Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
أن يحتوي التاريخ بين دفتيه على أسماء الأعلام بل لا بد أن تمحي منه شيئاً فشيئاً ولا يذكر فيه غير الحوادث الإجتماعية الكبرى على أن تلك الحوادث نفسها مثار للغرض والهوى والظن والتخمين في أسبابها وفي نتائجها. وليس في مقدور الإنسان أمام هذه المواد الكثيرة الهائلة أن يحيط بها علماً ويقال عندها أنه واسع الإطلاع. أما أصحاب العقول المستنيرة الرشيدة فلا يرون في هذا العمل إلا عملاً آلياً بحتاً وهو الرجوع إلى المعاجم ودوائر المعارف والسجلات والكتب وذلك كله ليس من الأعمال العقلية في شيء لأن الأعمال العقلية إنما تنحصر في أعداد المواد اللازمة لبناء فكرة من الأفكار وتجنب كل تفصيل تافه ليس له شأن في تركيب بنيتها. وإنشاء موضوع هو تصوير روحه وجوهره تصويراً واضحاً للعيان وترك التفاصيل التي تشوه الحقائق. ومن تأمل بعين الناقد البصير لرأى أن تلك الحواشي والتفاصيل تسربت إلى الموضوع على غرة من العقل أثناء اشتغاله وكده في البحث وعنائه في الإستنتاج والإستنباط لما هو مغروس في الطبيعة البشرية من الخمول العقلي: تستريح المفكرة وتغفو غفوة فتمدها الحافظة بما هو مخزون فيها.
نقول والحسرة ملء فؤادنا أن مناهج التعليم الموضوعة في أيامنا هذه تزيد في هذا الخمول العقلي في شدته وتثقل في وطأته حتى كأنما يراد بها تخريج تلاميذ مشتتي الأذهان بتكليفهم بأن يلموا بكل شيء إلماماً ويمروا به مروراً من غير أن يعلق بعقولهم منه شيء أو يتسع الوقت لتمنعهم في الدرس والبحث لسبب ما فرضته تلك المناهج من المواد الكثيرة المتنوعة. وإن للطالب أن يفقه عنهم طريقة التعليم هذه وهي تهدم من نفسه كل قوة للإستنباط وكل إرادة في العمل الجدي.
لقد أتى زمن على المدفعية الفرنساوية كانت فيه ضعيفة فزيدت اليوم عشرة أضعاف قوتها. كانت القنبلة في الزمن القديم تنفجر عندما تصدم الهدف فلا تصيبه بكبير أذى. أما اليوم فقد اخترعوا آلة خاصة تدفعها إلى الإستمرار في السير بضع ثوان بعد اصطدامها بالهدف لتغلغلها في أحشائه وتمكنها من جوانبه ثم تنفجر فتسحقه سحقاً ولا تبقى فيه ولا تذر. ولقد نسوا في طرق التربية أن يخترعوا للذهن آلة تدفعه إلى الإمام حتى يتمكن من المعلومات وكان القائمين بأمور التربية يقولون للعقل: أتريد أن تقف؟ كلا. كلا. لا بد لك من الجد في السير. فيقول لهم: ولكنني لم أع شيئاً مما قرأت وتلك الوجدانات التي تولدت لدي من
стр. 2067
القراءة ما كادت تمر بي مروراً حتى ذهبت وأمحي أثرها فأصبحت أثراً بعد عين. فيقال له: لا بأس. لا بأس. لقد مضى عليك أيها المسكين أن تظل سائراً لا تلوى على شيء ولا نصيب لك من الراحة. لا بد أن تمر على الرياضيات والطبيعية والكيمياء وعلم الحوانات والنباتات وطبقات الأرض وتاريخ جميع الأمم وتخطيط البلدان ويجب أن تتعلم لغتين أجنبيتين وتدرس أدبيات بعض الأمم وتدرس علم النفس والمنطق والأخلاق وما وراء الطبيعة وتاريخ المذاهب الفلسفية. فسر في طريقك فإنك صائر إلى حالة من أتعس الحالات وعادة من أقبح العادات وهي الإطلاع على كل شيء إطلاعاً سطحياً لا تنفذ منه إلى بواطن الأمور وتعرف كنهها وتكون عرضة للإنخداع بالظواهر.
وليت الطلبة بعد خروجهم من المدارس والتحاقهم بالجامعات يتئدون في سيرهم الحثيث بل يسيرون أيضاً بخطى واسعة وبعض فرق من الجامعة أعجل في سيرها وأبلغ في غوائلها من الآخرين.
أضف إلى هذا القلق الذي تولده الدراسة ما تبعثه الحياة في عهدنا الحاضر في أنفسنا من الآثار السيئة فإنها تشتت الذهن وتبلبل الأفكار على صورة لا مفر للإنسان منها ولا طاقة له بالخلاص منها فإن سهولة النقل وكثرة الأسفار في البر والبحر والتنقل بين السهول والجبال والأنجاد والأغوار كل ذلك يلهي الذهن ولا يدع للمرء متسعاً من الوقت لقراءة ما يفيد أو التفكير فيما ينفع حتى يحق لنا أن نقول أننا نعيش عيشة مضطربة لا خير فيها أو عيشة كثيرة الحركة قليلة البركة.
والصحف اليومية بما لها من الأساليب الشائقة التي تستهوي النفوس وتجتذبها إلى ما يقع من الحوادث في كافة بقاع الأرض استمالت أكثر الناس إليها وجعلتهم يفضلون قراءتها والإستمتاع بأحاديثها على قراءة الكتب القيمة المفيدة.
فكيف يمكن اجتناب تشتت الذهن الذي يولده الوسط إذا لم تتخذ العدة اللازمة لدفعه ودرء شره بواسطة التربية ولكن أين الإهتمام بتربية الإرادة إذا كان لم يفكر أحد من القوام على الناشئة في وسائل إنمائهاوتقويتها بل لم يجعلوها غرضاً مقصوداً وإنما جعلوها واسطة يستعين بها الطالب على الجد في تحصيل دروسه فإذا انقضت لبانته واجتاز الإمتحان عادت قوة إرادته إلى الخور وعزيمته إلى الضعف.
стр. 2068
تزعم المدارس أن مهمتها تقوية عقل التلاميذ لاكتساب شتى المعلومات فلا تسعى في تقوية إرادتهم إلا على قدر ما هو لازم لكسب تلك المعارف ومن الوسائل التي نستعين بها في هذا السبيل تأنيب الأستاذ تلميذه سراً أو علانيةً والثواب أو العقاب وغير ذلك من الآلات التي تستخدم للوصول إلى شحذ همة الطالب واستفزازها إلى الجد والإجتهاد.
ولكن ليت شعري ماذا يكون حال الطالب في غده عندما لا يرى شيئاً من تلك الوسائل لا يرغب في ثواب ولا يرهب عقاباص ولا هو خاضع لمؤثر من تلك المؤثرات التي تبعثه على الجد.
لقد ضل أولو الأمر في مسائل التربية سواء السبيل إذ جعلوا جل عنايتهم بالحاضر وغفلوا عن المستقبل فلم يحسبوا له حساباً وكان خليقاً بهم أن يحفلوا بتربية الإرادة ويجعلوها تربية صحيحة دائمة البقاء لا أن يمحوها بالصناعة قوة عارضة لا تلبث أن تزول متى تغيرت الأحوال وتبدلت الأمور.
لا يبقى للطالب في المدارس العليا من دواعي الجد والمثابرة في التحصيل غير تلك الأمنية التي تتلجلج بين جوانحه وهي اجتياز امتحان الليسانس في الحقوق أو الدبلوم في الطب وهي إجازات قد يصل إلى إحرازها أبلد التلاميذ وأكثرهم خمولاً فترى مما تقدم أن ليس لتربية الإرادة نصيب وافر من الإهتمام مع أن قوة الإرادة أو العزيمة هي كل شيء في الإنسان وهي التي تجعل له قيمةً وشأناً ولولاها لظلت أجل المواهب وأسنى الملكات عقيمة لا تثمر ثمراتا بل الإرادة هي التي دفعت الإنسان إلى إبراز ما تم على يديه من جلائل الأعمال وعظائم الأمور.
من العجب أن يقول كل إنسان في نفسه ما نحن قائلون الآن وما من أحد إلا ويتألم ويشكو من شدة الإهتمام بتثقيف العقل وتربيته بأنواع العلوم والفنون وإهمال الإرادة وتركها ضعيفة خائرة. ولكن مع هذا الشعور العام بشدة الحاجة إلى تربية الإرادة لم يعن أحد للآن بتأليف كتاب واحد في هذا الموضوع الخطير. لذلك أخذنا على عاتقنا تأليف هذا الكتاب بأسلوب لم يسبقنا إليه أحد ولم نكن فيه من المقلدين.
سل بعض الطلبة الذين اشتهروا بفتور همتهم وغفلتهم عن الإهتمام بواجباتهم والجري وراء اللعب واللهو وقل لهم ما هذا وما الذي أدى بكم إلى هذا الحال يجيبونك جميعاً بما
стр. 2069
معناه: كان أساتذتنا بالأمس يحددون لنا الدرس الذي يلزمنا حفظه يوماً فيوماً بل ساعة فساعة فكان الأمر بذلك واضحاً لنا محدوداً لا لبس فيه، نعلم مثلاً أي فصل من التاريخ يجب درسه وما هي النظرية الهندسية التي يجب علينا تفهمها والقطعة التي تجب ترجمتها وفضلاً عن ذلك فقد كنا مسوقين إلى الجد في التحصيل رغبةً في المكافأة تارةً ورهبةً من العقاب تارةً أخرى وكانت المباراة والمسابقة بين التلاميذ دافعاً لنا إلى التشمير في العمل. أما الآن فلا شيء من ذلك كله فنحن نتصرف في أوقاتنا كيف شئنا ولما كنا لا ندري كيف نحسن توزيع الأعمال التي لدينا حسب الأوقات كما أن طريقة التلقين ليست مطابقة لجهلنا من الضعف فقد صار مثلنا مثل من يلقى في الماء وهو لا يعرف السباحة غير أنه تمنطق بمنطقة النجاة. وإنا لخليقون على ذلك أن نكون من الهالكين. لقد جهلنا كيف نشتغل وكيف نريد بل لا ندري ما هي الوسائل التي بها تربي إرادتنا بأنفسنا إذ لا يوجد كتاب عملي ألف في هذا الموضوع نستعين به ونسترشد بنبراسه. لذلك ترانا مرغمين على الخضوع لما جرت به المقادير ولم نعد نشعر بأننا قد ألقينا سلاحنا واستسلمنا وتركنا الجهاد للخلاص من هذا المأزق المتضايق ولكن ما أشده ألماً لنفوسنا وما أسوأ وقعه في قلوبنا ومما يزيد الحال ضغثاً على أبالة التردد على القهاوي والحانات ومعاشرة خلان السوء الذين يميلون إلى اللهو وقطع الأوقات في المسرات. وهكذا تنقضي أوقاتنا واليوم خمر وغداً أمر.
فهذا الذي يشكو منه الطلبة هو الذي حدا بنا إلى تأليف هذا الكتاب فلعلهم يجدون ضالتهم ويهجمون منه على حين طيب.
الفصل الثاني
الغاية التي ننشدها
أهملت مناهج التعليم مسألة الإرادة ولكن ذلك الإهمال لم يمنع الناس كافة من الإعتقاد بأن قيمة المرء على قدر همته وقوة إرادته وإجماعهم على احتقار الرجل الضعيف وإهمال شأنه ولما كانت قوة إرادة الإنسان إنما تقاس بمقدار ما يصدر منه من المجهودات في أعماله فلذلك ترى كل واحد يتظاهر بكثرة الأعمال التي يقوم بها ويغلو في ذلك إلى حد بعيد وإنما يقول ما لا يفعل ويدعي ما ليس فيه لعرفانه ما لقوة الإرادة من المقام الرفيع في عيون الناس. يقول ذلك وهو بمأمن من أن تذهب لزيارته في مثل تلك الساعة بمثل ذلك
стр. 2070
البكور للوقوف على صدق ما يقول. حتى إذا عرض لك أن نزوره يوماً عند الساعة الثامنة نجده لا يزال راقداً في فراشه فيعتذر حينئذٍ لك بأنه قضى سهرة الأمس في شهود التمثيل أو في ليلة ساهرة أحياها بعض الرفاق ولذلك لم يتمكن من القيام مبكر كعادته منذ الساعة الرابعة وهكذا يعتذر بمثل تلك المعاذير كلما يتفق لك أن تزوره في مثل تلك الساعة ثم ينتهي أمره بالخيبة والفشل في كل أمر يحاوله.
أكثر الطلبة يكذبون على غيرهم في موضوع الجد والإجتهاد والمواظبة على الدرس وكلهم يكذبون على أنفسهم ويغالون في تقدير أعمالهم ويدعون أنهم أكفاء لا يعوزهم الصبر على عناء الدرس والبحث وحل معضلات المسائل. فهذه الأكاذيب كلها دليل ساطع على ما يعتقدونه اعتقاداً صحيحاً من أن قيمة المرء بعمله وجده ولو عورض أحدهم فيما يزعمه ويدعيه وقيل له أنه ضعيف الإرادة لا صبر عنده على مواصلة الكد في الدرس والتحصيل لاعتبر هذا القول إهانة لشخصه وتحقير لشأنه. وله الحق في ذلك لأن إنكار قوة إرادته معناه أنه ساقط الهمة فاتر العزم عاجز عن متابعة الجهد بالجهد ومواصلة السعي بالسعي لترقية عقله وتثقيفه وتهذيبه حتى يسمو عن طبقة العامة ويلتحق بطبقة الخاصة. ولعمري أن من كان هذا شأنه فقد قضى عليه أن يظل حقيراً طوال حياته لا أمل له أبداً في صلاح حاله.
وهذه الإعتقادات تدل ضمناً على وجود رغبة صحيحة لدى الطلبة في العمل والتشمير فيه ولكنها رغبات وأماني تجول في أنفسهم ولا يستطيعون تحقيقها وإبرازها إلى حيز الوجود. فهذا الكتاب سيكفل للطالب بيان الأساليب التي بها يحول تلك الإرادات المتزعزعة التي تجول في نفسه إلى عزم صادق شديد دائم البقاء ثم ينتهي بأن يصير عادة ثابتة وطبعاً راسخاً في النفس لا يمكن إقتلاعه منها.
