← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

هذا والتوفر على الجهاد في إنارة الأفكار يحي العقول فإذا شعر أحد بتعب مفرط أو جهاد مبرح فليبتسم ويضحك وحينئذ تتوارد عليه الأفكار السعيدة وإذا احس الكسل فلينشد الأناشيد المفرحة وعند ذلك يشعر بنشاط يعينه على استبدال المسرة بالكدر. إن كل إنسان يكون كما يريد أن يكون فإذا عبس ساعد الكدر على استباحة باحة عقله فكأنه أعطى العدو فرصة لمهاجمته ولكن إذا ابتسم فكأنه رفع راية نقش عليها البيت مملوءٌ سروراً فلا محل للكدر واليأس. ولا يغيبن عن الذاكرة أن المحيط الذي حولنا يؤثر في أفكارنا فمن الثابت المقرر أن المناظر الجميلة وضياء الشمس تبعث السرور في النفس كذلك إذا أراد الإنسان نقاء أفكاره ينبغي أن يسكن بين عشراء فضلاء فبعض الناس يهتمون بجعل لون غرفة النوم بسيطاً جلباً للراحة ويجعل لون غرفة الجلوس بهجاً لجلب السعادة والسرور ويجعلون لون غرفة الطعام أحمر توليداً للشهية والمرح ويقولون أن اللون الأخضر مفرح فهو يناسب أن يكون لون غرفة العمل. أما أسباب السعادة فكثيرة منها أن تذكر الكتب السارة التي قرأتها والأحاديث اللذيذة التي سمعتها والمناظر المبهجة التي رأيتها والأماكن الجميلة التي زرتها والأزمنة السعيدة التي قضيتها: تناس متاعبك واعتد السرور مهما غشيك من المصائب وجالس أرباب الزهو والبسط فمعظم الناس ينفرون من الكدرو إذا ابيت الانقباض يضطر عشراؤك أن يجاورك فتنسون كل ماهو ليس بسعيد. إن الحياة قصد بها البهجة فالنهار منير ولو لم تكن الشمس طالعة والليل يضاء بنور القمر ونور الأمل يشعشع في أظلم الأوقات والإيمان يرينا جزاء الصابرين والمثل الدارج يقول انظر إلى الجانب المنير أن العوائد التي يعتادها الإنسان تنمو بنموه فعليه أن يرفض كل ماهو مظلم ولا يؤذن له بالدخول إلى عتبة عقله ومعلوم أنها لا يمكن أن تدخل ما لم يؤذن لها. دواء الحياة - ضياء الشمس هو الدواء العظيم بل القوة التي تكسب الأرض حرارة وتجعلها تخرج زهراً والضياء العقلي يذهب المرض ويمنع فتكه ويؤثر في الجسم كله والأطباء يعلمون ما لقوة الفكر من التأثير في الشفاء فالأفكار المظلمة تحط القوى الحيوية

стр. 282

والأمل يحي العظام ويعين الجسد على مقاومة فتكات الأمراض. والجسد يؤثر في العقل أيضاً ولذلك كانت نظافة الجسد من الذرائع الطبيعية لسلامة العقل وقد قيل النظافة من الإيمان وقال الحكماء أن الحمام البارد كل صباح يؤثر تأثيراً صحياً في الجسم لانه يهيج الدورة الدموية وينشط العقل ووجود المرء موقوف على سلامة العقل وللمرء سلطة على العقل ولا دخل لأحد في شأنه فهو يضع فيه ما أراد ويدربه على ما يشاء فإذا أردت السعادة فاجعل عقلك موئلا للفرح ومسكناً للسرور فتشتد وتصح وإذا تشآءمت وأظلمت الدنيا في وجهك فالخطأ واقع عليك لا تستحق عليه عطفاً العالم مملوء نوراً وبهجة افتح عينيك لترى النور وتستخدمه حين الحاجة إليه ضياء شمس العقل من هبات الحياة الفضلى فمن له النور فليسلك في النور ولتكن له عبرة بالذين لم يفلحوا لأنهم يسيرون إلى هوة الشقاء وهم لا يدرون.

