← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

مطبوعات جديدة التفسرة أي الاستدلال بالبول على أحوال المرض كتاب قيم في نوعه، وموضوعه يدل عليه عنوانه، وضعه العالم النطاسي الدكتور أحمد عيسى بك، والدكتور ليس بحاجة إلى التنويه به وبفضله وأنه من نوابغ الأطباء المصريين الممتازين الذي يحق لنا أن نفخر بهم، وثمن الكتاب ٢٠ قرشاً وهو يطلب من جميع المكاتب.

стр. 2277

العدد ٤١ - بتاريخ: ١ - ٤ - ١٩١٨

стр. 2278

صفحة من تاريخ الأندلس الشهامة الإسلامية والفتوة العربية كتبها خصيصاً لمجلة البيان العالم البحاثة المحقق حضرة صاحب السعادة أحمد زكي باشا سكرتير مجلس الوزراء لما انقسمت كلمة المسلمين بالأندلس آذنهم الله بزوال ملكهم وذهاب ريحهم فتقمم الولاة والقضاة والعمال والثوار بقايا ذلك الملك الطويل العريض وادعى كل منهم المملكة لنفسه في البقعة الصغيرة التي احتازها. بل نرى بعضهم قد ألف أول جمهورية إسلامية (كما حدث في قرطبة مع بني جهور) والبعض الآخر ألف حكومة ثنائية على الشكل الذي كان معروفاً عند الرومان باسم (كما حدث في بلنسية ما بين مبارك ومظفر العامريين) وكان من العجائب اشتراكهما في الملك ولا تنافس بينهما حتى أنهما لم يمتازا إلا في الحرم خاصة وقد ذكر ابن دراج القسطلي شاعر الأندلس هذين الرجلين في قصيدة له بقوله: وأظفرت آمالي بقصد مظفر ... وبورك لي في حسن رأي مبارك ولكن اشتد أمرهما وحرصهما في الجباية وأضرا بالناس فاستغاثوا إلى الله فهلك مبارك متردّياً عن فرسه، وضعف مظفر بعده فأخرجه أهل بلنسية فانتزا بشاطبه. أولئك هم ملوك الطوائف، كان كل واحد منهم يطمح في أن يتغلب على جميع أقرانه ويجمع الملك كله في يده ليجعل نفسه خليفة الله في أرضه وليورث الخلافة بنيه من بعده، فكانوا مع ضعفهم وضآلة ملكهم في خصام وعراك لا يكاد أن ينقطعان، هذا إلى انغماسهم في حمأة الترف وهويهم إلى الحضيض الأوهد من الشهوات. نعم وقد كان ملوك الإسبانيين في جهات الشمال كذلك منقسمين بعضهم على بعض ولكنهم استفادوا من تشاحن العرب وتطاحنهم، فكانوا يجمعون كلمتهم عند الحاجة لإضعاف العرب ثم يعودون على خصوماتهم ومنازعاتهم إلى أن تتجدد الحاجة فيجتمعوا لسحق العرب وإذلالهم، وبهذه الوسيلة تمكنوا من استخلاص طليطلة التي هي مفتاح الأندلس الإسلامية. ذلك أنه عند انقراض الخلافة الأموية من قرطبة، كان القاضي في مدينة طليطلة رجلاً اسمه ابن يعيش فاستبد بالأمر فيها ونادى بنفسه ملكاً عليها ولكنه لم يلبث إلا قليلاً حتى قام

стр. 2279

عليه بنو ذي النون - وكان لهم شوكة وعصبية في شرق الأندلس - فانتزعوا الملك منه وقاموا بشأنه خير قيام، وفي أيامهم تقدمت المدينة وبلغت من السعادة المادية والأدبية درجة تغبط عليها. (١) هذه البيانات لم يطلع عليها أحد من الباحثين والمنقبين قبل الآن، ولم يذكرها مؤرخ عربي أو غربي، وقد ظفرت بها في كتاب المغرب بأخبار المغرب لابن سعيد الأندلسي الشهير وكتابه بخط يده محفوظة بقاياه القليلة بدار الكتب السلطانية، وفي خزانتي الزكية نسخة مأخوذة عنها. وكان واسطة ملوك هذا البيت هو المأمون بن ذي النون فإنه تغلب على كثير من ملوك الطوائف وأضاف من أملاكهم إلى ملكه وصنع بطليطلة من العجائب ما تكفل به التاريخ وبسطناه في موضع آخر من محاضراتنا على حضارة الإسلام في الأندلس. وفي أيام المأمون هذا كان معاصره فردينند الأول قد تمكن من التملك على ثلاثة من ممالك الإسبانيين وهي قشتالة وجليقية وليون، فاستفحل أمره وقويت شوكته وحينئذ توجهت أنظاره إلى غزو ملوك الطوائف وتوسيع مملكته على حسابهم فتقدم بجيوشه نحو قلعة هنارس الكائنة بالقرب من مدينة وادي الحجارة فاستغاث أهلها بالمأمون بن ذي النون لأنه أقوى ملوك الطوائف، غير أنه كان في خصام مستمر مع مناظره المعتمد بن عباد فلم يشأ أن يزيد فوق أكتافه عدواً جديداً بل رأى من السياسة أن يستميله ليتمكن من إذلال ابن عباد والقضاء على دولته، لذلك لم يعبأ المأمون بتقدم فردينند الأول وفتوحه في بلاد الأندلسيين من جيرانه بل ذهب بنفسه إلى معسكره وسأله الصلح وأرضاه بكل ما طلب، ثم تقدم إليه في أن يشن الغارة على ابن عباد ليقتلع دولته من إشبيلية، فلما رأى ابن عباد هذا الخطر الداهم، مع علمه بعجزه عن مقاومة هذه الجيوش، بادر هو أيضاً إلى الدخول في صلح فردينند وفرض على نفسه إتاوة سنوية يؤديها إليه وقدم له هدايا جليلة، فأنعم عليه فردينند بما طلب. ولقد بلغ من انقسام ملوك الطوائف بعضهم على بعض أن المأمون وضع جيوشه تحت تصرف فردينند هذا فذهب بها وبجنوده يشن الغارات عليهم حتى بلغ أبواب بلنسية، فاستفحل أمره وأمر دولته إلى أن كان سبباً في سقوط طليطلة نفسها.

стр. 2280

ومن العجائب أن سقوطها كان بسب أكرومة فعلها المأمون بن دي النون مع ابن فردينند هذا فعادت هذه الأكرومة عليه وعلى دولته بالو بال وكانت سبباً في زوال ملكه وضياع الأندلس كلها من يد المسلمين، ذلك أن فردينند لما أحس بدنو أجله في سنة ١٠٦٥ م (٤٥٨هـ -) قسّم مملكته وهي قشتالة وجليقية وليون بين أولاده الثلاثة: دون شانجه ودون غرسيه والأذفنش، غير أن الأول اغتصب نصيب أخويه وحاز المملكة كلها لنفسه ففر غرسيه ولاذ بابن عباد في إشبيلية فأمده بالمال والرجال لاسترجاع نصيبه، وأما الاذفنش فقد هرب من الدير الذي حبسه فيه أخوه بمدينة برغش واستجار بالمأمون ابن ذي النون فأكرم مثواه وخصص له قصراً فاخراً في أرباض طليطلة خلف النهر، ولا تزال خرائبه موجودة للآن بقرب محطة السكة الحديد ناطقة بما كان فيه من عظمة وجلال. مضت الأيام والشهور وهذا الأمير الإسباني في ضياف ملك المسلمين على أحسن حال، وقد روى مؤرخو الافرنج أن المأمون ذهب في يوم من الأيام مع رجالاته وكبار قواده إلى زيارة هذا الضيف الكريم فأخذوا في المسامرة والمنادمة في روضة القصر ثم جلسوا تحت الأشجار الوارفة الظلال وهبّ عليهم النسيم العليل، فنام الأمير الإسباني أو تناوم بينما كان سادات العرب يتجاذبون أطراف الحديث حتى انساقوا إلى الكلام على حصانة المدينة واستحالة أخذها مهما كانت قوة الجيش الذي يهاجمها، ففرطت عند ذلك كلمة من أحد القواد كانت هي القاضية! فقد قال إن العدو مهما فعل بالمدينة فلن يتأتى له أن ينال منها شيئاً اللهم إلا إذا عول على طرقها سبع سنوات متواليات لإفساد ما حولها من الزروع والغلات، فحينئذ يكون من أهون الأشياء عليه اقتحامها إذ يكون الجوع قد فعل بها أفاعيله. تنبه المأمون بن ذي النون لهذه الفلتة وتفطن سادات العرب لما فرط من صاحبهم وأوجسوا خيفة أن يكون ضيفهم الإسباني متناوماً لا نائماً فيكون قد وعي الوسيلة الوحيدة التي يمكن بها للإسبانيين امتلاك هذه المدينة الحصينة المنيعة، فأخذوا يستخبرون النائم ولكنه أغرق في الغطيط وزاد في التناوم وبالغ في التماوت حتى اطمأن بالهم وظنوا أنه لم يدر ما دار بينهم من الحديث، ولقد بالغ الافرنج في رواية هذا التماوت إلى درجة لا تقبلها العقول فقد زعموا أن العرب تخيلوا أنه وقف على أسرارهم فأرادوا أن يقتلوه ولكن شهامتهم أبت عليهم أن يسفكوا الدم الحرام ولاسيما دم الضيف بغير الحق.

стр. 2281

فأرادوا أن يختبروا حالته فتقدم أحد السادات وهزّه بعنف شديد فلم يستيقظ، فجاء آخر وصبّ في يده الرصاص المذاب فلم يتحرك الأمير الإسباني أدنى حركة، قالوا: فكان في هذا البرهان المحسوس على هذا النوم العميق منجاة له من القتل فقد خرق الرصاص يده ولم يتمامل مطلقاً ولذلك لقبه قومه بالملك المخروق الكف، نعم إن فريقاً آخر من مؤرخيهم يقولون أنه إنما لقب بذلك لتبذيره وإسرافه في بذل الدارهم والدنانير. هذا وما زال الأمير الإسباني في ضيافة ملك المسلمين حتى دعاه الأعيان بلاده لتقلد زمام الحكم بعد وفاة أخيه، فتوقف في إجابتهم وعلق قبوله دعوتهم على الاستئذان من ضيفه ووليّ نعمته وحافظ مهجته، فشكره المأمون على هذه المجاملة وقال له ما معناه أنت طليق، وأنا لك نصير! ولقد وجب حقك عليّ منذ لذت بجواري ودخلت في حماي! فلك عليّ أن أزوّدك بما تشتهي من المال وأمدك بمن تريد من صناديد الرجال! عهد أقطعه على نفسي حتى تسترجع عرش أبيك، ولست أطلب منك سوى خصلة واحدة: هي أن تحلف لي بأنك تبقى محافظاً على عهدي فتحترم مملكتي ولا تؤذيني في أهلي وبيتي. فشكره الأمير الإسباني وأقسم له بأغلظ الإيمان على ما أراد، ثم ذهب بجيش العرب وبمال العرب نحو بلاده فتقلد زمام الأحكام باسم ألفونس السادس، وقد لاقى العرب من بعد ما لاقى سنمار، لما سنراه من أفاعيله عما قريب. مازال ألفونس محافظاً على عهده مع المأمون، بل إنه أمده بجنوده في حروبه مع ابن عباد سلطان إشبيلية، فكان ابن عباد ووزيره ابن عمار (الشاعر الأكبر والداهية الأشهر) يواصلان الحيلة والدسيسة حتى أغريا ألفونس السادس بطليطلة وكان بها مغرماً هائماً ولاسيما بعد معرفته التامة بها وبقيمتها الحربية، فقد كان يهجس في ليله ونهاره بطليطلة وبحب طليطلة ولكنه كان يكبح نفسه عن أمانيه وأحلامه إذ كان يذكر عرفان الجميل ووجوب الوفاء بالوعد وضرورة البر بالقسم العظيم، فصار يتربص الفرص وهو يتقلب على أحر من الجمر، حتى وافاه الدهر بما يشتهي، فقد كان من حظّه أن مات المأمون وخلفه ولده هشام فأساء السيرة، على ما يقال، والأرجح أن دسائس ابن عباد وابن عمار من جهة، ومكايد الفونس نفسه من جهة أخرى، فعلتا فعلهما بين أهل البلد حتى جاهروا هشاماً بالعدوان واقتحموا عليه قصره وقتلوا حراسه وحاولوا اغتياله، غير أنه تمكن من الفرار،