وإذا ذكرت الأعمال العقلية في سياق الحديث فإنما المقصود بها إما دراسة أحداث الطبيعة أو مبتكرات العقول وثمرات الفنون، وإما محاولة إبراز شيء جديد يخترع اختراعاً وتبتدعه القريحة ابتداعاً، وأعلم أن كلا الأمرين مفتقر إلى استخدام الوظائف العقلية، فأما دراسة الطبيعة ومبتكرات العقول وثمرات الفنون فيصل الإنسان إلى غرضه منها بقوة الإنتباه وأما الإبتداع والإبتكار فلا بد فيه من التأمل واستجماع قوى الذهن. فالإنتباه لازم لا
стр. 2071
غنى عنه على أية حال. غير أن الإنتباه ليس حالة عقلية موجودة على نمط واحد، ثابتة لا تتزعزع، طويلة البقاء، فيمكن تشبيهها بقوس شد طرفاه وترك مشدوداً على تلك الحال. بل الإنتباه عبارة عن عدة مجهودات عقلية تحدث وتتكرر ويعقب بعضها بعضاً ويختلف بعضها عن بعض قوة وسرعة. فإذا كان الإنتباه قوياً شديداً ومروضاً على أداء عمله بلا كلل كانت هذه المجهودات المتكررة التي يتألف منها متعاقبة بسرعة شديدة جداً حتى ليخيل للمرء أنها مجهود واحد مستمر. وقد يلبث هذا الإستمرار الظاهر أو الإنتباه الشديد ساعات من النهار.
فالغاية التي ننشدها هي الحصول على قوة انتباه شديدة ومستمرة. وغنى عن البيان أن من أحسن نتائج تربية الإرادةة وامتلاك زمام النفس أن يكون في وسع الإنسان بذل مجهودات عنيفة شاقة وقت ما يشاء من غير أن يتململ منها أو يضيق بها ذرعاً.
غير أنه لا بد لذلك من السكينة والهدوء والبعد عن الإضطراب والحركة فكيف يمكن حمل الشبان على تلك الخطو وهم بما لهم من حدة المزاج والحياة الفوضى لا صبر لهم على التزام السكون ولا قبل لهم بما ليس من طبائع الحياة الحيوانية البحتة. وكيف نريدهم على تلك الحياة العقلية ينفرون منها بطبعهم ويرون فيها فسوقاً عن الطبيعة البشرية وتمرداً على الفطرة الإنسانية. فهذه هي العقبة التي يستطاع تذليلها شيئاً فشيئاً بالتربية والمران والإعتياد.
قلنا أن الغاية التي ننشدها هي إيجاد انتباه شديد قوامه بذل المجهودات المتكررة ولكن الدأب في بذل تلك المجهودات قد لا يؤدي إلى الغرض المقصود فقد تداهم الفوضى تلك المجهودات فتجعلها متوزعة أشتاتاً لا رابط يربطها بعضها ببعض فلا بد إذن من أن تكون أيضاً متجهة كلها إلى غاية واحدة ومرمى واحد حتى تكون منتجة مثمرة. وأعلم أن كل فكرة أو عاطفة يراد إدخالها في أنفسنا وإحلالها فيها محلاً كريماً حتى تصير منها جزأً غير منفصل فتألفها نفوسنا وتطبعها بطابعها وتحتفظ بها وتجعلها موضع مناجاتها لا بد أن تكون بحيث تجر إليها غيرها من الأفكار والعواطف وتدمجها في بنيتها وتبقى هي واسطة عقدها وممتازة عنها بقوتها ورفيع مقامها وتؤثر فيها تأثيراً ينمو ويشتد شيئاً فشيئاً ورويداً رويداً مع طول الروية وكثرة الترديد.
стр. 2072
انظر كيف يتم إنشاء أثر من الآثار العقلية الراقية أو تحفة من تحف الآداب والفنون النادرة: تخطر على عقل الرجل العبقري فكرة قد تكون خطرة من خطرات الشباب تتولد في دماغه وهي صالحة للبقاء خليقة بالحياة فتتردد بادئ ذي بدء في ذهنه يسترها شيء من الغموض والإبهام ويمنعها من السفور شيء من الحياء ثم لا يلبث أن يعطيها حقها من الغاية ويقدر ما يمكن أن تدله من الأفكار حق قدره. وإنما يلفت ذهنه إلى كل ذلك قطعة قرأها أو حادث حدث له أو كلمة قالها مؤلف عرضاً ولم يفطن إليها ولا إلى ما تثيره من الأفكار أو فطن إليها ولكنه لم يدرك أنها مثمرة ولود. ثم تأخذ هذه الفكرة تقوى وتشتد بما يدخل في بنيتها من مواد الغذاء التي ترد إليها من المطالعات أو الأسفار أو الأحاديث مع ذوي العقول الراجحة. على هذا الأسلوب كتب (جوت) شاعر الألمان العظيم روايته الشهيرة (فوست) فإن الفكرة الأساسية لهذه الرواية خطرت له فما زال يتعهدها ثلاثين حولاً وهي تنمو وتترعرع وتغور جذورها لامتصاص مادة غذائها من تجاريب هذه الحياة ثم عرضها ناصعة ساطعة من مؤلفه العبقري الجليل.
هذا هو الواجب عمله نحو كل فكرة ذات شأن ولكن بمراعاة النسبة فيما يبذل لكل فكرة من الإهتمام حتى يكون على قدر ما لها من الشأن. وكل فكرة تخطر ببالنا وتلم به إلماماً وتمر به مرور الطيف هي في حكم العدل وكأنها لم تكن. فإذا عرضت لك فكرة عليك أن تفطن لها وترددها في ذهنك مرة بعد أخرى وأنت معجب بها مفتون بمحاسنها وإياك أن تتركها لنفسها قبل أن تترعرع وتشتد وتكون واسطة العقد المجموعة من الأفكار، فإنها كلما طال بها المقام في ذهنك اكتسبت قوة وحياة تمكنانها من اجتذاب غيرها من الأفكار المثمرة والعواطف القوية وإدماجها في بنيتها لما للأفكار من تلك الخاصة العجيبة الخفية وهي ارتباط بعضها ببعض حتى كأنها تتجاذب بقوة مغناطيسية.
وهذا العمل أي إدماج الفكرة أو العاطفة في أنفسنا حتى تصير كأنها جزء من جثماننا يتم تدريجياً بطول التأمل الهادئ الساكن الذي يلازمه الدأب والمثابرة والصبر. وما أشبه هذه الحالة بما يحدث في بعض السوائل من الرواسب المتبلورة فإنك إذا تركت سائلاً في حالة الهدوء بدون أن يتحرك أو يضطرب لا تلبث أن ترى فيه ألوفاً من الذرات المتبلورة تتجمع تدريجياً بغاية النظام والإحكام.
стр. 2073
وهذا هو تفسير قولهم أن الإكتشافات إنما هي عمل من أعمال الإرادة. فإن نيوتن لم يكتشف قانون التجاذب العام إلا بعد أن فكر فيه طويل التفكير. وإذا أنكر أحد أن العقول الكبيرة ليست إلا صبراً طويلاً فليصغ لما يقوله دارون عن نفسه: كنت أطيل التفكير ولا أقرأ إلا المسائل التي تحرك في نفسي حب النظر فيما شاهدته أو ما أريد أن أشاهده وإنني واثق كل الثقة أن هذا النظام الذي اخذت نفسي به هو الذي قدرني على عمل ما عملته في خدمة العلم وقال ولده كان لوالدي قدرة عجيبة على الإمعان في بحث مسألة من المسائل وإطالة التفكير فيها مدة أعوام عديدة.
والخلاصة أن هذه الحقيقة أضحت واضحة للعيان فلا حاجة إلى إطالة الشرح والبيان. والغاية التي ينشدها ويسعى إليها طلاب الأشغال العقلية هي أن يكون لهم انتباه شديد طوع إرادتهم بشرط أن لا يكون ممتازاً بقوته وتعدد مجهوداته فحسب بل لا بد من أن تكون جميع أفكارهم تحوم حول غاية معينة ومطموح أنظارهم أن تكون جميع أفكارهم وعواطفهم أثناء توجيه إرادتهم نحو تلك الغاية المعينة متصلة بالفكرة الأساسية التي يشتغلون في سبيلها متعلقة بها غير خارجة عن منطقة نفوذها.
هذه الغاية الجليلة التي ننشدها يعترضها كسلنا الغريزي فيعرقل مساعينا في إدراكها فعلينا أن نقاومه أشد مقاومة حتى نتغلب عليه ونفوز بنيل تلك الأمنية الغالية.
وقبل البحث في الوسائل اللازمة لتحويل الرغبات الضعيفة المتذبذبة إلى إرادات ثابتة راسخة يجب علينا نفند مذهبين فلسفيين متناقضين يقف كلاهما سداً منيعاً دون تربية الإرادة.
الفصل الثالث
في الرد على بعض المذاهب الفلسفية الفاسدة
التي تبعث على اليأس من تربية الإرادة
ـ ١ ـ
مذهب القائلين بأن الأخلاق لا تتغير
ما الجدل إلا تمهيد يمهد به الكاتب لأغراضه التي سيشرحها بعد ذلك ولكن لا ينبغي له أن يعلق عليه آمالاً كباراً فليس يفنيد مزاعم الخصم المناظر ودحضها بمجدية نفعاً في التدليل
стр. 2074
على صحة مذهب من المذاهب وإصابته عين الحقيقة وإنما يكون ذلك بالرأي المؤيد بالدليل.
ولما كان كتابنا هذا عبارة عن مذهب في التربية وأسلوب خاص لها دعائمه قائمة على أصول علم النفس وقواعده المتينة الأساس رأينا أن نبدأ كلامنا قبل الخوض في هذا الموضوع بتمهيد ندحض فيه النظريات الفلسفية الفاسدة من الوجهة العقلية النظرية الضارة في الوجهة العملية.
وأكثر هذه النظريات خطأ وأعظمها ضرراً في نتائجها تلك النظرية القائلة بأن الأخلاق لا تتغير. وأول من طرق هذا الباب الفيلسوف (كانت) ثم تبعه (شوبنهور) وذهب مذهبهما (هربرت سبنسر).
أما (كانت) فمن رأيه أن الأخلاق التي فينا قدرت لنا ونحن في عالم الغيب ولا مرد لما قضت به الأقدار فمتى نزلنا إلى هذا العالم عالم الزمان والمكان بقيت اخلاقنا وإراداتنا بالتبعية لها كما هي لا قدرة لنا على تغييرها أو تبديلها لا قليلاً ولا كثيراً.
ويرى (شوبنهور) أن الأخلاق ولدت مع الإنسان فلا يستطيع لها تغييراً ولا تبديلاً. من يستطيع مثلاً تغيير مجرى أفكار الأناني وعقائده التي تجعله يؤثر نفسه على غيره أو إقناعه بأن طريق السعادة هو الإستقامة وشرف المعاملة لا الخداع والمخاتلة إذا حاول إمرؤ شيئاً من ذلك كان غير موفق. وأما محاولة جعله يشعر بآلام غيره ويتألم لها فهي ضرب من المحال كمحاولة تحويل الرصاص إلى ذهب. ومن قوله في هذا الصدد: قد تستطيع أن تقنع الأناني بأنه إذا ترك فائدة نال عوضاً عنها خيراً أعظم وفائدة أجزل وقد يمكنك أن تفهم الشرير بأن أقدامه على فعل الشر يجر عليه بلاء عظيماً وشراً مستطيراً. ولكن إذا حاولت أن تطهرهما من أدران الأثر أو الشر فإنك إنما تطلب محالاً ولن تستطيع إلى ذلك سبيلاً إلا إذا استطعت أن تقنع الهر بأنه لا حق له في حب لحم الجرذ وأنه يصيدها وافتراسها إنما يأتي عملاً منكراً.
أما الفيلسوف (هربرت سبنسر) فقد نظر إلى المسألة من وجهة أخرى تتفق مع الفلسفة الإنكليزية فإنه ارتأى أن الأخلاق تتغير مع طول الزمان تحت تأثير القوى الخارجية والبيئة والوسط وظروف المعيشة وغير ذلك ولكن لا يتم هذا التحول إلا في أجيال.
стр. 2075
ولا يخفى ما في هذه النظرية الأخيرة مما يدعو إلى اليأس والقنوط من إمكان الإنسان تكميل نفسه وتربية إرادته. لأن الشاب لا يمكنه أن يعيش أدهاراً لكي يتمم اصلاح نفسه وإنما يعتمد على عشرين عاماً تكون فيها أخلاقه من اللين والمرونة بحيث تقبل أن توضع في القالب الذي يراد وضعها فيه. فإذا بدأ الشاب يشتغل في إصلاح أخلاقه استعصى عليه الأمر وبعدت عليه الشقة في مقاومة طبائعهالتي ورئها عن أسلافه المتقدمين الذين تفصلهم عنه ألوف بل ألوف الألوف من السنين وقد خلفوا في نفسه أثناء تلك العصور والأعقاب آثاراً انطبعت في دماغه انطباعاً عضوياً. فلعمري ماذا هو فاعل إزاء هذا الجم الغفير من الأدباء والأجداد وهو كلما هم بفك نفسه من أسرهم تألبوا عليه بجمعهم. ماذا في استطاعة إرادته الضعيفة الضئيلة أن تفعله في صد تلك المؤثرات الكثيرة القوية وإذا ثارت في نفسه عوامل الغضب من هذا التحكم والقهر وعزم على الخروج من تلك الربقة وعصيان تلك العادات الثابتة الراسخة في قرارة نفسه وآلي إلا أن يغالبها ويغلبها استعصى عليه الأمر وباء بالخيبة والفشل. بيد أنه يعزيه عن هذه الحال تفكيره في مصير أولاده وأحفاده بعد خمسين ألف سنة مثلاً فيرى أنهم سيبلغون حينئذٍ أقصى درجات الرقي والكمال بتأثير البيئة الاجتماعية وما ينتقل إليهم بالوراثة من عصر إلى عصر ومن جيل إلى جيل فما زالوا يكملون فيها الناقص ويزيدون في أجزائها حتى بلغت بعد ذلك الزمن الطويل اقصى درجات الإتقان والكمال.
