← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

باب تدبير الصحة فرس الليل أو الكابوس كثير من الناس يعرفون ما هو الكابوس وهو المعروف عند الإفرنج بفرس الليل وكثير من العامة عندنا يسمونه حمار الليل ويقولون لمن تملكه الأرق ركبه حمار الليل ولعله من الأمثال الحكيمة وخدمة لمن كانوا سعداء ولمن يزورهم فرس الليل أشرح لهم حقيقة غابت عن الكثيرين. فرس الليل هي حلم مزعج يصحبه إحساس بانقباض كأنه نشأ عن حمل ثقيل معيق للتنفس ومهدد بالإختناق ورغماً من جهاد النائم للتخلص من هذا الحمل وذلك الإختناق فإنه لا يقوى على التخلص ولكنه بعد جهاد عنيف يطول ويقصر تدركه رحمة فيستيقظ وكأنما أزيح عنه أثقل ما حمل الإنسان ثم يتمالك قواه ولكنه عادة يصاب بعرق غزير وخفقان في القلب وألم في الرأس وميل للنعاس. . ويرى العلماء أن هذا الطارئ ينتج عن اضطراب في الدورة الدموية الرئوية والحشوية (البطن) أكثر من اضطراب في المخ أما أنا فأقول وعن اضطراب في الدورة المخية أيضاً ويأتي عادة في الساعات الأولى للنوم أكثر مما يأتي في الساعات المتأخرة. - أما أسبابه فالنوم قبل تمام الهضم والنوم والوجه مغطى والأنف مسدود وعدم راحة الرأس على الوسادة وامتلاء المعدة بالأدوية المختلفة الضارة - ولعلاج هذا الأمر يبحث عن السبب ويزال. الجولان النومي الجولان النومي كثيراً ما يصيب بعض الأفراد ويكون مصدر انزعاج للمريض وعائلته وهو عبارة عما يحصل للنائم من استيقاظه وقيامه وعيناه مغمضتان أو مفتحتان (وفي كلتا الحالتين لا يبصر) بأعمال غاية في المهارة والدقة إما عقلية أو يدوية وعند استيقاظه تماماً لا يذكر شيئاً مما حصل على الإطلاق ولا يجب إيقاظ المتجول على هذا الشكل وهو سائر خوفاً من سقوطه ولا يترك المريض بهذا النوع ينام منفرداً إذ ربما قام وجال على عادته ودخل من نافذة على أنها باب فسقط وكثيراً ما يحصل هذا ويجب إغلاق أبواب الحجرة

стр. 2032

والنوافذ جيداً خوفاً من هذا العارض. ولعلاج هذا الأمر تقوية المريض بكل الوسائل وعدم السماح له بامتلاء المعدة عند النوم والتبرز قبله مباشرة ولو بالوسائل الصناعية (الحقن الشرجية). الحمل ومدته مدة الحمل عند المرأة ٢٧٢ إلى ٢٧٣ يوماً هذا إذا عرف تاريخ بدأ الحمل بالدقة كأن كان ناشئاً على الوطء مرة واحدة أما إذا جهل فيحسب من آخر عادة ٢٨٠ يوماً والمفهوم أن الحمل يحصل عادة قبل العادة دم الحيض بأيام أو بعدها ببضعة أيام وإذا عرف تاريخ آخر حيض أمكن معرفة يوم الوضع في الجدول الآتي: يناير ٣١ يوماًفبراير ٢٨ يوماًمارس ٣١ يوماًأبريل ٣٠ يوماًمايو ٣١ يوماًيونيو ٣٠ يوماً٧٧٥٥٤٧أكتوبر (نوفمبر) نوفمبر (ديسمبر) ديسمبر (يناير) يناير (فبراير) أكتوبر (مارس) مارس (أبريل) يوليو ٣١ يوماًأغسطس ٣١ يوماًسبتمبر ٣٠ يوماًأكتوبر ٣١ يوماًنوفمبر

стр. 2033

٣٠ يوماًديسمبر ٣١ يوماً٧٦٧٧٧٦أبريل (مايو) مايو (يونيو) يونيو (يوليو) يوليو (أغسطس) أغسطس (سبتمبر) سبتمبر (أكتوبر) ولعمل الحساب يؤكد من السيدة تاريخ آخر يوم انتهاء الحيض الأخير وعلى هذا التاريخ يضاف العدد المذكور بالجدول المبين أعلاه أسفل الشهر الذي انتهى فيه الحيض أخيراً. والعد الناتج يعطي التاريخ من آخر الأشهر الموجودة بأسفل كل عامود الذي فيه تضع المرأة فمثلاً - آخر حيض للمرأة انتهى في ١٤ يناير فيضاف ٧ على هذا التاريخ أي ١٤ + ٧=٢١ فإذن المرأة تضع في ٢١ أكتوبر. مثل آخر - لنفرض أن تاريخ آخر حيض انتهى في ٢٩ يناير فيضاف سبعة على هذا التاريخ ٢٩ + ٧=٣٦ أي في ٥ نوفمبر. وهذا الجدول مؤسس على فرض أن الولادة تحصل بعد انتهاء عشرة أدوار حيض كل واحدة ٢٨ يوماً وعلى ذلك يكون الحساب تقريبياً والفرق لا يتجاوز الخمسة أيام زيادة أو نقصان. وعلى ذكر الحمل والولادة أقول أن كثيراً من إخواننا علماء الدين سألوني رأيي في مسألة مدة الحمل وهل يمكن أن تطول أكثر من الزمن المعلوم فأقول بياناً لذلك أن الحمل بمعناه الحقيقي أي بوجود الجنين في حالة حيوية لا يمكن بحال من الأحوال إنما يمكن أن يحصل إجهاض في بحر مدة الحمل وعوضاً عن أن يقذف الجنين خارج الرحم يستمر في الرحم ويمتص أو تتكمش أجزاؤه وتتكلس وتبقى ما بقية المرأة إلا أن يزول بعملية جراحية أو خلافه وكذلك في الحمل خارج الرحم قد يقذف الجنين في البطن ويمتص أو تتكلس أجزاؤه أيضاً ويبقى في البطن في حالة غير حيوية بالمرة سنين طويلة ربما بلغت ثلاثين عاماً أو

стр. 2034

أكثر. من ذلك يرى أن الحمل الحقيقي لا يستمر أكثر من الميعاد القانوني إلا في ظروف استثنائية لبضعة أيام أو لسنين عديدة ولكن في حالة غير حيوية بالمرة.

стр. 2035

تفاريق طبية (١) أسرع السموم فعلاً حمض الهيدروسنيك إذ ربما قتل في بضع ثوان. (٢) الأطباء أقل الناس أعماراً. (٣) الصداع من أسبابه الشائعة الإمساك. (٤) إذا أردت أن لا تصاب بمرض الكاتب فعود نفسك أن تكتب معتمداً على كتفك أو على منتصف الساعد وإياك أن تعود نفسك الكتابة معتمداً على إصبعك الخنصر أو على الرسغ ومعنى ذلك إلا تجعل محل التثبيت الخنصر أو الرسغ ومرض الكاتب مرض ينتاب الكاتب وسائر ذوي الحرف اليدوية وله أدوار تبتدئ بارتعاش اليد وعدم القدرة على إمساك الآلة (القلم مثلاً) ثم الارتجاف ثم التراخي والشلل والعلاج الوحيد الذي توصل إليه الطب إلى الآن هو الراحة من العمل المسبب والكهرباء بقيود مخصوصة. (٥) المراحيض على الطريقة الإفرنجية لها فوائد جمة منها الراحة المطلقة للجالس عليها حتى يمكنه أن يقرأ كتاباً بدون ملل أو كلل وهي في الواقع تعلم الأمعاء أن تؤدي وظيفتها بدون مساعد لها لا كما هو الحال في الكنف المصرية التي بضغط الفخذين والركبتين على البطن تساعد على التبرز ولتلك أيضاً ميزة هي أن تجعل المرء أقل عرضة لمرض الفتاق لأن الرجلين بتدليتهما تشدان جدر البطن فلا تسمح باتساع الحلقة الأوربية على عكس الجالس القرفصاء فإن العضلات ترتخي ويسهل تمدد هذه الحلقة وهي التي عادة يسقط فيها الفتق. (٦) كثيرون يحبون الدوش بالماء البارد الآن - لا بأس به ولكن بشرط أن لا يكون بعد مجهود مباشرة أو عقب تناول الغذاء. أو قبل الخروج للرياضة. الدكتور محمد عبد الحي

стр. 2036

صور هزلية دباغ جديد أنا رجل أحب ما يكون إلي الطعام، وأشد الناس احتفالاً به، ولي في الولائم غارات، وفي الأفراح - بل وفي المآتم أن أردتم الحق، عند ما يطاف على المعزين بالصحاف المفعمة بسد الحنك، بعد السبحة - جولات وغزوات، ولا أظن أن عمتي ذاقت اللحم منذ سنين، وما كان ذلك منها زهادة فيه، ولا كان لأننا لا نشتريه، وإنما هي تأتي إلا أن تدافع القطع المتجاورة وغير المتجاورة في الإطباق إلى ناحيتي، وتفتح سككاً في الصفحة وطرقاً لكي ترسل إلي ما يدنو إليها من قطعة فخمة، أو ريشة طيبة، وتجتزئ هي بالسلطة، أو غيرها من الألوان التي تحبها، وأحاول دائماً أن يصنعوها بجانب ما أشتهيه من الطعام وأبتغيه من الأصناف لكي تكثر الأيدي على ما أكره، وتغيب يدي فيما أحب. ويبقى بذلك مبدأ التوازن قائماً بيننا، وفكرة العدل منفذة، ولكنه ولا ريب ضرب من العدل المعوي، وهو في ذلك يخالف العدل السماوي أو العدل الأرضي. لأنه صادر من فلسفة الأمعاء، وهي فلسفة خاصة مبتكرة تؤول إليها كل فلسفات العالم، بل هي نهضمها جميعاً وتأكل الأذهان التي أحدثتها. وهذه الأسلاك الدقيقة المتشعبة المتثنية هي أشد سرعة في تبليغ الإنسان أوامرها من أسلاك التلغراف وخطوط التلفون. . ولعل أيثار عمتي إياي على نفسها في مجالس الطعام، بعد الفضيلة الكبرى التي أعلمها عنها، لأنها فضيلة لها طعماً، ثم هي بعد حسنة منها تتحول دائماً إلى الدم. وهذا الدم العبيط وأسأل القراء المغفرة لعباطة دمي - يتصاعد إلى رأسي فيزيد في قوة خيالي وتفكيري، وبذلك تكون كل قطعة من اللحم تقذفها عمتي إلي، إذ نحن صافون حول المائدة، هي بمثابة فكرة ألهمتني إياها فالتهمتها. وعلى ذلك يصح للقراء أن يقولوا أن عمتي متعهدة مقالات للصحف والمجلات، وإنها شريكة لي في حتى الإعجاب الذي قد أصادفه من بعض القراء. ولكن وا أسفاه. لي في البيت عواذل، ولي في الأسرة منافسون، ونحن إذا جلسنا إلى المائدة، فكأنما نجلس أمام خريطة حربية في مؤتمر من مؤتمرات الصلح، إذ يتفاوض الأعضاء في تقسيم الأراضي، ويتحاورون في التوزيع، ولذلك إن لي قريباً رزقه الله مصيبة الولوع في الطعام، وهي بالطبع تعد في نظري مصيبة من ناحيته، ولكنها نعمة

