Полный текст (3 596 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
زراعة هذه النباتات البقولية.
فهذه النباتات بما تفيده للأرض تعتبر ملجا طبيعياً، وينبوعاً عظيماً لإخصابها الذي هو رأس مال الفلاح وأعز ذخيرة عنده.
(٦) إن الحشرات والفطريات تتكاثر وتنتشر بعض أنواعها مع بعض من النباتات دون البعض الآخر فتفتك بها فتكاً ذريعاً كديدان القطن والبرسم والذرة وسوس القصب والحبوب وغيرها فإذا توالى أو كثرت زراعة هذه الأصناف وجدت تلك الآفات البيئة المناسبة لتناسلها وتكاثرها وانتشاهر فيستشرى الضرر منها حتى يصعب تلافيه كما هو حاصل الآن في زراعة القطن فإذا نوعت زراعة الأرض بأصناف النباتات الأخرى لا تجد تلك الآفات الغذاء الموافق لمعيشتها فتضعف وأخيراً تموت.
ويقال مثل ذلك في الحشائش الضارة التي توجد أصناف منها بكثرة مع بعض مزروعات مخصوصة كالحامول مع البرسيم والهالوك مع الفول والدنيبة مع الأرز
فإذا نوعت زراعة الأرض الملونة من بذور هذه الأعشاب المؤذية بأصناف النباتات الأخرى التي لا توافقها فقدت تلك الأعشاب البيئة الملائمة لها فتقل إلى أن تتلاشى في النهاية.
عرف الفلاح أن زراعة الفول مثلاً في الأرض التي كثير الهالوك بها زراعة خاسرة فنوعها بزراعة نباتات أخرى لانوافقه فيختفي إلى أن يضمحل بتاتاً فيمكن العود إلى زراعتها فولاً بنجاح.
ولما يعرف أن زراعة القطن مع فتك الديدان بها هي زراعة متعبة وخاسرة فلو قال الإكثار من زراعته واعتنى بخدمته وإبادة ديدانه أمكنه الحصول من القدر الذي صارت زراعته إليه على محصول أكثر وأحسن وأربح واسهل مما يتحصل له من القدر الكثير الذي كان يزرعه بدون أن يمكنه حمايته من آفاته. وينتفع بزراعة الأرض التي وفرها بأنواع النباتات الأخرى التي اشتدت الحاجة إليها كنبات الغذاء للإنسان والعلف للحيوان.
(٧) إن بعض المزروعات تستدعي كثرة العمل والمصروف والعناية في خدمتها مدة طويلة كالقطن والقصب والأرز وبعضها يكفيه بعض ذلك كالقمح والشعير والفول والبرسيم فإذا كثرت زراعة النباتات الأولى أجهد الفلاح وقصرت وسائله عن آداء الواجبات الزراعية
стр. 247
باقتدار وإتقان وحينئذ يكون الضرر عظيماً على محصولاتها كما يحصل للقطن.
فمثلاً عند ما يصرح بري الشراقى لزراعة الذرة يضطر الفلاح إلى التعجيل بخدمة أرضه وتسميدها للإلحاق على زراعتها زراعة مبكرة لأنها المورد الوحيد لغذائه فلا يمكنه مع ذلك أن يوفي خدمة القطن كما ينبغي لاتساع مساحته وكثرة عمليات خدمته فيكون عن ذلك أسوأ تأثيراً على محصوله بحيث يبلغ ضرره بضعة ملايين من الجنيهات خصوصاً كلما كان التصريح بري الشراقى بكيراً فإنه يصادف موسم خدمة القطن وتكاثر ديدانه به فلملافاة ذلك تجب الموازنة في زراعة الأرض بين النباتات التي تستدعي عنية أكثر والتي تستدعي عناية أقل وبين قدرة الفلاح واستعداده وذلك بتنويع زراعة الأرض بالنباتات المختلفة وعدم الاستكثار من زراعة الأصناف التي تستدعي مجهوداً كبيراً قد لا يمكن للفلاح القيام به وبالتالي تتلف زراعته.
(٨) إن لطول مكث زراعة بعض النباتات في الأرض تأثيراً أهم في تنويعها فإن القطن وهو محصول صيفي يمكث ثمانية شهور بالأرض ومثله القصب لكنه يمكث أكثر منه لا يكفي غالباً لتنويع الأرض بعده خصوصاً مع حالة الفلاح الحاضرة زراعتها بغيره من الحاصلات الأخرى لمدة سنة واحدة فقط وبالأخص إذا كانت زراعتها بنبات من غير الفصيلة البقلية ولم تسترح الأرض أثناءها مدة كافية لاستجماعها خصبها.
وقد لوحظ أن الأرض المتبعة فيها الدورة الثنائية ينظامها الحالي ووسائلها القاصرة قد أجهدت تربتها وانحطت محاصيلها.
وإذا فالواجب أن يراعى مع زراعة الأرض بأنواع النبات ذات التأثير الحسن والنباتات الأقل إجهاداً أن يستمر ذلك مدة تكفي لمنع تأثير النباتات المنهكة للأرض أي الأشد تأثيراً والأكثر إجهاداً لخصوبتها.
(٩) إن لطرق إفلاح الأرض وخدمتها لأنواع النبات تأثيراً مهماً على تربتها فإذا أكثرنا مثلاً من زرع الأرض بالنباتات الحشيشية والحبوبية بالتوالي كالبرسيم والقمح والفول والشعير ونحوها من الزروعات التي لا تستدعي حرثاً عميقاً ولا عزيقاً نكون قد حرمنا التربة من التأثير الحسن الذي يكون عن إجراآت الخدمة المتقنة المتكررة الزائدة في خصبها وسمكها عمقها والمستأصلة للأعشاب المؤذية منها كما ينبغي لكنها إذا نوعت
стр. 248
بالأصناف الأخرى التي تشتد في الحرث العميق مراراً والعزيق تكراراً والخدمة الجيدة دواماً كالقطن والذرة والبصل وغيرها من المحصولات التي تزرع في خطوط - أمكن مع ذلك تعميق التربة وتنظيفها من بذور الأعشاب المؤذية وتطهيرها من جراثيم الآفات الضارة وتعريضها أكثر للمؤثرات الجوية التي لا بد منها لفائدتها.
(١٠) إن لطريقة الري المتبعة الشأن الأول في الترتيب الزراعي ففي حياض الصعيد حيث لا تروى الأرض إلا في فصل الخريف من ماء النيل مدة فيضانه فقط لا تزرع الأرض إلا أصنافاً شتوية قمح وفول وبرسيم وشعير وحلبة وعدس وترمس وجلبان الخ يبذر بذرها تقاويها عقب تصفية المياه عن تلك الحياض ثم تترك الزراعة إلى أوان الحصاد أو الرعي إذا كانت من نباتات العلف - بدون شيء من الخدمة غالباً ثم بعد إخلاء الأرض منها تترك بائرة إلى الفيضان التالي فتروى وتزرع كالسابق وهكذا أما في أرض الترع حيث توجد مياه الري طول السنة تحت تصرف الزراع ومثلها بعض أرض الحياض القريبة من ساحل النيل أو التي بها آبار ارتوازية تزرع الأرض بأنواع الزروعات الشتوية والصيفية والنيلية.
فبوجود المياه دواماً يمكن تنظيم دورة زراعية تامة أي لا تقتصر على فصل دون فصل ولا مزروعات دون مزروعات ويمكن للزارع استغلال الأرض بأقصى ما يتيسر له من الوسائل الأخرى الممكنة.
فبعض المزروعات تستدعي رياً منتظماً في فترات متقاربة مقدرة طول مدة وجودها بالأرض كالقطن والقصب والتيل والبرسيم المسفاوى الخ وبعضها يكفي فيه الري مرة واحدة قبل البذار كالقمح والشعير والفول والبرسيم البعلي وغيرها من المزروعات التي في أرض الحياض.
فمن هذه الوجهة ذات الشأن الأول تنقسم الدورة الزراعية إلى قسمين أصليين الدورة المتبعة في أرض الري المستديم والدورة المتبعة في أرض الري الموقت
ومما يلاحظ هنا أن بعض النباتات يستدعي وفرة المياه لنموها كالنباتات المائية التي أشهرها الأرز والدنيبة فإنها لا تنمو إلا بوجودها في الماء دواماً واذاً فلا تزرع بنجاح إلا حيث تكون المياه وفيرة حتى في فصل التحاريق الذي تقل فيه المياه عادة لذلك يجب أن
стр. 249
يراعى في زراعة مثل هذه النباتات التحقق من وجود المياه بغزارة مدة نموها.
(١١) إن لبيئة الأرض تأثيراً أولياً في زراعة أنواع المزروعات وتفضيل بعضها على بعض ففي الوجه القبلي لجفاف أرضه وحرارة جوه يجود فيها بعض أنواع من النباتات أكثر مما تجود في غيره كالقصب والفول والعدس فإن في الوجه البحري خصوصاً في شماله حيث الجو أقل جفافاً لا تجود جودتها بالصعيد. كذلك أرض الصعيد لخلوها أو لندرة الأملاح فيها عما هي في أرض الوجه البحري خصوصاً شماليه أيضاً تجود فيها النباتات الحبوبية عنها في غيرها.
والوجه البحري خصوصاً الجهات الجنوبية منه لجفافها وانتظام حرارتها ورطوبتها يجود فيها القطن أكثر من الجهات الأخرى.
وشمالي الدلتا لرطوبتها وملوحتها تفضل فيها زراعة النباتات المائية كالارز والدنيبة يتلى.
أحمد الألفي
стр. 250
أمالي البيان
أخبار السيدة سكينة
(تابع)
وكان ابن سريج قد أصابته الريح الخبيثة وآلى يميناً أن لا يغني ونسك ولزم المسجد الحرام حتى عوفي ثم خرج فأتى المدينة ونزل على بعض إخوانه من أهل النسك والقراءة فأقام في المدينة حولا ثم أراد الشخوص إلى مكة وبلغ ذلك سكينة فاغتمت لذلك غماً شديداً وضاقت به ذرعاً وكان أشعب يخدمها وكانت تأنس بمضاحكته ونوادره كما أسلفنا فقالت لأشعب ويلك إن ابن سريج شاخص وقد دخل المدينة منذ حول ولم أسمع من غنائه قليلاً ولا كثيراً ويعز على ذلك فكيف الحيلة في الاستماع منه ولو صوتاً واحداً فقال لها أشعب جعلت فداك وأني لك بذلك والرجل اليوم زاهد ولا حيلة فيه فارفعي طمعك وامسحي بوزك تنفعك حلاوة فمك فأمرت بعض جواريها فوطئن بطنه حتى كادت أن تخرج أمعاؤه وخنقته حتى كادت نفسه أن تتلف ثم أمرت به فسحب على وجهه حتى أخرج من الدار إخراجاً عنيفاً فخرج على أسوء الحالات واغتم أشعب لذلك غماً شديداً وندم على ممازحتها في وقت لا ينبغي له ذلك فأتي منزل ابن سريج ليلاً فطرقه فقيل من هذا فقال أشعب ففتحوا له فرئ على وجهه وليحته التراب والدم سائلاً من أنفه وجبهته على لحيته وثيابه ممزقة وبطنه وصدره وحلقه قد عصرها الدوس والخنق ومات الدم فيها فنظر ابن سريج إلى منظر فظيع هاله وراعه فقال له ماهذا ويحك فقص القصة عليه فقال ابن سريج إنا لله وإن إليه راجعون ماذا نزل بك والحمد لله الذي سلم نفسك لا تعودن إلى هذه أبداً قال أشعب فديتك هي مولاتي ولا بد لي منها ولكن هل لك حيلة في أن تسير إليها وتغنيها فيكون ذلك سبباً لرضاها عني قال ابن سريج كلا والله لا يكون ذلك أبداً بعد أن تركته قال أشعب قد قطعت أملي ورفعت رزقي وتركتني حيران بالمدينة لا يقبلني أحد وهي ساخطة علي فالله الله في وأنا أنشدك الله ألا تحملت هذا الإثم فيّ فأبى عليه فلما رأى أشعب أن عزم ابن سريج قد تم على الامتناع قال في نفسه لا حيلة لي وهذا خارج وإن خرج هلكت فصرخ صرخة فتحت آذان أهل المدينة ونبه الجيران من رقادهم وأقام الناس من فرشهم ثم سكت فلم يدر الناس ما القصة عند خفوت الصوت بعد أن راعهم فقال ابن سريج ويلك ما هذا قال لئن لم تسر
стр. 251
معي إليها لأصرخن صرخة أخرى لا يبق أحد بالمدينة إلا صار بالباب ثم لأفتحنه ولأرينهم ما بي ولأعلمنهم أنك أردت أن تفعل كذا وكذا بفلان يعني غلاماً كان ابن سريج مشهوراً به فمنعتك وخلصت الغلام من يدك حتى فتح الباب ومضى ففعلت بي هذا غيظاً وتأسفاً وإنك إنما أظهرت النسك والقراءة لتظفر بحاجتك منه وكان أهل مكة والمدينة يعلمون حاله معه فقال ابن سريج أعزب أخزاك الله قال أشعب والله الذي لا إله إلا هو وإلا فما أملك صدقة وامرأتي طالق ثلاثاً وهو يخير في مقام إبراهيم والكعبة وبيت النار والقبر قبر أبي رغال إن أنت لم تنهض معي في ليلتي هذه لأفعلن ما قلت لك فلما رأى ابن سريج الجد منه قال لصاحبه ويحك أما ترى ما وقعنا فيه وكان صاحبه الذي نزل عنده ناسكاً فقال لا أدري ما أقول فيما نزل بنا من هذا الخبيث وتذمم ابن سريج من الرجل صاحب المنزل فقال لأشعب اخرج من منزل الرجل فقال رجلي على رجلك فخرجا فلما صارا في بعض الطريق قال ابن سريج لأشعب امض عني قال والله لئن لم تفعل ماقلت لأصيحن الساعة حتى يجتمع الناس ولأقولن أنك أخذت مني سواراً من ذهب لسكينة على أن تجيئها لتغنيها سراً وأنك كابرتني عليه وجحدتني وفعلت بي هذا الفعل فوقع ابن سريج فيما لا حيلة له فيه فقال امض لا بارك الله فيك فمضى معه فلما صار إلى باب سكينة قرع الباب فقيل من هذا فقال أشعب قد جاء بابن سريج ففتح الباب لهما ودخلا إلى حجرة خارجة عن دار سكينة فجلسا ساعة ثم أذن لهما فدخلا إلى سكينة فقالت يا عبيد ما هذا الجفاء قال قد علمت بأبي أنت ما كان مني قالت أجل فتحدثا ساعة وقص عليها ما صنع به أشعب فضحكت وقالت لقد أذهب ما كان في قلبي عليه وأمرت لأشعب بعشرين ديناراً وكسوة ثم قال لها ابن سريج أتأذنين بأبي أنت قالت وأين قال إلى المنزل قالت برئت من جدي إن برحت من داري ثلاثاً وبرئت من جدي إن أنت لم تغن إن خرجت من داري شهراً وبرئت من جدي إن أقمت في داري شهراً إن لم أضربك لك يوم تقيم فيه عشراً وبرئت من جدي إن حنثت في يميني أو شفعت فيك أحداً فقال عبيد واسخنة عيناه اذهاب ديناه وافضيحتاه ثم اندفع يغني:
أستعين الذي بكفيه نفعي ... ورجائي على التي قتلتني
ولقد كنت قد عرفت وأبصر ... ت أموراً لو أنها نفعتني
стр. 252
قلت أني أهوى شفا ما ألاقي ... في خطوب تتابعت فدحتني
فقالت سكينة فهل عندك يا عبيد من صبر ثم أخرجت دملجاً من ذهب كان في عضدها وزنه أربعون مثقالاً فرمت به إليه ثم قالت أقسمت عليك إلا ما أدخلته في يدك ففعل ذلك.
