← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

يصبح ذا حق في الانتخاب، والانتخابات تجري شفوية لا كتابة ولا تحرير. والغريب أنه قد يمضي عام كامل دون أن تقف سفينة البريد بأرضهم وقد حدث أن مضى ستة وعشرون عاماً لم يقف فيها بشاطئها إلا سفينتان فقط!! مكتب الغسالين لعل أكبر كتاب في الدنيا حجماً وأكثر صفحات هو دفتر قيد أسماء الغسالين الموجود في سكوتلاند يارد دار الشرطة في لندن، فهو يتألف من اثني عشر مجلداً ضخماً، يحتوي جميع الأدلة والبيان الذي تستطيع بواسطته أن تقتفي آثار صاحب أي قطعة من القماش أو الملابس وصلت إلى دكان غسال من الغسالين، وقد تمكنت الشرطة من الاهتداء إلى ألوف من المجرمين، فاقتص العدل والقانون منهم، بفضل هذا الكتاب القيم، ولاسيما عندما يحاول القتلة والمجرمون أن يخفوا آثار جرائمهم، بأن يفصلوا الرأس عن البدن ويهربوا بها لواذاً مختفين، ولعل أكبر حادثة من هذا القبيل، ما وقع أخيراً في لندن إذ عثر ببدن امرأة قتيلة، لا تبين معالم وجهها، عند شاطئ النهر، فلم يكن من الشرطة إلا أن زاروا أربعمائة حانوت من حوانيت الغسل والكي للاهتداء إلى صاحبة الملابس التي وجدت على المرأة القتيلة، وأخيراً دل البحث الدقيق على حانوت صغير في أقصى المدينة، اعتادت القتيلة أن تبعث إليه بأثوابها لغسلها وكيها، وعلموا أن الاسم هو مسز بنت، فلم يمض ساعات، حتى عرفت المرأة، وعرف زوجها واهتدى إلى أنه القاتل، فقد ظن هذا الأحمق أنه قد محا كل أثر لجريمته، وصرف كل شبهة، فاتخذ لها مسكناً على شاطئ النهر باسم مستعار، ثم أخذها بعد هدأة من الليل للنزهة عند البحر، وخنقها بكل سكون ورقة ولطف، وهو يوهمها أنه يريد تقبيلها. ولكنه نسي أن هناك جاسوساً صامتاً صغيراً في دار الشرطة هو كتاب الغسالين.

стр. 2172

مطبوعات جديدة ظهر في هذه الفترة التي احتجب فيها البيان هذه الكتب الثلاث، وبما أنه ليس هناك متسع للكلام على الكتابين الأولين أرجأنا القول عليهما إلى العدد القادم ونكتفي الآن بالكلام على كتاب التعليقات الجديدة، وقد كلفنا أحد المشتغلين بالقانون أن يكتب عنه كلمة مختصرة وها هي: كتاب التعليقات الجديدة على قانون العقوبات الأهلي تأليف محمد عبد الهادي الجندي بك إن خير طريق للوقوف على حقائق الأمور كما يجب هي الطريقة التاريخية التي سلكها سبنسر وغيره من كبار الفلاسفة في الأبحاث الاجتماعية، وقد سلك هذه الطريقة ثقاة الفقهاء الغربيين في شرح المواد القانونية يمهدون الطريق بذكر تاريخ هذه المادة ومصدرها المأخوذة منه والأسباب التي دعت الشارع إلى وضعها والمناقشات البرلمانية التي دارت حولها والأدوار التي تقلبت فيها، أما غير هذه الطريقة فتخبط ورجم بالغيب وجولات خيالية لا رائد لها يرشدها إلى الصواب ولا ضابط يكبح جماحها ويلم شاردها. ولما كان القانون المصري صورة مترجمة للقانون الفرنسي كان الرجوع إلى الشراح الفرنسيين وأحكام المحاكم الفرنسية خير طريق يسلكه القضاة والمحامون في تطبيق القانون المصري وتعرف معناه. ولكن الشارع المصري الذي تعجل في أول الأمر ولم يكلف نفسه العناء في وضع قانون يلائم الجو المصري والعادات المصرية بل أخذه من القانون الفرنسي مع التباين العظيم بين البلدين أصلح غلطته هذه وأخذ يعدل المواد القانونية ويحاول إلباسها ثوباً مصرياً ملائماً للذوق المصري وقد عنى على الأخص بمواد قانون العقوبات حتى صار هذا القانون كالمرقعة بعضه مصري يلتئم مع عاداتنا والبعض الآخر افرنجي - وأصبح الرجوع إلى كتب الشراح الفرنسيين غير كاف للوقوف على غرض الشارع بل مدعاة في بعض الأحايين إلى الخطأ والبعد عن الصواب والواجب أن يلجأ المرء إلى الكتب الفرنسية فيما هو مأخوذ عن أصل فرنسي وإلى الأعمال التحضيرية كتعليقات الحقانية ومناقشات مجلس

стр. 2173

الشورى ومذكرات لجنته فيما هو من عمل الشارع المصري. غير أن هذه الأعمال التحضيرية مبعثرة يصعب على الباحث الاهتداء إليها فلم شعنها حضرة الأستاذ عبد الهادي الجندي بك ورتبها أحسن ترتيب معقباً كل مادة بالأعمال التحضيرية الخاصة بها بحيث إذا أراد أحد الحقوقيين أن يدرس مادة من مواد قانون العقوبات فما عليه إلا أن ينظر في كل ما جاء من الأعمال التحضيرية لهذه المادة ويقارنها بعضها ببعض ثم يستخلص قصد الشارع. فالأستاذ عبد الهادي الجندي بك بكتابه التعليقات الحديثة على قانون العقوبات قد وضع الحجر الأساسي في مصر للطريقة العلمية لدراسة القوانين ولم يسبقه إلى هذه الفكرة أحد ففضله على القانون المصري وكل مشتغل به فضل كل مخترع ونأمل أن يكمل عمله ولا يقف عند هذا الحد فإنه وإن كان قد أنجز عملاً جليلاً يستحق عليه الشكر والثناء إلا أن خبرته وكفاءته تبعثان على الرجاء في أن لا يكتفى بتكديس أدوات البناء وتهيئتها تاركاً إياها لغيره يشيد بها ما يريد أن يشيده، بل نريد منه أكثر من ذلك - نريد منه أن يستخدم هذه الأعمال التحضيرية في شرح القانون واستخلاص المبادئ القانونية ونقدها كما فعل الأستاذ جارسون في تعليقاته على قانون العقوبات الفرنسي وهذا ليس بالأمر السهل ولكن كفاءة عبد الهادي بك أهل للنهوض بكل عظيم. وعلاوة على ما تقدم قد عني المؤلف بتذييل كل مادة بطائفة منتقاة من أحكام محكمة النقض ومحاكم الاستئناف والمحاكم الجزئية، وفائدة هذه الأحكام جلية لا تحتاج إلى بيان. وبودنا أن لو تعرض المؤلف إلى تحليل هذه الأحكام وإيضاح المبادئ التي بنيت عليها فلا يكتفى بسردها مجردة عن كل تعليق بل يأتى بها لنقدها أو ليستشهد بها على رأيه. وبعد فإن كتاب عبد الهادي الجندي بك جليل جمع بين الجديد والمفيد وقرب مناهل القانون للحقوقيين وفتح لهم مضماراً جديداً للمسابقة فاستحق منهم الشكر والثناء.

стр. 2174

العدد ٣٨ - بتاريخ: ١ - ١ - ١٩١٨

стр. 2175

كلمات العظماء نعود فننشر جملة من جوامع الكلم والأقوال العظيمة التي فاه بها عدة من العظماء وقواد الإنسانية وذوي الشخصيات الخالدة في التاريخ ذاكرين طرفا عن المواطن التي قيلت فيها والمواضع التي كتبت في حينها مفتتحين هذه الكلمات في كل عدد ببضع كلمات من كلم سيد العظماء بل سيد العالم كله سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله ﷺ تيمناً بها واعتباراً بما انطوت عليه من المعاني المقدسة الجليلة ولا جرم فهو صلى الله عليه القائل أوتيت جوامع الكلم وأنا أفصح من نطق بالضاد - قال ﵇: ياعم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته. قالها السيد الرسول لعمه أبي طالب إذ صمدت إليه قريش بعد أن ضاقوا ذرعاً برسول الله وتسفيهه أحلامهم وما هم عليه من عبادة الأصنام والشرك فقالوا لعمه - إما أن تكفه أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين - ثم انصرفوا فعظم على أبي طالب فراق قومه ولم يطب نفساً بخذلان ابن أخيه فقال له يا ابن أخي إن القوم جاؤوني فقالوا لي كيت وكيت فأبق على نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق فظن الرسول أن عمه خاذله فقال هذه الكلمة الخالدة ثم بكى وولى فقال أبو طالب أقبل يا ابن أخي فأقبل عليه فقال اذهب فقل ما أحببت والله لا أسلمك. إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى المنبت المقطع عن أصحابه في السفر والظهر الدابة - قالها ﷺ لرجل اجتهد في العبادة حتى هجمت عيناه أي غارتا فلما رآه قال: إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق إن المنبت الذي يجد في سيره حتى ينبت أخيراً، سماه بما تؤول إليه عاقبته. إن من البيان لسحراً وإن من الشعر لحكمةً قالها صلى الله عليه غذ وفد إذ وفد إليه فيمن وفد الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم فقال الزبرقان: يا رسول الله أنا سيد تميم والمطاع فيهم والمجاب منهم آخذ لهم بحقهم وأمنعهم من الظلم وهذا - يعني عمراً - يعلم ذلك، فقال عمرو أجل يا رسول الله، إنه مانع لحوزته، مطاع في عشيرته، شديد العارضة فيهم، فقال الزبرقان أما أنه والله قد علم أكثر مما قال ولكنه حسدني شرفي، فقال عمرو: أما لئن قال ما قال فوالله ما علمته الأضيق

стр. 2176

العطن، زَ من المروءة أحمق الأب، لئيم الخال، حديث الغنى، فرأى الكراهة في وجه رسول الله لما اختلف قوله، فقال يارسول الله رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت، وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الثانية، فقال رسول الله: إن من البيان لسحراً وإن من الشعر لحكمة. فولتير الخواطر الصائبة كاللحى، لا تكون للأطفال ولا للنساء وقد استمد جوت منه هذه الكلمة إذ قال: إن النساء لا يستطعن تفكيراً فهن في ذلك كالفرنسيين، إن الفرنسيين هم نساء أوروبا. إن الحياة أجمة مختنقة بالأشواك وخير للإنسان أن يمر بها مسرعاً. إن الحياة حرب، فالذين يعيشون على نفقة الآخرين هم الذين يكسبون الموقعة لست أملك صولجاناً بل قلماً ما ازددت رغداً وسعادة، إلا ازددت رثاء ورحمة للملوك إني أنفس على الحيوان أمرين، جهلها ما سيقع من الشر، وجهلها ما يقال عنها. ميرابو إنني إذ أهز جدائل شعري، أهز فرنسا بأسرها. قال هذه الكلمة العظيمة وهو في ندوة البرلمان وقد أراد إنسان أن يقطع عليه الحديث وقد كان ميرابو عظيماً جبار الذهن، وكان دميماً مشوه الخلقة، حتى لقد وصف نفسه إلى سيدة في كتاب أرسله لها، تصوري لنفسك نمراً عظيماً شوهه الجدري، وقد اتفق أن كان ذات يوم يخطب في البرلمان مسترسلاً في وصف المثل الأعلى للملك العادل، فذهب إلى أنه ينبغي أن يكون الملك العادل فصيحاً شريف الفؤاد، مهيب الجانب. . فانبرى تاليراند فأضاف على ذلك: ومصاباً بالجدري!! فضحك الجمع. وقال يوماً عن دمامته: إنكم لا تعلمون مبلغ سلطان قبحي! وقال في نجحه مع النساء: هبوني نصف ساعة فقط مقدماً قبل أن يجلس إلى امرأة أجمل رجل في العالم كله!. لورد بيرون