إن البحث في الأخلاق من هذه الوجهة خارج عن موضوع كتابنا هذا ولكنا نرى من الواجب علينا أن ننظر في هذه المسألة نظرة عامة وندحض ما نراه وجيهاً من حجج أصحاب هذه النظريات.
هذه النظريات الثلاث التي بسطناها للقارئ تدل دلالة بالغة على ما للخمول العقلي من التأثير البليغ على هذه العقول الكبيرة. ذلك الخمول اللاصق بالجبلة البشرية لصوق الزلة متى زلها آدم أبو البشر. ذلك الخمول الذي جعل هذه العقول الكبيرة تتأثر بألفاظ اللغة وهي لا تشعر. يهتمون بالألفاظ ويهملون المعاني المستترة وراءها. تكون اللفظة واحدة فيخيل إليهم أن ملولها واحد. وهذا هو السر في وجود تلك النظرية القائلة بأن الخلق لا يتغير لأن أصحاب هذا الرأي ظنوا أن لفظة خلق تدل على شيء واحد ولم يفطنوا إلى أن الخلق إنما
стр. 2076
هو عبارة عن مجموعة من الأفكار والأميال والشهوات. ومن المعلوم أن مجموعة القوى عرضة للتعديل بالتغيير والتبديل.
الخلق الإنساني له وحدة شبيهة بالوحدة الأوروبية فكما أن المخالفات والإتفاقات بين بعض الدول وبعضها وتقدم أحدها في مراقي العمران وتقهقر الأخرى كل ذلك له أثر في هذه المجموعة قوة وضعفاً. كذلك الحال في الخلق فكل ارتباط وانفكاك يحدث بين التصورات والأميال والشهوات يؤثر في الخلق فيزيد في قوته أو يغير في تجاهه. على أن هذا الكتاب من دفته إلى دفته سيكون البرهان الساطع على إمكان تحويل الخلق من حال إلى حال أخرى.
نعود إلى البحث في النظريات المتقدمة التي تؤيد مذهب القائلين بأن الخلق لا يتغير. أما آراء (كانت) فإنها مبنية على تصورات غير مستمدة من الوقائع المحسوسة. ولولا أنها خليط من مذهب القدرية ومذهب العلية لما حفلنا بها ولتركناها تنفصل من الموضوع كما ينفصل غصن الشجرة الذي ذبل ونضبت منه مادة الحياة وسترى تفصيل ذلك فيما يلي:
أما شوبنهور فليست آراؤه مدعومة بالأدلة القاطعة الدامغة وإنما هي عبارات ضخمة عليها مسحة من العلم. وشقشقة اللسان لا تغني من الحق شيئاً وإليك ما أمكننا استخلاصه من البراهين على صحة ما يزعمه:
أولاً - لو كانت الأخلاق قابلة للإصلاح لكان الشيوخ أكثر تقوى وفضيلة من الشبان وهذا أمر غير واقع.
ثانياً - إذا اقترف إنسان إثماً يشينه أضاع ثقة الناس به وهيهات أن يستطيع إلى استردادها سبيلاً ولا يزالون يسيئون به الظن إلى الأبد. وهذا دليل على أن الناس مجمعون على أن الأخلاق لا يمكن أن تتغير أو تتبدل.
هذه العبارات إذا تأمل فيها الناقد البصير لا يرى فيها شيئاً يؤيد ما زعموا بل لا تصح أن تعد أدلة قاطعة دامغة. نعم إنها قضايا صحيحة في جملتها ولكنها لا تدل إلا على أمر واحد تدل على أن أكثر الناس لم يهتموا جد الإهتمام بتربية إرادتهم وإصلاح أخلاقهم. تدل على أن الناس يتصرفون في جميع أعمالهم في هذه الحياة حسبما توحي إليهم أميالهم وعواطفهم وقلما يحفلون بإراداتهم. تسوقهم العادات وآراء المجتمع قسراً إلى عمل ما يعملون ولا
стр. 2077
تحدثهم أنفسهم بالخروج من ربقة هذا التحكم كما أنه لا يخطر ببال إنسان أن يعصي أن يدور مع الأرض وهي دائرة حول الشمس.
نحن لا ننكر الخمول المتفشي في جميع طبقات الناس ونقول أنهم يقضون حياتهم في البحث عما يقيم أودهم فقط وليس للحياة العقلية عندهم من نصيب. انظر إلى طبقة العمال بل إلى الأغنياء والفقراء، إلى النساء والأطفال تراهم جميعاً لا يفكرون فيما يصنعون وما مثلهم لا تلك التهاويل التي تدار بالأيدي فتمثل لك أناسي يتحركون ويعملون. ترى جميع الناس قد انحصرت جميع حركاتهم في منطقة الرغائب التي لا سلطان للإرادة عليها أو الواقعة تحت تأثير المؤثرات الخارجية.
يقضي عليهم تنازع البقاء ويقعون تحت حكمه فيضطرون إضطراراً إلى الترفع عن الحالة البهيمية والترقي إلى درجة الإنسانية حتى إذا زالت تلك الظروف الخارجية التي تسوقهم قسراً رجع أكثرهم القهقرى إلى الحيوانية الأولى فأولئك الذين نضب من نفوسهم ذلك الينبوع الذي يجري تياره نحو الأفكار السامية والغايات الشريفة وأولئك الذين ليس لهم من شرف نفوسهم وأخلاقهم ما يحدو بهم إلى طلب الكمال والرقي كل أولئك تراهم قد تذبذبت أخلاقهم ثم انحطت إلى الدرك الأسفل. فلا عجب بعد ذلك إذا رأينا شيخاً قد انغمس في حمأة الفساد وفتى له من عفته وآدابه ما يسلك به طريق الرشاد.
وهنالك رأي آخر يظن الناظر إليه أنه على شيء من الرجاحة والوجاهة وهو أن الأناني لا طاقة له بإيثار غيره على نفسه وتضحية منفعة له في سبيل غاية شريفة حتى لو اعتقد ضرورة ذلك وصحت عزيمته عليه.
ولكنك إذا دققت النظر في هذا الرأي لما رأيته شيئاً مذكوراً. ألست ترى الجبناء والأنذال يقدمون على أكبر المخاطر ويركبون أخشن المراكب حتى أنهم ليتعرضون للموت الزؤام أملاً في كسب المال مع أن غريزة حب البقاء وكره الموت لا تصادمها شهوة من الشهوات وتستطيع التغلب عليها ومن البديهي أن الحياة أعز شيء لدى الأناني فإنه يحتفظ بها أيما احتفاظ ولكننا طالما رأينا بين من اشتهروا بالأثرة وحب الذات حباً متناهياً من بذل روحه فدى لوطنه أو دفاعاً عن غاية شريفة.
فإذا كان التحول الوقتي للخلق بهذه الصورة ممكناً فما معنى قولهم إذن أن الخلق لا يتغير.
стр. 2078
إن الخلق الذي يتحول تحولاً جوهرياً حتى لينقلب إلى ضده في مدة قصيرة جداً لا يصح أن يقال عنه أنه غير قابل للتغيير والتبدل بل يجب أن يقال إن هذا التحول الوقتي إذا تكرر وأدمن صاحبه تكراره مرة بعد مرة قوي واشتد وأصبح سجية وطبعاً.
على أنا بعد نسأل (شوبنهور) هل وجد إنساناً اتصف بخلق واحد كالأنفية مثلاً فهو أناني في جميع حركاته وسكاته، في جميع أفكاره وميوله ومنازعه، لا يمازج هذا الخلق خلق آخر. مثل هذا التوحيد في الطبيعة البشرية لم يوجد أبداً في عالم الحقيقة. وهنا نعيد ما قلناه أن تصور الخلق الإنساني شيئاً واحداً بسيطاً وكتلة متماثلة الأجزاء إنما يأتي من عدم التدقيق في البحث والنظر السطحي للأمور.
نحن إنما نتكلم على الإنسان الذي يعيش على سطح هذه الكرة الأرضية لا على إنسان موهوم لا حقيقة لوجوده إلا في الخيال.
فما تقدم يكفي لدحض آراء (كانت) و (شوبنهور) وتفنيد نظريتهما التي هي في منتهى الذاجة. وأما (سبنسر) فإننا نقول له أن الآباء والأجداد كما يورثون أحفادهم الأميال الفاسدة يورثونهم الأميال والطبائع الصالحة وكلا النوعين ينتقش في نفوسهم وينطبع فيها انطباعاً عضوياً. وعلى ذلك يستطيع الإنسان بشيء من الدراية والحذق وحسن الحيلة أن يتدرع بتلك الأميال الصالحة ويستخدمها في منفعته ويقاوم بها تأثير ما ورثه من الأميال الفاسدة. وتنتهي المسألة بترجيح أحد هذين الفريقين من الأميال على الفريق الآخر. وسترى فيما سيمر بك من هذا الكتاب الأساليب التي بها يكون الفصل بينهما فتفوز الأميال الصالحة ويكون لها الغلب.
الآن وقد ظهر لك إلى ما يذهب إليه بعض فلاسفة الفرنسويين من المذاهب التي تثبط العزائم وتدعو إلى اليأس من إصلاح المرء نفسه وخلقه. وفي طليعتهم الفيلسوف (تين) فإنه على ما هو معروف عنه من سعة المدارك قد خلط خلطاً قبيحاً بين مذهب القدرية والجبرية وعندما حاول أن ينقض مذهب العقليين الذي وضع أساسه الفيلسوف كوزين ارتأى أن الحياة البشرية مستقلة تمام الإستقلال عن الإردة وما الفضائل في نظره إلا أموراً طارئة تجلب من الخارج كما يجلب السكر مثلاً من المستعمرات. وهو تشبيه سخيف ركيك ولكنه ماذاع في عصره وانتشر في مبدأ أمره حتى حجب العقول عن بحث العوامل النفسية
стр. 2079
المؤثرة فيما يقع من الإنسان من الأفعال، وأزاغ البصائر عن فهم معنى كتاب الموسيو ريبو الشهير الذي عنوانه (أمراض الإرادة) ومضى الناس زمناً غير قصير على هذا الضلال بتأثير هذه المذاهب المضلة وقصارى القول أنه يلزمنا في مثل هذه المباحث الدقيقة أن لا نعول على ما قاله ذلك الفيلسوف أم ننحاز لرأيه لأنه ابن وطننا فرب عدو عاقل خير من صديق جاهل.
ـ ٢ ـ
مذهب حرية الإختيار
بقي علينا قبل الدخول في موضوع الكتاب أن نفند مذهب حرية الإختيار الذي يطنطن به أصحابه ويبنون عليه القصور والعلالي. وخلاصته أن قدرة الإنسان أن يقمع شهواته ويمتلك زمام هواه بمحض إرادته ومشيئته. صور ذلك المطلب بصورة الشيء القريب المنال الذي لا يمتنع على أحد.
أما نتائج هذا المذهب فهي زيادة عدد من خابوا في هذا السبيل فلووا عنان همتهم واستكانوا ولجأوا إلى اليأس والقنوط فكان ضرر هذه الآراء بالنفوس أشد من ضرر مذهب الإعتقاد بالقضاء والقدر كما سترى ذلك مفصلاً.
يزعمون أن حرية الإختيار شرط لازم للحرية الأدبية مع أن بينهما بعد ما بين المشرقين لأن امتلاك المرء زمام نفسه وتغلبه على أهوائه أمر يدرك بطول الأناة والصبر والجهد والعناء فالقول بأنه يتعلق بمشيئة المرء وحدها يدعو الشبان إلى اليأس والقنوط من كسب هذه الأمنية الغالية إذ يرون ما بين رغائبهم وبين وصولهم إلى تحقيقها بوناً شاسعاً وفرقاً بعيداً.
يقرأ الشبان تراجم حياة عظماء الرجال المتقدمين أصحاب العزائم الكبيرة والهمم السامية وبصورها لهم الخيال وتمادي الزمن بصورة أكبر وأعظم مما هي في الحقيقة فتتأثر نفوسهم بالعبرة ويتلهبون شوقاً إلى التشبه بهؤلاء الرجال واقتفاء خطواتهم فيجعل بنا ونحن نراهم على هذه الحالة النفسية أن لا نخفي عنهم أن هؤلاء الرجال إنما أدركوا ما أدركوا من المجد وبعد الصيت والذكر الخالد في صحائف التاريخ بالعمل والجهد وشق الأنفس والصبر الجميل على المكاره ثم نصور لهم ما يكون من نصيبهم من الفوز والفلاح إذا
стр. 2080
صبروا وعملوا وذللوا ما يعترضهم من المشاق والأهوال.
لا يملك الإنسان إرادته بمحض مشيئته فقط كما أن فرنسا لم تنهض من كبوتها بعد حرب السبعين وتسترد مجدها بمحض مشيئتها فقط بل لأنها قضت عشرين حولاً وهي تجد وتسعى وتهيء وسائل النهوض من هذه العثرة. فكذلك خروج الإنسان من أسر الشهوات وتمكنه من امتلاك زمام نفسه إنما يكون بالسعي والجهد والصبر الطويل.
يا عجباً! أيقضي كثير من الناس ثلاثين عاماً من أعمارهم في الكد والكدح ومزاولة أشق المهن والأعمال لكي يتمكن الواحد منهم من ابتياع ضيعة ينعم فيها بالراحة فيما يبقي من أيام حياته ولا يفتكر أحد في صرف القليل من زمنه في إصلاح نفسه وامتلاك إرادته وهي التي تتوقف عليها قيمة المرء بل هي التي يبني عليها مستقبله وبها يكون رجلاً رفيع المقام نابه الذكر وهي التي تفتح له أبواب السعادة وتدر عليه صنوف الخير. أليس من العجائب أن تكون هذه صفات الإرادة ومزاياها ومناتبها ولا يبذل أحد كل ما في وسعه لتقويتها وقلما تخطر لأحدهم ببال. غير أن هذا الإهمال الظاهر يخفي تحته آلاماً مبرحة تساور نفوسنا ولطالما شعرنا بها جميعاً وإلا فمن من الطلاب لم يشعر بما يختلج في نفسه من المقاصد الحسنة والنوايا الشريفة النبيلة وما يلاقيه من العقبات والعوائق في سبيل تنفيذها وإبرازها إلى حيز الوجود فإن ضعف عزيمته يحول بينه وبين ما يشتهي.