стр. 283

إيطالية وطرابلس الغرب فذلكة تقويمهما وتاريخهما ألم بهذه البلاد العربية الآمنة في سربها ما ألم من طمع إيطالية الأحمق وجشع الغول الأوربي الذي لانعرف له غاية ولا ندرك له نهاية اللهم إلا أن يأتي المشرقيون عامة والمسلمون منهم خاصة على الذماء الباقي من الفضيلة والكرم والحياء والإيثار (حب الغير) والمروءة والرحمة والدين ويستبدلوا بها اللؤم والقحة والأثرة (حب الذات) والقسوة والإلحاد (غفرانك اللهم) ويعدوا لتلك الأمم - التي تسمي نفسها كذباً على الله والناس أمم التمدين وما تمدينها إلا التوحش المنظم - مااستطاعوى من قوة ومن مدافع وأساطيل وطيارات (أبابيل) ويعلموا أن السياسة والدولة ليست إلا كما قال أبو تمام: السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب استغفر الله بل يحتذوا حذو آبائهم الأولين الذين جمعوا إلى الفضيلة والدين عزة الجانب وقوة البأس والاعتصام بحبل القوة والعلم حتى خضعت هذه الدول المدلة علينا الآن بسلطانها إلى سلطانهم واغتذت بلبان معارفهم فيستعدوا مجدهم ويسترجعوا عزهم وسلطانهم ولا يبعد بعد ذلك أن تخفق أعلامهم في أجواء أوروبة كرة أخرى فإن هذا الدهر بالناس قلب. إن دان يوماً لشخص ... ففي غد يتقلب وقديماً وطئت أقدام العرب أرض أوروبة واستولوا على بلدانها أدهاراً طويلة وسادوهم وبهروهم بعلومهم واختراعاتهم حتى ذعروا منها وعدوها سحراً وحرم قساوستهم الانتفاع بها وكان ذلك في قصبة بلاد هذه الدولة الإيطالية التي استولى العرب على جانب عظيم من بلادها نيفاً ومائتي سنة وأنت تحت نير الأغاير مئات السنين ولم تتنسم ريح الاستقلال إلا بأخرة من سائر الأمم وجاءت اليوم ناسية أو متناسية فضل العرب عليها وانقضت كما ينقض الذئب الطاوي بغرة من فريسته على هذه الولايات العربية لتذيع فيه ما تذيع وتأتي على تلك الأخلاق الطاهرة والسجايا العربية الكريمة فإنا لله ولا حول ولا قوة إلا به. وليس من حق البيان ولا من (مبدئه) الآن أن يرخى عنان القلم في مثل هذا الشأن الذي قام به

