Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
عظيماً يهذب من طبائع الإنسان الأول ويهنه من وحشية الحيوان الكامن في فؤاده، ويزجر مشاعر قابيل عن خاطره، كما تراه جليلاً في أذهان أهل الأذهان، شديد الأثر عند المفكرين والمهذبين والعقليين.
والغريب من أمر انتشار الإسلام في بلاد الانجليز أن الداخلين فيه والمعتنقيه من الأسرات الكبيرة، ومن طبقة الأشراف، والأغنياء منهم، ومن الطبقة الوسطى، ومن القساوسة والكهنة والرهبان، وقد تسلم الأسرة الواحدة بأجمعها، ربها وزوجه وأطفاله وأقاربه، وهناك جمع كثير من الضباط والجنود دخلوا في صفوف الإسلام، تحت العلم المحمدي وهم لا يقتصرون على اعتناق الإسلام ولزوم فرائضه، بل لا يلبث كل منهم أن ينفرد بالكتابة والبحث في فرع من فروع الإسلام، فمنهم من ينشر المقالات الضافية والأبحاث الممتعة في حقوق المرأة في الإسلام، ومنهم من يسترسل في درس الاشتراكية في الشريعة الإسلامية، إلى كثير من الأبحاث التي تدق على أفهام كثير من المسلمين.
ولعل الفضل في ذلك يرجع إلى رجلين من كبار الهنود المسلمين الذين عظم إيمانهم واشتدت حميتهم للدين، وهما الخواجه كمال الدين أحد كبار المحامين في انجلتره، ومن خريجي جامعاتها، والآخر خواجه صدر الدين، فقد أسس هذان الفاضلان منذ بضع سنين مجلة باللغة الانكليزية هي اليوم لسان حال الانكليز المسلمين، وهي ذائعة الانتشار في الشرق والغرب، فهي لا تقل في فائدتها عن المسجد الذي أسس للتقوى في لندن ونعنى به جامع ووكنج.
ولا تزال الصفوف الإسلامية تزداد إلى اليوم بفضل تلك المجلة، ولا يزال الدين غضاً جديداً يجمع العدة لينهض نهضته الكبرى بعد الحمّى التي أصابت الغرب.
стр. 2137
كتاب العصر
أحمد لطفي بك
في الصف الأول من صفوف الكتاب العصريين ينهض هذا الرجل الخصيب الذهن، القوي الأثر، ولعله كان محدثاً في الآداب المصرية تغييراً خطير الشأن، ومرسلاً في أرواح الشباب والمنحدرين إلى المستقبل تطوراً شديد السلطان، لو أنه أمسك على نفسه بعض النشاط الذي كان يثب في جوانحه يوم كان في الحياة العمومية قائداً يمشي في أثره كثيرون من المتطلعين إلى التهذيب، النازعين إلى مناهضة المبادئ القديمة التي لا يزال يعض عليها بنواجذه سواد طبقات الشعب، ولو أنه غالب الحب الذي يتغلغل في نفوس أكثر الناس لروعة المنصب الحكومي وفخامة مقاعد الإدارة، أو لو أنه إذ جلس مجلسه، وتولى منصبه، لم ينس الناس ولم ينصرف عن الجمهور، ويرضى بعمل هين ليس فيه من متعبة إلا كثرة الإمضاءات والتوقيعات، ومراجعة القوائم والكشوفات.
وما أظن الجلوس في مقاعد الحكومة يمنع الرجل المفكر من أن يطل على الشعب الحين بعد الحين، أو يترك الذهن صدئاً منطفئاً مفلول العزيمة، بل لقد رأينا كثيرين من أهل الفكر قعدوا مقاعد الحكومات، وتولوا الوزارات والرئاسات، فلم يحل ذلك بينهم وبين عرض الصور التي تلوح في أذهانهم على الجمهور، وإخراج ثمرات قرائحهم كلما رأوا الفرصة سانحة، والزمن مواتياً، فقد كان لو رد بيكو نسفيلد على رأس الوزارة الانكليزية فلم يمنعه منصبه على خطورته أن يضع ذهنه في كل مكتبة ويعيش في خزانة كل قارئ فبيناهو ينشئ المحالفات، ويوقع على المعاهدات، ويرأس البرلمانات، إذ هو طرح عنه كل ذلك، عائد إلى حجرته، ليغيب في تفكيره، ويأخذ في وضع رواياته، حتى لقد كان على رأس الحكومة، ثم هو بعد ذلك في رأس كل إنسان يعيش تحت الحكومة وكان كبير الوزراء وكبير الروائيين في آن واحد، ولعل روايته فيفان جراي تقوم في التاريخ الإنساني بكل ما أنشأ من عهود وأنظمة، واستن من شرائع وقوانين وهو في وزارته ومكان رئاسته.
ثم نحن لا ننسى أيضاً أن جوت كان وزيراً ورئيس بلاط دوق ويمر، ورئاسة بلاط الملوك مضيعة للزمن، مشغلة عن الحياة، صارفة عن كل شأن، لأن صاحبها ملزم بأن يظل عند عين الملك وسمعه، وأبدا في ندوته وسمره، فما كان ذلك ليقتل في جوث الروح المضطرمة
стр. 2138
في جانحته، والنزعة الفكرية التي تتقد في فؤاده، فكان يفلت حيناً من سلطان ملكه ليطيع سلطان عقله، ولو كان سلطان الحكومات مستطيعاً أن يسود في المفكرين على أذهانهم، لما انحدر إلينا ولآخر إنسان سيبقى على الأرض كتابه أحزان ورثر وهو الكتاب البديع الرائع، كتاب الحزن الإنساني كله.
ثم لا ننسى كذلك أدباء العرب الذين عاشوا في قصور الخلفاء، وولوا الولايات، وعهدت إليهم المقاطعات، فأبوا إلا أن يظلوا مع ذلك أدباء وكتاباً أكثر منهم ولاة وعمالاً وحكوميين.
على أنا نقول أنه ما كان أبدع ذوق الحكومة، وأعطف فؤادها على الفكر والأدب، إذ اختارته لوظيفة ليعيش فيها بين الكتب وتركت إليه أذهان ألف سنة أو تزيد تحوطه وتشارفه، ولم تحرمه من الجو الذي لا يموت فيه الذهن، لا تصدأ فيه القريحة، ولم تختطف منه قلمه فتحطمه وتقذف به تحت مكتبه، وكان هذا ولا ريب عزاء الناس يوم اعتزاله إياهم، وكان فيه بعض التخفيف من ألم المهذبين يوم اختارته الحكومة لنفسها، إذ كان الجميع يتوقعون أن تصبح دار الكتب النبعة التي سيخرج منها ذهن قائدهم أصفى من قبل وأكثر فيضاً وأنضج فكراً، وكان أملهم في ذلك أمل صاحب العمل الذي يعهد إلى عماله المقام في مشارف مناجم الذهب، واحتفار أرض هي مظنة المعدن والجوهر.
ثم لا تنس بعد ذلك أن الحكومة لم تأخذه إليها إلا يوم نشبت الحرب، وطارت شرارة المجزرة، وخمد صوت الفكر متبدداً في تضاعيف صوت القنبلة، وانكمش المفكرون متضائلين أمام أهل السيف، فلم يكن ثمة سبيل إلى هذا الرجل المفكر أن يرسل قلمه في تفاسير السياسة، وينطلق في شرح أعاصير الدول، والخوض في نبوءات الحرب، وكان الرجل لا يزال مهيب الفكر عند الحكومة، محترم الذهن عند كبارها، فلم يسع الحكومة إلا أن تذهب إليه فتهمس في أذنه أيها الرجل المفكر، ليس لك محل في الحرب، إن زملاءك اليوم في دول الحرب قد سكتوا، إذن فتعال عش بجانب أساتذتك مفكري العصور الذاهبة، تعال اخرج لنا من هذه المطمورات تمثالاً للفكر منسياً.
حتى إذا استرسلت الحرب في عزيفها وصريخها ونكرها، لم يلبث أن ملها الناس واعتادوها، ورضوا بالآلام التي تجيئهم من ناحيتها، وراحوا يتلمسون عنها العزاء، ويتفقدون السلوى، وليسوا بحاجة إلى شيء مثل القراءة، ولا أذهب لأحزانهم من الكتب
стр. 2139
لأنها تضمد جراحات النفوس، وتسكن آلام الأذهان، ولو خرج للجمهور اليوم كتاب بديع طلي خفيف الظل لالتهموه لساعتهم، لأن أذهان القراء أصبحت تحس بحاجتها إلى الغذاء، إذ كانت مواد التسعيرات جعلت مطالب المعد تسود على مطلب العقول، وقد تعب الناس الآن من كثرة التفكير في الأكل، إذ علموا أن الحرب ستأكل الجزء الإنساني فيهم وتدعهم نوعاً جديداً من الحيوانات المتكلمة إذ لم يحتفظوا بقلوبهم وأذهانهم.
وكان هذا الرجل المفكر يستطيع في هذا الزمن الأحمر القاني من دماء الأبرياء أن يكون بلسماً، وكان فكره الخصيب خليفاً بأن يكون معزياً مواسياً، ولكنه ترك الناس لآلامهم، وجعل نفوس القراء المتلهفين على قراءة البديع من الفكر في سكون أشبه بسكون الموت، ولم يخرج للجمهور في ثلاثة أعوام أثر فكره إلا مرتين، في يوم عيد شكسبير، وكلمة عن قاسم أمين، وهذان المقالان وإن لم يكونا في شيء من روعة الذهن الذي كان يطل علينا قبل ركوده قد وقعا إذ ذاك من نفوس القراء، وأذكرا الجمهور السحر الأول الذي كان يبين في كتابته، والفتنة التي كانت تفعل في القلوب من أثر طلاوة موضوعاته.
وقد يتعزى كثيرون اليوم عن سكوته بأنهم سيرونه بعد حين طالعاً عليهم يحمل أرسطو في يده وخارجاً إليهم بفلسفة قديمة كان لها الأثر الأكبر في تهذيب الإنسانية وتنويرها، وعليها قامت الفلسفات التي جاءت بعدها، على أننا نقول لهم ما قلناه من قبل وهو أن مقالاً واحداً من قلمه الساحر في شأن من شؤون حياتنا الحاضرة أجدى علينا من أرسطو وكتبه، لأنه إذا كان تمت فائدة من فلسفة أرسطو وتواليفه فهي لطلاب دراسة الفلسفة القديمة والراغبين في أن يحملوا الحياة على طرف دبلوماتهم وشهاداتهم ويعيشوا بهذه الرقعات الجميلة المختلفة الألوان التي لا تفيد في معركة الحياة شيئاً، ثم ليس كل القراء طلاب دبلومات، وليسوا جميعاً في مجالس المدارس، بل هم أحوج أن يغتذوا من روح المفكر العصري الذي يعيش بينهم ويشاركهم في عواطفهم، ويكشف لهم عن كنه الحياة، ويفتح أعينهم الزائغة القلقة إلى أسرار الوجود، من ألف كتاب قديم لألف فيلسوف عظيم، فلو مضى الآن أناتول فرانس وهو من أكبر كتاب فرنسا المعاصرين، فنبش كتاباً قديماً من كتب الفلسفة العتيقة فترجمه لشعبه، لاحتفلت به المدارس ورحبت به الجامعات، ولكنه لا يستطيع أن يظفر في قلب القارئ الفرنسي العادي البعيد عن المدارس وأهلها بما يظفر به من التأثير كتاب
стр. 2140
صغير واحد من ثمرات ذهن أناتول فرانس نفسه وليست المدارس هي كل ما يمد الحياة بل ليست إلا حظائر لتربية العاديين، وتهذيب القطيع الإنساني وإعداده للحياة العمومية الهادئة.