стр. 2037

كبرى من ناحيتي. وهنا يثبت فوق المائدة شبح العم دارون يحمل قانون تنازع البقاء، فيدهن بأنانيته أطراف الشوك والملاعق والسكاكين لكي تكون أحد في الحمل والقطع، فإذا امتد الخوان، ووضعت الصحاف والألوان، وجلس قريبي بجانبي، لا يلبث أن يجيل البصر في المائدة، فيعد قطع اللحم، ويعد الجلوس ويقيس القطع على حساب تواريخ الولادة، وبموجب قسايم الصحة، ويحاول لو استطاع أن يجيء بشهادات من الأطباء يعترفون فيها بأنهم يرون الضرر الأكبر في أكل اللحوم، وقد استطاع أن يهزمني من المبدأ الذي يسير عليه في عملية التوزيع، وأعني به مبدأ السن، لأنه أكبر مني عمراً، ويكاد يطوي طيتين من سني، وعبثاً كنت أحاول أن أقنعه بأن يعتبر السنة من عمري سنة ونصفاً على قانون الخدمة في السودان، المعروف بالضمايم ذهاباً إلى أنني أديب وأنه ينبغي لي مقدار كبير من الغذاء لكي أكتب كتباً جميلة، وأضع أفكاراً رائعة، ولكن مثله لا يخدع من هذه الناحية، ولا ينهزم بهذه السرعة، إذ ينثني يجادلني في الأدب، ويروح ويثبت لي أن من أكبر ما يفسد الذهن، ويحدث الغباء، ويظلم الخاطر، أن يكثر الأديب من الطعام، ويحيلني إلى قائمة طويلة من الصوفيين والزهاد والنباتيين والخلوتية فلا يسعني إلا أن أرضى بقطعتي صاغراً منهزماً. وأنا عندما تصلني رقعة دعوة إلى وليمة أو عرس، أبيت قبل ميعادها أياماً وأنا في ذهول ونشوة، ويزيد شكري لصاحب الدعوة إذا أرسلها إلي قبل موعدها بزمن يسير، لأنني أجلس إلى مائدته ست مرات أو تزيد في الحلم، وبذلك يشبع ذهني، ويأكل خيالي، بينما يكون طاهي الوليمة لم يبدأ بعد في تقشير بصلها، وأنا أنصح لصحابتي وأصدقائي قبل أن ينتهوا من ترتيب ألوان الوليمة، إذا فكروا يوماً في إقامة وليمة - إن يسألوني رأيي - لأنني أكون قد تخيلت في المنام أحسنها وأضمنها لاكتساب إعجاب المدعوين، وأعتقد أنني خليق بأن يركن إلى ذوقي، في مثل هذه المهمة، لأنها توافق. . . . مشربي. ولكني بعد أعجب العجب كله وأتساءل لماذا يأبى الناس إلا أن يخجلوا أو تثور العزة في نفوسهم إذا عرف عنهم أنهم يحبون الطعام ويستكثرون منه، ولماذا لا يأنفون من أن يكونوا مرابين ومحامين وصحفيين وممثلين وأشباه هؤلاء، ثم يموتون آنفة وخجلاً وحياء إذا قيل عنهم دباغين مع أنني أعتقد وأؤمن بأن جميع الناس دباغون وإنما تختلف درجات دبغهم وتتباين

стр. 2038

قوة هجماتهم في الخوان، وكل رجل لا يريد أن يحتمل كلمة دباغ يجب أن نقول عنه دباغ سابقاً أو دباغ في الإجازة أو دباغ متقاعد أو دباغ تحت الإختبار لأنه إما أن يكون ولوعاً بالطعام فأسرف فيه حتى بشمت معدته، وتعطلت أمعاؤه، وأما أن يكون قد خلق ممعوداً مريضاً مهزولاً - يعيش في حسرة دائمة، وحزن طويل، ولكنه يحيل إقلاله من الطعام في الولائم والإكتفاء باليسير من المآكل في المآدب، إلى مظهر من مظاهر الحياء والقناعة والرضى بالقليل. وأنا أقول أن حياء الناس من هذه الوجهة هو ضرب من الرياء الإجتماعي والسفسطة الكاذبة، لأننا قد خلقنا لكي نأكل، ونعيش لكي نأكل، ولا نصدق أبداً أننا نأكل لنعيش. وإلا لما خلقت معنا الديوك الرومي والحمام والسمان وصيد البر والبحر، ولما فكر الطهاة في اختراع البفتيك والروستو والساندويش وكل ما لذ وطاب، ولو كان الأكل فقط لكي يسد الإنسان أرماقه، ويمسك على مادة الحياة فيه، لاكتفى كلنا باليسير من الطعام، وأصبحنا جميعاً معريين نخشى أن نرى الديك مذبوحاً، والعجل - ولا مؤاخذة أيها القراء - مهدور الدم، ولما تكالب الناس على الحياة تكالبهم اليوم، وطمع رجل في أن يأكل أبدع مبتكرات الطهاة، وأذ ما جاء في قوائم اللوكاندات وترك ملايين من الناس تأكل. . . . بعضها. . . مع أنه لم يصل إلى الظفر بطعامه الفخم، ومآكله الدسمة، إلا بعد أن فتح نفسه بأكل لحوم ألوف من الفقراء والذين تحت يده في عمله أو مصنعه أو مزرعته، ولعل الأغنياء يجدون اللذة الكبرى، والمذاق العذب اللطيف، في طعم اللحم الآدمي، لأنهم يريدون دائماً أن يستكثروا منه، ويظهر أن اللحوم الآدمية تقوي الأسنان، واللثة، وتفيد الأعصاب، وتحجر القلوب، وهذا هو السبب الذي بعث الأغنياء والأكابر على اعتياد تناول هذا الأبيراتيف قبل الجلوس إلى مائدة العشاء، بعد أن يكون قد دخل في جيوبهم وخزائنهم مئات الألوف، وخرج العمال من عملهم في مصانعهم وأشغالهم وشؤونهم بثمن الفول المدمس. والآن لغضب مني الدباغ القديم، وليصرخ في الشوارع، وليطلبني في ساحة المحكمة، لأني جئت أستلب منه إسماً يقال أنه ألقى إليه وهو لا يستحقه، لأنه نحيف، صغير المعدة، ومن المقلين في الأكل والأدب معاً، إذا تجاوزت معه في نصيبه من الثاني، وعلى أني لا أصدق أنه أديب ولو نظم ونثر - وأذن فلا مناص لنا من أن نسميه دباغ كؤوس أو دباغ وسكي

стр. 2039

إذا كان يغضب من تهمة الإكثار من الصحون والألوان. والآن أدع القراء يهيمون مع الدباغ في تخيل سلطة الحاثي وكبابه وأعود عنهم إلى عمق لأنها في انتظاري عند المائدة، لتغيب هي في التوابل، وأمعن أنا في التهام اللحم، وإلى الملتقى.

стр. 2040

معلومات نافعة مفيدة كيف تعالج أبن الرجلين المسامير تأخذ ٣٠ قمحة من حامض السليسيك و١٠ قمحات من القنب الهندي و ٤ دراهم من الكاوديان وتمزجها معاً وتدهن منها كل يوم صباحاً ومساءً. إذا كنت مهزولاً وتريد أن تسمن إذا كنت كذلك فاعمد إلى الحقنة تحت الجلد بمحقنة مخصوصة يرشدك إليها الطبيب بشيء من زيت الزيتون فلهذا النوع من الزيت خواص مغذية لا خفاء بها وقد علم بالإختبار أنه إذا دخل الجسم من طريق الجلد كان أسهل امتصاصاً منه من طريق المعدة وبهذه الطريقة تسمن وتتحسن تحسناً ما في سائر أحوال البنية. إطفاء لهيب البترول وعلاج الحروق من المعروف أن البترول إذا التهب لا يطفأ بالماء بل يزيد به اشتعالاً ولكن الأفضل أن يطرح فوقه تراب أو رمل أو رماد أو يلقي عليه نحو بساط أو وسادة حتى ينقطع عنه الهواء فينطفئ وقد علم بالإمتحان أن اللبن والحليب أنفع شيء في سرعة إطفائه فإنه يخمد لهيبه في التو واللحظة - أما أفضل معالجة الحرق فذلك أن يغمس المحل المحروق في محلول نترات البوتاس ملح البارود المشبع ويترك فيه مدة فلا يلبث الألم أن يسكن ومتى سخن المحلول من حرارة العضو المحروق يضاف إليه في كل فترة شيء من النترات ويترك العضو المحروق مغموراً به مدة ساعتين أو ثلاث إلى أن يزول الألم بالكلية وأما ما لا يمكن غمسه في المحلول من أجزاء الجسد فتستعمل له الكمادات أي الخرق مبلولة بالمحلول وتلصق على الموضع المحروق وسخنت نستبدل بغيرها حتى تحصل الفائدة. فائدة لغوية لكثير من كتابنا المشهورين الذين تثنى بهم الخناصر ويشار إليهم بالبنان كما يقولون أوهام وأخطاء لغوية لا ندري كيف تسربت إليهم مع ما عرفوا به من التدقيق وشدة التحري، ولكن العصمة لله وحده - فمن بين تلك الأوهام جمعهم الميل بفتح الميم، على ميول مع أنه لا يجمع إلا على أميال وأما الميول فهو جمع الميل بكسر الميم، وكذلك يجمع على أميال وإنا لنذكر أن أول من استعمل هذا الجمع هو أحمد لطفي السيد بك مدير الجريدة سابقاً وقد

стр. 2041

قلده في ذلك جميع مريديه وطايفته تلك الطايفة التي أبى عليها التنطع في اللغة إلا أن تجعل النسبة إلى الطبيعة طبعي لا طبيعي مع غثاثة تلك النسبة ونبوء السمع بها ومع أن جميع علماء الإسلام من فلاسفة وفقهاء ولغويين درجوا على استعمال النسبة المألوفة طبيعي على الرغم من مخالفتها للقياس - وهذا من المفارقات العجيبة ولله في خلقه شؤون.

стр. 2042

مطبوعات جديدة أرجأنا الكلام على المطبوعات الجديدة من كتب ومجلات وجرائد إلى أول عدد يصدر من البيان الأسبوعي. ماجدولين الجديدة لم ننشر في هذين العددين ما ننشره عادةً من رواية ماجدولين الجديدة لضياع النسخة الإنكليزية وقد أرسلنا لإحضار نسخة أخرى ستحضر إلينا قريباً. حول المتفرقات وشؤوننا المصرية جارت مقالات هذا العدد على كثير من المتفرقات وعلى باب في شؤوننا المصرية الذي كان من موضوعاته المكتوبة المعدة للطبع كلمة عن المجمع اللغوي ومسألة الطربوش فنظرة إلى البيان الأسبوعي.

стр. 2043

التطور الكبير لقد آن للبيان أن ينجز وعده لعل قراءنا أيدهم الله يذكرون أن قد كانت النية بهذه المجلة مذ عامها هذا أن نظهرها أسبوعية كما بينا ذلك في مفتتح العدد الأول من هذه السنة ولكن قامت حوائل إذ ذاك حالت دون إنجاز هذا العزم إلى الآن واليوم وقد زالت تلك الحوائل وتوفرت الأسباب التي تستدعي تحقيق هذه النية فإنا نعلن قراءنا بما يأتي: أولا ستظهر هذه المجلة من بعد هذين العددين بعد عون الله وحسن توفيقه ظهر كل خميس من كل أسبوع في طرازها هذا طولها والعرض. بيد أن صفحات كل عدد أسبوعي لا تتجاوز إثني عشرة صفحة بحيث يكون مجموع صفحات كل شهر تربى على صفحات البيان الشهري الحالي. ثانياً ما دام هذا البيان الأسبوعي سيكون في ذلك الحجم وما دامت أعصاب أهل هذا الجيل قلقة مضطربة بحيث لا نطيق المباحث الطوال والمقالات المستفيضة فسنبذل آخر مجهودنا في أن تكون جميع موضوعات البيان قصيرة منوعة كثيرة فضلاً أنها تكون زبدة المعارف وبحيث تربي موضوعات كل عدد أسبوعي على العشرين موضوعاً يتنقل فيها القارئ بين مبحث علمي وموضوع تاريخي ورأي اجتماعي وطرفة أدبية وملحة فكاهية ونظرة انتقادية وقصة قصيرة تامة تتلاقى فيها الفائدة باللذة والفكاهة وهلم إلى كل ما تستروح إليه النفس ويشرب بالضمير ويلتهمه العقل التهاماً. ثالثاً وإذا أصبح الورق من الغلاء بحيث لا يخفي ذلك عن جميع القراء وإذ أن إرسال هذا البيان الأسبوعي إلى جميع قرائنا سواء في ذلك من دفع الإشتراك سلفاً ومن لم يدفع يكلفنا من جراء أجرة البريد مالا قبل لنا به وما نحن في غنى عنه فقد عزمنا عزماً لا تخلخل فيه على أن لا نرسل البيان من الآن إلا إلى من يدفع قيمة الإشتراك سلفاً ولو سبب ذلك أن يهبط لكل مشترك لم يسدد ما عليه إلى الآن إذا أراد الخير لنا وله ولهذه الأمة أن يبادر من الآن بإرسال ما عليه كله أو بعضه حوالة على البريد المصري باسمنا - ومن هنا أيضاً فصلنا جميع وكلاء البيان المحصلين، وبهذه المناسبة نرجو حضرات مشتركينا الأفاضل أن لا يسلموا اشتراكاتهم إلى أي إنسان مهما أبرز من الإيصالات الممضاة منا ومنه والمختومة

стр. 2044

بختم المجلة اللهم إلا إذا قدم إلى المشترك خطاباً خاصاً مكتوباً بصفة خاصة إلى حضرة المشترك أن يسلم اشتراكه إلى هذا المندوب المخصوص وكل ذلك يستثني منه حضرة الأديب الفاضل محمد أفندي حماد وكيل البيان في المينا. وما دامت نيتنا بالبيان هذه النية فإنا نعلن جميع كتاب العربية في مصر وجميع علمائنا وأدبائنا أنا معدون لقبول كل ما يكتبون كل فيما تخصص له بحيث لا تتجاوز الكلمة التي يكتبونها في أي موضوع العمود الواحد من أعمدة هذه المجلة ومعدون كذلك أن نقدم لكل كاتب الجائزة المالية التي تليق بما يقدمه للبيان. أما موعد ظهور هذا البيان الأسبوعي فقريب جداً وسنحدده على صفحات الجرائد اليومية والله الموفق والمعين.