стр. 2282

فلجأ إلى الفونس السادس، صنيعة أبيه منذ عهد قريب، فأكرم وفادة هشام وأمده بجيش ساعده حقيقة على الرجوع إلى كرسي مملكته، ولكن هذه المعاونة لم تكن صادرة عن أريحية كاملة كما فعل المأمون مع الفونس بل إن الفونس أخذ من ابن المأمون ثمن هذه المساعدة إذ ألزمه أن يتنازل له عن حصنين منيعين متاخمين لبلاده، على أن هشاماً لم يتمتع بهذا الملك إلا قليلاً من الأيام، ولذلك لم يرد ذكره فيما وصل إلينا من كتب العرب وفي بعض تواريخ الافرنج، وخلفه القادر بالله يحيي: وهو أخوه على قول الافرنج، وابنه على قول العرب، وكان غبياً بخيلاً منحط الطباع فاسد الأخلاق فاغتنم الفونس هذه الفرصة وهاجم المدينة الجميلة التي كان يحلم بامتلاكها، وكان من أعرف الناس بعوراتها وطريقة الاستيلاء عليها نظراً للمدة الطويلة التي أقامها بها في ضيافة المأمون بن ذي النون، ونظراً لما علمه أثناء ما كان متظاهر بالنوم في روضة القصر. فمكث ثلاث سنوات وهو يشن الغارات على طليطلة مكتفياً بقطع الأشجار وإتلاف المزارع وإحراق الأنادر والبيادر بما فيها من الغلات والأرزاق حتى جعل المدينة أشبه بروضة أي واحة في وسط صحراء جرداء قحلاء، وكان يأسر الفلاحين وينقلهم إلى بلاده لكيلا يعودوا لغراسة الأرض وتعميرها حول طليطلة فتعود إليها القوة والحياة. بهذه المثابتة وقعت في قبضته المدينتان المجاورتان لطليطلة وهما مجريط (مدريد الآن) ووادي الحجارة، فبقيت طليطلة منقطعة منعزلة، ولذلك تسرب إليها الضعف والوهن فأصبح الاستيلاء عليها من أسهل الأمور: وحينئذ استغاث صاحبها بابن الأفطس ملك بطليوس وبابن هود سلطان سرقسطة وتمكن بمعاونتهما من صد جيوش الفونس السادس، ولكن هذا الملك عاود المدينة بالتخريب وتقليع الشجر وإتلاف المزروعات حتى تأتت له الفرصة التي كان ينتظرها وحلت الساعة التي كان يترقبها، وحينئذ جاء بجنود لا عداد لها وحاصر المدينة ست سنين ففعل الجوع أفاعيله بأهلها ولذلك طلبوا المفاوضة معه على تقرير الصلح، فأراد القادر أن يكون تحت عهده وفي ذمته ولكن الفونس أبى إلا أن يتسلم المدينة ليجعلها كرسياً لمملكة قشتالة، فلما علم أكابر البلد وحماتها بذلك أجمعوا أمرهم على المدافعة عن وطنهم وأهلهم وتحالفوا على الموت في سبيل الجهاد، غير أن العامة واليهود والمستعربين (أي أهل الذمة من الإسبانيين) ألزموهم بأن ينزلوا على حكم الفونس وأن

стр. 2283

يقبلوا كل ما يريد مهما اشترط ومهما اشتط في الطلب. حينئذ سلمت طليطلة إلى الفونس السادس في ٢٤ مارس سنة ١٠٨٥ (٢٤ ذي القعدة سنة ٤٧٧ هـ -) فدخل بجنوده وجيوشه في موكب حافل يوم ٢٥ مايو من المذكورة (٢٧ محرم سنة ٤٧٨ هـ -) إلى تلك المدينة الجليلة: مدينة الرومان، عاصمة القوط، مصر العرب، وقد أمر بسد الباب العربي الذي دخل منه فهو لا يزال مسدوداً إلى اليوم، واسمه عند العرب باب شقرا ويسميه الإسبان إلى الآن باسمه العربي محرفاً هكذا بيساجرا. وخرج القادر يحيى بن ذي النون منها على أقبح صورة وأفظع سيرة قاصداً عمالة بلنسية التي رضي الفونس بأن يبقيها له إلى حين، فقد بلغ من سخافته أنه بعد ضياع ملكه العظيم أراد أن لا يخرج من طليطلة إلا بعد أن يتخير بنفسه الطالع ويستخبر الكواكب لمعرفة الوقت الميمون المبارك فسار في الشوارع وبيده الاسطرلاب يحسب الدقائق والساعات ويرصد الطوالع والنوازل، فتعجب منه المسلمون وهم يبكون، وضحك منه الإسبانيون وهم به يستهزؤون. سقطت طليطلة في يد الإسبانيين فوجد الأندلسيون من ذلك ما لا يطاق وكانت هذه النازلة سبباً في احتراق قلوبهم وشدة تخوفهم من سوء العاقبة حتى قال شاعرهم العسال: يا أهل أندلس، حثوا مطيكم ... فما المقام بها إلا من الغلط الثوب ينسل من أطرافه، وأرى ... ثوب الجزيرة منسولاً من الوسط ونحن بين عدو لا يفارقنا ... كيف الحياة مع الحيّات في سفط على أن النازحين من أهل طليطلة ما زالوا يستنفرون إخوانهم في بقية أمصار الأندلس ويستنجدون ملوك الطوائف لاستردادها، لذلك يحدثنا التاريخ بما حاولوه من استرجاعها المرة بعد المرة فكانت سراياهم تراوحها وتغاديها، وتصبحها وتماسيها، وتطرق أحوازها ومغانيها، وتحوم حول حماها وتشن الغارات عليها. ومما يجب ذكره في هذا المقام أن الفونس السابع ملك طليطلة خرج لشن الغارة على بعض حصون المسلمين، واتفق في أثناء غيبته أن سرية من سرايا الأندلسيين ذهبت إلى طليطلة فهاجمتها وكادت تملكها، غير أن زوجة الفونس السابع وهي الدونة برنجويلا المسماة أيضاً بيرنجير أفلحت في إنقاذ المدينة منهم فلقد أقدمت هذه الملكة البارعة في الجمال على حيلة

стр. 2284

بلغت من الجراءة مبلغاً ليس له مثيل في التاريخ، فإنها حينما رأت العرب وقد أوشكوا على فتح المدينة عنوة راسلت أميرهم وطلبت منه الهدنة إذ كتبت إليه رسالة هذه ترجمتها: ياوجوه العرب! بأي شرع من شرائع المروة والفتوة، تحاربون امرأة لا حول لها ولا قوة؟ لعمري أن هذا ليس من شمائل قومكم أهل الحمية والنخوة! أفما علمتم أن الملك زوجي قد ذهب لمحاربة إخوانكم في عقر داركم؟ وها أنا قد كاتبته بنزولكم علينا وهو بلا شك سيسارع إلينا، فإن كنتم كما أعهد من أهل النجدة والبأس، فما في انتظاركم ساعة من بأس! وإلا فاذهبوا إلى ملاقاته ومقارعته في جهة أوريجا هنالك يتاح لكم الظهور بمظهر الأنجاد المغاوير! أما إذا بقيتم في هذا المكان فليس لكم من فخار في قتال ربات الحجال! وإنما يحيق بكم الخزي المبين، إذا أقدمتم على امرأة عزلاء ليس لها من ناصر ولا معين. وصلت هذه الرسالة إلى أمير العرب فدبت فيه النخوة العربية فسارع إلى التنصل والاعتذار على أشرف وجه وأنبل أسلوب، مؤكداً أنه لم يكن يعلم أن الملكة كنت وحدها في طليطلة وإلا فإنه ما كان يجيز لنفسه أن يطرق حماها لأنه لم يخطر على باله قط أن يحارب امرأة ولا أن ينتهك حرمتها. ثم عرض عليها رفع الحصار في الحال بعد أن يتشرف بتقديم التحية إليها، حينئذ تقدمت الملكة فوق الأسوار وهي تتجلى كالعروس في أفخر ملابسها وحولها الوصيفات والضاربون بالآلات الموسيقية. فبادر العرب كلهم من وراء الأسوار إلى تقديم مراسم التحية والإجلال، وهتفوا مهللين مكبرين أمام هذا الجمال الساحر ثم انصرفوا تحت جنح الليل، فالتقوا بالملك الفونس في طريقهم فانقض عليهم بجنود لا قبل لهم بها فأفناهم عن آخرهم وكان ذلك آخر العهد بهم. وسنمحص هذه الرواية تمحيصاً تاريخياً علمياً في العدد الآتي، ونردفها بمسألة مشابهة لها من جهة الشهامة العربية، والله ولي التوفيق.

стр. 2285

معبد هيبس وصف هذا المعبد - دلالة الخط الهير جليفي شكوك حول قراءتها - من (رحلة الواحات) لحضرة الاستاذ الشيخ محمد حلمي طمارة أحد خريجي مدرسة القضاة الشرعي لو كان لي قدرة على التصوير لاستغنيت به عن الوصف هنا، لأن صورة معبد (هيبس) تلقى في الإنسان روعة لا تحدثها العبارة، وتحيي في قلبه شعوراً بعظمة الآباء لا يقوى البيان على إحيائه. فتماثيل السباع الرابضة هناك والتي أصابها من التشويه ما أصاب (أبا الهول) تمثل ما كان له من المناعة، وشدة التحجب، وتخيل إلى القادم أنه مشرف على عرين ليوث وغابة أسود، لا قادم على بيت عبادة ودار تنسك. . . وبقية سياج المعبد الخارجي تدل حجارتها العظيمة على ما عاناه بانوها في نقلها. وما قاسوه من جرّاء وضعها في الجدار ورفعها. . . فإذا تجاوزنا ذلك كله وجدنا مجازاً جميلاً على جداره الشمالي صورة امرأة حسناء واقفة أمام رجل، يزعم أهل الآثار أنه آلة النسل - وعلى الجنوبي رجل جلس على كرسيه وخلفه امرأة وأمامه خادم حلق النسر فوق رأسه، يناول سيده الكأس بيمينه، وبين يديه مائدة عليها أباريق الشراب وأواني الطعام ووراء هذا المجاز قصر فخيم وبناء ضخم، يتقدمه بهو جميل، به ست دعائم منها ثلاثة على يمين الداخل ومثلها على شماله وخلف ذلك ردهة بها اثنا عشر عموداً تؤلف ثلاثة صفوف متوازية تنتهي بردهة أخرى بها أربعة أعمدة في صف واحد تتصف بصفة على جوانبها معاهد الآلهة وحجرات النساك وفي إحدى الحجرات سلم إلى السطح ونفق في الأرض، أما زينة المعبد وزخرفه فنقوش جدرانه وسقفه التي شابهت معرض الصور ودلت على نبوغ الأجداد في التصوير وبراعتهم في تأليف ألوانه وقدرتهم على اختراع الصور وحذقهم في تنويعها فمن صائل برمحه على أفعوان، وشاهر سيفه في وجه إنسان، إلى أسرة حول مائدة الطعام وغلام يعاطي مولاه كأس المدام ومن صورة الشمس وشعاعها ذاهب في أنحاء الفضاء، والطيور تحلق في جو السماء إلي متمخضة عن حملها وآخذة بيد بعلها، إلى غير ذلك من صور جامعة بين جسم الإنسان ورأس الحيوان في أزياء تساعد