ثم قالت لأشعب أذهب إلى عزة الملاء فاقرئها مني السلام وأعلمها فأسرعت المجيء فتحدثوا باقي ليلتهم ثم أمرت عبيداً وأشعب فخرجا فناما في حجرة مواليها فلما أصبحت هيء لهم غداؤهم وأذنت لابن سريج فدخل فتغدى قريباً. منها مع أشعب ومواليها وقعدت هي مع عزة وخاصة جواريها فلما فرغوا من الغداء قالت ياعز إن رأيت أن تغنينا فافعلي فقالت أي وعيشك فتغنت لحنها في شعر عنترة العبسي:
حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
إن كنت أزمعت الفراق فإنما ... زمت ركابكم بليل مظلم
فقال ابن سريج أحسنت والله ياعزة وأخرجت سكينة الدملج الآخر من يدها فرمته لها وقالت صيري هذا في يدك ففعلت ثم قالت لعبيد هات غننا فقال حسبك ما سمعت البارحة فقالت لا بد أن تغنينا في كل يوم لحنا فلما رأى ابن سريج أنه لا يقدر على الامتناع مما تسأله غني:
قالت من أنت علي ذكر فقلت لها ... أنا الذي ساقه للحين مقدار
قد حان منك فلا تبعد بك الدار ... بين وفي البين للمبتول أضرار
ثم قالت لعزة في اليوم الثاني غني فغنت لحنها في شعر الحرث بن خالد:
وقرت بها عيني وقد كنت قبلها ... كثير البكاء مشفقاً من صدودها
وبشرة خود مثل تمثال بيعة ... تظل النصارى حوله يوم عيدها
قال ابن سريج والل ما سمعت مثل هذا قط حسناً ولا طيباً ثم قالت لابن سريج هات فاندفع يغني:
أرقت فلم أنم طرباً ... وبت مسهداً نصباً
لطيف أحب خلق الله ... إنسانا وإن غضبا
فلم أردد مقالتها ... ولم أك عاتباً عتباً
ولكن صرمت حبلي ... فأمسى الجهل منقضباً
стр. 253
فقالت سكينة قد علمت ما أردت بهذا وقد شفعناك ولم نردك وإنما كانت يميني على ثلاثة أيام فاذهب في حفظ الله وكلاءته ثم قالت لعزة إذا شئت أقمت أو انصرفت ودعت لها بحلة ولابن سريج بمثلها وانصرفت وأقام عبيد حتى انقضت ليلته وانصرف فمضى من وجهه إلى مكة راجعاً.
وهذا ابن سريج هو (متلو)
стр. 254
النقد والتقريظ
تاريخ آداب العرب
أطرفنا صديقنا نابغة الفنين من البيان والأدب، وذو الرئاستين على النظم والنثر من لغة العرب أبو السامي مصطفى صادق الرافعي بنسخة من المجلد الأول من هذا التاريخ النفيس الذي طال تشوق الأدباء إليه وارتقابهم مطلعه منذ سنيات حتى جعلوا ينتقمون من إبطاء الأمل بتعجيل اليأس فيرون أن الكتاب لا يصدر ثم يذكرون عزيمة صاحبه وكفايته فيعودون إلى التأميل ويعتصمون بالصبر الجميل ويتركون الثمرة لغصنها إذ كان لا بد له في إنضاجها من وقت موقوت.
واليوم قد صدر المجلد الأول في قريب من ٤٥٠ صفحة من الغرار الكامل وهو يحتوي الكلام في تأريخ اللغة وتأريخ روايتها وما يداخل هذين البابين. وقد بقي من التاريخ عشرة أبواب تقع في أربعة أجزاء من غرار هذا الجزء وحجمه - هكذا كتب الرافعي على غلاف الجزء الأول وإن حقاً على (البيان) - وهو الذي أرصدناه للآداب العربية - أن يفيض في القول على هذا الكتاب بما يوفيه بعض حقه فأنا أعلم الناس بما عاناه صاحبه من اقتحام هذه الخطة المنكرة المتوعرة ومطاولة التعب فيها حتى يضارع تقدير الذين أملوه من الأدباء وثقة الذين استكفوه من الفضلاء.
لما فتحت الجامعة المصرية أسقطت الآداب العربية من دروسها دون آداب اللغات الأخرى ومرت على ذلك زمناً حتى اشتهرها الرافعي وتبهها إلى هذا الواجب الذي ينبغي أن تجعل ما سواه نافلة بالنسبة إليه فنشرت الجامعة على الأدباء اقتراحاً تسألهم فيه أن يضعوا لها كتاباً وافياً في تاريخ آداب اللغة العربية على أن تكون مدة التأليف سبعة أشهر فقرأنا يومئذ في الجريدة الغراء مقالة للرافعي ليس أبلغ منها في باب التهكم والتقريع أوليس هذا الاقتراح نفسه مادة نادرة من مواد الهزل الذين يراد به الجد والا فأي أديب أو شبه أديب يطمع أن يؤلف ذلك الكتاب الوافي في سبعة أشهر وهو لو وجده في مكتبة الجامعة. .! مثلاً وأراد أن ينسخه ويدعيه لما كفته هذه الأشهر التي هي بطبيعتها مدة الحمل الناقص.
فتداول مجلس ادارة الجامعة الأمر لأطال مدة التأليف إلى سنتين وقد خلت وإن الثالثة لتوشك أن تنقضي ومع هذا لم يقدم للجامعة كتاب ولا شبه كتاب. وكانت تعلم حق العلم أن
стр. 255
الرافعي يعمل في هذا التاريخ فلا ندري كيف تفهم اليوم هذا المعنى البليغ الصامت وهو طي الكتاب دونها ونشره للناس.
ونحن فقد قرأنا كتباً مختلفة سماها أصحابها تاريخ أدبيات اللغة العربية فلم نر إلا مايصح أن يسمى دروساً ابتدائية. أما للعلم الذي لايكون إلا بعد النظر والنظر الذي لا يكون إلا بعد البحث والبحث الذي لا يكون إلا مع الروية وبسطة الذرع فلم نر منه وفي الحقيقة أن الذي يطمح لأن يضع كتاباً في تاريخ الآداب العربية إنما يضطلع بعمل كان ينبغي أن يتوزعه كثير من العلماء والرواة المتقدمين في عصور مختلفة ولكنهم أهملوه فلم يبق إلا أن يقوم وحده مقامهم جميعاً وفي هذا من العنت والبلاء مالا يمكن لقلم أن يصوره ويصفه بأبلغ مما جاء به الرافعي في مقدمة كتابه المنشورة في غير هذا الموضع وإن العثور على مواد هذا التاريخ لايسر التعب فيه وإن كنت لاتجدها إلا متبددة ولا تجد المتبدد منها إلا ناقصاً ولا تجد الناقص إلا بعيداً كل البعد عن صورة التاريخ فأهون العمل في التأليف أن تقرأ عشرات المجلدات صابراً محتسباً فإن عثرت علي أشياء وأردت أن تستنبط منها التاريخ وتربط أجزاءه وتتم نقصه بالاستنتاج والتنظير فهناك العقبة الكؤد التي لا يصعد فيها إلا النسر. وعلى هذا ترى أنه لايمكن أن يجيء التاريخ من مؤرخ أو لغوي أو شاعر أو كاتب أو خطيب بل من مجموع هذه كلها حتى تكون شخصية المؤلف واضحة في كل باب فيكتب في التاريخ مؤرخاً وفي اللغة لغوياً وفي الشعر شاعراً وفي النثر كاتباً وفي الخطابة خطيباً ثم لا يفوته أن يكون جريئاً في الحق نقاباً عليه فإن التقديس الكاذب الذي أضعف جرأة العلماء المتقدمين من أهل الأدب هو الذي ضيع مواد هذا التاريخ وطمس على كثير من أصوله كما ترى شرح ذلك في مواضع متعددة من الكتاب الذي بين أيدينا. ولسنا نعلم أحداً في أدباء العصر يتقدم في تلك الأبواب كلها غير صاحب هذا الكتاب.
لذلك ترى النقص ظاهراً كل الظهور في كل الكتب التي وضعها فضلاء المستشرقين كما تراه في هذه الكتب والدروس التي ابتلى بها طلبة المدارس في مصر أعلاها وأدناها من كل كتاب مكتئب وأسلوب مسلوب وتحقيق غير حقيق.
هذا في رأينا أكبر أسباب النقص أما أصل الخطأ الذي وقع فيه كل المؤلفين في تاريخ الآداب العربية فقد وصفه الرافعي في كلمته التي عقب بها على المقدمة وهو يرى أن ذلك
стр. 256
إنما يجيء من تقسيم التاريخ إلى عصور متباينة اتباعاً ومساوقة لكتاب الأوربيين في وضع آدابهم مع أن بين الصنفين فروقاً طبيعية واضحة. قال الرافعي بعد أن بسط هذا المعنى بسطاً شافياً: إذا تدبرت هذا وأنعمت على تأمله علمت السبب في حشو مانراه من كتب الأدبيات التي ترتب على العصور بالطم والرم من تاريخ العلوم الدينية والدنيوية وبالتراجم الكثيرة التي تخرج بشطر الكتاب إلى أن يكون سجل وفيات ثم بتعداد الكتب والمؤلفات التي تلحق شطره الآخر بكتب الفهرست. ومؤلفوا هذه الكتب لا يدرون أنهم مرغمون على ذلك بحكم هذه الطريقة العقيمة التي تتبنى ولا تلد إذ ليس في تفتيش هذه القبور عن بقايا الحياة إلا العظام ومن يرجع إلى ورائه لا يقطع شيئاً إلا الأمام.
ثم هم يجهلون أن لتاريخ كل أمة تباين غيرها مباينة طبيعية مزاجاً معنوياً تتعلق به حوادثها كما تتعلق أخلاق الفرد بنوع مزاجه الفطري ومن أين يكون للعصبي في أبواب التحمل والأناة والسعة والخفض ما يكون لذي المزاج الليمفاوي مثلاً. فأيما أمرؤ أجرى على الاثنين حكماً واحداً ظلمهما كليهما وكذلك الأمر في أمزجة التاريخ.
وأنت خبير بأن الرجال في تاريخ الآداب الأوروبية هم قطعه التي يتألف منها لأنهم متصرفون في اللغة كأنها إنما توضع لعهدهم أوضاعاً جديدة فكل رجل منهم في طريقته ومذهبه فن علم أو هو على الحقيقة قطعة متميزة في تركيب التاريخ العقلي. ولكن الرجال عندنا في قياسهم بأولئك ينزلون منزلة التشبيهات من المعاني الأصلية إلا ماندر ولا حكم للنادر وذلك لأن في لغتنا معنى دينياً هو سرها وحقيقتها فلا نجد من رجل روى أو صنف أو أملي في فن من فنون الآداب أول عهدهم بذلك إلا خدمة للقرآن الكريم ثم استقلت الفنون بعد ذلك وبقى أثر هذا المعنى في فواتح الكتب والقرآن نفسه حادثة أدبية من المعجزات الحقيقية التي لا شبهة فيها وإن لم يفهم سر ذلك من لا يفهمونه أفيصلح بعد هذا أن يكون تاريخ الأدب العربي مبنياً على غير حوادثه التي كونته وتعلق بأكثرها رجاله دون أن تتعلق بهم كما هو الشأن في سواه انتهى كلام الرافعي.