ولقد يظن أحمد بك لطفي السيد أنه لا يزال إلى اليوم يذكر الناس ويحف بتهذيبهم ويفكر في شؤونهم ويعمل على ترقية آدابهم، بهذا المجمع اللغوي الذي ينتدى في دار الكتب الفينة بعد الفينة ليصل ما بين مبتكرات الحياة الجديدة وبين لغة العرب وينقذ الأساليب الكتابية من العجمة التي أبت مدنية اليوم إلا أن نرضى بها في الحياة وفي اللغة كارهين، ولكنا نعلم أن هذا المجمع اللغوي لم يحدث منذ تألف أثرا، وما نظنه محدثه، وأعجب من ذلك أن يأتي مبدأ المجمع اللغوي الآن فينسخ مبدأ المصرية في اللغة الذي كان يجري من قبل في ذهنه ويصر عليه، ويناضل عنه، ويفسد به أساليبه السلسة المائية العذبة ليبدي للقراء أنه قد أنفذ فكرته على رغم أنوفهم، ولعمري أن تغيير المبادئ بهذه السرعة أمر يبعث على الدهشة ويدعو إلى الريبة وما نعلم له شبيهاً في كتاب الغرب وعلمائه وفلاسفته، بل رأينا الكاتب منهم يطرد في مبدأ واحد، فلا يزال يجري به إلى الأبد، حتى يعرض به يوم يعرض الناس جميعاً.
ولكنا بعد نقول أن عدوله الآن عن مبدأ اللغة المصري أجدى عليه، وخير لقرائه الذين يتعشقون أسلوبه، لأنه كان يتخلل كتابته فيذهب بجمالها، وينغص على القارئ ويفسد الأثر الذي تحدثه الفكرة المبسوطة أمامه، إذ كانت تبدو عليها دلائل التكلف، وإنها جيء بها عمداً، وسيقت من الكاتب سوقاً، لتنفيذ مبدأ يحاول الإصرار عليه على فساده ويجتهد في التمادي فيه على باطله، وأنت تعلم أن لطفي بك كاتب شاعر تتدفق أفكار المثل الأعلى في جميع ما يكتب، وإنه من الكتاب الذين يبحثون عن الكمال الإنساني في الحياة، وهذا ولا ريب ينبغي له أسلوب فاتن وعبارة مونقة رائعة حتى يستأثر بالقلوب، ويستهوي الأذهان، وإذا أنت التمست ذلك من أساليب الشارع، وافتقدته في لغة السوق، وطلبت شيئاً منه من أفواه العجائز، فما أنت واقع إلا على أحط صورة من صور الأذهان، لأن لغة الحياة العمومية لا تزال تحمل جميع أعراض الحقارة التي لا يخلو منها عنصر واحد من العناصر الأولى المكونة لحياتنا الحاضرة، ولا بد مع ذلك أن يكون الكتاب والشعراء
стр. 2141
والمفكرون في طبقة أسمى من الحياة نفسها التي تحوطهم، بل يجب أن تكون لهم لغة غير لغة الناس، لأن لهم أذهاناً أصفى من أذهان الناس، وليس في لغة الحياة الحاضرة شيء يصح أن نأخذه عنها ونقتطفه ليكون تطرية لأساليب الأدب، وزينة للكتابة والشعر، وأكبر دليل على فساد لغة الأسواق ما نسمعه من الأغاني والألحان التي تجري اليوم على ألسنة الرجال والنساء والولدان في الأزقة والطرق، فهي لا تكاد ترتفع في معانيها وأصولها عن الأغاني الشائعة بين الزنوج سكنة الأحراش والجبال، وهي لا تمت إلى الشعر بسبب، مع أن الغناء في الجمعيات المهذبة المتحضرة لا يزال ضرباً من أرقى ضروب الشعر، وهو لديهم من أسمى فروع الأدب.
ونحن الكتاب والشعراء أخلق بأن نرتفع بالناس لا أن نسقط إليهم وننزل على حكمهم، لأن الطفل الذي تسمح له بأن تجارية وتكفل له جميع ما يريده حقاً وباطلاً لا تلبث أن تفسده عليك وتفسده على نفسه، فلا تستطيع له بعد ذلك إصلاحاً، ولا تجد لك إلى تهذيبه سبيلاً، ولا ترى لك عليه من سلطان.
هذا ولعل لطفي بك سيخرج بعد الآن من معتزله، وينطلق من ركوده، ولعل في هذا باعثاً له على الرجوع إلى تذكير الناس به قبل أن ينسوه كما نسيهم، وما نسيان الشعوب إلا أكبر عقوبة للذين يعتزلون الجهاد من أجلهم.
هذا ما نسوقه اليوم توطئة للكلام عن أسلوب أحمد مصطفى بك السيد وتحليل مبادئه الفلسفية وبسط رأينا في أدبه، وفي المجمع اللغوي، في العدد القادم إن شاء الله.
стр. 2142
الحرب
بقلم شاعر
من أبدع ما عثرنا به من كتب الحرب كتاب جميل مؤثر الأسلوب وضعه حديثاً الشاعر الفرنسي الطائر الصيت بييرلوتي صديق الشرق، وصاحب الروايات المختلفة عن المرأة التركية وضفاف البوسفور، وهو مجموعة مذكرات كتبها في خلال الحرب، عندما سنحت الفرصة له، وصف فيها عدة من المناظر المفزعة، والمشاهد النكراء المبكية التي مر بها في سياحاته المتواصلة بين فرنسا والبلجيك، تحت مثار النقع، وعن كثب من ميادين الموت، وقد افتتح الكتاب بصورة الخطاب الذي بعث به إلى وزير البحرية الفرنسية عندما نشبت الحرب يستعفيه من دعوته إلى الصفوف، ويستقيله من إكراهه على العودة إلى الخدمة العسكرية، إذ كان بييرلوتي يحمل رتبة كبتن في البحرية الفرنسية، وهو كتاب رقيق، بل خطاب رجل شاعر أخلق به حمل القلم من امتشاق السيف، يكره الحرب لا جبانة منه وخوفاً، ولكن سموا عن سفك الدماء وتعففاً.
وإليك صورة الكتاب: -
روشفور في ١٨ أغسطس سنة ١٩١٤
من الكبتن جوفيود من احتياطي البحرية إلى وزير بحرية فرنسا
سيدي
عندما دعيت إلى الخدمة في بدء نشوب الحرب كنت أمنى النفس بأنني سأؤدي عملاً أكثر أهمية من هذا العمل الذي خصصت به في أحواض البحرية.
وثق يا سيدي أنني لا أريد بهذا لوماً وعتاباً لأنني أعلم أن على البحرية عملاً عظيماً في هذه الحرب وأن جميع رفاقي وإخواني في الرتبة التي أحملها، ضباط الرديف، سيظلون قعوداً حتى تواتيهم الفرصة للخدمة، وإنهم وا أسفاه سيرون مثلي نشاطهم مختزناً وقواهم محتبسة، وأرواحهم في عذاب.
ولكن دعني أذكر الاسم الآخر الذي أحمله، إن الإنسان العادي لا يعرف شيئاً كثيراً عن قوانين البحرية، إذن فلا تظن أنها ستعد أسوة سيئة في وطننا العزيز، حيث كل إنسان قائم بعمله أبدع القيام، مؤد واجبه على أحسن ما يكون من الأداء، أن لا يؤدي بييرلوتي عملاً
стр. 2143
نافعاً، إن اشتغالي بصناعتين في آن واحد يجعلني باعتبار كوني ضابطاً في مركز استثنائي، أليس كذلك؟
إذن فعفواً ومغفرة إذا أنا التمست إليك أن تعاملني معاملة استثنائية رحيمة لينة، إنني أقبل بفرح بل بفخر وزهو أي وظيفة تدنيني من خطوط النيران، ولو وظيفة ضئيلة تافهة، وظيفة دون مقام القصب الذي فوق سترتي.
فإذا عز ذلك فهل لي أن أعين بصفة إضافية في سفينة يكون لها الحظ في شهود القتال الحقيقي، إني أؤكد لك سأجد إذ ذلك سبيلاً إلى تأدية عمل نافع، أما إذا نهضت في سبيل إنفاذ ذلك القوانين والصعوبات فهل في الإمكان أن تهبني يا سيدي - في المدة التي سأظل فيها في ارتقاب الدعوة إلى خدمة الاسطول - حرية الذهاب هنا وهناك حتى أحاول أن أجد أي عمل أعمله، ولو في الإسعاف.
إن مركزي حرج، ولن يدرك أحد ولن يصدقوا أنني كبتن في رديف البحرية وإن ذلك يلزمني أن أبقى ساكناً، وفرنسا كلها مدججة بالسلاح.
جوليان فيود
العصفوران الصغيران
ذات مساء وقف قطار مزدحم بالمهاجرين من البلجيك بمحطة من محطات أحد البلاد الجنوبية في فرنسا، فنزل الشهداء المساكين في أثر بعضهم البعض، وهم زائغو الأبصار ذابلو الوجوه، إلى الافريز الغريب عليهم، حيث كان جمع من الفرنسيين ينتظرون مقدمهم للتأهيل بهم، وكانوا يحملون متاعاً صغيراً من الثياب التقطوها ولا ريب في عجلة، وكان في الجمع أصبية كثيرون، بين بنات وفتيان وولدان فقدوا آباءهم في النيران والمجزرة، وإلى جانبهم عجائز وجدات أصبحن وحيدات في العالم إذ هربن وهن لا يعرفن السبب، غير متشبثات بالحياة، وإنما مدفوعات بإحساس خفي غريب وهو حفظ الذات، وكانت وجوه هذه السيدات الطاعنات في الأسنان لا تنم عن أي تأثير أو انفعال ولا يبدو في صفحتها دليل من الحزن أو اليأس كأنما قد فارقت أرواحهن جسومهن وتولت عن أدمغتهن ألبابهن.
وفي غمار هذا الجمع الحزين طفلان في بواكر العهد بالحياة، يمسك كل بيده يد صاحبه،
стр. 2144
صبيان غفلان لعلهما أخوان شقيقان، أما أكبرهما فيجري في الخامسة وما أظن الصغير يعدو الثالثة، ولم يكن أحد من الجمع في رعايتهما، ولم يعرفهما في الناس أحد، ولكن كيف أدركا عندما تولى عنهما الأهل أنهما إذا أرادا من مخالب الموت فراراً فليطفرا إلى هذا القطار. . . . ذلك سر لا أدركه.
وكانا في أثواب نظيفة، ويلبسان جوارب صوفية صغيرة، مما يبعث على الظن بأنهما من أبوين فقيرين ولكن لهما فضيلة العناية، ولا ريب أنهما طفلا أحد أولئك الجنود البواسل الذين سقطوا قتلى في ميدان الشرف، ولعل أباهما أغمض عينه على آخر نظرة استطاع أن يمنحهما إياها، وكان التعب آخذاً مبلغه منهما، وكانا بحاجة شديدة إلى النعاس، فلم يبكيا ولم يصرخا، ولم يستطيعا جواباً عن الأسئلة التي كانت تلقى إليهما ولكنهما مع ذلك لم يترك أحدهما يد الآخر، بل ظل كل مستمسكاً بأخيه، على أن الأكبر، وهو لا يزال قابضاً على يد الصغير خشية أن يفقده، لم يلبث أن تبين المسؤولية التي على عاتقه وهي حماية أخيه، فتطاول ومد عنقه إلى السيدة التي بجانبه وهو يقول في صوت ضعيف مسترحم، والنعاس يغالب جفنيه، ويبين في تضاعيف جرسه، سيدتي: هل سيذهب أحد بنا إلى الفراش؟!!
تلك هي الرغبة الوحيدة التي استطاعا في تلك اللحظة أن يشعرا بها، كل ما كانا يطلبانه من رحمة الإنسانية أن يذهب أحد بهما إلى الفراش، وقد كان ذلك، فذهبا إلى النوم، ولكن لا يزال كل منهما يشد على ذراع أخيه، متلازمين متلاحمين، هابطين معاً في لحظة واحدة إلى وادي النسيان الجميل الهادئ، سبات الأطفال، الهنيء العميق!!