стр. 2286

المبدع على الإبداع وتهدي المخترع إلى الاختراع وألوان لم تنسخ الأيام آيتها، ولم تنل الدهر جدتها. تلك صورة المعبد وقد كان الواجب يتقاضى البحث عنه من الجهة التاريخية إلا أن تاريخ العصور التي تمخضت عن تلك الآثار يستقى أنباءه من النقوش الأثرية التي بقيت ألغازاً مبهمة وطلسمات معجمة أدهاراً طويلة، إلى أن أعلن اكتشاف (الهيرجليفي) على أثر الوقوع على حجر رشيد فتهللت وجوه أهل العلم لذلك، وظنوا أنهم عثروا على مفتاح التاريخ وفتحوا باب العلم المغلق وربما كان هذا الاكتشاف نافعاً لو بقيت كتب الأقدمين، فأما وليس لنا منها إلا ما بقى على الدمن والأطلال الدوارس، فإن اكتشاف خطهم جاء كآلة قليلة الغناء هذا إذا صحت دلالة ذلك الخط، وفهمت إشارته وساوى في إفادته المعاني سائر الكتابة المقروءة - لكني لا أؤمن بقدرته على تلك الإفادة، وأشك في صحة دلالته على الرغم من كثرة قرائه ووفرة المؤلفين فيه وسهولة تعلمه ونشر طريقته وتعويل علماء العصر عليه وإقرار الجمعيات العلمية لأن طريقة اكتشافه مدعاة للشك، موجبة للريب، فلقد قال لنا مكتشف أنه رأى منشوراً على حجر رشيد مكتوباً باليونانية، ورآه مكتوباً بالمصرية القديمة في ناحية من الحجر ورأى في ناحية ثالثة نقوشاً (هيرجليفية) اعتقد أنها المنشور بعينه، فشرع يستخرج من تلك النقوش الحروف الهجائية لتلك اللغة، وبعد استخراجها قرأ بها سائر الكتابة وفهم دلالتها وكلماتها بعد أبحاث ترجع إلى مثل ذلك - إننا إذا تساهلنا وقلنا أن المكتوب باللغتين المقروءتين، هو المرسوم باللغة غير المقروءة لا نزال نرى أن إخراج الحروف من هذا الحجر، على هذا النحو من الأمور الصعبة. الغريب أن الكتابة المكتشفة لم تكن من نوع الكتابة المعتادة في دلالتها بل كانت على ما يقول مكتشفوها، رموزاً، وإشارات، يختص بها طائفة من رجال الدين، بادوا وبادت دولتهم، قبل أن يطلعوا أحداً على تلك الرموز أو يرشدوا إلى تعليمها بمؤلف مكتوب بلغة معروفة وهذا مما يرجح عندنا أن المنقوش على حجر رشيد (بالهيرجليفي) يخالف المكتوب عليه باليوناني والمصري وإلا لما كان سراً مصوناً عن العامة مضنوناً به على الناس فكتابة المنشورات به تنافي أن يكون سراً محجباً ووضعه على هذه الطريقة يعرض رموزه للحل وألغازه للبيان وهذا ينافي شدة الكتمان.

стр. 2287

إن اكتشاف لغة على هذا النحو أولى بوضاع الروايات الخيالية، منه بطلاب الحقائق العلمية، وقد يصدق الإنسان باختراع لغة ووضعها ويتردد في القول باكتشاف لغة باد أهلها ولم يتركوا لمن بعدهم سبيلاً إلى معرفتها، من كتب تعلم قراءتها ومعاجم تفسر مفرداتها ومؤلفات تهدي قارئ جملها إلى دلالة التراكيب بل ولم يدلوا على حروفها الهجائية ورموزها الأولية ولو جاءنا فرنسي لا علم له بالانكليزية مدعياً أنه استعان بمعاجم الانكليز على فهم شعر. . شكسبير لكذبناه في دعواه، وأقمنا جهله بأصل اللغة برهاناً على كذبه مع اتحاد اللغتين الفرنسية والانكليزية في الأصل والحروف وتقارب بعض المفردات في النطق والمعنى ووجود المعاجم والكتب المساعدة على ذلك فما بالنا نصدق رجلاً لا عهد له بلغة ولا معرفة له بحروفها ولا اجتماع له بأحد من أهلها وليس هناك معاجم تحل مفرداتها على فرض قراءة حروفها فيما هو أبعد من ذلك وأصعب. إن اللغة العربية - وهي لغة دين دعا أهلها لتدوينها والمحافظة عليها ونشرها لا تزال - وقد ضبطنا كل مفرداتها، وجمعنا ما قيل فيها من نظم ونثر، ودونا فيها ما لا يحصى من المعاجم والكتب وأخذناها عن أهلها بالرواية والتلقين والمشافهة والمحاكاة - لا نزال إلى الآن نستصعب فهم الكثير من جملها وربما جهلنا جهلاً تاماً بعض ألفاظها التي جاءت في أشهر وأكرم كتبها كالمقطعات في أول السور، ذلك حال العربية والعناية بها كما علمت - فما ظنك بلغة قوم، كانوا يخفونها عن العامة، ويخصون بها الكهنة الذين انقرضوا دون بذلها لسواهم ومضى على انقراضهم طويل الأزمان والآناء. سوف نسمع نعرة حماسية، من قراء تلك الرموز ومصدقي أنبائها، غير أن الباحث عن الحقيقة يجب أن يروض آذانه على الجلبة والصخب. إننا إذا طرحنا السفسطة، وطلبنا أقوى الحجج على صحة دلالة (الهيرجليفي) لبحثها، وجدناها لا تقوى على تحمل النقد الصحيح فأشياعها يقولون أن قراءة (الهيرجليفي) منتجة باطراد وأن الذين تعلموها يقرؤون بها كل مكتوب، وأن قراءها يتحدون في فهم المراد بها، ولو كانت دلالتها غير صحيحة، لظهر الاضطراب عند تطبيقها، وفقدت دلالتها ولم تشف عن المقصود منها، وفي ألواح كثيرة كتبت بها، وإذا صحت النتيجة واطردت الدلالة، دل هذا على صحة المقدمات الموصلة إليها.

стр. 2288

ذلك أوجه الأدلة عند الأشياع والناظر في هذا النوع من الحجاج يجده من قبيل الاستدلال بسلامة النتيجة، على صحة الفرض وقد علمنا المنطق أن صحة النتيجة لا تستلزم صحة المقدمات، ليس هذا خاصاً بالقضايا النظرية، بل وبالمسائل العملية أيضاً فإن قدماء الميقاتيين والفلكيين، بنوا جميع حساباتهم وتقاويمهم وأزياجهم على فرض أن الأرض ثابتة وأن الكواكب تدور حولها وجاء المتأخرون ففرضوا عكس فرضهم، وأتوا بنتائج مثل نتائجهم وتقاويم لم تختلف عن تقاويمهم ولا يمكن مع القول بصحة النتيجتين، القول بصحة الفرضين لأن ذلك من قبيل الجمع بين الضدين فتوافق قراء (الهيرجليفي) لا يدل على صحة طريقته لا سيما ومكتشفه قد فرضه حقيقة واقعة وشرع يبحث عن طرق إثباتها لا أنه سلك من طرقها إلى غاياتها. قد يكون هذا تهجماً على العلم، وقد يكون جرأة على معارضته وقد يكون سفسطة ضد الحق، وقد يكون كل ذلك غير أنها شكوك تعترضني كلما حاولت قراءة أي باب من تاريخ مصر القديمة فتحول بيني وبين الاندفاع به شكوك تحقر من أسناد ذلك التاريخ في نظري وتقف دونه عقبة اعترضتني فلم أستطع تذليلها، وكم عرضت لي أثناء الدراسة فزهدتني في حفظ درس التاريخ القديم، نفثة على هذا العلم قديماً ملأت صدري وضاق بها ها أنا ذا أنفثها أمام معبد (هيبس).

стр. 2289

الملايو أرسل إلينا هذه الرسالة حضرة الأديب الفاضل حسين أفندي عابدين المقيم بسنغافورة اليوم يسكن الملايو شبه جزيرة ملقا وأرخبيل ماليزيا (جزر الهند الشرقية) الذي سمي كذلك نسبة إليهم، وقد اختلف المؤرخون في أصل هذه الأمة، فقال البعض أنهم من آسيا ثم تفرقوا في الجزر وينسبون اليابانيين إليهم، وقال آخرون أنهم من جزيرة سومطرة، وقال غيرهم أنهم من جزر المحيط الهادي نقلتهم الرياح الشرقية نحو آسيا ولا يزال يوجد قوم من نسلهم بجزيرة مدغشقر. وبتوالي الغزوات على بلادهم قد اختلطوا بالعرب والفرس والهنود والصينيين والافرنج وغيرهم، ولكن لا يزال بسومطرة وملقا وغيرهما العنصر الأصلي خالصاً. وهم يشبهون المغول في السحنة، قصار القامة، أقوياء البنية، طويلو الأصابع رفيعوها، ثقيلو الأرجل في السير أقوياء عليه، كرويو الرؤوس مع انبطاح من الخلف وغزارة في الشعر، قصيرو الأنوف ولكنها واسعة الفتحات، واسعو الأفمام ولكنها غليظة الشفاه جميلو الأسنان مربعو الوجوه، مرفوعو العيون بانحراف نحو الأصداغ (البعض أفقيوا العيون) ناميو عظام الوجنات بارزوها، يقل الشعر في أجسامهم ولحاهم، لون بشرتهم بين الصفرة والسمرة، ثديّ نسائهم صغيرة، ولسن جميلات القوام كالهنديات والمصريات والتركيات وغيرهن. من عوائدهم مضع البتل ويسمونه سيرة وهو ورق نبات كاللبلاب (المعروف بمصر) له مفعول صحي قابض، ويضيفون إليه جو زالا رك ويسمونه بينغ والكاس ويسمونه كافور وثمر شجر الكات ويسمونه كمبير والتمباك ويسمونه تمباكو ومن يراهم لأول مرة وهم يمضغونه لا يظن أنهم يأكلون لحماً نيء تسيل منه الدماء فتشمئز منهم نفسه. وقد كانت أسلحتهم السيف ويسمونه فدغ والخنجر ويسمونه كولوء والسهام المسمومة ويسمونها أنق فانه والسباطانة ويسمونها سمفيتن (وهي أنبوبة طويلة توضع بها قطع صغيرة من الطين الجاف أو غيره وينفخ فيها فتصيب الغرض، وهي تستعمل لصيد الطيور الصغيرة) وغيرها، ولكنهم الآن يستعملون الأسلحة النارية الحديثة. وملاهيهم هي المراهنة بالورق والنرد والشطرنج ومضاربة الديكة وفحول البقر والجاموس والصيد والمبارزة والرقص، والميسر منتشرين بعضهم رجالاً ونساء.

стр. 2290

وهم ذوو صفات غريزية فاضلة، فلرجالها ذكاء متوقد وحماس غريب، عزيزو النفس يترفعون عن الذل، أولو شجاعة قد تقودهم إلى حتفهم، كثيرو الحذر في المعاملات يتهمهم بعض المؤرخين بالخيانة وقساوة القلوب غير أني لا أعرف فيهم إلا الأخذ بالثأر وكظم الغيظ. وهو من الأمم التي تعيش متكلة على غيرها، ترزق من خدمة الأمم الأخرى دون أن تسعى إلى ترقية نفسها بذاتها بل ولا بغيرها. ولهم استعداد فطري للصناعة كالحياكة والصباغة والحفر على المعادن والنجارة، والصياغة، والدباغة، وعمل الأسلحة، ولا يضاهيهم في بعضها غيرهم من الأورباويين. وقد كانت حكوماتهم قبل استعمار الافرنج لها استبدادية ارستوقراطية بمعنى الكلمة فالوالي ويسمونه راج أو تفكو بسر هو الحاكم المطلق، يتصرف فيهم نساء ورجالاً تصرف المرء في عبيده بل أشد. ومنازلهم يصنعونها من الخشب وهي مربعة الشكل تقريباً، ويقيمونها على أوتاد لتقيم تحتها ماشيتهم وسقوفها مائلة ويصنعونها من سعف نخل يسمونه نيفا ومتى صنعت يسمونها أتف. ويلبس الرجال عادة قميصاً قصيراً (لا على الركبة فقط) وسروالاً فوق قماش (كفوط الحمام المعروفة أو كالتي يستعملها بائعو شراب العرقسوس والخرنوب بمصر) ويسمونه ساروغ وعمامة (كالتي يستعملها مكاريو مصر المعروفة عندهم باللاسة) أو قبعة من القش (مخروطية الشكل) وقد يستعملون نعالاً في أرجلهم وتلبس النساء كالرجال تقريباً ولكن بدون سروال، ويضعن فوطة ساروغ على رؤوسهن (وهذا عوض من المئزر) ويرفعنه على أذرعهن إلى محاذاة الوجنتين، ويمسكن طرفيه بأيديهن فيشدونه بحيث تستر حافته وجههن، فلا ترى منه إلا العينين، فهن في ذلك كبعض قرويات مصر، ولهن شغف بالتحلي بالخواتم والأساور والقلائد والأقراط، ويفتخرن بكثرة ما يكتنزنه من الفوط ساروغ فقد تجد عند بعضهن ما يبلغ ثمنه من هذه الفوط فقط سبعين جنيهاً أو أكثر، وقد يبلغ ثمن الواحدة خمسة جنيهات أو أكثر بحسب صناعتها مع أنها مصنوعة من الحرير فقط؟؟!! وقد كانوا يفتدون القتيل بالمال بدل إعدام القاتل، ويبارزون خصومهم، ويشترون نساءهم والرجل له عليها حق مطلق والفقير الغير قادر على الثمن يشتغل مدة معلومة عند أهل