وهذه هي الحقيقة بعينها فإن تطور التاريخ الأدبي لا يكون من تطور الدول واختلافها كما يقال الدولة الأموية والعباسية مثلاً وإنما يكون من تطور الشعوب والجماعات في أخلاقها وعاداتها وهو انقلاب لا يكون من تأثير الدولة وحدها ولكن من تأثير العلماء والأدباء
стр. 257
وهؤلاء لا يتعلقون بالعصور السياسية إلا من أضعف الجهات الأدبية كما هو واضح في التاريخ العربي على الخصوص.
قال الرافعي ولذلك رأينا الطريقة المثلى أن نذهب في تأليفنا مذهب الضم لا التفريق وأن نجعل الكتاب على الأبحاث التي هي معاني الحوادث لا على العصور فنخصص الآداب بالتاريخ لا التاريخ بالآداب كما يفعلونه وبذلك يأخذ كل بحث من مبتدئه إلى منتهاه متقلباً على كل عصوره سواء اتسقت أم افترقت فلا تسقط مادة من موضعها ولا تقتسر على غير حقيقتها ولا تلجأ إلى غير مكانها ثم لا يكون بعد ذلك في التاريخ إلا التاريخ نفسه لا ما يزين به من العبارة المونقة ولا ماتوصل به الحقائق القليلة من تصورات الخيال وشعر التأليف إلى أمثال ذلك من مواضع الاستكراه وضيق المضطرب وأمثلته فيما بين أيدينا ماثلة لا تحتاج إلى انتزاع وهي على نفسها شاهدة فلم يبق في أمرها نزاع.
وقد جعل أبواب كتابه اثني عشر باباً ضمن الجزء الأول منها بابين اثنين وهما باب اللغة وباب الرواية والرواة وقدم بين يدي ذلك فصلين في تاريخ كلمة الأدب وفي أصل العرب.
وأكثر ما تراه من الفصول في باب اللغة مبتكر لم يسبق إليه وخصوصاً آراءه الاجتماعية التي طبق عليها تاريخ اللغة اما باب الرواية فهو بجملته ابتكار محض لم يسبقه إليه متقدم ولا متأخر.
ولا نعلم أحداً اجترأ عليه مع أن التاريخ لا يتحقق إلا به لمجيء كل الآداب العربية من طريق الرواية وقد وضع هذا الباب في نحن ١٦٠ صفحة تحتوي على فرائد اثيرة وفوائد كثيرة مما يعز العثور عليه ويندر التوفق إليه.
وبالجملة فأنت تقرأ هذا الجزء من أوله إلى آخره فتستمرئ أسلوبه الفصيح البارع الذي يكفي في وصفه أن يقال أنه من قلم الرافعي وتستغزر مواده النادرة غير أنك لا ترى في وضع مثله صعوبة إذ تجد نهج التاريخ. واضحاً ونسقه مطرداً واذ لا تجد حشوا ولا تكلفا ولا تعسفا ولا اضطرابا ولا نحو ذلك مما يدل على الحيرة وتقطع المادة ونضوب البيان وهي أخص عيوب الكتب التي وضعت في تاريخ الآداب ولكنك لو تماديت في ظنك وأردت أن تتحقق سهولة العمل من صعوبة وحملت نفسك على معارضة فصل واحد مما في الكتاب لأنفقت زمناً طويلاً ثم لا ترى إلا أنك أصبحت تقلب كفيك على ما أنفقت لأنك
стр. 258
تجد الفصل الواحد في حكم الكتاب كله لا يتأتى لك إلا بعد الاستقراء والتتبع وتصفح الأسفار الكثيرة وإنضاء الخاطر والإنفاق من سواد القلب قبل الإنفاق من سواد المداد وليس ذلك فقط بل لا بد من اشتمالك على روح خاص يكون مفطوراً من الذكاء على قوة آلهية تتسلط على أرواح التاريخ وبعبارة أجلى بياناً لا بد من أن تكون نابغة نبوغاً غير مكيف ولا محدودا بصفات معينة بل هو في كل وقت يلبس مظهراً جديداً.
ولا ننكر أن الرافعي لم يخلق مواد كتابه ولا هي كانت خالصة له من دون الناس بل هي لا تزال مبتذلة في كل مكتبة ولكن أديب ولكن من غيره وفق لاستخراج هذه المواد وتنظيمها واستنباط التاريخ منها على هذا النهج الواضح حتى كأنه كذلك في أصل الوضع لقد ظهرت في الشرق مجلات وكتب أدبية كثيرة وتفرغ أناس من اهل الذكاء والاطلاع لخدمة الأدب وقضوا في ذلك مدة العمر الأطول فما الذي كان يصرفهم عن هذا العمل وما الذي كان يمنع مثل الأستاذ اليازجي أن يجعل هذا التاريخ من فصول مجلاته التي قام على إنشائها وأرصدها للآداب وقد أغنت في اللغة والإنشاء غناء كبيراً ولم تغن في تاريخ الأدب إلا شيئاً يسيراً؟
هذا على أن صاحب (تاريخ آداب العرب) تبه في عدة مواضع من كتابه إلى أنه يتفادى من التطويل والبسط والاتساع في الأمثلة ويضرب صفحاً عن كثير مما كان قد أعده للنشر في فصول هذا الجزء. فواها للشرق وأهله يضطلع النابغة بالعمل الشاق ويفترع الخطة العذراء وينزع كل منزع في طلب الكمال ثم لا يرى من يشد أزره أو يعينه في اظها عمله وتتركه الأمة فرداً يكتب ويطبع وينشر فيضطر إلى الاقتصار على مالا بد منه وينقص برغم نقص القادرين على التمام كأن الأديب ليس لقباً تاريخياً لأمة عليها أن تزيد في حاضرة ليزيد في مستقبلها لأنه قطعة من هذا المستقبل فهي إن شاءت جعلتها قطعة رثة بالية تظهر مظهر الرقعة في اسمال المحتاج وإن شاءت جعلتها قشيبة سابغة تنزل منها منزلة الطراز على الديباج.
ينبغي أن نتحول كما تحولت الأمم وأن نجانس هذه الأمم الراقية فنكون معها على السواء لا أن نطابقها فنكون معها على النقيض وهيهات أن يكون ذلك إلا إذا عمل أدباؤنا وجاءت أعمالهم ناضجة لا فجة تورث الحمى الاجتماعية. .! وإنى لهم ذلك وقد فقدوا المعاونة من
стр. 259
سراة الأمة وحكومتها معاً على أن لنا ناشئة من الأمل الوثيق في هذا النشء الكريم الذي نهضت به الأمة هذه النهضة العالية ولعمري لو أقبل أفراد هذا النشء على كتاب الرافعي وأنفوا لجنسيتهم العربية فعاونوه بالإقبال على إظهار ما بقي من أجزائه لكان لنا بفضلهم موسوعات تامة نباهي بها آداب الأمم ولكان تمام هذا التاريخ تاريخاً جديداً على أنهم حياة هذه النهضة المباركة ولعلهم فاعلون إن شاء الله.
عتاب واستصراخ
للشاعر العصري الكبير خليل مطران
صدقت في عتبكم أو يصدق الشمم ... لا المجد دعوى ولا آياته كلم
يا أمتي حسبنا بالله سخرية ... منا ومما تقاضى أهلها الذمم
هل مثل ما نبتاكى عندنا حزن ... وهل كما نتشاكى عندنا ألم
إن كان من نجدة فينا تفجعنا ... فليكفنا ذلنا وليشفنا السقم
تمتعوا وتملوا ما يطيب لكم ... ولا ترعكم محاظير ولا حرم
أو اعلموا مرة في الدهر صالحة ... علما تؤيده الأفعال والهمم
بأي جهل غادونا أمة هملا ... وأي عقل تولت رعينا الأمم
لا تنكروا عذلي هذا فمعذرتي ... جرح بقلبي دام ليس يلتئم
نحن الذين أبحنا الراصدين لنا ... حمي به كانت العقبان تعتصم
هي الحقيقة عن نصح صدعت بها ... وما النصيحة إلا البر والرحم
لم أبغ من ذكرها ان تيأسوا جزعاً ... خير من اليأس أن يستقدم العدم
اليأس منهكة للقوم موبقة ... في حمأة تتلاشى عندها الشيم
ما مطلب الفخر من أيد منعمة ... رطيبة ونفوس ليس تحتدم
يأس الجماعات داء إن تملكها ... فهو التحلل يتلوه الردي العمم
كالشمس يأكل منها ظل سفعتها ... حتى يبيد شعاع الشمس والضرم
لا تقنطوا كره الله الالى قنطوا ... اليوم يعتزم الأبرار فاعتزموا
اليوم تنفس بالأوطان قيمتها ... عن كل شيء وتدنو دونها القيم
اليوم إن تبخلوا أعماركم سفه ... والجاه فقر ومقصوراتكم رجم
стр. 260
إني لأسمع من حزب الحياة بكم ... نصراً لأمتنا سحقاً لمن ظلموا
نعم لتنصر على الباغين أمتنا ... لا بالدعاء ولكن نصرها بكم
لتبق يقظى على الأدهار نابهة ... لا إلا من يهفو بها سكرى ولا النعم
لتحي وليمت الموت المحيط بها ... من حيث يدفعه أعداؤنا الغشم
إن نبغ إعلاءها لاشيء يخفضها ... فهل تموت وفيها هذه النسم
لسنا من الجبناء الحاسبين إذا ... نجوا نجاة العبدي إنهم سلموا
الشعب يحي بأن يفدى ومطعمه ... مال البنين مزكى والشراب دم
مهما منحناه من جاه ومن مهج ... فبيعة البخس بالغالي ولا جرم
عودوا إلى سير التاريخ لا تجدوا ... شعبا قضى غير من ضلوا الهدى وعموا
أولئكم إنما بادوا بغرتهم ... وإنهم آثروا اللذات وانقسموا
لا شعب يقوى على شعب فيهلكه ... فإن تر القوم صرعى فالجناة هم
يا أمتي هبة للمجد صادقة ... فالنصر منكم قريب والمنى أمم
عاذت بآبائها الماضين دولتنا ... من أن يلم بها في عهدنا يتم
فاحموا حماها ولا تهتك ستائرها ... عن منجبات العلى يستحيها العقم
واحر قلباه من حرب شهدت بها ... سطو الثعالب لما أقفر الأجم
هانت علينا وإن جلت مصيبتها ... لو أن خطاب ذاك الفخر غيرهم
أي طيف عثمان لم يبرح بهيبته ... حياً على أنه بالذكر مرتسم
أني تخطي حدوداً أنت حارسها ... جفلى الطلايين لم يخشوا ولم يجموا
أني وقد علموا من جارهم قدما ... ومن بنيه غزاة الروم ما علموا
لورعت يا طيف من غيب مسامعهم ... بزأرة حين جد الجد لانهزموا
أو كنت تملك وثباً من نوى لرأوا ... من ذلك الليث ما لا تحمد النعم
ظنوا بملكك من طول المدى هرما ... سيعرفون فتي لا يعرف الهزم
يحميه عزم إذا اغتروا بهدنته ... فما به وهن لكن بهم وهم
خذوا حقيقة ما شبهتموه لكم ... مما تخبره القيعان والقمم
هل في جزائركم أم في مدائنكم ... مالم تطأه له من سالف قدم
стр. 261
أبناء عثمان حفاظ وقد عهدوا ... تاريخ عثمان فيه الفتح والعظم
هم الحماة لاعلاق الجدد فلن ... يرضوا بأن ينثر العقد الذي نظموا
خلتم طرابلس الغنم المباح لكم ... وشر ما قتل الخداع ماغنموا
هناك يلقي سراياكم وإن ثقلت ... احلاس حرب خفاف في الوغاي هضم
يغشون بكر الروابي وهي ناهدة ... فتكتسيهم على عرى وتحتشم
وربما طرقوا الطود الوقور ضحى ... فهو الخليع يصابيهم ويغتلم
ورب واد تواروا فيه ليلتهم ... فحاطهم بجناحيه وقد جثموا
عطف العقاب على أفراخه فإذا ... تواثبوا قلقت من روعها الأكم
أتنظرون بني الطليان معجزهم ... وتذكرون الذي أنساكم القدم
هل في الجيوش كما فيهم مباسطة ... مع المكاره أما لزت الأزم
جند من الجن مهما أجهدوا نشطوا ... كأنما الضيم بالأعداء دونهم
مهما تشنعت الحرب الضروس لهم ... أعارها ملمحاً للحسن حسنهم
متى صلوها وفي الجنات موعدهم ... فالهول عرس ومن زيناته الخذم
والأرض راقصة والريح عازفة ... والجد يمزح والأخطار تبتسم
مغلبين ولا دعوى ولا صلف ... معذبين ولا شكوى ولا سأم
وقد يكونون في بؤس وفي عطش ... فما يقي الغرماء الري والبشم
الجوع قبح من كفر وإن ولدت ... منه أعاجيبها الغارات والقحم
هو القوي الذي لا يظفرون به ... وهو الخفي الذي يفنى ويهتضم
لا تتركوه يراديهم وقد قعدت ... بلا قتال تلاشي بأسها البهم