وقد كتب بييرلوتي في أوائل الحرب، قبل أن تقدم تركيا على الإسهام فيها خطاباً رقيق الديباجة، بديع المعنى إلى أنور باشا ينصحه أن يبتعد بوطنه عن ويلات القتال وشره، وإليك ما قال:
روشفور في ٤ سبتمبر سنة ١٩١٤
أخي العزيز وصديقي العظيم
أرجو أن تعفو عن كتابتي إليك، لأن باعث كتابي هذا حبي لك وإعجابي بك وببلادك التي كدت أتخذها إلى وطننا، لقد ظهرت في الأرض التي حول طرابلس بطلاً صنديداً ووقفت لا خوفاً ولا رهباً وثبتّ وأنت قليل حيالهم وهم كثيرون، ثم أنت الذي في طراقية
стр. 2145
استرجعت أدرنه لتركيا، وقمت بهذا العمل، وهو فتح مدينة الأبطال دون أن تسفك دماً كثيراً ثم أنت الذي بشدتك وسطوتك ورهبك طهرت البلاد من القسوة والشناعة والنهب والسلب، ولقد شهدت منك أنفتك وغضبك واشمئزازك من فظائع البلغار، وطلبت إليّ أزور بنفسي في سيارتك أطلال تلك القرى التي مر فوقها أولئك القتلة.
ليكن ذلك، ولكن دعني أنبئك بحقيقة كنت ولا ريب تجهلها حتى الآن، إن الألمان في بلجيكا وفي فرنسا وبالأمر يرتكبون اليوم هذه الفظائع بعينها التي ارتكبها البلغار في أرضكم، بل هي أفظع منها بآلاف مرة وأشد نكراً، لأن البلغار قوم جبليون يعيشون على الفطرة الأولى، قد استأثرت بأرواحهم جهالة الدين، وعصبية العقيدة، ولكن هؤلاء قوم متمدنون، متمدنون واأسفاه!
إن تركيا تطمح اليوم إلى استرداد جزائرها، وهذا لا يغيب عن نظر أحد، ولكني أرتعد مخالفة أن تذهب في الحرب بعيداً، واأسفاه، إني أحذر التأثير الذي تغرى به مملكتك العزيزة وشخصك من ذلك الإنسان، لأنه ولا ريب رأى ما شجعه على استخدام وطنيتك الحارة وحميتك الجميلة، ويستهويك ويعدك وعود الانتقام لك وأخذ الترة لبلدك، فحذار من أكاذيبه، وأنا واثق أنه يحاول جهده أن يمنع الحقيقة أن تصل إليك، وإلا أثار أنفة فؤادك الجندي المخلص الأبيّ، وكما استطاع أن يقنع فريقاً من أمته، قد عرف كيف يقنعك بأن هذه المجازر التي أقامها كانت على كره منه، كلا، ليس الأمر كذلك، إنها خطة من قبل موضوعة، وطرائق مرسومة.
ما أشد ما يكون ألمي وحزني لو قدر على أن أرى تركيتنا العزيزة، قد خدعت بهذا الإنسان فتعثرت في أذياله إلى مخاطرة مرعبة.
إن لك يا صديقي سلطاناً على أمتك وأثراً في شعبك فهل أنت رادها عن الطريق الوعر الذي تريد أن تركبه.
إن كتابي سيغيب في الطريق ولكن لعلك إذ يصل إلى يدك تكون قد فتحت عينيك، على رغم هذه الشباك التي تحوطك، اعف عني واغفر لي رغبتي في أن أكون في عداد الذين ستصلك الحقيقة على أيديهم.
إن لي إيماناً شديداً بأننا الظافرون بالنصر، ولكن ابتهاجي يوم الخلاص سيسدل عليه الحداد
стр. 2146
ولو قدر على أن أرى وطني الثاني، وطني الشرقي، دفيناً تحت الأنقاض. . .
بييرلوتي
стр. 2147
مذكرات عن مراكش
ومولاي الحفيظ
تعقد المحالفات، وتبرم المعاهدات، ويتنازل الملوك عن ممالكهم، وثتل العروش وتدخل الشعوب الضعيفة الخاملة في جوف الشعوب العظيمة الرفيعة الشأن، ولا نعرف عنها إلا شيئاً يسيراً تأتي إلينا بها الأنباء البرقية، ويقتطعه الصحفيون ويستنزلونه من صنائع أهل الشأن، والمقربين إلى من بيدهم زمام تلك الأمور، وكذلك مضى نصف أحداث التاريخ أسطراً ضئيلة في الكتب، لو اطلع عليها كانت اليوميات في السماء لنسخ أكثرها، وهكذا مشى التاريخ الإنساني مقتضباً موجزاً من ناحية، مكذوباً من الناحية الأخرى.
على أنه قد يهدي الله أناساً عندهم علم ما خفي على الجماهير، فيأبون ألا أن يخرجوا عن هذه الأسرار، ويحدثوا الإنسانية بغرائب ما انتهى إليهم أو وقع على أيديهم.
ومن هذا ما قرأناه أخيراً في مجلة الاستراند الانكليزية، بقلم مستر والتر هاريس من التفاصيل الغريبة والقصص المدهشة، والأسرار التي تكاد تلوح ضرباً من المجون وإن كانت لا تزال حقائق لا يشهد بها أثر للكذب أو الاختلاق، وهذه الأسرار تتعلق بما دار بين مولاي الحفيظ سلطان مراكش السابق وبين الحكومة الفرنسية عند تنازله عن العرش ودخول الدولة المراكشية في كنف جمهورية فرنسا وحمايتها، وقد كان الكاتب مستر والتر هاريس حاضر أمرهم، وعلى يده وقع التعهد بين السلطان مولاي الحفيظ ومندوب الجمهورية، وقد وصف جملة من أخلاق الحفيظ وطرفاً من المخازي التي ظهر فيها الرجل ضئيل الروح ساقط الهمة، مرذول السيرة.
ونحن نقتطف للقراء شيئاً من هذا المقال الغريب تفكهة لهم وكشفاً لحقائق مرة يجب أن نعلمها قبل سوانا.
قال مستر هاريس: بعد أن بسط العداء الذي كان مستحكماً بين عبد العزيز والحفيظ وتولى الأخير زمام الحكم، وانشقاق القبائل عليه:
ولم يكن مولاي الحفيظ بالرجل الخليق بأن يرد الحياة إلى مراكش المحتضرة، فاتخذ من الحكم ضروباً من القسوة والوحشية، فخرجت عليه القبائل حتى حاصرته في فاس في أوائل عام ١٩١٢ فاستنجد بالفرنسيين وكانوا قد نزلوا ببلدة نسبلا ككا على شاطئ المحيط
стр. 2148
الأطلنطي، فلم يلبث أن وصلت إليه الكتائب، ففضت جموع المحاصرين عن أسوار العاصمة، ولم تكد تمضي بضعة أسابيع حتى تم التوقيع على معاهدة الحماية الفرنسية، ولكن حدث بعدها مجزرة قتل فيها جمع كثير من الجنود الفرنسية وبذلك أضحى مركز الحفيظ حرجاً، بين فرنسا وبين شعبه، فأجمع على اعتزال الملك.
وعليه انتقل البلاط إلى رباط، وهناك كان آخر العهد باستقلال مراكش، وهناك بدا الحفيظ مطماعاً جشعاً.
وقبل أن يرحل عن فاس إلى رباط، دبر الحيلة لكي يتزود بالثروة ومطالب الترف، فنصح لنساء الأسرة المالكة وعقائل قصره، وهن سرب كبير، لا يقل عددهن عن فرقة من فرق الجيوش فيهن أزواج السلاطين السابقين وكريماتهن وذوات أرواحهن وقريبات الحفيظ ونساء عشيرته، بأن يرافقنه جميعاً إلى رباط وأصدر إليهن التعليمات القاضية بنقل أمتعتهن، أما الجواهر واللآلئ، والأعلاق والنفائس فطلب إليهن أن يضعنها في صناديق صغيرة، وأما الثياب والمتاع الآخر القليل القيمة ففي جعب كبيرة وطرود فصدعن جميعاً بما أمر، ولكن عندما آن أوان رحيل السلطان ترك وراءه السيدات والجعب، وسافر بالصناديق الصغار.
وهذه الجواهر الآن في أوروبا ولا ريب أنها لم تلبث أن انتقلت إلى التجار، ولعلها تزين اليوم صدوراً وأعناقاً ومعاصم ونحوراً في قصور الغرب ومغانيه.
وقد قضى الأسابيع الأخيرة من حكمه في نزاع مستحر بينه وبين المفوضين من الفرنسيين، وكان لا يزال سلطاناً، ولذلك لا يزال خطراً، وأمر خلفه لم يكن قد تقرر بعد، وبذلك كان لا يزال على مائدة هذا اللعب بالسلطنة أوراق طيبة، وقد استطاع أن يظفر منها في اللعب بالفائدة، حتى أنه عندما استتب كل شيء وأرسلت كتب تولية أخيه الأصغر مولاي يوسف إلى داخلية البلاد، عاد مولاي الحفيظ فغير رأيه وتنازل عن عهده، فلما سئل في ذلك قال إنه رأى أن لا يعتزل ويترك مملكته، فوقعت فرنسا في ضيق من أمرها، بعد أن أعلنت تولية يوسف، ولا يزال السلطان الأول باقياً لا يريد اعتزالاً، ثم عاد فصرح بأن في الإمكان مفاوضته ثانياً في أمر الاعتزال لعله يستطيع أن يثوب إلى عزمه الأول، وكل ذلك لكي يتناول ٤٠ ألف جنيه أخرى، وقد دفعت إليه بصك على أحد المصارف، عندما
стр. 2149
أبحر من رباط شاخصاً إلى فرنسا زيارة وتنزهاً وتجوالاً، وفي مقابل ذلك سلم المعتمد الفرنسي أوراق اعتزاله، ولعل أغرب ما في تاريخ اعتزال الملوك، وأفكه ما في هذه القصة التي نبسطها للقراء الآن وأبعث على الضحك والدهشة هذه الصورة التي بين أيديهم وهي تمثل الحفيظ والمعتمد وقد وقفا إزاء بعضهما البعض، يحمل كل منهما في يده صورة التعهد الذي جرى بينهما ولا يظهر منه إلا طرفاً، وهو يخشى أن يدفع به إلى صاحبه فيفلت به دون أن يسلمه العهد الذي بيده.
وفي مساء اليوم الذي تلاه التوقيع على التنازل أعدم الحفيظ جميع الشعائر المقدسة للسلطة لأنه علم أنه آخر سلطان نعم بالاستقلال في الدولة المراكشية، فعزم على أن يقضى بانقضاء عهد الاستقلال على هذه الشارات التاريخية الخالدة فأحرق المظلة الحمراء التي كان يستظل بها في الرسميات والحفلات وحطم المحفة الرسمية وجعلها للنيران طعاماً ثم الصناديق والمحافظ التي كانت فيها المصاحب والكتب الدينية، ولكنه لم يستطع أن يحرق الكتب، بل أبقى عليها، وأخذ معه جواهر النساء ولآلئهن.
وعاد بعد زيارته فرنسا إلى طنجة، وكان قد وصل إليها إذ ذاك أسرته وحاشيته وهم يبلغون نحواً من مائة وستين شخصاً، فدفعت إليه قلعة طنجة المسماة بالقصبة لتكون مقامه في مثواه، ولم يلبث في طنجة أياماً حتى بدأت المناقشة في شروط اعتزاله، إذ كان قد كتب التنازل ولم توضع الشروط، وهنا احتدم الخلاف، واشتد الشجار بين الفريقين، ولم يكن الحفيظ يأسف على شيء من نعمة الاستقلال أسفه على أنه لم يضع شروطاً أحب إليه ويظفر ببنود في العهد أصلح لثروته ولكنه كان لا يزال يطمع في الحصول على مال آخر، وثروة أكبر.
وفي ذلك الحين طلب الفريقان إلى كاتب هذه السطور أن يتداخل في الأمر، ليصلح ذات البين، إذ كان قد وقع بين السلطان المخلوع وبين المفوضين الفرنسيين في الصلح مشهد رائع هائل، إذ احتد الحفيظ وشتم، وتكلم بلهجة قاسية ليست في شيء من لهجات الملوك، حتى أصبح الاتفاق أمراً مستحيلاً.
