدة من الفواتير التي يعمل حسابها لسبعة أسابيع فقط. ولقد كان من ارتفاع ثمن هذه اللعبة الخطرة في العصر الأخير، إن ارتفع أيضاً ثمن الغرامة التي يدفعها المغلوب في ميدان هذه اللعبة. ولعل القراء يذكرون أن الحرب السبعينية قررت الغرامة على فرنسا، وقد ظن الناس إذ ذاك أن مقدار هذه الغرامة كان قاسياً باهظاً ظالماً، إذ طالبتها بروسيا، بعد تسليم الألزاس واللورين، بغرامة مقدارها خمسة بليونات من الفرنكات فوق البيعة وإن يظل الجنود البروسيون محتلين الأرض الفرنسية حتى يومذاك إن فرنسا لن تستطيع ـن تفيه إلا بعد عشرين عاماً على الأقل. وإنها ستضطر كذلك إلى البقاء تحت قبضة الغالب. ولكن العالم لم يلبث أن أخذته الدهشة الكبرى إ رأى أن فرنسا استطاعت أن تدفع آخر فرنك وتجلي عن أرضها آخر جندي ألماني، في خلال سبعة أعوام. ولكن هذه الغرامة العظيمة، وإن كان حمل زنتها من الذهب يستلزم ثلاثين كتيبة من الجنود، أو ثلاثين طابوراً لا تزال أقل مقداراً مما تنفقه الدول المتحاربة اليوم في إثني عشر يوماً!! على أنه لم تدفع أمة قبلها غرامة مثلها. فإن روسيا لما انتصرت على تركيا منذ أربعين

стр. 1891

سنة، قدرت النفقات التي صرفتها في سبيل هذا الإنتصار مائة وخمسة وأربعين مليوناً من الجنيهات، ولكنها لم تطالب تركيا إلا بغرامة قيمتها ٣٢ مليوناً وهو وإن كان مبلغاً صغيراً كما يظن، يؤلف تسعة أكوام من الأوراق ذات الخمسة جنيهات، وكل كوم منها أطول من برج لندن. أما الغرامة التي دفعتها النمسا عندما انتصرت عليها بروسيا عام ١٨٦٦فلم تبلغ أكثر من ثلاثة ملايين، والغرامة التي دفعتها الصين لليابان فكانت ٣٥ مليوناً وقد دفع آخر قسط منها بشيك واحد، ولعله أكبر شيكات الأرض إلى اليوم، إذ كان مقداره ١١. ٠٠٨٠٨٨٧ جنيهاً و١٥ شلناً وتسعة بنسات هذه غرامات الماضي، فماذا تظن أن ستكون غرامة هذه الحرب، وماذا تتوقع المقدار الملائم لها، إذا علمت أن مقدار النفقات التي سينفقها الحلفاء إذا ظلت الحرب ثلاث سنين ما يربي على عشرة بليونات من الجنيهات وهو مبلغ يتطلب لجره ثلاثة آلاف قطار من القطارات السريعة. (وبعد) فماذا تقول لو أعطيت بنساً واحداً من كل جنيه منها؟؟ مقياس جديد للأمانة خطر لإحدى المجلات النيويوركية أن تعلم مقدار إحساس الأمانة في نفوس أهل الولايات المتحدة. فاخترعت طريقة تعد من أبدع ما تخيل المتخيلون. وذلك أنها أرسلت مائة خطاب، كل خطاب منها يحتوي ورقة من ذات الريال الواحد، واختارت لهذه المائة رسالة طوائف معينة من الناس وأعدت لكل طائفة خمسة خطابات، ثم أرسلت الرسائل جميعاً إليهم، بحيث تدل المرسل إليهم أن الرسائل قد وقعت إليهم خطأً واتفاقاً، وكانت تريد أن تعلم كم شخص سيرد الرسالة التي أرسلت إليهم غلطاً، فكانت النتيجة إن ٦٠ في المائة هم الذين ثارت في نفوسهم الأمانة، وبلغ منهم الوفاء أن ردوا الرسائل إليها. وإليك البيان: ـ قائمة النساء ٥ نسوة من ذوات البسطة في العيش ٤ نسوة هن اللاتي رددن ٥ ممثلات ٣ ٥ من العاملات على التايبرريتر ٣

стр. 1892

٥ مدرسات ٤ من أصحاب المحلات التجارية الناجحة ٥ ٥ من نساء مختلفات ٣ ٥ من فتيات المصانع ٣ ٥ من الطبيبات ٣ ٥ من المشتغلات بالمحاماة ٣ ٥ من المراضع ٣ فتكون النتيجة أن ٣٣ امرأة هن الأمينات من ٥٠ امرأة الرجال الذين ردوا لم يردوا خمسة رجال من ذوي البسطة في العيش ٣ ٢ خمسة من المحامين ٤ ١ خمسة من الأغنياء ٤ ١ خمسة خمارين أو أصحاب حانات ١ ٤ خمسة من المرشحين (بالكسر) ٣ ٢ خمسة من أعضاء البرلمان ٣ ٢ خمسة من الصحفيين ٤ ١ خمسة من الأطباء ٢ ٣ خمسة من الشرطة ٣ ٢ خمسة من الممثلين ٤ ١ حقائق غريبة عن الإنسان والبيض قد دلت الأبحاث الأخيرة على أن ألفاً من البيض ومائتي بيضة تحتوي جميع العناصر الكيماوية الموجودة في الإنسان الذي يزن مائة وخمسين رطلاً، وهو الوزن المتوسط للرجل الكامل، ولكن هذا ليس معناه أنك إذا صنعت قرصاً من ١٢٠٠ بيضة، أحدثت بذلك إنساناً، ولكنا نريد بذلك أن العناصر الكيماوية الموجودة في ذلك القرص تعادل قيمة الموجود منها في الإنسان. فإذا أصر إنسان على أن لا يأكل في حياته إلا البيض استطاع أن يحصل منه

