Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
نادر جداً ومن الناس من يستيقظ من النوم فيجد عنقه في ناحية ولا سبيل إلى تحريكها للناحية الثانية وهذا ولا شك شيء مخيف للمصاب ولكنه سريع الشفاء وسببه في الغالب البرد ودواؤه التعريق والتدليك فإن استطال الأمر استوصف الطبيب.
ومن هذا الالتواء نوع يأتي بشكل نوبة مزعجة للمريض ويهيجها الكدر والغضب وتسكن إذا جن الليل ورأى الطبيب يجب أن يؤخذ في مثل هذه الأحوال دون إمهال.
الاكلمسيا - مرض تشنجي يأتي للحوامل والوالدات والنفساء وهو مرض خطير للغاية فيجب الالتفات جيداً إلى الإنذارات التي تعتور المريضة إبان حملها بعد الشهر السابع وأهم هذه الإنذارات آلام الرأس وورم الأرجل والأقدام وضعف النظر ووجود الزلال في البول، لذ يتحتم أن يفحص بول الحامل من وقت لآخر بعد الشهر السادس حتى إذا وجد فيه الزلال احتيط من الاكلمسيا وعولج في التو واللحظة.
الزغطة - الزغطة يغلب أن تتسبب عن تهيج في المعدة يحركه التطبل بالأرياح والامتلاء الشديد أو أكل غير مهضوم وخصوصاً الفلفل والبهارات، ومن الأسباب المشاهدة أيضاً والمسببة لها الإجهاد المتعب عقب الأكل ويحصل بكثرة للأطفال الرضع إذا ازدردوا اللبن بسرعة أو للكبار إذا عبوا السوائل عبا ولقد جاء في الحديث الشريف (مص الماء مصاً ولا تعبه عبا) والزغطة زمنها لا يطول إلا إذا التفت إليها فإن شغل الإنسان عنها ذهبت ولذلك كان توجيه الفكر لشيء خاص خير علاج لإيقافها ومن الطرق المستحسنة لإيقافها عند الأطفال وضع طرف الإصبع على الغضروف الحلقي (البروز الموجود في العنق تحت الذقن ببضع أصابع) بلطف وتحريكه قليلاً وعند البالغين بأن يأخذ المرء شهيقاً عميقاً ويستمر في الشهيق لحظة دون أن يحرك الصدر للزفير.
وأسهل من ذلك أن يعد المرء من واحد إلى مائة دون أن يأخذ نفسه أو يمص الماء مصاً بضع مرات دون التنفس أيضاً فإذا لم تفد هذه الوسائل فأحسن شيء هو النشوق إذ يكفي تنشيقة واحدة لإيقافها.
стр. 2242
العدد ٤٠ - بتاريخ: ١ - ٣ - ١٩١٨
стр. 2243
متن العمرية
لحضرة صاحب العزة حافظ بك إبراهيم
وعدنا القراء في الجزء السابق من البيان أن نتبسط شيء في نقد هذه العمرية التي يزعم قوم أن الله تعالى قد عمر بها جانباً من الأدب كان خرباً، وسد بها ثلمة في الشعر العصري كانت واضحة، ودفع بها الفلك الدوار فمر فأسرع فانبثق منها على الأدب العربي عصر جديد،،، هكذا قالت الصحف فيما كتبت أو كتب لها،، وقالت صحيفة أخرى: إنه لم ينشد في عكاظ شاعر أبلغ من صاحب هذه العمرية في عمريته: كأن أصحاب هذه الصحيفة أو كتابها قد أحصوا أسماء الشعراء الذين أنشدوا في عكاظ وقرأوا ما أنشدوه، فإذا كان العلماء قد قالوا إن أسماء الشعراء عكاظ وقصائدهم التي أنشدوها غير معروفة إلا أربعة أو خمسة فلا ندحة لنا من أن نتأول أن كتاب تلك الصحيفة أرواح رجعت إلى الدنيا بعد ١٤٠٠ سنة وكانت من قبل في أجسام عكاظية، ولعل منها روح النابغة، ولعل صاحبها هو الذي كتب تلك الكلمة فكان له الأمر من قبل ومن بعد، وتم له الحكم بين الشعراء في عكاظ ودرب الجماميز،،
ليس بنا أن نتصدى لمثل هذا ولا نحن موكلون بوضع الصراط والميزان في هذه المجلة لمحاسبة الأخلاق الأدبية ولكنا موفون بما وعدنا على أن نلتزم جانب الإيجاز ما استطعنا وحسبنا الله. . .
لقد حرنا في إدراك الغرض الذي امتثله حافظ حين قرض هذه العمرية لأن الشعراء لا ينظمون إلا لغرض معين، فأما رياضة الخاطر، أو إظهار محاسن الصناعة، أو العمل لفائدة ما، أو قضاء حاجة في النفس، على أنا نجمل من هذه الأغراض كلها فنفرض أن الشاعر قصد إلى أهمها فأراد أن يقدم لهذا العصر المادي أثراً من الروح الإلهي وأن يتحف أدباء العصر بتحفة من الفن، ونضيف إلى هذين أنه يرمي بهذه القصيدة كما يقول هو إلى قضاء حقوق نام قاضيها - وحكاية مناقب عمر للشاهدين وللأعقاب - ثم ننظر في وفاء العمرية بهذه الأغراض وما مبلغها من كل واحد منها.
فأما أثر الروح الإلهي في القصيدة وما يتجلى فيه من الحكمة الرائعة والوصف البارع والإبداع والسمو وفلسفة الحياة وما إلى ذلك من مظاهر الروح والفكر فهو أثر ضئيل جداً
стр. 2244
لا يكاد يحس على أنه مع ذلك إنما هو من روعة تاريخ الفاروق وسموه الطبيعي وروحانيته لا من نفس الشاعر ولا من قوته الذهبية، فإن حافظاً لم يعرف بالحكمة ولا بالفلسفة ولا هو ممن يضرب الأمثال للناس ويشرح لهم معاني الحياة ولا هو بالشاعر الذي يغوص وراء المعنى إلى سره وصميمه ويتغلغل بروحه في ضمائر الأشياء كما هو حق الشعر، وذلك هو السر في أن أكثر قصائده أنفاس ضيقة وأبيات معدودة لا يطيل فيها ولا يعدد الفصول ولا ينوع الأساليب وبخاصة في نشأته الأولى فلما أدرك أخيراً أن الشعر هو تعبير عن أسرار المعاني في هذا الكون، وأنه لذلك يجري مجرى الشرح والإفصاح عما في الطبيعة من أغراض النفس وما في النفس من معاني الطبيعة فيجب أن تكون أكثر قصائد الشاعر طويلة أو إلى الطول إلا أن يكون من شعراء المقاطيع فيلزمها ولا يكلف نفسه إلا وسعها عمد صاحبنا إلى الإطالة قليلاً ولكنه لم يجد في ذهنه المادة الفلسفية التي تعطيه من أسرار الأشياء وتكشف له عن آثار الشعر في المناسبات المعقودة بين النفس وبين هذه الأسرار، ولا رأي في روحه قوة الجبابرة النفسيين التي تشبه قوة الخلق في توليد المعاني بعضها من بعض وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي، ولا أحس في رأسه ذلك الخيال الذي يتلاعب بالصفات والحقائق حتى يجعل من التوهم حساً ويرى العين مالا تراه إلا النفس ويرى النفس ما لا تراه إلا العين، بل رأى - وله الله - أن كل بضاعته حافظة جيدة تواتيه شيء من الألفاظ الجزلة والعبارات المونقة - من صنع غيره طبعاً - والمعاني التي طال عليها القدم، وأكل الدهر عليها وشرب، فعمد إلى الصحف ينظم من أقوالها وآرائها وهجر ما عدا ذلك من فنون الشعر وأغراضه إلا قليلاً، ولقب نفسه بالشاعر الاجتماعي، فإذا كان الموضوع الصحفي مما كثر فيه الكلام وتقلبت الآراء وامتدت أطرافه طالت فيه القصيدة الحافظية وإلا قصرت.
ومن هنا طالت العمرية لأن تاريخ الفاروق رضوان الله عليه طويل الذيل مبسوط الجناحين على الآفاق وهي مع ذلك تصلح شاهداً على ما قدمنا، فإن الشاعر الاجتماعي اختار لأكثر فصولها من أخبار عمر وسيرته ما كان في مادته التاريخية شيء من الطول أو أمكن أن يكون له هذا الطول من سياق الحكاية وذلك كي يسهل عليه النظم وتتسع جوانب القصيدة، وإلا ففي كثير من الأخبار القصيرة التي أضرب عنها ما هو أبلغ في معناه وموقعه وأحسن
стр. 2245
بمذهب الشاعر وأقرب إلى خياله مما اختار، ولو تأملت الفصول القصيرة في هذه العمرية كعمر وشجرة الرضوان مثلاً، لرأيتها ضعيفة متهالكة حتى في النظم لأن مادة التاريخ والحكاية فيها قليلة ولم تمدها قريحة الشاعر بشيء من روحه فخرجت مخرج الاقتضاب، ولو أن شاعراً فحلا عمد إليها لا خرج من كل فصل منها فصلاً فلسفياً بديعاً، وكان في خبر شجرة الرضوان وحده أبلغ درس لجماعة المسلمين من زوار الأضرحة ونحوهم لو عرف حافظ كيف يجعل ما ليس بشعر شعراً مع أنه جاء بالخبر كله في بيتين لا قيمة لهما.
وعلى أن الشاعر إنما نظم التاريخ نظماً وعلى أنه خلط فيما اختاره من فصول القصيدة فما وقت هذه القصيدة بتاريخ عمر ولا أظهرت لنا شيئاً من أسراره الخاصة به ولا بينت لنا أوليات عمر التي امتاز بها كالتاريخ الهجري وتدوين الدواوين وتمصير الأمصار واتخاذ بيت المال وما إلى ذلك مما هو مادة للاجتماع وللسياسة وللتاريخ، بل كان أكبر الأمر عند حافظ أن ينظم قطعاً قطعاً على النسق التاريخي ومع سهولة هذا العمل فقد جاء بالتاريخ ممسوخاً حتى أن من لم يقرأ تاريخ عمر ويرجع إلى الأصل الذي نقل عنه الشاعر لا يكاد يفهم من القصيدة إلا ما يعطيه ظاهر اللفظ.
والآن نفرض أن حافظاً أراد من قصيدته أن يتحف الصناعة - صناعة الأدب - بتحفة من الفن فهانحن أولاء نقرأ القصيدة ونعيدها ونتدبرها ونقلب النظر فيها فما نراها من أولها إلى آخرها إلا نظماً نظماً وإلا وزناً وزناً، أما المجازات والاستعارات والكنايات وتفويف العبارة وحسن الإشارة والاختراع في أسلوب الأداء ونحو ذلك مما هو من باب الصناعة البيانية التي ترفع طبقة الكلام عن الكلام فما نرى منه شيئاً، بل إنك لتجد هذه الصناعة ركيكة مستهلكة من مثل قوله في دعائه لله فمر سرّي المعاني أن يواتيني كما كان يقول للبارودي في مدحه فمر كل معنى فارسي بطاعتي وقوله أديماً حشوه هم وإنما يقال حشو برديه مثلاً لأحشو أديمه. . صاح الزوال بها وصاح الوهمي لا يسند إلي الزوال الوهمي، وهلم، هذه واحدة - والثانية أن معاني القصيدة كلها خالية من الإبداع والابتكار وما نرى فيها أبدع من هذا البيت في وصف الدولة الإسلامية:
تنبو المعاول عنها وهي قائمة ... والهادمون كثير في نواحيها
على أنه مسلوخ من قول الشاعر:
стр. 2246
فلو ألف بأن خلفهم هادم كفى ... فكيف ببان خلفه ألف هادم
وانظر الفرق بين روحي الشاعرين روح الحكيم وروح المحتكم، ثم هذا البيت في الدولة أيضاً:
من العناية قد ريشت قوادمها ... ومن صميم التقى ريشت خوافيها
لولا أن فيه خطأ بليغاً وذلك أن القوادم هي أربع أو عشر ريشات في مقدم الجناح والخوافي سبع ريشات بعد السبع المقدمات أو هي ريشات إذا ضم الطائر جناحيه خفيت فكأن الشاعر يقول ريشت الريشات القوادم وريشت الريشات الخوافي وهذا من الخطأ والقبح كما ترى إنما يقال ريش الجناح ليس غير، ثم هذا البيت:
وفتنة الحسن أن هبت نوافحها ... كفتنة الحرب أن هبت سوافيها
على أن في هذا البيت من سوء الطباق بين الحسن والحرب ومن ضعف التعبير في قوله هبت نوافحها وهبت سوافيها، لأن النوافح والسوافي متغايران في المعنى فيجمل أن يعبر عن فعليهما بلفظين متغايرين يلائم كل منهما المعنى الذي يساق به، ثم قوله - إن الحكومة تغرى مستبديها - وهو يصلح أن يكون مثلاً وليس في القصيدة غيره من هذا النوع ولكن فيه هذه الإضافة التي جاءت حشوا في (مستبديها) ويلحق بهذه الكلمات قوله:
فأنت في زمن المختار منجدها ... وأنت في زمن الصديق منجيها
وفيه جناس لا بأس به وإن كان من أضعف الأنواع لخلوه من النكتة التي تجعل التأثير بالغاً على النحو الذي انفرد به رجال هذا الفن كالبستي والصفدي وغيرهما.