стр. 2291

العروس ويكون عمله عندهم مهرها، ويرث الميت أبناء أخته قبل أولاد أبيه (هذه العادة متبعة للآن عند أهالي مفكابو بسومطرة من المسلمين) وقد احترمت الحكومات المستعمرة هذه العوائد إلى أن زالت ولم يبق منها إلا الأخيرة. وقد كانت الديانة الشائعة بينهم هي الوثنية حتى القرن الثالث عشر (كما يزعم المؤرخون) فقدم إليها تجار من مسلمي الفرس نقلوا إليها آداب العرب وديانتهم، وأول بلد نزلوه هو ملقا، ثم انتقلوا إلى جزيرة سومطرة حيث كانوا بها في عصر ماركوفولو الرحالة الشهير، ثم ازداد نفوذهم في هذه الجزيرة حتى حملوا حكام هذه البلاد على اعتناق الإسلام في القرن السادس عشر (الميلادي)، وبعد ذلك ازداد الإسلام انتشاراً في جميع الجزائر والبر الأصلي. على أنني أظن (كما يظهر لي من بعض الآثار القديمة) أن العرب هم أول قوم دخل هذه البلاد في القرن الخامس الهجري، وأكبر دليل حسي ظاهر أن مذهب الملايوهو الشافعية، أما ملوكهم وهم من أصل مغربي (كما تثبت ذلك الآثار) فقد كانوا مالكيي المذهب، وهم الآن شافعية، وللمغاربة في هذه البلاد آثار قديمة عجيبة. وللغة الملايو لهجات مختلفة وإن كان الأصل واحداً. . وقد شاع استعمالها بينهم وبين التجار على اختلاف أجناسهم ابتداء من القرن الثالث عشر الميلادي. وقد أثرت مخالطة الأجانب لهم في لغتهم، ففيها الآن كثير من أصل هندي (سنسكريتي) وعربي وبرتغالي وإسباني وغيرها، والأكثرية للأولى مع أنهم أخذوا عن الإسلام كلمات عديدة. وقد أخذوا عن العرب حروفهم الهجائية وزادوا عليها حرف ج (جيم بثلاث نقط) وينطق به كحرفي في الانكليزية وتشا في العربية، وحرف غ (غين بثلاث نقط) وينطق به كحرفي في الانكليزية أو نجا باللغة العامية أو نقا في اللغة العربية حسب نطق عرب حضرموت وغيرهم، وحرف ف (فاء بثلاث نقط) وينطق به كحرف في اللغة الانكليزية أو با في الفارسية وحرف ن (نون بثلاث نقط)، وينطق به ككلمة في الانكليزية أو نيا في العربية، وينطقون بالحروف الهجائية العربية كما هي، غير أن الراء ينطقون بها كالغين كما ينطق بها بعض الفرنسيين، والقاف في آخر الكلمة ينطقون بها همزة، ويحذفون الهمزة في النطق

стр. 2292

بحروف الباء والتاء وما تنتهي بهمزة فينطقون بها باتا الخ وكذا حرف الزاي ينطقون به زا. ولا يتغير شكل الكلمات بالتصريف أو الاشتقاق، ولا يثنى الاسم فيها، وفي جمعه يضعون رقم اثنين على كل كلمة يريدون جمعها، مثل كاين؟ ومعناها قماش وأقمشة، وينطقونها كاين كاين ولجعل الكلمة اسماً جامداً أو صفة أو فعلاً مبنياً للمعلوم أو للمجهول يزيدون مقاطع مخصوصة في أوائل الكلمات، وأرقامهم في الكتابة هي نفس الأرقام العربية المستعملة الآن عند الافرنج، وقد انتشرت الآن في بعض الجهات كتابة الملايو بالحروف الافرنجية خصوصاً بين الطائفة المتعلمة في مدارس الحكومات والقسس، ولولا همة البعض لاندثرت الكتابة بالحروف العربية، وقد اشتهر في الكتابة عندهم من الرجال راج علي الأحمدي وراج طاهر ومن النساء راج عائشة وكلهم من العائلة التي كانت حاكمة بجزائر ريهو التابعة لهولنده الآن، ولهم مؤلفات كثيرة مترجمة عن العربية خصوصاً الأخيرة، ونبغ من المولدين السيد شيخ بن أحمد الهادي في لغة الملايو، وليس له إلى الآن غير بعض مقالات وأشعار نشرت في بعض المجلات والجرائد، على أن له الآن همة وعزماً على إتمام ما سيخلده له التاريخ وفق الله الجميع لما فيه الخير. البيان لحضرة صاحب العزة القاضي الفاضل الأستاذ صالح جودت بك رسالة قيمة أتى فيها على كل ما يتعلق بأمة الملايو هذه فمن أراد التوسع في هذا الباب فعليه هذه الرسالة الصافية، وقد أخذنا عنها صورتي السلطان عبد الحميد حليم شاه راجا قدح وهي إحدى ممالك شبه جزيرة ملقا وسمو نجله الكريم والمصور الجغرافي لجميع بلاد الملايو.

стр. 2293

رسائل النساء أو صورة فلسفية من روح المرأة عيناك من الآنسة انطوانيت ليجراند إلى صاحب السيادة الفيكونت هرفيه دي لافريير: إني لأشك الآن يا سيدي هرفيه - إذ أكتب إليك - في أن اسمي الذي ستجده في ذيل هذه الرسالة سيذكرك شيئاً ويحدثك عن أشياء فقد وقعت لك ولا ريب صيدات كثيرة، وتواتت لك مغازلات عدة، بل أنني لأعد خاطئة إذا سميت الشيء الذي وقع بيننا حادثاً، إذ لم يكن لديك شيء يستحق الذكر بل لقد نسيت بعد لحظة تلك الفتاة الصغيرة ذات الثوب الأسود، التي تبعتها ذات ليلة من ليالي الشهر المنصرم في شارع بداسي دانجلا حتى ميدان الأهرام - هل تذكر الآن ذلك - هناك دانيتي فهمت إليّ وحدثتني فإذا بنا قد مشينا ونحن لا نشعر جنباً إلى جنب حتى شارع مدنتورجي، وهو الشارع الذي يلم على دارنا، وقد كنت أنت في ثوب رسمي وفي صدرك ربطة عنق بيضاء وفي حذاءين لامعتين، إني لأذكرك الآن وأتصور جميع ثوبك، ولقد كان يخيل إلي إذ ذاك جميلاً ومعيباً معاً أن أمشي إليك في بهرة الطريق، متحدثين كأننا نعرف بعضنا بعضاً منذ أمد طويل، وكنت إذ ذاك في خجل ولكني كنت مع ذلك في غبطة وابتهاج، ورحت أحدث النفس قائلة، إنه الآن يمشي بجانبي على أعين السابلة ومن حسن الحظ أن اليوم يجود بنفسه وإن الليل يوشك يعم الأرض فهو ولا ريب لا يجدني دميمة ولا يرى ثوبي قبيحاً غير مشرق، فلما عانقتني عناقك الحار وضممتني إليك تلك الضم الشديدة ونحن واقفان في ظل ذلك الباب الكبير - حقاً لقد كنا إذ ذاك في جنة - وسلمت علي للوداع كنت أعلم جيداً أنني على الرغم مما قلت لك سأوافيك إلى الموعد الذي ضربت مساء الغد التالي في الطابق الواقع في شارع التراس، أواه، لو أنك تعلم ماذا اختلج في رأسي واضطرب في فؤادي، بعد تلك اللحظة، فلما قلت لك، ونحن في الطريق عائدين أدراجنا، إنني ليس لي أحباب ولا أعرف عشاقاً، وإنني لم آثم قبل اليوم ولم ألتمس إثماً، ضحكت أنت عن مزاح واهتز شاربك ابتهاجاً واستوقفتني قليلاً وتأملت عيني، وأنشأت تقول، أعاقلة رزينة إلى الآن؟ أتكون عاقلة فتاة باريسية صغيرة مثلك، بتينك العينين وهذا الفم العذب، أعاقلة في الربيع التاسع عشر، ورأيت أنا إنك لم

стр. 2294

تصدقني إلا قليلاً، على أنها كانت الحقيقة الصادقة وأني لا أزال أستطيع عليها قسماً الآن، لو أنك كنت بجانبي، وتستطيع في هذه اللحظة لي تصديقاً لأن هناك لحظات من الزمن لا يجد الإنسان فيها روحاً إلى المزاح أو رغباً في الكذب. أواه، يا مسيو هرفي، إنني الآن في أسوأ حال، وكنت منتعشة القوى، بتوردة الوجنة، عمر الصيف وحياة الربيع، فلما هبت أرواح الشتاء، وطلعت وماكر البرد، عادت إلى ذات الصدر، وأنا أقول لك الآن أنني لم أكن يوماً قوية الصحة، وكيف أكونها، والصناعة التي أحترفها شديدة الخطر على الصدور الرقيقة، واللهي الضعيفة، فنحن أبداً خالعات ثوباً لنجرب أثواباً أو مشداً أو شملة عارية الصدر، على مقربة من حرارة المواقد، وفتحات الأبواب يدخل منها الهواء البارد فيصدم الظهر، وفي كل ذلك واقفات نجري من ناحية إلى ناحية، أو جامدات في أماكننا كالصورة الجيرية الموضوعة في صدور محلات الأزياء ولكني لا أريد أن أحدثك أحاديث حزينة ولا أريد أن أبسط لك سوء ما صنعت بي حرفة الوقوف في محال الأثواب، فلست أحمل لك ضغناً، ولست أحس لك حقداً، ولكن لي ملتمساً إليك أطلب أن أبتهج بتحقيقه وأنت لن ترفض هذه الضراعة إذا جئت على آخر سطر من كتابي هذا. لقد كنت قلت لك ذلك المساء الذي التقينا فيه إذ ضربت لي موعدك، كلا، كلا، ولكنك أدركت جيداً أنني كنت أقصد بذلك أن أقول، نعم، نعم، فلما كان اليوم الموعود، خرجت من المصنع قبل وقت الخروج بساعة فعدوت ألتمس البيت لكي أبدع الزينة، وأتم التطرية، وقلت لشقيقتي الكبرى أنني ذاهبة إلى دار التمثيل وصواحب لي فصدقت الخبر، وكانت خلية الذهن من خافية الأمر، ولتعلم أنني كنت فاتنة رائعة السمت عندما بلغت إلى ناحية شارع تراس، الذي كنت قد طلبت إلي أن أرتقب قدومك إليه عند الساعة التاسعة من المساء، ولم أكن إذ ذاك بثوبي الأسود الذي شهدته بل كنت مرتدية ثوباً جميلاً أزرق اللون مفصلاً على المنوال الذي تحاك به في مصنعنا أثواب الأميرات فجئت إلي الموعد متهللة الأسارير متفتحة الفؤاد، لا خجل أشعر به ولا ندامة، فقد فكرت منذ فهت أنت بكلمتك الأولى أنه لا يليق بنا أن نكون نحن الفقيرات عاقلات رزينات طول الحياة، وإن أبدع السوانح أن تتزوج الفتاة الآثمة بالفتي الذي أثم معها، على أنك تدرك يا مسيو هرفي أنني