يارب عفوك حتى الماء يعوزهم ... فمر تجدهم بنقع الغلة الديم
لا خطب أبشع من خطب الأوار وقد ... باتت حشاشاتهم كالنار تضطرم
لكن أراهم وفي أروحهم علل ... مما تواعدها الثارات والنقم
كونوا ملائك لا جوع ولا ظمأ ... وليغلبن نظام الخلق صبركم
ألستم الغالبين الدهر تدهمكم ... منه الصروف فتعي ثم تنصرم
أليس منكم أوان الكركل فتى ... يصول ماشاء في الدنيا ويحتكم
стр. 262
صعب المراس على الآفات يتعبها ... جلد تحاذفه الأنوار والظلم
وكل ذي مرة يمضي برايته ... إلى الجهاد كما اعتادت ويغتنم
يقول للعلم الخفاق في يده ... فيئ من الأرض ما تختار يا علم
وكل آب بقاء أن أباه له ... عز لدولته أو مطمع سنم
يهوى وفي قلبه رؤيا تصاحبه ... من آية الفتح حيث العمر يختتم
الموت مالم يكن عقبي مجاهدة ... نوم تبالد حتى ما به حلم
بعض الثرى فيه آمال يحس لها ... ركز ونبض وفي بعض البرى رمم
أولئكم منصفونا يوم كربتنا ... من الأولى غاصبونا الحق واختصموا
أرعد حديدا أبرق في كتائبنا ... أغلظ ورق كما يبغيك بطشهم
ابصق دخاناً بوجه المعتدي ولظى ... إذا التفت تحاذيه وفيك فم
أو التمع في نصال لا عداد لها ... خطافة تتغنى وهي تقتسم
فحيثما اعوزتنا منك ذات لهى ... تسيل منها الحتوف الحمر والحمم
فليخطب السيف فصلاً في مفارقهم ... يدن لذاك البيان القاطع العجم
أولاً فكن هنة في كف مقتحم ... منا ويصلم أذن المدفع الجلم
ليبرز العلم من تلك الصفوف لنا ... علام يمكث فيها وهو ملتثم
إنا عرفناك أنت اليوم قائدهم ... وكل آياتك الكبرى لهم خدم
هل جئت تبترنا أم جئت تزجرنا ... من حيث توقظنا الأوجاع والغمم
تالله لو طار فوق النسر طائرهم ... وذللت لهم الأبحار فلكهم
وسخرت كل آيات الفناء لهم ... حتى الجوارف والأرياح والرجم
لن يملكوا نفس حر في طرابلس ... ولن يضيعو اسوي الأشلاء إن حكموا
ولن يكون لهم من كسب غزوتهم ... إلا الشقاء وعار خالد يصم
قل لامرئ لم ترقه مصر دائلة ... عدلاً لدولتها منهم بما اجترموا
أتحرم الرفد جيراناً يضورهم ... جوع وتنكر قتلى الحرب إن رحموا
أم تدعي أن مصراً أن تبر بهم ... تشبب بها فتن جوفاء تلتهم
إذا أبو الهول أبدى مصر مرعبة ... فما يخبر عن طاعاتها الهرم
стр. 263
كيد يروع لولا أن كائده ... أوطانه الأوهام والسدم
بزعمه يقتل الأيام فلسفة ... وربما قتلته هذه الحكم
الحمد لله لا تفني كتائبنا ... بقول قال ولا الأسطول ينحطم
يا أيها الوطن الداعي لنجدته ... لبتك مصر ولبى القدس والحرم
ما كان خطب ليدهانا ويبكينا ... كما دهانا وأبكى خطبك العرم
لقد شعرنا بما نالت جهالتنا ... منا وبالغ في تأديبنا الندم
أشر بما شئت تكفيراً لزلتنا ... يشفع لنا عندك الإخلاص والكرم
أموالنا لك وقف والنفوس فدى ... وعش ولا عاش في نعماك متهم
النقد
للكاتب النقادة الشيخ طه حسين
حقيقته. أثره في الأمم. شروطه ومضار الغلو فيه
ميز الخبيث من الطيب والغث من السمين واستخلاص الحق من الباطل والصواب من الخطأ وفك العقول من أسار التقليد وعقال الجمود وإعانة الطبيعة على إحياء النافع وتخليد المفيد كل هذا هو النقد الذي نرغب فيه وندعو إليه ونود لو اشتدت عناية الناس به وكثر اقبالهم عليه لأنه أقوم سبيل إلى نمو العقل المصري وبلوغه أقصى منزلة تسمو إليها الأمم الناهضة من الرقي الصحيح.
ذلك بأن أرقى ما يفزع إليه المصلحون في التربية العقلية للأفراد والجماعات أن يمدوا ظل العقل ويبسطوا سلطانه على جميع الأعمال والآمال وكافة النزاعات والحركات النفسية والجسمية التي تصدر عنا في كثير من الأحيان من غير أن يكون للعقل شعور بها أو سلطان عليها.
فالعقل الإنساني الآن سراج قاصر الضوء لا تكاد تهتدي به النفس إلا إلى قليل من حقائق هذا العالم على كثرتها وتشعب أطرافها وتعدد مناحيها.
وإذا تلمسنا مصدر هذا القصور لم يعد بنا البحث شيئاً واحداً هو ذلك السحاب المركوم الذي اشتركت العادة والقوة والرواثة في إقامته حجاباً كثيفاً يحول بين هذا السراج وبين كثير من الحقائق المختلفة في الدين والسياسة والاجتماع.
стр. 264
وقد كان هذا السحاب علة حقيقية لجمود العقل ووقوفه عن الحركة أو قلة نصيبه منها حتى لزمه كثير من الضعف والفتور.
والغرض الحقيقي الذي يسمو إليه المصلحون من علماء التربية هو علاج العقل والطب له حتى يبرأ من هذا الضعف ويسلم من هذا الفتور ويصبح قادراً على أن يتناول جميع الحقائق أو أكثرها بالبحث والتمحيص ويستخرج منها وجه الصواب
وهذا ما يسميه العلماء بقوة الحكم وشدة الملاحظة وما نسميه نحن الآن بالنقد الصحيح.
فطهر من هذا شيآن أحدهما أن النقد ليس مقصوراً على أنواع القول وفنون الكلام من نظيم ونثير بل هو عام يستطيع أن يتناول كل شيء من صنائع وأعمال وعلوم ونحو ذلك.
الثاني إن سبيل النقد مظلمة مشتبهة الاعلام لا تسلك إلا بعد كثير من اقتحام العقبات وتجشم الأهوال وبعبارة واضحة لا يمكن أن تبلغ أمة من النقد نصيباً موفوراً صالحاً إلا إذا استطاعت أن تقهر العادة والقوة والوراثة أي إذا تغيرت حالتها الفكرية تغيراً ظاهراً واضح الأثر.
فنحن إذا لا نستطيع أن نبلغ من النقد ما نريد إلا إذا أمن أحدنا من أن يشاع عنه الكفر والالحاد إذا بحث بحثاً عقلياً صحيحاً عن قضية من قضايا الفلسفة والدين وإذا لم يخف أن يرمي بالخيانة والمروق إذا نازع السواد الأعظم قضية من القضايا السياسية فلم ير رأيهم فيها ولم يمالئهم عليها وإذا لم يخش أن تبطش به القوة وينال منه البأس إذا نقد شيئاً من أعمالها وبين أنه مضر أو غير مفيد ومما لا شك فيه أننا لا نسطيع أن نبلغ هذه المنزلة إلا بعد أن نرقى فينا أساليب التربية رقياً كثيراً حتى تؤدي بنا إلى هذا الطور الصالح من أطوار الحياة فسبيلنا إلى النقد إصلاح التربية وتهذبيها وإطراح الفاسد من أساليبها حتى ينشأ الشبان أحرار العقول قابلين البحث عن كل شيء معترفين بأن الحق لا يمكن أن يكون مقصوراً على فرد من الناس دون فرد ولا محصوراً في فريق منهم دون فريق.
وإذا كان كل إصلاح لا يمكن أن تشعر الأمة بالحاجة إليه إلا إذا شعر بهذه الحاجة فذ من أفذاذها ونابغة من نوابغها وأخذ يدعوها إليه مرة بالشدة ومرة باللين.
وإذا كانت مخالفة العادة وإطراح القديم مبغوضاً من كل أمة ممقوتاً في كل جمهور كان من اليسير علينا أن نتبين السبب الحقيقي والعلة الصحيحة التي نشأ عنها بعض المصريين
стр. 265
للنقد ومقتهم للناقدين.
إنهم يحبون الحق وشفقون به ولكنهم يعتقدون بحكم العادة والوراثة أن الحق ما هم فيه وإن غيره هو الباطل فإذا قام بينهم من يقبح عادة من عاداتهم أو يسوئ رذيلة من رزائلهم نقموا منه وزروا عليه ونهضوا لتسفيه رأيه وتهجين خطته بمقدار ما أوتوا من قوة الدفاع عما يعتقدون أنه الحق وتلك طبيعة الإنسان في كل زمان ومكن فليس للناقد إذا كان مخلصاً إلا سبيل واحدة وهي صدق العزيمة واحتمال الاذاة في نفسه وعقيدته حتى يصل إلى ما يريد.
إنهم يكرهون أن يقبل أحد منهم الدرهم والدينار من غير أن ينقد ويتبين مكانه من الجودة والرداءة ولكنهم لا يكرهون أن تتقبل نفوسهم حقائق العلم وأنواع المعقولات من غير بحث ولا تمحيص ومن غير تفريق بين غثها وسمينها وليتهم إذ كرهوا أن يجهدوا أنفسهم بالنقد تركوا غيرهم وما يريد من تمحيص الحقائق لهم وتحقيقها قبل أن تصل إلى عقولهم ولكنهم لا يستطيعون لأنهم خاضعون لذلك السلطان القوي القاهر سلطان الاحتفاظ بالعادة والحرص على القديم.
إنهم يجهلون مقدار المشابهة الشديدة بين النقد في المعنويات وعمل الطبيعة في الحسيات فلا يعلمون أن عمل الطبيعة في تحليل المادة وتركيبها وتحويلها من صورة إلى صورة أخرى ليس إلا نوعاً من النقد الحقيقي بل هو أسح أنواع الانتقاد لأن أقرب نتائجه ابقاء النافع المفيد وإفناء الفاسد المضر فالرجل لا يموت إلا إذا حقت عليه كلمة الطبيعة بعد النقد الصحيح وعرفت أنه لم يبق صالحاً للحياة وإن وجوده أصبح من أنواع العبث الذي يجب أن تبرأ منه الطبيعة ويتنزه عنه الله وليس النقد في الأشياء العقلية والمعنوية إلا نوعاً من هذا النقد الفطري فنحن إذا عمدنا إلى قضية في الفلسفة فبينا بعدها ما نعتقد أنه الحق وأوضحنا نصيبها من مخالفة حكم العقل والحيرة عن طريق الصواب لم يكن عملنا هذا إلا إعانة للطبيعة على ماهي بإزائه من محو الضار وإبقاء النافع.
ولو أنهم علموا بذلك وأنعموا النظر فيه ما استطاعوا إلا أن يكونوا للنقد أنصار ولرجائه مؤيدين نعم إن النقد في المعنويات ليس إلا إعانة للطبيعة على عمله فكلنا نعترف أن الباطل في نفسه مفسد للعقول مقوض للعمران وإن أقدس واجب على الإنسان هو بإزهاق الباطل وإظهار الحق ولئن كان هذا ظاهراً في قواعد العلم وقضايا الفلسفة فهو في فنون
стр. 266
القول وأنواع الكلام ظاهر أيضاً لا يحتاج إلا إلى شيء قليل من البحث والتفكير فأننا إذا عمدنا إلى قصيدة من الشعر فعرضناها على النقد الصحيح وبينا وجوه الخطأ في ألفاظها ومعانيها وفي نظمها وتنسيق الخيال فيها ثم طلبنا إلى القراء أن يتجنبوا ما أشرنا إليه من هذا الخطأ ويتلمسوا ما بيناه من الصواب لم نزد على أن بينا الحق والباطل ودعونا إلى نصر أحدهما وخذلان الآخر ولا شك في أن أقل نتيجة تنتج عن ترك هذا النوع من النقد أو التقصير فيه هي فساد الشعر واضطراب أمره وقصوره عن أن يؤدي ما خلق له من إصلاح العقول والوجدان وإحياء الحق والفضيلة وإزهاق الباطل والرذيلة.
وهذا ما نحن فيه الآن فقد نشأ من بغضنا للنقد ورغبتنا عنه ومن زهدنا فيه ومقتنا إياه انتكاث فتل الأدب العربي وانتقاض أمره فأصبح الشعراء والكتاب يسيرون في الشعر والنثر على غير هدي لا يميزون خطأ من صواب ولا يفرقون بين فاسد وصحيح فقصائدهم ورسائلهم ليست إلا خليطاً سيئاً من الألفاظ الصحيحة والفاسدة ومن المعاني التي نصيب الباطل منها أكثر من نصيب الحق. . .