هذا هو كل ما يعجب الناقد أو الأديب من القصيدة على بعد ما بين مشرقها ومغربها وعلى أنها زهاء مائتي بيت فأين هي من صناعة البيان أو صناعة الشعر على أنها في تاريخ رجل أي رجل وعصر أي عصر، وثالثة أن القافية التي اختارها حافظ لقصيدته من أضعف القوافي وأسهلها، لا تدل على شيء من تمكن الرجل من صناعته فإن الهاء فيها هي هذه الهاء ضمير الغائب المؤنث، تتكرر في كل بيت إلا بضعة أبيات فإنها فيها أصلية من بنية الكلمة كقوله: تشبيهاً وتنزيهاً ونحوها، ولو عمد مبتدئ في الشعر إلى النظم على هذا الروي وكرر الهاء كما فعل حافظ ما أعجزه أن يجيء بألف بيت وبألفين وأين هذا الصنيع من قوافي شاعر كابن الرومي على طول قصائده أو قوافي البردة أو الهمزية للإمام
стр. 2247
البوصيري ﵀ أو صدى الحرب لشوقي أو كشف الغمة للبارودي أو غيرها مما لا يجهله الأدباء، وما القافية في قوتها وتمكنها إلا طراز الصناعة لا يقصر فيها إلا مقصر ضعيف ولا يستهين بها أو يبتذلها هذا الابتذال إلا شعراء المتون إذ هم لا يريدونها إلا خاتمة للبيت من النظم كما صنع حافظ.
والرابعة أن الأسلوب القصصي في هذه العمرية لا يجري على قاعدة من قواعد القصص والرواية وليس فيه من أثر الفن الروائي شيء بل هو تقليد ضعيف جداً لبعض ما جاء من أساليب القصص في القرآن الكريم وكان هذا أدل على جهل الشاعر بقواعد البلاغة وطرق النظم المعجز، لأن الأساليب القصصية في القرآن تساق على نمط يراد به البلاغة والإعجاز قبل التاريخ والسير وقبل معنى الخبر وشرحه فلا يتأتى لكائن من كان من البلغاء أن يعارضه أو يجري على أسلوبه في كثير ولا قليل لأن التاريخ فيه ليس مفرداً بالوضع بل هو يأتي في سياق الكلام ويراد للتمثيل والموعظة والعبرة ونحو ذلك، فلو أن الشاعر كان بصيراً بمذاهب الكلام لما اختار هذا النسق الذي جاءت به القصيدة فصولاً يدفع بعضها في قفا بعض، ولو أنه كان شاعراً بحق وكان من رجال القرائح وحكماء الكلام لنظم في سيرة عمر رواية كاملة يخرج لنا بها الياذة عربية في مثل روح هوميروس أو نفس الفردوسي أو السعدي أو ملتن أو دانتي أو غيرهم من شعراء الأمم ولكن أني له وهو يرى نفسه من الضعف ما يجعل مثل هذه القصيدة في اعتباره ديواناً، ويرى حوله من النفاق وسوء التقدير ما يجعله في رأي نفسه كأنه تاريخ على حدة والعجيب أن يكون هذا شأن من حوله مع أنه هو نفسه يقول أنه ضعيف الحال واهيها ويقر في قصيدته بأسلوبها وفصولها أن عمر في هذه القصيدة إنما هو أمثلة من عمر لا غير.
وانظر مطلع القصيدة ومقطعها وأين هما من براعة الاستهلال وبراعة المقطع بل انظر هذه المعجزة الكبرى في أساليب الرواية وكيف بدأ تاريخ الرجل بمقتله.
ثم تأمل كيف تنقطع الصلة بين كل فصل من القصيدة وما بعده كأن ليس في البلاغة شيء يسمي حسن التخلص ولا في أصول فن الرواية ما يقضي بتعليق فصل على فصل ومراعاة السياق ونحو ذلك، وكأنه يكفي أن يقال (مقتل عمر) (إسلام عمر) (عمر وبيعة أبي بكر) الخ الخ فهل هو يضع كتاباً في التاريخ أو ينظم متناً من المتون.
стр. 2248
وهل يدري القراء لماذا بدأ الشاعر بمقتل عمر. . إنه لم يفعل ذلك إلا فراراً من الموضوع الذي يريد نظمه وعجزاً عن توفيته حقه لأنه إن بدأ بوصف عمر ونشأته ومنزلته في الجاهلية لزمه أن يجري على هذا النسق حتى ينتهي كل ما في حياة الرجل من الشعر والحكمة ثم تنتهي القصيدة بمقتله فإن هو بتر التاريخ أو اقتضب منه أو خلط في نسقه ظهر ذلك للناس واضحاً وظهر معه عجزه وقصوره، فأعد سامعيه وقراءه من أول القصيدة أن لا يلتفتوا إلى النسق التاريخي ولا ينتظروا فيه إلا قطعاً وفصولاً عن عمر وسيرته وكأنه ظن أنه بذلك يذهب بوعيهم وانتباههم. .
لم يبق إذن إلا أن الشاعر أراد بهذه العمرية كما يقول هو حكاية مناقب عمر للشاهدين وللأعقاب فأما للشاهدين فربما وأما للأعقاب فليس هناك إلا أن تأتي نكبة على كل أسفار التاريخ العربي فتذهب بها ولا يبقى إلا متن العمرية وشرحه. .
وللنظر في كيفية حكاية الشاعر لمناقب عمر فقد خرجنا بالقصيدة من باب الشعر إلى باب النظم ثم انتهينا إلى باب حكاية المناقب، وإنها في هذا الباب يعلم الله دون هذه القصص العامية أو المعربة التي نظمت فيها مناقب سيدي أحمد البدوي وسيدي إبراهيم الدسوقي ﵄ أو قصة سيدنا يوسف ﵇ لأن هذه القصص محكمة في بنائها على الأسلوب الروائي وفيها شيء كثير من حسن التخيل وبلاغة التصوير، وقد نظم الغبارى الزجال المشهور قصة سيدنا يوسف في زجل طويل جاء فيه بالمعجب والمطرب بحيث لا تقع عمرية حافظ من قارئه إلا موقع الماء المثلوج ممن امتلأ جوفه رياً وبرداً.
نحن نقر حافظاً على أنه حكى جملة صالحة لا بأس بها في سيرة عمر ومناقبه وأنه جهد الجهد كله في نظمها ولكنا لا نقول أبداً أنه جاء بشعر شاعر أو وفى النظم حقه أو مزج فلسفة الشعر بفلسفة التاريخ بل فيما هو دون ذلك لا نقول أنه محص التاريخ ولا جاء به على وجهه ولا اجتهد فيه برأي بل مسخ وبتر وأخطأ ودل على أنه لا يفهم التاريخ العربي بقريحة عربية وأثبت أنه ضعيف جداً في العلوم الاجتماعية لا يقام لرأيه وزن فيها ولو شئنا أن نورد كل ما في قصيدته من هذه الأغلاط لطال الأمر علينا وعلى القراء ولكنا نورد أمثلة قليلة تومئ إلى ما وراءها قال في الدولة الإسلامية وأسباب سقوطها:
والله ما غالها قدماً وكاد لها ... واجتث دوحتها إلا مواليها
стр. 2249
جاء بهذا البيت في مقتل عمر بعد أن لعن مولي المغيرة الذي قتله ولقد أقسم حافظ أنه ما غال الدولة ولا كاد لها ولا اجتث دوحتها إلا الموالي وأنه لو قسم لو تعلمون عظيم، فأي برهان يقول حافظ هذا القول وما هو أثر الموالي في هدم الدولة الإسلامية ومن هو الخليفة الذي تولاها منهم وماذا كان لهم من الشأن في القضاء والسياسة والجند.
لعل الشاعر يجهل فيما يجهل أن مولي المغيرة وهو أبو لؤلؤة كان مجوسياً ولولا ذلك ما أقدم على قتل عمر، ولعل الشاعر لم يقرأ فيما قرأ أن عمر لما عرف قاتله قال الحمدلله الذي لم يجعل منيتي على يد من يدعي الإسلام، وإلا فأين أبو لؤلؤة هذا من سائر الموالي ومنهم أئمة الناس وعلماء الأنصار وكان منهم سعيد بن جبير رأس التابعين ونبغ منهم في عصر واحد عطاء بن أبي رباح إمام الناس بمكة وطاوس باليمين ومكحول بالشام ويزيد بن أبي حبيب بمصر والضحاك بن مزاحم بخراسان والحسن البصري بالبصرة وإبراهيم النخعي بالكوفة وغيرهم وغيرهم ممن قام بهم العلم واهتدى الناس بهديهم، وهذا حماد الراوية أمام أهل الأدب الذي تنتهي إليه الأسانيد مولي من الموالي، ولكن شاعرنا الاجتماعي المؤرخ الكبير لا يقرأ ولا يعلم إلا من بعض كتب المحاضرات كالعقد الفريد ونحوه وهي كتب لم توضع للتاريخ والتحقيق وإنما جمعت للمحاضرة والفكاهة.
ثم قال حافظ بعد هذا البيت يعني دولة الإسلام أيضاً:
لو أنها في صميم العرب قد بقيت ... لما نعاها على الأيام ناعيها
وهذا من الجهل بالتاريخ وطبائع الأمم وأحوال الاجتماع وإلا فهل كان يريد الشاعر أن لا يسلم إلا العرب أو أن يفرق الإسلام - وهو دين الإخاء والمساواة - بين العربي والمولي، ولنا أن نفهم من هذا البيت أن الشاعر يريد من البيت الذي قبله أن الموالي كانوا ملوكاً وخلفاء للدولة الإسلامية لأنهم في رأيه هم الذين اجتثوا دوحتها، وهذه مادة جديدة في التاريخ وقد وجب على المؤرخين وأهل البحث أن يسألوا شاعرنا تصحيح كتب التاريخ والأنساب فربما كان معاوية أو عبد الملك أو هشام أو غيرهم من الموالي، وربما كان الديلم والترك ونحوهم من هؤلاء الموالي أيضاً فيجب أن يتناول التصحيح الحافظي كتب اللغة والأدب فوق التاريخ والأنساب. . . وقال في إسلام عمر:
ويوم أسلمت عز الحق وارتفعت ... عن كاهل الدين أثقال يعانيها
стр. 2250
وصاح فيه (بلال) صيحة خشعت ... لها القلوب ولبت أمر باريها
الذي يفهم من هذين البيتين أن بلالاً مؤذن رسول الله ﷺ أذن جهراً يوم أسلم عمر لأن المسلمين قبل ذلك كانوا مستخفين فخشعت القلوب ولبت دعاءه وهرع الناس إلى الصلاة أو نحو ذلك المعنى مما يتصل ببلال.