стр. 2295

لم أفكر في أنك ستتزوجني إذ كنت أعلم أنك ستنطلق بعد ذلك عني لكي تتزوج فتاة غنية عريضة الجاه ولكن ذلك لم يحزنني بل لقد كنت في غبطة وابتهاج إذ أتصور أنك ستحبني برهة من الزمن، وأنني سأكون لك دون أن أكون قد هبطت من قبل أن ألقاك في أحضان رجل سواك، فكأنك ستكون في تلك البرهة من الحب زوجي، فقد كنت حقاً تلذني ولا تستطيع أن تتصور التأثير الذي أحدثته في فؤادي وقد رأيت رجالاً كثراً يجيئون إلى المصنع ماشنين إلى أكتاف سيداتهم أو حبابئهم، ولكن لم يكن في هؤلاء الرجال رجل له شاربك وأسنانك الجميلة وعيناك البديعتان، ولاسيما عيناك، عيناك، حتى أنني لما وقفت في شارع تيراس أستطلع قدومك، انطلقت أتخيل تينك العينين وأحدث نفسي أننا إذا احتوتنا حجرة واحدة سأجترئ فأقبلك في عينيك أحر القبل. انتظرت ساعة فساعتين، ثم انتظرت حتى منتصف الليل، وأنا أتمشى فوق الافريز حتى لا يستوقف منظري المارة فيستريبون بي، لقد دنا مني جمع من الشباب يقولون لي كلما نكراء وكنت في حيرة لا أعرف كيف أتجنبهم لأنني خشيت أن أبتعد عن المكان مخافة أن أفقدك، فلما دقت الساعة الأولى بعد منتصف الليل وألفيت مكاتب الحافلة - الأومنيبوس - قد أقفلت أبوابها وأطفأت أنوارها أجمعت الرأي على العود إلى البيت حتى لا أزعج شقيقتي. وأؤكد لك يا مسيو هرفيه أنني أويت في تلك الليلة إلى المضجع كسيرة الفؤاد محزونة وبت أتقلب في الفراش لا تغمض لي جفن، وبكيت طويلاً وعبثاً حاولت أن أقنع ذهني إذ أقول لنفسي، لعل عائقاً اعتاقه، أو لعل الأسرة حالت دون المجيء لي موعده أو عل شاغلاً من شواغله زجره عن موافاتي، فلم يستطع إنبائي بمعاذيره، إذ كان يجهل عنوان داري. . . وجملة القول أن أشد ما أحزنني وابتأست له أنني لا أعرف السبيل إلى لقائك مرة أخرى فإنني لم أقل لك عن عنواني وأما أنا فأعرف اسمك والنادي الذي تذهب إليه ولكنني لم أجد جلداً على الكتابة إليك وانتهى بي مطاف الفكر إلي أنك لو كنت تحمل في فؤادك شيئاً من الرغبة في فإنك ولا ريب باحث عني فواجدي، إذ تعرف المحل الذي أعمل فيه والساعة التي فيها أنطلق عنه. وكذلك ظلت بضعة أسابيع إذا انصرفت من محل شغلي أتمشى زمناً أمام الباب، أستطلع الوجوه، وأغيب النظر في معارف السابلة، لعلي مشاهدتك في غمارهم ثم لا ألبث أن

стр. 2296

أنطلق في رفق صعداً في الشارع عائجة على الشوارع التي مشنا فيها معاً، فلم أكن يوماً لألقاك واستبان لي إذ ذاك أنني لم أخطر في ذهنك مطلقاً، وكان على أن أنساك، أليس كذلك. وهذا هو ما حدثتني به النفس ولكني لم أستطع عليه صبراً، وكلما مضى يوم زدت لك تذكراً واشتد الحزن بفؤادي، ولشد ما يسوءني أن تضحك يا مسيو هرفيه مما أقول لك الآن فغن رجلاً مثلك من الطبقة الرفيعة السامية له من ملاهيه ومباهجه ما يشغله عن سماع صوت الفؤاد، ونجوى النفس، وأما نحن الفقراء فليس لنا غير المصنع نذبل فيه، وغير المنزل الصامت لا يحتوي لهواً ولا مبهجاً وإذا قيض الله لنا شهود دار التمثيل فذلك هو النعيم الأكبر والحادث الأعظم، فإذا نحن انطلقنا في النهار نجرب قميصاً أو نخبر معطفاً، فنحن إذا الليل هجم مضطجعات في السرر محزونات مكدورات، نفكر في رجل وكذلك مضيت أتذكرك وأفكر فيك حتى سئمت كل شيء، ولقد كنت من قبل فرحة راضية العيش وثيقة الأمل في المستقبل دون أن أعلم ماذا يمسك هذا الأمل، أما اليوم فلا رغبة لي في شيء، ولا شهوة لدي إلى الطعام، ولا نزوع إلى النوم، ولتعتقد أنني خلال الأيام الأخيرة كنت أتمشى أبداً في مقتبل المساء فوق الافريز أمام ناديك ولقد رأيتك ثماني مرات يا مسيو هرفيه ولكني لم أكلمك لأنك قلما كنت تخرج في النادي بمفردك، وإذا فعلت ذلك فقد كنت تثب الوثبة إلى مركبتك، وإذ ذاك جعات أضطرب وأرتجف، حتى لا أستطيع كلاماً ولا مشياً. حوالي نهاية شهر يونيو ارتحلت أنت إلى الريف، وقد علمت ذلك من الصحيفة التي تجيء غداة كل يوم إلى صاحب المصنع فهدأ ثائري قليلاً في غيبتك إذ علمت أنك لم تعد تحتويك باريس وأن لا وسيلة إلى رؤيتك، وجعلت أقول: إنه سيعود مع الخريف، ونحن لم نكبر بعد، لا أنا ولا هو، وقد جئت حقاً ورأيت عند يوم عودتك إلى باريس، وأنا محدثتك كيف كان اللقاء، وضراعة إليك أن لا تغضب على فإن بي حزناً منه مستطيلاً. على دقة الساعة التاسعة كنت في موقفي أمام ناديك، وإذا بمركبة وقفت ببابه، ورأيت في المركبة سيدة فخرج إليها من النادي خادم فكلمها وعدا راجعاً إلى النادي وهنا أتوسل إليك أن لا تتألم يا مسيو هرفيه، إذا أنا قلت لك أنني لم أجد تلك السيدة على شيء من الحسن

стр. 2297

ولا مسحة من الروعة، ولم يكن ثوبها الثوب الذي يتم عن سيدة محترمة كبيرة المكانة، وأخيراً جئت إليها من النادي وقبل أن تصعد إلى المركبة فتتخذ مكانك بجانبها قلت للحوذي شارع تيراس!!. فإذا بي قد أحسست انقباضاً في فؤادي إذ تذكرت ما قلت لي يوم كان اللقاء إن لدي في شارع تيراس طابقاً أستخدمه لهذا الغرض، فعلمت إذ ذاك ماذا سيحدث بينكما. . . . . . . . . .! أتظنها حماقة مني وطيشاً ولكن إن أردت الحق فاعلم أنني لم أكن غيري عليك إلى تلك الساعة، ولا أعلم لذلك سبباً إلا أنني كنت أؤمن بأنك ولا ريب لا تستطيع أن تعيش عيشة القديسين والرهبان، ولكنني إذ عرفت المرأة التي ستضاجعها، وعلمت المكان الذي اضطجعتها إليه ثارت ثورة الألم في فؤادي حتى لم أعلم كيف بلغت بي قدماي منزلي، وإذا احتواني البيت انطلقت إلى المخدع فتراميت فوق السرير ووعكتني إذ ذاك الحمى بعد موهن من الليل واحتبس صوتي وأخذ لساني السعال واشتد بي ذلك حتى لقد مضى على الآن وأنا طريحة الفراش شهر كامل ولا أستطيع نهوضاً وأخشى أنني لن أستطيعه أبداً. وأنت فتعلم يا مسيو هرفيه أنني لا أقرفك بتهمة حزني ومرضي فلم أكن يوماً قوية الصدر متينة اللهي، ولكن لعلك كنت السبب في تعجيل علتي ونضج مرضي وإن كنت خلي الذهن بريء النية والآن وأنت تعرف أن من المزعج المؤلم أن أرتحل عن الأرض وأنا ملمة على الربيع العشرين ولما أشهد يوماً صبوحاً في الحياة، ولما أرتشف كأساً من السعادة، فقد اجترأت على أن ألتمس إليك أمراً وأطلب إليك حاجة لو حققتها أثرت أكبر السرور في نفسي الخافتة، وإن كان في تحقيقها بعض المتعبة لك، وهذا الرجاء الذي أسوقه إليك هو أن تحضر إلي في منزلي للتوديع الأخير إذ كنت لا أستطيع إليك حضوراً، فلا تخش يا مسيو هرفيه ألماً فلست محدثاً أحداً غيري ولا ملتقياً بإنسانة سواي، بل أنت صاعد إلى الطابق الثالث من المنزل رقم ١٥ فدق الباب وستفتح لك شقيقتي وتكون بيننا خلوة صغيرة واعلم إنني قد أصبحت مهزولة ضامرة ولكن وجهي لا يزال بعد صغيراً رائعاً كعهدك به أول مرة وستحدثني وتنظر إلي - وسأستمع إلى صوتك - وسأشعر بآخر نفثة من السعادة إذا أنت أذنت لي إذ ذاك أن تكون فوق شفتي. . . . . . عيناك!!

стр. 2298

للمتنبي: إلف هذا الهواء أوقع في الأنف ... س أن الحمام مرّ المذاق والأسى قبل فرقة الروح عجز ... والأسى لا يكون بعد الفراق

стр. 2299

في سبيل الكلام لحضرة العالم الكاتب الدكتور منصور فهمي الكمال قوة أزلية تدب في الكون دبيب الماء في العود الأخضر، والكمال إما أن يكون كلياً عاماً وهو كمال هذا الوجود الذي لا تبلغ مداركنا إلا بعض جهاته، وليس في طاقة عقولنا إدراك كنهه على أنها تعترف بوجوده الظاهر في حركة الكون المستمرة على سبيل لا ينتهي وإلى غير قصد معلوم، وإما أن يكون كمالاً نوعياً وهو أجمل صورة يصل إليها كائن من الكائنات بما أوتيه من استعداد ترقى به إلى الغاية المقدورة فإذا بلغها يتحول إلى نوع مغاير وتظهر تلك المغايرة إما من سبيل الانحلال والفساد أو من سبيل وجود يخالف به الوجود الأول ومثل ذلك مثل الشرنقة تبلغ كمالها النوعي في صورة معروفة وعلى نحو معلوم فإذا تخطت تلك الصورة فإنما تتخطاها لكائن آخر بينها وبينه اختلاف في الشكل. كما أن للكون جميعه كمالاً هو أول معنى لتأويل وجوده وهو الباعث لتطوره وحركته كذلك لكل جزء من أجزاء الكون كمال نوعي وللجماعات والأمم كمال خاص بها ينبع من أفئدة مصلحيها، فبينا ترى جماعة لا تبصر إلا أفقاً محدوداً من آفاق الحياة الواسعة، وبينا تراها تجمد عند حال تزعم أنها خير حال تجد بين أفراد تلك الجماعة من يبصرون بأعينهم ما لا يبصر هؤلاء ويتمعون نغمات لم تصل بعد إلى آذان الجماعة، أولئك الأفراد هم سدنة الكمال المقدور لذلك الكائن الاجتماعي، ليس للأمة إلا كمال واحد لا يتكرر تبلغه وفقاً لطبيعتها، وانسياقاً مع تاريخها فإذا هي بلغته في عصر من العصور فإنها تنتقل بعد لحال مغايرة فتتحول الجماعة القديمة إلى أخرى وتصبح تلك الجماعة الثانية في حكم كل كائن جديد من حيث أهليته لقسط آخر من الكمال حرى به. كان لمصر في السالف قسط من الكمال العمراني موفور وحضارة منمازة بلغت أوجهاً في عصر معلوم فهل يحق لواهم أن يزعم لأمتنا االمصرية الحالية سبيلاً إلى نفس الكمال الاجتماعي والحضارة التي كانت للسلف في زمن مضى وانقضى؟؟ كلا فأمة اليوم غير أمة الأمر لها كمال خاص تستطيع أن تكسبه كما كان لسلفها ما كسبته من الكمال. كما أن لكل جماعة ولكل أمة نصيباً واحداً من الكمال لا يتكرر كذلك لها نصيب معين يختلف مزاجه عن أنصبة الجماعات الأخرى، لها كاس من الكمال تنتشي هي به ولا