ففي ذات يوم، والوقت صباح، زارني موظف فرنسي ملتمساً إلى أن أتداخل بين الفريقين ثقة بأن لي دالة وأثراً على السلطان المخلوع، ثم لم يكد ينصرف حتى حضر الحفيظ نفسه
стр. 2150
إلى داري وكان في أشد حالات الانفعال والغضب، فجلس فوق متكأ وعيناه مفعمتان بالدمع وانطلق بشرح لي مظالمه وشكواه حقاً وباطلاً، وأضاف على ذلك قائلاً: وأنت وحدك الذي له النفوذ التام على هؤلاء الملاعين فأرجوك أن تتداخل في المفاوضات، فلم يسعني إذ ذاك إلا القبول.
وابتدأت المفاوضات بعد ذلك بساعة فظل الحفيظ في داري طول ذلك اليوم، ورفض أن يأكل أو يشرب.
وفي غيابي عند المفوضين انصرف الحفيظ، ولكنه لم ينصرف حتى أخذ معه صفوة المنتخبات العربية الخطية التي كنت أحفظها في مكتبتي، ولم أرها منذ ذلك الحين، ولكن السلطان أرسل إليّ بعدها هدية في مساء ذلك اليوم، لعلها مقابل ما أخذه من كتبي، وهذه الهدية سيف مرصع بالذهب.
والمسألة الهامة من هذه الشروط هي ديونه وقد ثار حولها الخلاف أياماً، إذ كان الاتفاق في أول الأمر على أن جميع الديون التي صرفت في شؤون المملكة يجب أن تعد ديوناً حكومية وعلى فرنسا أن تدفعها إلى أربابها، وأما الديون الخصوصية فعلى السلطان المخلوع أن يدفعها من أمواله الخاصة، ولكن كان من الصعب التمييز بين هذه الديون لأن سلطان مراكش كان ملكاً مستقلاً مطلق التصرف، وأموال المملكة هي أمواله، وليس ثمة فارق بين دين خصوصي ودين عمومي، بل كانت العادة المتبعة في الصرف على شؤون الحكومة والبلاط السلطاني أن تكتب بها صكوك على الجمارك.
فمن بين الديون التي اشتد فيها أمر الخلاف ثمن سلالم من الرخام البديع كان السلطان قد أمر بصنعها لقصره بفأس في إيطاليا، فاحتج المفوضون بأن هذه السلالم ليست إلا مطلباً من مطالب السلطان ولهذا يقوم هو بدفع ثمنها، ولكن السلطان أصر على أن القصر هو ملك الحكومة، وأن جميع ما يطرأ عليه من الإصلاح يعود نفعه إليها، وقال أن خلفه هو الخليق بأن يدفع ثمن هذه السلالم لأنه سينتفع بها، فأذعنت السلطة المحتلة إلى عدل هذه الحجة، ودفعت الثمن، ولكن الموضوع لم ينته بعد، فإن الحفيظ بعد بضعة أشهر من ذلك العهد إذ كان يبرم إذ ذاك عقداً لبناء قصره الجديد بطنجة وضع في صورة البناء رسماً لسلم من الرخام، فاجترأت على أن أسأله إذا كانت هي السلالم التي كان عليها النزاع من
стр. 2151
قبل فكان جواب الحفيظ، أجل هي بعينها، إنها لم تكن قد خرجت من إيطاليا إذ ذاك فأرسلت نبأ برقياً إلى المصنع الذي كان يعدها بأن يبعث بها في الحال إليّ لا إلى فاس، وكان ذلك!
ويتلو هذا المطلب مطلب آخر وهو ثمن بضعة أمتار من القماش الأحمر غالية الثمن باهظة القيمة، فلم يسع المفوضون إلا أن يضعوا ثمنها في قائمة الديون الخصوصية، ولكن السلطان احتج قائلاً أن هذا القماش اشترى لأجل شؤون المملكة، لنصنع به سراويل لجواري المطبخ السلطاني، والمطبخ السلطاني يحوي مئات منهن لأجل إعداد الطعام للملك، فرفضت السلطة المحتلة قبول هذا الدين، فأخرج السلطان حجة أثرية ليدل بها على أن جواري المطبخ هن من خدم الحكومة وأنهن ينتقلن مع القصر من حوزة سلطان إلى سلطان فأذعنت السلطة إلى هذا المبدأ، ولكنها أصرت على رفض الدين بحجة أن هؤلاء الجواري لا يطلبن مثل هذا القماش الثمين الباهظ القيمة لأثوابهن الداخلية، وإن قماشاً من القطن كان يغني عن هذا الترف ويفي بالغرض، فلم يكن من السلطان المخلوع إلا أن أجابهم جواباً مسكتاً بقوله، يمكن أن يكون ذلك في أوروبا ولعل جواري المطبخ الملكي هناك يلبسن سراويل من القطن، ولكنا في مراكش نعظم مركزهن!! فلم يحر المفوضون جواباً، ودفع الثمن.
وأصعب المشكلات التي عرضت عند تصفية الديون مسألة طبيب أسنان السلطان المخلوع، وهو إسباني الجنسية، لأنها كادت تحدث مشكلة دولية، ولا يذهب بك الظن إلى أن الدين الذي كان يطالب به هذا الطبيب كان خاصاً بصناعته، ولكن كان ذلك إفاء لثمن أسد اشتراه للسلطان من ألمانيا، وقد كان تعبينه في أوائل عهد السلطان الحفيظ وبالحكم بماهية منتظمة ثم أصبح دائماً في بلاط جلالته، وظل مدة يصلح من أسنان البلاط ويداوي أفواه سيدات القصر حتى أصبحت نواجذهن تلمع بالأسنان الذهبية فما انتهى من هذه المهمة ظل بلا عمل.
فأوفده الحفيظ إلى هامبورج ليشتري حيوانات له يحفظها في حدائقه، ولكن الطبيب أخطأ إذ تأخر لأنه حين عاد إلى فاس، كان شوق السلطان المخلوع إلى الأسد قد انطفأ ورأى أن لا حاجة به إلى اقتناء كثير من الحيوانات لأنها تستلزم مصاريف باهظة.
стр. 2152
وقد زاد الأمر إشكالاً وحال دون فضه أن الحفيظ كان قد رأى من قبل عند الطبيب كرسيه المهتز فطلب إليه أن يصنع له عرشاً هزازاً على قواعده الآلية ودفع إليه الثمن، ولكن العرش لم يتم ولم يقدم للحفيظ ولهذا كان هو الآخر يدين الطبيب كما دانه فاحتج السلطان بأنه قد دفع ولا شك ثمن الأسد وإذا لم يكن قد دفع، فهو ولا ريب دين عمومي، ولم يكن عليه مسؤولاً، وطلب تسليم العرش الهزاز إليه، وفي ذلك الوقت كان عقد خدمة الطبيب قد انتهى فأعلنه الحفيظ بأن ليس في النية تجديده، ولكن كان الطبيب لا يزال يستطيع المناوءة والعناد، إذ كان السلطان قد أسكنه مغنى جميلاً في أملاكه دون أجر فرفض ترك الدار وإعانته السلطة الإسبانية على أمره، فلما بعث السلطان بطائفة من العبيد لطرده من البيت وجدوا الدار محاصرة بالمتاريس، وألفوا الرصاص ينهال عليهم من كل مكان.
وهنا استفحل الأمر، وعظم الخطب، وكاد يصل إلى مشكلة دولية.
ولكن لم تلبث توسلاتي ومفاوضاتي أن ذهبت بثورة العاصفة، ورضي السلطان بأن يمثل الطبيب بين يديه للمهادنة والمفاوضة، وكان السلطان جالساً في ديوانه، ممعناً في قراءة كتاب عندما دخل الطبيب، فأدى السلام وحياه بأدب ولكن بشيء من التكلف والمغالبة، ولعل ذلك لم يرض جلالته لم يبتسم له، كما كان اتفاقي معه، ولم يجبه على تحيته بل استرسل في قراءته بصوت مترنم مجود متظاهراً بعدم الالتفات.
وساد السكوت قليلاً، ولكنه لم يلبث أن تبدد إذ قال أحد الحاشية: مولاي الملك هاهو الطبيب قد حضر.
فلم يكن من السلطان إلا أن قال، دون أن يرفع عينه عن الكتاب، هل أحضر المقعد معه؟
ولم يكن هذا ما اتفقت عليه معه، إذ طلبت إليه من قبل أن لا يذكر كلمة عن الكراسي ولا عن الأسد بل كان الغرض من هذا اللقاء مفاوضة الطبيب في ترك البيت على أن يأخذ مقداراً من المال.
وقبل أن يتوسط أحد في الحديث، لم يكن من الطبيب إلا أن صرخ قائلاً: ادفع لي ثمن أسدي.
وعند ذلك اشتعلت نار الحديث، وانطلق السلطان في غضبه ولعناته، ولم ألبث أن رأيت الطبيب في أيدي الخدم والحاشية يتململ ويتلاكم ويتضارب، وقد حملوه على هذه الصورة
стр. 2153
خارج الحجرة.
стр. 2154
صور هزلية
من أخلاق الناس
القلوب السوداء
استطاع الجغرافيون أن يقسموا الناس على ألوان وجوههم، وتبعاً لمناطق الكرة الأرضية التي احتوتهم، إذ كانت الشمس هي التي لونت الناس، وأنضجت جلود فريق، وتركت جلود الفريق الآخر نيئة، وجلود الباقين نصف سوا على اصطلاح أصحاب المطاعم، ولعل الشعراء يحبون القمر، والعشاق يترنمون بجمال البدر، لأن القمر - أطال الله بقاءه، ومتع أهل الشعر والحب به - لا قدرة له على التلوين، ولا يستطيع أن يحدث أثراً في وجوه الحسان، بل إنه ليرسل أشعته الفضية - وهذه الاستعارة تعجب ولا ريب البخلاء والماديين - فتنعكس فوق صفحة الوجه النضير، والوجنة المشرقة، والطلعة الحلوة، التي هي أشبه بطلعة المحمل أو بطلعة رجب فتزيدها جمالاً وفتنة ونضارة، وتجعل نصف كتب الدنيا شعراً، والنصف الآخر نثراً، ولذلك نستطيع أن نقول أن القمر هو أستاذ الشعراء أو هو ناظر مدرسة الشعر الأرضي كله.
على أن هذا التقسيم قد يكون ظلماً في بعض الأحيان، ومخالفاً للحقيقة في كثير من الظروف، لأنه تقسيم لا يتعدى الظاهر، والظاهر قد يعارض الباطن، وقد يغلبه على حقه، أو يوهم الناس به وما هو به، فكثيرون يطالعونك بوجوه المنطقة المعتدلة ووراء وجوههم قلوب تشترك في لون وجوه جزيرة تاهيتي وآخرون ضربت عليهم الشمس جزية التلقب باسم العبيد والبرابرة، وهم قوم أخيار، بيض الأفئدة، من الطراز الأول.
ولو أردنا إذ ذاك أن نصلح خطأ الجغرافيين لكنا خلفاء بأن نسمى الأولين برابرة بيض على رأي العامة، ولكنهم وا أسفاه لا يزالون يتمتعون بحقوق الرجل الأبيض، وهم أحق بأن يعيشوا في جوار سكنة الأحراش، وآهلة الغاب والأجم، وأهل نم نم لأن قلوبهم السوداء ليست إلا مقابر تضم الجثث والرفات والأشلاء وهي صحراء قفر، ومفازة مخوفة، لا يؤنس إليها، ولا يدنى منها، وحشة وظلمة، وهولاً ونكراً.