стр. 2045

أغلاط مطبعية جاء في صفحة ٢٦ سطراً من كتاب تربية الإرادة - ومنها أنها لا تجعلها - وصوابها - ومنها أنها لا تجعلنا - وفي هذه الصفحة سطر ٣ - وأذكر من - وصوابها - وأذكرني - وفيها سطر ١٦ من العمود الثاني - ما تنتقص إحداهاالأخرى - وصوابها - ما تناقص إحداها الأخرى - وفي صفحة ٣٥ سطر ١٧ من العمود الثاني - أن يحد الإنسان - وصوابها - أن يجد الإنسان ـ

стр. 2046

تفاريق كم يوم يعيش اإنسان بلا طعام كم تظن الجنود والأهلين يستطيعون أن يعيشوا، إذا كانوا في حصار شديد، وقد نفذ الزاد، وقلت الميرة، وندر الطعام؟ يقرر العلم أن الإنسان يستطيع أن يعيش على الماء صرفاً بلا طعام ثلاثين يوماً أو نحوها، ولا تفسد أجهزة البدن بعد هذا المقدار، إذ في المكنة أن يسترد قوته ويستعيد نظام جسمه بالتحفظ الشديد في الغذاء. ويبلغ الدهن الذي في البدن مقدار ربعه، وفي حالة المجاعة يأخذ الجسم غذاءه من دهنه، وشحمه - وإذا تقرر ذلك، صحت الكلمة السائرة عندما يغضب أحد الناس من آخر فيقول له كل بعضك ونحن نستطيع أن نحرق ونمتص من عضلاتنا وشراييننا، حتى ستين في المائة من وزنها، ولا يبقى منها إلا الأربعون، ومن الكبد والجهاز الهضمي بين ثلاثين وأربعين في المائة من زنتها وعشرين في المائة من الرئتين، ويستطيع القلب أن نأكل منه عشرة في المائة، وأما المخ والجهاز العصبي فيستطيعان أن يخسرا حركة ونفعاً وحيوية، مثل الأعصاب والعقل والقلب، أقلها تحملاً للخسارة، وأشدها جزعاً، وأقلها صبراً على المجاعة وأما الدهن والعروق، والشرايين، فهي التي تؤكل أولاً. فكاهة قال رجل، لصديق له إنني لم أكن قبل اليوم أعتقد فيك الصدق والرجولة والتمسك بقولك، ولكني الآن اعتقدت ذلك وآمنت به. فسأله الآخرـ ولماذا. قال لأنك عندما اقترضت مني الجنيهين قلت لي هذه الجملة سأبقى مديناً لك إلى الأبد!.

стр. 2047

كتاب تربية الإرادة مقدمة الطبعة الأولى للمؤلف مما يدعو إلى العجب الإعجاب جماع الناس على شدة الحاجة إلى معلم يعلمهم شتى العلوم والفنون وإقبالهم على تعلمها بجد واهتمام إلا علم الحياة فإنهم لا يحفلون بتعلمه ولا تحدثهم نفوسهم بضرورة الجد في تحصيله (كلمة قالها نقولا في كتابه الموسوم: في أنه لا ينبغي للمرء أن يسير في هذه الحياة حسبما تجره إليه الظروف وتدفعه يد الإتفاق). كان للدين السيادة المطلقة على العقول أبان القرن السابع عشر وشطر من القرن الثامن عشر فلم يكن ثمت ما يدعو إلى فتح باب البحث في مسألة تربية الإرادة في أعم معانيها إذ القوى التي بأيدي الكنيسة الكاثوليكية - وهي القديرة جد القدرة على تربية الأخلاق - كانت وقتئذٍ كافية لهداية الناس وإرشادهم إلى أهم ما ينبغي لهم من شؤون حياتهم. أما اليوم فقد ذهبت هذه القوة وعفت آثارها من أغلب العقول المفكرة ولم تعوض بما يقوم مقامها فلا بدع إذا اصيبت الإرادة بالوهن والضعف والإنحلال في هذه الأيام وأخذت الكتب والجرائد والمجلات حتى القصص الموضوعة تشير إلى هذه الحال وتشكو من عواقبها وتستحث على تداركها. وقد أتاحت الأقدار لهذه الحال التي تمكنت من النفوس أساة وأطباء زعموا أنهم يعرفون الداء ويصفون الدواء ولكنهم وآأسفاه كانوا متشبعين بمذاهب علم النفس الشائعة في عصرهم فتوهموا أن لقوة الإدراك هيمنة وسلطان على الإرادة وظنوا أن وعن الإرادة نتيجة الجهل بنظرية فلسفية مؤيدة بالحجة والبرهان تتناول البحث فيما هنالك من مباحث ما وراء الطبيعة والأسرار المعنوية الخفية. وهم في جهلهم هذا معذورون إذ من القواعد المقررة في علم الإقتصاد السياسي أن الإنسان أول ما بدأ بزراعة الأرض اختار الأرض الموات الجرداء فبذها وحصد ما استطاعت أن

стр. 2048

تغله تلك الأرض من غير أن يكلف نفسه عناء حرثها وفلاحتها ثم تدرج من ذلك إلى زراعة البقاع الخصبة، عن كان لا يصل إلى ثمرتها إلا بعد الكد والجد وعصب الريق. كذلك الحال في علوم النفس فإن أول ما بدأ الإنسان بالبحث فيه هي الظواهر الهينة اليسيرة التي لا كلفة ولا عناء في بحثها ودرسها وهي لا تفضي إلى نتائج ذات تأثير على أخلاق المرء وسلوكه في هذه الحياة ثم تدرج منها إلى دراسة النظريات الأساسية الجوهرية ذات النتائج الخطيرة الجليلة والآثار الصالحة المجدية وإن كان قد لقي فيها ما لقي من الجهد والعناء. وما وصل الباحثون في هذه العلوم إلى ما وصلوا إليه حتى استجلوا ما لقوة الفكر من الأثر الضئيل في الأخلاق واستيقنوا أنها ليست شيئاً مذكوراً إذا قيست بالأميال والعواطف والشهوات، وكل فكرة لها شيء من السلطان على الإرادة فإنما جاءها ذلك من اصطباغها بصبغة الأميال والشهوات. لو أن هؤلاء المتقدمين بحثوا بحثاً وافياً في الإرادة ودوافعها لعلموا أن الأفكار المجردة لا تغني شيأً في قوة الإرادة وإن عاطفة واحدة يختارها المرء ويأخذ نفسه بها ويروضها عليها خليقة أن تصير قطباً تدور عليه حياته على شريطة أن يعرف كيف يستخدم مصادر القوى والوظائف المكتنة في أعماق نفسه ويعلم كيف يصرفها مع وجوهها المعقولة. ألا ترى كيف استطاع البخيل أن يحرم نفسه من جميع اللذات الجسدية من طعام شهي ولباس فاخر وفراش وثير وأن يعيش في عزلة عن الناس بلا صديق ولا أنيس كل ذلك حباً في الدرهم والدينار حتى رسخ هذا الخلق في نفسه رسوخاً لا سبيل إلى زحزحته. فهل تستبعد أيها القارئ بعد ذلك أن يكون لعاطفة شريفة راقية من السلطان على نفسك ما يجعل حياتك كلها وقفاً عليها وجميع أعمالك رهينة بها. إن كنت تستبعد هذا الأمر فما ذلك إلا لأانك تجهل الوسائل الكثيرة التي يمنحك إياها علم النفس والتي بها يمكنك أن تكون كما تريد أن تكون. ولكن مما يدعو إلى الأسف أن الهمم لم تحم حول البحث في مصادر هذه القوى النفسية ووجوه الإنتفاع منها فإن العلماء الذين تولوا قيادة العقول في أوروبا في هذه الثلاثين عاماً الأخيرة قد انقسموا فريقين يرى كل منهما رأياً هو وتربية الإرادة على طرفي نقيض. بل ينكر كلاهما بتة إمكان هذه التربية ولا يسلمان بوجودها. وخلاصة المذهب الأول أن الأخلاق جملة ولدت مع الإنسان مكتنة في جبلته وغريزته فليس له من سلطان عليها ولن

стр. 2049

يستطيع فيها تغييراً ولا تبديلأً. وسنعود إلى هذه النظرية في سياق هذا الكتاب فنبين ما فيها من الخطأ ونفندها تفنيداً. أما المذهب الثاني فهو القول بحرية الإختيار أي أن الإنسان حر يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء بمحض اختياره وهي نظرية يدل ظاهرها على أنها تؤيد تربية الإرادة وتقول بها وتحث عليها حتى أن (ستورات مل) ذهب به التغالي إلى القول بأن الآخذين بمذهب حرية الإختيار يتولد لديهم شعور بما للجد والسعي الشخصي من الآثار في نفوسهم. ولكنا على الرغم من هذا كله ومع علمنا بفكرة (ستورات مل) وهو من زعماء القائلين بالعلية أي ارتباط المسببات بأسباب وعلل لأنحجم عن القول بأن نظرية حرية الإختيار منافية لتربية الإرادة وامتلاك هوى النفس وإنها عقبة كأداء في سبيلها لا تقل شأناً في ذلك عن سابقتها أعني القول بأن الأخلاق لا تتغير ولا تتبدل وذلك لأانها تعد مسألة تربية الإرادة أمراً هيناً سهلاً وأنها من الأمور الطبيعية التي لا بد منها، مع أن هذه التربية عمل طويل بعيد الشقة ولا بد فيه من السعي الكثير والعناء الكبير والإلمام بقوى النفس ومعرفة مصادرها ومواردها. ولقد ترتب علي القول بحرية الإختيار أن كثيراً من أصحاب العقول الراجحة والآراء الصائبة لم يحفلوا بالبحث والتفكير في مسألة الإرادة ودراسة أحوالها وملابساتها فأضرت هذه النظرية بعلم النفس بل بالإنسانية جمعاء ضرراً لا كفاء له لهذا السبب رأينا أن نهدي كتابنا هذا إلى الموسيو (ريبو) أستاذنا القديم الذي علمنا حب البحث في علوم النفس بل الرجل الذي كان أول من نشر مباحثه النفسية في فرنسا بعد أن جردها من مباحث ما وراء الطبيعة فابتعد فيها عن البحث في ماهية الإدراك وأحوال النفس واقتصر - كما يفعل العلماء في مباحثهم - على درس الأمور السابقة والملابسة لأحوال الإدراك والحركات الإرادية وغير ذلك من حركات النفس. ومما يحب التنبه له أن طريقته لا تنفي وجود المباحث اللاطبيعية أي البحث فيما وراء المحسوسات بل تقول بوجودها وتعترف بأن علم النفس جزء من هذه العلوم وكل ما هنالك أنها تخرج هذه المباحث من علم النفس وشتان ما بين هذا وذاك ومدار طريقة الموسيو (ريبو) هي جعل البحث في شؤون النفس علماً من جملة العلوم الأخرى التي نهتدي بهديها ونسير على نهجها، والعلماء كما لا يخفى لا يتلمسون العلم لذاته ولا حباً في العلم ولكن