стр. 2300

يستمرئه سواها، فعبثاً محاولة الوصول إلى حضارة قدت لباساً لغيرنا دون تحوير فيها وتعديل، الكمال المرجو لأمتنا هو ما يهتف به الهام المصلحين وليس هو ما تجود به يد المقلد ولا ما يجيش في صدر الجامد والفرق بين المصلح وبين المقلد وبين الجامد، هو أن الأول يوحي إليه صورة سامية يدخرها المستقبل للأمة التي يتناجى بإصلاحها، وأما المقلد فيحمل في نفسه صورة لأمة معاصرة راقية يود لو اتخذت مثلاً للأمة التي هو منها، وأما الجامد فينشد نظاماً عتيقاً لا ينفرج ذهنه لخير منه. نزعات المصلحين وحدها هي القيمة الجديرة بالاعتبار لأنها المنزل المستطاب الذي يحط الركب عنده رحاله وتستريح عنده الأمم وهي سائرة في سبيل مالها. أما بعد فما أشد حاجتنا إلى المصلحين يرشدوننا كما يرشد الراعي سربه العزيز ليصل إلى المرعى الخصيب، ليت شعري ماذا قطعنا اليوم في سبيل الرقي، ومن ذا الذي يسدد خطانا إلى الكمال المنشود؟؟

стр. 2301

الصحافة عندنا لحضرة صاحب الفضيلة العالم الأديب الشيخ مصطفى عبد الرزاق كرتير المعاهد الريفية كان الغريب إذا حل بلداً فأراد أن يلم بجمال أهله زار المعابد وغشى الملاهي ليرى أثر العقائد الدينية وهو أكبر مظاهر الجد ويرى ذوق القوم في اللهو واللهو من جوانب الحياة أيضاً وما برحت المعاهد والملاهي موضع استكشاف لمن يحاول أن يتعرف حال الجماعات عن كثب في عقولها وأخلاقها وأذواقها ويتتبع تطوراتها ويوازن بين جهاتها. ولكن العصور الحديثة أوجدت مرآة جديدة لتبين ما عليه الجماعة في مدنيتها، تلك هي الصحافة التي تصور منازع الناس في أخلاقهم وأفكارهم وحركات تقدمهم وانحطاطهم وتفصح كل إفصاح عن مذاهبهم في الجد وذوقهم في اللعب. وقد لا تكون صحافتنا خارجة كلها من أعماق قوميتنا بيد أنها مثل لما نحن عليه في حياتنا الاجتماعية وفيها مظاهر أخلاقنا. تنشر الصحافة كما يدل عليه الاستقراء نشرات تدون أخبار الوقائع المتفرقة التي يجمعها المؤرخون عادة في مؤلفاتهم وذلك عهد السذاجة التي يكون فيها دعوة الإصلاح خافتة وحركة الأفكار ضعيفة فلا تتجه الأذهان إلا للحوادث الجزئية من غير تحليل فيها ولا تركيب ولا استنتاج ثم تشتد دعوة الإصلاح الاجتماعي وتقوى فتؤسس الأحزاب السياسية والجماعات الإصلاحية وتحتاج في تأييد دعوتها إلى لسان ناطق هو لسان الجرائد وتنمو الحركة الفكرية وتنهض حجتها وتقتضي بياناً يجليها ويدفع شبه خصومها هنالك تخرج الصحافة من طور الطفولة إلى طور جديد تصير به لسان حزب ذي مبادئ يريد أن تسود في الناس لأنها عنده أساس الخير للجماعة أو تصير مجلات تحمل إلى العقل البشري ثمرات جديدة في العلم. وقد تجاوزنا من غير شك عهد السذاجة الصحافية وعرفت بلادنا جرائد الأحزاب وعرفت المجلات العلمية. ولئن كانت جرائدنا الحزبية اعتبطت كلها بأسباب يرجع بعضها إلى عيب في القيام بتدبير شؤونها، فإن مجلاتنا أيضاً لا تزال تنازع الحياة نزاعاً.

стр. 2302

ليس الوقت مناسباً للتفكير في أمر ما مضي من جرائدنا وأن كنا من أمره في حسرة وألم ولكن في مقدورنا أن نطب لداء مجلاتنا رجاء أن تحيا حياة طيبة ولها في ظل العلم حرية لا ينالها ضيم. يشكو أصحاب المجلات من قلة إقبال القارئين عليها ومطالهم في أداء حقوقها ومن الإنصاف أن نعترف بعدل هذه الشكاية. ونرجو أن يحمل حب العلم قومنا على الاطلاع فإن من أدوائنا المستعصية أننا نقرأ قليلاً كما نرجو أن يكبر في النفوس خطر المروءة فلا يجرح المرء مروءته وهو ذو شرف وذو سعة من أجل دريهمات يؤدي بها ديناً لامرئ شريف النزعة باعه بها ليالي ساهرة وحشاشة نفس مجهودة. على أنه يجدر بأصحاب المجلات أن لا ينسوا أنهم وضعوا أنفسهم في مقام الإدلاء لطلاب العلم ورواد البحث فعليهم أن يكونوا نصحاء أمناء أوفياء للعلم يعطونه قسطه من أنفسهم، نطالبهم بأن يؤدوا الموضوعات حقها فيبرزوها ناضجة محصها فضل الروية والبحث وأن يفسحوا صدورهم لآراء المخالفين ومناقشاتهم، نطالبهم بأن يخدموا تقدم العقول وحريتها وأن يحببوا العلم للناس ما استطاعوا بحسن اختيارهم وحسن بيانهم وحسن تصرفهم في نظام البحث ومناهجه. والأمل معقود بالمجلات الشابة التي تقوم على إخلاص من أصحابها وعزيمة صادقة أن تحقق ما نرجو لمجلاتنا المصرية من الترقي وإنا لنرقب نهضتها ترقب الساري طلعة الهلال، ونحيي كل خطوة من خطواتها في سبيل الكمال.

стр. 2303

فكاهة الفاكهة للكاتب الصحافي المشهور سليم أفندي سركيس يريد صاحب البيان مقالة لعدده الخاص، والذي أعلمه من مطالعة البيان أن كل عدد من أعداده خاص، حافل بالموضوعات الجليلة، وأنه امتاز بصراحته في النقد وأمانته في النقل، وامتاز أيضاً بحسن انتقاء الموضوعات على أن صاحب البيان امتاز بأمر آخر هو التشبث بإصدار مجلته كل هذه السنوات تشبث شهيد، فإنني على ثقة من أنه ينفق في هذا السبيل أكثر مما يستفيده من قرائه، إنهم يعطونه فضلات أموالهم بشيء من التردد والتسويف وهو يعطيهم وقته كاملاً واجتهاده وأكثر ماله، ما علينا من كل هذا، إنه يريد مقالة لعدد خاص، وهذه مقالتي - فكاهة من الفاكهة. يتساءلون: لماذا ينجح الغريب المتاجر في مصر دون المصري فيها، أما أنا فإنني لا أعرف شيئاً من أسرار التجارة ولكنني عرفت حادثة من حوادث جمة علمت منها بعض الأسباب التي من أجلها يكون التاجر الغريب ناجحاً دون المصري، أوردها للقراء لعلّ في إيرادها عبرة ورادعاً. كانت الساعة السادسة مساءً، وكنت في منزلي، فخطر لي أن أمتع نفسي بشيء من المشمش الحموي وخشيت أن لا يحسن خادمي مشترى ما أريد من الباعة ثم تذكرت أن هناك رجلاً مصرياً أنفق مالاً كثيراً على الاتجار بالفاكهة وله مخزن كبير في نقطة مشهورة فتناولت دفتر التلفون ولبثت أقلب صفحاته إلى أن عثرت على نمرته فخاطبته وكان حديثنا كما يأتي: - هالو - هالو - هذا محل فلان الفكهاني؟ - نعم وأنا هو - أهلاً وسهلاً، سعيده - سعيده يا سيدي. - قل لي بحياة أبوك عند كشي مشمش حموي؟

стр. 2304

- مين حضرتك؟ - إنك لا تعرفني فهل عندك مشمش حموي؟ - ليه؟ - أريد أن أشتري قليلاً منه فإن كان عندك عرفني عن ثمن الاقة لأرسل خادمي بالثمن. - ومين حضرتك؟ - لا يهمك معرفتي لأنك لا تعرفني. - إذاً ما أعرفش. وترك التلفون. . وتركني، وترك ما عنده من المشمش وترك الفلوس في جيبي وترك تأثيراً سيئاً في نفسي. هذا الحادث ردّد إلى خاطري الحادث الآتي: كنت في منزلي، وكانت الساعة الخامسة، وفاجأني بعض الزائرين، وأردت أن أحسن الضيافة، فتناولت دفتر التلفون وطلبت نمرة بقال يوناني وهذا ما جرى بيننا من الحديث على علاته: - هالو - هالو - هذا مخزن فلان؟ - أيوا يا سيدي. - أريد قليلاً من الماكروني. - حاضر أفندم، من أي صنف. - من الأحسن. - مين حضرتك. - أنت لا تعرفني فلا يهمك أن تعرف من أنا، ولكني سأرسل خادمي إليك فأرجوك أن تعطيه أحسن صنف. - ماعليش يا سيدي، بلاش ترسل الخدام، أخبرني عن اسم حضرتك ونمرة البيت والشارع فأرسل لك العينات مع خادمي وهو يعرفك عن الثمن.

стр. 2305

وفعلاً جاءني خادمه واشتريت ما يلزم ثم اشتريت ما لا يلزم أيضاً ولا أزال أشتري منه حاجات بيتي. الفاكهاني يخسر ومحله يصغر، وبضاعته تفسد ويقل عدد زبائنه. والبقال يكسب، وصار محله كبيراً، وبضاعته جديدة ورائجة، وعدد زبائنه يزيد أما أنا فأرى رأي البقال الرومي.

стр. 2306

قصيدة منثورة بقلم حضرة الأديب الشاعر الكاتب الشريف السيد حسن القاياتي جعلت فداك أيها الخليل الرغيب، إن نفسي وقيت شكاتها، وعدتك بلواها. هذه قصيدة كنت عملتها في هذا الغرض الخلقي ولا مر ما بدالي أن ألبسها هذا الثوب النثري فإن نالت رضى فذاك ما اعتمدت وإن كانت الأخرى فلعل من المعذرة لصاحبها أن هذا الضرب من الشعر المنثور طراز حديث لم نحسنه يعدوان أن الباكورة ربما جاءت فجة غير ناضجة. تكاد تذوب مما تجد من لوعة، وتطوى عليه من جمر الأسى، حتى ليخيل إليّ أنها تسيل حسرة، وتتحدر حرقة، بل يخيل إلى أن هذه الدموع الحمراء التي تستنزلها الفجيعة، وتساقطها الشكوى، إنما هي ذوب تلك النفس الآسية، وقطرات تلك الكبد المتفطرة، وفي سبيل المجد والسؤدد، ما تلقين أيتها النفس: ضلالاً لنفسي، بل رحمة لها من نفس سرية ماجدة، كيف سرت إليها خدع الأماني، وتمشّت نحوها أباطيل الأمل الخلوب الكاذب، فجعلت تمنيها الحياة الشهية، والمنزلة الشماء، أجل إن من خدع الأماني، وأباطيل الأمل، أن تسمو نفس حرة إلى مستعذب من الحياة، وشهيّ من العيش، وإن فيما تشكوه تلك النفس الحرة هماتها الكبيرة، وعزائمها الناهضة المتوثبة، هيهات منها ذلك: ليست نفسي الطموح البعيدة الهمّ بدعا من النفوس الكريمة حين تلبس ثوب الليل مسهدة الجفن، نابية المضجع، حتى يتفرّى دجاه عن مستنير الفجر، وتشيع في نواحيه ثقوب الضوء، وينصل صبغه بلون الصباح المشهر، فكم أنفس سامية طماحة يؤرقها أسى برح، وهمة مترامية، فتبيت ترعى النجوم، وتناجي ساهرة الكواكب، كأنما تتلمس منزلها المسلوب بين تلك النظائر، وتسمو بنفسها إلى مكانتها بين تلك الأخوات من الكواكب: ليل يصادفني ومرهفة الحشد ... ضدين أسهره لها وتنامه واكبدي للمجد، وحر قلبي على كل فتي نبيل سباق إلى الحمد، سريع إلى الكرامة، يحتوي المجد من أطرافه، وينزل في بحبوحة الشرف الصميم أين - لا أين - العلى من مثل هذا المتحبب النبيل الذي غزا القلوب بوده وإحسانه، فأنزلها على حكمه، ورادها بلباقته حتى نزل في حياتها، وحلّ في الصميم منها، أنه لخليق بمثل ذلك المعشّق الطلعة، الرقيق