ففي أي كتاب هذا يا حافظ؟ أجهلاً بتاريخ الدين فوق الجهل بتاريخ الأمة؟ إن الذي في كتب التاريخ أنه لما أسلم عمر كبر المسلمون (وكانوا نحو أربعين نفساً) تكبيرة سمعت بفجاج مكة، وفي رواية كبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل مكة وفي رواية ثالثة فكبر رسول الله ﷺ ، ولم يقل أحد أن بلالاً كبر أو أذن أو صاح بل لم ينص أحد على أن بلالاً كان من أهل الدار، أما ما يثبت جهل الشاعر بتاريخ الدين فهو أن عمر ﵁ أسلم بمكة في السنة السادسة من النبوة، والأذان شرع بالمدينة في السنة الأولى من الهجرة، وبين هذه وتلك سبع سنوات وأيام، وقالوا في بدء الأذان أن سيدنا رسول الله اهتم للصلاة كيف يعلمون بها فذكروا له راية فلم تعجبه فذكروا له الشبور البوق فقال هو من أمر اليهود فذكروا له الناقوس فقال هو من أمر النصارى فذكروا له النار فقال هي للمجوس فانصرف عبد الله بن زيد والمصطفى صلى الله عليه مهتم لهم فأرى الأذان فغدا إلى النبي فأخبره بذلك فأمره ﵊ أن يلقيه على بلال، وكان ذلك في السنة الأولى من الهجرة كما في صحيح مسلم وغيره، فأين صيحة بلال يوم إسلام عمر وهو لم يتعلم الأذان إلا بعد ذلك بسبع سنين، كأن الاسم التاريخي عند هذا الشاعر الاجتماعي همزة وصل أو همزة قطع أو نحو ذلك من ضرورات النظم. . أليس ذلك من الكذب على التاريخ. . وقال في مثال من هيبة عمر:
أريت تلك التي لله قد نذرت ... أنشودة لرسول الله تهديها
قالت نذرت لئن عاد النبي لنا ... من غزوة لعلي دفي أغنيها
واستأذنت ومشت بالدف واندفعت ... تشجي بألحانها ما شاء مشجيها
والمصطفى وأبو بكر بجانبه ... لا ينكران عليها من أغانيها
إلى أن قال ما معناه حتى إذا قدم عمر خارت قواها وخبأت دفها في ثوبها فقال رسول الله: قد فر شيطانها لما رأى عمر لأن الشياطين تخشى بأس مخزيها، ويعلم الله أن هذا الأبيات
стр. 2251
مؤلمة للمصطفى ﷺ مغضبة لعمر ﵁، مغضبة لكل مسلم يغار على دينه، فأقل ما يؤخذ من هذا الشعر أن السيد الرسول وسيدنا أبا بكر كانا يسمعان الغناء ويشهدان الرقص من امرأة محرمة وأن الشيطان كان بحضرتهما يرى ويسمع لا يفر منهما ولا يهابهما وأن عمر وحده هو ذو الغيرة على الدين وهو الذي يفر منه الشيطان.
ونحن نعجب أشد العجب كيف يمر هذا الكلام على مسامع شيخ الجامع الأزهر وغيره من العلماء الذين حضروا الحفلة الجماميزية ولا ينكرونه ولا يردون على الشاعر بل يدعون هذا السخف ينسرب إلى الشباب والفسقة وينشر عليهم في الصحف فيحتجون به لفسقهم ودعارتهم إذا شهدوا الرقص أو سمعوا الغناء والألحان، ألا يعلم شاعرنا القائل (واندفعت تشجي بألحانها ما شاء مشجيها) - على ما في الخطأ اللغوي في استعمال هذا التعبير لأن الشجو هو الحزن والأسى ولا الطرب) - أن الألحان محرمة قطعاً حتى في الأذان وحتى في قراءة القرآن فكيف يسمعها النبي ﷺ من امرأة تتفنن فيها ألا أن الشاعر الاجتماعي من أجهل الناس بعادات العرب وقد مسخ القصة مسخاً وقلب عادة عربية بحتة إلى حالة عصرية مخنثة وزادها تخنيثاً فجاء بالمرأة ودفها كأنها من نساء قهوة ألف ليلة. . . . والقصة على ما في كتاب أسد الغابة هي بحروفها: خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت أن ردك الله سالماً أن أضرب بين يديك بالدف قال إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا فجعلت تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب ثم دخل عمر فألقت الدف تحت استها وقعدت عليه فقال رسول الله ﷺ أن الشيطان ليخاف منك يا عمر.
وليس يخفى أن من التعبير في لغة الحديث الشريف أن الغضب من الشيطان واللهو من الشيطان ونحو ذلك فإذا سكن الغضب فقد زال تأثير الشيطان وكذلك في الباقي فكأن الشيطان كف تأثيره على المرأة حين رأى عمر وكأنه خاف حين خافت فهذا هو المعنى، أما أن الشيطان كان حاضراً ثم فر كما عبر الشاعر فهذه إن كانت منقبة لعمر فهي والعياذ بالله ونستغفر الله منقصة لصاحب الشريعة. . .
لم تكن المرأة إلا جارية سوداء أي أمة متبذلة للخدمة والمهنة ولم تصنع شيئاً إلا أنها
стр. 2252
ضربت بالدف ضرباً حماسياً على عادة نساء العرب من استقبال الفاتحين والغزاة من أبطالهم فانظر كيف وصف الشاعر من ألحانها وتطريبها وانظر مبلغ هذا التفنن والجهل بمقامات الكلام ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هذا قليل من كثير، وحصاة كما قيل من ثبير، ولو أنا تعقبنا هذه العمرية تعقباً تاماً لضاع على قرائنا هذا العدد وأخوان له من بعده ولكن البعرة كما يقولون تدل على البعير، ومن ثم نجتزئ بهذا المقدار في هذا العدد وربما كانت لنا عودة ونختتم القول بأن نضرب المثل لشوقي وحافظ بما قيل، مثل الأديب ذي القريحة مثل دائرة تدار لخارجها فهي في كل دارة تدار تتسع وتزداد عظماً، ومثل الأديب غير ذي القريحة مثل دائرة تدار لداخلها فهي عن قليل تضؤل وتبلغ إلى باطنها والله أعلم.
استدراك
وقع في هذه الكلمة بعض أخطاء مطبعية رأينا أن نبادر بالتنبيه إليها وأن كان قراؤنا من الفطنة بحيث لا تخفى عليهم، بيد أنا ننصح إلى حضراتهم دائماً أن يكلفوا خاطرهم ويتداركوا كل خطأ مطبعي بالتصحيح الذي نلفتهم إليه في كل عدد تلحقه هذه الهنوات التي لا حيلة لنا في البراءة منها وعمال مطابعنا على ما يعلمون - ففي صفحة ١٠٨ (ولا من قوته الذهبية) وصوابها (الذهنية) وفي صفحة ١٠٩ (تواتيه شيئاً) وصوابها (تؤتيه شيئاً) و ١١٠ (حشوه هم) وصوابها (حشوه همم) و ١١٢ (وهو يرى نفسه) وصوابها (وهو يري في نفسه) و ١١٤ (وإنه لو قسم) وصوابها (وإنه لقسم) و (فأي برهان) وهي (فبأي برهان) و (علماء الأنصار) وهي (وعلماء الأمصار) و (طاوس باليمين) وهي (وطاوس باليمن).
(١) على أن للبيان كلمة على حافظ بك باعتبار كونه شاعراً على النحو الذي نحوناه في الكلام على أحمد لطفي السيد بك ستنشرها في العدد القادم.
стр. 2253
كلمات العظماء
طلب إلينا أن نعود فنتحف القراء بمجموعة من الكلمات الطيبة الخالدة التي تستوقفنا في أمهات الكتب وتضاعيف الأسفار بين كلمة فاه بها رجل عظيم في موطن عظيم مثله أو كلمة نابغة عرضت لكاتب كبير أو مؤلف خالد أو نادرة أرسلها فيلسوف مشهور أو ملك كبير أو قائد جبار، ولعل الكلمة الواحدة تقوم مقام موضوعات متشعبة وتثير خواطر لم تخطر من قبل على أحد ببال، وسنفتتح هذه الكلمات دائماً بكلمات من أحدايث سيدنا رسول الله ﷺ ثم نردفها بأخرى مأثورة لنبي كريم أو قطب من أقطاب الدين تيمناً بها واعتباراً بما تنطوي عليه من المعاني الإلهية المقدسة.
قال رسول الله ﷺ :
ما هلك امرؤ عرف قدره
هذه الكلمة هي رأس الحكمة بل هي أساس صلاح العالم كله سواء في ذلك الأفراد والشعوب، فلولا جهل المرء أو الشعب قدره لما عانت الأفراد والشعوب ما عانت وتعانيه مذ خلق الله آدم أبا البشر إلى يوم يبعثون، وقد قال الأول من عرف نفسه عرف ربه، وقال أبو الطيب:
ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى
وقال رسول الله: كفى بالسلامة داءً
من أبلغ ما سمع، يريد رسول الله أنه إذا امتد بالمرء العمر وبلغ من الكبر عتياً كان هذا الكبر نفسه المسبب عن السلامة والعافية داءً من أخبث الأدواء لما يستتبعه الكبر من الضعف والتهشم وما إليهما، وفي معناه يقول الشاعر حميد:
(١) وثمة معنى آخر لعله يريده ﷺ وهو أن الحياة الإنسانية مبنية على أن بعض الضعف نافع لها فلو سلم الإنسان من الأدواء فكفي سلامته داء لأنها تفسد فيه بعض الغرائز الكريمة فيبطر ويطغى إلى غير ذلك مما يشاهد في أهل الغرور وذلك من أخبث الأدواء النفسية.
أرى بصري قد رابني بعد صحة ... وحسبك داء أن تصح وتسلماً
ويقول آخر:
كانت قناتي لا تلين لغامز ... فلأنها الأصباح والأمساء
стр. 2254
ودعوت ربي بالسلامة جاهداً ... ليصحني فإذا السلامة داء
وقال زهير:
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمى وليس برامي
فلو أنني أرمى بنبل رأيتها ... ولكنني أرمي بغير سهام
وقال رسول الله:
الصبر عند الصدمة الأولى
وهذه الكلمة أوضح من أن تستوضح، وقال ﵇:
إياكم وخضراء الدمن
تمام الحديث: قيل وما ذاك يا رسول الله، فقال: المرأة الحسناء في منبت السوء - وأصل الدمن ما تدمنه الإبل والغنم من أبعارها وأبوالها فربما نبت فيها النبات الحسن الناضر وأصله في دمنة خبيثة قذرة، وأكل هذا النبات مؤذ - ضرب رسول الله هذا النبات مثلاً للمرأة الجميلة الوجه اللئيمة المنبت، قال أبو عبيد أراد فساد النسب إذا خيف أن تكون لغير رشدة.
وقال رسول الله:
المرأة كالضلع إن رمت قوامها كسرتها وإن داريتها استمتعت بها.
الضلع العود فيه ميل وانحناء، وفي معناه استوصوا بالنساء خيراً فإنهن خلقن من ضلع أعوج - وهذا على الكناية، وقال السيد الرسول:
ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقاً الموطأون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون، ألا أخبركم بأبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجالس يوم القيامة الثرثارون المتفيهقون.