стр. 2050

لمعرفة ما هو مقدر حدوثه من الظواهر والأحداث للنظر في اتخاذ الأهبة لها وتدبير ما يصلح نحوها وبالجملة فإن خطة العلماء هي تقدير الحوادث وتدبيرها. فمن ذلك مثلاً أن العالم الطبيعي لا يهمه أكانت نظرية التموجات الضوئية فرضاً من الفروض أم حقيقة من الحقائق ما دامت تؤدي إلى الغرض المقصود وكذلك العالم البسيكولوجي (النفسي) سواء لديه أكانت نظرية توافق بعض الأحوال العصبية مع بعض الحركات النفسية فرضاً أم حقيقة ما دامت تصح دائماً في مقدماتها وفي نتائجها. فالمعول عليه إذن هو معرفة ما ينتظر حدوثه في المستقبل على ما تريد ويكون على مقتضى ما نود أن يكون هذه هي خطة العالم وكذلك يجب أن تكون خطة المشتغل بعلم البسيكولوجيا (النفس). وقد سرنا على هذه الخطة في تأليف كتابنا هذا. فقد بحثنا فيه عن أسباب وهن الإرادة وضعفها في أيامنا الحاضرة. ومن رأينا أن الدواء الشافي يجب أن يلتمس في تربية وجدانات النفس وعواطفها وتقويتها وإنمائها. ولقد يصح أن نطلق على هذا الكتاب العنوان الآتي: مباحث في الوسائل التي بها نولد في نفوسنا العواطف الضارة بتلك التربية ونمحقها بحقاً. وسيرى المطلع على هذا الكتاب أنا قد وفينا هذا الموضوع حقه من الشرح والتبيين وبذلنا جهد الطاقة في هذه المباحث ذات الشأن الجليل والمكانة النبيلة. ولم نجعل بحثنا في الكلام على الإرادة من وجهة عامة مجردة بل قصرنا جل عنايتنا على الكلام في تربية الإرادة لدى المشتغلين بالأمور العقلية التي تحتاج إلى جهد طويل ودأب وصبر. وفي اعتقادنا أنه سيكون جزيل النفع جليل الأثر لدى طلاب المدارس وسائر من يشتغلون بعقولهم. طالما سمعت الشبان يشكون من عدم وجود كتاب يشرح لهم الأساليب الموصلة إلى قوة الإرادة وامتلاك زمام النفس فها أنا ذا أقدم إليهم اليوم ما أفادتنيه أربعة أعوام قضيتها في البحث والتفكير في هذا الموضوع الخطير. مقدمة الطبعة الثانية للمؤلف إن استقبال الصحافة الفرنساوية والأجنبية لهذا الكتاب بالترحاب والحفاوة التنويه بذكره

стр. 2051

وإقبال القراء على اقتنائه وتهافتهم عليه حتى نفذت نسخ الطبعة الأولى في بضعة أسابيع كل ذلك يدل على أن هذا الكتاب جاء في الوقت المناسب وأنه قضى حاجة كانت في نفس الجمهور المستنير. ونحن نقدم خالص شكرنا إلى من كتبوا إلينا في هذا الصدد ولاسيما طلاب الحقوق والطب ولقد أيدت رسائلهم ما كشفنا عنه النقاب في الفصل الأول من الباب الخامس. غير أن كثيرين منهم اعترضوا علينا في سوء ظننا بالشبان وقالوا إن الشبان ما برحوا يعرفون مزية الجد والعمل ومالهما من الآثار الجلية. ولكن ما أبعد المسافة بين القول والعمل ويلوح لي أن الشبان كثيراً ما يخلطون بين القلق والإضطراب والضجيج وبين العمل النافع المثمر الذي قوامه الإفتكار والإبتكار. وزعم بعض الذين كتبوا إلى أن الشطر الأعظم من شبان هذه الأيام قد تملك فؤادهم حب الموسيقى نوعان من أمراض الإرادة يجب المبادرة إلى علاج الشبان حتى يبرأوا منهما ويتقوا غوائلهما. أما القسم العلمي من كتابنا هذا فلم يصادف نقداً ولا اعتراضاً بل قوبل بالثناء والإطراء. وليس الأمر كذلك فيما ارتأيناه في الفصل الثالث من الباب الأول والفصل الأول من الباب الثاني فقد كنا نتوقع نقداً شديداً لما دوناه فيهما من الآراء ولكنا وجدنا أن أكثر هذه الإنتقادات غير وجيهة لم تنل من تلك الآراء. لأننا لم نقصد إثبات أن الأفكار ليس لها أدنى سلطان أو تأثير على الإرادة. لأنا وإن كنا ارتأينا أن للدوافع الغريزية والعادات السلطان الأكبر على الحركات الإرادية بيد أنا قلنا أن الإرادة في أرقى أشكالها إنما تكون بجعل أميال الإنسان خاضعة لأفكاره صادعة بأوامرها وأثبتنا من جهة أخرى أن ليس للفكرة من تأثير على مزيج الشهوات والأميال الحيوانية المنحطة بحيث تتسلط عليها وتكبح جماحها حالاً ومن غير واسطة. وأن قوة الفكرة أمام أعداء أشداء أقوياء الشكيمة كهؤلاء الأعداء لا بد أن نستمدها من مواطنها وهي مشاعر النفس وإحساساتها. ولقد كنا نظن أن أصحاب مذهب حرية الإختيار سوف يعترضون أشد الإعتراض على ما ارتيأناه في الحرية وكنا نتوقع أن تقوم قيامتهم على هذه الآراء فإذا بنا نرى أصحاب القول

стр. 2052

بأن الأخلاق ولدت مع الإنسان فلا سبيل لتغييرها هم الذين ثارت تائرتهم وحملوا علينا حملات شعواء. ويظهر أن نظرية حرية الإختيار قد تركها القائمون بأمر التربية في زوايا النسيان فلقد رأوا أنفسهم مرغمين على مواجهة حقائق ثابتة لا ظنون وأوهام وفروض. ومما يذكر في هذا الصدد أن الموسيو ماريون وهو الالثقة الحجة في مثل هاتيك المسائل شرح في محاضراته التي ألقاها ما بين عامي ١٨٨٤ و ١٨٨٥ الأضرار الجمة التي خلفتها لنا عملياً نظرية حرية الإختيار وهي من مسائل ما وراء الطبيعة فلا سبيل إلى البحث العلمي فيها وخلاصة هذه الأضرار أنها منعت الإنسان من التفكير في الحرية الحقيقية بشروطها وقيودها تلك الحرية التي يجب علينا أن نجد في نيلها والحصول عليها بمجهوداتنا الذاتية. وللموسيو ماريون في مقدمة كتابه التضامن الأخلاقي رأي وجيه عرض به رأي الموسيو فوييه وهو أن مجرد تفكيرنا في حريتنا يجعلنا بالفعل أحراراً. أما رأي الموسيو ماريون فهو أن تناهينا في الإعتقاد بحريتنا والإعتداد بها يحول دون السعي في الإحتفاظ بما نلناه منها والحرص على القدر الذي حصلنا عليه. وهو رأي أقرب إلى السداد وأدنى إلى المنفعة فإنا لا نكون أحرار إلا إذا جاهدنا في هذه السبيل حق الجهاد حتى نبلغ الغرض. وقد وجه بعضهم اللوم والتعنيف إلى المؤلف لأنه لم يحفل بالأخلاق الغريزية ولم يجعل لها مكاناً في مباحثه. ونحن نقول لهذا البعض أنهم مخطئون غاية الخطأ في فهم معنى الخلق. الخلق ليس مادة بسيطة بل هو مجموعة مركبة من أفكار وعواطف وشهوات وغير ذلك ومن ثم يكون ذهابهم إلى أن هناك شيئاً اسمه خلق بمثابة اقول بأمور مستحيلة لاتتفق والعقل السليم، ذلك لأن القول بوجود مجموعة عناصر متباينة كما وكيفما وقوى كثيرة متجمعة على وجه خاص وكيفية خاصة قد انحدرت مع الإنسان وغرست في جبلته قول لا يوافق ذو مسكة من العقل. والقول بهذا الرأي يكون معناه أن الإنسان قد يكون له بعض تلك الأخلاق الغريزية الفطرية في أنقى مظاهرها وأكمل أشكالها خالية من كل ما يحيط بها من مؤثرات الوسط والتربية. ولكن دلت التجارب على أن محاولة الوصول إلى تلك المرتبة ضرب من المحال ولا سبيل إلى الوصول إليها بحال من الأحوال فهذه الاستحالة لا

стр. 2053

تدع مكاناً للاعتقاد بثبات الأخلاق والغرائز المولودة مع المرء. على أن القول هناك أخلاقاً غريزية وجدت في الطبيعة الإنسانية يؤدي طبعاً إلى القول بأن عناصر الخلق الأصلية الجوهرية أي الأميال لا سبيل إلى تعديلها أو تبديلها بوجه من الوجوه وأنه قد قضي عليها بأن تبقى كما هي إلى أبد الآبدين وهو قول ينقضه من أساسه ما نحس به في باطننا وما نستفيده من التجارب وما أحصاه المشتغلون بالتربية والقوام على النفوس ولا يتفق مع ما يقع كل يوم للناس جميعاً في أعمالهم ومعاملاتهم ولقد أقمنا الأدلة القاطعة في الفصل الثاني من الباب الثالث على أن شيئاً من ذلك لم يكن وإن في استطاعة المرء تعديل عاطفة من العواطف بتقويتها وإنمائها أو منعها وكبح جماحها ولو لم يكن الناس كلهم على هذا الرأي لما رأيت ثم حاجة إلى تربية الأطفال ولتركة لهم الحبل على الغارب ووكلت أمرهم إلى الطبيعة تتصرف فيهم على مقتضى نواميسها التي لا تتغير ولا تتبدل. هذه الملاحظات النظرية كافية في تفنيد ما زعموه من ثبات الأخلاق وعدم قابليتها التغير والتبدل. وإن شئت أيها القارئ الزيادة من النظر في هذه المسألة فعليك قراءة المؤلفات الحديثة عن موضوع الخلق ولاسيما الجزء الثالث من كتاب المسيو بوهان، أقرأ هذه الكتب والمباحث تجد فيها أن الأكثر الأغلب أن الإنسان كأنما ينطوي في أنحاء نفسه على أشخاص عديدين مختلفي المذاهب متنوعي المشارب وإن الإنسان كلما تدرج في سبيل الرقي الأخلاقي والتطور نحو الكمال انعدمت في نفسه أميال وقامت مقامها أميال أخرى جديدة وكثيراً ما تجد للإنسان أميالاً وأحوالاً لم تكن موجودة لديه من قبل كلما تقدم في السن، بل كثيراً ما يتبدل خلق بخلق آخر وصاحبهما واحد. أليس ذلك كله دليلاً على أن وجود خلق ثابت لا يتغير أمر أعز من بيضة الديك. نرى نفوس أكثر الأطفال حافلة بالأميال والأهواء المتضاربة المتناقصة المشوشة. وما وظيفة التربية غير إيجاد النظام في هذه الفوضى والعمل على تثبيت بعض الأميال في نفوس الأطفال حتى تمتاز عما عداها وتصير قوية الأركان راسخة الدعائم. وبيناً المربي آخذ في عمله وقد أدرك شيئاً مما يبتغيه من تثبيت بعض الملكات والأخلاق الصالحة ومقاومة الملكات الخبيثة المرذولة والجد في محوها إذ بالطفل وقد بلغ أشده وتخطى دور

стр. 2054

البلوغ فلا يلبث حتى تهب في نفسه عواصف هوج تقتلع من نفسه ما غرس فيها من الملكات وتقلب ثمرة هذه المجهودات رأساً على عقب فتتبلبل أفكاره وعواطفه وينتابها الخلل والفوضى. فإذا لم يثب معتمداً على نفسه موجهاً وجهته إلى مكافحة هذه العواصف والجد في تكوين صفاته الأدبية وتجديد أخلاقه على أساس متين وقع لا محالة في تلك الحالة التي أفضنا في وصفها في الفصل الأول من الباب الثالث. ولو فرضنا صحة ما يدعون وسلمنا بأن الخلق يولد مع المرء كما هو هبة منحتها الطبيعة للمرء فتجعل حياته ممتازة بصفة من الصفات وخلة من الخلال لا يحيد عنها يمنة ولا يسرة لترتب على هذا الفرض وجود أناس تمكنت من نفوسهم بعض الأخلاق تمكناً شديداً حتى لا سبيل إلى زحزحتها منها. ولكنا نتلمس مثل هؤلاء الرجال فلا نجدهم وإلا فأين هم؟ أفي عالم السياسة ونحن لا نكاد نرى رجالاً وجهوا كل همهم إلى غاية واحدة سامية راقية اللهم إلا القليل النادر منهم. وأما أغلب المشتغلين بالسياسة فإن أفكارهم وعواطفهم متشردة مبلبلة يذهبون مع كل ريح ولا يستقرون على حال من القلق وتراهم كثيري الجعجعة والحركة والاضطراب وقلما ترى لأحدهم رأياً سديداً أو عملاً رشيداً بل ترى في الكثير منهم أحلام الأطفال في أجسام الرجال. أم في عالم الأدب؟ وأنت ترى أن أكثر أرباب الأقلام قد أجمعوا على تمجيد الوحشية البشرية واستخدموا أقلامهم في تزيين الشهوات الجسدية والانغماس في الترف والملاذ بعد النكبة التي أصابت فرنسا في صميمها عام ١٨٧٠ ويدلك على صحة رأي (مانزوني) وأنه أصاب كبد الحقيقة فيما قال ما تراه في فرنسا من نقصان المواليد بقدر ما ازدادت دواعي أثارت الشهوات وموجبات الانفعالات. لم يهتم كتابنا بإيقاظ عوامل الشرف والنبل وطلب المعالي تلك العوامل الكامنة في نفوسنا المسكتة فيها بل عمدوا إلى تحريك غرائزها الفطرية البهيمية كأنهم اعتبروا الحياة البشرية منحصرة في النخاع الشوكي والنخاع المستطيل. ليس الذي يسطرونه بالأدب الذي يغذي العقول ويستصرخها إلى التأمل والتفكير بل أدب يستثير الشهوات ولا يحفل بالفضيلة ومكارم الأخلاق.