وعندما يكون القلب أسود مظلماً، يترك في صفحة الوجه ظلاً قاتماً، لأن النور الخارجي ينعكس عليه فيرسل صورته في معارف الوجه، ولهذا أول علائم صاحب القلب الأسود أنه
стр. 2155
مقلوب السحنة، ثم لا يزال يبدو في الحديث واللهجة، مهما حاول ذو القلب الأسود أن يكذب على طبيعته، ويغالب لؤمه ودناءته، ويضاحك الناس ليأكلهم، ويلاعبهم ليعضهم، كما تفعل الهرة بالفأرة قبل أن يكتب اسمها في سجل الجرذ التي غابت في أجواف السنانير، وأصحاب القلوب المظلمة يرسلون دائماً في المجلس عدوى مرضهم، لأنهم يخفون حقدهم على العالم وسخطهم على القدر - في طي الفلسفة السوداء - والناس يستمعون مع هذا لهم وينصتون إلى لغة حقدهم مندهشين مذهولين لأن من خصائص الفلسفة السوداء أن لها طعماً مراً ولكنه لا يزال لذيذاً مثيراً للشهية، وليس في سرر أهل القلوب السوداء إذا احتوى الظلام الأرض، وليس فوق وسائدهم إذا ابتعث الليل من مكمنه إلا خطط للثورة على العالم لا تعد الثورة الفرنسية الكبرى شيئاً بجانب ما يجول في رأس رجل منهم فوق وسادته، وليس في قلب كل واحد منهم إلا مجموعة من أبدع ما ابتكر من أساليب اللعنة، وأغرب ما ذهب إليه من عبارات السخط، وكل قلب أسود يموت ويقف عن ضرباته، تنطفئ به ثورة، ويطوى كتاب من كتب الحقد، ويموت أسلوب من أساليب دلائل الخيرات.
من هؤلاء رجل طوال مشذب العود، ولد على الحدود القائمة بين دولة البيض والسود، وهو نسخة متأخرة من العمالقة، يمشي في أمطار عصرية، لو رآها استين لأثارت فيه ذكرى أول عهده بفتح دكانته الصغيرة في صميم الموسكى، وهو أبدا يشكو المرض لأنه دائماً يأكل بعضه، حقداً على الدنيا، ونظراً لما في أيدي الناس، وبكاء على سقوط نجمه في الأرض، ولا تراه يئن إلا من داخله، لأن أحشاءه لا تستطيع هضم جثمانه لأنه من نوع اللحم الخشن على رأي الجزارين، فلذلك لا يجد قلبه إلا أن يتأكل أطرافه، وإذا مشى إليك يحدثك فكأنه لفرط طوله يكلمك من الطابق الأعلى، أو يطل عليك من البلكون، وإذا جلس إليك فلنحول ساقيه وامتدادهما ألفيت قدمه فوق ركبتك.
وقد أصاب هذا الرجل شيئاً ضئيلاً من العلم ولكنه يظنه علم السماوات، فلا يرضيه أن يرى في الدنيا عالماً، لأنه يخشى أن ينازعه على كرسي رئاسة جمهورية العلم، ولكن العلم الذي أوتيه أشبه به أن يكون جهلاً، لأنه ليس على قاعدة، ولا ينهض على أساس، وإنما هو مجموعة متضاربة مبعثرة جمعها من السوق، وأخذها من فهارس الكتب وكتالوجات المكاتب، ولا يعجبه من كتب الأرض قديمها وحديثها شيء، ويعتقد أن جميع كتاب الدنيا
стр. 2156
من أبعد العصور إلى اليوم لم توجدهم الطبيعة إلا ليكونوا التجارب الأولية الخائبة ارتقاباً لظهوره هو ونبوغه.
وهو مثال الخيبة في الحياة لأنه مثال الغلظة في نفسه، فهو إذا اشتغل في عمل لم يلبث أن يعد صاحب العمل أجيراً عنده، ويطالبه بالاحترام الشديد الذي يعتبر إرهاقاً إذا طالب به السيد خادمه، بل قد يكاد يسأله أن يتنازل له عن حصة فيه أو يكتب له جزءاً منه في الوقفية، وإذ التمس إلى أحد من الناس ما لا على سبيل القرض أو الهبة، فكأنما هو في جرأة السؤال وقحة الطلب يسأله وفاء دين عليه، أو يطالبه بالعوايد أو الخفر وقد لا يتأخر عن إنذاره بالحجز في مدة محدودة إذا هو لم ينزل عن منحه الهبة أو القرض، وإن كانت لفظة القرض لديه يراد بها، السلفة المستديمة إذ أقسم أن لا يدفعها إلا على يد الملك المكلف بجرد تركات المفلسين في الآخرة!
وغريبة الغرائب أن يكون ذلك الرجل شاعراً. . . ولكن لا يستطيع أحد أن يفهم شعره سواه، ولعله من بخله وشحه يضن على الناس حتى بمعانيه، وهو يحاول أن يجيء بالشعر الذي لا يفهم، لأنه يأبى إلا أن تكون المعاني في بطنه ولذلك يوفر عليه الإكثار من الطعام، لأنه لا يستطيع أن يكفل الكثير منه، لفاقته ورقة حاله، وهو يدعي أن شعره هذا يرقص الهزاز فوق أيكه، والبلبل الصداح في وكنه، وإن كان شعره البربري لا يصلح أن يتغنى به على (الدلوكة) في مجالس شراب العبيد، وهو مع ذلك يقول إن الله إنما ذم الشعراء في كتابه، إذ علم أنه سيخرج في الأرض إبان القرن العشرين إله الشعر، وأن هذه الألوهية الشعرية ستقع من نصيبه فذم الشعراء جميعاً غيرة منه مقدماً وخشية من أن يتبع الناس إبليس الشعر فيسكنوا في أبياته وينسوا مقاصير الجنة.
ولشعره أوزان غير أوزان الشعر المعروفة للناس، ولعله رأى أن كل نبي يخرج للناس ينسخ السنن والشرائع التي جاءت قبله، وعلم أن نبوة الشعر قد نزلت عليه فاضطر إلى أن يحاول إظهار شيء من المعجزات، حتى يدينوا له ويؤمنوا به، فأوحى إلى صحابته والحواريين من أنصاره أن ينشروا الدعوة بين الناس، ويدعوهم إلى الأوزان الجديدة، فأخذ كل منهم وزناً منها وطاف بها على الشعراء يعرضها عليهم ويدعوهم إليها، ولكنهم ضحكوا منه ساخرين، لأنهم علموا أن الوزنة من هذه الأوزان لا تساوي (وزنة) من الجميز وأنها
стр. 2157
لا توازي لذلك فتيلاً!
ومن أكبر المذاهب التي يؤمن صاحبنا بصلاحها ويرجو أن يسارع العالم إلى تحقيقها، مبدأ الاشتراكية ولكنه لما رأى أن المجتمع الإنساني قد تأخر عن تنفيذها مع أنها مبدأ مستعجل يجب البت فيه، اضطر هو إلى تنفيذه على الأغنياء الذين يتصل بهم أو الذين يستطيع أن يصل إليهم من غيرهم، وبهذا أصبح له الفضل بأنه الاشتراكي (العملي) الأول في الحياة الإنسانية كلها، وهو في صميم فؤاده ولا شك يشكر (كارل ماركس) مؤسس الاشتراكية أن اهتدى إلى هذه الفكرة (الذهبية) لأنها وفرت عليه متاعب سؤال الناس رأساً بدون واسطة العلم والكتب. . . .
هذا هو الرجل، وتلك صورته، ولكن أعجب منها ولا ريب صورة كاتم أسراره، وصديقه الذي لا يفارقه، وأنا أترك القراء الآن لكي أوافيهم بها في العدد القادم، فإلى الملتقى.
عباس حافظ
стр. 2158
من جوامع الكلم
نلتقط هنا شيئاً من جوامع الكلم المأثورة عن كثير من نوابغ الافرنج بين علماء وأدباء وفلاسفة وملوك وروحانيين - التقطناها من كتبهم ودواوينهم خصيصاً لقراء البيان.
باسكال (١٦٢٣ - ١٦٦٢)
لو كان أنف كليوباترا أقصر قليلاً لتغير وجه الأرض بأسرها.
ياللإنسان من ظل خافت ضعيف، وأعجوبة جديدة، وعفريت منكر، يا له من فوضى، ويا له من مناقضة، ويا له من معجزة وآية، هو القاضي الحاكم في كل شيء، هو أرضة ضعيفة من دود الأرض، ثم هو مستودع الحق، وجحر الشك، وكهف الباطل، وهو فخر الكون، وهو خزيه وعاره!
إن آخر شيء نفكر فيه بعد وضع الكتاب هو ماذا يجب أن نكتبه أولاً!!
فولتير (١٦٦٤ - ١٧٧٨)
لو لم يكن هناك رب، لوجب علينا أن نخترع رباً! - التاريخ ليس إلا صورة الجرائم والآلام والشناعات - هناك حقائق لا تصلح لكل الناس، ولا لكل الأزمان - لقد بعث إلى الملك بعض ثيابه القذرة لأغسلها له.
مونتان (١٥٣٢ - ١٥٩٢)
توجد هزائم أحق بالفخار من الانتصارات - أرواح الملوك والاسكافيين قد صبت في قالب واحد، فإن شجاراً صغيراً بين رجل ورجل يثير حرباً طويلة شعواء بين الملوك - إن شهوتي للطعام تأتي وأنا آكل لأقبل أن آكل - لم أر أغرب عفريتاً ولا أعجب معجزة في العالم مني - من رأيي إنه كان الأفضل لنا أن لا يكون لدينا شرائع وقوانين أصلاً من أن يكون لنا منها هذا العدد العظيم المتكاثر - دعونا نترك الطبيعة تسير في سبيلها فهي أدرى منا بواجبها - جميع الناس يعرفون كتابي فيّ، ويعرفونني في كتابي - أن أكبر فضيلة في خلقي لا تزال عليها مسحة الشر - من يدري عندما ألاعب هرتي إذا كانت هي التي تهزأ بي أكثر من هزئي بها!
مارتن لوثر (١٤٨٣ - ١٥٤٦)
قل لسيدك أنه لو كان في (ورمز) شياطين عدد ما في سقوفها من أحجار وقراميد فأنا
стр. 2159
داخلها - حيث يبني الله لعبادته معبداً، يشيد الشيطان بجانبه لشيعته هيكلاً.
ألفونس الحكيم (١٢٢١ - ١٢٨٤)
لو كنت حاضراً يوم خلق الخليقة لكنت أبديت عدة نصائح غالية كانت ولا ريب ستصلح نظام الكون.
لاروشفوكول (١٦١٣ - ١٦٨٠)
الحب الحقيقي كالعفاريت يتكلم عنها جميع الناس، وقليلون رأوها - حب العدل عند سواد الناس ليس إلا الخوف من أن ينالهم ظلم - لا نستطيع أن ننظر إلى الموت نظرة طويلة ممعنة ثابتة، كعجزنا عن النظر إلى دارة الشمس - المصلحة تتكلم جميع الألسن، وتستخدم جميع اللغات، وتمثل جميع الأدوار، حتى دور التجرد من المصلحة - أكثر النساء يحزنّ ويتألمن ويلبسن الحداد لفقد حبيب، لا لكي يظهرن كيف كن من قبل أن يحببن، بل ليعلم عنهن أنهن خليقات بالحب مرة أخرى.
стр. 2160
تأثير الطعام والغذاء
في إطالة الحياة وتقريب الموت
أبحاث طبيب دانماركي كبير
إن لهذا الموضوع اليوم أهمية خاصة، وحاجة ماسة، إذ ارتفعت أثمان المواد الغذائية، وعزت منها أشياء، وندرت أشياء، وناهيك بغلاء اللحم، حتى أصبحت هذه الأيام عند الفقراء كما سماها أحد الأدباء أياماً لا لحمية وقد كان الدكتور هندهيد - وهو من الأطباء الكبار - منذ نشأت الحرب يدأب على عمل تجارب عدة في معمله للوصول إلى معرفة المقدار اللازم من البروتين لتغذية الجسم وانتظام حركته وعمله، ولا يغيب عن القراء أن كلمة البروتين هي الاصطلاح العام للأغذية النيتروجينية، أو التي تحتوي كثيراً من النيتروجين، ومن بينها اللحم السمين والبيض واللبن وكثير من الخضروات.
وهذا الموضوع يهم كل قارئ شخصياً لأنه يتعلق بحياته، فإن الأمراض الناشئة من فساد مقادير البروتين تؤلف جزءاً عظيماً من إحصائيات الوفيات.