стр. 2307

الحاشية، المحبب إلى كل القلوب حتى كأنه خلق منها، أن تدنيه القلوب، وتقر بمرآة العيون، حتى كأنه الزهرة التي رفت حلاوة، وندت غضارة، وغضاضة، فراحت تحملها صدور كل رقيق من الفتيان، ورشيق من الحسان: يقولون مثر طويل الذيل، تنزل المني على حكمه، ولا يناله الدهر إلا بما يريد، أجل إنه لكما يذكرون، ولكن ليس الثراء كل ما تنزع إليه همة طالب المجد، إن وراء ذلك لغرض ضخم، وآمالاً كبار، يقض لها المضجع، وتذهب عليها نفسه حسرات وماذا يغني الثراء عن ذلك وهل يستخفّ ثكلى محزونة تألق الحليّ في لباتها، وتزدهي بإشراق اللآلئ عليها، وفي صدرها داء دخيل، وغلة هي ما هي، أهلاً بما يهدي إلينا الدهر، وتنفحنا به أيامنا من عطاء سني، ونعمة مبتدأة ومستأنفة، إن كانت العلياء والمجد بين تلك الهبات، وفي جملة تلك العطايا، ولا أهلا بها إن لم يكونا فيها، ولا أبعد الله إلا هبات لا تكسب مجداً، ولا تسمع حمداً، بعدا لطالب المجد يقنع في طلبه بالدون، ويرضي في مسعاه بما دون السماء، إن الحر الكريم النفس، الحمي الأنف، لا يزال ينزع إلى كل عمل جسام، ويسمو للجميل من المسعاة كما يسمو ورد الخدود فيحل في الوجنات الرقاق، ويرتفع رمان النهود فينزل في صدور الحسان، واسوأتاه من أن الرجل السري النابه لا يأبه إلا لأمر طعامه وشرابه، ولا يعمل إلا على نيل حاجته من مطعم شهيّ، وشراب لذّ، وشهوة ممتعة، ثم لا يبالي بعد ذلك أثلم عرضه أم سلم، وخمل ذكره أم نبه، تلك حياة إنما نالها بذلة وخسة كما تبذل البغيّ نفسها، وتبتذل شرفها، لحفظ حياتها، وإمساك حشاشتها، ولخير من تلك الحياة موت مريح، وهلاك شريف: يعيبون عليّ وقاري، ويستنكرون مني أخذ نفسي بالسكون، وحملها على عزة الجلال، والعزوف عن الطيش، ويقولون إنما هو شاب ناشئ، ماله وما للوقار والجلال، هلّا أرسل نفسه على سجيتها، ومضي مع الصبا والصبوة، مطلق العنان، خليع الرسن، وليس الوقار بهجنة ولا عار على ناشئ حميد السيرة، رقيق الأدب، تطيب سجاياه على علاتها، وترضي خلائقه كلها: إن في الناس لفريقاً استخفهم سكر الشباب، وسكر الشراب، يحسبون أن السمو كله، والرفعة بجملتها، إنما هي في احتساء العقار، وكأس تدار، فإن كل ما تخيل أولئك حقاً -

стр. 2308

ولن يكون - هتفنا مثلهم بإخوان الأنس، وندامى الكأس، هاك أيها النديم، وهات أيها الساقي الجميل، ولو كان الرقيّ في غزال يتصبى الحسناء، ويمكن من صعب المخبأة الجموح، وفي أن يكون الفتى زير نساء، وقيد ظباء، فإن لي من نفثات السحر، ورقيّ الشعر، ما ينبت مضجع الخريدة الحيية العفيفة شوكاً، ويصيد البكر عن رقودها حنيناً إلى بلبله الغرد، وطائره الصائح، لو شئت - لا شئت - أن أذهب مع السفاهة والطيش، وأجرى مع أسباب الغواية واللهو، لم أبت ليلة إلا ثاني قمر أو شمس، ولم تزل كل مليحة تهدي إليّ زورتها، وتتحفني بمواعيدها، ولكنت كمن يقول: رعى الله دهراً لم أبت فيه ليلة ... خليّاً ولكن من حبيب على وعد أجل بصرك فيمن ترى من الناس، وأنا الضمين لك ألّا يزال يصادف سوءة، وتقع به على مخزاة فاشية، وفعلة فاضحة، يروح ويغدو بها أولئك الذين يخيلون إليك أنهم الفضيلة حية، والخلال الحميدة، تطالعك في زيّ الأناسيّ، فلو أن كريه هذه السير، ومساوئ تلك الخلال، يمزج به طيب الثغور لصد العاشق المهجور عن قبلات الحسان، أو يخلط به العذب القراح لثنى عن الري الظمآن، آداب ناشئتنا متكلفة مصنوعة، تخلق لا خلق، ورياء لاحق، إذا أعطاك أحدهم بعضه فلكي يأخذ كلك، كما يصنع الصائد الدرب بتلك الحبات التي يغر بها الطائر حتى يسقط بأجرامه في حبائله، وما أشبه أخلاق نشأتنا المكذوبة المزورة هذه بخدود نسوتنا المصبوغة بصبغ الحقاق لا صبغة الخلاق، لا يغرك ممن تصطفيه منهم وجه يفيض بالبشر، وثغر بسام يزوّر لك القول، ويخلبك بسحر الحديث، فإن وراء ذلك صدراً يغص بأفانين الخداع، ويفتن في ضروب الحيل والكيد، وضلوعاً تنطوي لك على دخيلة شر، ومضمر غلّ، وحذار أن يزدهيك ذلك الوجه المشرق فيودي بك، فإنما هو كالزهر الأنيق يروعك منه مرآة وحسنه حتى إذا أدني من الأنف بعث بجرثومته إلى صدر حامله فلم تخرج إلا في صحبة روحه، همّ الشباب منهم ووكده أن يروح ويغدو آية الحسن، وفتنة القلوب، وأن يشار إليه بكل بنان مخضب، وينزل من الحسن في كل قلب، حتى لقد أزرت البراعة في ملابس الفتيان على البراعة في ملابس الحسان. هذه آصال مصر وعشياتها، ألست تنظر إلى متنزهاتها، ومسارح ظباءها، كيف تطلع كل مخبّأة، وتبرز كل كريمة مصونة فلا تزال تهدى إلى شبه الظبي ملاحة من فتيانها، شبه

стр. 2309

المهاة حسناً ورشاقة من فتياتها من كل فتانة المحاسن، ساحرة الجمال، زهراء القناع رقيقة تخالها من ذلك القناع المهلهل الذي يصف وجهها، ويحكي محيّاها، قد أشرفت على مرآتها بعد طول تعهد بالصقل والجلاء، من تلك الحسناء التي تخطر في العشيات فتكاد تتوثب إليها القلوب من صدورها، وتثبت في محاسنها الأحداق والنظرات، تلك التي توحي إليّ خطراتها خطرات شعري وينفث سحر طرفها سحر قوافيّ، أجل من تلك التي يغرى بحركاتها الدل كله، ويكمن في لفتاتها الموت، وينزل في نظراتها السحر، ولمن في الفواتن من الغيد تلك النهود المسددات كالرماح إلى صدور العشاق، يطيح عنها الثوب ويتكشف الملبس، فإذا هي كالثمرة اليانعة تساقط عنها كمها وبدت من غلافها، قامت تتأود كالغصن الأغيد، وأقبلت تصف لنا الغصون النواعم في طيب نشرها، وضائع أريجها، واهاً لها من طفلة غريرة غضة السن صغيرتها في مثل سن البدر، بل في حسنه وإشراقه، تقوم مقام البدر إن نام ضوءه عن ليالي وصالها، وساعات ازديارها، فهي ملء القلب حسناً وحباً، ملء العين إشراقاً وقرة، وما أنس من شيء فلا أنس هذه الدرة الزهراء، واللؤلؤة المتخيرة، لم يزل بها دعاة العهر والفحش، ورواد الريبة والخنى، يرقونها بكل رقية من رقي الفسوق، وينفثون لها في كل عقدة من عقد السحر، حتى أخرجوها عن صدفتها، وأنزلوها من سماء عفافها وعزتها، رحمتا لتلك الفتاة العذراء الغريرة، وحرّ قلباه لهذه الفريسة المغتصبة، فلعهدي بها كبعض الملائكة طاهرة الذيل، عفيفة الإزار، آمنة كبعض حمامات الحرم، يطوي ضميرها على نقاء، ويكشف صدرها عن صفاء، كما تتكشف الصدفة عن درتها، وتنم المزنة الشفوف على الشمس دونها، بل عهدي بتلك الخفرة الحيية أيام كان وجهها بحيائه ومحياها يشرق بمائه، تكاد النظرة تدمي وجنتها الرقيقة، وتستنزل عبرتها حياءً وخفراً، صب عليها نكد الدهر، وتعس الجد، ظبياً من الظباء الآنسة، لا الظباء الكانسة، معشّق الحسن، فتان المحيا يرتقي جب القلوب، لا نوّار الكثيب، ويتشهى من الأفئدة منهوباتها دون موهوباتها، فلم تزل بها ضحكات ذلك الثغر الخائن، وابتسامات هذا المستهتر الفاتك، حتى استتزاتها عن عرش كرامتها، وألقت بها بين يديه محترقة بجمر تلك الضحكات الخائنة، كما تهوي الفراشة على جمرة الشهاب المحرقة، بنفسي هي، ما أشرف نفسها وأسمى همامتها، لم تسلم قلبها لمهاجمه إلا بعد طول مغالبة وفضل مصاولة ومدافعة،

стр. 2310

فلشد ما جاذبته فؤادها، ونازعته قيادها، حتى أدركها الضعف - والفتيات ضعيفات - فسقطت تتخبط في حبالته كتخبط الطائر في شبكة الصائد، تجاذبه حيناً، وتقر حيناً، فإذا هي أخيذته، كم ظلت لدى ذلك الوحش المفترس محبوسة به عن أهلها - ممنوعة من ذويها، وهو يتلهى بها، ويتعلل بمحاسنها، قبل أن يصل إلى فؤادها، وينفذ إلى قلبها، كحامل الكأس يحبسها طويلاً في يده ليلتذ بمرآها الأنيق، ويتعلل بمنظرها الشائق. تلك الرياض الناضرة المونقة في الجزيرة شهدت هذه الزهرة الذابلة تهصرها كف ذلك الجاني الآثم، هناك حيث لا ينفك تهتصر الغصون، وتجتني الأزهار، ومن لها بالجلادة والامتناع، وأنى لفتاة مثلها بالصبر والعصمة، وإن في صدرها لنارين متأججتين: نار أسى وشجو، ونار صبابة والتياع، ضرمهما الخائن الخادع، وأوقدهما على كبدها المتصدعة بما جنى على عفتها، وشب في قلبها من حب، وكم اعتمدت أن تبرّد من ناريها، وتطفئ من جمرتي فؤادها، بما تفيض من نيل دموعها الهامية، فما أطفأ ذلك وقداً، ولا أهدي لصدرها برداً، لقد ألحّ الحزن عليها وشرد من لبها فألقت بنفسها، وتساقطت بين تلك الرياض محزونة ذاهلة مقسمة اللب، حتى ليخيل إلى من يراها أنها إحدى زهرات الروض الساقطة الذابلة، ويحي على مصر وأواه من هذا البلد المحبوب المفدى بالنفوس ألا يبرح من خلائقه ودأب أهليه أن تظل ناشئته المرجوة، والشباب المرتقب من شبانه، حرباً عواناً على الغيد الملاح من فتياته الكرائم، وعقائله المصونات، بما يكدرون في كل آونة من ماء الحسن، ويدنسون من نقيّ الأعراض، بعض هذا أيها القوم ومهلاً قليلاً، فما هكذا يكون عهد الإصلاح، ولا هكذا تكون المدنية، والأخذ بأسباب الرقيّ والحضارة، ومتى كانت الأحرار تسترسل في سوءاتها وتذهب في مخازيها في كل مذهب، تساءلتم طويلاً وتناظرتم كثيراً في أي الأمرين من السفور والحجاب، أجدى على مصر، وأعود عليها بالفلاح والرفعة، وهذه مصر تشكو إليكم سافراتها ومحجوباتها وتبرأ إليكم من عصرياتها ورجعياتها، إن النساء قلوبنا التي نقيم دونها الصدور، وعقولنا التي تسددنا إلى كل عمل حميد، ومسعى كريم، ولطالما أرخينا الاعنة لهذه القلوب المحبوبة، فجعلت تتناهبها الأهواء، وتعبث بها الأضاليل ولشد ما شف القلب ركوبه الذلة، وأودى به غشيانه كل ملهاة شائنة لله أنتم فما أرجح أحلامكم، وأوفي عقولكم، وأكرم شمائلكم، أين يذهب بكم هداكم الله عن طريق الهداية

стр. 2311

وأين - لا أين - تبتغون الجدوى من غير متطلبها، إن الذي يسره أن يصلح من حال أمته وينشؤها نشأة فاضلة كريمة يعمل على أن يغرس الفضيلة في الأمهات اللواتي يربين شبان الغد في حجورهن، ويخلق التهذيب في تلك المدارس الأولى لنشأتنا المرجوة المخائل، هناك فلتقرّ عينه بأمة رشيدة عاقلة، وشعب سامٍ نبيل، والله المستعان.