стр. 2177

لقد صحوت فوجدتني ذائع الذكر. قد تنمو الصداقة فتكون حباً، ولكن الحب لا يرسب يوماً فيكون وداً. الحب كالحصباء أشد ما تكون خطراً إذ تجيء في الحياة متأخرة. المؤرخ هو نبي ينظر إلى الوراء. كولوريدج في الإنسان جزء حيواني وآخر ملائكي، فمن لا تراه صاعداً إلى مصاف الملائكة فاعلم أنه هاوٍ إلى درك الأبالسة. الأشرار والأخيار هم أقل شراً أو خيراً مما تلوح عليهم. وقال في الشاعر وردزورث: إني لا أعجب أن أراكم تحسبون وردزورث رجلاً صغيراً، لأنني أعلم أنه يعدو أمامنا جميعاً مستبقاً متقدماً حتى ليخيل إليكم قزماً ضئيلاً على بعد المسافة بينه وبينكم. وقال فيه يوماً وكان قد عاد فاستزرى شعره وأخذه بمر النقد، وسأله رجل ما هو أحب مستخرجات الشاعر وردزورث إلى قلبك فأجاب كولوريدج ابنته دورا!!. ديموناكس - فيلسوف كلبي من أهل أثينا حوال عام ١٥٠ بعد المسيح - إن الشرائع جميعاً عقيمة لا نفع منها لأن الأخيار لا حاجة بهم إليها، وأما الأشرار فلا تصلح حالهم بها. ورأى يوماً رجلاً مزهواً برداء من جلد أحمر يشتمل به فقال له: لقد كان يلبسه قبلك خروف!. دياجونيس سئل يوماً لم يكون الفلاسفة أبداً حاشية وتبعاً للسراة والملوك، ولا يكون السراة في حاشية الفلاسفة فأجاب: لأن الأولين يعلمون ماذا يحتاجون إليه، وأما الآخرون فلا يعلمون. وسئل كذلك وقد رؤى وهو يمد يده إلى تمثال منصوب لم ذلك، فأجاب: لكي أعتاد رفض السؤال. وأجاب يوماً إذ سئل ما أشد عضات الحيوان خطراً.

стр. 2178

إذا كنتم تقصدون الحيوانات المفترسة فعضة النمام وإذا كنتم تريدون الحيوانات الأليفة، فعضة المتملق. ووقف يوماً بباب رجل شرير فسمعه يقول، لا تدعوا أحداً من الأشرار يجتاز هذا الباب، فقال: إذن فمن أي مكان يدخل رب البيت؟. نابليون أكثرهن ولدا: كانت مدام دي ستايل، الكاتبة الفرنسية الطائرة الصيت، تتودد إلى نابليون وتكثر الترداد عليه، ظناً منها أنها تكسب بذلك وده، وتظفر باهتمامه، ولكنه لم يشعر نحوها بشيء من ذلك، فاتفق يوماً، أنها سألت الإمبراطور رأيه عن أعظم امرأة في العالم، وكانت بذلك تتوقع أن تظفر منه برأي يصلح لها، ويكون مديحاً لأترابها ربات النبوغ، ولكن نابليون أجاب على سؤالها بقوله: هي أكثر النساء أولاداً!!. وكانت مدام دي ستايل عاقراً. فأرادت أن لا تستسلم إلى الهزيمة أمامه فقالت إن الذي يعرفه الناس عن جلالتكم هو أنكم لا تحبون النساء!. فلم يكن هذا ليهزم نابليون إذ قال: سيدتي، إنني مولع بزوجتي الولع كله!. فأمسكت مدام دي ستايل عند هذا الحد. عني وهذا الثوب، اخلعوا عني هذا الثوب الممقوت!!. قالها بعد الفراغ من حفلة تتويجه امبراطوراً. إن لكم إخلاص القطط، لا تبارح الدار. قالها إلى جمع من أهل بلاطه، عند عودته من منفاه في جزيرة ألبا وقد جاءوا إلى قصر التويلري يحيونه ويؤكدون له إخلاصهم. كان ينبغي لي أن أموت في واترلو!.

стр. 2179

الحرب بقلم شاعر لفائي ملكة البلجيك في معتزل بعيد قصى عن العالم المصطخب، يلوح هذا المنتبذ الذي اتخذته هذه المليكة المعذبة نجوة وملجأ، ولا أعلم كم لبثت في السيارة وهي تعدو في الطريق إليه، وقد ضرب المطر الغزير المنهمل حجاباً أشهب ناصعاً فوق نافذتها، ونحن نسير على مطلع الظلام، وفي أول مرحلة من عمر الليل، وإذا بالضابط الذي يجلس إلى جانب السائق يشير إلينا بأننا قد وصلنا. وكانت جلالة الملكة اليصابات أميرة البلجيك قد تفضلت فأذنت لي بلقائها في منتصف السابعة من المساء، فخشيت إذ ذاك أن أكون قد تأخرت ولكننا كنا لا نزال في حدود المتّعد، وإن بدا الظلام أحلك شديد السواد، ولكن الوقت كان مارس، وفي مثل هذا الموعد، تحت تلك السحائب الوطفاء، والغمائم المتكاثفة، يكون الليل قد سقط فعم الأرض. ووقفت السيارة، فوثبت منها إلى رمال ذلك الساحل، وأنا أستمع إلى خرير الاوقيانوس عن كثب مني، وأكاد أتبين بحر الشمال معتلجاً مزبداً، هذا والأمطار والرياح القرة، تعزف وتترامى من حولنا، وهناك تلوح ثلاثة بيوت لا مصابيح فيها، ولا أضواء تبدو من خلال نوافذها، وشبح يحمل مصباحاً زجاجياً ساطع النور في عجلة يعدو نحونا للقائنا، وإذا به ضابطاً في خدمة جلالة الملكة في يده مشعل من تلك المشاعل الكهربائية لا تستطيع الرياح أن تخنق أنفاسها. فلما دخلت البيت الأول من تلك البيوت الثلاث على هدى ذلك الضابط، أسرعت أهم بخلع معطفي في البهو، استعداداً للقاء الملكة، وإذ به يقول: كلا، كلا، بل أمسك عليك معطفك إننا سنخرج من هذا البيت حتى نصل إلى حجرات صاحبة الجلالة. وكان هذا البيت الأول معداً لوصيفات الملكة وضباط بلاطها الذي أصبح خلواً من البهجة، مقلاً من الآداب والرسميات، يعيش إذا عم الظلام الكون في حلكة دائمة حيطة من غرة القنابل، وحذراً من مباغتة المطارات، ولم نلبث لحظة حتى بلغنا حجرات الملكة وقد تبينت ثمة أرضاً براحاً رملية مترامية كالصحراء لا حدود لها. قال دليلي وهو يجتذبني إلى الحديث، ألا يخيل إليك هذا المكان بقعة في صحراء أنك إذ

стр. 2180

أرسلت إلينا خادمك العربي وهو ممتط صهوة جواده لبعثتنا على أن نتصور هذه الصورة. ودخلنا حجرة دافئة ساطعة النور، تثير بأثاثها الأحمر اللون، ورياشها الناضرة روح البهجة في النفس والأنس في بهرة هذه الوحشة الصامتة. ومكثت إذ ذاك أرقب مطلع الملكة، فلم أكد أجلس في الحجرة مجلسي حتى لمحت هناك على مقعدين صندوقاً طويلاً صغير الحجم، وقرأت فوقه بعض أحرف يابانية. وكان الضابط يتبع بنظراته نظراتي، ويلمح مني دهشتي، فلم ين أن قال إن هذا الذي ترى أمامك سيف قديم أرسلته اليابان منذ قليل إلى جلالة الملك!. وقد كنت قد نسيت اليابان واليابانيين، أولئك الحلفاء الرابضين في أقصى الشرق، ولكني الآن ذكرت أنهم حقاً في صفنا، ويدهم في أيدينا، ما أغرب ذلك وما أعجب، وعلمت الآن أن النكبة التي وقعت بالملك وزوجه، والأحزان التي نزلت بساحة هذا البلاط، قد وصلت أنباؤها إلى مسمع ذلك البلد الأقصى، والمملكة المتباعدة، فلم يسعها إلا أن تظهر إعجابها للملك المحزون الأبي فأرسلت إليه سيفاً!! وكان الضابط يوشك أن يقوم للصندوقة فيخرج منها السيف ليريني غراره، ويطلعني على صنعه ودقة الفن الياباني الذي ركب به، ولكن دخلت في تلك اللحظة سيدة من الوصائف، فأعلنت مقدم الملكة. ولم أكن رأيت هذه الملكة من قبل وقد أكبرتها الآلام في خاطري، وعظم جلالها من أثر الأحزان التي نالتها، فجلست أرتقب مطلعها بلهف شديد، واضطراب عظيم، وأنا واقف هناك أمام الموقدة بينا الرياح والجليد والأمطار تعزف خارج الدار في بهرة ذلك الليل الصامت، وجعلت أسائل نفسي من أي الأبواب ستدخل، ثم لم ألبث أن أجبت نفسي بأنها ولا ريب ستقدم من ذلك الباب الذي أمامي في نهاية الحجرة، فاستقرت عيناي عليه لا تبرحانه. لكن كلا، فإنني لم أنِ أن التفتّ ورائي على حفيف ثوب ناعم صوب الجانب الآخر من القاعة، وإذ بحجاب من الحرير الأحمر يخفي وراءه باباً صغيراً قد هتك، ومن خلاله بدت الملكة عن كثب مني حتى لم أجد الوقت الكافي لأقدم لتحيتها الانحناءة البلاطية. وكان الأثر الأول الذي وقع في فؤادي من رؤيتها ليس إلا تأثيراً مضطرباً، أو إن شئت