стр. 284

كتاب العربية ووفوه حقه في الصحف اليومية وإنما الذي علينا أن نقول كلمة على تقويم البلدين (إيطالية وطرابلس) وتاريخهما بأجزا اختصار إيطالية فذلكة تقويمها وتاريخها إيطالية مملكة في جنوب أوروبة تضم إليها شبه جزيرة إيطالية الممتدة في البحر الأبيض المتوسط كذنب السرحان وجزيرتي صقلية وسردينية وهي واقعة بين ٣٨َ ٣٦ْ و ٤٠َ ٤٦ْ من العرض الشمالي وبين ٣٠َ ٦ْ و ٣٣َ ١٨ْ من الطول الشرقي. وهذه المملكة محصنة تحصناً طبيعياً من جهة فرنسة وسويسرة والنمسة بجبال الألب وتبلغ مساحتها مع صقلية وسردينية ١١٠ ألاف ميلاً مربعاً فمساحتها تقل عن مساحة الجزائر البريطانية بنحو عشرة أميال ويبلغ عدد سكانها ٣٣ مليوناً وهم جنس واحد مؤلف من أمم شتى تداولت البلاد ففي الجنوب وصقلية ترى مزيجاً من العربي والإيطالي الأصلي وفي الشمال ترى العنصر الجرمانى ظاهراً غير أن الغالبين (السلت) والرومانيين هما العنصران الكبيران اللذان يتألف منهما أكثر الصنف الإيطالي الحديث: وقد اختلف العلماء في اشتقاق هذه اللفظة (إيطالية) فذهب بعضهم إلى أنها مأخوذة من إيتالوس اليونانية ومعناها عجل أو ثور وإنما سميت كذلك لكثرة البقر فيها وذهب آخرون إلى أنها مسماة كذلك باسم ملك يدعى إيتالوس. ومن مشهور مدائن هذه المملكة (رومة) وهي قصبة هاتيك البلاد وفيها يقيم البابا و (نابولي) وهي ميناء حربية على كثب من بركان ويزوف و (ميلان) وهي واقعة في سهول لمبردية و (جنوى) على خليج جنوى أحد خلجان البحر الأبيض والبندقية (فينيس) في شمال البحر الأدرياتيكي و (مسينة) إحدى مدائن جزيرة صقلية على البوغاز المسمي بهذا الاسم (بوغاز مسينة) و (بلرم) قصبة صقلية بساحل هذه الجزيرة الشمالي و (برندزي) بجنوب إيطالية الشرقي على البحر الأدرياتيكي - والمذهب السائد في هذه البلاد هو المذهب الكاثوليكي الذي يقوم عليه البابا ولها من المستعمرات مستعمرة الارتيرة وبلاد الصومال وكلتاهما في أفريقية - فذلكة تاريخها

стр. 285

قامت إيطالية على أنقاض القسم الغربي من الإمبراطورية الرومانية وذلك أنه بعد أن سقط هذا القسم ذاعت الفوضى في هذه البلاد وانتهت باستيلاء القوط عليها وعبرت على ذلك حيناً من الدهر ثم فتحها الامبراطور يوستنيانوس في منتصف القرن السادس للميلاد وسنة ٥٦٨ غزاها اللمبرديون واسوافيها مملكة عظيمة لا يزال اسمها يطلق على قسم منها الآن. وفي أواخر القرن الثامن هدد اللمبرديون رومة وكانت لم تزل تحت حكم البطارقة فاستنجد البابا (ببين) ملك فرنسة فزحف ببين على إيطالية وفتح الأكسر وخسية ثم تخلى عنها للكنيسة واقتفى شرلمان انتصارات أبيه ففتح مملكة اللمبرديين سنة ٧٧٤م وضمها إلى الامبراطورية الفرنسية وفي عيد الميلاد من سنة ٨٠٠ البس البابا لاون الثالث شرلمان تاج الامبراطورية الرومانية فأحيا بذلك الامبراطورية الغربية وفي ستة ٨٤٣ قسمت امبراطورية شرلمان بين حفدته فكانت الولايات الإيطالية من نصيب لوثير أحد حفدة شرلمان وفي غضون ذلك شرع العرب بعد أن فتحوا جزيرة اقريطش (كريد) في فتح صقلية وجنوب إيطالية وذلك أن صقلية كانت تابعة لمملكة الرومان الشرقية ومقرها في القسطنطينية وكان عليها وال من قبل امبراطور الرومان يسمي قسطنطين وكانت أفريقية تونس والجزائر وطرابلس الغرب تحت ولاية زيادرة الله ابن الأغلب كان والياً عليها من قبل الدولة العباسية ففي سنة ٢١٢ هجرية استعمل قسطنطين والي صقلية على أسطوله قائداً رومياً يسمي فيمي (يوفيميوس) وكان حازم شجاعاً فغزا سواحل أفريقية وعبث فيها وبقي هناك مدة وبعد ذلك كتب امبراطور الروم إلى قسطنطين يأمره بالقبض على فيمي وتعذيبه فنمي الخبر إلى فيمي فانتقض وتعصب له أصحابه وسار إلى مدينة سرقوسة أحد مدائن صقلية فملكها فسار إليه قسطنطين فالتقوا واقتتلوا فانهزم قسطنطين إلى مدينة قطانية فسير إليه فيمى جيشاً فقبضوا عليه وقتلوه واستولى فيمي على صقلية وخوطب بالملك وولى على ناحية من الجزيرة رجلاً اسمه بلاطة فاتفق بلاطه هو وابن عم له يسمي ميخائيل كان والياً على بلرم وجمعاً عسكراً كثيراً وقاتلا فيمى فانهزم فيمي وركب في أسطوله إلى أفريقية مستنجداً بزيادة الله بن الأغلب فسير معه جيشاً في أسطول واستعمل عليهم أسد بن الفرات قاضي القيروان وأقلعوا من سوسة (هي الآن من أعمال ولاية تونس