قوله الموطأون أكنافاً قال ابن الأثير: هذا مثل وحقيقته من التوطئة وهي التمهيد والتذليل وفراش وطيء لا يؤذي جنب النائم، والأكناف الجوانب، أراد رسول الله الذين جوانبهم وطيئة يتمكن فيها من يصاحبهم ولا يتأذى ولا ينبو به موضعه، والثرثارون أي الذين يكثرون الكلام تكلفاً وتجاوزاً وخروجاً عن الحق والمتفيهقون توكيد للثرثارون من فهق الغدير امتلأ ماء فلم يكن فيه موضع مزيد - يريد رسول الله الصدق في المنطق والقصد
стр. 2255
وترك ما لا يحتاج إليه، ومصداق ذلك قوله لجرير بن عبد الله البجلى يا جرير إذا قلت فأوجز وإذا بلغت حاجتك فلا تتكلف.
من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر
لسيدنا السيد المسيح صلوات الله وتسليماته عليه - جاء في الأصحاح الثامن من إنجيل يوحنا ما معناه: ثم حضر السيد إلى الهيكل صباحاً وجاء إليه جميع الشعب فجلس يعلمهم ثم قدم إليه الكتبة والفريسيون امرأة أمسكت وهي تزني فقالوا له يا سيد هذه المرأة أمسكت وهي تزني في ذات الفعل وقد أوصى نبي الله موسى أن مثل هذه ترجم فماذا تقول أنت - قالوا هذا ليمتحنوه كي يفرط منه ما يؤاخذونه به ويلاحظونه عليه - فأطرق السيد صلوات الله عليه وأخذ ينكث الأرض بأصبعه وأخذوا هم يلحون في تسآلهم فانتصب السيد ثم قال هذه الكلمة السماوية الخالدة التي سرت مسرى الأمثال واحتذاها كتاب الغرب ووضعوا في معناها من الروايات ما لا يكاد يحصي ومن هذه الروايات رواية ماجدولين للروائي الشهير ولكي كولنز وهي تلك التي كان ينشرها البيان في العام الماضي - وهذه المرأة كانت تسمي مريم المجدلية، وقريب من معنى هذه الكلمة قول السيد المسيح أيضاً.
هلّا أخرجت الخشبة التي في عينك ثم أخرجت القذى الذي في عين أخيك وهي من الكلمات الحكيمة التي لا خفاء بها.
القوة في العمل أن لا تؤخر عمل اليوم لغد، والأمانة أن لا تخالف سريرة علانية واتقوا الله فإنما التقوى بالتوقي ومن يتق الله يقه.
لسيدنا الفاروق عمر بن الخطاب ﵁، ومن قوله:
إذا كنت في منزلة تسعني وتعجز عن الناس فوالله ما تلك لي بمنزلة حتى أكون أسوةً للناس، وقال ﵁:
إنما مثل العرب مثل جمل أنف فلينظر قائده حيث يقوده، فأما أنا فورب الكعبة لأحملنّهم على الطريق.
الجمل الأنف الذي لا يريم التشكي أي يديم التشكي من فعل الخزامة التي توضع في أنفه يريد أن العرب على الرغم من أنفتهم وإبائهم أن يساقوا بالقوة سأحملهم على الطريق الحق قوة واقتساراً ولا أبالي.
стр. 2256
ذاك أوقع له فيه
روي أن قوماً ذكروا لعمر رجلاً فقالوا يا أمير المؤمنين فاضل لا يعرف من الشر شيئاً فقال ذاك أوقع له فيه.
الخطيب بوالو: من كبار الكتاب الفرنسيين في القرن السابع عشر.
(مثل الشرف كمثل جزيرة قفر مترامية لا ساحل لها ولا مرسى فمن خرج منها فلا يستطيع لها عوداً!)
(الطعام الذي يعاد تدفئته وتسخينه لا يساوي شيئاً)
(انظر إلى الإنسان في ثوبه الحقيقي، فهو أبداً يتنقل من أبيض إلى أسود، ينقض في الصباح ما أقر في العشية، أبداً تلقاه قلقاً نزوعاً عدواً لنفسه، يغير في كل لحظة آراءه كما يغير زيه وبزته، اليوم في قلنسوة وغداً في قبعة، ولفحة واحدة من الهواء تسوءه وقد تقتله).
(لا أعرف إلا ثلاثة: كورني وموليير وأنا!)
هذا ما أجاب به بوالو إذ سئل كم رجل عظيم أخرجه عصر لويس الرابع عشر.
فانبرى له إذ ذاك من سأله، ولكن ماذا تقول في راسين؟ فأجاب لقد كان رجلاً آية في الاجتهاد وكنت أعلمه بكل مشقة كيف ينظم شعراً. . .!
وكان بوالو يبعد كثيراً في فضيلة الصراحة، فقد حدث أن لويس الرابع عشر، الملك العظيم كما يلقبونه دفع إليه يوماً بضعة أبيات من نظمه وسأله أن ينبئه برأيه فيها فلم يكن من بوالو إلا أن قال، ليس في العالم شيء يستحيل على جلالتكم فقد أردت أن تنظم قصيدة غثة فنجحت!. . .
ولعل هذه الجرأة أشد ما قذف في وجوه الملوك.
وجاء إليه كاتب قبل وفاته بآن قريب برواية تمثيلية ليرى فيها رأيه، وكانت تمت إلي السخف والتفاهة بسبب فلم يسع بوالو إلا أن قال له أتريد بروايتك هذه أن تعجل منوني!. . .
(إذا استبطأ الجلوس قدوم رجل ينتظرونه فلا يلبثون أن يتذكروا سيئاته قتلاً للوقت).
- وكان هذا جواب بوالو إذ سئل عن سبب دأبه على أن يحضر إلى الموعد الذي يضرب
стр. 2257
له في اللحظة المحدودة!
الكردينال ريشيليو
(أروني ستة أسطر كتبها أخلص المخلصين وأنا مستطيع أن أجد فيها ما يبعث على شنقه!).
وهذه الكلمة دليل على قوة عارضة الرجل وبراعته في التخريج والتأويل.
فردريك الكبير، ملك بروسيا:
(لو أردت أن أعاقب ولاية من ولايات دولتي وليت عليها الفلاسفة. . .)
قال هذه الكلمة عندما كان فولتير قد أساءه وكان إذ ذاك يضطغنها عليه
(أنا فوق النحو)
قالها إذ لاحظ عليه فولتير كثيرة وقوعه في اللحن إذا نظم أو كتب
وكذلك كان نابليون وكان يتشفع لذلك قائلاً إن رجلاً أكثر دأبه النظر في شؤون الشعب لا يستطيع مراعاة قواعد الإملاء والنحو.
(سيدي، إنك أخطأت في مخارج ثلاث كلمات)
قالها دي فافرا إلى كاتب الجلسة وهو يقرأ عليه الحكم بإعدامه.!
ولعل هذا من أغرب ما علم من ثبات العظماء!
(احترمي العبء يا سيدتي)
قالها نابليون لسيدة إذ كانت تأمر جماعة من العبيد - يحملون أحمالاً صعداً إلى ربوة عالية - أن يدعوا الطريق لنابليون
(لو كان حياً لجعلته أميراً)
قالها نابليون عن كورني وكان أكبر شعراء الفرنسيس المتقدمين.
وقد ذكر الشاعر جوت هذه الكلمة ثم أردفها بالكلمة الآتية: وإن كان نابليون لم يقرأ حرفاً واحداً من شعره.
(إني أغزو المدائن والبلاد وجوزفين تغزو القلوب والأرواح!)
قالها عن زوجته:
(أردت أن يكون البحر الأبيض المتوسط بحيرة فرنسية)
стр. 2258
قالها وهو في منفاه:
(ألا تتكرمون يا سادة بإطلاق الرصاص!!)
قالها متهكماً وقد عتبوا عليه إنه لم يراع الأدب في أمر الجند بإطلاق رصاصهم!
وإنني لأخاف ثلاث صحف سيارة أكثر من مائة ألف سيف!!)
الرحمة خور في الطبيعة
قالها محمد بن عبد الملك الزيات وزير الواثق العبّاسي - وكان رجلاً قاسياً حجّالجيّ المذهب وله حكايات في ذلك ليس هذا موضعها وهو أول من أحدث التنور لتعذيب خصومه فيه وفي هذا التنور عذبه المتوكل حتى فاظ مات فيه.
الجماع جنون وحسب الرجل أن يجنن نفسه مرة واحدة في كل عام
لأبي مسلم الخراساني.
стр. 2259
الأحزاب الروسية
التي خلقت الثورة والتي ناوأتها
من أعجب أحداث هذه الحرب الكبرى أن تتمخض في قطعة من الأرض عن ثورة أهلية لم تكن في حسبان أهلها من قبل، فتدول دولة حكومة مطلقة كان الذي يعيشون تحتها يظنون أنهم مذعنون إليها يد الدهر، وهذه الثورة ونعني بها النهضة الروسية لا تعد صالحة إلا إذا قام على أطلال الحكومة القيصرية الذاهبة صروح متينة شامخة من الرقي والتهذيب والإصلاح، لأن الثورات الأهلية لا يحكم عليها إلا بنتائجها، وعلينا أن نرتقب زمناً طويلاً للبناء، لأن البناء متراخي الزمن يعوره من المهلة والأناة والحيلة والدأب مالا يعوزه الهدم.
ونحن ننتهز هذه الفرصة فنبسط للقراء بياناً مجملاً عن الأحزاب التي تعمل للنهضة ليكون هذا معجماً للناس إذا مرت بهم أخبار روسيا في عرض الصحف، أو قرأوا عنها ما يروقهم في الكتب والمجلات.
حزب الكماريلّلا
هذا الاسم يطلق عادة على أهل المبادئ الرجعيين من الرجال والنساء الذين كانوا يحوطون القيصر وفيهم السياسيون، ومن بينهم القواد وفي غمارهم الكنيسيون والقساوسة، وفيهم النزاعون إلى ألمانيا وكانوا قبل إبان الثورة يعملون في الخفاء لإقامة صلح بين الدولتين وآخرون منهم مثل راسبوتين همهم إحراز السلطة والاغتناء وإفعام خزائنهم بالمال وجيوب أشياعهم والمحسوبين عليهم ولم تكن قرارات القيصر وأفعال القيصرة إلا رهينة تأثير هؤلاء القوم ولم يكن مستطيعاً أي أمر لا يرتضونه أن يصل إلى مسمع القيصر أو يقع على مرأى القيصرة.
حزب الثنوفنيق
هم عمال الحكومة القديمة الأصاغر - ولا سيما رجال الشرطة المنشورون في روسيا طولاً وعرضاً، وهم يتكاثرون عديداً ولما كانت رواتبهم ضئيلة استعانوا بالرشوة والأعطية ونهب الناس ولعل قسوتهم وغشهم وإرهاقهم وحيلهم هي العامل الأكبر الذي أساء سمعة الحكومة القيصرية عند الفلاحين وملايين الناس الذين أنقضت هذه القسوة ظهورهم ولذا كان أول الخطوات التي خطتها الحكومة الجديدة هي أن تحذف هذه الفئة حذفاً وتقضي على
стр. 2260
أثرها المفسد كل القضاء.
حزب المائة السوداء
اسم يطلق على أشد حزب الرجيعين رجعية وأكبر أنصار القيصر وصنائعه، وأفراد هذا الحزب رجال من أهل النفوذ والمناصب وكانوا يستخدمون ألعن الوسائل للقضاء على الوطنين والحربين وطالما ذهبت نفوس وسالت مهج وارتكبت شنائع بأمرهم وتأثيرهم وأول من طال نفوذهم واتسع سلطانهم عام ١٩٠٥ عندما خابت الثورة التي حاول الأحرار إثارتها في ذلك العام ونفوذ هذا الحزب لا يزال باقياً على الرغم من دأب زعماء الثورة في إبادتهم، وهم اليوم قد عادوا يدسون الدسائس ويعقدون المؤامرات لرجعة العرش.