стр. 2181

فقل تأثيراً لونياً، منظر ثوب أزرق، وعينين زرقاوين تسطعان كنجمين متألقين، ثم إذ هدأ اضطرابي وزال زيغ بصري، تبينت أمامي مظهراً رائعاً من مظاهر الشباب، وكأنها لما تتجاوز الرابعة والعشرين وقد كنت أعلم من الصور العديدة التي شهدتها، تلك الصور التي قلما تصدق الخبر عن الصورة الحية، إن الملكة ممشوقة القذ مشذبته، ولكن الملكة على العكس ربعة القوام، ذات وجه صغير مستدير، وتقاطيع نهاية في الرقة، وجه أثيري، من الرقة واللطف بحيث لا يكاد يبين ضوءه بجانب تلك العينين الصافيتي الزجاجة، كفيروزتين شفافتين تنمان عما وراءهما، حتى لكأنك إذ ترى الملكة وأنت تجهل أمرها وحقيقتها والعظائم التي قامت بها، ستصبح في نفسك من ترى تكون هذه المرأة صاحبة هاتين العينين إنها ولا ريب امرأة سامية المكانة تحلق في جواء الرفعة تنظر بهما لا وجل ولا خوف إلى وجه الحتوف، وإزاء الأخطار والموت!. . وأنت تعلم أن حديثاً مع ملكة لا يجري إلا مع رغبتها وفي المناحي التي تنبعث هي فيها، ولذلك انطلقت الملكة في أول الحديث تجاذبني أطراف الحديث كثيرة وموضوعات متعددة، آية رقة المحضر، وعذوبة الخاطر، كأنما لم يكن يجري في العالم تلك الأحداث المخيفة، والنكبات المفزعة. فتحدثنا عن الشرق، وكان كل منا قد جاب بلاده، وأكثر فيه التطواف ثم تكلمنا عن الكتب التي قرأتها، كأننا قد نسينا المأساة الكبرى القائمة في الكون، أو كأننا قد غاب عنا أن وادي الخوف يحف بنا، وأن الأرض التي في جوارنا أصبحت مغطاة بالأطلال والموتى. وكأن الملكة قد استشعرت شيئاً من الثقة بعد هذه الأحاديث، فطفقت تكلمني عن تخريب ايبرس وفرني وغيرها، وهي البلاد التي جزتها في طريقي إلى الملكة وإذا بي أرى غمامة صغيرة قد بدت في تينكم العينين الزرقاوين، على الرغم من المغالبة الشديدة. قلت. . ولكن يا سيدتي، لا تزال هناك منها جدران باقية لم تنقض، وقد نستطيع أن نقيم هذه الجدر ونكمل المنهدم منها، فتعود سيرتها الأولى، وسيسهل ذلك في الأيام البيضاء التي سيجيء بها المستقبل. فأجابت: آه، أتعني أننا مستطيعون أن نعيد بناءها، أجل بلا ريب نستطيع أن نعيد البناء ولكنها ستروح تقليداً لا غير، وإذ ذاك تفقد الروح الأثرية التي كانت لها، وسألتمس جلالها

стр. 2182

القديم فلا أقع عليه. ومال بنا الحديث إلى موضوعات أقل أهمية، وإذ بنا بغتة نجدنا في الحديث عن ألمانيا، ولعل العاطفة الأولى السائدة في جوانحها هي الدهشة، دهشة أليمة تامة كبرى. قالت في صوت متهدج: إنهم قد تغيروا ولا ريب، واستحال خلقهم القديم إلى خلق جديد، إنهم لم يكونوا كذلك من قبل، لقد كان ولي العهد - وأنا أعرفه منذ عهد الطفولة - شاباً رقيق العاطفة، ولم يكن في خلقه ما يبعث الإنسان على توقع. . . . . وهناك أمسكت عن الحديث ثم عادت تقول: ولقد حاولت أن أجد السبب، وأنا أفكر الليل والنهار، فلا أستطيع لهذا فهما كلا، كلا، لم يكونوا كذلك من قبل، هذا لا ريب عندي فيه. ولكني كنت أعلم أنهم كذلك أولاً وآخراً، وقديماً وحديثاً، على أنني لم أشأ أن أعارض الملكة وهي قد نشأت بين ظهرانيهم، كالزهرة الحسناء بين العوسج. وساد السكون بيننا لحظة، ثم تذكرت أن الملكة أميرة بافارية فاجترأت على أن أذكرها بأن البافاريين في الجيش الألماني محزونون عليها متألمون لألمها، ولكن الملكة رفعت يدها عن ثوبها وأشارت إليّ إشارة نهائية خاتمة، وقالت في صوت منخفض، الجملة الآتية وقد وقعت في صميم ذلك السكون كأنها كلمة لا نقض فيه ولا إبرام: لقد انتهى بيننا كل شيء، لقد ضربت بيني وبينهم أستار من حديد لن ترفع آخر الحياة!. ولعل الذكرى أهاجت بفؤادها ذكريات أخرى، عن عهود طفولتها وأيام شبيبتها والزمن الناضر الذي قضته بينهم، وإذا بالعينين الزرقاوين قد تحدرت منهما دمعة فأشحت بوجهي جانباً حتى لا يلوح لها أنني قد لمحت بكاءها. . . بيرلوتي

стр. 2183

كتّاب العصر أحمد لطفي بك شخصيته - اطلاعه - مبادئه - أسلوبه - مستقبله (٢) كل رجل عظيم أرادت به الطبيعة غرضاً سامياً من أغراضها الكبرى في الأرض يحمل في فؤاده شيئاً من عظمة الطبيعة نفسها التي أرسلته وهو لا يزال يعيش بروح الجندي، وإن لم يحمل سيفاً، لأنه خلق للقيادة والأمر، فهو يهبط على الناس بذهنه، فيقتادهم إلى الطريق التي يهتدي إلى سننها، طائعين أو كارهين، ولقد سيقت شعوب كثيرة إلى ما كانت تكره، لأنها لم تستطع أن تفلت من مغناطيسية القائد العظيم. ولعل العظيم في صورة الكاتب أكثر وسيلة إلى القلوب، وأقرب مدخلاً إلى الأرواح، لأن الناس يرون أمام أعينهم الزائغة القلقة الخائفة، رأساً عظيماً جباراً، وقلماً بديعاً ساحراً جذاباً، فإذا حاولوا الإفلات من ناحية، أمسكتهم الأخرى، وإذا سكن القلم يوماً، انطلق الرأس أياماً، وكم من كتاب في الدنيا سادوا على الأفئدة سيادة الملوك على مرافق الأمم، وإن لم يحملوا سيفاً، ولم يكن لهم سلطان من مال، أو سلطان من جاه أو دهاء أو خدعة مكر. والطبيعة تخلق في العصر الواحد كتّاباً كثيرين على الألوان المتعددة التي يصلحون لها، ولكنها لا تريد لهم القيادة، ولا تمنحهم الزعامة، بل تحبس كل هذا فتخص به رجلاً عظيماً واحداً، وتدع الباقين رسلاً له وحاشية وبلاطاً، أو أعداء وبغضاء ومنافسين، لتتم لها من أي واحدة منهما الغاية التي تطلبها، وقد يلذها أن يكون هؤلاء أعداء له، لأنها ستقف على مشهد من العراك العنيف بين القطة العظيمة والجرذان الصغار. وقد تضن أحياناً على أهل عصر من العصور بالكاتب القائد وتأبى إلا أن يعيش العصر أخرس صامتاً تلعب به قوالب صغيرة من الكتاب لا تملك اللولب النفسي الذي يسمو بالقواد والعظماء، وقد نرسل إليه نصف قائد، لأنها تكون إذ ذاك في شغل بإعداد القائد التام، فتخرج الأول ليكون مندوباً عن الثاني فقط، حتى يثب من أحشاء الزمن فيأخذ مكانه الذي هيئ له. وقد كان ذلك هو الحال في مصر، فنحن نعلم أننا مقفرون في العصر الأخير من القواد

стр. 2184

الكتّاب، ولسنا نجري في سبيل من التفكير محدودة، ولا نجد وجهة في الحياة معينة، بل لا نزال نضطرب في أودية متشعبة، وراء كتّاب مجيدين، ولكنهم كما قلنا لم يؤتوا الأداة الرافعة التي تسمو بالقواد والأبطال، فنحن نصفق لمطلع كتاب حلو الأسلوب كما نهلل لمقال رائع الديباجة، ولكن كتاباً حلوة بأساليبه لا يغني شيئاً عن ظمأ النفوس إلى قائد مفكر، ولا يرد حاجة الشعب إلى أن يكون مقوداً، وقد يخرج ألف كتاب ممتع، فلا يكون منها إلا أن تزيد الناس حيرة في أمر حياتهم، وتضليلاً عن الطريق القويم، ولسنا نحتاج إلى كتب قدر احتياجنا إلى ذلك القائد، وإن لم يضع في حياته كتاباً، فقد كان قاسم أمين قائداً كاتباً مفكراً، فاستطاع بكتابين صغيرين أن يهتاج الأذهان ويثير التفكير ويفتح مغاليق الحياة الصحيحة الواجبة. هذا وقد كان لنا في أحمد لطفي بك السيد نصف قائد، لأنه لم يرتفع إلى مصاف القيادة الكاملة، وكانت الطبيعة نصبته لتنوير الأذهان ارتقاباً لمطلع الرجل العظيم الذي تهيئه للأجيال القادمة، فمنحته أشياء، وأمسكت عنه أشياء، فظل معلقاً ترتفع به مواهبه حيناً، وتكاد تسقط به المزايا التي تنقصه حيناً آخر، فهو لم يؤت تلك العظمة النفسية التي لا بد للقواد منها، ولم يصب من يد القوة الإلهية تلك الشخصية الكبيرة التي تحرك الناس كما تحرك اليد لعباً من الخشب، ولم يملك الإرادة الصلبة التي تصرع الأحداث وتخرج من صراعها أقوى منها إذ بدأته، بل لقد اضطرب في مواقف كثيرة كان يستطيع أي رجل من أقوياء الإرادة أن يثبت أمامها، ووضع فكرة في يومه، ثم جاء فنسخها في غده، وهذه جميعاً ليست من شأن القواد، لأن الإرادة العظيمة لا يختلجها خالجة من الترددات أو الوساوس أو التقلبات، لأنها تنبع دليلين قويين الذهن الخصيب والنفس المطمئنة. وقد كان قاسم أمين عظيماً في نفسه وكان فتحي زغلول كذلك، ولكن لطفي بك السيد دونهما في هذه العظمة، لأنه يعيش بروح رجل متوسط، وذهن رجل ذكي متوقد، ومن هذه المناقضة الغريبة في التركيب كثيراً ما يصطدم ذكاء ذهنه بعادية روحه، فيغلب الذهن يوماً، وقد تهزم الروح الذكاء حيناً، لأنها أعمق أثراً في الإنسان من ذهنه. ويلوح لنا أن أحمد بك لطفي السيد لم يقرأ كثيراً ولم يتوغل في الاطلاع، واكتفى بقراءة القديم، ولم يبعد في البحث عن الآراء الجديدة، ولم يقف هنيهة ليلقي نظرة طويلة إلى

стр. 2185

الأفكار المتعددة المناحي التي تسوق الحياة اليوم، ولعله أخذ أكثر العلم عن مونتان ومنه استمد روح التفكير المنطقي، والنزعة السفسطائية، فقد كان مونتان نبي السفسطائية، وكان غريب المنطق والتدليل. وقد يذهب بخاطرك أن الرجل ذا الذهن الخصب القوي التربة قد يلقي جميع كتب الدنيا جانباً، ويكتفي بأن يظهر إلى الناس الصور الجميلة التي تلوح في مخيلته، إن حاجته إلى قراءة أذهان غيره تذوب ضئيلة أمام القوة التي لا تنفك تخرج من ذهنه في كل حين أثراً مبتكراً جديداً، ولكن الطبيعة تخشى أن تجعل لكل مفكر ذهناً إلهياً على غراره، يعيش بنفسه، ولا يستمد أكثر قوته من غيره، لئلا يضطرب نظام التفكير في الكون، ولا يسمع العظيم صوت العظيم، بل أرادت أن يكون العلم والفكر في الحياة متسلسلاً وأن يكون الذهن وليد الذهن، والفكر مبعث الفكر، وبذلك نما الذهن الإنساني فكان من نمائه ما نرى اليوم من ألوف النظريات والفلسفات ولو لم يقرأ هربرت سبنسر برليوز ورابليه وروسو قبل أن يتصدى لكتابه في التربية، لخرج الكتاب ناقصاً غير ممتع، وإن كان لا يزال يحتوي عظمة سبنسر وذكاءه. ولعل هذا هو السبب الذي جعل تفكير لطفي بك وخواطره لا تزال تبدو عليها مظاهر البساطة الأولى التي تكون للماس إذ يخرج من أحافير الأرض، فلا يزال يتطلب الصقل والتهذيب واللمعة الزجاجية الشفافية. وليس للطفي بك مبادئ فلسفية معينة وقواعد فكرية معروفة، فقد مر بجميع المذاهب العصرية السارية في أذهان أكبر رجال الفكر فلم تستوقفه أحدها، ولم يعج على شيء منها، ولم يقصر ذهنه على إشاعة مذهب واحد في بلاده، ولم يقف جهده وحياته للنضح عن فكرة فلسفية جديدة، بل كل ما نعلمه عنه أنه ذهب في حياته العمومية الماضية إلى جملة من المذاهب الخاصة، التي أخلق بها أن تسمى مبادئ سياسية، من أن نطلق عليها مبادئ فكرية، لأنها لم تحتج إلى شيء كثير من الفكر، ككل المبادئ السياسية اليومية التي تخطر في خلد الكاتب الصحفي، ثم لا ينى الزمن يثبت بعضها ويمحو بعضاً، فإن المصرية في اللغة ووزارة معارف أهلية، والاستقلال والانفراد عن العصبية الدينية، والعض بالنواجذ على العصبية الجنسية، وما إلى هذه المبادئ التي أكثر لطفي بك من الكلام عنها، وخابت