стр. 286

واقعة على البحر الأبيض المتوسط على مسافة ١١٠ كيلو متراً من تونس إلى الجنوب الشرقي) فوصلوا إلى مدينة مأزر من صقلية وساروا إلى بلاطة الذي قاتل فيمي فهزموه والروم الذين معه وغنموا أموالهم وهرب بلاطة إلى قلورية (كلابرة - جنوب إيطالية) فقتل واستولى المسلمون على عدة حصون من الجزيرة وجرت وقائع كثيرة بين الروم وبين المسلمين امتدت سنين طوالا وانتهت باستيلاء المسلمين على جميع جزيرة صقلية - ولما استولى عبيد الله المهدي على أفريقية ودانت له وبعث العمال في نواحيها بعث على جزيرة صقلية الحسن بن علي بن أبي الحسين الكلبي من وجوه قواده فذهب إلى صقلية ومهد الأمور واكتسح بلاد قلورية (كلابرة) وتغلغل في أحشائها وبني بمدينة ريو مسجداً كبيراً في وسط المدينة - وجملة القول أن العرب بلغوا من الفتوحات في إيطالية ان استولوا على معظم البلدان الجنوبية وقرعوا أبواب رومة وحالفهم أهل نابلي وتمتعوا بخيرات إيطالية وسادوا أهلها وعبروا على ذلك حيناً من الدهر وبقيت صقلية في يد المسلمين نيفاً وخمسين ومائتين جعلوها في أثنائها بلاداً عربية بحتة فكنت لا ترى في شوارعها إلا العمائم والبرانس والخفاف والنساء بالخمار والنقاب والأزار: وقد زارها ابن حوقل الرحالة المشهور في منتصف القرن الرابع الهجري وقال فيما قال عنها: وقصبة صقلية مدينة بلرم وهي مدينة كبيرة سورها شاهق متسع مبني من حجر وجامعها كان بيعة وفيها وفي الحارات المحيطة بها نيف وثلثمائة مسجد وقد رأيت في بعض الشوارع على مقدار رمية سهم عشرة مساجد بعضها تجاه بعض: وقد أنجبت من العرب المسلمين علماء وشعراء وفلاسفة وفقهاء - ذكرنا بعضهم في كتاب حضارة العرب في الأندلس - أما كيف أخذت صقلية من يد العرب فإنك ترى ذلك مفصلاً في ترجمة ابن حمديس الصقلي المذكورة في العدد الثاني من البيان صحيفة ١٢٤ وما يليها - هذا ولما تقلص ظل العرب من جنوب إيطالية خضعت إيطالية الجنوبية إلى مملكة الروم في القسطنطينة ومضت على ذلك نحواً من قرن وكان سائر إيطالية عدا ذلك تحت نيرجرمانية ثم استظهر النرمنديون على العرب والروم وملكوا جنوب إيطالية وصقلية وسنأتي على باقي تاريخ إيطالية القديم والحديث في مقال آخر واف وننتقل الآن إلى ذكر فذلكة تاريخ طرابلس الغرب وتقويمها. طرابلس الغرب