طبقة البورجوا أو الطبقات الوسطى
هذا الاسم هو الذي يطلق على الطبقة الوسطى في الثورة الفرنسية ولكن هذه الكلمة اتخذت لها معنى جديداً في روسيا منذ بدء الثورة فأصبحت تطلق على كل جمع من الناس يعرف عنهم أن مصالحهم السياسية وأميالهم الاجتماعية لا تتفق وأميال الجماهير وهم لهذا متهمون عند الثوريين وكان من هذا أن اعتبر كثيرون من المفكرين وأصحاب الأذهان السامية ضمن هذه الطبقة وفي هذا خطر شديد على الكتاب والمفكرين، وهذا الخطر نفسه هو الذي وقع في الثورة الفرنسية، فطيح بكثير من الفلاسفة والكتاب فوق الجيولوتين.
حزب البولثفيكي
هؤلاء جمع مركب من عدة عناصر من الأحزاب الأهلية الفوضية المختلفة، ولهذا فهم ليسوا حزباً مؤتلفاً منظماً، وأشياعهم يمتون إلى أحزاب متعددة، وهم لذلك مختلفو الرأي في كثير من الموضوعات الاجتماعية والاقتصادية ولكن مبدأهم الأول الذي تضافروا عليه هو العمل والاستعداد للذهاب إلى أبعد حدود التطرف ولو إلى القتل في سبيل غايتهم، وهم السبب في المجازر التي وقعت في الأيام الأخيرة في طرف بتروغراد وهم القابضون على أزمة الحكومة اليوم.
حزب اللينينيث
حزب صغير من الاشتراكيين ولكنه أكثر الأحزاب عملاً ونشاطاً وقد استمد اسمه من
стр. 2261
زعيمه نقولا لينين وكان هذا الرجل قبل الثورة اشتراكياً صميماً ثم أصبح بعد الثورة أكبر دعاة الصلح بأي ثمن وأية وسيلة وأكبر المنادين لعقد صلح منفرد بين روسيا ودول الاتحاد وقد اتهم بأنه صنيعة من صنائع الألمان وأنه يتقاضى منهم أجراً على دعوته فأمرت الحكومة الوقتية بإلقاء القبض عليه فتمكن من الهرب، ومنذ ذلك التاريخ أصبح طريد القانون فانتشر أفراد حزبه طرائق بعد ذلك ولكنه مع ذلك استطاع أن يقيم في عدة أنحاء من المملكة مظاهرات ضد تلك الحكومة وكانت مبادئه الاشتراكية ودعواته الشديدة الحماسية هي التي فشت في الجيوش الروسية فبعثت على رجعة الجنود على جاليسيا ومن ريجا وقد استطاع أن يجعل الجنرال كورنيلوف تحت إمرته وأذناً واعية لمبادئه، ويعتقد في روسيا أنه منذ اختفائه يشتغل جندياً في صفوف جنود ذلك القائد.
الزمستفوس
هي مجالس منتخبة في كل قسم من أقسام المملكة وهم قوم عقلاء يعملون لصالح روسيا وهم لا ريب الذين نشروا في الأمة الرغبة في إقامة حكومة مستقلة وكان البرنس جورج لوف أول وزراء الحكومة الوقتية من أكبر أنصار هذه المجالس الشورية وهو الذي قام بتشكيل مجتمع كبير عام من كافة أحزاب الزمستفوس في أشد عهود هذه الحرب وأرهب المواطن التي وقفتها جيوش الروس - وكان من هذا المجتمع أن قام بتوريد جميع الأغذية والميرة والذخائر والإسعافات الطبية للجيوش في الميدان.
وهناك أحزاب وفرق وطرائق متعددة أقل شأناً من هذه بين رجعية وناهضة أغفلنا ذكرها لأنها قلما تجيء في الأنباء والصحف.
стр. 2262
يوميات قائد بحري
هذه اليوميات التي ننشرها اليوم للناس هي أبدع ما خرج في هذه الحرب إذ هي مذكرات حقيقية يلتقي فيها الحب بالقصص ويجتمع في تضاعيفها المأساة بالدرام، وهي خليقة بأن تنسب إلى عقل روائي عظيم كعقل فيكتور هوجو وهي دليل قائم على أن الحقيقة قد تكون أغرب من الخيال.
وواضع هذه اليوميات هو اللفتنننت كولونل هانز فون تير بنجر قائد الغواصة نمرة ١٣، وكانت وفاته منذ عدة أسابيع وتناقلت صحائف الغرب خبر موته لأنه قضى منتحراً إذ قتل فجأة وهو لا يدري الفتاة الجميلة التي كانت خطيبته، عندما نسف سفينة أبيها وقتل رجال غواصة شقيقها، فثار الحزن بفؤاده فلم يتمالك جأشه في الغداة ولو ين أن قذف بنفسه من أعلى سطح الغواصة إلى اللج المتقاذف واختفى في لحظة عن عالم الفضاء إلى قاع الأوقيانوس فلما عادت الغواصة إلى مربضها جمع رجالها متاع القائد ومن بينها هذه اليوميات التي كان يحرص عليها أشد الحرص، وأودعوها ذمة صديق له قريب في كوبنهاجن.
واليوميات طويلة شائقة تقع في مجلد، ومفعمة بالملاحظات والقطع الرائعة ولكن الجزء الذي نشر في الصحف منها هو الذي نبسطه الآن للقراء. . . . .
٥ مارس سنة ١٩١٤
لم يكن أبهج لدي وأعز فرحة منذ قدومي إلى ستكهولم من لقائي بصديقي سفن لارسن إذ صادفته وهو يرتشف رشفات القهوة في رحبة الملهى، فانطلقنا إلى داره وهناك التقينا بوالده لارس لاسن ووالدته وشقيقته مينا وقد رأيتهم قوماً كراماً محببين جذابى النفوس، أما الوالد فشيخ ممراح يملأ جو المكان الذي ينزل به ضحكاً ولهواً والفتاة صبيحة الوجه حسناء المعارف أذكرتني إذ وقع بصري عليها بالفتاة جريتشن في رواية فوست التي شهدت تمثيلها ذات يوم لا أذكره.
ورأيت أن سفن قد اطلع كثيراً ودرس جملة من العلوم منذ آخر عهدي به في المدرسة وأصبح يحدث الجلوس بلهجة الثبت الثقة في كل موضوع وفن، وكان الحديث الذي دار بيننا في تلك الجلسة الفكهة عن الجمال ولعل ذلك وحي من وحي نظرات شقيقته، فسألتها
стр. 2263
إذ ذاك أن توقع لنا نغماً على المعزف البيانو.
فلم تتدلل ولم تتمنع، وإنما سألتني في مقابل النزول لي عن ملتمسي أن أغضي النظر عما أجده من النقص في توقيعها وقامت في الحال إلى البيانو وأطلقت أناملها تلعب بالنغم لعباً فبعد أن وقعت بضعة ألحان معروفة سألتها مرة أخرى أن تضرب لنا لحناً من بتهوفن فأنشأت توقع لحن ضوء القمر وكان أعز الألحان لدي وأبهجها لنفسي وانطلقت روحي في عالم الحلم والخيال، وكان توقيع الفتاة جميلاً، وكان السحر الذي فعلته في فؤادي عظيماً. . . . .
٥ إبريل سنة ١٩١٤
أيكون في الدنيا بأسرها سعادة أكبر من السعادة التي أحسها الآن. . . . أن مينا تحبني وقد نبأتني ذلك اليوم، لقد مضت ثلاثة أسابيع وأنا لا أستطيع أن أجمع شوارد خواطري وأوابد أحلامي فأدونها في يوميتي بل جعلت أنظر إلى صفحاتها البيضاء مذهول اللب لا أستطيع أن أستنزل ما في صدري صدر الصحف ومضيت أعجب كيف أنني لم أتبين فيها نظراتها المفعمة بالحب، وكيف كنت أبله أحمق إذ لم أتشجع من قبل فأسألها أن تكون لي. .
مينا. . .! لي. . . . إلهي هل أنا جدير بهذه النعمة الكبرى، أتراني خليقاً بأن أظفر بهذه المنحة الإلهية وهي قلب مينا. . . .؟
٢٠ يوليو سنة ١٩١٤
ألقيت بالقلم جانباً ولبثت أتسمع صيحات الغلمان باعة الصحف وهم يعدون في الشارع في هذه الساعة الواهنة من الليل، إنهم يصرخون بأن الحرب موشكة أن تقع وكانت الجريدة التي يبيعونها تريد أن تقنع قراءها بأن من المحتمل أن تساق أوروبا بأجمعها إلى حرب كبرى من جراء شكاة النمسا من الصرب. . . ياللسخافة وياللتكهن!! إن حرباً أوروبية تنشب اليوم لا تكاد تلبث أسبوعاً حتى تجر الخراب والإفلاس إلى كل شعب ومملكة، إني سأذهب إلى المضجع فأهبط في وادي النوم هادئاً لا خوف ولا رهب من هذه الحرب الموهومة.
أما إذا وقعت الحرب حقاً، فإنني من رديف البحرية، وأعلم علم الغواصات وأنا إلى الحرب
стр. 2264
ذاهب ولا ريب وقد كنا في هذا المساء في حديث طويل أنا وسفن عن الغواصات وكان هو كذلك يعلم خافية أمرها ويرى أنها ستدخل في الحرب وستقوم بالجزء الأكبر منها، وكان هذا هو الرأي الذي اجتمعنا عليها في هذا المساء. . . .
٣١ يوليو سنة ١٩١٤
لقد تحقق المستحيل ووقع المحظور، وقامت الحرب وأنا غداً شاخص إلى كييل ولعل إصدار الأمر إلي بالسفر إلى كييل هو في سبيل خدمة الغواصات.
أما والد مينا ووالدتها - لهما الله - فقالا أنهما لا يعتقدان الحرب ماكثة أسبوعاً أو أسبوعين على الأكثر وأنه إذا خمدت الحرب بعد تلك المدة القصيرة وعدت إليهما تزوجت من الفتاة على الفور.
٣٠ سبتمبر سنة ١٩١٤
للمرة الثانية منذ تلقيت قيادة الغواصة رقم ١٣ عدت إلى كييل طلباً للوقود والميرة ومع ذلك لم أتلق كتاباً من مينا!
أترى خطابي لم يبلغ إليها ولكنها تعلم أنها تستطيع أن تكتب إلي من كييل، لا يعقل أنها طردتني من فؤادها بهذه السرعة، كلا إنها مخلصة القلب نبيلة الفؤاد عظيمة الذهن فلا تطاوعها النفس على أن تحل رجلاً غيري مكاني من قلبها لمجرد أنني بعيد عن نظرها ولكن من يعلم. . . . رباه. . . إن هذه الخالجة من الشك تحرق فؤادي. .
في الرابع والعشرين من أغسطس أغرقنا سفينة.
والتهم اليم من رجالها وكانوا مئة، اثنين وعشرين رجلاً، واتفق أن الموج قذف إليها على لوح من الخشب صبياً من البحارة متشبثاً للنجاة مجاهداً، فالتقطناه من اليم وإذا به لا يكاد يعض على الثانية عشر، وعلمت من الصبي أن أباه وأخوه له ثلاثة ذهبوا إلى فرنسا وأنشأ الصبي يقول. . . وبقيت أنا الرجل الوحيد في الأسرة. .
فسألته عما إذا كان يشعر بحزن لتركه أمه، ولعله لم يكن لديه من الوقت من قبل سعة للتفكير فيها، فلما أذكرته الآن ذلك انفجرت عيناه دمعاً وأجهش بالبكاء وطلب العودة إلى وطنه وجعل يحدثني أنه أفلت من الأسرة ناسياً أن أمه وشقيقته مفتقدتاه محزونات عليه.
стр. 2265
قلت مواسياً الطفل: أتعدني إذا أرسلتك إلى وطنك أنك غير فاعل أمراً آخر يجرح فؤاد أمك؟
فأجاب أعدك ذلك يا سيدي، إني لأعدك كل شيء إلا. . . . . . وهنا تمهل متردداً
قلت. . ماذا. . .؟
قال. . . إلا. . . إلا. . إلا أن يحول شيء بيني وبين قتال أولئك الألمان الملاعين. .!