стр. 2186

كلها، لم تكن في شيء من الروعة، وليست من العمق وبعد الغور وثقوب النظر إلى ما يرفعها إلى صف المبادئ الفكرية الجليلة، فلم تلبث أن نسيت وعفى الزمن عفاءه عليها، ولعل لطفي بك نفسه قد نسيها مع الناسين. وهذا ما يبعثنا على أن نقول أن لطفي بك ليس إلا كاتب رسالات أنيقة، عذبة، متعددة الموضوعات، مختلفة الألوان، وأنه كان يكتب كلما عنت فكرة، أو خطر موضوع أو وقع في الصحف جدل، أو مر في قراءته بخطأ رأي ويريد أن يصلحه، ولكن هذا ولا ريب ليس دأب الكاتب المتولي زعامة الفكر المشرف على عالمه الصغير من الكتاب. ولنقف الآن عند أسلوبه، فإن فضيلته كلها في هذا الأسلوب، وجميع شخصيته وعوارض نفسه ومنازع روحه متجلية في تلك المناحي، وهو يغلب عليه الشاعرية، وتمازجه روح فاتنة تستهوي الأفئدة، وإن كان خلاء من أساليب البلاغة، والمحسنات البديعية، إذ كان لطفي بك قليل المحفوظ منها، صغير الجعبة، ولكنه لو حفظ الكثير منها لأضربت به، لأنها تبدو إذ ذاك نابية بروحه، مبتردة الأثر في طي نفسه المتدفقة في قلمه، ولأضحى في أسلوبه رجلان، ومشي في ديباجته شخصان، كل منهما يعارض صاحبه، ويأخذ منه فضيلته، ليشوه من فضيلته، على أننا لا نزال نقول إن أسلوبه يعتريه الروح الخطابية، وتخالط لهجته الدفاع القضائي، فكأن كل موضوع أدبي لديه قضية في ساحة المحكمة، إذ يأخذ في شرح دعواها وتفصيل وجوهها، والخروج منها بالتفكير المنطقي إلى الغاية التي يتوخاها، وذلك يجعل أسلوبه متفككاً، مضطرباً ضعيف الأعصاب، مريض الشرايين، ولكنه لا يستطيع أن يغالب ذلك أو يحول دونه، لأن صناعته التي عاش الدهر الطويل عليها، ومهنته التي وضع يوماً روحه فيها وبذلت له أياماً روحها، تأبى عليه إلا أن يحتفظ بمادتها في أسلوبه ومناحي كتابته، وتصر على أن يظل بلفظة المحامي في تفكيره. ولعل هناك باعثاً غير الصناعة، ونعني بها العادة، وهي شديدة الأثر، كبيرة السلطان على الروح، فنحن نعلم أن لطفي بك السيد اعتاد أن يكتب وهو في محضر كبير من الزوار، ويرسل القلم يجري فوق الورق على أحاديث الندى وهم صافون من حوله ذاهبون في سبل طولي من الثرثرة والجدل والمناظرة، حتى لقد ترى المقال الواحد من مقاله يحوي صوراً عدة من الضوضاء التي كانت حوله عندما كان مسترسلاً في كتابته، فلا تكاد تطالعك قطعة

стр. 2187

خاصبة فرحة بهيجة، تشعرك أنها إنما قد كتبت على صوت ضحكة فرحة أطلقها زائر من الزوار، أو ملحة أرسلها في المجلس ظريف من الظرفاء، حتى تهجم عليك قطعة أخرى صامتة حزينة قفراء، تدلك على أن سكوناً أليماً كان قد نزل إذ ذاك بالمجلس، أو تهويماً اختلج العيون، أو ثقيلاً غليظ القلب، مشوه الروح، عرض للندوة، فهربوا من غلظته بالصمت الأليم. والآن وقد طوى أحمد لطفي بك السيد الماضي وأصبح ذهنه البديع مجلداً كذلك في طي مجموعات الجريدة في دار الكتب، والآن وقد أمسك عن الكتابة، ورضي بالعيش في ظل الإدارة، وترك الحياة البديعة التي كان يعيشها، مع الشعب، في جناب الأدباء، حبيباً إلى النفوس، مقروءاً في كل حين، فهل ترون المستقبل كفيلاً بأن يعيد إلينا نشاطه الأول الذي كان في ماضيه، ويغني عنا ما فقدناه من فترة حاضرة، وهل تظنونه واضعاً بعد اليوم كتاباً مخلداً بعده، أو مخرجاً أثره يبقي آخر الحياة فخماً مهذباً سامياً على أثره. إننا نعيش تحت جو حار يذبل عاجلاً فيه الذهن، وتخمد بسرعة القريحة، ولا يكاد الكاتب المبدع يجتاز الخمسين حتى يحس ذهنه متبلداً، ورأسه أشيب ناصعاً وخواطره قرة باردة، لا تلذ إلا في جلسات العجائز، حول الموقدة، فإذا لم يعن المفكر بنفسه ويتخذ الحذر لقريحته، ويسارع في وضع ما يعن له من تواليفه، ويستبق الخطى إلى الخلود قبل أن نعجله شيخوخته، فلا يلبث أن يرى الزمن يفر مسرعاً من بين راحته، ويمضي الحياة بلا تراث ذهني يذكره الناس به. وكذلك نخشى على لطفي بك فتوره الوقتي اليوم، ونخاف تبلده وسكونه، ونشفق من أن يمضي عن الحياة مدير دار الكتب لا غير. . . . . .

стр. 2188

الاشتراكية لقد بلغت الاشتراكية اليوم شأناً عظيماً من القوة والمنعة والبأس حتى أصبحت رهيبة الجانب يخشى بأسها ويخطب ودها وأمست الحكومات الأوروبية تتزلف إليها خصوصاً في هذه الأوقات العصيبة المملوءة بالمصائب والمحن. وويل للحكومة التي تغضب عليها الاشتراكية وتتخلى عن مساعدتها وتناوئها العداء فإنها تسقط لا محالة مهما كانت قوتها وثقة الأمة بها. ولا عجب فعدد الاشتراكيين عظيم جداً في البلاد الأوروبية، ولا يزال آخذاً في الازدياد، ولا يعلم إلا الله متى يقف نموها. وقد عثرت على إحصائية يرى منها الإنسان مبلغ قوة الاشتراكية فآثرت نقلها يطلع عليها القارئ، وبذلك يمكنه أن يقدر الاشتراكية حق قدرها، وقد بلغ عدد الاشتراكيين في ألمانيا حسب انتخاب ١٩٠٧ - ٣٢٥٠٧٦٨ ولكن منذ ذلك الوقت ذاعت حركة الاشتراكية ونمت وربت وأقبل عليها المريدون من كل أنحاء ألمانيا حتى بلغوا ٤٢٣٨٩١٩ في انتخاب سنة ١٩١٢ وبلغوا في فرنسا ١١٠٦٤٧٠ وفي النمسا ١٠٤١٩٤٦ وفي انجلترا ٣٣٨٨٨٥ وفي بلجيكا ٤٨٣٢٤٠ وفي إيطاليا ٣٣٨٨٨٥ وفي فنلاندا ٣١٦٩٥١ وفي سويسرا ١٠٠٠٠٠ وفي الدانيمارك ٨٨٧٢١ وفي النرويج ٩٠٠٠٠ وفي هولندا ٨٢٠٠٠ وفي السويد ٧٥٠٠٠ وفي إسبانيا ٤٠٠٠٠ وفي بلغاريا ١٣٣٦٠ وفي صربيا ٣٠٥٦ فيكون مجموع الاشتراكيين في أوروبا ٧٥٥٤٢٩٠ وفي الولايات المتحدة ٤٤٢٤٨٣. وإلى القراء جدولاً مبيناً فيه عدد النواب الاشتراكيين في كل بلد من البلاد الأوروبية ونسبتهم إلى مجموع الأعضاء النيابيين من كل مجلس: اسم البلدعدد النواب الاشتراكيينعدد أعضاء المجلسالاشتراكيةفنلاندا٨٦٢٠٩٤٣ % السويد٣٦١٦٥٢١. ٨١بلجيكا٣٥١٦٦٢١. ٠٨الدانيمارك٢٤١١٤٢١. ٠٥لوكسمبورغ١٠٤٨٢٠. ٨٣النمسا٨٨٥١٦١٧. ٠٦فرنسا٧٦٥٨٤١٣. ٠١النرويج١١١٢٣٨. ٩٤إيطاليا٤٢٥٠٨٨٠٢٦هولندا٧١٠٠٧بريطانيا العظمى٤٠٦٧٠٥. ٩٧سويسرا٧١٧٠٤. ١١روسيا١٧٤٤٢٣. ٨٢صربيا١١٦٠٠. ٧٢إسبانيا١٤٠٤٠. ٢٥أما في ألمانيا فقد بلغ عدد النواب الاشتراكيين حسب انتخاب ١٩١٢ - ١١٠ فتكون نسبتهم ٣٦ %.