يقول لنا أساتذتنا أنتم أحرار فافعلوا ما تشاؤون. نعم نحن نشعر بأننا أحرار ولكن اليأس الكاذب يساور نفوسنا.
يقول لنا أساتذتنا ذلك ولكنهم لم يقولوا لنا إن الإرادة تنال بالدأب وطول الأناة ولم يشرحوا لنا الوسائل التي تمكننا من نيلها ولم يدر بنا أحد على هذا الجهاد أو بعد معدته لنا. ولم يأخذ بيدنا أحد ويشد أزرنا في هذا المعترك بل تركنا وشأننا فمن المعقول إذن أن ندع هذا الجهاد جانباً ونستسلم إلى نظريات الفيلسوف (تين) وأضربه من القائلين بمذاهب القدر فإن ما يقررونه في تعاليمهم موافق كل الموافقة لما هو منطبع في نفوسنا من الكسل ولأنه يصور لنا هذا الجهاد عبئاً وتعباً ضائعاً سدى وإن لا قبل لنا بالوقوف هذا الموقف فتهدأ نفوسنا الثائرة وتطمئن مشاعرنا الهائجة ونخنع لما جرت به المقادير. وهذه الآراء بجملتها التي تهدم كيان الإرادة وتقود دعائمها مستمدة من مذهب حرية الاختبار.
стр. 2081
إن الحرية الأدبية والحرية السياسية وكل شيء له قيمة في هذه الحياة ينبغي أن يؤخذ أخذاً بالكد والكدح وشق الأنفس ثم يجب الاحتفاظ بما حصل منه والذود عن حياضه والحرص عليه أن يضيع من اليد بعد أن حصلت عليه. أن الذي يدرك من هذه الأمور كلها يكون هو الجزاء الأوفى لأصحاب العزائم الكبيرة الصادقة والصابرين المثابرين أصحاب البراعة والحذق. وما أجمل ما قاله ذلك الحكيم لا ينال الحرية إلا من استحق أن يكون حراً. الحرية ليست حقاً من الحقوق أو حدثاً من الأحداث وإنما هي جزاء حافل بالسعادة الكاملة والهناء والغبطة. وإنما مثل الحرية في جميع ما يعمله الإنسان أو يتفق له وقوعه مثل ضوء الشمس بالنسبة للمناظر الجميلة الشائقة فإنه هو الذي يعطيها بهاءها وسناءها. فمن حرم الحرية امتنعت عليه اللذات الصالحة الباقية الآخذة بمجامع قلبه التي يستمتع بها زمناً طويلاً.
ومن بواعث الأسف أن مسألة الحرية كانت مثاراً للمنازع والخلافات حتى عتورها الغموض والإبهام ولقد قال عنها (بين) أنها قفل لعلوم ما وراء الطبيعة قد علاه الصدأ.
ولكن الذي نقصده هنا من معاني الحرية امتلاك المرء زمام نفسه وقمع شهواته بأن تتسلط على نفسه الأميال الشريفة والأفكار السامية. وتتغلب على البهيمة الجاثمة فيها. غير أنه لا ينبغي للإنسان أن يطمع من الإرادة في مرتبة معصومة من الخطأ بعيدة عن الزلل فذلك لا يستطيع إليه سبيلاً لقرب عهده بآبائه الأولين الذين كانوا يهيمون في البوادي ويلجأون إلى الكهوف والمغاور وأورثوه من أخلاقهم الغضب وحب الذات والميل إلى الشهوات والخمول فيستحيل عليه أن يقتلع من نفسه جذور هذه النقائص ويطهرها منها تطهيراً. إن النساك والزهاد الذين جاهدوا أنفسهم حق الجهاد وحاربوا بلا هوادة غرائزهم الحيوانية لا يدعون العصمة من كل زلل ولا الطهر التام من كل رجس ودنس.
فالغاية التي نوجه إليها أبصارنا هي أن تكون لنا إرادة قوية نستطيع بها دفع ما يثقل كواهلنا من الخمول وما يهيج أعصابنا من الشهوات. ولسنا بمطلعين إلى مقام العصمة وتجريد النفس تجريداً تاماً من حب الذات وما شاكله من الأخلاق الغريزية فذلك ما لا مطمع فيه ولا أمل في إدراكه.
ولا يظن أحد أن المطلب الذي أشرنا إليه سهل المنال فإن دون دركه أهوالاً بل هو عزيز
стр. 2082
لا يناله من رامه إلا إذا تدرع بالصبر والجلد وعرف الأساليب والطرق التي توصله إلى الغاية حق معرفتها وأما من جهلها أو أخذه الغرور فلن يدرك شيئاً في هذا السبيل. فمن دخل في غمار هذا المطلب وهو جاهل بقواعد علم النفس أو غلب عليه الغرور فلم يسترشد بآراء من يعرفون هذه القواعد كان مثله من يجهل لعبة الشطرنج ثم يلعب مع قرن خبير بها طبيب بأسرارها.
يقول لنا أنصار مذهب حرية الاختيار إذا كنتم لا تستطيعون أن تنشئوا شيئاً وليس في وسع مشيئتكم وإرادتكم أن تمنح سبباً من الأسباب أو باعثاً من البواعث قوة لم تكن لهما من قبل وليست من طبيعتها فأنتم إذن لستم بأحرار.
فنجيبهم كلا. بل نحن أحرار ولا نقصد من الحرية إلا هذا المعنى أي أننا لا ندعى أننا نمنح سبباً من الأسباب أو باعثاً من البواعث قوة لم تكن لهما من قبل بمحض رغبتنا التي هي عمل نفسي باطني لا ضابط له ولا نظام بل هو مناف لما يقرره العلم من النواميس التي تربط الأسباب بالمسببات لا نقول ذلك ولا نذهب هذا المذهب وإنما نقول أننا نعطى هذه القوة إذا راعينا قواعد علم النفس وطبقناها تطبيقاً معقولاً. فنحن نرى أن التغلب على الطبيعة البشرية والتحكم فيها لا يكون إلا بالخضوع لنواميسها. ولا حرية لنا إلا بفهم قواعد علم النفس واستخدامها في مقصدنا الشريف ألا وهو تربية الإرادة والخلاص من ربقة الشهوات. وكلما ازداد علمنا بالعوامل النفسية التي تسيطر على حركاتنا وأعمالنا كنا أقرب إلى الحرية.
يقولون لنا وقد احتدم الخلاف بيننا: إذا كنتم لا تسلمون بأن الإرادة وحدها ومن تلقاء نفسها وبمحض اختيارها ومن غير أن يكون هناك رغبة سابقة تستطيع أن ترجح سبباً ضعيفاً من أسباب قوية فأنتم بذلك لا تفرضون سابق وجود الرغبة والمرء إذا لم يكن لديه رغبة في العمل فلن بعمل أبداً فكأنكم برأيكم هذا قضيتم على هذا الإنسان قضاءً مبرماً. ويكون رأيكم هذا شبيهاً برأي أصحاب الدين الكلفيني (البروتستانتي) فإن لديهم فئة من الناس مغضوباً عليهم كتب عليهم أن يكون ثمرهم لجحيم. غير أن المغضوب عليه من هذه الفئة لا يزال يؤمل من العزة الإلهية غفران ذنوبه وشموله برحمتها فهو أحسن حالاً من ذلك الإنسان الذي سبقت الإشارة إليه لأنه كلما بحث في أعماق نفسه ولم يجد أثر للرغبة في
стр. 2083
العمل خارت قواه وانتزع منه كل أمل لعلمه علم اليقين إن كل سعي ضائع سدىً وبعبارة أخرى إما إن يكون لدى الإنسان رغبة في السعي إلى الكمال أو لا يكون فإن لم يكن فكل محاولة ضائعة هباء. ولما كانت الرغبة ليس لها ضابط ولا هي متعلقة بالإنسان وطوع أمره فإن مذهبهم هذا يؤدي إلى مثل مذهب القضاء والقدر إلى ما هو شر منه وهو مذهب الجبر.
فنجيبهم: نسلم لكم بعض ذلك جدلاً ولكن اعلموا أن الرغبة في الكمال مهما كانت ضعيفة ضئيلة في نفوسنا نستطيع بالصناعة تقويتها وإنماءها حتى تصير ثابتة راسخة وتؤول إلى عزم صادق.
يقولون: ولكن هذه الرغبة ضعيفة كانت أو قوية لا بد من وجودها - على رأيكم - فإن لم توجد فلا تستطيعون شيئاً ما.
وجواب على ذلك: نعم. ولكنا نسأل أنصار مذهب حرية الاختيار هل يمكن أن يطلب الإنسان الكمال وليس في نفسه ما يدفعه إلى هذا الطلب - إن الذي يسعى وراء مطلب من المطالب الكبرى ولا سيما إذا كان هذا المطلب يقتضي وقتاً طويلاً وعناءً كثيراً ولم يكن في هذا المطلب ما يشوقه ويستهوي فؤاده ثم يبوء بالخيبة والفشل - إن النجاح في أمر موقوف على حب هذا الأمر والشغب به والولع بإتمامه.
يقولون لنا: ولكن على أية حال لا بد من وجود الرغبة لدى الطالب فإذا لم توجد فقد قضي عليه قضاءً مبرم بسوء المآل.
فنرد عليهم: نسلم لكم بما تقولون ونقرر أنه لولا رغبة المرء في امتلاك رغبته لعجز تمام العجز عن أن يكون حراً.
نعم إن هذا الإلزام والشرط ينتج أسوأ النتائج لأن بعض الناس حرموا هذه الرغبة فليس في استطاعتهم أن يعملوا في حياتهم عملاً ما. ولكن لا بد من أنكم توافقوننا على أن هؤلاء التعساء قليل عديدهم وأنهم في جملة من قضي عليهم نحس طالعهم بأن يكونوا كذلك وهم أشبه بأولئك الذين اختلت قواهم العقلية فأصيبوا بالجنون الأدبي.
إني أقرر الحقيقة التالية وإن كنت لا أستطيع إقامة الدليل عليها ولكني واثق بصحتها إذا لم يرد علي ما ينقضها إلى الآن: ذلك أنك إذا سألت أي إنسان كائناً من كان على شريطة أن
стр. 2084
يكون سليم العقل عما إذا كان يفضل عملاً شريفاً يكسبه المجد والفخر كعمل العالم (باستور) مثلاً، أو يشتهي لنفسه حالة بعض الأوغاد الذين أدمنوا الخمر وعكفوا على احتساك كؤوسها في الغدو والرواح حتى طاحت بعقولهم وأفسدت ضمائرهم لأجابك بلا شك أنه يؤثر الحالة الأولى ويختارها لنفسه.
هذه حقيقة نقررها فهل يستطيع أحد إنكارها؟ هل يوجد في الناس من بلغ به البله والغباء أن لا تتأثر نفسه بمفاخر النبوغ ومحاسن الجمال وعظائم المجد والسؤدد؟ أظن أن مثل ذلك الإنسان لا يوجد ولم يوجد فيما مضى. ولو أنه وجد لما عناني من أمره شيء لأنني لا أعده إلا حيواناً في ذي إنسان. وما أقرره الآن يصدق على جميع الآدميين المتصفين حقيقة بمعاني الإنسانية وهو كاف للدلالة على ما أقصده. فإذا كانت الناس جميعاً يعجبون بحكمة (سقراط) ووفاء (ريجليس) وتقوى (فنسان دي بول) وزهده وورعه وتعلقت نفوسهم بهذه الفضائل ورجحوها على ما يأتيه صغار الأحلام من الانغماس في أقبح أنواع الشهوات واللذات فإن هذا الترجيح معناه حب هذه الصفات الفاضلة والرغبة في دركها والحصول عليها. ومهما تكن هذه الرغبة ضعيفة الأثر قليلة البقاء فإن في وسعنا أن نحوطها بالعناية والرعاية ونستعين في سبيل إنمائها وتقويتها بأصول علم النفس فتشب وتقوى وتستحيل إلى عزم ثابت لا يتزعزع، وبعد أن كانت تلك الرغبة نبتة ضعيفة تصير دوحة عالية تعجز هوج الرياح عن تحطيمها.
فإن قيل لنا إنكم بما تذهبون إليه قد فرضتم وجوداً حوال نفسية اضطرارية لا مفر للإنسان منها فكأنكم تذهبون مذهب القائلين بالجبر. ولكن اعتراضهم هذا لا يروعنا لأننا لا ننكر أننا نضم بين جوانحنا هذه الرغائب التي تضطرنا اضطراراً إلى عمل ما نعمل غير أنها كلها رغائب نحو معالي الأمور وتطلع نحو المفاخر والمحاسن ونفور من الدنايا والمقابح لا يشذ عن ذلك غير أفراد قلائل تصيب بالخبل في عقولهم فلم يعودوا يميزون بين الخبيث والطيب وهم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً.
الأخلاق الفاضلة ليست في حاجة إلى نظرية حرية الاختيار التي ألقيت على عواهنها وكانت داعية للقنوط من إمكان تربية الإرادة كما تقدم لنا القول. وإنما الأخلاق الفاضلة في حاجة إلى الحرية فلا أخلاق بلا حرية. والحرية غير الاختيار الحر. ثم أن الحرية لا تكون
стр. 2085
إلا في النفس قارة في أعماقها وينبغي أن تخضع للعوامل النفسية صادرة عنها منفعلة بها.
ولأجل إدراك هذه الحرية ينبغي أن تصور مخيلة الإنسان خطةً ومنهجاً يختاره ويرضى أن يسير عليه ما عاش ثم يسعى إلى تحقيقه معتمداً في ذلك على معارفه وخبرته بأصول علم النفس إذ بها يتمكن من ضم بعض قوى نفسه إلى بعضها أو تفريقها وإبعادها عن الالتئام تذرعاً إلى إعلاء شأن تلك الخطة التي اخطتها لحياته وسيادتها على ما عداها من الخطط والمناهج ثم يستخدم في الوصول إلى غايته الزمن وهو العامل الأكبر والقوة العظمة في تحرير الأفكار وتجريدها مما يشوبها من الشوائب.