فضحكت ملء قلبي وعجبت كيف يلقي الأطفال كراهية الشعوب ولعل الصبي تعلم ذلك من والدته. .
وفي المساء بعينه أشرت إلى سفينة نرويجية كانت تمخر العباب ونقلت الصغير إليها بعد أن استوثقت من القبطان بأن ينزله ساحل وطنه فسر القبطان ذلك وأنبأني أنه كان شاخصاً بالصدفة إلى لندن وكانت قرية الفتى عن كثب منها، والآن أسائل نفسي هل ترى الصبي تاركاً أحد هؤلاء الألمان الملاعين في نجوة من شره إذا وقعت في يديه. . . . .
بلغني الآن منذ آونة بأنني سأتلقى قيادة غواصة كبرى فلم أندم على تركي هذه الغواصة رقم ١٣ لأنها لم تكن تعجبني. . . . .
١٥ أكتوبر سنة ١٩١٥
الأيام الثلاثة التي مضت كانت أرهب الأيام في حياتي ولن تمحي ذكراها من خاطري.
لم تكن الغواصة التي استلمت قيادتها وهي الغواصة رقم ٣٤ أرحب صدراً من تلك المسكينة التي تركتها وأفخم حالاً فقط بل كان بحارتها أقل وحشية من أولئك وأرفق قسوة ثم زد على ذلك أن معي صديقي العزيز فرتزلونج، وهو يتلوني في القيادة. . .
وعجيب من القضاء والقدر أن يعبث بنا هذا العبث ويقذفنا بتلك الدعابات، إنني عندما تركت استوكهولم لم يكن فرتز قد تلقى بعد الأوامر بالانضمام إلى الصفوف وجعل يقول: وإذا دعيت إليها أبيتها إذ كان يعد الحرب عودة إلى الوحشية ذهابة بالمدنية، مفسدة للكولتور الذي أقمناه ورفعنا بنيانه، ولم يكن في دعاة السلم من هو أشد حمية منه.
فلما سألته ماذا غيّره وأحاله جندياً، أنشأ يقول بصراحته المعتادة: لم أتغير ولم يتبدل ذهني، إنني لا أزال أعد الحرب جرماً وفعلة خاطئة ولكن ماذا أصنع لقد وجدتني زنبلكاً صغيراً في وسط ملايين من قطع هذه الماكينة العظيمة التي يسمونها الوطن. . ومن العار الأكبر
стр. 2266
أن لا يؤدي هذا الزنبلك الصغير عمله والأداة متحركة دائرة ولذلك ها أنا ذا. . .!
كان الثالث عشر من أكتوبر يوم شغل شاغل إذ كنت موكلاً بتوصيل رسالة من أهم الرسائل إلى انجلترا، وكانت في رمز علمت منه أنها تختص بالحصر البحري وكان عليّ أن أدفع بها إلى ربان سفينة سويدية نبئت أنها تبعد عشرة أميال من ثغر يار موث وعليه هو أن يتم الباقي، ولما كانت الرسالة ينبغي أن تكون لدى الربان في الساعة الثامنة من المساء ولم يبق على الموعد إلا خمس ساعات أطلقت لقاربي الحد الأقصى من سرعته.
وستبقى الخمسة أميال الأخرى ماثلة في خاطري يد الدهر، فقد سدد أحد القوارب الانكليزية المستكشفة المرمى علينا ولكنه أخطأنا بأربعين ياردة، فغطسنا في الحال وأجبناه بناسفة من نسائفنا.
ويلوح لي أن الطوربيد أصاب مخزن بارود تلك السفينة.
ولم أجد من الوقت متسعاً لإنقاذ القوم، لأن الرسالة التي كلفت بها كانت تستحثني فتركتهم لأمرهم يفعل القضاء بهم ما يريد. . .
أول يناير سنة ١٩١٥
كنا على قاب قوسين أو أدنى من الهلاك في أول أيام العام الجديد لو لم تنقذنا المعجزة، فقد كادت تهوى بنا سفينة كبرى من سفن الأعداء.
وذلك أنني قبل وشك الساعة الثالثة من الصباح انطلقت أستلم من فرتز نوبتي في الحراسة، وكان يرقب الغواصة الليل كله، ولم يغمض لي جفن طول تلك المدة، ولم يأخذ عيني الكرى، وأسهدتني وساوس مختلجة في صدري من تلك الوساوس التي تهجس في الخاطر، قبل وقوع مصاب، أو حادث سيء، ذلك الإحساس الأليم الذي يشعر به الإنسان من حين إلى آخر قبل نزول النازلة، ولكن كنت أرد السبب إلى ذكرى مينا وكنت أوجس شراً أن يكون قد ألم بها أمر أو وقعت لها ملمة، ولم تستطع الصلاة، ولم يغن الابتهال - ذلك البلسم العذب الذي يدمل جراحات النفوس ويطفئ آلام الذهن - عني في تلك المرة شيئاً، ولم يفد في تخفيف جزعي، وتهدئة اضطرابي.
وكان فرتز قد أنهكه التعب، فسره أن يفلت من الحراسة ومضى إلى مخدعه طلباً للراحة، ولم يكد يتركني، حتى سمعت صوتاً لا يجهله رجال الغواصات، صوتاً بدا خافتاً ولكنه عاد
стр. 2267
يشتد شيئاً فشيئاً، وهو صوت حركة آلة باخرة، وكنا نسير في رفق غاطسين في اليم نحواً من خمسة عشر قدماً، وللحال حولت مجرى الغواصة بعيداً عن جهة الباخرة واقتربت قليلاً من سطح الماء، لأستخدم المنظار وتبينت فوق دائرة ذلك المنظار شكل السفينة.
أول إبريل سنة ١٩١٥
يلوح لي أن في هذه المجزرة شيئاً من البهجة والسرور فقد أصبح لديّ إرسال ناسفة في طريقها إلى الموت أمراً لا يزيد في تأثيره عن قذف كرة الكركيت إلى الناحية الأخرى من الملعب، وما أشبه تهالك النفوس على الباخرة المغرقة وسقوطهم إلى اليم كتساقط الأهداف إذ تصدمها الكرة.
كنت علم الله أريد لهواً، وأطلب سلوى، إن مينا لم تبرح في ذاكرتي ولا أزال أحملها في خفقة فؤادي، وفي هذا القنص تحت أديم الماء ما يهدئ من ثائرة ذهني بعض الهدوء، وقد قال لي فريتز إن من حسن حظي أنني لست مولعاً بالشراب وإلا لقد كنت عليه ملحاً، وكنت سأكون من السكر منزوفاً طول الوقت وقد حاولت أن أجد في هذه اليوميات العزيزة عليّ، مانعاً يحول بيني وبين الجنون. . . .
٣٠ مارس سنة ١٩١٦
تراءت لي مينا ليلة الأمس في الحلم، وعلى الرغم من كثرة ما شغلت خاطري بتذكارها طول نهاري، وعديد ضراعاتي وصلاتي من أجلها كانت هذه أول مرة بانت لي في الرؤيا. .
لقد كان حلماً مضطرباً مشوشاً ولم أستطع أن أتذكر إلا اليسير منه، إذ أفقت ويلوح لي أنه حلم مزعج يحمل في أثره شراً وسوءاً لأنه قد ترك أثراً حزيناً وظلاً ثقيلاً على القلب.
في السابع والعشرين من هذا الشهر أغرقنا سفينة نرويجية تحمل لحوماً من الأرجنتين وقد كنا أنذرناها بقنبلة فلم تعتد بالنذر فأرسلنا إليها أخرى فأطارت جهازها اللاسلكي، والفضل في ذلك للرامي هالبرت، فهو يعتز بأنه لا يرسل رسولاً من رسل الموت إلا بلغ هدفه، وإذ ذاك وقفت السفينة وهرع البحارة إلى قوارب النجاة، فأطلقنا على الجارية ثلاثاً أخرى فأجهزت عليها، وانطلقنا نعين القوم ونرعى القوارب ورأينا أنهم على مسافة قصيرة من
стр. 2268
الساحل، مقدارها مائتا ميل فزدناهم ميرة وأمددناهم بكفافهم من الطعام والشراب، إذ كانت أحمال سفينتهم من اللحوم قد غرقت معها.
وكان من بين البحارة رجل قزم أصفر البشرة، أسود الشعر أشبه شيء بالإسباني منه بالنرويجي. . وسمعناه يغمغم لغة من اللغات إذ ابتعد القارب عنا.
قال إيجلو أحد بحارتنا وكان منه قريباً: إنه يريد أن يذهب الإمبراطور إلى الجحيم!
قال هالبرت وقد وضع يده على مسدسه: هل تأذن لي يا سيدي بأن أرسل هذا الرجل إلى الجحيم ليعلن أهلها أن جلالة إمبراطورنا يرفض الذهاب إليها!
وكان هذا القول المجوني منه جداً وعزماً صادقاً.
قلت اسأله وكيف عرفت أنه يقول سوءاً عن الإمبراطور؟
فأجاب: إني سمعته لأني أعرف النرويجية!
وكان القارب لحسن الحظ قد انطلق عنا مبتعداً فلم أر إلا أن أقول: لعلك مصيب رجلاً غيره إذا أنت أطلقت الرصاص على هذه المسافة الكبيرة.
وكنت لا أريد أن أظهر أمام البحارة شيئاً من عدم الاكتراث لإهانة سخيفة كهذه، ولكني مع ذلك كرهت أن يقتل رجل من أجل كلمة طائشة لا معنى لها. . . . . .
٢ إبريل سنة ١٩١٦
رأيت مينا في المنام مرة أخرى، وكان حلم الأمس ذاك الحلم الفائت بعينه وأنا الآن مستطيع تذكر الحلمين، رأيت مينا في رفقة أبيها وسفن شقيقها، وكانت أمها في الناحية الأخرى بمكان قصيّ بعيد، وكانت واقفة تشير إلى مينا تطلب قدومها إليها، وكانت ذراعا مينا متفتحتين إليّ تطلبان احتضاناً، ولكني عندما هممت بالذهاب إليها وقع انفجار هائل، أخفاها قليلاً عني، ولكن لم يلبث أن تبدّد الدخان فرأيت مينا واقفة بجانب أمها، ترسل القبلات بأناملها إلى وجنتي وإلى أبيها وشقيقها.
قال صديقي فرتز عندما أنبأته نبأ هذا الحلم: إذا كان لهذه الرؤيا معنى فلا يكون ذلك إلا أنك لن تلبث حتى ترى الآنسة مينا.
على أن تفسيره لم يمح ما عراني من الاضطراب لهذا الحلم وما كنت أشعر به من آلام، ولا أستطيع أن أجتنب تخيل مصاب شديد وقع بمينا أو لا شك واقع أو أمر نزل وانقضى.
стр. 2269
٦ إبريل سنة ١٩١٦
لقد قتلت أعز إنسان لديّ على الأرض. . . أنا قاتل مينا. . . غفرانك ربي وعفوك. . . أواه. . . أواه. . .
١٠ أكتوبر سنة ١٩١٦
مضى زمان طويل منذ ذلك اليوم الرائع الهائل إلى هذه الساعة! لم أكن أعتقد أنني سأعيش هذه المدة المتطاولة، فقد علمت من فرتز أنه وجدني طريحاً والجملة الأخيرة من يوميتي لم تتم وإنني لبثت ثلاثة أيام سوياً في حمى شديدة، أهذي هذيان من به جنة ولم أستطع أن أتمالك جأشي وأعود إلى لبي إلا في هذه الساعة، ولم يكن لدى جلد على متابعة اليوميات إلا الآن.