стр. 2189

وقد تغيرت هذه النسبة من ذلك الحين تغيراً عظيماً فلا تطابق الواقع الآن في كل البلدان الأوروبية ولكنا أتينا بها لأننا لم نقف على إحصائية أحدث منها. ولكن قوة الاشتراكية غير آتية من كثرة عدد المتشيعين لها فحسب وإنما هي آتية على الأخص من تمكن رسومها في نفوسهم وقوة تمسكهم بها. إن كثرة العدد لا تغني شيئاً إذا كانت العقيدة ضعيفة والنفوس غير مشتعلة بنار اليقين ولم نر عملاً عظيماً قام على أساس مكين كالعقيدة المتينة. إن العقيدة المتينة دينية كانت أو سياسية هي حجر الفلسفة التي تصير الضعيف قوياً والجبان شجاعاً، هي تضرم في النفوس نار الأقدام وتحملها على عظائم الأمور وهيهات أن تقف في وجهها عقبة من غير أن تكتسحها من طريقها أو تعلو عليها ثم تنحدر عنها وهي أشد قوة. تمنى الاشتراكية العالم بالخير العميم والسعادة التامة والهناء الرغيد والسلام الدائم المبني على المساواة بين الأفراد والأمم وتحاول أن تقضي على أسباب البغضاء والكراهية بإلغاء الملكية الفردية وإحلال الملكية الاجتماعية مكانها وتوزيع الناتج من الأرض وعمل الإنسان على الأفراد بالتساوي. وهذه النظريات خلابة تروق الأبصار وتعجب بها النفوس الشعرية وتغوي الفقراء والمعدمين، فلا عجب إذا أعجب بها القوم واستماتوا في الدفاع عنها كما يستميت المؤمن في الذب عن دينه، وإذا نحن رأينا صوت الاشتراكية مسموعاً في كل مكان، ولو أن الاشتراكيين لا يزالون الأقلية في كل المجالس الأوروبية كما هو ظاهر من الجدول السابق فنسبتهم في فرنسا ١٣ في المائة ومع ذلك يحدثون من الشوشرة والضوضاء ما تهزله أركان مجلس النواب الفرنساوي وترتعد له فرائض الوزراء، وكم من مرة سقطت الوزارة الفرنساوية لتخلي الاشتراكيين عنها. لهذا كانت دراسة الاشتراكية والوقوف على أمانيها وأغراضها وإمكان تطبيقها لا يخلو من لذة وفائدة خصوصاً في هذه الأوقات التي هب فيها الاشتراكيون يزأرون وقد ظنناهم تلاشوا أو ضعفوا بسبب ما أصابهم من الصدمات الشديدة حين إعلان الحرب الأوروبية الحالية، ويحاولون أن يحدثوا أمراً وتأبى حكومات الحلفاء إلا أن تسير في طريقها حتى

стр. 2190

يقضي الله بما هو قاض ومن هنا أخذنا في درس الاشتراكية درساً تاماً دقيقاً وإذاعة ذلك بين قراء البيان مذ العدد القادم إن شاءالله. عبده البرقوقي المحامي

стр. 2191

مختارات قال ابن الرومي: لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأفسح مما كان فيه وأرغد إذا أبصر الدنيا استهلّ كأنه ... بما سوف يلقى من أذاها يهدد وقال: قد حدثت في دهرنا أنفس ... تستبرد السخنة لا الباردة كما تعاف الطيب المشتهى ... من الطعام المعدة الفاسدة وقال: عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب وقال: يمل كل شراب من يعاقره ... وشارب الراح مشغوف بها عانى كريقة المرء لا تنفك من فمه ... وما يمل لها طعماً لإبّان يقول إن شارب الراح لا يتلها أبداً فهي كالريق الذي هو دائماً في فم الإنسان وما يمل طعمه في وقت من الأوقات. وقال: لذوي الجدال إذا غدوا لجدالهم ... حجج تضل عن الهدى وتحور وهن كآنية الزجاج تصادمت ... فهوت وكل كاسر مكسور وقال: نظرت فأقصدت الفؤاد بسهمها ... ثم انثنت عني فكدت أهيم ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهن أليم وقال يهجو: أتظن أنك لو مسخت ... بلغت قبرك أو قرابه بؤس لمن قد خاض ظلك ... ثم لم يسلخ إهابه وقال أبو تمام في الخمر:

стр. 2192

راح إذا ما الراح كن مطيها ... كانت مطايا الشوق في الأحشاء صعبت وراض المزج سيء خلقها ... فتعلمت من حسن الخلق الماء خرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلاعب الأفعال بالأسماء وضعيفة فإذا أصابت فرصة ... قتلت كذلك قدرة الضعفاء وقال: وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود ينظر إلى هذا المعنى قول بعضهم: في الناس من لا يرتجى نفعه ... إلا إذا مس بإضرار كالعود لا يطمع في ريحه ... إلا إذا أحرق بالنار وقال المعري: وخف بالجهل أقوام فبلغهم ... منازلاً بسناء العز تلتفع أما رأيت جبال الأرض لازمةً ... قرارها وغبار الأرض يرتفع وقال: تحفّظ بدينك يا ناسكاً ... يرى أنه رابح ما خسر فلست كغيرك أطلقت من ... حياتك بل أنت عانٍ أسر وللسبك رد كسير الزجاج ... ولا يسبك الدر أن ينكسر ولا تيأسن من الملك أن يعود ... إذا جيش قوم كسر فقد يرجع القمر المستنبر ... مقتبلاً بعد أن يستسر هو الدهر يفنى ونفسي على ... وناها وكون مناها عسر وكم فيك يا بحر من لؤلؤٍ ... ولكن لجّك لا ينحسر فأكره على الخير مجبولةً ... على غيره في علانٍ وسر فلم يجعل التّبر حلي الفتا ... ة حتى أهين وحتى كسر

стр. 2193

رسائل النساء أو صورة فلسفية من روح المرأة مارسل بريفوست، من كبار كتاب فرنسا، وروائييها الطائري الصيت، وأحد أعضاء الاكاديمية الفرنسية، قصر كل مقدرته الكتابية على تصوير نفوس النساء في جميع مراحل العمر، وبحسب أماكنهن في الحياة، فأجاد في ذلك الإجادة كلها، وعرف بهذه البراعة المدهشة، وخير تواليفه رسائله التي كتبها على ألسنة السيدات إلى عشاقهن وأحبابهن أو إلى معارفهن وكاتمي أسرارهن، من المرأة المخادعة زوجها، والسيدة الضاحكة من عشاقها، واللاهية بخدع رجلين في آن واحد، وما إلى تلك الصور. ونحن نعرب هنا الآن رسالة من تكلم الرسائل الرقيقة، وهي من ممثلة إلى ضابط مفتون بها، وفي هذه الرسالة طائفة من المعاني الفلسفية، والحجج الغريبة في الحب، والفتنة العمياء، وعبث المرأة الساقطة بالقلوب. الضابط من مدام فيكتوريا لانسيني إلى مسيو جورج بريانشو لقد كتبت إليّ إحدى عشرة مرة يا سيدي منذ جئنا لنمثل في بلدتك، وكانت الرسالة الأولى تحوي ما معناه سأكون هذا المساء في الصف الثالث بعد مقاعد الموسيقى الوترية، في الناحية اليمنى من الملهى وستعرفينني من ثوبي العسكري، ثوب ضابط في المدفعية، وستتبينين من الوردة الحمراء التي وضعتها في عروة ردائي المحب، المفتون بك المدله في الصمت. . . .، وقد رأيتك حقاً، ولكني لا أقول أنني تأملتك ملياً وأنعمت فيك النظر، فإن التلفت والخروج عن طور التمثيل خطر مرعب فوق المسرح، ولكني لمحت هناك ضابطاً شاباً بديع المعارف في ذلك المقعد الذي عينته، تطل من عروته تلك الوردة القرمزية التي هي أشبه شيء بالوسام المجيد. وفي اليوم التالي إذ عدت إلى الملهى لحفظ أدواري ومراجعتها، دفعوا إليّ رسالة جديدة ممضاة منك، فإذا أنا أمام أربع صفحات حشدت فيها أبدع ما قرأته في حياتي، فقلت إنك تعاني الألم الأليم من حبك إياي عن كثب وأنه ينبغي لك أن تراني، وتحدثني وتقضي من

стр. 2194

الحين إلى الحين بضع هنيهات على مقربة مني وفي مجلسي ولا تطلب أكثر من ذلك، وقد أقسمت لي بشرف رجل عسكري أن ذلك يكفي لكي يجعلك أسعد ضباط فرنسا بأسرها. وأنا عليمة يا سيدي أنك ولا ريب قد حكمت عليّ سوءاً ورميتني بفساد التربية إذ لم أجب بسطر واحد على صفحاتك الأربع، ولكن ماذا تريد غير ذلك مني، لطالما تلقيت أشباهاً لهذه الرسائل ونظائر، ولم يكن لها من تأويل عندي إلا هذه الفكرة إن هذه القينة قد تستمال، إنني رجل شاب، ولست غنياً، فعلام الخوف ولا جزف ثمة ولا مخاطرة، لنجرب!. . . . فلم أرد على رسالتك، فرحت تكتب إليّ غداة كل يوم رسالة، وجعلت أتلهى في الصباح بتصفحها من المطلع إلى الخاتمة، وكانت رسالتك كل يوم تبدو أقل احتراماً في لهجتها وتهيباً، وأكثر حرارة وولعاً وتوقد، وجعلت تقول أنك تعرف السبب الذي من أجله أصد عنك وأعرض، ذاهباً إلى أن ضابطاً في المدفعية ليس شيئاً مذكوراً وليس رجلاً مثرياً. . . ولكنك أردفت ذلك بقولك إنك خليق بالعناية وإنك أرفع من هذا قدراً، لأنك انحدرت من أصلاب أسرة شريفة في الريف، وإنها لاتزال على شيء من الخير والرزق وأنك ستصبح معلماً ذات يوم، وهي مكانة سامية، إلا إذا كنت أنا أفضل أن تظل في الخدمة العسكرية لكي تصبح ضابطاً عظيماً. فماذا تظنني أجيبك على هذا، إني أسألك ذلك وألتمسه إليك، كان هناك في الإمكان جواب واحد، أليس كذلك، وهو يتلخص في هذه الألفاظ إنني أرتقبك في هذا المساء! ولكني لم أكن أريد ذلك، ولم أكن أستطيع أن أجيبك بمثل هذا، وسأبسط لك الآن السبب. فعمدت إلى وسيلة أخرى، إذ بدا لك أن من السذاجة وبلاهة الفؤاد أن يكثر الإنسان من لغة العاطفة مع امرأة على شاكلتي، فوضعت في غلاف خمس سفاتج من ذات الألف فرنك، ومع الخمسة آلاف هذه الألفاظ في قطعة صغيرة من الورق: الضابط بريانشو يود أن يرقد ليلة الغد مع مدام لانسيني، الرد منتظر. . . .، وكان الرد بسيطاً للغاية وهو إرسال خمسة آلافك إليك في التو واللحظة. ولما كنت رجلاً ذا قلب، وشاباً من أهل الخير، فقد علمت أنك قد ارتكبت أمراً نكراً إذ أهنت امرأة - قد لا تكون امرأة شريفة - ولكنها امرأة ليس لك عليها من حق أو سلطان. ولعل أبدع كتبك عندي وأشدها تأثيراً أخيرة رسائلك، تلك التي سألتني فيها الصفح