стр. 2055

إنا نمسك القلم عن الاسترسال والإفاضة في القول ونكتفي بأن نقول أنه لكي يكتمل خلق من الأخلاق في الإنسان لابد أن تكون خلاله على وتيرة واحدة وليست كل يوم في شأن وأن تكون راسخة في النفس متمكنة منها جد التمكن حتى يكون صاحبها متطلعاً إلى غاية يوجه إليها كل همته وآماله. إذا تبين لك ذلك أدركت أن الخلق ليس وليداً مع الإنسان مغروساً في فطرته فقد رأيت أن المرء يولد وفي نفسه الأفكار والأميال والأهواء فوضى لا نظام لها وإنما ينظم شتاتها ويضم بين أطرافها العمل على نيل الخلال التي أشرنا إليها والسعي في تحصيلها. ويتلخص من كل ما تقدم أن الخلق كسبي لا طبيعي فمن قصرت همهم عن الطموح إلى تلك الحال والطمع في إدراكها فليس لهم حق فيما يعلى قدر المرء ويسمو بمكانته ويجعل له شأن في هذا الوجود أعني الحرية وامتلاك هوى النفس. مقدمة الطبعة السابعة والعشرين للمؤلف في غضون ثلاثة عشر عاماً ونصف عام أعيد طبع كتاب تربية الإرادة سبعاً وعشرين مرة إلى أكثر اللغات الأوروبية. وهذا وحده دليل على مقدار حاجة الناس إلى مثل هذا الكتاب. ولو نشرت الرسائل التي انهالت على المؤلف لتألف منها مجلد ضخم يدل بعبارة بليغة مؤثرة على حالة نفوس أكثر الشبان في هذا العصر. نعم فلقد أصبحت العقول في هذه الأيام تخامرها الشكوك والريب والشبهات وتضرب الحيرة حولها نطاقاً إذ لا تجد من المذاهب الفلسفية ولا من الأوضاع الاجتماعية ما تستروح له وتسكن عنده وتظفر منه بالحقيقة المنشودة. حتى الدين الكاثوليكي. وقد كان فيما سلف الحمى الذي تلجأ إليه الضمائر القلقة المضطربة أضحى في هذه الأيام وقد أقسم ذووه على أنفسهم وتفرقوا شيعاً وأحزاباً. ولا تجد رأياً أو مذهباً في السياسة أو الاجتماع أو الأخلاق وإلا وقد تناولته يد البحث بالنقد والطعن والتجريح. على أن التربية في المدارس الثانوية اقتصرت على تلقين الطلبة المعلومات العقلية البحتة ولا تعدو ذلك فالأخلاق التي تتكون في هذا الطور هي صلة مشوشة مضطربة ضعيفة الأثر بين العقائد القديمة المتوارثة وبين المذاهب الفلسفية الحديثة.

стр. 2056

فهل تعجب بعد ذلك إذا طرق الشبان أبواب الحياة وهم ضعفاء الإرادة قاعدو الهمة تسير بهم الحوادث رغم أنوفهم كيف شاءت. لم يدر بهم أحد على الصبر وطول الأناة والتجرد من الهوى والغرض والنظر إلى الأمور نظر الباحث المشكك والشك أول مراتب النظر الفلسفي. تضيق صدورهم عن قبول الآراء المستحدثة التي لم يألفوها لأن الغرور متمكن من نفوسهم فلا يكادون يفقهون أن ما يعملونه بالنسبة إلى ما يجهلونه كالقطرة بالنسبة للبحر أو الذرة إلى الصخر ولم يتشبعوا بالحرية الحقة ولم يتعودوا على تحري روح الحقيقة والتماسها في مباحثهم، تلك الروح التي تعيش في ظلها المذاهب المتضادة وتحيا تحت كنفها الآراء المتناكرة المتنافرة. بل تراهم يتعصبون لمذهب دون مذهب وينصرونه على ما عداه من غير ما تدبر ولا تفكير فيضلون سواء السبيل وتعجز مداركهم عن فهم المباحث الراقية أي عن خدمة الحقيقة. والحقيقة أحق ما ينبغي على المرء أن يشد إليها الرحال ويبذل دون الحصول عليها نفسه ونفيسه لأن أقصى أمانيه أن يكون حراً والحرية لا تعدو معرفة الحقيقة وكشف الغطاء عنها. فإن شئت أن تكون حراً فاجعل كل ما يصدر عنك من الأعمال مطابقاً لحقائق هذا الوجود. ويتلخص مما تقدم أن الحرية تستلزم حتماً الوقوف على النواميس التي تسير عليها أمور هذا الوجود الظاهرة أو الباطنة وأن يطلع الإنسان على أسرار قوى نفسه أي معرفة ذاته ومن غير هذين الشرطين أي العلم بنواميس هذا الكون والعلم بأسرار قوى النفس يستحيل رقي شخصية المرء ووصولها إلى درجة الكمال. ولا يتيسر الوصول إلى هذين العلمين إلا بالعمل والسعي بإدراكهما. وللعمل آثار على المرء إذا راقبها عن كثب واستطلع طلعها نفذ فكره من ذلك الحجاب الكثيف الذي يغطي أمياله ومنازعه المكتنة في أعماق نفسه وامتد نظره إلى ما وراء المعتقدات الشائعة والمؤثرات الناشئة من أحوال الناس وعاداتهم ومصطلحاتهم التي تقسر المرء على مجاراتهم من غير روية وتسدل على نفسه ذلك الحجاب الكثيف. فإذا نفذ فكره وامتد نظره إلى ما وراء ذلك تجلت له ذاتيته الصحيحة مجردة من كل شائبة.

стр. 2057

قال أيمرسون: إن الذي يجب علي أن أفعله هو ما يوحيه إلى وجداني وما أرى أنه صالح لشخصي لا ما يراه الناس أنه الأفضل والأولى بالإتباع. وهذه القاعدة على ما في تطبيقها من العناء والصعوبة سواء في ذلك الأمور العملية والشؤون العقلية هي بمثابة الحد الفاصل بين الهمة والمروءة وبين فتور العزم والنذالة. فإن شئنا الاحتفاظ بشخصيتنا وأن نؤدي في هذه الحياة ما هو مقدور لنا وجب علينا أن ندرك تمام الإدراك نفوسنا وما تنطوي عليه من القوى فإنا إن جهلنا ذلك أصبحنا لعبة في أيدي الحوادث والطوارئ تعبث بنا وتقلبنا كيف شاءت وعدت علينا المعتقدات الفاسدة والأوهام الشائعة بين الناس فعطلت تطورنا نحو الكمال وتدرجنا في مدارج الرقي وحولت ذلك إلى وجهة غير التي تقتضيها طبيعتنا وأميالنا الأصلية الغريزية. وأما إذا وقفنا على أسرار نفوسنا واطلعنا على حقائق هذا الكون الذي فيه نعيش وفي أرجائه نتخذ ميدان الحركة والعمل هان علينا أن نربي إرادتنا ونحكم نفوسنا وذلك بأن نهيئ الأسباب فتنتج حتماً نتائجها. كذلك يفعل ربان السفينة: يعلم أن اللجة تحاول أن تبتلع سفينته في جوفها وأن الرياح تهب بغير ما يشتهي ويهوى فيهيئ من الأسباب والوسائل ما يضطر الأمواج أن تحمل سفينته طوعاً أو كرهاً والرياح أن تدفعها وتسير بها إلى بر السلامة. وهذا العمل والسعي في إعداد الوسائل وتهيئة الأسباب القائمة على الروية والتفكير وإدراك حقائق الأمور لا تقتصر فائدتها على كشف ما في جوانب نفوسنا من الأميال والمنازع الأساسية الأصلية فقط بل أنها ترينا أيضاً بمرأى العين حقيقة الروابط الكامنة بين الناس في هذا العمران وتميط لنا اللثام عن القواعد والأصول التي تقدم عليها هذه الروابط. فاعلم أن وجود شخصية للمرء واكتمالها حتى يكون له قسط ونصيب من خدمة هذا المجتمع إنما يتوقف على ما لدى غيره من بني الإنسان من المدارك والصفات والأخلاق. وأن أقصى ما يبلغه من القوة في هذه السبيل تكون مطابقة لأكبر ما يكون بينه وبين أهل عصره من صلات التضامن والعدالة وعلى مقدار هذه الصلات والروابط تكون حالته بلا زيادة ولا نقصان. وهذا العلم الذي يحصل للمرء تدريجياً ويتناول معرفة ما هو منطوٍ بين جوانحه من الأميال

стр. 2058

والغرائز، وتكوين إرادته وتكويناً قوامه الفهم والإدراك خاضعاً لأحكام ناموس العلة والمعلول أي أن الأسباب تنتج نتائجها، كل ذلك لا يتم إلا على شريطة الهدوء والسكينة حتى يكتمل المطلوب ويبلغ غايته. وإنه لمن أوجب الواجبات علينا أن نحرص كل الحرص على إبعاد كل ما من شأنه شرود الفكر وتبلبل البال وتقسم العقل، تلك العيوب التي خلفها في نفوسنا التعليم في المدارس حتى كأن الغاية التي ترمي إليها برامج التعليم ومناهجه هي الإحاطة بجميع المعارف البشرية في أقصر زمن ممكن. وكذلك يجب علينا أن لا نكد أنفسنا ونجهدها في قراءة ما لا يفيد ولا يثمر بل يلهي الذهن ويشغل العقل على غير طائل ولا جدوى. وأن نتجنب جهد طاقتنا المشاغل الكاذبة والقلق والاضطراب التي هي من مستلزمات الحياة في هذا العصر وكما أن السائل إذا أذيبت فيه بعض الأملاح وترك ساكناً من غير تحريك رسبت فيه بعد زمن أجرام متبلورة لطيفة الشكل فكذلك الإنسان إذا استجمع نفسه وظل ساكناً هادئاً تكونت شخصيته شيئاً فشيئاً وتولدت في نفسه ملكات راسخة من الحزم والعزم والإقدام. الباب الأول تمهيدات الفصل الأول ما هو ضعف الإرادة وأشكاله المختلفة لدى طلبة العلوم والمشتغلين بأشغال عقلية كان كاليجولا أحد طغاة ملوك الرومان يود لو تجتمع رقاب عداته في رقبة واحدة فيحزها بضربة بكر من سيفه. أمنية حمقاء كما ترى تشف عما وراءها من ضعف الإرادة فضلاً عن أنها لا ترد ولا تجدي. وأنت فإذا استقصيت أسباب ما يعرض للمرء من الخيبة والفشل فيما يحاول من المطالب وما يلحقه من جراء ذلك من الويلات والخطوب لرأيتها تحور جميعها إلى سبب واحد هو ضعف إرادته وسقوط همته وفتور عزيمته وخوفه من عناء السعي والجد. شطر المؤلف كتابه هذا إلى شطرين الشطر الأول القسم النظري وهذا هو الباب الأول منه (١) قال أبو تمام:

стр. 2059

من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا واستنامته إلى الأحلام والأماني فيما ينشد، وجزعه من الشقة وبعد الشقة. إن المطالب لا ينالها إلا بعيد الهمة، ذاك الذي يبذل في سبيل غرضه الجهد يعقبه الجهد لا يثنيه حب الراحة ولا يلويه عن قصده المجاشم وطالما كان الكسل عقبة كأداة في سبيل إدراك ما يبتغيه المرء لأنه يجذبه إلى الراحة كما تجذب خاصة الثقل الأجسام نحو الأرض. ولا يمكن أن يقوم في وجه الإرادة ويعرقل سيرها ويشل حركتها ويخمد جذوتها إلا قوة ثابتة مستمرة. فإن قيل أنها الشهوات قلنا أن الشهوة من طبيعتها سريعة الزوال فلا تثور حتى تسكن بل إنها كلما اشتدت كانت أسرع إلى الهمود والخمود اللهم إلا في بعض أحوال شاذة تستبد فيها الشهوة الإنسان وتتسلط عليه فتكون شغله الشاغل آناء الليل وأطراف النهار وهذه الحالة قريبة من الجنون. فإذا تقرر ذلك وكانت الشهوة ليست دائمة البقاء فلا يصح اعتبارها من العوائق الكبرى في سبيل الإرادة وقد يستطيع صاحب الشهوة في أثناء ركودها وسكونها أن يأتي بأعمال كبيرة ويقوم بمهام عظيمة. أما العقبة الكبرى في سبيل الإرادة فهي حالة نفسية طبيعية ذات آثار فعلية بادية للعيان تسمى الكسل أو قعود الهمة فكلما حاول الإنسان مجهوداً في عمل من الأعمال كان عليه أن يقاوم هذه الحالة النفسية الثابتة ويشهر عليها حرباً عواناً وربما لا يكون الفوز مضموناً فيما يحاوله من التغلب عليها وقهرها. وإنما قلنا أن هذه الحالة النفسية طبيعية لأن الإنسان في مبدأ الخليقة لم يندفع إلى العمل والسعي إلا بعد أن استحثته الحاجة وساقته إلى ذلك مكرهاً. ولقد أجمع رجال الأسفار ممن جابوا الآفاق ودرسوا حالة الأمم الهمجية على أن هذه الشعوب مرتطمة في حمأة الخمول والكسل ولا يبدو منها ما يدل على أنهم يبذلون أي مجهود. وقد أصاب الموسيو ريبو في قوله أن قوة الانتباه الإرادي لا بد أنها أول ما ظهرت كان ذلك لدى نساء الأمم الهمجية لأن الرجال كانوا يحبسون نساءهم ويكلفونهن القيام بشاق الأعمال بينما هم يتفيأون ظلال الراحة والكسل. ولماذا نذهب بعيداً وننظر إلى الماضي وأمامنا اليوم زنوج أمريكا يبيدون وينقرضون يوماً بعد يوم ولا يحرك ذلك عزائمهم ويستحثهم على معالجة أي عمل يعود عليهم بالسعادة

стр. 2060

والثراء. ومن الشواهد على ما نذهب إليه أيضاً ما نعانيه من قسر الأطفال على المواظبين على عمل من الأعمال. وأنظر إلى الصناع والزراع فهل نجد منهم من حاول إتقان عمله وابتكر فيه من ضروب الإيجاد ما لم يسبقه إليه أحد ألا تراهم محتذين حذو من تقدمهم مقتفين آثارهم ناسجين على منوالهم. وإذا استعرضت في ذهنك جميع ما نستعمله في بيتك من آنية وغيرها لرأيت أكثرها خداجاً ناقصاً وأنه لو كان بذل في سبيله شيء من الجهد العقلي لكان أوفى بحاجة الناس مما هو الآن وأدنى إلى الغاية. إذا تبين لك ذلك أدركت صدق ما قاله الفيلسوف هزبرت سبنسر في هذا المعنى: يخيل إلى أن الناس جعلوا وجهتهم أن يقضوا هذه الحياة من غير أن يبذلوا في سبيلها من الفكر إلا أقل ما يستطيعون، نعم فإننا إذا رجعنا إلى ماضي حياتنا وتمثلنا بذاكرتنا أيام المدرسة لما وجدنا بين رفاقنا جميعاً من كان يكد ذهنه ويأتي بما يدل على جهد عقلي بل كان أكثرهم يعتمد على ذاكرته في استظهار بعض ما يمكنه من النجاح في الامتحانات. وعندما ينتقلون إلى المدارس الخصوصية يزداد نفورهم من كل درس يحتاج إلى أعمال الفكر والروية وكل آمالهم ومطمح أنظارهم اجتياز الامتحان بإجهاد الحافظة ثم بذل ما في وسعهم لنيل وظيفة في إحدى المصالح يرتزقون منها ولا يتطلعون إلى ما هو أبعد من ذلك غاية ولا يطمحون إلى معالي الأمور. ولقد أجاد الموسيو رنوفيه كل الإجادة في وصفهم حيث قال: إن الذي يتطلع إليه الشباب ويجعله قبلة آماله وظيفة يحصل عليها قليلة لأجر قليلة لا احترام ولا مستقبل لها ولا أمل في التدرج منها إلى ما هو أرفع. تمر الأيام وتكر السنون ولا يزال حتى يدركه الهرم وهو على كرسيه معنى بأعمال عادية تافهة ويرى في كل يوم انحطاط قواه عقلاً وجسداً ولكنه يروح عن نفسه بالانصراف عن كد الذهن وإجالة الرأي والتصرف في الأمور لأن النظامات واللوائح أغنته عن ذلك وحددت حركاته وأعماله وجعلتها على مثال آلة الساعة في وقتها وانتظامها وأغنته عن مشقة السعي والحياة الحقيقية على أنا لا نلوم الموظفين وحدهم وننعي عليهم هذا النقص الذي أشرنا إليه فإن المهن الأخرى مهما تكن درجتها من الرفعة والسمو لا تكفي لحفظ شخصية صاحبها ولا تضمن له قوة إضافته واستقلال رأيه فإن المرء أول ما يمارس عملاً من الأعمال يجهد عقله في

стр. 2061

المران عليه للإحاطة بدقائقه وخفاياه ثم لا يمضي حين من الدهر حتى يقل عدد ما يعرض له من الأمور التي تتطلب درساً وبحثاً وتنقيباً وحيلةً واستنباطاً. حتى المهن السامية التي يرى من ظاهرها أنها تحتاج إلى أجهاد عقلي عظيم لا تلبث أن تصير بالمران والاعتياد أمراً يسيراً لا كلفة في أدائه ولا عناء. فالمحامي والقاضي والطبيب والأستاذ يعتمدون في ممارسة أعمالهم على معلومات اكتسبوها ولا يجدون في إنمائها إلا في القليل النادر لأن ميلهم إلى بذل المجهودات يقل سنة فأخرى فتضعف من جراء ذلك وظائف العقل كالانتباه والتروي والاستنتاج بسبب قلة المسائل التي ترد عليها وتحتاج في حلها إلى وظيفة من تلك الوظائف العقلية. فإذا لم يجد الإنسان في أن يجعل لنفسه بجانب مهنته أو وظيفته عملاً عقلياً يشغل به نفسه ويشحذ به قوى عقله كان جديراً بالوقوع فيما ذكرناه من العيوب فيخبو ضوء ذكائه وتخمد نار عزمه. ولما كان هذا الكتاب قد ألفناه خصيصاً لطلبة العلوم وللمشتغلين بأشغال عقلية كان خليقاً بنا أن نشرح الأشكال المختلفة لهذه الحالة التي يجب مقاومتها بكل قوة. فأصعب الأشكال مراساً وأشدها بأساً انحلال عزيمة الشاب وسأمه وكلال نفسه وهي الصفات التي تبدو جلياً في جميع حركاته، ينام نوماً طويلاً ثم يقوم متكسر الأعضاء مسترخي العزم فاتر الهمة لا يرى لذة في أداء أي عمل من الأعمال حتى لا تقرأ سأمه في وجهه، ينهض متثاقلاً متثائباً لتنظيف وجهه وارتداء ملابسه فيقطع في ذلك وقتاً طويلاً ثم يتناول طعام الفطور ويتوجه في التو والساعة إلى القهوة حيث يقرأ الجرائد اليومية ويتصفحها جميعها ولا يفوته منها كلمة واحدة حتى ولا إعلاناتها ذلك لأن مثل تلك القراءة تقطع وقته ولا تتطلب منه عناءً ولا جهداً. ويعود إليه شيء من النشاط آخر النهار ولكنه لا يغتنم فرصة ذلك النشاط فيثب إلى عمل ذي شأن بل يصرف الوقت في أحاديث لا فائدة منها ومناقشات عقيمة سقيمة في نقد الناس وتجريح أعمالهم وإظهار معائبهم لأن كل كسول حسود ولا يكاد يسلم من لسانه أحد من رجال السياسة أو العلم والأدب ثم يذهب إلى فراشه منقبض الصدر وإن كان قد قضى سهرته في اللهو واللعب ولكنه له مشوب بالانقباض وضيق الصدر لأن اللذة لا تنال إلا بالتعب والراحة لا تدرك إلا بالكد والعناء. من أنواع اللهو واللذات ما هو مباح ومفيد كقراءة الكتب النافعة وزيارة المتاحف

стр. 2062

والرياضة في الغابات فإنها لذات لا تبرم بها النفس أبداً وفي وسع الإنسان أن يعود إليها كلما أراد ولكن الكسول لا يعرف الطريق إليها والاستفادة منها والاستمتاع بها لأنه في شغل عنها بلذات أخرى تجعل حياته خالية من كل معنى. وبالأعراض عن تلك اللذات النافعة تفلت من يده لأنه لا يعرف كيف يقبض عليها بكفه. ولقد صور سان جيروم هذا الكسول فقال إن مثله مثل الجندي الذي صور شاهراً سيفه فإنه يظل طوال حياته رافعاً سيفه في الهواء لا يهوي به. كذلك الكسول تتردد الأماني والرغائب في إنحاء نفسه ولا يستطيع تحقيق شيئ منها ما بقي حياً. عاى أن الكسل الطبيعي المغروس بالفطرة في النفس لا يمنع من أن تهب النفس أحياناً وتندفع إلى العمل بقوة وعزيمة. فليست المجهودات العنيفة هي التي تجزع منها الأمم الهمجية بل العمل المذكور المتكرر والثبات والدأب لأن ذلك يستنفد من القوة ما لا تستنفده المجهودات الشديدة. ولعمري أن إنفاق الأموال القليلة التافهة يربى مع الإستمرار والتكرر على المقادير الطائلة التي تنفق مرة ثم يعقب ذلك إمساك وشح. فالكسالى يصيرون على كل نضال يفتقر إلى جهد عنيف مؤقت تعقبه راحة وسكون. ولقد أسس العرب دولة واسعة الأطراف غير أنهم لم يستطيعوا الإحتفاظ بها نظراً لما ينقصهم من أخلاق الثبات والدأب في بذل المجهودات لتنظيم إدارة تلك البلاد التي افتتحوها وإنشاء الطرق بها وتأسيس المدارس وتعضيد الصنائع. وكذلك ترى الكسالى من طلبة المدارس عندما يقترب موعد الإمتحان يأخذون في مراجعة دروسهم بقوة وعزم ولكن الذي يزعجهم ولا يستطيعون إليه سبيلا هو الدرس المعتدل المنتظم المتكرر في كل يوم وليلة مدى عدة شهور وأعوام. لا طاقة لهم بمتابعة هذه لخطة المثلى، يسترسلون في خمولهم وكسلهم ثم يهبون دفعة واحدة عند اقتراب الإمتحان. فالعزيمة الحقة ذات الآثار النافعة إنما تنحصر في المجهودات المعتدلة المستمرة المتكررة، وكل عمل يخرج عن هذا الضرب من المجهود من المجهود يعد من أعمال الكسالى. ثم إن كل عمل مستمر يستلزم بالضرورة وجهة له أو غاية معينة. فليس إذن في تعدد الأعمال التي يقوم بها المرء وكثرتها ما يدل على قوة إرادته بل الإرادة الصحيحة تكون بتوجه العقل بجميع وظائفه وقواه إلى غاية واحدة. وإنا واضعون لك نوعاً من أنواع الكسالى تجده