стр. 2312

جولة في الأصيل معربة عن الانكليزية بقلم حضرة الكاتب الشاعر الأشهر محمود أفندي عماد: أعط الفكر هدنة، ودعنا نخب في أحشاء هذه المروج الخضر، ونتسنم متن ذلك الساحل الرملي، أو ننحدر إلى مسارب تلك الغابة الغلباء، طائرين بأجنحة الخيال بين مجاهلها الموحشة لنشهد الطبيعة تختال في ثوب عرسها القشيب. اطرح آنة ما صحفك الميتة التي كنت تقرؤها في ليالي الشتاء لترى فيها وصف غيضة أو غدير، وحسبك فاقرأ هذه الصحيفة الحية، صحيفة الطبيعة الحكيمة ن واجمع من أساطرها نخبة صالحة من العظات البالغات، فما أرى كل نجم أو شجر أو ورقة أو زهرة غضة كانت أو يابسة ألا تحتوي على سفر ضخم مكتظ بالحكم الرائعة، والطرف المستملحة فلنقرأ ثم لنقرأ، ولننهب بالعين مخبوءات هذا السفر القيّم. رويدك وانظر قبل أن نغادر عتبة الدار هذه الزهرة التي يسمونها (فلة الوادي) واقرأ طرفتها المعلقة بأجراسها المتدلية البيضاء، أنها لا تنبت على جوانب الطرق العامة حذراً من أن تلهبها شمس الظهيرة المحرقة، وهي ليست على شيء من حب التبرج المكذوب والظهور الخادع، بل تراها قانعة بقميصها الأبيض العادي الذي يتضوع من أردانه ريحها الطيب فيرشد المعتسف إلى منبتها الخفي البعيد. وفي الوقت الذي تطأطئ فيه أترابها الشامخات رؤوسهن أمام سلطان النسيم القاهر تتنفس هي بسكينة ورفق في مخبئها الوادع الأمين، وسواء عليها مرت الريح رخاء تتخلل ثنايا الكروم الدانية أو نكباء تنطح هامات أشجار الحور والبلوط العالية فتحطمها بشراسة وبأس: وكذلك النفوس المتواضعة لا تشعر كثيراً بضربات القضاء المتوالية التي تهز بقوة عرش الملك العظيم. وليست العلياء على منعتها إلا رصداً للمهالك، فلنقنع ولنتواضع نعش في سكينة وسلام، ولكن هلمّ، فقد أبطأنا، وتسلّل برشاقة وحذر لئلا توقظ زهر (الزعفران) النائم أو يراك (الأقحوان) اليقظ الذي يولي وجهه دائماً شطر قرص الشمس، وانظر على كثب منه (زهرة الربيع) التي كأنما أضناها الحب فنكست رأسها لتخفي صدرها المجروح أو زهرة (الدمروز) الملساء ذات الطرف الساجي، وإلى جانبها زهرة (الهندبا) التي تذكرني بالتلميذ يمرح زماناً في ثوب المدرسة الذهبي، ثم تمسه يد القسيس فإذا هو في ثوب روحاني

стр. 2313

ساذج. أو هل بصرت بتلك الزهرة الحزينة، زهرة (الهيكنت) التي يقولون إنها تحيا الليل باكية والنهار منكسة الجبين؟ لله ما أنضر هذا الحقل، وأبهج منظره الذي ترتاح إليه النفوس، إنه كصبي غض الصبا يخب لاهياً في طيلسان من حرير وقد تهدلت على كتفيه خصل شعره الناعم الأثيث ولكأني بالنجوم التي تنتثر في زرقة السماء أقل عدداً من زهرات (كأس الملك) المنتثرة في خضرة هذه الأرض وقد تخللتها زهرات الأقحوان، لشد ما عانى الفلاح الماهر في تهذيب هذه الغروس وتشذيبها وأخص من بينها أشجار (التنوب) الصلبة فنشطت تحمل سلالها الذهبية. على رسلك يا صاح، ولا تدن منها، فإني لأشفق عليك من نصالها المشحوذة التي تدب بحماس عن زهراتها المتدلية. لقد زعموا أن (الأرواح) يألفن كثيراً هذه الأشجار ويهرعن إليها إذا جن الليل جماعات جماعات، وفي يد كل واحدة منهن زهرة من زهرات (كأس الملك) تحتسي بها سلسال النسيم العليل، ثم يأخذن في الرقص والطفر على وقع النغمات البعيدة التي ترويها الريح عن تلك القرى، أو سجعات البلابل الأنيقة التي ترددها عند انتصاف الليل. وما أحسب هذه الدائرة الصغيرة إلا مكان التئام الحفلة، فهنا أتى أبيرون (ملك الأرواح) يقود رهطه على ضوء مشعلته الكبيرة وأخذ معه في اللهو والمرح ولعل ذلك هو سر ما نراه من احتشام الشاة هذه النواحي الخصبة، وتهيبها مراعيها على ما بها من نضارة وإيناع. ويقولون إن هذه الأرواح لا يزلن على حالهن تلك إلى أن ينشطر الليل نصفين ويصيح الديك صيحته المعهودة، فيقفن رقصهن وزمرهن ثم ينصرفن أسرع من سنحات الفكر، ويتبعن (نصف الليل) أينما حل في أنحاء الأرض!! هكذا ينسج الخيال نسيجه الشفاف، ويعجب العقل بهذا الصنع الدقيق، فيفلت من أسره، ويطير بجناحي النسر، محلقاً فوق الشمس. ألم تر إلى تلك الغابة التي تكسو هذا المنحدر كيف تتموج أوراق أشجارها عندما يحركها النسيم فتعكس لوناً فضياً بهيجاً؟ خذ بنا إليها، ولنسلك هذا الدرب الأرنّ، ولنلقف بأسماعنا

стр. 2314

بعض ما يساقط علينا من الأنغام المطربة التي تعجز عن أن تخرجها الصنعة الموسيقية الحديثة. أو تدري ما الذي يلقى إلينا بهذه الأنغام؟ أنها آلة دقيقة تطير حول الشمس يسميها الناس البلبل. إن الطبيعة كثيراً ما تصر آلاءها في دائرة ضيقة!! أنصت! ها هي البلبل تغنينا، ولا أحسب كل من لعب على سمعه شيء من غنائها بقادر على أن يفلت منه. إنها لطائر ذات مروءة، تسعى دائبة في سرور غيرها، وليست كأولئك المغنيات اللائي يغريننا بأصواتهن المصقولة حتى إذا ما استعدناهن أشحن عنا متدللات متكبرات وتركننا بين الراحة والألم!! وهذا هو (الحسون) الصغير، ذو الريش الجميل، يلتقط حبات (البابونج) ثم يقفز برشاقة على فروع (التفاح) المزهرة، فيتأنق في جلسته ما يشاء، ويحيينا بصوته الأغن. ولا أراني ممارياً إذا قلت أني أضن به على القفص ولو أعطيت الدنيا وما فيها. على أني أستميحك وقفة لدى هذا العش الصغير، أو إذا شئت ذلك البناء الحصين وأرجو أن تستظهره ببصرك وتستنبطه، ثم تفضي إليّ بما عساه أن ينالك من الدهش عندما تعرف أن (العصفور) لم يستعن على بنائه بآلة من آلات البناء!! فلا أثر لقاطعة تشذب شواذه، أو مسمار يربط أجزاءه، أو مبرد يصقل خشونته، أو غراء يلصق جوانبه، بل تراه غني عنها جميعاً بمنقاره الصغير!! وبناؤه مع ذلك آية في الدقة والأحكام! فأية يد ماهرة تستخدم كل أسباب العمل، وتفرط فيه عقدين من السنين، ثم تغدو علينا بآخر يحكيه متانة وإتقاناً؟؟ ألا أن حقاً علينا أن ندهش ونعجب من هذه المهارة التي تفضل مهارتنا الفطرية أو لست ترى (النحلة) تلك الصناع الحاذقة، كيف تهزأ بالإنسان الذي يعمد إلى النماذج والأدوات عندما يراد على صنع جرم سداسي بينما هي لا تعمد في صنعه إلا إلى النظر؟ إنها لمهندس داهية كبير، أما رأيت كيف تبدأ بناءها بالسقف عندما نبدؤه نحن بالأساس؟؟ على أنها رغم ما تصرفه في هذا البناء من الجهد تظل هائمة بياض يومها بين الأشجار

стр. 2315

متنقلة من زهرة إلى أخرى بعزمة لا يتطرق إليها الملل. فقل لأولئك (الكسالى) الذين حق عليهم القول إنهم يسرقون قوتهم هلموا فانظروا كيف تبتغي الحياة الشريفة من طريق الكد والعمل!! لقد انكشفت حكمة الحياة لجماعات النحل فانطلقن يكدحن بعزم ومضاء، ولا قوت لهن إلا ما يصدفنه من المن، فإن العالم النباتي - ذلك الكيماوي الكبير - يقطر لهن الذهب فيستحيل إلى سائل عسليّ سائغ الطعم سهل المزدرد. ولكن حسبك وانظر إلى الشمس، إنها تطرق أبواب المغرب تتهادى في غلالة ذهبية آية في الوراء، وتتسلل متباطئة خلف السحب المتقطعة القانية، وإن في فتور حرارتها وانحدار قرصها الأحمر ما ينذرنا بهجوم الليل. رويدك أيتها الفارّة الحسناء، إن الأزهار الحزينة تنكس رؤوسها بوهن وخور فمديها بروح من عندك. . أما وقد أظلنا المساء فلنعد أدراجنا ولنمر من بين تلك الأغصان المشتبكة لنلمح من خلالها الفضاء الأزرق المهيب الذي يسقف الوادي الفسيح المزدحم بالأكواخ وقد تكدست حولها كومات الأعشاب الذابلة، وإلى جانبها ينساب ذلك الغدير الفضيّ في حلة فضفاضة من حقول (البرّ وحشيشة الدينار) وهنالك على مدى البصر ترى غابات البلوط الكثيفة متلعة رؤوسها إلى السماء. كل ذلك قد نسق بمهارة تنسيقاً يعجب الطبيعة. فلله ما أسعد الرجل يشرب قلبه حب بلاده فلا يبتعد عن داره إلا بمقدار جولتنا هذه وهو لا يعدم خلالها وحشة تجذبه إليها حتى إذا عاد فوطئ عتبتها استشعر فرحاً وسروراً يحمد معهما العودة كما نحن الآن. ذلك مثال مما يستقبل به الغربيون ربيع بلادهم، وهو وإن لم يخل من إبداع إلا أنه لا يعادل إبداع الطبيعة عندهم، فلقد خلعت على نواحيهم حللاً مفوّفة عريت من مثلها نواحينا، وصار حقاً على شعرائهم أن يبزوا شعراءنا في الإبانة عن خوالجهم كلما طلع عليها الربيع، فما صحيفة الشاعر إلى صورة لصحيفة الطبيعة في بلاده. وذلك مصدر ما نراه من التباين في خيال الشعراء الغربيين والشرقيين، ولو أن لنا ما لهم
следующие страницы →