стр. 2195

والمغفرة، وإن كنت ختمتها بتهديد، إذ قلت إنني أرى أنك لن تحبيني يوماً، بل إنك لتكرهينني الآن إذ أهنتك، ولكني أعلم ماذا بقي عليّ أن أفعل، إنني سأنتظر حتى مساء الغد، فإذا لم أتلق في مساء الغد كتاباً منك ينبئني أنك ستكونين لي فلن أكون غداة اليوم التالي إلا جثة هامدة، الوداع يا سيدتي، لتنسي الضابط بريانشو وتروحي في الحياة سعيدة!. رباه! إني أعلم أن هذه الكلمات كثيراً ما تكتب دون أن يكون هناك أية نية على إنفاذها، ولكني رأيتك مضطرباً في كتابك متألماً، وشاهدتك في مقعدك وراء الموسيقى أصفر شاحباً، ثم خمسة آلاف فرنك هذا القدر الكبير على ضابط صغير في مرتبتك، هذا القدر الذي لا يعرف أحد غير الله كيف جئت به، كل ذلك قد أزعجني، وأخافني، وأشفقت من أن تنفذ وعيدك، فلم يسعني إلا أن أرد عليك في هذه المرة. . . . . . إنك تسألني أن أكون لك وتحفل بذلك أكثر من احتفالك بالحياة، ولكني لا أستطيع يا بني أغضبك بالحكم على ذوقك. . . بل إنه ليعد ملالي وتغالياً، ولا تظن أنك دميم في عيني، كريه إلى ناظري، بل إنني لأراك آية الرقة وروعة الحسن، ولعل في هذا ما يرد عليك عزة نفسك ويرضي خاطرك، ولكني الآن أقول لك أن هذه الرغبة التي أثرتها في فؤادك، طالما ثارت كذلك منذ خمسة وعشرين عاماً قضيتها فوق المسرح، في قلوب عدد كبير من الرجال، شباباً وكهولاً، وأشراراً وأخياراً، وفقراء ومثريين، وكانت هي الضرورة التي خلقتها صناعتي وشهرتي، ولكني أقسم لك أنها لم تكن لديّ في شيء من الأهمية، ولاسيما إذ تعدو الشيخوخة، ويحل الضعف، وتتقدم السن، كحالي اليوم، فإن لي ولداً يناهز الربيع التاسع عشر، ويبدو لي الآن ولع الرجال بي وتوثبهم ضرباً من التحية اللازمة فقط. ولكنك ستقول ولكني أحبك بقلبي وأحس أشد العذاب في حبك، وأوثر أن أموت. . . . ولكنك مع ذلك ستقنع ولن تعود بك حاجة إلى الانتحار إذا أنا وهبتك خلوة في سبيل خمسة آلافك، وإنني إذا منحتك نفسي في هذا المساء فستأذن لي غداً بالسفر في جولة للتمثيل. إنني أعلم هذه النزعة الشديدة التي تلهم الشباب لأجل امتلاك مرأة من نساء المسرح فإنهم يحتاجون إليها مرة واحدة، ثم تهدأ ثورتهم فلا يحفلون بما يكون مصيرها بعدها. ستقول كلا، أليس كذلك، لست هذا الرجل، إن لحظة لذة لا تهدئ ثائرك ولا تبرد حرارتك،

стр. 2196

إذن فينبغي يا بني أن لا أمنحك هذه اللحظة، بل أقول لك أنني مخافة أن تكون حقاً في حبي أرفض اللقاء بك لأنني لا أود أن تحبني إذ لا يجب أن تحب وأنت في سنك هذه الناضرة إلا سيدة شابة تصلح لك أو المرأة التي ستصبح زوجك، ولكنك إذا تركت فؤادي ينطلق في حبي فأي مستقبل لك تؤمله، إنني لا أستطيع أن أعيش في ظلك، فهل أنت تابعي وسائر في أذيالي إلى أي مكان أريده أم هل مقدم على المسرح فتكون ممثلاً، وتترك السيف والجند، أو تكون رفيق ممثلة يتبعها في جولاتها ولو فعلت ذلك لألفيت نفسك بعد أيام قد ضحيت كل شيء لأجل امرأة عجوز. نعم لقد كنت من قبل حسناء فاتنة ولكني أعترف أنني لم أعد اليوم في شيء من ذلك الحسن ولا على شيء من تلك الفتنة، فأزل عن عينيك تلك الصورة التي تخدعك منها المساحيق والطلاء والأثواب، وتأثير الأضواء وسلطان الموسيقى بل إنني لأكاد أبكي ألماً إذ أتصور العذاب الذي سيثور في نفسك لو رأيتني على حقيقتي، وشهدت ما أصارتني الخمسون ربيعاً التي أعض الآن عليها. ثم تصور أن الحقيقة لا تبدو لك إلا بعد ما قد امتلكتني وتمتعت بي، وإذ أكون قد بدأت أنطلق في حبك، وتكون أنت قد بدأت لا تود إلا أن تفر هارباً وتعتصم مني بالنسيان. كلا، لا يصح لي أن أقدم على هذه المخاطرات، وخير لي وإن كنت على الخمسين أن أكون رفيقة رجل مالي شيخ فإن ذلك من صناعتي، ولا خطر فيه على الفؤاد، ولكني لا أريد عاطفة شابة حارة مضطرمة وأنا في هذه السن فليس لديّ ما أبادلها به ولا أستطيع لها إمساكاً ولا بها احتفاظاً. فهل أدركت الآن أن كل ذلك في صالحك، وأنه لا يثقل عليّ مطلقاً أن أهب نفسي ليلة إلى ضابط شاب جميل وقد رأيت أن أرسل إليك مع رسالتي هذه صورتي الشمسية التي صنعتها منذ خمسة عشر عاماً، إذ كنت في عيني عشيقي المرأة الحسناء التي وهمتها فوق المسرح فاحتفظ بتلك الصورة فهي دليل على أنني لم أحقر حب ضابط صغير ذي وردة حمراء في عروته. فشجاعة يا بني صبراً، فقد كان حقاً على أن أحدثك جميع هذا الحديث، وإذا أردت أن تعلم ما بعثني على أن أتشجع فأدلي إليك به فإنني منبئك. .

стр. 2197

إنني إذ تلقيت تلك الرسالة التي حدثتني فيها عن نيتك في الانتحار كنت أفكر في طفلي الذي يوشك يخرج من الجامعة ويلتحق بخدمة الجيش كذلك، وقد تخيلته في لباس الجند مثلك، في مدينة من مدائن الريف، مذهوب الرشد بمغنية مثلى، أواه أينتحر لا جل ذلك أو يفر من الجندية أو يستلب أو يشوه مستقبله! إني أرجو الله أن يحفظه جزاء لي إذ أنقذتك وحفظتك اليوم. أيها الأحمق، أمل إليّ وجنتيك أطبع فوقهما قبلتين مستطيلتين، من تلك القبلات التي تهبك إياها والدتك. . . . .

стр. 2198

تشخيص الأمراض بواسطة الأحلام في هذا المقال الذي سنبسطه للقراء أمل للضعفاء الذين يعانون آلاماً من أمراض النفس ويشعرون أنهم يعيشون أقل من الحياة الصحية الكاملة، وذلك أن العلم الحديث عمد الآن إلى ما سموه تحليل النفس، وهو لا يحتاج إلى شيء من الأدوية والعقاقير، ولا يبحث فقط عن أعراض الأمراض، بل عن مسببات هذه الأعراض وأول مبادئ هذا التشخيص أن الأعراض ليست ناشئة عن سبب جثماني، والخطوة الثانية أن مبعثها الأول في النظام النفساني للشخص، وأن استقصاء هذه البواعث يجب أن يكون بدرس أحلام المريض، وجملة القول إن هذه النظرية الحديثة تذهب إلى أن الحاسة الشهوانية هي سبب كثير من أمراضنا الخطيرة الحاضرة. وهي تقسم الأمراض إلى عدة أقسام، أولها الأمراض الذهنية أو العصبية التي مبعثها البدن، كالفالج ووجع المفاصل أو تصلب الشرايين وما إليها من تلك الأمراض التي تدل على تهدم الأنسجة العصبية والتي ترجع مباشرة إلى أصل جثماني، وهذه لا يتداخل فيها الطبيب الحديث الذي يعالج الأمراض من ناحية الأحلام إذ لا شأن له بالأمراض التي ترجع إلى أصل بدني على أن كثيراً من هذه الأمراض لا يزال يرجع إلى سبب نفساني، وإن كان السبب البدني حقيقياً ولكن أصلها لا يزال نفسانياً، فقد تجد مريضاً طريح الفراش دهراً طويلاً من أثر الفالج، والحقيقة أن هذا الفالج الوهمي يرجع إلى الهستيريا وقد تعاني إحدى السيدات الألم من وجع المفاصل أو الربو، ولا سبب هناك لذلك إلا الهستيريا، وهذه لا باعث لها إلا حالة من حالات النفس. وإليكم تفاصيل حادثة نشرها طبيب من هؤلاء الأطباء تمت إلى هذا التحليل الجديد بسبب: المريض سيدة مكتملة الحياة كانت مصابة بالفالج في ذراعها منذ ثلاث سنين حتى لقد كان الأطباء يغرزون الدبابيس في تلك الذراع فلا تحس المريضة أدنى ألم، ولكنهم إذا حاولوا مد هذه الذراع صرخت المريضة وشعرت بأشد الألم وحار الأطباء في كنه هذا الألم ولكن المريضة كانت تعرف أنها منذ اثنين وعشرين عاماً تعاني آلام الهستيريا. وأوجب الواجبات في هذا التشخيص النفسي هو اشتراك المريض والطبيب في العمل

стр. 2199

للوصول إلى النتيجة المطلوبة، وتأسيس رابطة بينهما وثيقة. فلما رأى طبيبها أن هذه الرابطة قد بدأت تستحكم بينهما قال وهو يقترح عليها بكل لطف نبئيني بجميع أحلامك. على أن المرأة لم تكن تؤمن كثيراً بالأحلام، بل كانت كذلك تظن أنها لا تحلم إلا قليلاً، بل لا تحلم مطلقاً ولكن لم تكد تمضي بضعة أسابيع حتى بدأت تكتشف صوراً من الأحلام تمر بخاطرها فجعلت إذ تفيق من نومها تدونها في كتاب ليقرأها الطبيب وكانت ترى هذه الأحلام تافهة فارغة طائشة حتى أنها لم تكن تود أن تتذكرها ولكن كانت تخشى أن تسيء إلى طبيبها، وما كان أشد دهشتها إذ تراه يرضى بهذه الأحلام، ويفهم منها أشياء لا تفهمها، ثم لم يلبث أن انطلق يذكر لها أشياء عن حياتها كانت تعلم أن ليس هناك إنسان يعرفها، وحوادث دفينة في أعماق نفسها حتى لقد نسيت أنها وقعت لها يوماً ولم يلبث الطبيب أن راح يلتمس أثر الضربة التي أفلجت ذراعها في ماضي حياتها، وعاد يذكرها بخيانة زوجها لها، وإغضائها عن هذه الخيانة، وتجاهلها مع أنها كانت بينة ظاهرة أمام الجميع وعاد بها إلى مصدر تلك الاضطرابات العصبية التي كانت تثيرها الحالة النفسية. وهكذا كان ذلك هو تشخيص مرضها، وكان أيضاً العلاج، لأن التحليل في هذه النظرية الجديدة هو التشخيص والدواء معاً، وهذه هي فضيلة هذا التشخيص، فلم يكد ذهن هذه المريضة ينفتح على ذكرى حادثة وقعت لها وهي في الخامسة من عمرها حتى ذهب عنها المرض كما جاء. ولم يتأت هذا التحليل النفساني العميق في لحظة أو جلسة واحدة، بل كان علاجاً استغرق زمناً طويلاً ولم يكن إلا على شكل أحاديث ومحاضرات يلتقط منها الطبيب قطعاً من أحلامها فيربطها بعضها ببعض، وكذلك جعل يتوغل أسبوعاً فأسبوعاً وشهراً فشهراً في صميم حياتها المنسية البعيدة، حتى تبين له أولاً أحداث حياتها المحزنة، ثم بدت لها هي كذلك بعده، بواسطة الطبيب، إذ بدأ يريها بصيصاً ضعيفاً من معنى أحلامها، ثم لم تلبث بعد حين أن تربط هي هذه المعاني بعضها ببعض وأخيراً جعلت هي تقوم بتحليل نفسها، وهذا مبدأ هذا العلاج الجديد، إذ ينبغي أن يشترك الطبيب والمريض في التحليل النفساني، فما كان ذلك، لم يلبث أن زال عن ذاكرتها النقطة السوداء التي كانت غائبة عنها، فكأنما