ربما كان رأينا هذا الذي بسطناه في الحرية لا يسر الناظر إليه ولا يستميله نحوه لما يكبد طلاب هذه الحرية من العناء والجهد في دركها بخلاف نظرية الاختيار الحر فإنها فرضت الإنسان حراً مالكاً لأمره يتصرف كيف يشاء. ولكن نظريتنا ترجح عليها بميزات عدة منها أنها مطابقة لطبائعنا النفسية والأدبية ومنها أنها لا تجعلها هزؤاً وسخرية بسبب التناقض البين بين ما ندعيه من أننا أحرار نفعل ما نشاء وبين كوننا في أسر أعدائنا الذين بين أضلاعنا (يريد المؤلف الخمول والشهوات وأذكر من ذلك بالحديث الشريف أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك) ولو اقتصر هذا التناقض على أن المتأمل في علم النفس يراه فيلذه درسه والوقوف على تفاصيله لهان الخطب ولكنه يثمر أخبث الثمر فإنه لا يستقر في النفس حتى يبعث اليأس والقنوط من الاستمرار في المجاهدة. وعلاوة على كل ما تقدم أن من مضار نظرية الاختيار الحر أنها حالت زمناً ما بين أصحاب المدارك السامية والعقول الناضجة أن يطرقوا باب البحث في أحوال الإرادة وأطوارها والتعمق في تحليلها ودرسها درساً فلسفياً فكان هذا الإهمال خسارة للعلم لا عوض عنها ولا عزاء فيها.
الآن وقد أدحضنا بالحجة تلك النظريات الذائعة بين الناس المتعلقة بالإرادة وأفسحنا الطريق فيها علينا أن ندخل في غمار الموضوع ونشرع في درس الإرادة وتحليلها تحليلاً نفسياً.
الباب الثاني
في تحليل الإرادة تحليلاً نفسياً
الفصل الأول
стр. 2086
الكلام على تأثير الأفكار في الإرادة
لو كانت عناصر العالم النفسي بسيطة التركيب لهان على الباحث أن يتعرف على المصادر التي يستمد منها القوة في تربية الإرادة ويميز المواطن التي يأتي من ناحيتها الضعف الذي يحول بينه وبين ما يشتهي. ولكن هذه العناصر مختلطة بعضها ببعض اختلاطاً شديداً وممتزجة مزاجاً جعل تحليل الإرادة تحليلاً نفسياً دقيقاً عسيراً وليس من الهنات الهينات.
على أن المعروف أن هذه العناصر التي يتألف منها العالم النفسي قد يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام وهي. (١) الأفكار أو الإدراكات (٢) الأحوال النفسية أو الوجدانات أو الإحساسات أو المشاعر أو العواطف (٣) الحركات أو الأعمال أو مظاهر الحياة الخارجية أو الإرادة.
- (١) -
في أن الأفكار ليس لها تأثير يذكر بالنسبة لتأثير العواطف
الفكرة تشتمل على عناصر عديدة مختلفة ويتيسر للباحث في الروابط الكائنة بين قوة الإدراك وقوة الإرادة أن يميز نوعين من الأفكار وهما الأفكار التي تنبعث من النفس والأفكار التي ترد من الخارج فيدركها العقل.
ومن الواضح المعلوم أن أكثر الأفكار إنما ترد للإنسان من الخارج فلا تستقر في نفسه إلا كما ينزل المسافر في فندق ثم يزايله سريعاً أو كما قال مونتيني. لا يكاد الذهن يمسكها إلا كما تمسك الماء الغرابيل. لا متسع لقوة التفكير أن تعمل فيها عملاً ما وإنما تتلقفها الحافظة فتخزنها وتدعها مكدسة في قرارها تكديساً ولقد يكون منها ما تنتقص إحداها الأخرى. وكل إنسان منا يدرك أن في ذهنه عدداً عظيماً من الأفكار والآراء التي اكتسبها من القراءة أو من الأحاديث بل من الأحلام والخيالات والأماني وكلها غريبة عنا طارئة علينا انتهزت فرصة خمولنا العقلي فولجت في عقولنا مكتسبة ثوباً من الرفعة ومظهراً من العظمة والجلال بانتمائها إلى كاتب شهير أو أستاذ قدير وقد يكون إثمها أكبر من نفعها.
ففي الحافظة في هذا المستودع الذي جمع بين الخبيث والطيب من الأفكار والآراء تسرح أميالنا الحيوانية ويمرح خمولنا الغريزي تتلمس بين تلك الأفكار المخزونة فكرة تتوكأ عليها وتجعلها مسوغاً ومبرراً لوجودها ولما يصدر عنها من المظاهر ذلك لأن تلك الأفكار
стр. 2087
المخزونة ملك لنا وواقعة تحت تصرفنا فما علينا إلا أن نصفها صفاً ونستعرضها ونختار منها ما نشاء ونجعله مداراً للحركة والعمل وبذلك تكون أعمالنا دائماً موافقة لما وقع عليه اختيارنا من تلك الأفكار والآراء المخزونة في حافظتنا. ثم إن لنا على تلك الأفكار النفوذ الأعظم والسلطان الأكبر فإنما هي كلمات مجردة لا تستطيع أن تقف في سبيل الشهوات والأغراض.
فإذا اصطدمت بها تفككت أجزاؤها وتلاشت كما يتكسر إناء من الصلصال إذا صدمته قدر من الحديد.
حاول الموسيو فوييه في رسالة له أن يثبت أن للأفكار قوة
وأخذ يؤيد مذهبه هذا بالحجة والبرهان ولكنه لم يفطن إلى أنه إذا كان للفكرة قوة فإنما استمدتها من قوة القوى، من القوة الحقة أعني قوة الأحوال النفسية التي يعبر عنها بالإحساس أو الوجدان أو العواطف واكتسبتها بامتزاجها بها وارتباطها معها ارتباطاً محكماً متيناً. فإن الفكرة في ذاتها ضعيفة بنفسها كما تدل على ذلك التجارب والمشاهدات وشتان ما بين فكرة كل ما تستطيعه أن تريك أن ما هممت بفعله وصحت عزيمتك على إمضائه هو النهج القويم والصراط المستقيم وبين اعتقاد جازم وشعور ملازم يستثيرك ويستفزك ويحركك إلى إنفاذ ما يجول في خاطرك ويجيش في صدرك. والفكر إذا انفرد بمقاومة الشهوات الحيوانية وصد ثائرتها وحده بلا معين عجز عن ذلك كل العجز ولم يستطع الصبر والثبات على هذه المجالدة. على أن انفراد الفكر ووقوفه هذا الموقف مستحيل ما دام الإنسان في حالة الصحة والعافية لشدة ما بين الفكر والمشاعر من الروابط وإنما يتجلى للإنسان وهو في حالة المرض تلك الحقيقة وهي أن كل قوة تدفع الإنسان إلى عمل من الأعمال الكبيرة العظيمة فإنما مصدرها الإحساس وحده. نحن لا ندعي أن العقل مجرد من كل قوة وإنما الثابت لدينا أنه عاجز كل العجز عن صد الأميال الحيوانية التي تملك المشاعر وتنحط عليها بكلكلها.
ولقد ضرب الموسيو ريبو أمثلة عديدة أبان بها أن الإدراك وحده عاجز إلا إذا أسعفته الإحساسات والعواطف فمن ذلك أن رجلاً اتفق له حادث سر فؤاده وشرح صدره واقر عينه فانفعلت نفسه بذلك انفعالاً شديداً حتى لم تبد إمارات الجذل في أسارير وجهه من شدة
стр. 2088
ما أدركه من الفرح ولكن فكره ظل على حاله غير متأثر بما وقع وبقي متمتعاً بقواه جميعها ومدركاً ما حدث فلم يستطع ذلك الرجل وهو على تلك الحالة أن يحرك يده للتوقيع على رقعة قدمت إليه. وكثيراً ما يتفق مثل ذلك لكل واحد منا في صبيحة ليلة ساورته فيها الهموم فأقلقت مضجعه وتركته مسهداً حزيناً منقبض الصدر.
ففي مثل هذه الأحوال جميعها يصيب الإنسان ضرب من الذهول والجمود مع بقاء قوته العقلية على حالها تدرك ما جرى وتعلم ماذا ينبغي فعله ولكنها عاجزة في نفسها عن دفع الإنسان إلى أي عمل من الأعمال إلا إذا شاركها الشعور وأمدها بالقوة والحول.
وإنني ذاكر لك ما وقع لي على سبيل المثال، ذلك أن خادمتي جاءتني في صبيحة يوم فأعلمتني أن زائراً ينتظرني في ردهة الإستقبال وكنت لا أزال راقداً في فراشي ثم بقيت أتقلب في الفراش متلذذاً بالدفء والرحة. وقد غاب عن ذاكرتي ما أبلغتنيه خادمتي. ثم سمعتها تتحدث مع هذا الزائر فأحسست بأن تثاقلي عن النهوض وتباطؤي عن ملاقاته مناف للذوق ومجاف لآداب المعاشرة واللياقة فنهضت وثباً وأسرعت إلى استقباله.
ومن الأمثال والشواهد التي ذكرها المسيو ريبو تعلم الفرق بين نتائج الفكر وبين نتائج الإحساس. ومن ذلك أن رجلاً أصيب بمرض في الإرادة فبات لا يستطيع أن يأتي بأية حركة إرادية ولكنه ظل حافظاً لقواه العاقلة كلها فحدث ذات يوم أن المركبة التي كان بها صدمت إمرأة فكان أول من وثب منها وركض لإغاثة تلك المرأة الجريح.
قد يحمل بعض الناس الحوادث المتقدم ذكرها على أنها أحوال مرضية لا يصح إطلاقها على الناس كافةً. نعم إنها أحوال مرضية ولكنها صورة مكبرة لضعف النفوس الذي يشاهد في الناس عادةً ولكنهم قلما يعترون بهذه الأحوال أو يحسبون لها حساباً. وذلك مثل البخيل الذي يشهد تمثيل رواية (موليير) ويسمع بأذنيه نوادر الشح وغرائب البخل مصورة مجسمة فيقهقه منها ويغرب في الضحك ولكنه قلما يعتبر بها أو يدرك أنها صورة مكبرة لذلك الخلق المرذول الذي هو عليه. وكذلك ضعيف الإرادة يرى بعض اللذين أصيبوا بالأمراض النفسية فلا يسلم بأن حالته النفسية إنما هي حالة صغيرة من هذه الأمراض على أنه مهما أصر على رأيه ولم يقتنع بأن قوة الإدراك وحدها لا تجزئ شيئاً وإنه لا بد من سلامة النفس من العلل والأمراض فلسوف تقنعه التجارب بأنه في ضلال مبين وأن الفكرة
стр. 2089
وحدها ضعيفة في ذاتها قوية في بانضمامها إلى الإحساس. انظر إلى السكيرين تراهم يعلمون حق العلم عقبة الإدمان على السكر وما ينتجه من النتائج الوخيمة ولكنهم قلما يحسون ويشعرون بذلك إلا عندما تبدو لديهم أول علامات الجنون الكحولي فإذ ذاك يندمون ولات ساعة مندم. فلعمري ماذا أفادهم علمهم بهذه النتائج إذا كانوا لم يشعروا بها ولم تنفعل بها نفوسهم. فإذا وقعت الواقعة وحل بهم المرض والفاقة قالوا متوجعين ليتنا كنا علمنا. لقد علمتم ولكنكم ما كنتم تشعرون. والشعور هو صاحب الكلمة العليا والأمر النافذ على الإرادة.
تقدم الكلام على تلك الأفكار المخزونة في الحافظة التي لا تنفذ إلى أعماق النفس وليس لها أثر فيما يصدر من الإنسان من الأفعال ونقول الآن أن هناك نوعاً آخر من الأفكار يستعين ببعض العواطف الوقتية فينتج بعض النتائج ويكون له شأن في دفع الإنسان إلى الحركة والعمل. مثال ذلك أن رجلاً قضى بضعة أيام في بيته ملتزماً العزلة والسكون ممتعاً نفسه بالراحة والخمول يقطع أوقاته في القراءة وكلما هم بكتابة فصل من كتابه الذي شرع في تأليفه وأزمع إبرازه للجمهور أحجم عن ذلك ضعفاً منه وخوراً في عزيمته فبينا هو على هذه الحال إذ حضر البريد فحانت منه إلتفاته في إحدى الصحف فرأى أن زميلاً له نشر كتاباً حاز إقبال الجمهور ورضاه فاشتعلت نار الغيرة في فؤاده وشحذ عزيمته حب المباراة والسبق فعاد إلى الكتابة وانكب عليها وما زال حتى أتم مؤلفه. فما عجزت عن عمله الفكرة والقياسات المنطقية جعله مجرد انفعال نفساني وهو عاطفة الغيرة أمراً ممكناً ميسوراً. على أن عاطفة الغيرة معدودة من عواطف الدنيا.
إني لأذكر دائماً حادثة وقعت لي فأرتني جلياً الفرق بين الفكرة والإنفعال النفساني ذلك أنني كنت في بعض السنين أروض النفس في جبال الألب وذهبت ذات يوم قبل شروق الشمس أصعد الجبل فأدى بي المطاف إلى اجتياز طريق مكسوة بالثلوج ومنحدرة انحداراً شديداً ينتهي إلى هاوية مظلمة بعيدة القرار وكنت أسير في هذه الطريق إنزلاقاً على الجليد فلم أفقد صوابي بل علمت ما أنا فيه من حرج الموقف وسوء المغبة وأيقنت أنني هالك لا محالة على أنني تجلد وتملكت رباطة جأشي واعتمدت على عصاي المحددة الطرف فأمكنني أن أتئد في سيري حتى صار أبطأ مما كان وسرت الهويناً حتى اجتزت هذه
стр. 2090
الطريق برفق وحذر ووصلت إلى اليبس وتسنمت الصخر وقد نجوت من الخطر فارتعد عند ذلك جسمي ارتعاداً شديداً من جراء التعب والإعياء ثم أخذ قلبي يخفق خفقاناً متتالياً وتصبب مني العرق البارد وأدركني في تلك اللحظة خوف شديد ووجل طارت منه نفسي شعاعاً ذلك أنه في تلك الآونة استحالت فكرة الخطر إلي إحساس وشعور بالخطر.