وهم على كل ذلك معجبون بأنفسهم مدلون بمكانتهم والجمهور فيهم مغرور وبهم مخدوع لا يرى الكلمة إلا لهم ولا الحق إلا منهم ولا الصواب إلا فيهم أما الناقدون فهم عند الجمهور وعند هؤلاء الكتاب والشعراء أدعياء واغلون قد أكل الحسد قلوبهم وأفعمت الموجدة صدورهم وعبث حب الصيت بنفوسهم فاتخذوا من نقد النوابغ وأفذاذ الرجال سبيلاً إلى الشهرة وطريقاً إلى سمو المنزل وعلو المكان.
كلا كلا أيها الشعراء المفلقون والكتاب المجيدون والجمهور المخدوع ليس النقد كما تظنون سبيلاً من سبل الشهرة أو طريقاً من طرق الصيت وإنما هو مقياس الخطأ والصواب ومميز الحق من الباطل وهو المنظم لحركات عقولكم المصلح لنفثات أقلامكم الحافظ لمجيدكم حق الإجادة والمرغم رديئكم على اتباع الجيد وابتغاء الرقي وإن أحدكم إذا نال الشهر وبلغ الصيت بإعانة النقد له وعدم قدحه فيه ونعيه عليه كان ذلك خيراً له من أن ينال تلك الشهرة ويبلغ هذا الصيت مكتفياً بثناء الجمهور وتقريظ الجمهور أولئك الذين لا ينفع ثناؤهم ولا يضر هجاؤهم لأنهم لم يؤتوا من العلم نصيباً قليلاً ولا كثيراً. إذا فالنقد لكم صديق وليس عليكم حرباً كما تظنون فكونوا له كما هو لكم فإن بلوغكم رفعة المنزلة وسمو
стр. 267
المكانة رهين بذلك موقوف عليه.
أثر النقد في الامم
بعد ما بيناه من حقيقة النقد ومكانه من إصلاح العقل وتنظيم حركته لسنا في حاجة شديدة إلى أن نكثر القول في بيان أثره في الأمم مما لا شك فيه أن رقي العقل وانتظام حركته هما أرقى مطلب بطلبه المصلح في أي أمة من الأمم أي ليس للأمم مطلب اسمي ولا أجل من هذا المطلب وإذا كان النقد كما بينا ليس مقصوراً على أنواع القول وفنون الكلام بل هو عام يشمل أنواع الأعمال والصناعات والعلوم كان رقي الأمة فيه من أوضح الأدلة على رقيها في هذه الأشياء فإن الصانع لا يبلغ من النقد في صناعته منزلة صالحة إلا إذا مهر فيها وأحاط بدقائقها واسرارها وكذلك الأمر في النقد الأدبي والعلمي وغيرهما من أنواع النقد ومن هنا يتبين أن من الأسباب الحقيقة لسقوط أمر النقد في مصر ضعفها المطلق في أنواع العلوم والصناعات وفي اليوم الذي ترقى مصر فيه رقياً ظاهراً فتدرك من الإجادة في كل شيء طرفاً غير قليل لا يكون لها بد من إجلال النقد وإكباره ومن تصديق الظن به وتحسين الرأي فيه.
ذلك شأن الأمم لا ترقى في شيء حتى تجعل النقد مقياس جيده ورديئه ومرآة خطئه وصوابه ومن اليسير علينا أن نتبين ذلك واضحاً جلياً في تاريخ العرب في جاهليتهم وإسلامهم وفي بداوتهم وحضارتهم فإنهم لما لم يكن لهم في العصر الجاهلي نصيب موفور من الرقي في غير فنون القول كان نصيبهم من النقد موقوفاً عليه ومحصوراً فيه فبلغ النقد الأدبي عندهم في هذا العصر أرقى ما يمكن أن يبلغه في أمة بدوية تمتاز بالفصاحة وحسن الإعراب وبزلاقة الألسنة وذرابتها وصدق البصائر وإصابتها ولك من أنباء عكاظ وأخبارها ومن أحاديثها وآثارها أصدق دليل على ذلك بل أن هناك دليلاً ليس أنصع ولا أسطع منه على مكانة أولئك الناس من النقد الأدبي فإن الله لم يجعل القرآن الكريم معجزة نبيه وبرهانه إلا لأن أولئك الناس الذين بعث فيهم النبي كانوا من رسوخ القدم في النقد اللفظي والمعنوي في المكانة التي لا يساميهم إليها مسام ولا ينازعهم فيه شريك. .
ولو أن أولئك الناس لم يكونوا ذوي امتياز في النقد وتفوق كثير ما كان الكتاب على
стр. 268
فصاحته ومكانته من البلاغة قيماً عندهم ولا مستجاداً لديهم وتلك قاعدة فطرية فإن الشيء ذا القيمة الغالية والمكانة العالية لا ينبه شأنه ولا ينبل أمره إلا عند من له بأمثاله علم ومعرفة.
وبعد ظهور الإسلام وارتقاء العقل العربي ارتقت منزلتهم في النقد واشتدت عنايتهم به ورغبتهم فيه وأخبارهم وآثارهم المستفيضة في ذلك تغنينا عن إقامة الحجة وتكلف البرهان وجملة القول أن النقد لا يكون راقياً عالي المنزلة في أمة ما إلا إذا كانت هي في نفسها راقية سامية المنزلة في الموضوع الذي يتناوله النقد ويقصد إليه ولنا بعد هذا كله أن نقول أن ما تبلغه الأمم من رقي في الحضارة وتفوق في العلم وفوز بالسيادة وتمتع بأنواع الحرية العقلية والسياسية والشخصية ليس إلا نتيجة لازمة لرقي النقد فيها فالنقد هو أحسن مقياس يمكن أن يقاس به صعود الأمم وهبوطها ورفعتها وانحطاطها.
شروط النقد
أما شروط النقد فقد كثر فيها قول القائلين وتعددت مذاهبهم واختلفت أهواؤهم ولاسيما في هذا البلد الذي ليس للنقد فيه إلا مكان المبغض القالي ومنزل الممقوت الذميم.
فترى الكاتب أو الشاعر إذا ألح به الناقد فبين نصيب نثره أو شعره من الخطأ والصواب ومن الصحة والفساد أبرق وأرعد وأرغى وأزبد ورمى الناقد بتهم أقلها ممالأته للهوى واستجابته للحسد واسترساله في الشتم والسب وغلوه في الادعاء والغرور ولست الآن بإزاء القول المفصل في شروط النقد ولكني أقول على سبيل الإجمال أن النقد نوع من أنواع المناظرة فكل ما يشترط في الجدل يشترط فيه إذ كلاهما لم يصطنع إلا لإظهار الحق وخذلان الباطل ولا شك في أن الشتم والسب والتقريع والتأنيب ليس شيء منها بطريق إلى الحق وإنما الحق نتيجة البحث الهاديء المعتدل الذي يبرأ من الاستجابة لعواطف الحب والبغض ونحوهما فلا يمكن أن يكون الناقد منصفاً إذا استجاب لعاطفة من هذه العواطف فمالأ خصمه وانحاز إليه أو ظلمه وألح عليه وإنما الانصاف مزاج لا يعتدل إلا بصدق النية وحسن المقصد وتحكيم العقل ورفض الهوى وعدم الاستسلام إلى العواطف والوجدان.
وإذا كان النقد في كل شيء لا يصدر إلا عن ذي العلم بذلك الشيء والتفوق فيه كان نقد الجاهل نوعاً من لغو القول وسخف الحديث وكان من الشروط الضرورية في النقد العلم
стр. 269
بالموضوع الذي يبحث الناقد عنه ويتكلم فيه.
قالو ومن ضروريات النقد أن يعترف الناقد بحسنات خصمه قبل أن يذكر سيئاته ليكون ذلك ادعى إلى تصديق الظن به وتحسين الرأي فيه وعدم أتهامه بالميل أو الحسد أو الاستجابة للأهواء ولست أرى هذا الرأي ولا أميل إليه لأني أعتقد أن النفس التي لا تميل إلى الحق إلا إذا توسل إليها بأنواع من الملق والتزلف وفنون من المدح والاطراء خليقة أن لا يحفل بها الناقد ولا يلتفت إليها لأنها إنما ترغب في الحمد والثناء لا في الحق والصواب قالوا وإذا كان الكتاب مؤلفاً في الفلسفة الإلهية مثلاً فمن الجهل نقد أغلاطه اللغوية ولست أدري من أين لهم هذا الرأي فإن للعالم بالفلسفة أن ينقد الكتاب في موضوعه وللعالم بالألفاظ أن ينقد الكتاب في ألفاظه ولم يقل أحد أننا إنما نريد الرقي في موضوع دون موضوع وإنما نريد أن نرقي في ألفاظه ولم يقل أحد أننا إنما نريد الرقي في موضوع دون موضوع وإنما نريد أن نرقي في ألفاظنا كما نريد أن نرقي في أفكارنا ولو أننا شايعناهم في هذا الرأي ومالأناهم عليه لانعقدت ألسنتنا وتحطمت أقلامنا وغلت أيدينا بإزاء ذلك الكاتب الذي يؤلف كتابه في الطب والمنطق بلغة العامة ودهماء الناس.
قالوا ولا يحسن بالناقد إلا أن يكون معتدل اللهجة بريئاً من الغلو في التشهير بخصمه والقدح فيه وهذا حق لاينكره إلا مكابر أو عنيد ولكن مالهم يكرهون قول الحق والاعتراف به ويعدونه نوعاً من الشتم وقاسي الكلام فلو أني قرأت فصلاً من كتاب فضحكت من سخفه أو خجلت من جهل صاحبه وقلت في نقده أنه مخجل أو مضحك لم أكن عنده إلا سبابة سفيهاً مع أني لم أقل إلا الحق ولم أمل إلا إليه
ومبلغ القول أن شروط النقد كلها تنحصر في شيء واحد وهو الاعتدال وعدم الميل إلى الهوى والغلو في الثناء أو الهجاء.
هذه كلمتنا المجملة على النقد في نفسه ومما لا شك فيه أن النقد ينقسم بانقسام موضوعاته أقساماً شتى يهمنا منها النقد الأدبي والعلمي أي الذي يتعلق بفنون الكلام ولهذا النوع من النقد شروط وأركان خاصة نحن آتون عليها في الأجزاء الآتية وسنبدأ منها بنقد الشعر في الجزء الآتي إن شاء الله.
стр. 270
الجمال والحب
وأثرهما في الحياة (تابع)
هذه المحيطات بنا وما تحويه من الرواء والبهجة هي أكبر الأسباب في استدامتنا الحياة وإبقائنا على أنفسنا. والا فقل لعمرك ما معنى العيش على مابه من آلام وغصص إذا لم يكن حباً في الأرض والسماء والمخلوقات التي حولنا. . لم نريد من كل قلوبنا البقاء في هذا الوجود أطول زمن ممكن ونحن لا نفتر نضج من الأهوال التي ترهقنا إلا إذا كان في العالم الذي نعيش فيه من السحر ما يذهلنا عن متاعبنا وينسينا آلامنا وينفث فينا من السرور ما ينعشنا ويحيينا.
أو أن كل العرض من الحياة استبقاء النوع كما يرى شوبنهور وإن كل ما في الوجود إنما يخدم هاته الغاية فتقديرنا للجمال وميلنا إليه وحبنا وجهادنا ونصبنا وكل ما نعمل وما نحتمل إنما هو من أجل الأجيال القابلة وتحسينها وإذا صح هذا وكان غاية الطبيعة من كل الأجيال المتعاقبة هي هذه فأي شيء يكون نتيجة ذلك كله وما الذي سيحدث بعدما لا نهاية له من الأبناء وأبناء الأبناء.
إني أميل لأن أصدق إلى حد غير قليل بنظرية استبقاء النوع وتحسينه ولكني لا أستطيع أن أجعلها الغاية التي من أجلها كانت كل الوسائل كما جعلها شوبنهور. وعلى هذا فأني أعتقد أن الفرد يعيش لنفسه لا للنوع فقط وإن عواطفه وإحساساته إذا كان فيها شيء يميل بالطبيعة لجهة استمرار الإنسانية فإن فيها غير ها كثيراً جعل لأسعاده هو وتغلبه على مضض الأيام بأن يبعث إليه من العالم الذي حوله أريجاً منعشاً للآمال يزيد قوة الحياة فيه ويخدر أعصابه إذا اضر بها الألم كما أن قواه العاقلة كلها تعمل لهذه الغاية من غير ملل وتنجح دائماً في الوصول إليها.