في السادس من شهر إبريل المنصرم رأيت سفينة سويدية تنوء بأحمالها، راجفة في مهب الريح، تعدو صوب السواحل الانكليزية، فأطلق هالبرت قذائفه فأصابت واحدة منها صاريها فهوى متحطماً إلى أديمها، وأحدث وقوعه اضطراباً عظيماً في السفينة فلاح لنا أنها توشك على الغرق، فلما تدانى قارب النجاة منا، بلغ مني العجب مبلغه إذ رأيت فيه لارسن والد مينا وشقيقها سفن، وعلى الرغم من أنني أحسست أشد الحزن إذ خطر لي أن هذا اللقاء قد كلف الشيخ عظيماً، لأنني لم ألبث أن أوحي إليّ أن السفينة المغرقة هي ولا ريب سفينته التجارية التي كان يصيب الرزق منها، فإنني لم ألبث أن شعرت بروح من السعادة يسري في جميع أجزاء بدني، لأني علمت أنني سأظفر الآن بأنباء عن مينا.
فصحت بهما والقارب لا يزال على بعد مائتي خطوة منا أنشدكما الله أين مينا؟ قال لارسن الشيخ وهو يشير إلى البقعة التي سقطت عندها السفينة هناك!
فلم أدرك المعنى الذي أراده من تلك الكلمة وحسبته يتكلم على سبيل الاستعارة والمجاز كأنما يريد أن يقول أن الفتاة كانت تحب تلك السفينة أشد الحب وأنها ستروح دامية الفؤاد إذ تعلم بنبأ تلك الفادحة ولكنني عندما اقترب القارب وأدركت حقيقة المصاب العظيم تراخت ركبتاي وكدت أسقط لو لم أستند على ذراع هالبرت ورجل من البحارة، فقد علمت
стр. 2270
أن قطعة كبيرة انتثرت من الصارى فصدمت مينا وهي خارجة من حجرتها فأماتتها لساعتها، وأسقطتها تحت الأنقاض وعلم أبوها وشقيقها أن القضاء قد نفذ وشهدا السفينة مسرعة إلى الغرق وأن ليس لهما سعة من الوقت، فلم يجدا لهما سبيلاً إلا أن ينزلا قارب النجاة ويتركا رفات مينا يهوي إلى قاع الأوقيانوس.
فجاهدت قواي وانطلقت بالرجلين إلى حجرتي، وهناك تلقيت منهما تفصيل القصة.
قال سفن شقيقها: فلو أنك كتبت إلينا. . .! أنك لم ترسل إلينا إلا كتاباً واحداً، ثم أعقب ذلك. . .! السكوت التام!.
فصحت عجباً. . لك الله أيها الرجل! لقد كتبت عدة من الرسائل أناشدكم فيها إلا ما أرسلتم إلى تذكاران مينا!. .
قال الشيخ: ولكننا لم نتلق إلا واحدة منها، تلك التي قلت فيها إنك وإن كنت قد دعيت إلى خدمة الغواصات غير متوقع أن تغيب طويلاً عن استكهولم!. .
قلت: ومن كان يظن أن هذه الحرب الملعونة ستطول هذا الأمد الرخيّ كله؟
قال الشيخ: لقد حاولت مينا أن تحتمل آلام الفراق بشجاعة وصبر ولكنها عادت تأخذ في النحول والهزال، ولم تكن تشكو ولم تكن تتأوه ثم لم يمض زمن حتى انقطعت عن الكلام عنك دفعة واحدة لأنها كانت تعلم أننا كنا نعتقد أنك قد نسيتها وطردتها من قلبك، ولم تكن تحتمل أن تسمع كلمة سوء من إنسان عنك!
فلما أقبل ديسمبر الماضي، توفي الله زوجتي، وكانت تلك نكبة أخرى أشفقنا منها أن تذهب بحياة الطفلة المسكينة، وقد ذبلت الوجنتان وغارت العينان، فاشتريت تلك السفينة - تلك التي أغرقتها منذ لحيظات - وأجمعت على أن أصحب مينا في سفراتي واستعنت على قيادة الجارية بسفن.
وكنا عائدين من الساحل الغربي لإفريقيا نحمل أحمالاً إلى انجلترا وكان قضاء ثلاثة أشهر في عرض البحر كافياً لكي يرد لون الورد إلى وجنة الفتاة، وأوشكت مينا أن تعود إليّ جمالها الأول، كآخر عهدك برؤيته، ولاح لنا الابتهاج مسرع إلينا وإننا لكذلك - وتلك عجائب القدر - إذ بك قد عرضت لنا في طريقنا، فبددت هناءنا إلى الأبد!
فما سمعت من الرجل أن زوجته قد توفيت، تذكرت الحلم وما تراءت لي فيه تلك المرأة
стр. 2271
الصالحة فنبأته بالخبر كيف أنني رأيتها واقفة عن كثب تشير إلى مينا أن تقدم إليها وإنني رأيت بعد الانفجار مينا بجانب أمها، تقذف في الهواء قبلات حارة إلينا.
فتبادلنا العزاء، ما استطعنا سبيلاً إليه، وأمددنا قارب الرجلين بالميرة الواجبة فركباه شاخصين إلى الساحل الانكليزي.
وعمدت إذ ذاك إلى يومياتي، أدون أحداث اليوم، ولكنني لم أكد أخط سطرين، حتى علت عيني غشاوة مظلمة، وأعقبها النسيان المطلق، ولما فتحت عيني مرة أخرى بعد ثلاثة أيام رأيت فريتز وكمفر بجانب سريري، وجعل فريتز يقول لي: إنه كان مجمعاً إذا أنا لم أفق على أن يقود الغواصة إلى مربضها لكي يكفل لي من التمريض العناية التامة.
الله للرجلين، ما أكرم فؤاديهما. . . . .
١٢ إبريل سنة ١٩١٧
ليكن عدد ما في يومياتي هذه من الكلم سخطات ولعنات، ماذا أصبح العالم الآن في ناظري. . . . جحيماً وعذاباً مقيماً. . .!
مينا من قبل ثم الآن شقيقها بل صديقي الكريم عليّ سفن لارسن وعشرة من بحارته!. . لقد كرهت رسل الحرب ومستطيريها.
الواجب، الواجب، لا شيء غير الواجب، لا كلمة واحدة تقال عن الإنسانية!!
القتل والنسف، والتحطيم والتدمير بالقذائف والمهلكات، يوماً فيوماً، حتى يستدير العالم، وتستحيل دورة السنين، رباه، ما أشد سآمتي اليوم من كل ذلك، وما أكرهني فيه، ولم كل هذا التقاتل والتطاحن، لا شيء إلا أن حاكماً لا يريد أن يذعن إلى حاكم آخر. . . .!
والآن إذا كان لا بد من القتل، فإنني سأقتل كنمر مفترس، سأحطم كل شيء في طريقي، إلى الجحيم رجال الحرب جميعاً، إذن فسأجيد القيام بواجبي، سأكون وحشاً ضارياً. . .
٢٥ مايو سنة ١٩١٧
لا بد من أنني كنت مجنوناً إذ كتبت الجزء الأخير من يومياتي
إنني لا أتذكر مطلقاً أنني كتبتها، ولم أفتح يومياتي منذ ذلك العهد إلا الآن.
كان سفن ولارسن والده ضابطين على سطح الباخرة آدا، فلما نزلا قارب النجاة بعد الغرق،
стр. 2272
ثار الجنون برأس سفن من أثر هذه المجازر التي أحدثتها فوثب من القارب طافراً إلى عنقي يريد أن يدقه، وكان هالبرت بجانبي فضربه فوق رأسه بمؤخرة مسدسه فسقط سفن منحدراً إليّ أليم فوثبت وراءه، ولكنه كان قد هوى إلى الأعماق ولا يزال في إغمائه، وبحثنا عنه كثيراً فلم نعثر بأثر منه.
أما والده المسكين، وقد فقد زوجته وطفلته وابنه - فلم يعتب ولم يلم، كان فؤاده في أشد اليأس، فجلس في مكانه من قارب النجاة يهز رأسه في صمت، ولبثت أرقب القارب وهو يبعد عنا ذاهباً في صميم الأمواج، فشهدت الرجل من خلال المنظار لا يزال يهز رأسه.
إن بعض العزاء الذي أشعر به الآن أستمده من الجلوس ملياً أمام صورة مينا وقد جللتها بالسواد وببضعة أبيات في رثائها، نظمتها في خاطري، ما أعجبني كيف استطعت تصويرها بريشتي في هذه الصورة الحية الرائعة. . .!
هنا انقطع سير اليوميات فجأة.
وقد حدث أحد البحارة الذين كانوا في السفينة النرويجية الملقبة فوكلاند والتي أغرقتها الغواصة بعد ذلك بما رأي من جنون القائد وكيف قذف بنفسه إلى اليم ولا تزال تجري على شفتيه هذه اللفظة الرائعة مينا! مينا!.
стр. 2273
آداب
دعا طلحة بن عبيد الله - وكان من أجود قريش - أبا بكر وعمر وعثمان رحمة الله عليهم أجمعين فأبطأ عنه الغلام بشيء أراده فقال طلحة يا غلام فقال الغلام لبيك فقال لا لبيك، فقال أبوبكر ما يسرني أني قلتها وأن لي الدنيا وما فيها وقال عمر ما يسرني أني قلتها وأن لي نصف الدنيا وقال عثمان ما يسرني أني قلتها وأن لي حمر النعم وصمت عليها طلحة فلما خرجوا من عنده باع ضيعة بخمسة عشر ألف درهم فتصدق بثمنها - فتأمل مبلغ أدب القوم ولا جرم فقد أدبهم المصطفى ﷺ وأحسن تأديبهم -
ومر عمر بن الخطاب ﵁ على رجل من القراء متقشف متماوت فخفقه بالدرة وقال له أمتّ علينا ديننا يا هذا، فانظر كيف كان بصرهم بالإسلام وإشفاقهم عليه أن يحرف عن موضعه وأن يدال من عزه ذلاً ومن قوته ضعفاً كما يظن كثير من أهليه اليوم ن ويروى أن رجلاً قدم على رسول الله ﷺ فأسلم ثم قال يا رسول الله إنما أؤخذ من الذنوب بما ظهر وأنا أستسر بخلال أربع الزنا والسرقة وشرب الخمر والكذب فأيهن أحببت نزلت لك سراً فقال رسول الله دع الكذب فلما ولى من عند الرسول هم بالزنا فقال يسألني رسول الله فإن جحدت نقضت ما جعلت له وإن أقررت حددت فلم يزن ثم هم بالسرق ثم هم بشرب الخمر ففكر في مثل ذلك فرجع إلى رسول الله وقال قد تركتهن جمع.
стр. 2274
أحداث الشهر
الرزء العظيم
فقيد مصر المرحوم حسن جلال باشا
أفجعتنا الأقدار في أوائل هذا الشهر مارس سنة ١٩١٨ وأبت علينا إلا أن يختطف منا ريب المنون رجلاً عظيماً من رجالات القضاء، وشيخاً جليلاً من مشيخة القانون، فاهتدمت من حياتنا السامية المهذبة ركناً ركيناً كنا به أعزة رافعي الرؤوس، وكنا من سيرته النقية القوية الطاهرة نتلقى دروساً عالية تكاد تكون المثل الأعلى في العفة والتقى والنزاهة وقوة اليقين.
وكذلك أرادت الأقدار إلا أن نعيش لنرى رؤوساً كبيرة من تعتبط بعضها إثر بعض فلا نكاد نغتبط بظهور رجل عظيم وقدوة صالحة تحتذى حتى ينزو القضاء فيسترد ما أعطي ويدعنا عزلاً في هذه الحياة عارين من كل ما ينعشنا ويسمو بنا إلى مستوى الجماعات الفرحة المبتهجة المدلة برجالها النافعين.
ولو نحن ألقينا نظرة في تاريخنا الحديث لألفيناه مجموعة من انتظار رجل عظيم والإشفاق من سرعة فقديه، فنحن أمة محزونة لا يكاد يندمل جرح من جروحنا حتى ينفتح بجانبه جرح جديد.