ومن بين تلك الأفكار التي ترد من الخارج وترتبط ارتباطاً وقتياً بالعواطف التي تثور ثم تخمد سريعاً ما هو أدخل في النفس وأعلق بها وأشد بها ارتباطاً ومنا تمكناً وهو عبارة عن أفكار ترد من الخارج أيضاً كسابقتها التي شرحناها غير أنها لا تتحد إلا مع العواطف الأصلية الغريزية. أفكار من طبيعة تلك العواطف وعلى شاكلتها فتمزج بعضها ببعض امتزاجاً لا يسهل معه الفصل بينها حتى تتشابه فيلتبس الأمر ولا يعلم إن كانت الفكرة هي التي استغرقت العاطفة أو العاطفة هي التي استغرقت الفكرة وأدمجتها في بنيتها، ومما يعين على سبك هذه السبيكة وصبها في ذلك القالب أن الفكرة الطارئة من الخارج تندمج أيضاً في الأفكار التي تتولد في النفس وتفيض منها وهي التي تعبر تعبيراً صحيحاً وتدل دلالةً ناطقةً على كنه الأخلاق ومنازع النفس وأميالها وما هو مستقر في أعماقها من الخواطر والسوائح وفي أثناء هذا الإدماج يصبغها الإحساس بصبغته ويمدها بشي من حرارته حتى ليخيل إلى من تأمل فيها أنها عواطف منبعثة من النفس وليست أفكاراً مصدرها الإدراك والتعقل ثم تظل بعد هذا التحول الذي طرأ عليها باقية في الذهن حافظة لقوتها وحرارتها التي استمدتها من العواطف. إن المواد التي تسيل على جوانب البراكين مصهورة ثم يبترد سطحها تبطن في أحشائها مواضع بها أجزاء تظل سائلة وتبقى أعواماً طوالاً حافظة لحرارتها الشديدة. فما أشبه هذه الأجزاء بتلك الأفكار في كمونها في النفس على حرارتها حتى يتاح لها أن ينقدح زنادها ويتطاير شررها. هذه الأفكار هي التي توحي إلى صاحبها المعاني وتلهمه الآيات وتنفث فيه السوانح فيما يعانيه من كبريات المسائل وعظائم العزائم المفتقرة إلى الجهد الكثير والتفكير الطويل.
وأعلم أن هذه الأفكار بما لها من الصلة المتينة بالعواطف أصبحت شبيهة بها وعنواناً عليها وواسطة تتنقل بها بين القلوب وتحل بين الجوانح والأفئدة ولولاها لظلت العواطف في مكانها نكرة لا تعرف ومجهولاً لا يهتدى إليه، وذلك لأن العواطف من طبيعتها بطيئة ثقيلة
стр. 2091
الحركة ومهما كانت قوتها في قلب صاحبها فإنه يشعر بها شعوراً يشوبه اللبس والإبهام والغموض فلا يجد إلى الإفصاح عنها سبيلاً. وأما الفكرة فإنها لينة مرنة تنتقل على أهون سبيل من عقل إلى عقل متبطنة العاطفة التي تعبر عنها فتفعل في النفوس فعلها.
فأنت ترى من ذلك أن الأفكار التي من هذا القبيل مباينة كل الباينة للأفكار الطارئة من الخارج التي وعتها الحافظة وخزنتها في وعائها. هذه ألفاظ سيالة تنتهي بمجرد النطق بها وليس لها في النفس الإنسانية من أثر يذكر وتجعل من صاحبها رجلاً قوالاً غير فعال. وأما تلك فإنها ذات أصول تستمد بها قوتها وبأسها من ينبوع العواطف والأميال والشهوات المستكنة في قرارة النفس.
فإذا تولدت فكرة من هذا الطراز في نفس مستعدة لقبولها حدث كما يحدث من خاصتي الإنتقال والتجاذب في السوائل المتجاورة أمران حقيقيان بالعجب. الأول أن الفكرة تجذب إليها العواطف الصالحة لإخصابها فتتغذى منها وتترعرع وتقوى، والثاني أنها تنقل إلى العواطف ما اتصفت به من الجلاء والوضوح وتوجهها إلى الغاية المنشودة وتهديها سبلها. وكما أن المغناطيس يجذب بردة الحديد ويجعلها دوائراً وصفوفاً في غاية النظام والإحكام كذلك الفكرة توجه العواطف المتباينة إلى وجهة واحدة وتهدم ما بينها من الفوارق والتناقضات. تكون العواطف في قلب صاحبها خليطاً مشوشاً مضطرباً فتتسلط عليها الفكرة فتجمعها بعد شتاتها وتنظمها بعد انتثارها وتضم أطرافها وتسلك بها المنهج القويم والحجة الواضحة. لذلك تجد الجماهير في الشعوب الديمقراطية تخفق أفئدتهم بأماني ورغائب يتطلعون محوها ويشرئبون إلى تحقيقها ولكنهم قلما يفهمون كنه ما يجيش في صدورهم منها حتى يقف بينهم خطيباً زعيم من زعماء السياسة المعروفين لديهم فيقول كلمة تصادف هوى من نفوسهم وتقع على موضع الألم من أفئدتهم فسرعان ما تجتمع كلمتهم على غاية واحدة وتتفق أغراضهم في سبيل واحد بعد أن كانت عواطفهم فوضى لا نظام لها ولا ثمرة ترجى من غليانها في صدورهم.
هذه حال الأفكار إذ اانضمت إلى العواطف وارتبطت معها وأما إذا بقيت وحدها فإنها تظل عاجزة عن صد تيار المشاعر الطبيعية والإنفعالات الغريزية ودفع استبدادها وتحكمها مثال ذلك أنه قد يحدث للإنسان في بعض الليالي أن ينقبض صدره وتنتابه المخاوف بلا سبب
стр. 2092
معقول وترتعد فرائصه فرقاً ويخفق قلبه خفقاناً شديداً فيصعد الدم إلى رأسه وتحتقن وجنتاه ومع أنه يفهم أن لا محل لهذا الرعب ويعلم أن استرساله في ذلك معيب وحاط من كرامته فلن يستطيع أن يتغلب على عواطفه ويقهرها. فمن لم يحدث له مرة مثل ذلك عليه أن يختبره بنفسه وذلك بأن يقوم بعد منتصف ليلة من ليالي الشتاء تعصف فيها الرياح عصفاً شديداً ويأخذ في قراءة قصة (الباب المسدود) من كتاب القصص الخرافية تأليف هومفن فيرى بعينيه كيف تعجز قواه العقلية ومداركه السليمة عن التغلب على عاطفة الخوف.
دع الآن هذه العواطف الغريزية وانظر إلى العواطف التي تكتسب بالرياضة والمران، وتأمل في الفرق البعيد بين تنائجها ونتائج الأفكار. انظر مثلاً إلى الإعتقاد الديني لدى الأدباء والمستنيرين والمهذبين من أهل الحضارة القائمة على التعقل والبحث المنطقي، وهذا الإعتقاد بعينه لدى راهب من رهبان (الدومنقيين) القائم على الإيمان والتسليم بلا بحث. تجده لدى هذا الراهب اعتقاداً راسخاً كالجبل لا يميد وعاطفة عالقة بالنفس لا يتطرق إليها الشك، يؤمن إيماناً صحيحاً بضحى في سبيله ملاذ هذه الحياة ويزهد فيما يتهافت عليه الناس ويتهالكون على اقتنائه ويصبر على الفقر والجوع ويروض نفسه على تحمل التعب والألم وأما ذلك المترف الذي يعرف قواعد الدين ويعلم حكمها وأحكمها وقد يذهب للصلاة في الكنيسة ولكنه لا يحجم عن اقتراف أشنع الآثام التي تنم عن الأنانية والطمع كأن يقتر على خادمته المسكينة ويرهقها فلا يطعها إلا بقدر ما تمسك رمقها، لا يشفق على ضعفها ولا يرثي لحالها بل يكلفها من العمل ما هو فوق طاقتها على أنه ينفق بلا حساب في سبيل لذة ينالها أو وطر يقضيه.
بل انظر إلى ذلك الإشتراكي الذي يرقى المنابر ويرفع عقيرته بالدفاع عن حقوق العمال يصف حالهم وظلم أصحاب الأموال لهم ثم نجده بعد ذلك يعيش عيشة البذخ والترف يتنعم بكل صنوف الملذات وينفق عن سعة فيما لا تدعو إليه ضرورة وإنما اقتضاه الزهو والخيلاء. أين هذا الإشتراكي من مثل الكونت تولستوى الذي يؤمن بالإشتراكية إيماناً ويحس بها إحساساً ولذلك لم يمنعه ماله من شرف المحتد والثروة الطائلة والقريحة المتوتدة والجاه العريض والصيت الذائع من أن يقيم بين الفلاحين ويشتغل في الأرض معهم ويقاسمهم شظف عيشهم ويشاركهم في سرائهم وضرائهم.
стр. 2093
كل إنسان يعلم حق العلم أن كل نفس ذائقة الموت وأن كل كائن حي لا بد أن يموت ولكن قلما ينتفع أحد بهذه الفكرة لأنها تتردد في الذهن ولا تأثير لها على أخلاق المرء وطباعه وكان حقاً عليها أن تخفف من غلوائه وتيهه وأن تعزيه عن مصائب هذه الحياة وآلامها وأن تطهره تطهيراً من الطمع والجشع والتناهي في حب الذات. ولكن أنى لها ذلك وهي مجرد فكرة لم تستشعرها النفس ولذلك ترى المجرمين الذين قضي عليهم بحكم الإعدام لا يشعرون بدنو أجلهم وتنفعل بهم نفوسهم إلا في آخر أيامهم. ولقد وصف (ديكنيز) حالهم بقوله: تتردد فكرة الموت دائماً في ذهن المحكوم عليه بالإعدام ولكنها لا تكاد تخطر حتى تزول. وكلما فكر في انصرام حبل أجله وارتعدت فرائصه وانخلع قلبه هلعاً واحمر وجهه حتى يحاكي الجمرة ثم ينتقل فكره رغماً عن إرادته فيحدق ببصره في كوة للغرفة التي أعتقل بها ويعد قضبان الحديد التي فيها ويلمح بينها قضيباً قد التوى فيتساءل عما إذا كان أولياء الأمر في ذلك السجن يبادرون إلى تقويم ذلك الإعوجاج ثم ينتقل فكره على هذه الصورة حتى إذا أقبل مساء آخر يوم من أيامه تجلت له صورة الموت في أبشع مظاهرها فتحس بها نفسه فتخور قواه ويستولي على قلبه الجزع واليأس.
وقد ذكرنا من الأمثال والشواهد ما يكفي للدلالة على ضعف تأثير الفكرة بالنسبة للعاطفة. ولكل قارئ أنم يراجع ما مر به من الحوادث وما استفاده من التجارب فيجد كثيراً منها يؤيد صحة قولنا.
والخلاصة أن الفكرة في ذاتها ضعيفة وكانت تكون قوية لو أنها وجدت وحدها في الضمير ولكنها ليست فريدة فيه بل هي والعواطف فيه فرسا رهان فهي مضطرة أن تستمد منها ما هي في حاجة إليه من القوة اللازمة للمجاهدة.
ـ ٢ ـ
في أن لنا السلطة التامة على أفكارنا وكيفية الإنتفاع
بتلك السلطة واستخدامها
إذا كانت أفكارنا عاجزة عن التأثير بنفسها كما تقدم الكلام فذلك لا يهمنا ولا يحززننا لأن لنا عليها السلطان الأعظم ولنا أن نتصرف فيها كما نشاء. إذ من المعلوم أن من طبيعة القوى المدركة أن الفكرة إذا خطرت جذبت إليها فكرة أخرى ترتبط بها وهذه تجر غيرها
стр. 2094
وهكذا فيتألف من ذلك سلسلة طويلة من الأفكار ومن الهين علينا الميسور لنا أن نستعين بنواميس تسلسل الأفكار وارتباطها بعضها ببعض فنقطع سلسلة منها شاغلة لذهننا وندخل فيها بإرادتنا أفكاراً أخرى غريبة عن هذه المجموعة فندمجها فيها وننظمها في سلكها ثم نربط ما انقطع من تلك السلسلة. كنت أفكر في إيراد مثال أوضح به هذه القضية النظرية فهداني الإتفاق إلى المثال الآتي وطالما كان الإتفاق خير هاد وأرشد دليل. ذلك أنني بينما كنت أفكر إذ طرق سمعي صفير صادر من صفارة العمل القريب من داري فقطع هذا الصوت الذي مثل لسمعي سلسلة الأفكار التي كانت شاغلة ذهني ولو شئت أن أستبقيها لما استطعت إلى ذلك سبيلاً. ثم تجلى لخيالي منظر البحر عند شواطئ جزيرة (قورسه) والجبال الشامخة والمناظر الأنيقة الشائقة التي تبدو أمام عيني المتنزه على شاطئ البحر في مدينة (باستيا) إحدى مدن تلك الجزيرة. وإنما استعاد خيالي تلك المناظر لأن صفير صفارة الذي طرق سمعي يحاكي كل المحاكاة صفير البواخر الذي كنت أسمعه كل يوم في غضون ثلاثة أعوام قضيتها في تلك المدينة.
فمن هذا المثال تعلم أن الأقوى هو الذي له حق البقاء في الذهن فإن أردت أن تطرد من ذهنك فكرة فسلط عليها فكرة أخرى أقوى منها وأشد بأساً.
ومن القواعد العامة في علم النفس أن الأحوال الماثلة أقوى من الممثلة أو بعبارة أخرى أن الأحوال الحاضرة في الذهن التي ترد إليه من طريق الحواس الخمسة أكبر حولاً وأشد قوة من الأفكار التي تهجس في الضمير وتمثل المعاني والمدلولات البعيدة عن الحس. وكما أن صفير الصفارة طرد من ذهني مجموعة الأفكار التي كنت أريد أن أطلق لها العنان فكذلك لكل إنسان أن يحتذي هذا المثال بحكمة وحذق فيثبت في ذهنه من الأفكار ما يشاء ويمحي منه ما يشاء.