стр. 287

تقويمها وتاريخها طرابلس الغرب ولاية عثمانية على ريف أفريقية الشمالية يحدها شمالاً بحر الروم (البحر الأبيض المتوسط) وجنوباً صحراء ليبية وفزان - وشرقاً صحراء ليبية ومصر - وغرباً تونس والجزائر واقعة بين ٢٣ْ ١٥َ ٣٣ْ عرضاً شمالياً - وبين ١٠ْ، ٢٠ْ طولاً شرقياً على وجه التقريب وتبلغ مساحتها نحوا من ١. ٠٥٠. ٠٠٠ كيلو متراً مربعاً فتكون مساحتها مثلى فرنسة وثلاثة أمثال مساحة إيطالية ومع ذلك لا يكاد عدد سكانها يعدو ألف ألف نسمة وهم ما بين بربر (مغاربة) وعرب (نزحوا إليها قبل الفتح الإسلامي وبعده) وترك وزنوج ومالطيين وإيطاليين. وجميع العرب والترك والبربر مسلمون عدا فئة قليلة من اليهود وهي تنقسم الآن إلى خمس متصرفيات (١) متصرفية طرابلس وقصبتها مدينة طرابلس وهي على أنفٍ داخل في البحر ويبلغ سكانها نحواً من (٦٠) ألف نسمة معظمهم مسلمون وهي مرفأ مأمون محصن بالقلاع أشبه بمضيق ويحيط بها صور قديم من الجهات الثلاث واستحكامات وماقل على هضاب طبيعية وهي مركز تجارة الولاية كلها مع ما وليها من داخل أفريقية وأكثر تجارها من اليهود وتتصل تجارتها في البحر مع مالطة وبلاد اليونان ومرسيلية وتريستة وسائر بلاد المشرق - وتسير منها القوافل إلى كل ما جاورها من البلاد - ويكتنف المدينة حدائق ورياض وأرض خصبة وفي المدينة آثار هياكل وسدود رومانية أهمها (قوس النصر) المشيد سنة ١٦٤م وهو مبني بالمرمر وعليه كثير من النقوش الجميلة وفيها مسجد كبير قائم على ستة عشر عاموداً من المرمر وكان في القديم بيعة للنصارى. وستة مساجد أخرى كبيرة عدا المساجد الصغيرة والزوايا. وثلاث كنائس للنصارى. ودير للفرانسيسكانيين. وثلاثة معابد لليهود. وحمامات وأسواق. وشوارعها ضيقة معوجة وأكثر بيوتها طبقة واحدة. وينسب إليها كثير من العلماء والأدباء مثل عمر بن عبد العزيز بن عبيد بن يوسف الطرابلسي المالكي المتوفي في بغداد سنة ٥١٠ هجرية - وأبي الحسن علي بن عبد الله ابن مخلوف صاحب تاريخ طرابلس الغرب المتوفي في مكة سنة ٥٢٢ هجرية - ومحمد بن شعبان الذي قدم الاستانة سنة ١٠١٦ هجرية وولاه شيخ الإسلام صنع الله بن جعفر قضاء بلده وله من التآليف كتاب تشنيف المسمع في شرح المجمع وهو شرح