стр. 2063

أينما سرت: تري شاباً يلوح عليه النشاط وتترقرق في محياه البشاشة والعزم ويندر أن تراه غير منهمك في عمل من الأعمال تجده في يوم واحد قد قرأ رسالة في علم طبقات الأرض وفضلاً في النقد الأدبي وتصفح بعض الجرائد وألقى نظرة على بعض المحاضرات وكتب مقالة في بعض مسائل العلم والفلسفة وترجم قطعة من اللغة الإنكليزية فتعجب بذلك الشاب كما يعجب رفاقه غاية العجب بمقدرته وعزيمته على الإتيان بكل هذه الأعمال الكثيرة المتنوعة على أننا لا نعده إلا كسولاً لأن هذه الأعمال المتنوعة لا تعد في عرف العلوم النفسية إلا دليلاً على بقاء الذهن على حالته الطبيعية الغريزية وعدم ارتقائه إلى درجة الإنتباه الإرادي حيث يكون لسلطة الإرادة يد في توجيهه حيث يرخي الخير والمنفعة. وهذه المقدرة العجيبة على الإتيان بأعمال متنوعة متعددة ليست إلا ضعفاً في الإرادة وهذا الشاب الذي وصفناه نوع من أنواع الكسالى وهو نوع نسميه النوع المشتت الذهن نعم إن تنقل الذهن بين هذه الأعمال المتنوعة والفنون المختلفة يلذ العقل ويروح عن الخاطر ولكنه لا يعد إلا نزهة لذيذة فقط أي لا منفعة فيها ولا ثمرة لها. ولقد شبه نقولا أولئك الذين يتنقون بين الأعمال المتنوعة من غير أن يستقروا على حال بعقول الذباب وقد شبههم فنيلون بشمعة تضيء مكاناً معرضاً لهبوب الرياح من كل جانب. وأكبر عيوب توزع قوى العقل في مجهوداته وتشتتها أنها لا تدع للفكرة أو العاطفة من الوقت ما يكفي لاكتمالها ورسوخها في قرارة النفس وبذلك تمر كل فكرة بالذهن مروراً لا تستقر حتى ترحل ولا تسلم حتى تودع كأنما هي مسافر نزل في فندق ثم زايله ورحل عنه في التو واللحظة. وبذلك تظل الأفكار والعواطف والوجدانات غريبة عنا وليست منا فلا تلبث أن تهمل في زوايا النسيان. أما العمل العقي الصحيح فإنه يتطلب حتماً توجيه القوى العقلية في طريق واحد كما سنرى ذلك مفصلاً في الفصل الآتي. وهذا النفور من المجهود الحقيقي أي من ربط جميع القوى العقلية وتوجيهها جميعاً إلى غاية واحدة واضحة يزداد صعوبة ويشتد بنسبة افتقار المرء إلى مجهود ذاتي فإن الفرق شاسع بين إتيان عمل مبتكر واستنباط وسائله واختراع السبيل إلى إيجاده جديداً لم يسبق له نظير وبين شحن الذاكرة بنتائج العقول وآثارها ومبتكرات الأذهان وأثمارها فإن لأول

стр. 2064

مفتقر إلى مجهودات متعبة مضنية والثاني عمل هين يسير لا كلفة فيه ولا عناء. كل عمل فيه اختراع وإنشاء فقوامه هذان الأمران معاً أي توجيه قوى العقل إلى غاية واحدة وربط بعضها ببعض ويدلك على أن ذلك شا قمتعب جزع أكثر طلبة المدارس العليا من كل عمل من هذا القبيل وهم الذين سيكونون في مستقبل أيامهم الطبقة الرقيقة التي يلقى على عاتقها تدبير الأمور بالحكمة وسداد. أنظر مثلاً إلى طلاب الفلسفة ترهم أنجب الطلاب وأوفرهم ذكاء وأشدهم مواظبة وتشميراً في تحصيل دروسهم على أنهم لا يسلمون من ذلك العيب الذي أشرنا إليه وهو الخمول العقلي ووقوفهم في تحصيل الفلسفة عند حد الألفاظ وحده دون أن ينفذوا إلى المباحث التي تنم عن أعمال الطالب فكرته. ومثال ذلك أنهم عند دراسة علم النفس لا يخطر ببال أحدهم أبداً أن كل إنسان في الحقيقة مشتغل بهذا العلم على وجه عملي وأن مظاهر قواه النفسية من أفكاره ووجدانات وازدادت تتجلى في كافة حركاته وسكناته طول حياته. هل خطر ذلك لأحدهم فعمد إلى نفسه يراقبها ويميز خطرات فكره وخلجات وجدانه فيستنبط منها ما يصلح أن يكون شاهداً ومثالاً للنظريات التي هو متوفر على دراستها وألا تراهم يقتصرون كلهم في ذلك على المثل والشواهد المذكورة في الكتب التي بين أيديهم. إنهم إلى الإستظهار أميل منهم إلى البحث وهذا العبء الثقيل الذي يبهظون به ذاكرتهم لا يخيفهم ولا يزعجهم كما يزعجهم بذل أقل جهد ذاتي فهم يتأثرون بغيرهم وليس لهم أثر صدر عن أنفسهم اللهم إلا بعض أفراد منهم يشذون عن رفاقهم فتراهم أذكى فؤاداً وأمضى عزماً ولكنهم أفراد قليلون. ومما يدلك على نفور الطلبة من بذل أي مجهودات ذاتية تلك الإختبارات التي تجري كل ثلاثة أشهر لمسابقة الطلبة في الحصول على درجة الأول في فرقته فإن أكثر الطلبة يرهبونها ولا تقع موقعاً حسناً من أفئدتهم ذلك لأن تلك الإختبارات وإن كانت لا تضطرهم إلى مجهودات شخصية إلا أنها عبارة عن إنشاء موضوع جديد مادته الدروس المتفرقة التي تلقوها وتشترط فيها سهولة التراكيب ووضوحها وفي ذلك من الكلفة عليهم ما فيه. ينتقل الطالب الذي مني بهذا الفوز من العمل الذاتي إلى المدارس العليا ومعه هذا الفوز، وذلك لأن الكسل العقلي لا يحول بينه وبين التدرج من مدرسة إلى أخرى أرقى منها إذ لا يعبأ أحد من الممتحنين يقيمة الطالب الحقيقية ومقدار كفاءته الذاتية بل كل ما يعنى بشأنه

стр. 2065

هو الذاكرة وما هي عليه من وفرة المعارف المكتسبة أو قلتها. ولو سألت طالباً ذكياً مفكراً من طلبة الطب أو الحقوق أو العلوم الطبيعية أو التاريخ لصرح لك بأن المجهودات الشخصية التي يبذلونها في تحصيلهم والتي تفتقر إلى أعمال الفكر والروية أقل من القليل بالنسبة لمجهودات الحافظة لذلك يعجب الإنسان من تفشي هذا العيب عيب الخمول العقلي حتى لدى العلماء وهو خمول تستره الظواهر الباهرة من تأليف المؤلفات الضخمة وتكلف العناء البالغ في سبيل جمع مواردها والتأليف بينها فيعجب الرائي كيف يرمي من هذه معارفه وهذا عمله بالخمول العقلي والجواب على ذلك يسير فإن الكمية لا تقوم مقام الكيفية بل كثيراً ما تكون كمية العمل عائقة عن إبلاغه الدرجة المرومة من ألغجادة والكمال والإتقان وفرق كبير بين من يجمع بين أقوال غيره وبين من يبتكر ويبتدع. يهزأ أصحاب الإطلاع الواسع بالفلاسفة وهم أنفسهم خليقون أن يشبهوا بالجرذ الذي أضحى بين الأدباء كناية عن سعة الإطلاع وبيان ذلك أنهم زعموا أن جرذاً رأى يوماً موقداً فيه بعض الثمرات تشوى على الجمر فكلما مد يده وحاول أن ينال من تلك الثمرات وهي مستورة بالرماد لذعته النار. وما زال يعالج هذا الأمر حتى وفق إلى أخذ واحدة ثم ثانية تلتها ثالثة. فهذا مثل المنقطعين إلى الإطلاع: يبدأون عملاً ويأخذون في الجد في إتمامه فإذا أعياهم البحث وأنهكهم التعب كفوا ثم عادوا بعد قليل إلى سيرتهم الأولى. معتمدين في عملهم هذا على الكتب والرسائل التي دونت في الموضوع الذي يعالجونه وليس أن تبتدع أو تنشئ شيئاً جديداً. نعم إن العقل قد يستفيد من هذه المطالعة ولكنه يضيع كثيراً من مضائه ونفاذه إلى صميم الحقائق. ولعل الزمن الآتي يحقق آراء الفيلسوف رينان في مستقبل العلوم التي هي لمحض الإطلاع فحسب. فإن تلك العلوم فضلاً عن حقارة نتائجها وكثرة ما فيها من الخطأ والخلط والتناقض سوف يأتي زمن لا تقوم فيه لها قائمة ولا تروج لها سوق. وإليك مثالاً لذلك الكتب التي تؤلف وتهدى في كل عام إلى المكتبة الأهلية بباريس فإنها تبلغ عشرين ألف مجلد عداً. فإذا أطرد ذلك فقد اتمضي خمسون عاماً حتى تربى مجموعة الكتب الموجودة في عهدنا الحاضر على ألف ألف مجلد، عدا الجرائد والمجلات والنشرات الدورية وهو عدد عظيم من الكتب حتى لو ركمت فوق بعضها لأربى علوها على قمة الجبل الأبيض. فكيف يمكن

стр. 2066

أن يحتوي التاريخ بين دفتيه على أسماء الأعلام بل لا بد أن تمحي منه شيئاً فشيئاً ولا يذكر فيه غير الحوادث الإجتماعية الكبرى على أن تلك الحوادث نفسها مثار للغرض والهوى والظن والتخمين في أسبابها وفي نتائجها. وليس في مقدور الإنسان أمام هذه المواد الكثيرة الهائلة أن يحيط بها علماً ويقال عندها أنه واسع الإطلاع. أما أصحاب العقول المستنيرة الرشيدة فلا يرون في هذا العمل إلا عملاً آلياً بحتاً وهو الرجوع إلى المعاجم ودوائر المعارف والسجلات والكتب وذلك كله ليس من الأعمال العقلية في شيء لأن الأعمال العقلية إنما تنحصر في أعداد المواد اللازمة لبناء فكرة من الأفكار وتجنب كل تفصيل تافه ليس له شأن في تركيب بنيتها. وإنشاء موضوع هو تصوير روحه وجوهره تصويراً واضحاً للعيان وترك التفاصيل التي تشوه الحقائق. ومن تأمل بعين الناقد البصير لرأى أن تلك الحواشي والتفاصيل تسربت إلى الموضوع على غرة من العقل أثناء اشتغاله وكده في البحث وعنائه في الإستنتاج والإستنباط لما هو مغروس في الطبيعة البشرية من الخمول العقلي: تستريح المفكرة وتغفو غفوة فتمدها الحافظة بما هو مخزون فيها. نقول والحسرة ملء فؤادنا أن مناهج التعليم الموضوعة في أيامنا هذه تزيد في هذا الخمول العقلي في شدته وتثقل في وطأته حتى كأنما يراد بها تخريج تلاميذ مشتتي الأذهان بتكليفهم بأن يلموا بكل شيء إلماماً ويمروا به مروراً من غير أن يعلق بعقولهم منه شيء أو يتسع الوقت لتمنعهم في الدرس والبحث لسبب ما فرضته تلك المناهج من المواد الكثيرة المتنوعة. وإن للطالب أن يفقه عنهم طريقة التعليم هذه وهي تهدم من نفسه كل قوة للإستنباط وكل إرادة في العمل الجدي. لقد أتى زمن على المدفعية الفرنساوية كانت فيه ضعيفة فزيدت اليوم عشرة أضعاف قوتها. كانت القنبلة في الزمن القديم تنفجر عندما تصدم الهدف فلا تصيبه بكبير أذى. أما اليوم فقد اخترعوا آلة خاصة تدفعها إلى الإستمرار في السير بضع ثوان بعد اصطدامها بالهدف لتغلغلها في أحشائه وتمكنها من جوانبه ثم تنفجر فتسحقه سحقاً ولا تبقى فيه ولا تذر. ولقد نسوا في طرق التربية أن يخترعوا للذهن آلة تدفعه إلى الإمام حتى يتمكن من المعلومات وكان القائمين بأمور التربية يقولون للعقل: أتريد أن تقف؟ كلا. كلا. لا بد لك من الجد في السير. فيقول لهم: ولكنني لم أع شيئاً مما قرأت وتلك الوجدانات التي تولدت لدي من