فإذا تولدت في ذهنك سلسلة من الأفكار لا تود بقاءها فيه وتريد أن تمحوها من نفسك فما عليك إلا أن تصطنع أحوالاً ماثلة تعرض لذهنك بقوة وتقطع هذه السلسلة وتحل محلها.
ومن جملة هذه الأحوال الماثلة ما هو طوع إرادتك ورهن إشارتك تستخدمه أينما شئت وكيف شئت وهي الحركات ومنها حركات اللسان والشفتين أي النطق. فإذا رمت أن تطرد بعض الأفكار من ذهنك فخذ في قراءة قطعة وانطق بألفاظها وأجهر بصوتك عند القراءة.
стр. 2095
ومن الوسائل التي كان يتذرع بها بعض العباد لطرد الأفكار الضارة التي تثير الشهوات ونزغات النفس ونزواته أن يجلدوا حتى تدمى جسومهم. بهذا وبأمثاله يستطيع الرجل أن يغلب فكرة على أخرى ويدخلها في نفسه عنةً واقتداراً ويجعلها تسير بذهنه إلى وجهة غير التي كان متجهاً نحوها.
ومما يعين على الوصول إلى تلك الغاية ناموس الحافظة إذ من المعلوم أن ما يراد حفظه في الحافظة يجب أن يكرر تكراراً كثيراً في كل آونة حتى ينطبع فيها وينتقش ويحمي سطور ما تقدمه ويعفي أثره ويحل محله بشرط أن يكون هذا التكرار مقترناً بالإنتباه التام ونشاط النفس وارتياحها، بذلك يطرد الإنسان أفكاراً قديمة ويستعيض عنها بأفكار حديثة، ثم إن دقائق الدماغ التي ولدت تلك الأفكار التي طردناها وحكمنا عليها بألا تعود تضعف وتضمر ثم تزول كلها وتجر معها جميع الأفكار التي كانت تتولد منها. الخلاصة أن في وسع المرء أن يسيطر على أفكاره فيقتلع البذور الفاسدة منها والبقعة التي تنبت فيها تلك البذور وتذكو وتترعرع.
وإذا رمت عكس ما تقدم أي أنك تريد الإحتفاظ بسلسلة من الأفكار موجودة في ذهنك وتود أن تبقى وتنمو وتشتد فما عليك لإدراك هذه الغاية إلا أن تجتهد في إبعاد كل ما من شأنه أن يمثل لذهنك ويلم فيه من المبصرات أو المسموعات أوغيرها وذلك بملازمة السكون التام والصمت وإغماض العينين إذا كانت سلسلة الأفكار التي لديك لينة مرنة لا تحتمل مصارعة. ولك أن تستعين ببعض الأحوال التي تفيدك فيما تنشده ولاسيما النطق بالعبارات التي تعبر عن الفكرة التي تريد الإحتفاظ بها والجهر بها ثم تقيدها بالكتابة. وللكتابة شأن خطير لا يستهان به في التفكير الطويل فإنها عدة للذهن تعينه على التفكير باستخدامه آلتي البصر واليد. ولقد انطبعت في نفسي عادة اكتسبتها من ممارسة صناعتي وهي أنني لا أقرأ شيئاً إلا حافظت أشد محافظة على تأدية حروفه من مخارجها وجهرت بصوتي في القراءة فتتأصل بذلك في نفسي كل فكرة وترسخ بواسطة ثلاث عوامل بل أربع إذ من المتعذر أن يقول الإنسان قولاً بلسانه ولا يسمعه بأذنه.
وقصارى ما نقول أن سيطرتنا على أفكارنا وسلطتنا عليها لما تأتيان من سيادتنا على عضلاتنا وإمكاننا تحريكها بإرادتنا ولاسيما عضلات الحواس الخمس ومن جملتها
стр. 2096
العضلات التي تتحرك عند النطق. فبهذه السيطرة نستطيع أن نخلص من مجموعة أفكار ولجت ذهننا وتملكته وتحكمت فيه وأن نستبدلها بما هو خير منها. وتختلف هذه السلطة لدى الأفراد قوة وضعفاً. ولا يحسن أن يحسد الإنسان في نفسه حالة خاصة فيخالها عامة في جميع أفراد النوع الإنساني بمخالفة ذلك النواميس.
стр. 2097
ماجدولين الجديدة
الجزء الثاني
في إنجلترة
الفصل السادس
وصيفة اللادي جانيت
الفصل شتاء، والسماء مصحية، والجو مشرق جميل ونحن ندخل بالقارئ دار مابلثورب بلندن، فنجاوز الحديقة إلى حجرة الطعام، وليس في عشاق الفنون، والمفتونين بالجمال من أهل لندن من لم يسمع بالنقوش الجميلة التي ازدانت بها حجرات ذلك المغنى، ولهذه الحجرة مدخل حافل بالأزهار، ومستغرب النبات، وعلى يمينك باب يؤدي إلى حجرة الكتب، قاعة كبيرة تتصل بحجرات البيت، وعلى يسارك، قاعة البليارد تتجاوزها إلى قاعة التدخين.
هذا والساعة قد دقت اثنتين، وقد بسطت المائدة لطعام الغداء. وكان الجلوس ثلاثة، وفي الصدر جلست اللادي جانيت روي، وبجانبها وصيفتها ومقرئتها، وأما الثالث فضيف نزل بالدار، لا يزال قراء هذه الرواية يذكرون اسمه - وهو هوراس لمكروفت - الملتحق بالجيش الألماني مكاتباً حربياً لإحدى صحف لندن.
واللادي جانيت روي، لا تحتاج إلى التعريف، فهي نجم متألق في المجتمعات الإنكليزية.
من الذي لم يسمع بيواقيتها وحرائرها، ومن ذا الذي لم يفتن باعتدال قوامها وشعرها الأشيب الوقور الجميل وعينيها السوداوين اللتين لا تزالان تحتفظان بلمعة الشباب، ورنوة الصبا، ومن الذي لم يطرب لسماع حديثها الفياض الندي، ومحاضرتها الرطبة الشهية. . .، من هذا العابد المتمسك الذي لم ينته إليه طرف من غرابة آرائها وشذوذ أفكارها، كل إنسان قد سمع بالسيدة العجوز، أرملة لورد طال العهد بموته، كل إنسان يعرف اللادي جانيت روي.
ولكن من الذي يعرف المرأة الشابة الحسناء الجالسة عن يمينها. تلعب بالطعام ولا تأكله. لا إنسان يعرفها ولا ريب.
إنك لتراها الآن في لباس رمادي جميل، تكاد تداني اللادي روي في طول قامتها، تحمل في
стр. 2098
وجهها مفاتن من الحسن قلما توجد في مشذبات القوام. ممشوقات القدود. وإنك لتحس إذ تنظر إليها أنها ليست إلا سيدة نبيلة تشارك اللادي روي في الشرف وجلال الأصل. ولكن. واآسفاه. ليست هي بعد إلا القارئة والوصيفة،. . . . وهي تقابل حديث سيدتها بإطراقة من رأسها اللطيف. ولكن ما بالها حزينة صامتة الحزن، ألا يزال ضميرها يعذبها؟؟
لم تلبث أن نهضت فجأة وهي تقول بحزن، هل تأذنين لي يا مولاتي أن أذهب إلى قاعة الزهر؟. . فأجابت اللادي جانيت. بلا ريب يا عزيزتي.
فحنت رأسها لسيدتها ونظرت إلى هوراس نظرة رحمة وإشفاق ثم تولت ذاهبة، وعينا هوراس تتبعانها.
فلما اختفت، ظل صامتاً لا يأكل، والشوكة في يده يلعب بها، قالت اللادي - ألا تأخذ شيئاً من الفطائر؟
فأجاب هوراس. كلا. وأشكرك.
فعادت اللادي تقول. ألا تتناول شيئاً آخر.
فأجاب هوراس. إذن فآخذ قدحاً آخر من النبيذ إذا كنت تسمحين.
وإذ ذاك ملئ القدح وجرعه مرة واحدة في سكوت واللادي جانيت تلاحظه. قالت اللادي. يلوح لي أن جو داري لا يوافقك يا صديقي الشاب فإنك منذ نزلت ضيفاً عليا لا تفتأ تلح على الكاس، وتملأ الأقداح إثر الأقداح، وتشعل اللفافة بعد اللفافة، إن هذه الأعراض غير محمودة في الفتيان. لقد جئت بيتي يوم وصولك مريضاً من أثر جرح أصابك في ميدان الحرب، ولو كنت أنا في مكانك ما عرضت نفسي للرصاص، ولا غرض هناك إلا وصف موقعة في الصحف، ولكني أظن الأذواق تختلف، أراك مريضاً، ألا يزال جرحك يؤلمك.
فأجاب هوراس. كلا.
فعادت تسأله. وهل أنت ضيق الصدر.
وعند ذلك وضع هوراس الشوكة في يده واعتمد بذراعه على المائدة ثم أجاب. أشد الضيق!
فتملك اللادي جانيت الغضب وقالت، إن مائدتي يا سيدتي ليست من موائد الأندية والأسمار وأنا لا أسمح إنسان أن يكون ضيق الصدر في بيتي. إني أعد ذلك إهانة موجهة
стр. 2099
لشخصي، فإذا كانت حياتنا الهادئة لا تلائمك فقل ذلك وانظر موطناً آخر تتحمل إليه، وعلى ذكر ذلك، هل وجدت لك عملاً جديداً تزاوله.
فأجاب هوراس بهدوء، أجل، إن الحرب لا تزال قائمة وقد طلب إلي أن أكون مكاتباً حربياً لصحيفة أخرى.
قالت اللادي بغضب شديد لا تتكلم عن الصحف والحرب يا سيدي، إني أمقت الصحف، ولا أسمح لها بدخول بيتي، بل إني ألقي تبعة هذه الحرب الموحشة وهذه الدماء المسفوحة، عليها وحدها.
فتملكت هوراس الدهشة وقال، ماذا تعنين، هل الصحف هي المسؤولة عن الحرب؟
فأجابت اللادي بهدوء، كل المسئولية. إنك لا تفهم العصر الذي نعيش فيه، هل ترى أحداً منا يعمل شيئاً اليوم إلا ودلو رآه مكتوباً في الصحف، أنا أكتتب لجمعية من الجمعيات، وأنت تحرز شهادة من الشهادات، وهو يخطب خطبة عصماء، وهي تؤلف ندوة من الندوات، وهم يذهبون إلى الكنيسة، وأنا وأنت ونحن وهو وهي وهم نريد شيئاً واحداً، نريد أن نرى ذلك منشوراً في الصحف، فهل تظن الملوك والساسة والقواد والشعراء شواذ عن بقية الناس، كلا، إني أقول لك لو كانت صحف الغرب أجمعت على أن لا تحتفل بالكتابة عن الحرب بين فرنسا وألمانيا، إذاً لكانت الحرب قد انتهت منذ زمن بعيد، دع القلم يكف عن تذكية السيف، وأنا أقول لك لا حرب يومذاك ولا قتال!
قال هوراس بتهكم إن أراءك عليها طلاوة الجديد يا سيدتي، فهل تمانعين في رؤيتها منشورة في الصحف؟
فهاجمته اللادي بأسلحته. إذ قالت، ألست أعيش في القرن التاسع عشر أجل بل! اكتبها يا سيدي، واكتبها بالقلم العريض.
فعمد هوراس إلى تغيير الموضوع فقال، أنت تلومينني على أنني ضيق الصدر وتظنين أن ذلك لأنني سأمت هذه العيشة البهيجة في دار ما بلثورب، ولكن كلا يا سيدتي اللادي فإنني لم أمل العيشة ولم أسأم - وهنا التفتت صوب قاعة الزهر ثم عاد فاسترسل في حديثه - وإنما الحق أقول إنني غير مسرور من جريس روزبري.
قالت اللادي وماذا صنعت جريس؟
стр. 2100
قال هوراس إنها تصر على تأجيل الزواج، وتأبى كل الإباء أن تحدد يوم عقد القران.
فسألته اللادي، وهل تعرف لذلك سبباً.
فأجاب هوراس، أخشى أن يكون هناك باعث لها على هذا التأجيل، باعث لا تستطيع أن تبوح به لكي أو لي.
قالت اللادي باستغراب، وماذا يجعلك تظن هذا الظن؟
فأجاب هوراس، لقد باغتها مرة أو مرتين وهي تبكي، ثم لا أفتأ أراها ترتجف حيناً، وحيناً تقطب، وتارةً تبدو مبتهجة، وأخرى حزينة مضطربة، فما معنى كل هذه الحركات.
فلم يكن من اللادي إلا أن ابتسمت قائلة، إن المعنى واضح أيها الأبله كل الوضوح، إن جريس منحرفة المزاج في هذه الأيام وقت وصف الطبيب لها السفر وترويح النفس، وسأسافر بها إلى مصطاف جميل.
فقال هوراس بل الأوفق أن أسافر أنا بها ولعلها ستوافق بتأثيرك ونفوذك، فهل ترينني أسألك أمراً كبيراً إذا أنا توسلت إليك أن تعملي على حضها وإغرائها، لقد كتبت والدتي وشقيقتاي إليها فلم يفلحن، فاصنعي لي أكبر جميل كلميها اليوم!
وإذ ذاك أخذ يد اللادي جانيت فطبع عليها قبله حارة وعاد يقول لقد كنت أبداً حنوناً علي عاطفة حادية.
وإذ ذاك أدركت اللادي جانيت الرحمة له فأجابت بلطف إذن فهل أكلم جريس حقاً.
ورأى هوراس أنه قد تحقق رجاؤه فنهض وألقى ببصره ناحية حجرة الزهر ووجهه مشرق بالفرح وأما اللادي جانيت - ولا تزال ذكرى والده الحلوة في ذهنها - فاختلست النظر إليه. ثم تنهدت من ذكرى أيام الشباب الضائعة ولكنها لم تن أن تمالكت نفسها.