وقد ذهب الدكتور هندهيد إلى أن نحواً من ٢٥ جراماً من البروتين في اليوم مقدار كاف لتغذية البدن، مع أن الإنسان المتوسط الحال يتناول ثلاثة أو أربعة أضعاف هذا المقدار، ويعتقد أن تناول مقادير زائدة عن الحاجة من الأطعمة البروتينية يعمل على تسميم البدن والإضرار به.
وحيث أن الأطعمة البروتينية، كاللحم والبيض - باهظة الثمن فلا يستطيع المتوسطو الحال أن يحصلوا عليها في كل حين ولذلك فلا يصدق أحد إذا قلنا له أنه بشرائه المقدار الكثير منه إنما يبتاع المرض، ويشتري الأذى، ويعمل على تقصير أمد حياته، وليست التجارب التي قام بها العلامة هندهيد نظرية فقط بل كانت عملية تنفيذية، وهي طريقة تحديد مقادير الغذاء لأشخاص يشتغلون بأعمال تتطلب الحركة والنشاط ومعرفة مقادير الفضلات والمواد البرازية التي تتخلف عن الأطعمة حتى لقد خرج من بعض هذه التجارب بأن شخصين استطاعا أن يعيشا عاماً كاملاً على البطاطس وزيت الزيتون وقد كان غذاؤهما اليومي منظماً يتراوح بين ٢٠ و ٢٥ غراماً من المادة الزلالية، مع أن العلماء ذهبوا في تجاربهم الأولى منذ زمن إلى أن المقدار اللازم من المادة الزلالية في اليوم هو ٨١ جراماً.
стр. 2161
وليس في البطاطس مقدار كبير من البروتين ولهذا تكفي ثلاثة أرطال منه في اليوم ويقوم بالحاجة الباقية من الحرارة المطلوبة للبدن نحو من ست أوقيات من الزبدة.
وهذان الشخصان اللذان استغنيا بالمادة الزلالية الموجودة في الخضروات عن كافة البروتين الموجود في الحيوانات كاللحم، اكتسبا الصحة التامة والقوة المتينة، حتى أن أحدهما بعد الانتهاء من هذه التجربة العملية اشترك في سباق لمسافة ٢٦٤ ميلاً جازها في ٩٩ ساعة وهو الميعاد المضروب للسباق.
والدكتور هندهيد يرى أن المادة الزلالية الموجودة في الخضر تقوم مقام المادة الموجودة منها في الحيوانات ويلفت النظر إلى أن أمراض الكبد والكلى والأمعاء هي في سكان المدن والحواضر أربعة أضعافها عند الفلاحين وأهل القرى الذين يعيشون وأكثر غذائهم الخبز والبطاطس والدهن، والآن لنبحث في الأطعمة التي يمكن الحصول منها على المقدار اللازم من البروتين للجسم في اليوم وهو بين ٢٠ و٢٥ جراماً، وهذا يسهل على الكيماوي أن يوافينا به فإن نحواً من ثلاثة وعشرين جراماً منه توجد في ثلاث بيضات أو في قطعة من اللحم الأحمر يبلغ حجمها نحواً من ثلاث بوصات مكعبة أو في رطل ونصف من اللبن، والقطعة الصغيرة من الخبز التي تبلغ أوقيتين تحتوي أربعة جرامات من البروتين.
على أن الجهاز الهضمي لا يستطيع أن يستخرج جميع المادة البروتينية من أي مقدار من الطعام ويجعله صالحاً للجسم ولهذا لا نستطيع أن نضع نهاية صغرى نظرية للغذاء ونكفل به الصحة وليس من المحتمل أن يفيد الرجل المتوسط الحجم أن يتناول أقل من ضعف المقدار النظري الذي يذهب إليه الدكتور هندهيد وهو العشرون جراماً من المادة الزلالية ليكفل للأنسجة المقدار اللازم لها.
وللوصول إلى طريقة عملية يستطيع الإنسان أن يظفر بالمقدار الواجب له من البروتين من بيضة واحدة وقدح من اللبن وخمس أوقيات من اللحم توزن قبل نضجها فإن هذا المقدار يكفل ولا ريب مقدار البروتين الذي يتطلبه البدن حقيقة، بل قد يزيد على حاجته.
ومن المحقق أن مثل هذا المقدار وحده لا يستطيع أن يمد البدن بوحدات الحرارة الكافية لتسيير هذه الأداة الإنسانية بنظام ولهذا لا بد من التماسها في الأغذية الخالية من البروتين، ولا بد أن يحسب حساب لمقادير من النشا والسكر والدهن وهذه تستمد من الحبوب وبعض
стр. 2162
الخضر.
وهنا يحسن أن نلفت النظر إلى معنى لفظة وحدة الحرارة وهي المصطلح عليها عند الكيماويين بكلمة كالوري وهي نوعان الوحدة الصغرى والوحدة الكبرى، أما الصغرى فهي مقدار الحرارة اللازمة لرفع سنتيمتر مكعب واحد (نحواً من خمسة عشر نقطة من الماء) درجة سنتجراد واحدة وأما الكبرى فهي الحرارة اللازمة لرفع كيلو جرام درجة واحدة في مقياس السنتجراد، وفي الكلام عن آلة بخارية، تستعمل الوحدة الكبرى، وبالحرى يصح ذلك عند مقياس حرارة الإنسان، كما أنه يسهل عليك أن تعرف وزنك بالأرطال بدلاً من أن تزن حجمك بالدراهم أو الحبات.
ولكل نوع من الطعام حرارة خاصة به عندما يحتويه البدن ويحترق في جوفه ومن الأطعمة ما يشعل في الجسم ناراً أكثر وأحر من غيرها، فإذا أنت تناولت أوقية من الزبد فإنها تشعل في بدنك حرارة أكثر مما لو أنت تناولت مثل زنتها من السكر.
واللحوم المتنوعة لا تفترق في شيء كثير عن اللحم البقري من وجهة الحرارة فإن الدجاج والطيور والسمك أقل كثيراً في الحرارة من اللحوم الأخرى، والبيضة الواحدة تحتوي ٨٥ وحدة حرارية، والرطل من اللبن الذي لم تؤخذ قشدته يحوي نحواً من ٣٠٠ وحدة حرارة، والرطل من الخبز لا يقل في حرارته عن مثله من اللحم إذ تتراوح بين ١١٠٠ و ١٢٠٠ وحدة حرارة أي مقدار الحرارة الكافية لنصف يوم للإنسان المتوسط.
ومن بين الخضروات الكثيرة الحرارة، بعد الفول في الصف الأول فإن الرطل الواحد منه يحتوي على ٢٥٠٠ كالوري والفاصوليا الناشفة كذلك.
أما الخضروات اللينة التي تحتوي مقداراً من الماء فلا تحتوي كثيراً من الحرارة فإن الفاصوليا الخضراء مثلاً ليس في الرطل منها أكثر من ٤٣٠ وحدة حرارة، واللوبيا الخضراء ١٨٠ والقرنبيط ١٤٠ والجزر ٢٠٠ والبصل الأخضر ٢١٥ والسبانخ ١٠٠ والبطاطس ٣٧٠ ومن بين الفاكهة الخضراء ينهض الموز في الطليعة إذ في الرطل منه ٤٠٠ كالوري وفي التفاح ٢٦٠ وفي التين ٣٣٠ وفي العنب ٣٩٠ والبرتقال ٢١٠.
ومن هذا تبين لك أن الفاكهة اللينة لا تحتوي مقادير مرتفعة من وحدات الحرارة، على أن الفاكهة الجافة خير منها فإن رطلاً من البلح يحتوي ١٤١٥ وحدة حرارة وكذلك البندق وهو
стр. 2163
الطعام الوحيد الذي يحوي جميع المواد الصالحة للجسم.
ولكن الأهمية الكبرى هي التحفظ من الإكثار من الأطعمة التي تحتوي المقادير الكبيرة من البروتين، والآن دعنا نضع لك نظاماً للغذاء اليومي تحاشينا فيه الإكثار من اللحوم وما يخرج من الحيوانات، وإن كان المقدار الذي تحتويه هذه القائمة من المآكل من البروتين كافية لحاجة الجسم.
فخذ في إفطارك أوقيتين من الخبز المقدد وثلاث أوقيات من اللبن وخمس أوقية سكر (في القهوة) وثلاثة أرباع الأوقية من الزبدة.
أما للغذاء فحسبك رطل ونصف من اللبن وأوقيتان من الخبز وأوقية ونصف من الزبدة و٤ أوقيات من السلطة من الخس ومعها أوقية ونصف من زيت الزيتون وأوقيتان من الكعك و ٤ أوقيات من الفاكهة اللينة.
وللعشاء هذا القدر: حساء الخضر، حساء ٥ أوقيات من البطاطس مع مثلها من الجزر والسبانخ، أوقيتان من السكر وأوقية من الزبدة وربع أوقية من اللوز و ٤ أوقيات من مربى التفاح وأوقية من الجبن.
ولعل هذا قد يظن أنه لا يحوي كثيراً من مادة البروتين، ولكن التقدير دل على أن هذه الأطعمة تحتوي ٤٥ جراماً منها وهو المقدار المقرر لرجل وزنه ١٥٨ رطلاً والحرارة التي تحدثها في الجسم تربو على ٢٥٩٨ وحدة حرارة مع أن المطلوب للرجل الذي هذه زنته ٢٥٦٠ وحدة فقط، على أن هذا النظام يراد به الرجل الذي يعمل أعمالاً هادئة لا تتطلب الحركة والعمل البدني، فلا ريب أن المشتغل بلك يتطلب وقوداً أكثر من هذا وغذاء يقوم بحاجة بدنه.
стр. 2164
ملح أدبية
ليس هناك أوجع لقلب الشاعر ولا أجلب لحقده وبغضه من أن يمتدح إنساناً بقصيدة يحبرها ويبالغ في تجويدها وتثقيفها، ويكد في ذلك ذهنه، ويغوص على المعاني النادرة البديعة فيستخرجها من مكامنها، ويلصق به كل محمدة إلصاقاً، ويستقصى في ذلك حتى يكذب ويغلو ويبالغ إلى الحد الغير المعقول، ثم هو لا يحظى من وراء ذلك كله بطائل، كان في عصر الشاعر ابن الرومي وزير كبير يسمى اسماعيل بن بلبل الشيباني ويكنى أبا الصقر، كان هذا الوزير ممدوح ابن الرومي، مدحه بقصائد عدة كلها آية في الإبداع ولكنه أخفق في جميعها، ومن هذه القصائد القصيدة النونية المشهورة التي تربى على المائتي بيت، ولما أنشدوا أبا الصقر هذه القصيدة وسمع هذا البيت منها:
الوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم ... كلا لعمري ولكن منه شيبان
قال لقد هجاني، فقيل له إن هذا من أحسن المدح، ألا تسمع ما بعده:
كم أب قد علا بابن ذرى شرف ... كما علت برسول الله عدنان
فقال أنا بشيبان لا شيبان بي فقيل له فقد قال:
ولم أقصر بشيبان التي بلغت ... بها المبالغ أعراق وأغصان
لله شيبان قوم لا يشوبهم ... روع إذا الروع شابت منه ولدان
فقال لا والله لا أثيبه على هذا الشعر وقد هجاني، فما كان من ابن الرومي إلا أن زلزل الدنيا على أبي الصقر هذا وأخذ يثأر لنفسه منه ويصب عليه جام غضبه كما يقولون وهجاه بعدة قصائد هي الشماتة مجسمة إذ نكبه الموفق الخليفة العباسي بعد أن عزله من الوزارة، فمن ذلك قوله:
فلئن نكبت لطالما نكبت ... بك همة لجأت إلى سندك
لو تسجد الأيام ما سجدت ... إلا ليوم فت في عضدك
يانعمة ولت غضارتها ... ما كان أقبح حسنها بيدك
فلقد غدت برداً على كبدي ... لما غدت حراً على كبدك
ورأيت نعمى الله زائدة ... لما استبان النقص في عددك
ولقد تمنت كل صاعقة ... لو أنها صبت على كتدك
لم يبق لي مما يرى جسدي ... إلا بقاء الروح في جسدك
стр. 2165
وقوله:
خفض أبا الصقر فكم طائر ... خر سريعاً بعد تحليق
زوجت نعمى لم تكن كفأها ... فصانها الله بتطليق
لا قدست نعمى تسربلتها ... كم حجة فيها لزنديق
وهاك حديث شاعر آخر يشبه حديث ابن الرومي
حدث أبو العيناء قال: كان عيسى بن فرخان شاه يتيه على في ولايته الوزارة فلما عزل وهبني، فلقيني فسلم علي فأحفى فقلت لغلامي من هذا؟ قال أبو موسى، فدنوت منه، وقلت أعزك الله والله لقد كنت أقنع بإيمائك دون بيانك، وبلحظك دون لفظك، فالحمدلله على ما آلت إليه حالك، فلئن كانت أخطأت فيك النعمة فلقد أصابت منك النقمة ولئن كانت الدنيا أبدت مقابحها بالإقبال عليك لقد أظهرت محاسنها بالانصراف عنك ولله المنة إذ أغنانا من الكذب عليك ونزهنا عن قول الزور فيك فقد والله أسأت حمل النعم وما شكرت حق المنعم.