стр. 2067

القراءة ما كادت تمر بي مروراً حتى ذهبت وأمحي أثرها فأصبحت أثراً بعد عين. فيقال له: لا بأس. لا بأس. لقد مضى عليك أيها المسكين أن تظل سائراً لا تلوى على شيء ولا نصيب لك من الراحة. لا بد أن تمر على الرياضيات والطبيعية والكيمياء وعلم الحوانات والنباتات وطبقات الأرض وتاريخ جميع الأمم وتخطيط البلدان ويجب أن تتعلم لغتين أجنبيتين وتدرس أدبيات بعض الأمم وتدرس علم النفس والمنطق والأخلاق وما وراء الطبيعة وتاريخ المذاهب الفلسفية. فسر في طريقك فإنك صائر إلى حالة من أتعس الحالات وعادة من أقبح العادات وهي الإطلاع على كل شيء إطلاعاً سطحياً لا تنفذ منه إلى بواطن الأمور وتعرف كنهها وتكون عرضة للإنخداع بالظواهر. وليت الطلبة بعد خروجهم من المدارس والتحاقهم بالجامعات يتئدون في سيرهم الحثيث بل يسيرون أيضاً بخطى واسعة وبعض فرق من الجامعة أعجل في سيرها وأبلغ في غوائلها من الآخرين. أضف إلى هذا القلق الذي تولده الدراسة ما تبعثه الحياة في عهدنا الحاضر في أنفسنا من الآثار السيئة فإنها تشتت الذهن وتبلبل الأفكار على صورة لا مفر للإنسان منها ولا طاقة له بالخلاص منها فإن سهولة النقل وكثرة الأسفار في البر والبحر والتنقل بين السهول والجبال والأنجاد والأغوار كل ذلك يلهي الذهن ولا يدع للمرء متسعاً من الوقت لقراءة ما يفيد أو التفكير فيما ينفع حتى يحق لنا أن نقول أننا نعيش عيشة مضطربة لا خير فيها أو عيشة كثيرة الحركة قليلة البركة. والصحف اليومية بما لها من الأساليب الشائقة التي تستهوي النفوس وتجتذبها إلى ما يقع من الحوادث في كافة بقاع الأرض استمالت أكثر الناس إليها وجعلتهم يفضلون قراءتها والإستمتاع بأحاديثها على قراءة الكتب القيمة المفيدة. فكيف يمكن اجتناب تشتت الذهن الذي يولده الوسط إذا لم تتخذ العدة اللازمة لدفعه ودرء شره بواسطة التربية ولكن أين الإهتمام بتربية الإرادة إذا كان لم يفكر أحد من القوام على الناشئة في وسائل إنمائهاوتقويتها بل لم يجعلوها غرضاً مقصوداً وإنما جعلوها واسطة يستعين بها الطالب على الجد في تحصيل دروسه فإذا انقضت لبانته واجتاز الإمتحان عادت قوة إرادته إلى الخور وعزيمته إلى الضعف.

стр. 2068

تزعم المدارس أن مهمتها تقوية عقل التلاميذ لاكتساب شتى المعلومات فلا تسعى في تقوية إرادتهم إلا على قدر ما هو لازم لكسب تلك المعارف ومن الوسائل التي نستعين بها في هذا السبيل تأنيب الأستاذ تلميذه سراً أو علانيةً والثواب أو العقاب وغير ذلك من الآلات التي تستخدم للوصول إلى شحذ همة الطالب واستفزازها إلى الجد والإجتهاد. ولكن ليت شعري ماذا يكون حال الطالب في غده عندما لا يرى شيئاً من تلك الوسائل لا يرغب في ثواب ولا يرهب عقاباص ولا هو خاضع لمؤثر من تلك المؤثرات التي تبعثه على الجد. لقد ضل أولو الأمر في مسائل التربية سواء السبيل إذ جعلوا جل عنايتهم بالحاضر وغفلوا عن المستقبل فلم يحسبوا له حساباً وكان خليقاً بهم أن يحفلوا بتربية الإرادة ويجعلوها تربية صحيحة دائمة البقاء لا أن يمحوها بالصناعة قوة عارضة لا تلبث أن تزول متى تغيرت الأحوال وتبدلت الأمور. لا يبقى للطالب في المدارس العليا من دواعي الجد والمثابرة في التحصيل غير تلك الأمنية التي تتلجلج بين جوانحه وهي اجتياز امتحان الليسانس في الحقوق أو الدبلوم في الطب وهي إجازات قد يصل إلى إحرازها أبلد التلاميذ وأكثرهم خمولاً فترى مما تقدم أن ليس لتربية الإرادة نصيب وافر من الإهتمام مع أن قوة الإرادة أو العزيمة هي كل شيء في الإنسان وهي التي تجعل له قيمةً وشأناً ولولاها لظلت أجل المواهب وأسنى الملكات عقيمة لا تثمر ثمراتا بل الإرادة هي التي دفعت الإنسان إلى إبراز ما تم على يديه من جلائل الأعمال وعظائم الأمور. من العجب أن يقول كل إنسان في نفسه ما نحن قائلون الآن وما من أحد إلا ويتألم ويشكو من شدة الإهتمام بتثقيف العقل وتربيته بأنواع العلوم والفنون وإهمال الإرادة وتركها ضعيفة خائرة. ولكن مع هذا الشعور العام بشدة الحاجة إلى تربية الإرادة لم يعن أحد للآن بتأليف كتاب واحد في هذا الموضوع الخطير. لذلك أخذنا على عاتقنا تأليف هذا الكتاب بأسلوب لم يسبقنا إليه أحد ولم نكن فيه من المقلدين. سل بعض الطلبة الذين اشتهروا بفتور همتهم وغفلتهم عن الإهتمام بواجباتهم والجري وراء اللعب واللهو وقل لهم ما هذا وما الذي أدى بكم إلى هذا الحال يجيبونك جميعاً بما

стр. 2069

معناه: كان أساتذتنا بالأمس يحددون لنا الدرس الذي يلزمنا حفظه يوماً فيوماً بل ساعة فساعة فكان الأمر بذلك واضحاً لنا محدوداً لا لبس فيه، نعلم مثلاً أي فصل من التاريخ يجب درسه وما هي النظرية الهندسية التي يجب علينا تفهمها والقطعة التي تجب ترجمتها وفضلاً عن ذلك فقد كنا مسوقين إلى الجد في التحصيل رغبةً في المكافأة تارةً ورهبةً من العقاب تارةً أخرى وكانت المباراة والمسابقة بين التلاميذ دافعاً لنا إلى التشمير في العمل. أما الآن فلا شيء من ذلك كله فنحن نتصرف في أوقاتنا كيف شئنا ولما كنا لا ندري كيف نحسن توزيع الأعمال التي لدينا حسب الأوقات كما أن طريقة التلقين ليست مطابقة لجهلنا من الضعف فقد صار مثلنا مثل من يلقى في الماء وهو لا يعرف السباحة غير أنه تمنطق بمنطقة النجاة. وإنا لخليقون على ذلك أن نكون من الهالكين. لقد جهلنا كيف نشتغل وكيف نريد بل لا ندري ما هي الوسائل التي بها تربي إرادتنا بأنفسنا إذ لا يوجد كتاب عملي ألف في هذا الموضوع نستعين به ونسترشد بنبراسه. لذلك ترانا مرغمين على الخضوع لما جرت به المقادير ولم نعد نشعر بأننا قد ألقينا سلاحنا واستسلمنا وتركنا الجهاد للخلاص من هذا المأزق المتضايق ولكن ما أشده ألماً لنفوسنا وما أسوأ وقعه في قلوبنا ومما يزيد الحال ضغثاً على أبالة التردد على القهاوي والحانات ومعاشرة خلان السوء الذين يميلون إلى اللهو وقطع الأوقات في المسرات. وهكذا تنقضي أوقاتنا واليوم خمر وغداً أمر. فهذا الذي يشكو منه الطلبة هو الذي حدا بنا إلى تأليف هذا الكتاب فلعلهم يجدون ضالتهم ويهجمون منه على حين طيب. الفصل الثاني الغاية التي ننشدها أهملت مناهج التعليم مسألة الإرادة ولكن ذلك الإهمال لم يمنع الناس كافة من الإعتقاد بأن قيمة المرء على قدر همته وقوة إرادته وإجماعهم على احتقار الرجل الضعيف وإهمال شأنه ولما كانت قوة إرادة الإنسان إنما تقاس بمقدار ما يصدر منه من المجهودات في أعماله فلذلك ترى كل واحد يتظاهر بكثرة الأعمال التي يقوم بها ويغلو في ذلك إلى حد بعيد وإنما يقول ما لا يفعل ويدعي ما ليس فيه لعرفانه ما لقوة الإرادة من المقام الرفيع في عيون الناس. يقول ذلك وهو بمأمن من أن تذهب لزيارته في مثل تلك الساعة بمثل ذلك

стр. 2070

البكور للوقوف على صدق ما يقول. حتى إذا عرض لك أن نزوره يوماً عند الساعة الثامنة نجده لا يزال راقداً في فراشه فيعتذر حينئذٍ لك بأنه قضى سهرة الأمس في شهود التمثيل أو في ليلة ساهرة أحياها بعض الرفاق ولذلك لم يتمكن من القيام مبكر كعادته منذ الساعة الرابعة وهكذا يعتذر بمثل تلك المعاذير كلما يتفق لك أن تزوره في مثل تلك الساعة ثم ينتهي أمره بالخيبة والفشل في كل أمر يحاوله. أكثر الطلبة يكذبون على غيرهم في موضوع الجد والإجتهاد والمواظبة على الدرس وكلهم يكذبون على أنفسهم ويغالون في تقدير أعمالهم ويدعون أنهم أكفاء لا يعوزهم الصبر على عناء الدرس والبحث وحل معضلات المسائل. فهذه الأكاذيب كلها دليل ساطع على ما يعتقدونه اعتقاداً صحيحاً من أن قيمة المرء بعمله وجده ولو عورض أحدهم فيما يزعمه ويدعيه وقيل له أنه ضعيف الإرادة لا صبر عنده على مواصلة الكد في الدرس والتحصيل لاعتبر هذا القول إهانة لشخصه وتحقير لشأنه. وله الحق في ذلك لأن إنكار قوة إرادته معناه أنه ساقط الهمة فاتر العزم عاجز عن متابعة الجهد بالجهد ومواصلة السعي بالسعي لترقية عقله وتثقيفه وتهذيبه حتى يسمو عن طبقة العامة ويلتحق بطبقة الخاصة. ولعمري أن من كان هذا شأنه فقد قضى عليه أن يظل حقيراً طوال حياته لا أمل له أبداً في صلاح حاله. وهذه الإعتقادات تدل ضمناً على وجود رغبة صحيحة لدى الطلبة في العمل والتشمير فيه ولكنها رغبات وأماني تجول في أنفسهم ولا يستطيعون تحقيقها وإبرازها إلى حيز الوجود. فهذا الكتاب سيكفل للطالب بيان الأساليب التي بها يحول تلك الإرادات المتزعزعة التي تجول في نفسه إلى عزم صادق شديد دائم البقاء ثم ينتهي بأن يصير عادة ثابتة وطبعاً راسخاً في النفس لا يمكن إقتلاعه منها. وإذا ذكرت الأعمال العقلية في سياق الحديث فإنما المقصود بها إما دراسة أحداث الطبيعة أو مبتكرات العقول وثمرات الفنون، وإما محاولة إبراز شيء جديد يخترع اختراعاً وتبتدعه القريحة ابتداعاً، وأعلم أن كلا الأمرين مفتقر إلى استخدام الوظائف العقلية، فأما دراسة الطبيعة ومبتكرات العقول وثمرات الفنون فيصل الإنسان إلى غرضه منها بقوة الإنتباه وأما الإبتداع والإبتكار فلا بد فيه من التأمل واستجماع قوى الذهن. فالإنتباه لازم لا
следующие страницы →