стр. 2200

كانت هذه الحادثة خثرة متجمعة في ذهنها، فلما زالت، زال الفالج. وهذه المرأة هي مثال من الأمثلة التي يستحيل فيها المرض إلى الهستيريا فإن ذكريات ذهنها الفظيعة المؤلمة التي زالت عن الذاكرة بقوة الإرادة تحولت فيها إلى هستيريا وأصابت الجسم بالآلام التي تحصن ذهنها منها وكذلك ترى الهستيريا تحول الألم من الذهن إلى ألم جثماني. والنوع الثاني من الأمراض التي يختص بها الطبيب الذي يعالج النفس هو النروستانيا، وهو لا يعتبرها ناشئة عن حالة ذهنية، ولكنه يرجعها إلى العادات الشخصية التي يسلكها المريض المصاب بها في الحياة. والخلاصة أن الأطباء الأخصائيين في هذا النوع من العلاج يذهبون إلى أن أحلامنا هي قصص رغباتنا وللاقتناع بصحة ذلك يجب أن ننظر إلى الأماني اليومية التي يشعر بها الأطفال فإن الطفل يود لو ظفر بالقمر وتدانت النجوم إليه ويجب أن تكون له الخيول التي تمر في الطريق، وكل ما يرى أو يسمع، ولما كان أكثر رغباته غير مستطاع التحقيق، اضطر إلى أن يخلق أشياء في ذهنه، ومن ذلك نشأت اللعب والعفاريت والأمراء والملكات والقواد. فإذا انتقلنا من رغبات الأطفال في يومهم إلى أحلامنا نحن الكبار ونحن نيام، فلا نلبث أن نجد أننا إنما نكبر تلك الأحلام الصبيانية التي كنا نشعر بها في طفولتنا، فالفقراء منا يحلمون بالثروة والمرضى بالعافية والمهاجرون بالأوطان والجائعون بالشبع والأطباء النفسانيون يؤمنون بأن لكل حلم معنى وأن الأحلام هي مدلولات حوادث معينة وقد استطاعوا في علاجهم النقائض والعلل الأخلاقية الوصول إلى نتائج مدهشة، ومن ذلك أن محامياً شاباً جاء إلى استشارة طبيب مشهور في مدينة كبرى من المدائن وكان في حالة عصبية مزعجة وهو يشكو أنه لا يستطيع عملاً البتة وأنه قد ذهب أياماً إلى مكتبه وحاول بنشاطه المعتاد أن يؤدي عمله فلم يستطع إنجاز شيء منه، وعدا هذا العجز الفجائي إلى حياته الأدبية بل إلى أحاديثه وجملة القول كان يشعر بأنه قد تحطم كلية، فلما استطاع تذكر بعض أحلامه، خفّ ما كان به. وتفصيل الأمر أنه كان يشتغل عند محام شيخ طويل العهد بصناعة المحاماة، وكان هذا

стр. 2201

الشيخ يشرف على بعض تركات وأوقاف طائلة، وكان قد رفع العمل الخاص بها إلى مساعده الشاب، ولم يلبث أن توفى المحامي الشيخ، فلم يبق إنسان يعرف دخائل تلك الأوقاف إلى المحامي الشاب، فدلت أحلامه على منشأ اضطرابه العصبي، إذ كان كل حلم منها يدل على نزاع حاد قائم بينه وبين نفسه. فلما أتم طبيبه تشخيص مرضه قال له، إن بك نزعة إلى استلاب هذه الأوقاف أن نفسك تحدثك بوضع يدك عليها، ولكن ضميرك قذف جانباً هذه الإغراء، لأنك رجل شريف عدل، ولكنك تريد أن تقدم على ذلك، وأنت لا تشعر وهذه الحرب الناشبة في دخيلة نفسك قد حطمت جهازك العصبي. فتبين للمحامي أن تلك هي الحقيقة وشكر للطبيب هدايته. ولهذا العلاج الجديد مزية كبرى وهي تحصين الفرد من الخطر القادم فهو يقول لكل شخص أيها الإنسان، عليك نفسك احتفظ بها، إنك تشغل ذهنك بأمور تؤثر في نشاطك الحيوي، وإذا وقع لك اضطراب عصبي، فالتمس إيجاد السبب في نفسك وهو يقول للآباء احتفظوا بأبنائكم وحصنوهم ولا سيما من أنفسكم، من الإكثار من حبهم وتدليلهم أو تأنيبهم ومن الصدمات النفسانية ومن المشاهد التي تؤثر على شعورهم الغائب في وقت يكون فيه هذا الشعور هو أشد ما يكون في الطفل وأكبر العناصر المؤلفة لخلقهم في الحياة.

стр. 2202

متفرقات أسرار الدول كيف تصل إلى السفراء من أكبر الصعوبات التي تزاولها الدول في هذه الحرب، الطريقة التي تتبعها في الاحتفاظ بأسرار سياستها الخارجية، إذ لا تجد سراً من أسرار الحكومة يدون عند بدئه في ورق أو يستنزل من القلوب إلى الأقلام، اللهم إلا في الظروف النادرة عندما يراد عرضها على الندوات التشريعية ورفعها إلى الملك، حتى إذا أقر ديوان الحرب على أمر هام من أمور السياسة الخارجية المزمع عرضه على إحدى الدول المحايدة، فكرت السلطة في كيفية إيصاله إلى سفيرها في تلك المملكة، وإذ ذاك يدون السر في الورق ولكنه يكتب على طريقة من طرق الرمز متبادلة بين الحكومة وذلك السفير، والموظفون الذين يقدمون لعمل تلك الرموز هم عمال أمناء لدى الحكومة موثوق بهم وكثيراً ما يتناولون خمسمائة جنيه أو سبعمائة عن الطريقة الواحدة التي يخترعونها. فإذا تم كل ذلك وأعد السر لإرساله دفع إلى ساع من السعاة الذين يطلق عليهم سعاة الملك وهو يحمل جعبة لها قفل سري، ولهذا القفل مفتاحان فقط، أحدهما لدى وزارة الحرب، والآخر لدى السفير، وعليه أن يفتح الجعبة بنفسه أو يدفع ذلك إلى كاتم أسراره، عند وصول الرسول إليه. وأنت ترى أن السفر من إنجلترا إلى الممالك المحايدة من المشقة والخطورة بمكان في هذه الحرب، لأن الرسول يظل على أعين الجواسيس ومرتقبهم وعلى الرغم من أن الساعي أو الرسول يسافر في خفية وهو شاكي السلاح مدجج، قد لا يزال في خطر من شرهم وهو أبدا يجلس في قطار السكة الحديدية في بهو خاص به، وعليه أن يضحي حياته ويبذل نفسه قبل أن يكره على النزول عن السر الذي في جعبته وتقديراً لعمله يتقاضى مرتباً قدره أربعمائة جنيه في العام وبدل سفرية قدره جنيه في اليوم، وقبل أن ينتخب لهذه الوظيفة الخطيرة، يجب أن يندبه لها موظف من كبار موظفي الحكومة يأخذ على كاهله المسؤولية عنه ويضمن للحكومة أمانته والوثوق به. فإذا وصل الرسول إلى السفير يحمل سراً فليس أحد سوى السفير أو كاتم أسراره يستطيع

стр. 2203

أن يأخذ الجعبة من الرسول، وفي كل سفارة حجرة حديدية يخثزز فيها المعتمد رسائل الأسرار الخطيرة، ولا يحتفظ أحد بفاتيحها غيره ولا يسمح لأحد بدخولها سواه، ويبقى حولها الحراس ليلاً، حفاظاً عليهم أمناء، ولهم أن يطلقوا الرصاص على أي مهاجم، ولهذا ترى الدول الغربية ما عدا بريطانيا وإيطاليا لا تأذن لأي عضو من أعضاء سفاراتها الخارجية أن يتزوج بأي امرأة من نساء المملكة التي يخدمون بها.

стр. 2204

مطبوعات جديدة ماجدولين - ابن الرومي - ديوان رامي ١ ماجدولين أهدى إلينا صديقنا الكاتب الأديب السيد مصطفى لطفي المنفلوطي نسخة من كتابه الذي أسماه ماجدولين أما السيد المنفلوطي ككاتب فسيفرد له البيان مقالاً على النحو الذي نحوناه في الكلام على أحمد لطفي السيد بك، وأما هذه ماجدولين فقد قلنا في العدد الماضي أنها للكاتب الفرنسي ألفونس كار واسمها الأصلي - تحت ظلال الزيزفون - أملاها على السيد حضرة صاحب العزة محمد فؤاد كمال بك ثم صاغها السيد هذه الصياغة التي هي آية في الإبداع بعد أن تصرف فيها بالحذق والزيادة حتى أصارها كأنها من وضعه لا من وضع ألفونس كار، وهذا ضرب من ضروب الترجمة يشبه لاقتباس، فنحث القراء على اقتناء هذه القصة الفلسفية المؤثرة التي هي من أبدع حسنات السيد - وثمنها ١٥ قرشاً صاغاً وهي تطلب من جميع المكاتب. ٢ ديوان ابن الرومي كان من أكبر أماني الأدباء والمتأدبين أن يطبع ديوان هذا الشاعر الكبير المنقطع النظير قبل أن تعبث يد العثّة بتلك النسخة الخطية الوحيدة الموجودة في دار الكتب السلطانية، فانتدب لهذا العمل العظيم وزير الكبير والعالم العامل حضرة صاحب المعالي أحمد حشمت باشا وزير المعارف الأسبق واستقل بطبع هذه الديوان على الرغم من الصعاب التي تكتنفه من نحو غلاء الورق وطول الديوان وسقم النسخة الخطية وكثرة التحريف الذي لحقها من جراء جهل النساخين، وأظهر منه اليوم جزءاً كبيراً يقع في نحو من ستمائة صفحة من قطع البيان مطبوعاً على ورق جيد صقيل أحسن طبع وأنظفه، وقد ضاعف إحسانه حفظه الله بأن شرح هذا الديوان وشكله شكلاً تاماً وعهد بذلك إلى حضرة الأستاذ الشيخ محمد شريف سليم أحد أساتذة اللغة العربية وناظر مدرسة المعلمين - دار العلوم - فوضع الأستاذ شرحاً كافلاً ببيان غامضه وحل مشكلة، ويظهر أن الأستاذ لقي من شرح ابن