وهذا أبو العيناء - واسمه محمد بن القاسم - كان ضريراً، وكان أديباً شاعراً وكان من أحفظ الناس وأفصحهم لساناً وأحضرهم بديهة، وكان من ظرفاء العالم له نوادر مستملحة مع الخلفاء والوزراء ومن إليهم نورد شيئاً منها تفكهة للقراء، حدث الرواة قالوا: حضر أبو العيناء يوماً مجلس بعض الوزراء فتفاوضوا حديث البرامكة وكرمهم فقال الوزير لأبي العيناء - وكان قد بالغ في وصفهم وما كانوا عليه من البذل والأفضال - قد أكثرت من ذكرهم ووصفك إياهم، وإنما هذا تصنيف الوراقين وكذب المؤلفين، فقال له أبو العيناء فلم لا يكذب الوراقون عليك أيها الوزير، فسكت الوزير وعجب الحاضرون من إقدامه على ذلك، ووقف عليه رجل من العامة فلما أحس به قال من هذا، قال رجل من بني آدم فقال أبو العيناء مرحباً بك أطال الله بقاءك ما كنت أظن هذا النسل إلا قد انقطع، ومر يوماً بباب عبد الله بن منصور وهو مريض وقد أبل فقال لغلامه كيف خبره فقال كما تحب فقال فمالي لا أسمع الصراخ عليه، ودخل على المتوكل في قصره المعروف بالجعفري فقال له ما تقول في دارنا هذه فقال إن الناس بنوا الدور في الدنيا وأنت بنيت الدنيا في دارك ثم قال له: كيف شربك الخمر فقال أعجز عن قليله وأفتضح عند كثيره فقال له دع هذا عنك ونادمنا فقال أنا رجل مكفوف وكل من في مجلسك يخدمك وأنا محتاج أن أخدم ولست آمن
стр. 2166
أن تنظر إليّ بعين راض وقلبك عليّ غضبان أو بعين غضبان وقلبك راض ومتى لم أميز بين هذين هلكت فأختار العافية على التعرض للبلاء فقال بلغني أن فيك شراً فقال يا أمير المؤمنين إن يكن الشر ذكر المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فقد مدح الله تعالى وذم فقال نعم العبد أنه أواب وقال هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم وقال الشاعر:
إذا أنا لم أمدح على الخير أهله ... ولم أذمم النكس اللئيم المذمما
ففيم عرفت الخير والشر باسمه ... وشق لي الله المسامع والفما
وإن كان الشر كفعل العقرب التي تلسع السنيء والدنيء بطبع لا بتمييز فقد صان الله عبدك عن ذلك - ورحمه رجل بالجسر على حماره فضرب بيديه على أذن الحمار وقال يا فتى قل للحمار الذي فوقك يقول الطريق - وسئل مرة عن مالك بن طوق فقال لو كان في زمن بني إسرائيل ونزل ذبح البقرة ما ذبح غيره قيل فأخوه عمر قال كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً - وكتب إلى عبيد الله ابن سليمان: أنا أعزك لله وولدي وعيالي زرع من زرعك إن أسقيته راع وزكا، وإن جفوته ذبل وذوى، وقد مسني منك جفاء بعد بر وإغفال بعد تعاهد حتى تكلم عدو وشمت حاسد، ولعبت بي ظنون رجال كنت بهم لاعباً ولله در أبي الأسود في قوله:
لا تهنى بعد إذ أكرمتني ... وشديد عادة منتزعة
فوقع في رقعته - أنا أسعدك الله على الحال التي عهدت وميلي إليك كما علمت وليس من أنسيناه أهملناه ولا من أخرناه تركناه مع اقتطاع الشغل لنا واقتسام زماننا وكان من حقك علينا أن تذكرنا بنفسك وتعلمنا أمرك وقد وقعت لك برزق شهرين لتربح غلتك وتعرفني مبلغ استحقاقك لأطلق بك باقي أرزاقك إن شاء الله والسلام.
стр. 2167
باب النقد
حول حفلة تابين الشيخ سلامة
دعيت في من دعى من كهول وشباب، وسراة وفقراء، لاستماع ما تقوله الخطباء والشعراء تأبيناً للشيخ سلامة حجازي، فرأيت وسمعت، ولم أجد بداً من تعقيب تقريظ الصحف اليومية للحفلة بكلمة كان على تلك الصحف أن تقولها من عند أنفسها فلم تقلها استبقاء لمودة فريق وخيفة أن تغضب فريقاً آخر ترهبه ولا تعرف له وداً، ولا أحسب مجلة البيان على تلك الطريقة، ويقيني أنها مذيعة ما يأمر الأدب بإذاعته، وما يقتضي التاريخ أن يعرفه العامة كما يعرفه الخاصة، على أني براء من ألم ما يصيب بعض النفوس من النداء بأن البلد اليوم لا يريد أن يراهم أو يسمعهم يخطبون ويقولون الكلام الموزون الذي يسمونه الشعر، وليس إعجاب الجهال بهم مسيغاً لهم أن يتمادوا في عمايتهم وإنحائهم على اللغة بفاحش اللحن وعلى الأدب بتعويج الأسلوب، وعلى الفلسفة بالتخبط وإنزال الظنون منزلة اليقين في طويل عريض من اللغو لا يفهمونه وهم أربابه فمستحيل أن يفهمه الناس، وليتهم قاموا لذلك في مواطن المهاترة والمهاذرة بتبادل الآراء، فكنا ننتظر الصواب يأتي بعد خطلهم، ولكن الحفلة حفلة تأبين، ولم يرهم السامعون أبنوا الرجل بشيء، وما كان إلا أن نهض واحد يتكلم عما سماه العبقرية وآخر يتكلم عما تفعله الموسيقى بالنفس، وآخرون يتأوهون وينادون بأن حزنهم على الحجازي شديد، ولولا كلمة جاءت من خليل المطران وقرأها جورج طنوس لخرجنا ونحن لم نسمع شيئاً فإن هذا الشاعر هو الذي أبن صديقه التأبين الصحيح فذكر طائفة من أعماله ومآثره الفنية وصفة حياته واستخلص من كل أولئك أنه رجل جليل حقيق بأن يخلد ذكره في قومه، فأحسن ما شاء، ولا غرو فإنه خليل المطران، أما الشعراء فلم أر منهم من أجاد غير مجد الدين أفندي ناصف وجورج أفندي طنوس، ولو أحسنت ملياً ديان إلقاء توشيحها لجاء حسناً، ولكنها ولا أعلم كيف كان ذلك عجزت عن إلقائه كما انتظره منها الناس، ولست عاتباً على أحد عتبي على عمر بك عرف، وابراهيم أفندي رمزي واسماعيل بك عاصم، وجورج أفندي طنوس، فإن عمر بك كاتب مجيد، وخطيب مشهور معترف له بالبيان، وكان مستطيعاً أن يسمعنا خطبة يضمنها أبلغ الرثاء، ولكنه تجاوز صناعته إلى الشعر فرمانا بمنظومة كانت تقطر ركاكة وتفككاً،
стр. 2168
وكذلك كانت منظومة ابراهيم أفندي رمزي وهو صديق الشيخ سلامة العارف بحياته، ولو أرسل كلامه نثراً استطاع أن يرضى المحفل ولا يغضبه، واسماعيل بك عاصم رجل من أبناء الجيل الماضي، مطبوع على السجع ولو لم يفد المعنى لا فرق بينه وبين توفيق أفندي عزوز إلا في أواخر الجمل، فإنها من عند الأول مقيدة لا تقع إلا مرة واحدة ثم لا تقوم وهي من عند الثاني مرسلة تشج رأس هذا وتفقأ عين هذا، وكان الأجمل باسماعيل بك أن يتنحى عن أمر ندب المؤبنين لغيره، فإن هذا الزمن غير الزمن الذي كان يحسن فيه أن يقال وليتقدم الشاعر المأنوس، جورج طنوس وهذا الشاعر، الذي أقيمت له المنابر، وسيف الله الباتر، أسعد داغر وهذا هو الشاعر الذي يعرفه الجمهور، محمد بك تيمور أما جورج أفندي طنوس فكان كاتب سر الحفلة وهو بصير بمواقع الكلام وكان عليه أن يقف بين أولئك المتكلمين وبين الناس فيمنع منظومهم ومنثورهم، إلا ما يراه حسناً أو جيداً، وهو لم يفعل هذا بل تركهم يتناوبون إيذاءنا بأسماعنا ما لا نريد أن نسمع من كلام قضوا في ثلاث ساعات ومحصله كله من أوله إلى آخره أن النابغة من الرجال ينبغ وهو صغير الشأن فيعلو وقليلاً ما يأتي الزمان بذلك الرجل، وإن الموسيقى فن جميل، والتمثيل جميل، والشيخ نابغة موسيقى ممثل، ولم يقل أحد كيف كان هذا إلا خليل المطران كما رأيت وإذا كان ما يستعاذ منه فقصيدة الدباغ فإن المقام مقام تأبين وهو قد جاء بهزل سقيم في قصيدة جل ألفاظها دهن ولحم وشحم وجلد وأدم فكانت تشتم منها رائحة المطابخ ولم يشك سامع في أن أحد الطهاة صنعها له وكتبها على مائدة حفظها منها، ولعل ما لقيه أكثر المؤبنين من سخرية شهود الحفلة واستهزائهم وضحكهم وإعراضهم زاجر لهم عن غشيان مثل هذا المحفل بعد اليوم، ولعل هذه البادرة متبوعة بالارتقاء الذي نؤمله إن شاء الله.
ومما لاحظته أن حثالة الجمع - ولكل كأس حثالة - كانوا يبهرهم الإلقاء فيصفقون لبعض الناظمين والناثرين فلا يصفق معهم العارفون بمواقع الكلام، وليس هذا ذنب المصفقين، ولكنه دليل على أن رقاع الدعوة كانت مباحة لمن يريدها كائناً من كان، وتلك مخزية تشهد بأننا فوضى لا هداة لنا، وربما فهم الذين لا يعرفوننا أننا لا نفرق بين الغناء والصياح، ولهم العذر فقط تقطعت الأيدي بالتصفيق لقصيدة عبد الحليم المصري وربما نشرها المقطم أو الأهرام فرأيت ضعفها، لأنه أجاد إلقاءها، ولم تهتز لهم شعرة عند استماع قصيدة أسعد
стр. 2169
داغر على جلالها ومتانتها ودقة معانيها لأنه كان يلقيها وكأنما هو خائف أن يسمعوه فأفسد بقبح صوته واضطراب إلقائه ما أحسن صياغته.
فإذا كانت مجلة البيان تريد خدمة الأدب والتاريخ فهذا ما يريد الأدب والتاريخ أن يذيعه للناس والسلام.
стр. 2170
متفرقات
الامبراطور الجديد في الصين
وصلت منذ أيام الأنباء تترى من الصين بأن القلاقل مستحكمة والاضطراب سائد على حدود الامبراطورية، والسبب في ذلك ظهور رجل غريب لا يعرف أصله ولا يدرك سره يطالب بلقب الامبراطور في قبائله وفي الأمة الصينية بأسرها، واسم هذا الرجل القديس توشا وقد اعتاد أن يأكل لحوم النمر والذئاب والفهود وقلب الإنسان.