مات حسن جلال باشا - رأس كبير في القضاء وفي الخلق فتوارت صورة جميلة من الصور التي يجب أن ترتسم الحياة على غرارها، وليس ثمة عجب من أن يكون الرجل القاضي بين الناس عدلاً إذا كانت الحياة التي يعيشها بريئة غير متهمة بإثم من الآثام التي يقضي فيها، إذ كان حسن جلال باشا رجلاً تقياً نقياً صالحاً لم تدنس صحيفته معابة من المعابات التي لا يخلو تاريخ العظماء من واحدة منها.
لقد نشأ الفقيد نشأة صالحة وغذي من تربة قوية وعاش دهراً في بلاد الغرب فلم تستطع مفاتنه أن تحدث أثراً في حياة الرجل لأنه كان يعرف قيمتها في نفسه، وإذ ارتفع إلى منصة القضاء علم إن راحة ضميره تعدل العلم بأسره فلم يرض أن يعيش هو في حرب بينه وبين ضميره لكي يجعل ضمائر المجرمين في هدوء بينهم وبين نفوسهم، فعاش حتى أخريات أيامه رجلاً يأخذ من نفسه حتى يري الناس كيف يجب أن يعيشوا ولا يدع حياته
стр. 2275
تجري في أساليب عيش الناس.
إن موت رجل نافع مثل الفقيد خسارة كبرى ولا سيما إذا كان رجلاً عدلاً لأن الناس يأبون إلا أن يكونوا فيما بينهم ظالمين ومظلومين، فلا جرم أن يكون عالم القضاء حاداً على الفقيد وعالم الناس في مأتم على قاضيهم، بيد أن ما يجعل العزاء قريباً إلى النفس ويجعل صبر المحزونين أن لا يزال من آل جلال رجل من طراز الفقيد، رجل كله كذلك فضل وتقى ونزاهة وعلم وإباء، رجل يستطيع أن يقول لنا ها أنا ذا أخي بينكم! -: ونعني به الرجل الطيب القلب الكريم المحتد على بك جلال شقيق فقيدنا والقاضي بالمحكمة المختلطة اليوم - فإذا كان الميت قد مات فليحي الحي، وليعش عيشاً طويلاً هنيئاً رغداً.
ولو كنا الآن في سبيل تعداد مآثر جلال باشا لجئنا بموسوعات عنه ولاستطردنا طويلاً في تعداد مناقبه ولكنا نترك ذلك الآن مرتقبين الكتاب الممتع الذي سيخرج عن قريب بفضل رجل أديب مهذب من مريدي الفقيد وهو حضرة صاحب العزة محمد توفيق أبو طالب بك باشكاتب محكمة مصر الأهلية الابتدائية.
стр. 2276
مطبوعات جديدة
التفسرة
أي الاستدلال بالبول على أحوال المرض
كتاب قيم في نوعه، وموضوعه يدل عليه عنوانه، وضعه العالم النطاسي الدكتور أحمد عيسى بك، والدكتور ليس بحاجة إلى التنويه به وبفضله وأنه من نوابغ الأطباء المصريين الممتازين الذي يحق لنا أن نفخر بهم، وثمن الكتاب ٢٠ قرشاً وهو يطلب من جميع المكاتب.
стр. 2277
العدد ٤١ - بتاريخ: ١ - ٤ - ١٩١٨
стр. 2278
صفحة من تاريخ الأندلس
الشهامة الإسلامية والفتوة العربية
كتبها خصيصاً لمجلة البيان العالم البحاثة المحقق حضرة صاحب السعادة
أحمد زكي باشا سكرتير مجلس الوزراء
لما انقسمت كلمة المسلمين بالأندلس آذنهم الله بزوال ملكهم وذهاب ريحهم فتقمم الولاة والقضاة والعمال والثوار بقايا ذلك الملك الطويل العريض وادعى كل منهم المملكة لنفسه في البقعة الصغيرة التي احتازها.
بل نرى بعضهم قد ألف أول جمهورية إسلامية (كما حدث في قرطبة مع بني جهور) والبعض الآخر ألف حكومة ثنائية على الشكل الذي كان معروفاً عند الرومان باسم (كما حدث في بلنسية ما بين مبارك ومظفر العامريين) وكان من العجائب اشتراكهما في الملك ولا تنافس بينهما حتى أنهما لم يمتازا إلا في الحرم خاصة وقد ذكر ابن دراج القسطلي شاعر الأندلس هذين الرجلين في قصيدة له بقوله:
وأظفرت آمالي بقصد مظفر ... وبورك لي في حسن رأي مبارك
ولكن اشتد أمرهما وحرصهما في الجباية وأضرا بالناس فاستغاثوا إلى الله فهلك مبارك متردّياً عن فرسه، وضعف مظفر بعده فأخرجه أهل بلنسية فانتزا بشاطبه.
أولئك هم ملوك الطوائف، كان كل واحد منهم يطمح في أن يتغلب على جميع أقرانه ويجمع الملك كله في يده ليجعل نفسه خليفة الله في أرضه وليورث الخلافة بنيه من بعده، فكانوا مع ضعفهم وضآلة ملكهم في خصام وعراك لا يكاد أن ينقطعان، هذا إلى انغماسهم في حمأة الترف وهويهم إلى الحضيض الأوهد من الشهوات.
نعم وقد كان ملوك الإسبانيين في جهات الشمال كذلك منقسمين بعضهم على بعض ولكنهم استفادوا من تشاحن العرب وتطاحنهم، فكانوا يجمعون كلمتهم عند الحاجة لإضعاف العرب ثم يعودون على خصوماتهم ومنازعاتهم إلى أن تتجدد الحاجة فيجتمعوا لسحق العرب وإذلالهم، وبهذه الوسيلة تمكنوا من استخلاص طليطلة التي هي مفتاح الأندلس الإسلامية.
ذلك أنه عند انقراض الخلافة الأموية من قرطبة، كان القاضي في مدينة طليطلة رجلاً اسمه ابن يعيش فاستبد بالأمر فيها ونادى بنفسه ملكاً عليها ولكنه لم يلبث إلا قليلاً حتى قام
стр. 2279
عليه بنو ذي النون - وكان لهم شوكة وعصبية في شرق الأندلس - فانتزعوا الملك منه وقاموا بشأنه خير قيام، وفي أيامهم تقدمت المدينة وبلغت من السعادة المادية والأدبية درجة تغبط عليها.
(١) هذه البيانات لم يطلع عليها أحد من الباحثين والمنقبين قبل الآن، ولم يذكرها مؤرخ عربي أو غربي، وقد ظفرت بها في كتاب المغرب بأخبار المغرب لابن سعيد الأندلسي الشهير وكتابه بخط يده محفوظة بقاياه القليلة بدار الكتب السلطانية، وفي خزانتي الزكية نسخة مأخوذة عنها.
وكان واسطة ملوك هذا البيت هو المأمون بن ذي النون فإنه تغلب على كثير من ملوك الطوائف وأضاف من أملاكهم إلى ملكه وصنع بطليطلة من العجائب ما تكفل به التاريخ وبسطناه في موضع آخر من محاضراتنا على حضارة الإسلام في الأندلس.
وفي أيام المأمون هذا كان معاصره فردينند الأول قد تمكن من التملك على ثلاثة من ممالك الإسبانيين وهي قشتالة وجليقية وليون، فاستفحل أمره وقويت شوكته وحينئذ توجهت أنظاره إلى غزو ملوك الطوائف وتوسيع مملكته على حسابهم فتقدم بجيوشه نحو قلعة هنارس الكائنة بالقرب من مدينة وادي الحجارة فاستغاث أهلها بالمأمون بن ذي النون لأنه أقوى ملوك الطوائف، غير أنه كان في خصام مستمر مع مناظره المعتمد بن عباد فلم يشأ أن يزيد فوق أكتافه عدواً جديداً بل رأى من السياسة أن يستميله ليتمكن من إذلال ابن عباد والقضاء على دولته، لذلك لم يعبأ المأمون بتقدم فردينند الأول وفتوحه في بلاد الأندلسيين من جيرانه بل ذهب بنفسه إلى معسكره وسأله الصلح وأرضاه بكل ما طلب، ثم تقدم إليه في أن يشن الغارة على ابن عباد ليقتلع دولته من إشبيلية، فلما رأى ابن عباد هذا الخطر الداهم، مع علمه بعجزه عن مقاومة هذه الجيوش، بادر هو أيضاً إلى الدخول في صلح فردينند وفرض على نفسه إتاوة سنوية يؤديها إليه وقدم له هدايا جليلة، فأنعم عليه فردينند بما طلب.
ولقد بلغ من انقسام ملوك الطوائف بعضهم على بعض أن المأمون وضع جيوشه تحت تصرف فردينند هذا فذهب بها وبجنوده يشن الغارات عليهم حتى بلغ أبواب بلنسية، فاستفحل أمره وأمر دولته إلى أن كان سبباً في سقوط طليطلة نفسها.
стр. 2280
ومن العجائب أن سقوطها كان بسب أكرومة فعلها المأمون بن دي النون مع ابن فردينند هذا فعادت هذه الأكرومة عليه وعلى دولته بالو بال وكانت سبباً في زوال ملكه وضياع الأندلس كلها من يد المسلمين، ذلك أن فردينند لما أحس بدنو أجله في سنة ١٠٦٥ م (٤٥٨هـ -) قسّم مملكته وهي قشتالة وجليقية وليون بين أولاده الثلاثة: دون شانجه ودون غرسيه والأذفنش، غير أن الأول اغتصب نصيب أخويه وحاز المملكة كلها لنفسه ففر غرسيه ولاذ بابن عباد في إشبيلية فأمده بالمال والرجال لاسترجاع نصيبه، وأما الاذفنش فقد هرب من الدير الذي حبسه فيه أخوه بمدينة برغش واستجار بالمأمون ابن ذي النون فأكرم مثواه وخصص له قصراً فاخراً في أرباض طليطلة خلف النهر، ولا تزال خرائبه موجودة للآن بقرب محطة السكة الحديد ناطقة بما كان فيه من عظمة وجلال.
مضت الأيام والشهور وهذا الأمير الإسباني في ضياف ملك المسلمين على أحسن حال، وقد روى مؤرخو الافرنج أن المأمون ذهب في يوم من الأيام مع رجالاته وكبار قواده إلى زيارة هذا الضيف الكريم فأخذوا في المسامرة والمنادمة في روضة القصر ثم جلسوا تحت الأشجار الوارفة الظلال وهبّ عليهم النسيم العليل، فنام الأمير الإسباني أو تناوم بينما كان سادات العرب يتجاذبون أطراف الحديث حتى انساقوا إلى الكلام على حصانة المدينة واستحالة أخذها مهما كانت قوة الجيش الذي يهاجمها، ففرطت عند ذلك كلمة من أحد القواد كانت هي القاضية! فقد قال إن العدو مهما فعل بالمدينة فلن يتأتى له أن ينال منها شيئاً اللهم إلا إذا عول على طرقها سبع سنوات متواليات لإفساد ما حولها من الزروع والغلات، فحينئذ يكون من أهون الأشياء عليه اقتحامها إذ يكون الجوع قد فعل بها أفاعيله.
تنبه المأمون بن ذي النون لهذه الفلتة وتفطن سادات العرب لما فرط من صاحبهم وأوجسوا خيفة أن يكون ضيفهم الإسباني متناوماً لا نائماً فيكون قد وعي الوسيلة الوحيدة التي يمكن بها للإسبانيين امتلاك هذه المدينة الحصينة المنيعة، فأخذوا يستخبرون النائم ولكنه أغرق في الغطيط وزاد في التناوم وبالغ في التماوت حتى اطمأن بالهم وظنوا أنه لم يدر ما دار بينهم من الحديث، ولقد بالغ الافرنج في رواية هذا التماوت إلى درجة لا تقبلها العقول فقد زعموا أن العرب تخيلوا أنه وقف على أسرارهم فأرادوا أن يقتلوه ولكن شهامتهم أبت عليهم أن يسفكوا الدم الحرام ولاسيما دم الضيف بغير الحق.
следующие страницы →