قالت وهي تدفعه صوب الباب، اذهب إلى قاعة التدخين، اذهب وخذ في سيئة القرن التاسع عشر، فحاول هوراس أن يشكرها ولكنها دفعته ثانية وهي تقول اذهب ودخن. اذهب ودخن.
فلما بقيت اللادي جانيت وحدها دارت دورة في القاعة ثم فكرت قليلاً.
لم يكن غضب هوراس غير معقول إذ ليس هناك عذر لهذا التأجيل الذي يشكوه، وسواء أكان للفتات باعث أم لم يكن فلا بد من تلمس ما يجول بخاطرها، ولكن كيف تهجم اللادي
стр. 2101
جانيت على الموضوع دون أن تغضب فتاتها وإذ ذاك جعلت العجوز تقول يا لله من بنات هذا العصر إني لا أستطيع فهمهن، لقد كنا في زمننا إذا أحببنا رجلاً اندفعنا إلى الزواج به في أقرب فرصة، ولكن هذا العصر عصر التقدم والرقي. فواهاً لنسائه ثم واهاً.
وأجمعت على مفاتحتها بالموضوع وتركت الكلام للظروف ثم دنت من باب حجرة الزهر فنادت جريس. . . .!
وفي الحال جاءت الفتات الهيفاء تخطر نحوها فوقفت عن كثب ثم قالت هل ناديتني يا مولاتي.
فأجابت السيدة نعم فإني أريد أن أكلمك، تعالي واجلسي بجانبي.
وانثنت اللادي جانيت إلى منضدة في القاعة فجلست عندها وإلى جانبها وصيفتها.
الفصل السابع
جوليان جراي
وافتتحت اللادي جانيت الكلام فقالت أنت تلوحين هذا الصباح شاحبة يا ابنتي.
فتنهدت مرسى تنهدة راجعة وأجابت إني مريضة. وأقل ضوضاء تزعجني.
فوضعت اللادي جانيت يدها فوق كتفها بلطف وإشفاق وقالت إذن فلنجرب السفر يا عزيزتي وترويح النفس. فأي ناحية تشائين يا فتاتي. هل القارة تريدين أم ساحل البحر؟
فقالت مرسى. أنت تعطفين علي كثيراً يا مولاتي فأجابت هذه ومن ذا الذي يستطيع أن لا يعطف عليك يا عزيزتي.
فتوردت وجنتاها الذابلتان وقالت وهي ترتجف أواه يا مولاتي أعيدي علي كلمتك.
فنظرت إليها اللادي جانيت متعجبة واسترسلت مرسى تقول في رنة صوت محزن أجش نعم يا مولاتي لا تظنيني جاحدة. هل يطيب لك حقاً أن أكون في بيتك. هل أحسنت سلوكاً منذ نزلت دارك يا مولاتي.
فتأثرت اللادي جانيت من هذه الكلمات ولكنها ظنت أن فتاتها تتلطف لها فقالت وهي تبتسم أنت تتكلمين يا عزيزتي كما تتكلم الأطفال الصغار ثم ألقت يدها فوق ذراع مرسى برفق واسترسلت بلهجة أكثر جداً، بل إني أحمد اليوم الذي جئت إلي فيه يا جريس. ولا أظن أنني أكون أكثر حباً لك لو كنت ابنتي.
стр. 2102
فمالت مرسى برأسها كأنما لتخفي وجهها وشعرت اللادي جانيت أن ذراع الفتات ترتجف تحت راحتها فقالت ماذا بك يا عزيزتي. فأجابت مرسى في صوت متقطع خافت. لا شيء يا مولاتي إلا أنني شاكرة لك جميلك.
وكان وجهها لا يزال منزوياً عنها.
فقالت اللادي جانيت في نفسها عجباً ماذا قلت لها حتى أخذت في هذا القول هل هي اليوم متفتحة القلب. إذا كان ذلك فلأكلمها عن هوراس. . . .
وانطلقت تدنو بها من الموضوع فقالت ما أطيب الحياة اليوم وما أنضر العيش. لقد عشنا على محض المودة والهناء ولكن ماذا أصنع يا عزيزتي جريس إذا جاء اليوم الذي أضطر فيه إلى أن أفترق عن ابنتي.
فارتجفت مرسى ثانية وفاضت عيناها بالدموع وقالت في لهجة الخوف ولماذا أتركك يا مولاتي.
فأجابت اللادي جانيت أنت ولا ريب تحذرين
فقالت مرسى منذعرة. كلا. إني لا أستطيع أن أفهم. أنبئيني يا مولاتي لماذا،. . . - فأجابتها إذن فسلي هوراس ينبئك.
ولم تفهم مرسى من هذه الكلمات ما كانت تقصد اللادي جانيت، بل انطلق ذهنها إلى حادثة الكوخ، فتراخت ذراعاها ومال رأسها، فرمقتها اللادي جانيت بنظرة عجب وانذهال قالت وهل حدث بينك وبين هوراس منافرة؟
قالت كلا.
قالت ولكنك تعرفين قلبك يا طفلتي - أنت ولا ريب لم تشجعي هوراس على الحب دون أن تشعري له بشيء منه؟
قالت وهي ترتعد. كلا. كلا.
فقالت اللادي جانيت. . ولكن. . . .
وللمرة الأولى اجترأت مرسى على أن تقاطع سيدتها فقالت في رفق يا سيدتي اللادي جانيت إني لست في عجلة من أمر الزواج وإن في المستقبل متسعاً للكلام فيه. إن لديك حديثاً كنت تريدين أن تطارحيني إياه. فما هو. .
стр. 2103
فلم تجد اللادي جانيت غير الصمت. . جعلت تقول لنفسها عجباً لبنات هذا العصر. أي تركيب ركبن. وأي قلوب يحملن.
ولبثت مرسى تنتظر حديث سيدتها وساد السكون بينهما وكاد يكون سكوتاً مزعجاً لو لم ينفتح الباب المؤدي إلى المكتبة وإذ ذاك ظهر أحد الخدم يحمل صينية من الفضة فدخل القاعة فازداد غضب اللادي جانيت فمضت تصب على الخادم جام سخطها فقالت بحدة ماذا تريد وهل دققت لك الجرس حتى تأتي.
قال الخادم جاء خطاب يا مولاتي. والرسول ينتظر الجواب ثم قدم الصينية إلى سيدته وفوقها الخطاب وعاد أدراجه. فعرفت اللادي جانيت خط العنوان بنظرة استغراب ودهشة فالتفتت إلى وصيفتها وقالت قبل أن تفض غلاف الكتاب اسمحي لي يا عزيزتي فانحنت مرسى لها انحناءة الاحترام وابتعدت إلى الناحية الأخرى من القاعة.
فأرسلت اللادي منظاريها إلى عينيها وجعلت تسائل نفسها وهي تضع الغلاف المفضوض فوق المائدة عجيب أن يعود بهذه السرعة.
وكان الخطاب يحتوي هذه السطور:
يا خالتي العزيزة
قد عدت ثانيةً إلى لندن على غير موعد لأن صديقي القسيس قد قصر من أمد إجازته وواصل عمله في الريف. إني مشفق أن تعذليني إذا اعترفت لك بالأسباب التي حملت صديقي القسيس على المبادرة إلى العودة. ثم إن لي غرضاً شخصياً من مقابلتك قريباً. فهل تسمحين بأن أتبع خطابي هذا إلى دار مابلثورب. ثم هل تسمحين لي بأن أقدم إليك سيدة أنت لا تعرفينها - وأنا بها شديد الإهتمام. أنشدك الله إلا ما قلت نعم لحامل هذه الرسالة فتصنعي بذلك جميلاً حلواً لابن أختك البار.
جوليان جراي
فلما انتهت من تلاوة الرسالة لم تتمالك أن كررت العبارة التي تشير إلى سيدة.
وكان جوليان جراي ابن أخت لها فقدتها منذ أمد بعيد، ولو لم يكن جوليان قريب الشبه بوالدته، لما كان بلغ ماكن الحب والعطف من قلب خالته، لأنها كانت تكره منه آراءه في الدين ومنازعاته في السياسة. وكانت هناك مزية أخرى لجوليان كانت تحتج له عند خالته
стр. 2104
وتعطف عليه فؤادها وهي الفخر الذي كانت تحسه اللادي جانيت للذكر المتطاول الذي أحرزه ابن أختها الشاب في عالم الكتابة والوعظ الديني، وكان جوليان بعد ذلك لطيف الدعابة فياض الحديث حلو الأماليح حتى لقد كان ذلك ينسيها إذا لقيته كرهها مبادئه.
لذلك لا عجب إذا كانت اللادي جانيت قد اندهشت وبدا عليها الإهتمام من أمر السيدة الغريبة التي ذكرها ابن أختها في كتابه. إذن فهل أجمع على تغيير حياته. وهل تخير له عروساً. وإذا كان ذلك فهل يكون اختياره يلائم مكانة الأسرة.
فلما خطر هذا السؤال الأخير بذهنها ظهر على وجهها المشرق إمارات الشك إذ ذكرت أن آراء جوليان الحرة المتطرفة قد تؤدي به إلى الغلو والخروج عن حدود الأسرة وآدابها ونهضت اللادي جانيت عن المنضدة وهي تهز رأسها عن ريب وتشاؤم وتقدمت إلى باب المكتبة ولكنها لم تكد تخطو خطوتين حتى عادت إلى وصيفتها وقالت إنني ذاهبة لأكتب كلمة إلى ابن أختي وسأعود قريباً يا عزيزتي فدنت مرسى منها متعجبة وهي تقول ابن أختك إن مولاتي لم تذكر يوماً أن لها ابن أخت.
وهنا ضحكت اللادي جانيت وقالت: ولكن لا ريب في اسمه كثيراً على لساني وكنت ولا شك كثيراً ما أردت أن أنبئك به. ولكن كانت تنسينيه شجون الأحاديث التي كنا نأخذ فيها. ثم الحق أقول أن ابن أختي ليس من الموضوعات التي أحبها. لا أريد بذلك أني أكرهه. كلا. يا طفلتي وإنما أمقت مبادئه فقط ومع ذلك سترين فيه رأيك بنفسك فهو قادم اليوم لزيارتنا. . . انتظري هنا ريثما أعود فإن عندي ما أقوله لك عن هوراس.
ففتحت لها مرسى باب المكتبة ثم أغلقته وراءها وعادت تخطر في الغرفة ذهاباً وجيئةً وهي تفكر.
هل كانت في ابن أخت اللادي جانيت. كلا. إن مولاتها لم تذكر اسمه. إنها لا تزال على جهلها بأن ذلك الواعظ الذي وعظهن في الملجأ وابن أخت المرأة المحسنة إليها هما رجل واحد. وإنما كانت تفكر في الكلمات التي طلعت بها عليها مولاتها في أول الحديث إني أحمد اليوم الذي جئتني فيه يا جريس كانت هذه الكلمات بلسماً لفؤادها الجريح. إن جريس الحقيقية ما كانت لتحرز أكثر من هذا المديح الحلو المغسول لو أنها جاءت، ولكنها لم تلبث أن تولاها رعب مخيف لذكرى خدعتها التي نجحت. ولم تشعر من قبل بما شعرت به في
стр. 2105
تلك اللحظة من الإحتقار والضعة والتأنيب، يالله لو أنها استطاعت أن تفوح بالحقيقة. . . وآطرباه لو أنها استطاعت أن تعيش على حقيقتها في دار مابلثورب. ما كان يومذاك أسعدها. وأبهج حياتها. . هل يحتج لها إخلاصها إذا هي اعترفت. هل ترى حسن سلوكها يتشفع لها إذا هي باحت. كلا. واحزناه. إنها لم تنل مكانها من عطف مولاتها وحبها إلا بخدعة. إذن فلا شفاعة للخدعة ولا معاذير.
وهنا أخرجت منديلها فكفكفت به عبرتين انحدرتا على وجنتيها وحاولت أن تعود بذهنها إلى ناحية أخرى.
ماذا قالت اللادي جانيت عندما خرجت إلى المكتبة قالت أنها ستعود لتكلمها عن هوراس، ويلاه. كيف تستطيع أن تواجه هذه النكبة الأخرى، بحق السموات كيف تخرج منها. أتدع الرجل الذي أحبها يندفع معصوب العين إلى الزواج بامرأة مثلها. كلا. إن الواجب يقضي عليها أن تنبئه ولكن كيف؟ أتجرح فؤاده وتمر عليه عيشه وترسل الأسى في ثنايا روحه إذا هي قالت له عن حقيقتها، وإذ ذاك صاحت باكية. كلا. لا أستطيع أن أنبئه. لا أستطيع.
ومضت فجلست فوق المنضدة ودفنت وجهها في راحتيها وقد تولاها اليأس ثم ختمت نزاع ضميرها كما ختمته من قبل فقالت. ضلة لي. ليتني مت قبل أن تطأ قدمي وصيد هذه الدار. وليتني أموت الآن فيموت معي كل شيء،
وفتح الباب المؤدي إلى قاعة البليارد برفق. وكان هوراس منتظراً هناك ليسمع ما يكون من شفاعة اللادي جانيت ولكن أضناه الإنتظار فلم يستطع أن يمكث أكثر مما مكث.
فأطل من الباب بكل لطف وهدوء. متهيئاً للرجوع إذا وجدهما لا يزالان يتحدثان ودله انصراف اللادي جانيت على أن الحديث قد انتهى. إذن فلماذا لبثت خطيبته وحدها؟ أتنتظره أتكلمه عند عودته؟
فتقدم بضع خطوات. وكانت هي في مكانها لم تتحرك. تائهة اللب شاردة الخاطر. ممعنة في تفكيرها. أتراها تفكر فيه، فتقدم خطوة أخرى ثم ناداها جريس!
فاستوت واقفة وقد خرجت من بين شفتيها صحية خافتة وقالت مغضبة وهي تسقط ثانيةً في مقعدها إني أود أن لا تزعجني. إن أقل إزعاجة تقتلني.
فاعتذر هوراس متذللاً ذلة المحب المتدله ولكن اعتذاره لم يستطع أن يسكن ثائر غضبها،
следующие страницы →