стр. 2205

الرومي الأمرّين ووقع منه في كبد أيّ كبد ومن ثم انتشر عليه الأمر وذهب في أكثر شرحه مذهب ذلك الشيخ الذي أنشد قول العباس بن الأحنف: قلبي إلى ما ضرني داعي ... يكثر أسقامي وأوجاعي كيف احتراسي من عدوي إذا ... كان عدوي بين أضلاعي إن دام لي هجرك يا مالكي ... أوشك أن ينعاني الناعي فلما سمعها بكى، ثم قال: هذا شعر رجل جائع في جارية طباخة مليحة، فقيل له من أين قلت ذاك، قال لأنه بدأ فقال - قلبي إلى ما ضرني داعي - وكذلك الإنسان يدعوه قلبه وشهوته إلى ما ضره من الطعام والشراب فيأكله فتكثر علله وأوجاعه وهذا تعريض، ثم صرح فقال - كيف احتراسي. . . البيت - وليس للإنسان عدو بين أضلاعه إلى معدته فهي تتلف ماله وهي سبب أسقامه وهي مفتاح كل بلاء عليه، ثم قال - إن دام لي هجرك. . . البيت - فعلمت أن الطباخة كانت صديقته وأنها هجرته ففقدها وفقد الطعام فلو دام ذلك عليه لمات جوعاً ونعاه الناعي. . . . . ولسنا الآن على نية أن نتعقب هذه الهنوات التي يخطئها العد والتي لو عرضت على ابن الرومي وكان حياً لكان بطن الأرض أحب إليه من ظهرها ولكنا نذكر هنا مثالاً منها إلى أن يوفق الله بعض الأدباء فيستدرك على الكتاب الأخطاء التي جعلتنا نرحم الأستاذ ونرثي له وإن كان الأستاذ معذوراً في ذلك العذر كله لأنه لم يدفع إلى مضايق الشعر، ولا يفهم الشاعر عمرك الله إلا شاعر مثله والأستاذ ممن غذى بلبان الحقائق العلمية والقواعد الثابتة المقررة وعلى ذلك نشأ ثم توفر أخيراً على العمل الإداري وألف نظامه الحسي الواقعي فكيف وتلك حاله تراه ينساب مع مثل ابن الرومي ويستطيع أن يبعد معه في تصوراته الشعرية الخيالية - أما المثال الذي نذكره هنا ونجتزئ به الآن فهو البيت الذي حير الأستاذ وجعله في غماء من أمره وهو البيت الذي أقامه وأقعده وأتى به في كلمته الافتتاحية مثالاً من الأمثلة التي تعترضه في الديوان وتربكه ثم هو بحذقه يخرجها أحسن تخريج. . . وهو هذا البيت الذي جاء في وصف الموز. يشهد الله إنه لطعام ... خرّ هيّ يغازل الحسناء قال الأستاذ فكلمة (خرهي) بالخاء لا توجد في العربية وليست من المعرب ولا الدخيل

стр. 2206

فقلبتها على صور شتى من (خزهى) إلى (حرهى) إلى (جزهى) إلى (حرهى) وهلم جرا وصرت أراجع المعاجم فلم توافق قط صورة من هذه الصور صحة المعني إلى أن اهتديت إلى أنها (جرهى) نسبة إلى (جرهة) وهي البلحات وما أشبهها في قمع واحد ولا شك أن الموز كذلك، ثم أن مغازلة الموز الحسناء لا معنى له فيشبه أن تكون كلمة (يغازل) محرفة عن (يماثل) بظهور المماثلة بين الموز والحسناء في العذوبة والحلاوة وحسن اللون ولين الملمس وما أشبه ذلك، فصار البيت بعد هذا التصحيح. يشهد الله أنه لطعام ... جرهى يماثل الحسناء فأنت تراه هنا قد تعسف تعسفاً شديداً حتى عمى الأمر على القارئ وأدجنت سماء البيت مع أن البيت في أصله صحيح وكل ما هنالك أن الميم خرجت في الخط مخرج الهاء وصواب الكلمة - خرّمى يغازل الحسناء - والخرمية نسبة إلى بابك الخرمى الخارجي المشهور الذي قتل بعد ولادة ابن الرومي بقليل وهي كلمة فارسية معناها الفرح والسرور ويسمون نحلتهم لذلك دين الفرح، وقد لقيت الدولة العباسية من هذا الرجل عننا، وهم يبيحون النساء قاطبة لا فرق ثمة بين الأم والأخت والبنت، وتلك نزعة مجوسية وهي منشأ مذهبهم، فشبه ابن الرومي الموز بأنه طعام خرمى يستهوي الحسان ولا يتحرج من إثم شأن تلك الطائفة لأنه عند الشاعر من الفرح والسرور حتى عدا الظفر به فوزاً وعد فوته موتاً كما ذكر ذلك في هذه القصيدة وفيها من المبالغات شيء كثير، ألا ترى أن الشاعر قال (يشهد الله أنه لطعام الخ) فلم يشهد الله على أنه كذلك لولا أن الأمر أكبر من أن يكون وصفاً ساذجاً طبيعياً (جرهياً). . . . ولا يخفى أن تلك العبارة لا تقال إلا في الأمور العظيمة من حلال وحرام، وعندنا أن ابن الرومي قصد من الخرمية معنى أبعد من ذلك وأدق في الوصف وأبلغ في الإشارة وأشبه بابن الرومي الذي يحوم كثيراً في شعره حول الحاسة الجنسية ومتعلقاتها، وذلك المعنى يتعلق بصفة الموزة في شكلها وخلقتها. . . . وهذا من خبث ابن الرومي وفحشه وكم له من مثلها وأقبح منها تلميحاً وتصريحاً. (وبعد) فإنا نكتفي بهذا الآن ولا بد لنا إن شاء الله من عودة نستقصي فيها هفوات الأستاذ - على أن الديوان خليق بأن يقتني وما على المتأدبين إلا أن يستقلوا بأذهانهم ولا يعتمدوا كثيراً على الشرح في تفهم معنى ابن الرومي - والكتاب يباع بعشرين قرشاً صاغاً وهو

стр. 2207

يطلب من جميع المكاتب. ٣ ديوان رامي نعرف من الأستاذ أحمد أفندي رامي خريج مدرسة المعلمين الناصرية وأحد أساتذة المدارس الأميرية اليوم شاعراً غزلاً مطبوعاً عذب الروح يأبى إلا أن يكون شاعراً من جميع نواحيه كأنه يجاري العباس بن الأحنف الشاعر الغزل الذي كان كله شعراً وظرفاً وطبعاً يتدفق، وقلباً من قلوب الطبيعة يخفق، فكأن الخنساء عنتهما إذ تقول في أخيها صخر: جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر حتى إذا جد الجراء وقد ... لزّت هناك القدر بالقدر وعلا هتاف الناس أيهما ... قال المجيب هناك لا أدري برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر ومن ثم ترى الشاعر الشاب رامي لا يكاد يتصرف في شيء من معاني الشعر عدا الغزل وما ينظر إلى الغزل كما كان الشاعر الشيخ العباس بن الأحنف وإذا كان بعض النقدة يبهرجون شعر رامي لسهولته ولأنه خلاء من الجزالة والفخامة والعمق والروعة وكثير من المحسنات البيانية فقد كان بعض نقاد الشعر أزمان العباس بن الأحنف يستبردون شعره ولكن شعر ابن الأحنف عاش على الرغم من ذلك وسيعيش ما بقى محب في الأرض، وقد طبع اليوم الشاعر رامي ديوان شعره طبعاً نظيفاً حسناً على ورق جيد وجعل ثمنه خمسة قروش ويطلب من جميع المكاتب. تصحيح الأغاني - تصحيح لسان العرب أهدى إلينا أخيراً حضرة الفاضل الشيخ محمد عبد الجواد الأصمعي نسخة من تصحيح الأغاني وأخرى من تصحيح لسان العرب، أما الأول فإن الذين قرأوا كتاب الأغاني سواء أفي النسخة الأميرية أم النسخة الساسية، يعرفون أنه وقع فيه أغلاط مطبعية كثيرة جداً ولاسيما الساسية فرأى الأستاذ الأصمعي أن يطبع تصحيح الشيخ الشنقيطي الذي استدرك

стр. 2208

به أغلاط النسخة الأميرية ثم زاد الشيخ الأصمعي أن بين مع ذلك هذه الأغلاط عينها في النسخة الساسية - وبقي بعد ذلك ما تفردت به الساسية - وأما تصحيح لسان العرب فهو لحضرة صاحب العزة العالم الفاضل أحمد بك تيمور طبعه كذلك الأستاذ الأصمعي - فخليق بكل من يقتنى لسان العرب والأغاني أن يبادر باقتناء هذه الكتابين، وثمن كل منهما ستة قروش، ويطلبان من صاحبهما الأستاذ الأصمعي بمكتبة حضرة صاحب السعادة أحمد زكي باشا بباب الخلق بالقاهرة. أغلاط مطبعية وقع في هذا العدد أغلاط مطبعية يجمل بالقارئ الكريم أن يصححها هكذا، ففي صفحة ٦٠ في أبيات المعري هو الدهر بفتح الراء والصواب ضم الراء وفيها أيضاً وضعت الدال من يعود في السطر الأول والصواب وضعها في أول السطر الثاني لأن في هذه الأبيات تدويراً وفي صفحة ٦٤ فؤادي وصوابها فؤادك وفي صفحة ٦٨ رفع العمل والصواب دفع العمل وفي صفحة ٧٠ بالحذق وصوابها بالحذف وفي صحفة ٧١ هذه الديوان والصواب هذا الديوان وفي صفحة ٧٢ (في بعض النسخ) لا شاعر إلا شاعر وعلى ذلك ممن نشأ وصوابها على ذلك نشأ وبظهور المماثلة وصوابها لظهور المماثلة.

стр. 2209

العدد ٣٩ - بتاريخ: ١ - ٢ - ١٩١٨

стр. 2210

رسائل النساء وخزات الضمير كلما راجعت في نفسي الماضي وإحداثه، وما جرى على ضفافيه، أحاول جهدي أن أبتعث ضميري من مرقده، وآخذ نفسي بالحكم القاسي والمعتبة الأليمة، ورحت أقول لنفسي ليس لي حق في أن ألمس بكفي الهناء، وأحس متعة السعادة، أنني استرقت الهناء من المجتمع الإنساني استراقاً، واستلبته من الشرائع، واغتصبته من الواجب، لم أكن امرأة وفية شريفة، ها قد مضت أربعة عشر عاماً وأنا أخون زوجي وأخادعه. . . وكذلك أنطلق أريد نفسي على أن تشمئز وتأنف من نفسي، إذ يتراءى لي أنني إذا استشعرت في ضميري وخزاً، وأحسست في فؤادي تأنيباً، خففت من نكر جريمتي وكفرت قليلاً عن فظاعة إثمي، وكلما تاملت ملياً في وجه زوجي وهو جالس في مقعد كبير، يغيب في قراءة صحيفة الأنباء في دقة وسكون، لا أني أخاطب نفسي قائلة هاك رجلاً طيب القلب، سليم الطوية، ركن إليك وألقى حياته بين يديك، وحمّلَك اسمه، وعهد إليك هناءه وهدوء باله، فماذا صنعت بكل ذلك مدى الأربعة عشر عاماً. . . . ضلة لك، لو علم هذا الرجل الأبله الفؤاد، هذا الموظف الساذج الذي يدأب على كسب حياته وحياتك وحياة طفلتك، هل تظنين اللذائذ والمسرات والمباهج التي نعمت بها وازدهيت ذلك الدهر الطويل تستطيع أن تعدل الآلام التي سيعانيها، لو تهتكت الحجب المسدولة على الحقيقة. . . . . ولكنه لن يعرف الحقيقة، وإن يعرفها أبد الدهر، لأنه لم يشهد يوماً الرجل الذي من أجله أطرحته، وتوليت عنه، ولكنني أؤمن الآن بأن هدوء زوجي ورقدة باله وسكون نفسه هي التي بعثتني على تأنيب ضميري وزجر خاطري، ولما لم أكن أشعر له بالحب في قلبي، ولا أحس بدني مجتذباً إليه، بل كنت أحمل له تلك العاطفة العادية التي تخلقها الألفة الطويلة، ويثيرها المقام المستمر عن كثب منه، وارتباط المصلحة، وامتزاج العيش، فلم أر له من حق على إلا أن أجعل حياته تجري في ذلك الهدوء الجميل، والسكون العذب وإلا أن أهتم بمصالحه، وأشاركه رعاية شؤونه، وعبثاً حاولت أن أستمسك بعرى الشريعة والفضيلة والواجب، لأن المرأة لا تحس سلطان الإخلاص إلا نحو الرجل الذي تحبه. هذا ما حدثت به النفس ليلة الأمس، وها أنا اليوم أعرف الجرح الذي تحدثه وخزات
следующие страницы →