من الأيام القديمة حين كانت الإنسانية لا تزال في طفولتها نرى في أقوال السالفين من التغني بالجمال أو تصويره وتمثيله ما يدلنا على إحساس هؤلاء الناس به وإذا كنا نقتصر في أمثلتنا على مشاهدات التاريخ فإن ما خلفه قدماء المصريين وراءهم من التماثيل يدلنا على هذا كما أن شعر المتقدمين كله يبين لنا عن حبهم لأشياء مخصوصة يصفونها بالجمال وكلما تقدمنا مع العصور تقدم ولع الناس زاد شغفهم ورق نظرهم واجتلوا من المكنون في
стр. 271
الأشياء الصامتة فإذا ما أخذت مثلاً أشعار هوميروس وما تكنه من الخيال رأيت من خلالها ما كانت تحويه نفس الشاعر ونفوس أهل زمنه من البحث عن الجميل في الأشياء القدسية وما يلقبونه الإله. ثم إذا تقدمت مع الزمان وأخذت أسفار العرب في صدر الإسلام بل أخذت القرآن نفسه مثلاً ظهر لك أن الناس صاروا يفهمون الجمال في غير الأشياء القدسية وغير النساء: صاروا يفهمونه خارج هذه الدائرة الضيقة المحدودة التي تكاد لا تقع تحت الحواس ويختص بها الخيال فيما هو أكثر تحققاً في الواقع ووقوعاً تحت حكم النظر والسمع فإذا ماقلبت صفحات ديوان من دواوين الشعراء الأقدمين أو أي كتاب من كتبهم رأيتهم يذكرون المحيطات بهم بنوع من الأعظام ويعدون فيها من المعنى ما يدل على تقديرهم لها التقدير العالي. ولا أذهب بعيداً لآتيكم بمثل فهذه صحيفة بين صحائف القرآن الكريم الكثيرة ملأى بهذا المعنى جاءت تحت يدي لأول ما فتحت المصحف. قال تعالى في سورة النحل: ﴿والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون. وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين. ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً إن في ذلك لآية لقوم يعقلون. وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون. ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس أن في ذلك لآية لقوم يتفكرون﴾.
وإنه ليخيل لي أن إحساس الناس بالجمال سار كغيره من كل الأشياء أو على الأقل من أكثرها على سنة النشء والارتقاء. فكان أول ما أخذ بنظرهم جمال المرأة من جانب الرجال وجمال الرجل من جانب النساء. ولم يكونوا في ذلك إلا كبقية الحيوان مدفوعين بقوة الطبيعة وعامل الانتخاب الجنسي لأدخال شيء من العزاء لنفوسهم عن شدائد الحياة ولاستبقاء النوع أيضاً وتحسينه. والذي يحملني على هذا الاعتقاد ليس هو فقط ماجاء في التاريخ فإن أقدم ما نعرف منه لا يكفي لذلك تمام الكفاية وإن أظهره لحد كبير. ولكن الأمم الحاضرة التي لا تزال في حالة البربرية وتحكي بتكونها تكون الأمم البائدة والأمم القديمة جداً تعطينا فكرة تكمل ما نأخذه عن التاريخ. وهاته الأمم ينحصر الجمال أمام أنظارها في المرأة وفي أشياء أخرى قليلة جداً مما يستعمل للزينة.
стр. 272
وإذا تقرر لدينا أن هذا التزين من جانب الرجال إنما حرض عليه حبهم التقرب من النساء كما تفعل الذكور من الطيور مثلاً أمام إناثها إذ تنشر ذات الريش الجميل ريشها (راجع دارون. تسلسل الإنسان صحيفة ١٤١) وتصدح مغنيات الطيور بأغانيها البديعة أيام فصل الحب لتجتذب الأنات علمنا أن أول من أحب كل فرد من أفراد الجنس هو فرد من أفراد الجنس الثاني من الفصيلة بعينها وفقد جماله.
ثم صارت تنسب الأشياء في جمالها بعد ذلك إلى المرأة. ومن هذا نعلم السبب الذي من أجله كان كل جميل في العصور السالفة يأخذ حسنه نتيجة شبهه بها أو قربه منها. أي أن الإنسان حين ابتدأ يؤمن بجمال الأشياء مما حوله لم يؤمن به إلا بواسطة تداخل محبوبه فيما بينها: فإذا ما جلس الصب ذاكر دار محبوبته لبست الأشياء التي فيها ثوباً يجعلها عزيزة عنده مهما كانت صغيرة ضئيلة في نفسه. فتراه يندب الأطلال والأماكن التي أقامت فيها ويتشوق إلى حيث هي الآن ويذكر من توابعها ما كانت تلبس أو تتزين به أو تميل إليه ثم إذا جنه الليل ورأى الكواكب التي أمامه تطل عليها والبدر يرنو إليه واليها وذلك الظلام الهائل يلفه ويلفها أحب تلك الأشياء وصحبتها فأوحت هي إليه من جمالها ما يزيده بها تعلقاً وشغفاً. وأي منا قرأ شعر العرب قبل الإسلام وبعده في العصر الأول منه أي أيام الدولة الأموية يجده مملوأ بهذا المعنى وما يؤيد ما نقول. كما أن الكتب السماوية: وكلنا يعلم مبلغ فناء أصحابها في حب الله: إنما يحب أصحابها من الجمال والعظمة والسر الخفي في كل الخلوقات لأن فيها من أثر محبوبهم المقدس ما يجعلها عزيزة عليهم ذات قيمة كبيرة أمامهم.
تقدمت الأيام وسارت الفكرت العامة في تقدير الجمال هي الأخرى للأمام ولم يكن عصر العباسيين عند العرب حتى ابتدأ الكتاب والشعراء يقدرون في الأشياء جمالاً خاصاً بها يحسونه من غير واسطة ولا وسيلة. ومن أجل هذا ابتداء أبو نواس يعيب على المتقدمين أكثر من مرة في قصائده المختلفة كثرة النوح على الأطلال والدمن وإذا كنا لا نستطيع أن نقول أن هذا يقوم حدا دقيقاً بين تقدير الجمال لذاته ولعلاقته بالمحبوب فأنه من العلائم الهامة التي تدلنا على تقدم الشعور تقدماً محسوساً نحو اجتلاء الجمال من كل شيء يدلنا على ذلك كثير من كلام أبي نواس نفسه كقوله مثلاً:
стр. 273
واغدُ على اللهو غير متئد ... عنه فهذا أوان مقتبله
أما ترى جدة الزمان وما ... أبدع فيه الربيع من عمله
وافي وجدة الزمان غادية ... عند اقتراب الشتاء من أجله
فاحتل أرجاءها فأدركها ... من زهر نواره ومن حلله
أدركت في أخريات شتوته ... ما كان عز الربيع في أوله
وأدركته السحاب ترضعه ... درة وقدٍ تحي على بلله
فاشرب على جدة الزمان فقد ... وافى بطيب الهوى ومعتدله
وقوله يصف نزول المطر:
همت السماء برذاذ ثم بطش ثم برش ثم بوابل ثم هتنت حتى إذا تركت الربى كالوهاد ريا تقشعت فأقلعت الخ الخ.
يجد الإنسان في هذا الكلام وفي كلام المعاصرين وبعض من سبق ابا نواس وعصره تقدير الناس لجمال الطبيعة في ذاته مجرداً من نسبته للمحبوب وإذا ما أردنا الأمثلة من الأزمان التي تلت وخصوصاً إذا وصلنا عصر الأندلس وجدناها كثيرة تفوق الحصر. فإذا دخلنا في القرن الثالث عشر والربع عشر والخامس عشر أي حين ابتدأت حياة الفن في إيطاليا تأخذ رونقها دخلنا في عالم هائل تظهر فيه متتالية الأوصاف الكبيرة الكثيرة وحب الناس للجمال وإظهاره على صورهم والتغني به في شعرهم. ففي أول هاته القرون الثلاثة ظهرت قصة دانتي
ثم ظهرت في القرن الخامس عشر (غنوة) رولاند للاييت وفي القرن السادس عشر كنا نرى شكسبير في انكلترة وكتاب ذلك القرن الكثيرين في فرنسة. وبقي ذلك الارتقاء في الإحساس بالجمال يتقدم حتى أيامنا هذه حين أصبح له حظ كبير جداً في الحياة العامة عند كل الأمم الراقية وصارت طبقة جماعة المشتغلين بالفنون تشغل المحل العظيم الذي تشغل.
ويختلف تقدير الجمال إلى يومنا هذا ما بين أمة وأمة وبالحرى ما بين جنس وجنس. ولقد أفرد دارون للتدليل على ذلك قسماً من كتابه تسلسل الإنسان واستشهد عليه بأقوال جماعة العلماء من السياح. فالهنود الشماليون يقدرون الجمال عند ذي وجه عريض مسطوح
стр. 274
وعيون ضيقه واصداغ عالية وجبهة منحدرة وذقن عريضة واسعة. وتمتدح الآذان الهائلة عند جماعة الصينيين. وعند أهل سيام يحب الأنف الصغير والفم الواسع والشفاه الغليظة والوجه الكبير. أما عند جماعة السودان فجمال المرأة في عظم أردافها حتى أنه إذا أرادوا زوجة صفوا النساء صفاً واختاروا منهن من تغلب عندها هذه الصفة. (واحسب ذلك كان محبوباً عند العرب بدليل ما جاء في أخبار عمر بن أبي ربيعة عن جمال عائشة بنت طلحة) - أما عن اللون فإن من أجناس العبيد من يعقد حواجبه اشمئزاز أن يرى اللون الأبيض والجميل الجميل عندهم من يزيد في السواد على أقصى الدرجات حتى لقد كان الأطفال ينادون وراء اوزلى (انظر إلى الرجل الأبيض ألا تراه كالقرد) وفي الهند الصينية كانوا يشيرون إلى أسنان سيدة أوربية منتقدين بياضها بحيث تظهر كأسنان الكلب وعابوا عليها تورد خدودها لأن ذلك يشبه زهر البطاطس وغير هذا من الأمثال التي جاء بها دارون كثير.
ولعل ذلك هو مادفع بعض من كتب عن الجمال كرالف والدوامرسن الأمريكاني على الامتناع عن تعريفه والاكتفاء بالإعجاب به وإظهار آثاره.
وعندي أن اختلاف الأذواق راجع إلى تأثير الوسط على الناس إذ أن الطقس والمحيطات تشكل الأفراد بشكل مخصوص وتعطى لسحناتهم من الملاءمة للطبيعة التي يعيشون فيها ما يجعلهم يرون الأشياء بعين تخالف نظراتها نظرات سكان الأقاليم الاخرى. وكل امتياز في الصفات التي تميز إقليمه بدقتها أو تناسبها عد جميلاً. وبذلك يستطيع الفرد من أهل هذه الديار أن يجد على مقربة منه ما يوافق ذوقه وطبعه ويدخل بذلك السرور إلى نفسه ويعزيه عن متاعب العيش وفي الوقت عينه ما يدفعه لاستبقاء النوع وتحسينه وترقيته من الوجهة التي حدتها له الطبيعة. وهذان أهم وظائف الجمال من الوجهة الاجتماعية.
أما لو كانت المحيطات بنا لاتعزينا بل تضايقنا. لو أنا وجدنا أنفسنا بين أشياء لا نقلب أنظارنا فيها حتى تنقبض قلوبنا وتشمئز لمرآها وكنا لا نجد جمالاً في الخيال الذي لا يتحقق فاحسب مؤكداً أنا نفضل الانفراد والوحدة وأن نعيش في أنفسنا لأنفسنا ثم يعرونا من ذلك ضيق وهم لانجد له مفرجاً فيما حولنا فتناوبنا فرة التخلص من الحياة ونهم بأنجازها وتكون الطبيعة لم تكمل بذلك شيئاً من أغراضها. أما وكل مايحيط بنا قد أودع فيه
стр. 275
من السحر ما يجذبنا ويستوقفنا أمامه وأعطي من الجمال ما يحببه إلينا ويجعلنا نود البقاء إلى جانبه فأنا مستبقين حياتنا حريصين عليها. كذلك وجود المرأة على رأس هذا الجمال كله يدفعنا بالغريزة للأبقاء على النوع والعمل لتحسينه.
هذا أثر الجمال في الحياة العامة للوجود. وله إلى جانب ذلك من الآثار ما يقوم أخلاق الأمم ويبعث إلى نفوس الأفراد أرقى الاحساسات وأشرفها ويخلق من كل إنساناً رقيق الطبع عالي الهمة محباً للخير والسلام العام. أو لو رأيت إنساناً يرقب أمامه غروب الشمس وقد تورد القرص وأحر الأفق وانتشر في السماء ذلك اللون الذهبي السريع ثم تنحدر الغزالة مسرعة إلى غياباتها وهي تزداد احمراراً كأنما تختنق ويزحف الليل يطارد كل ما في السماء وينشر عليها غطاءه الأسود الهائل: لو رأيته تلك الساعة وهو يرقب فناء هاته الأشياء كلها وفتح لك نفسه كم تجد متأثراً عمل فيه ذلك المنظر الساكن الحزين. ثم كم يبتهج إذا رأى النجوم تعدت كلها لامعة من خلال الظلمة فبعثت مكان ذلك الموت المطلق أملاً يحي للغبراء ومن عليها.
مثل هذا الابتسام يطوق ثغور الناس عامة حين جدة الزمان ومقتبل الربيع حين تأخذ الأرض زينتها ويلبس كل شيء أبهى كسائه والسرور الذي يداخل نفوسهم ويظهر على وجوههم حتى لا ترى إلا سنا ضاحكاً وقلباً طروباً وفؤاداً يملأ الصدر فرحاً حين يبتسم الوجود وقد قام من رقدة الشتاء وغادره ذلك الرداء القاتم الذ يأتي على كل الموجودات في الفصل البارد. وليس بنو آدم وحدهم هم المنتشين بل لقد كنت أجس في شهر مايو من العام الماضي أن كل شيء حتى الجمادات الصامتة في نشوة بما حوله من الخلق الجديد. وأينا دخل حديقة من الحدائق الكثيرة هنا في ذلك الشهر لا بد رأى أوراقها ضاحكة بلونها الزاهي البديع وزهرها كذلك يتوج هاته الهامات الكبيرة الثملة تحت نور شمس الربيع.