стр. 1893

على الأحماض الكيماوية المطلوبة للحياة ولكن الجهاز الهضمي لا يستطيع أن يهضم طعاماً كهذا دائماً، ولذلك لا يلبث أن يتعثر هذا الإنسان في المرض، ولا يني أن يموت، إذا لم يتغير هذا الطعام. وإذا تحول الإنسان سائلاً، أمكن لك أن تظفر منه بنحو ٣٦٣٠ قدماً مكعباً من غاز الإستصباح والهيدروجين، أو ما يكفي لأن يملأ بالوناً يحمل ١٥٥ رطلاً. وإذا أمكنك أن تستخرج كل عنصر من العناصر الموجودة في الجسم الإنساني. استطعت أن تظفر منه بحديد يكفي لصنع عدة من المسامير الكبيرة الحجم، وشحم يصلح لصنع ١٤ رطلاً من الشمع. ومن الرصاص ما تستطيع أن تخرج به ٩٣٦٠ قلماً من الرصاص أو ٦٥ قاروصة - والقاروصة اثنا عشر دوزينة - ومن الفوسفور ما يفي لعمل ٨٢٠ ألفاً من أعواد الكبريت، وفوق ذلك تجد عشرين ملعقة من الملح وخمسين رأساً من السكر و٤٢ لتراً من الماء. وكذلك تعلم أن الجسم البشري ليس إلا معملاً كيماوياً كبيراً. ولكن ١٢٠ بيضة تكفل هذا المقدار، وبعد فإذا علمت أن الدول بحاجة شديدة اليوم إلى الحديد والرصاص والفوسفور والشحم وجميع هذه الأصناف، فأنت ولا ريب ترى أن تستخرجها من البيض - على ارتفاع أثمان البيض في هذه الأيام - خيراً من أن تستخرجها من الناس، أليس كذلك؟؟

стр. 1894

العدد ٣٣ - بتاريخ: ٥ - ٣ - ١٩١٧

стр. 1895

مسكينة مسكينة قال الشيخ علي: واسمع الآن يا بني ما أقص عليك فإني محدثك بخبر ليتني إذ علمته ما وعيته وليتني إذ هذا الفصل الروائي البديع هو أحد فصول كتاب المساكين للأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي - آثر البيان بنشره فرحب به البيان - والكلام كما ترى موضوع على لسان الشيخ على بطل هذا الكتاب، والشيخ على المذكور - كما شرحنا ذلك في آخر عدد من البيان الشهري - رجل مجذوب سعيد بالدنيا والدنيا سعيدة به - وهذا الفصل قائم بنفسه لا علاقة له بما قبله ولا بما بعده. والكتاب سيظهر قريباً وهو يطلب من إدارة البيان وعيته ما أثبته ولا نفذت فيه كما نفذ في. ولكن الحياة كما تقضي علينا أن نشهد أموات الأحياء ونحملهم إلى أبواب الآخرة من تلك الحفر، تقضي علينا كذلك أن نشهد أحياء الأموات من أهل الرذائل وتحمل من أخبار ضمائرهم الميتة إلى أبواب السماء في أنفسنا. فواها لك أيتها الحياة الدنيا تقتلين بالشر وتجرحين بأخباره ولا تؤتين عسل الحكمة إلا بعد لسع كثير. . .! وقد علمنا أن كل شيء يسير فإنما هو يذهب في طريق يهتدي أو بعنف وكأن الأسف على أهل الشر لم يجد له طريقاً في هذه الحياة إلا من ضمائر أهل الخير. كانت لنا يا بني في هذه القرية النضرة فتاة بائسة ضاق بها العريض من هذا البر فخرجت إلى بعض المدن تستطعم الحياة. فحدثتني أنها استضاقت حتى كأنما كانت تنفذ إلى رزقها من شق في صخرة في غر في جبل. ثم استضاقت فكأنما ولجت هذا الغار فانحدرت تلك الصخرة فسدت عليها عليها فلا وراء ولا أمام وأعجزها حتى المعاش الملفق. وخرجت يوماً على الناس وكأنها لقذارتها قطعة من الحياة البالية مدرجة في بعض الأطمار، أو روح من الهواء تمشي ساكنة في أردية من الغبار، وما تحصي العين تلك البقع المنتشرة في ثيابها، كأنها أرقام للفقر يعد بها ليالي عذابها، وهي علم الله بقع، أشأم منها أنها في رقع، وقد أغبر شعرها الفاحم وتلبد، فكأنه بعض ما وقع على رأسها من حظها الأسود، ولاح من تحته وجه كالدينار الزائف في صفرته ورده، وكالقمر المحقوق في استطالته تحت الظلام ومده، وهي فتاة عليلة قد أخذ السقام من حجمها، كما أطفأت الأقدار من نجمها، وخفي من المرض في صدرها، أكثر مما خفي بين الناس من قدرها، وما تعرف من أسماء
следующие страницы →