وقد ضرب للناس اليوم الثامن والعشرين من الشهر العربي الخامس من هذا العام موعداً لارتقائه.
وفي يوم تتويجه ذبحت ألف رأس من الماشية وأعدت ثمانمائة دن من الخمر للمأدبة الواجبة لأتباعه، وقد عين له مجلساً من الوزراء، وديواناً للحكم، يوفد الولاة إلى البلاد، والعمال إلى الأقاليم لحكمها.
وقد أصدر مجلس العقوبة منشوراً بالعقوبات المختلفة التي يوقعها على المجرمين والمخالفين لأحكام القوانين، فإذا قبض على إنسان وهو يشرب الأفيون، قطعت شفتاه، والرجل الذي يرجف في المدينة بالإشاعات جزاؤه قطع لسانه، والرجل الذي يسمع وهو يقسم أو يحلف، تنتزع سن من أسنانه، أما اللصوص فتقطع أيديهم.
وقد صدر أخيراً قرار آخر يقضي بجعل هو كنغ حاضرة الامبراطور السماوي الجديد وخلاصة المبادئ التي يريد إنفاذها في الصين تحريم الأفيون وتشجيع القوم على الشغل في المناجم والبحث عن الذهب والمعادن ونشر التعليم الإجباري.
ومن هذا نرى أن الرجل خليط من الشر والخير، وصورة غريبة من الصور الإنسانية الموحشة من ناحية الجميلة من الأخرى.
برلمان من سبعة أشخاص
في صميم المحيط الهادئ، تقوم جزيرة معتزلة وحيدة صغيرة، هي جزيرة بتكيرن وهي في منتصف الطريق بين أستراليا وأمريكا الجنوبية ومساحتها لا تزيد عن ميلين مربعين وسكانها مائة وتسع وستون نفساً، ولهم برلمان مؤلف من سبعة أعضاء ولهم رئيس ونائب رئيس وقاض، يحكمون في أمور المملكة ونظامها وكل شاب يجوز الربيع الثامن عشر
стр. 2171
يصبح ذا حق في الانتخاب، والانتخابات تجري شفوية لا كتابة ولا تحرير.
والغريب أنه قد يمضي عام كامل دون أن تقف سفينة البريد بأرضهم وقد حدث أن مضى ستة وعشرون عاماً لم يقف فيها بشاطئها إلا سفينتان فقط!!
مكتب الغسالين
لعل أكبر كتاب في الدنيا حجماً وأكثر صفحات هو دفتر قيد أسماء الغسالين الموجود في سكوتلاند يارد دار الشرطة في لندن، فهو يتألف من اثني عشر مجلداً ضخماً، يحتوي جميع الأدلة والبيان الذي تستطيع بواسطته أن تقتفي آثار صاحب أي قطعة من القماش أو الملابس وصلت إلى دكان غسال من الغسالين، وقد تمكنت الشرطة من الاهتداء إلى ألوف من المجرمين، فاقتص العدل والقانون منهم، بفضل هذا الكتاب القيم، ولاسيما عندما يحاول القتلة والمجرمون أن يخفوا آثار جرائمهم، بأن يفصلوا الرأس عن البدن ويهربوا بها لواذاً مختفين، ولعل أكبر حادثة من هذا القبيل، ما وقع أخيراً في لندن إذ عثر ببدن امرأة قتيلة، لا تبين معالم وجهها، عند شاطئ النهر، فلم يكن من الشرطة إلا أن زاروا أربعمائة حانوت من حوانيت الغسل والكي للاهتداء إلى صاحبة الملابس التي وجدت على المرأة القتيلة، وأخيراً دل البحث الدقيق على حانوت صغير في أقصى المدينة، اعتادت القتيلة أن تبعث إليه بأثوابها لغسلها وكيها، وعلموا أن الاسم هو مسز بنت، فلم يمض ساعات، حتى عرفت المرأة، وعرف زوجها واهتدى إلى أنه القاتل، فقد ظن هذا الأحمق أنه قد محا كل أثر لجريمته، وصرف كل شبهة، فاتخذ لها مسكناً على شاطئ النهر باسم مستعار، ثم أخذها بعد هدأة من الليل للنزهة عند البحر، وخنقها بكل سكون ورقة ولطف، وهو يوهمها أنه يريد تقبيلها.
ولكنه نسي أن هناك جاسوساً صامتاً صغيراً في دار الشرطة هو كتاب الغسالين.
стр. 2172
مطبوعات جديدة
ظهر في هذه الفترة التي احتجب فيها البيان هذه الكتب الثلاث، وبما أنه ليس هناك متسع للكلام على الكتابين الأولين أرجأنا القول عليهما إلى العدد القادم ونكتفي الآن بالكلام على كتاب التعليقات الجديدة، وقد كلفنا أحد المشتغلين بالقانون أن يكتب عنه كلمة مختصرة وها هي:
كتاب التعليقات الجديدة
على قانون العقوبات الأهلي
تأليف محمد عبد الهادي الجندي بك
إن خير طريق للوقوف على حقائق الأمور كما يجب هي الطريقة التاريخية التي سلكها سبنسر وغيره من كبار الفلاسفة في الأبحاث الاجتماعية، وقد سلك هذه الطريقة ثقاة الفقهاء الغربيين في شرح المواد القانونية يمهدون الطريق بذكر تاريخ هذه المادة ومصدرها المأخوذة منه والأسباب التي دعت الشارع إلى وضعها والمناقشات البرلمانية التي دارت حولها والأدوار التي تقلبت فيها، أما غير هذه الطريقة فتخبط ورجم بالغيب وجولات خيالية لا رائد لها يرشدها إلى الصواب ولا ضابط يكبح جماحها ويلم شاردها.
ولما كان القانون المصري صورة مترجمة للقانون الفرنسي كان الرجوع إلى الشراح الفرنسيين وأحكام المحاكم الفرنسية خير طريق يسلكه القضاة والمحامون في تطبيق القانون المصري وتعرف معناه.
ولكن الشارع المصري الذي تعجل في أول الأمر ولم يكلف نفسه العناء في وضع قانون يلائم الجو المصري والعادات المصرية بل أخذه من القانون الفرنسي مع التباين العظيم بين البلدين أصلح غلطته هذه وأخذ يعدل المواد القانونية ويحاول إلباسها ثوباً مصرياً ملائماً للذوق المصري وقد عنى على الأخص بمواد قانون العقوبات حتى صار هذا القانون كالمرقعة بعضه مصري يلتئم مع عاداتنا والبعض الآخر افرنجي - وأصبح الرجوع إلى كتب الشراح الفرنسيين غير كاف للوقوف على غرض الشارع بل مدعاة في بعض الأحايين إلى الخطأ والبعد عن الصواب والواجب أن يلجأ المرء إلى الكتب الفرنسية فيما هو مأخوذ عن أصل فرنسي وإلى الأعمال التحضيرية كتعليقات الحقانية ومناقشات مجلس
стр. 2173
الشورى ومذكرات لجنته فيما هو من عمل الشارع المصري.
غير أن هذه الأعمال التحضيرية مبعثرة يصعب على الباحث الاهتداء إليها فلم شعنها حضرة الأستاذ عبد الهادي الجندي بك ورتبها أحسن ترتيب معقباً كل مادة بالأعمال التحضيرية الخاصة بها بحيث إذا أراد أحد الحقوقيين أن يدرس مادة من مواد قانون العقوبات فما عليه إلا أن ينظر في كل ما جاء من الأعمال التحضيرية لهذه المادة ويقارنها بعضها ببعض ثم يستخلص قصد الشارع.
فالأستاذ عبد الهادي الجندي بك بكتابه التعليقات الحديثة على قانون العقوبات قد وضع الحجر الأساسي في مصر للطريقة العلمية لدراسة القوانين ولم يسبقه إلى هذه الفكرة أحد ففضله على القانون المصري وكل مشتغل به فضل كل مخترع ونأمل أن يكمل عمله ولا يقف عند هذا الحد فإنه وإن كان قد أنجز عملاً جليلاً يستحق عليه الشكر والثناء إلا أن خبرته وكفاءته تبعثان على الرجاء في أن لا يكتفى بتكديس أدوات البناء وتهيئتها تاركاً إياها لغيره يشيد بها ما يريد أن يشيده، بل نريد منه أكثر من ذلك - نريد منه أن يستخدم هذه الأعمال التحضيرية في شرح القانون واستخلاص المبادئ القانونية ونقدها كما فعل الأستاذ جارسون في تعليقاته على قانون العقوبات الفرنسي وهذا ليس بالأمر السهل ولكن كفاءة عبد الهادي بك أهل للنهوض بكل عظيم.
وعلاوة على ما تقدم قد عني المؤلف بتذييل كل مادة بطائفة منتقاة من أحكام محكمة النقض ومحاكم الاستئناف والمحاكم الجزئية، وفائدة هذه الأحكام جلية لا تحتاج إلى بيان.
وبودنا أن لو تعرض المؤلف إلى تحليل هذه الأحكام وإيضاح المبادئ التي بنيت عليها فلا يكتفى بسردها مجردة عن كل تعليق بل يأتى بها لنقدها أو ليستشهد بها على رأيه.
وبعد فإن كتاب عبد الهادي الجندي بك جليل جمع بين الجديد والمفيد وقرب مناهل القانون للحقوقيين وفتح لهم مضماراً جديداً للمسابقة فاستحق منهم الشكر والثناء.
стр. 2174
العدد ٣٨ - بتاريخ: ١ - ١ - ١٩١٨
стр. 2175
كلمات العظماء
نعود فننشر جملة من جوامع الكلم والأقوال العظيمة التي فاه بها عدة من العظماء وقواد الإنسانية وذوي الشخصيات الخالدة في التاريخ ذاكرين طرفا عن المواطن التي قيلت فيها والمواضع التي كتبت في حينها مفتتحين هذه الكلمات في كل عدد ببضع كلمات من كلم سيد العظماء بل سيد العالم كله سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله ﷺ تيمناً بها واعتباراً بما انطوت عليه من المعاني المقدسة الجليلة ولا جرم فهو صلى الله عليه القائل أوتيت جوامع الكلم وأنا أفصح من نطق بالضاد - قال ﵇:
ياعم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته.
قالها السيد الرسول لعمه أبي طالب إذ صمدت إليه قريش بعد أن ضاقوا ذرعاً برسول الله وتسفيهه أحلامهم وما هم عليه من عبادة الأصنام والشرك فقالوا لعمه - إما أن تكفه أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين - ثم انصرفوا فعظم على أبي طالب فراق قومه ولم يطب نفساً بخذلان ابن أخيه فقال له يا ابن أخي إن القوم جاؤوني فقالوا لي كيت وكيت فأبق على نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق فظن الرسول أن عمه خاذله فقال هذه الكلمة الخالدة ثم بكى وولى فقال أبو طالب أقبل يا ابن أخي فأقبل عليه فقال اذهب فقل ما أحببت والله لا أسلمك.
إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى
المنبت المقطع عن أصحابه في السفر والظهر الدابة - قالها ﷺ لرجل اجتهد في العبادة حتى هجمت عيناه أي غارتا فلما رآه قال: إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق إن المنبت الذي يجد في سيره حتى ينبت أخيراً، سماه بما تؤول إليه عاقبته.
إن من البيان لسحراً وإن من الشعر لحكمةً
قالها صلى الله عليه غذ وفد إذ وفد إليه فيمن وفد الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم فقال الزبرقان: يا رسول الله أنا سيد تميم والمطاع فيهم والمجاب منهم آخذ لهم بحقهم وأمنعهم من الظلم وهذا - يعني عمراً - يعلم ذلك، فقال عمرو أجل يا رسول الله، إنه مانع لحوزته، مطاع في عشيرته، شديد العارضة فيهم، فقال الزبرقان أما أنه والله قد علم أكثر مما قال ولكنه حسدني شرفي، فقال عمرو: أما لئن قال ما قال فوالله ما علمته الأضيق
следующие страницы →