وفي هذه الأيام العاشقة لا يستطيع الإنسان أن يحبس قلبه مهما جاهد عن أن يحب. تراه مدفوعاً بقوة أكبر منه نحو الجنس الآخر وكله العاطفة الشريفة المجردة من كل غرض وتهب الطبيعة للنساء من الحسن مالم يعرفن في غير ذلك الوقت فتراهن قد لبسن جمالاً. يروع العين وظهرن وسط الزخرف الهائل الذي يتزين به الكون ملكات ذلك الزخرف ورباته. ولا يفتأ الإنسان يسجع قلبه يصدح وحيداً في ظلمة القفص الذي يحيط به بأناشيد
стр. 276
الغرام راجياً حبيباً يضمه إليه شاكياً الانفراد لأنه يريد أن يخبر حبيبه بمتاعه بكل ما حوله فإن في ذلك ضعف المتاع.
وحقاً إن الوحدة في هاته الأيام الناضرة الزاهرة بؤس وس النعيم وشقاء بين السعداء. . كان أولى أن يسرح الإنسان وسط الجنات التي تحيط به فرحاً هائماً في عوالم الخيال الواسعة. ولكن كأن لا خيال أكبر من الواقع يومئذ فالخارج عن الواقع خارج عن دائرة الموجودات السعيدة لذلك لا قلب ينصح صاحبه بالتعلق بالخيال أياً كان بل هو ينسى كل شيء وينسى الأنانية المركبة في الإنسان ويميل بجمعه طالباً قلباً آخر يطير معه وسط رياض الربيع الناضرة عالماً أن الحياة متاع وأن من فاته الشباب والربيع فقد ولت حياته.
الجمال رسول الحب كما قال أمرسن وقائد الأرواح الشابة المتقدة إلى محبوبها يجمعها معاً ليسعد كل صاحبه وليزيد في قوة حياتهما ويجلو نفوسهما ويعوض كلاً عن انفراده الأول سعادة مضاعفة بذلك الاجتماع الجديد.
والحب هو العاطفة الطبيعية التي تولد يوم يولد الإنسان وتنمو فيه حتى إذا جاءته أيام الشباب وتكاملت قواه لم تسطع هاته العاطفة القوية أن تبقى محبوسة في الصدر مستسلمة لسجنها ساكنة فيه بل هي تثور وتسوقنا رغماً عنا لنطلب شريكاً نجد فيه ما يكمل وجودنا وكل جهاد منا لإخماد نار الحب في نفوسنا جهاد ضائع (متلو)
محمد حسين هيكل
стр. 277
طريق السعادة
عربها عن الإنكليزية احد الأفاضل
حرية الإرادة هي القوة التي تحكم العقل وتهيمن على النفس ولا يتأتى للإنسان الحصول على هذه القوة ما لم يكن له الإدراك الكافي. ولا يراد من ذلك أن يشتغل المرء بالمباحث النفسية العقيمة لأن الغاية من الحياة هي الوصول إلى السعادة وذلك يتم باستقصاء أحوال الطبيعة البشرية والوقوف على سيرة مشاهير العصور الخالية ذكوراً كانوا أم إناثاً وأول درس تلقنه لنا الحياة هو ضبط النفس لأنه مرقاة النجاح وسلم الظفر وبديهي أن غاية كل أمرٍ في الدنيا أن تتم له هذه الأمنية أمنية النجاح والتوفيق في الأعمال. وإذ عرف ذلك وجب علينا أن نبحث في المعنى المراد من النجاح المذكور.
إن النجاح كلمة نسبية لا مطلقة يعبر عنها قوم بالسعادة وآخرون بالقناعة وغيرهم بالمال. وغني عن البيان أن المال كان قوة لا يستهان بها وسيظل كذلك مادامت له اليد الطولى والقدح المعلى في إدارة دفة الأعمال. على أنه ينبغي لنا أن نضع نصب عيوننا أن النجاح في الحياة هو النجاح في الأعمال ولا يعكس فقد قال أحد الفلاسفة أن النجاح لا يستطيع أن يبتاع السعادة وغالى أحد فلاسفة اليونان الزاهدين فقال أن الإنسان قد يشتري الشقاء بالمال. فإذا أحظاك الجد وتوفر لديك المال وجب عليك أن تعرف كيف تستخدمه في قضاء حاجتك وذلك يتضي عقلاً راجحاً وفكراً مستنيراً إن في العقل صفة تؤهله للقبض على عنان القوة والنجاح وبغير هذه الصفة لا تكون الحياة شيئاً لما يتخللها من حبوط المساعي واليأس وبها يبسم الدهر عن ثغر ألمى وتسفر عروس الحياة عن طرف أحوى وتكون جميع العقبات والمصاعب بمنزلة منارات تدلنا على مقدار سيرنا في سبيل النجاح والسعادة بل هي حجر الحكمة الذي يحول كل ما يمسه ذهباً. هذه الصفة هي التفاؤل أي النظر إلى المستقبل بعين الرجاء والأمل بالخير وضدها التشاءم أو النظر إلى المستقبل بمنظار أسود يري الجو أقتم مكفهراً والحياة سوداء كالحة. والتفاؤل كحرية الإرادة هبة سماوية يمكن ازديادها بالتمرن والعمل وتعطيلها بالبطالة والكسل. ولا ريب في أن الغاية من خلق الإنسان هي التفاؤل لأن التشاؤم علة طارئة على العقل لا وجود لها في الطبيعة. فالمتفائل يرى السحب في جو السماء فيقول أن لكل سحابة نوراً أما المتشائم فإذا رأى السحب
стр. 278
بيضاء قال أنها نذير بتلبد الغيوم. المتفائل يقول نعم وإن تلبدت الغيوم فإنها لا تحجب الشمس إلا إلى زمن لأن الشمس موجودة خلفها وهي أقوى من كل السحب ومتى حان الوقت فرقتها أشعتها الحارة أيدي سبا.
إن التفاؤل في الأعمال يقصد به الرغبة في العمل والميل إلى إتمامه فالذي يشتهي أمراً ويرغب فيه لايرى أمامه إلا الغرض الذي يسعى إليه. قد يخسر خسائر وقد تعترضه صعوبات ولكنه يعرف أن أمامه غرضاً وإن الوصول إليه أمر لا بد له منه فإذا تطرقت إليه الشكوك فترت عزيمته وتراخت همته لذلك ينبغي نفي الشكوك لأن النجاح موكول للعزائم والعزائم مقرونة بنواصي الفكر وكل يوم تعمل فيه عملاً تسير فيه خطوات في سبيل النجاح ولو لم يسفر العمل عن نتيجة راضية. وكل مسألة تحلها تساعد في إدراك الغاية لأنه تنشئ الشعور بالرضى وتسهل متابعة العمل والسرور به فترى من هذه المقدمات أن كل نجاح مادياً كان أم أدبياً مرتبط بخاصة التفاؤل وأننا كلما امتلكنا ناصية هذه الخاصة (الصفة) ازددنا نجاحاً وسعادة.
ومن ثم وجب على من يروم السعادة أن يكون من المتفائلين إذ التفاؤل رائد النجاح. لأن المتشردين والبلة الذين يزحمون الشوارع على المارة وينامون في الطرقات ليلاً ويكونو عالة على المجتمع الإنساني لم يكونوا كذلك لو كانوا من طائفة المتفائلين. ولا ريب أن بعضهم هووا إلى هذه الوهدة لفقد الذراع القوية التي تنتشلهم من هاوية الخمول ولو كان لهم قوة الاعتماد على النفس التي تنشئ التفاؤل لما كفوا عن الجهاد وبعضهم سقطوا فيها بسبب المسكر إن المسكر ينشيء سدوداً صناعية لأنه يبلد العقل والإنسان يرغب فيه بمحض الإرادة ولو كان الناس كلهم متشائمين لأصبح العالم جحيماً لا يطاق وسكناه علقماً مر المذاق. ومن المؤكد أن في العالم قواماً ينيرون فضاءه كما ينير ضوء الشمس فضاء الكون أولئك هم المتفائلون ولا ريب في أنهم يؤثرون على غيرهم فيحملونهم على مشاكلتهم والتشبه بهم. فإذا أردت أن تكون إنساناً بالمعنى الصحيح وجب عليك مماثلتهم فذلك خير لك ولمن هم حولك واعلم أن تأثير قدوتك كموج البحر يسير في دوائر متسعة فيؤثر في الذين تلاقيهم والذين لا تلاقيهم وتكون قدوتك سبباً في تحسين أحوال العالم ومتى قمت بهذا الواجب عملت خيراً ونلت ثناء الناس وعطفهم وظفرت بالسعادة المثلى والنجاح مادياً
стр. 279
وأدبياً.
يظن البعض أن الإنصاف بصفة التفاؤل متعذر فنقول له كلا لأن هذا التفاؤل هو من مقتضيات الطبع لا التطبع وكل ما يجب عليك عمله هو أن تنظر إلى المتسقبل بنظارة بيضاء. تأمل في هذا الموضوع قليلاً وتبسم الا تشعر بسرور من هذا العمل. ارفع عينيك إلى سقف الغرفة التي أنت فيها الا يحول ذلك أفكارك عن الموضوع الذين أنت مفكر فيه. إذا لم تشعر بعد ذلك بتحسن فاخرج إلى خارج مكانك واشخص إلى الجو تذهب عنك الهموم وتنجل عنك الغموم لأن ليس في الطبيعة مكان للتشاؤم. لأن التشاؤم ينشأ بين صغار الأحلام والعقول الضيقة.
إذا طالعت سفر الحياة تجد أن لك عمل جزاء فإني أعرف رجلاً أراد في صباه أن يكون صحافياً فطلب أن ينتظم في سلك الصحافيين فلم يفز بطائل وقدر له أن يشتغل بالتجارة فذهب إلى بيته يائساً كئيباً يود لو أن عجلات الترام مرت عليه وسحقته سحقاً فذهبت بحياته وبنكد طالعه والآن هو رئيس مهنة يربح منها ثلاثة أو أربعة أضعاف ما كان يعطاه لو كان صحافياً فما ظنه بلاءً وشؤماً كان بدء نجاحه وسبب سعادته.
إذا كان عملك اليومي شاقاً فابذل جهدك في اتمهامه عالماً أنه صفحة من صفحات أخلاقك وإن إتقانه يؤهلك إلى النجاح في المستقبل فالمستر غلادستون المشهور كان يكره الحساب في المدرسة إلا أنه قوي على هذه العاطفة وأتقنه فصار بعد ذلك ناظراً للمالية فرئيساً للوزارة. تيقن أن الصعب الذي تفوز به ينشئ فيك الاختبار ويكيف أخلاقك فكن متفائلاً تنل المرام.
فوائد المتاعب - انظر في ماضي حياتك إلى أمرين فقط أولهما كل المسرات التي حصلت لك في الحياة وثانيهما كيف كانت كل تلك المتاعب التي مرت بك بداية أزمنة السعادة والنجح إذ بالتعب تدرك الراحة على حد قول الشاعر:
دعيني أجد السير في طلب العلى ... فسهل العلى في الصعب والصعب في السهل
تريدين إدراك المعالي رخيصة ... ولا بد دون الشهد من أبر النحل
إن مزية العقل على المادة هو أنه يوجد لنفسه الحال التي يكون عليها أخرج إلى الأماكن التي تغشى جوها السحب ترها مطلمة ولا يمتد نظرك إلى بعيد ولكن متى طلعت الشمس
стр. 280
من وراء الغيوم يظهر بطلوعها الوف من الأشياء المتوارية. ومعلوم أن الشمس لم تخلقها لأنها كانت حيث هي من قبل وإنما أنت لم ترها قط. وهكذا كل جمال الأرض أمامك تراه إذا اهتممت بالنظر إليه واستخدام ضياء شمس أفكارك عند الحاجة إليه.
إذا أدخلت نور الشمس إلى غرفة سوداء لا تمتص حيطانها منه إلا قليلاً فتبقى مظلمة قابضة مهما كان النور في الخارج أبيض ناصعاً. وعلى الضد من ذلك الغرفة البيضاء فإنها تزهو وتلمع في ضياء الشمس فتنير ولو كان الجو أقتم فإذا أردت أن تجعل عقلك محزناً لضياء الشمس العقلي وجب عليك أن ترفع من أولاً كل الأفكار المظلمة وتستبدل بها أفكاراً سارة مضيئة لأن المرء ينبغي أن يكون حارساً على أبواب عقله ويقبل ما يريده من الأفكار ويرفض مالا يريده.
إن من الامتيازات التي خص بها الإنسان هو أن ينشئ لنفسه متى أراد جنة أرضية بإيجاد أفكار نيرة تضيء حياته. يظن بعض المحدثين أن السماء وجهنم مسائل فكرية أعني أن السماء هي من عمل الفكر النير وجهنم من عمل الفكر المظلم ومهما يكن من بعد ذلك عن دلائل الكتب المنزلة فإن فيه دليلاً على ما يجب على الإنسان أن يكون. فإذا سمح المرء لليأس والحزن بالدخول إلى باحة بيته العقلي وطرد الرجاء والقناعة يخطئ خطأ بيناً. الذي يستولي على قلبه الحب يرى العالم جنة مزدانة بالزهور مؤرجة بالعطور فإذا جاء يوم السوء سمت نفسه وارتفعت ووطأ العالم بقدميه ولا يرضى أن يبدل بحاله حال الملوك لأن الملوك يحسدونه على ما هو عليه إذ ليس لهم ماله. وهذه الحال العقلية أوجدها هو لنفسه وهو قادر على إيجاده في أي وقت شاء.
وإذا قيل إما من علاج لداء التشاؤم قلت بلى لكل دواءٍ دواءٌ والعقل مسود بالأشياء التي يعيرها اهتمامه فإذا قصر المرء فكره على العمل فقد عمي عن كل المؤثرات المحيطة به وإذا مال كل الميل إلى الموسيقى أو إلى التأمل في صورة جميلة فمهما حدث حادث في الخارج لا يؤثر على أفكاره. الولد الصغير وهو عائد إلى منزله مساءً يصفر تشجيعاً لنفسه يريد بذلك أن يستبدل بالخوف الذي يغشاه الشجاعة التي يحدثها الصفير فإذا شعر المرء بالانحطاط عليه أن يطرده بالأفكار المنيرة لأن الرجاء يزيل الخوف والأمل يحدث الشجاعة.
стр. 281
هذا والتوفر على الجهاد في إنارة الأفكار يحي العقول فإذا شعر أحد بتعب مفرط أو جهاد مبرح فليبتسم ويضحك وحينئذ تتوارد عليه الأفكار السعيدة وإذا احس الكسل فلينشد الأناشيد المفرحة وعند ذلك يشعر بنشاط يعينه على استبدال المسرة بالكدر.
إن كل إنسان يكون كما يريد أن يكون فإذا عبس ساعد الكدر على استباحة باحة عقله فكأنه أعطى العدو فرصة لمهاجمته ولكن إذا ابتسم فكأنه رفع راية نقش عليها البيت مملوءٌ سروراً فلا محل للكدر واليأس.
ولا يغيبن عن الذاكرة أن المحيط الذي حولنا يؤثر في أفكارنا فمن الثابت المقرر أن المناظر الجميلة وضياء الشمس تبعث السرور في النفس كذلك إذا أراد الإنسان نقاء أفكاره ينبغي أن يسكن بين عشراء فضلاء فبعض الناس يهتمون بجعل لون غرفة النوم بسيطاً جلباً للراحة ويجعل لون غرفة الجلوس بهجاً لجلب السعادة والسرور ويجعلون لون غرفة الطعام أحمر توليداً للشهية والمرح ويقولون أن اللون الأخضر مفرح فهو يناسب أن يكون لون غرفة العمل.
أما أسباب السعادة فكثيرة منها أن تذكر الكتب السارة التي قرأتها والأحاديث اللذيذة التي سمعتها والمناظر المبهجة التي رأيتها والأماكن الجميلة التي زرتها والأزمنة السعيدة التي قضيتها: تناس متاعبك واعتد السرور مهما غشيك من المصائب وجالس أرباب الزهو والبسط فمعظم الناس ينفرون من الكدرو إذا ابيت الانقباض يضطر عشراؤك أن يجاورك فتنسون كل ماهو ليس بسعيد.
إن الحياة قصد بها البهجة فالنهار منير ولو لم تكن الشمس طالعة والليل يضاء بنور القمر ونور الأمل يشعشع في أظلم الأوقات والإيمان يرينا جزاء الصابرين والمثل الدارج يقول انظر إلى الجانب المنير أن العوائد التي يعتادها الإنسان تنمو بنموه فعليه أن يرفض كل ماهو مظلم ولا يؤذن له بالدخول إلى عتبة عقله ومعلوم أنها لا يمكن أن تدخل ما لم يؤذن لها.
دواء الحياة - ضياء الشمس هو الدواء العظيم بل القوة التي تكسب الأرض حرارة وتجعلها تخرج زهراً والضياء العقلي يذهب المرض ويمنع فتكه ويؤثر في الجسم كله والأطباء يعلمون ما لقوة الفكر من التأثير في الشفاء فالأفكار المظلمة تحط القوى الحيوية
стр. 282
والأمل يحي العظام ويعين الجسد على مقاومة فتكات الأمراض. والجسد يؤثر في العقل أيضاً ولذلك كانت نظافة الجسد من الذرائع الطبيعية لسلامة العقل وقد قيل النظافة من الإيمان وقال الحكماء أن الحمام البارد كل صباح يؤثر تأثيراً صحياً في الجسم لانه يهيج الدورة الدموية وينشط العقل ووجود المرء موقوف على سلامة العقل وللمرء سلطة على العقل ولا دخل لأحد في شأنه فهو يضع فيه ما أراد ويدربه على ما يشاء فإذا أردت السعادة فاجعل عقلك موئلا للفرح ومسكناً للسرور فتشتد وتصح وإذا تشآءمت وأظلمت الدنيا في وجهك فالخطأ واقع عليك لا تستحق عليه عطفاً العالم مملوء نوراً وبهجة افتح عينيك لترى النور وتستخدمه حين الحاجة إليه ضياء شمس العقل من هبات الحياة الفضلى فمن له النور فليسلك في النور ولتكن له عبرة بالذين لم يفلحوا لأنهم يسيرون إلى هوة الشقاء وهم لا يدرون.
стр. 283
إيطالية وطرابلس الغرب
فذلكة تقويمهما وتاريخهما
ألم بهذه البلاد العربية الآمنة في سربها ما ألم من طمع إيطالية الأحمق وجشع الغول الأوربي الذي لانعرف له غاية ولا ندرك له نهاية اللهم إلا أن يأتي المشرقيون عامة والمسلمون منهم خاصة على الذماء الباقي من الفضيلة والكرم والحياء والإيثار (حب الغير) والمروءة والرحمة والدين ويستبدلوا بها اللؤم والقحة والأثرة (حب الذات) والقسوة والإلحاد (غفرانك اللهم) ويعدوا لتلك الأمم - التي تسمي نفسها كذباً على الله والناس أمم التمدين وما تمدينها إلا التوحش المنظم - مااستطاعوى من قوة ومن مدافع وأساطيل وطيارات (أبابيل) ويعلموا أن السياسة والدولة ليست إلا كما قال أبو تمام:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب
استغفر الله بل يحتذوا حذو آبائهم الأولين الذين جمعوا إلى الفضيلة والدين عزة الجانب وقوة البأس والاعتصام بحبل القوة والعلم حتى خضعت هذه الدول المدلة علينا الآن بسلطانها إلى سلطانهم واغتذت بلبان معارفهم فيستعدوا مجدهم ويسترجعوا عزهم وسلطانهم ولا يبعد بعد ذلك أن تخفق أعلامهم في أجواء أوروبة كرة أخرى فإن هذا الدهر بالناس قلب.
إن دان يوماً لشخص ... ففي غد يتقلب
وقديماً وطئت أقدام العرب أرض أوروبة واستولوا على بلدانها أدهاراً طويلة وسادوهم وبهروهم بعلومهم واختراعاتهم حتى ذعروا منها وعدوها سحراً وحرم قساوستهم الانتفاع بها وكان ذلك في قصبة بلاد هذه الدولة الإيطالية التي استولى العرب على جانب عظيم من بلادها نيفاً ومائتي سنة وأنت تحت نير الأغاير مئات السنين ولم تتنسم ريح الاستقلال إلا بأخرة من سائر الأمم وجاءت اليوم ناسية أو متناسية فضل العرب عليها وانقضت كما ينقض الذئب الطاوي بغرة من فريسته على هذه الولايات العربية لتذيع فيه ما تذيع وتأتي على تلك الأخلاق الطاهرة والسجايا العربية الكريمة فإنا لله ولا حول ولا قوة إلا به. وليس من حق البيان ولا من (مبدئه) الآن أن يرخى عنان القلم في مثل هذا الشأن الذي قام به
стр. 284
كتاب العربية ووفوه حقه في الصحف اليومية وإنما الذي علينا أن نقول كلمة على تقويم البلدين (إيطالية وطرابلس) وتاريخهما بأجزا اختصار
إيطالية
فذلكة تقويمها وتاريخها
إيطالية مملكة في جنوب أوروبة تضم إليها شبه جزيرة إيطالية الممتدة في البحر الأبيض المتوسط كذنب السرحان وجزيرتي صقلية وسردينية وهي واقعة بين ٣٨َ ٣٦ْ و ٤٠َ ٤٦ْ من العرض الشمالي وبين ٣٠َ ٦ْ و ٣٣َ ١٨ْ من الطول الشرقي. وهذه المملكة محصنة تحصناً طبيعياً من جهة فرنسة وسويسرة والنمسة بجبال الألب وتبلغ مساحتها مع صقلية وسردينية ١١٠ ألاف ميلاً مربعاً فمساحتها تقل عن مساحة الجزائر البريطانية بنحو عشرة أميال ويبلغ عدد سكانها ٣٣ مليوناً وهم جنس واحد مؤلف من أمم شتى تداولت البلاد ففي الجنوب وصقلية ترى مزيجاً من العربي والإيطالي الأصلي وفي الشمال ترى العنصر الجرمانى ظاهراً غير أن الغالبين (السلت) والرومانيين هما العنصران الكبيران اللذان يتألف منهما أكثر الصنف الإيطالي الحديث: وقد اختلف العلماء في اشتقاق هذه اللفظة (إيطالية) فذهب بعضهم إلى أنها مأخوذة من إيتالوس اليونانية ومعناها عجل أو ثور وإنما سميت كذلك لكثرة البقر فيها وذهب آخرون إلى أنها مسماة كذلك باسم ملك يدعى إيتالوس. ومن مشهور مدائن هذه المملكة (رومة) وهي قصبة هاتيك البلاد وفيها يقيم البابا و (نابولي) وهي ميناء حربية على كثب من بركان ويزوف و (ميلان) وهي واقعة في سهول لمبردية و (جنوى) على خليج جنوى أحد خلجان البحر الأبيض والبندقية (فينيس) في شمال البحر الأدرياتيكي و (مسينة) إحدى مدائن جزيرة صقلية على البوغاز المسمي بهذا الاسم (بوغاز مسينة) و (بلرم) قصبة صقلية بساحل هذه الجزيرة الشمالي و (برندزي) بجنوب إيطالية الشرقي على البحر الأدرياتيكي - والمذهب السائد في هذه البلاد هو المذهب الكاثوليكي الذي يقوم عليه البابا ولها من المستعمرات مستعمرة الارتيرة وبلاد الصومال وكلتاهما في أفريقية -
فذلكة تاريخها
стр. 285
قامت إيطالية على أنقاض القسم الغربي من الإمبراطورية الرومانية وذلك أنه بعد أن سقط هذا القسم ذاعت الفوضى في هذه البلاد وانتهت باستيلاء القوط عليها وعبرت على ذلك حيناً من الدهر ثم فتحها الامبراطور يوستنيانوس في منتصف القرن السادس للميلاد وسنة ٥٦٨ غزاها اللمبرديون واسوافيها مملكة عظيمة لا يزال اسمها يطلق على قسم منها الآن. وفي أواخر القرن الثامن هدد اللمبرديون رومة وكانت لم تزل تحت حكم البطارقة فاستنجد البابا (ببين) ملك فرنسة فزحف ببين على إيطالية وفتح الأكسر وخسية ثم تخلى عنها للكنيسة واقتفى شرلمان انتصارات أبيه ففتح مملكة اللمبرديين سنة ٧٧٤م وضمها إلى الامبراطورية الفرنسية وفي عيد الميلاد من سنة ٨٠٠ البس البابا لاون الثالث شرلمان تاج الامبراطورية الرومانية فأحيا بذلك الامبراطورية الغربية وفي ستة ٨٤٣ قسمت امبراطورية شرلمان بين حفدته فكانت الولايات الإيطالية من نصيب لوثير أحد حفدة شرلمان
وفي غضون ذلك شرع العرب بعد أن فتحوا جزيرة اقريطش (كريد) في فتح صقلية وجنوب إيطالية وذلك أن صقلية كانت تابعة لمملكة الرومان الشرقية ومقرها في القسطنطينية وكان عليها وال من قبل امبراطور الرومان يسمي قسطنطين وكانت أفريقية تونس والجزائر وطرابلس الغرب تحت ولاية زيادرة الله ابن الأغلب كان والياً عليها من قبل الدولة العباسية ففي سنة ٢١٢ هجرية استعمل قسطنطين والي صقلية على أسطوله قائداً رومياً يسمي فيمي (يوفيميوس) وكان حازم شجاعاً فغزا سواحل أفريقية وعبث فيها وبقي هناك مدة وبعد ذلك كتب امبراطور الروم إلى قسطنطين يأمره بالقبض على فيمي وتعذيبه فنمي الخبر إلى فيمي فانتقض وتعصب له أصحابه وسار إلى مدينة سرقوسة أحد مدائن صقلية فملكها فسار إليه قسطنطين فالتقوا واقتتلوا فانهزم قسطنطين إلى مدينة قطانية فسير إليه فيمى جيشاً فقبضوا عليه وقتلوه واستولى فيمي على صقلية وخوطب بالملك وولى على ناحية من الجزيرة رجلاً اسمه بلاطة فاتفق بلاطه هو وابن عم له يسمي ميخائيل كان والياً على بلرم وجمعاً عسكراً كثيراً وقاتلا فيمى فانهزم فيمي وركب في أسطوله إلى أفريقية مستنجداً بزيادة الله بن الأغلب فسير معه جيشاً في أسطول واستعمل عليهم أسد بن الفرات قاضي القيروان وأقلعوا من سوسة (هي الآن من أعمال ولاية تونس
следующие страницы →