стр. 288

مجمع البحرين. (٢) متصرفية الجبل الغربي. وقصبتها غدامس الواقعة وسط الصحراء ويبلغ سكانها نيفاً وخمسة آلاف. (٣) متصرفية (خمس) - ومن مدنها (خمس) و (لبدة) و (مصراطة) و (سرت) وكلها على الساحل إلى الشرق من مدينة طرابلس. (٤) متصرفية (فزان) وهي جنوبي الولاية وقاعدتها مدينة (مرزوق) والى الجنوب منها واحة (غات) وهي قضاء تابع لمتصرفية (فزان). (٥) متصرفية (برقة) وأكثر سكان هذه المتصرفية عرب سنوسيون. وقاعدتها مدينة (بني غازي) ومن مدنها (درنة) وهي فرضة بحرية فيها تلغراف لا سلكي ترسل الاشارات البرقية منه إلى رودس. والى الجنوب منها واحة الكفرة سميت بذلك نسبة إلى قبيلة من السود كانت مقيمة فيها. وهواء هذه البلاد معتدل إلا صحاريها فإنه فيها جاف - وهي وفيرة الريع في بعض جهاتها الجبلية ولاسيما حول مدينة طرابلس وبرقة. ويكثر فيها النحل وعسله الجيد والنخل والفواكه والزيتون وفيها الخيول المطهمة والنعام والغنم. وفي شواطئها معادن الذهب ومغاوص الاسفنج والمرجان. وفيها معامل للمنسوجات الصوفية والحريرية والقطنية. ولاسيما الطنافس والدباغة. وفي (برقة) ينابيع كثيرة ومراع طيبة يسرح فيها الأعراب غنمهم وماشيتهم. وفي سهول برقة يقيم كثير من السنوسيين الذين لهم نفوذ عظيم في تلك البقاع. والسنوسيون ينسبون إلى رئيسهم الأول السيد محمد بن علي السنوسي الحسني المتصل نسبه بالحسن بن علي بن أبي طالب ولد في أوائل القرن الثالث عشر الهجري في (مستغانم) من أعمال الجزائر ونشأ بها وطلب العلم بمدينة (فاس) ثم ارتحل منها وأخذ يجول في الصحراء يحث الناس على الصلاح والتقى وجاء إلى مصر ثم رحل منها إلى مكة وتقابل مع الأستاذ الشيخ أحمد بن أدريس الشريف الفاسي أشهر أهل عصره في العلم والصلاح فسار به في الطريقة الصوفية فما لبث أن برع السيد السنوسي في العمل يتعاليمها فكافأه الشيخ الشريف على جده ذاك فألبسه خلعة الخلافة على المريدين وأمره

стр. 289

بإعطاء العهود والمواثيق فلما ظفر بطلبته بني زاوية بجبل أبي قبيس ثم رحل إلى الجبل الأخضر بأرض طرابلس في أواسط القرن الثالث عشر الهجري وأقام به ما يقرب من الثماني سنوات أسس فيه كثيراً من الززوايا واجتمع عليه خلق لا يحصيهم العد. ثم اشتقاقت نفسه إلى البلاد المقدسة فأسرع في العودة إلى مكة وأقام بزاوية بجبل أبي قبيس سبع سنين يعلم الناس الحديث والفقه وغيرهما فذاع صيته واشتهر أمره في الهدى والرشد. ثم رحل مع أستاذه الشريف الفاسي إلى اليمن فتوفي أستاذه بها فعاد السيد السنوسي إلى مكة وأقام فيها يعمل على طريقته. ثم اضطرب جو السياسية بمكة فرحل السيد السنوسي منها إلى مصر فبنى له عباس باشا الأول والي مصر زاوية على مقربة من باب الحديد خارج القاهرة فعدل عنها إلى كرداسة وهي إحدى قرى مديرية الجيزة وكانت شهرته بالتقوى والصلاح قد أفعمت هذا القطر فتكاثر الناس عليه تكاثر الجراد على جيد الثمار. فلم يلبث إلا ريثما تحول إلى الجبل الأخضر السابق الذكر ورمم هناك قصراً قديماً وسماه بالعزيات وأقام به حولين ولما أنس حب أهل البادية لطريقته. وكان يبغض القرب من الحكومات لكثرة ما بها من الوشايات - استخبر العرب عن أجود البقاع هواء وأجملها جواً فحدثوه عن الجغبوب وهو على ثلاثة أيام من واحدة سيوه فرحل إليه وأقام به ثلاثة أعوام يعمل على طريقته السالفة حتى أتاه الأجل المحتوم سنة ١٢٧٦ فدفن هناك ﵀ رحمة واسعة - وقد كان مولعاً بالتأليف ومن أشهرها (إيقاظ الوسنان في العمل بالسنة والقرآن) و (السلسبيل المعين في الطرائق الأربعين) و (المنهل الرائق في الأسانيد والطرائق) و (الشموس الشارقة في سماء مشايخ المغاربة والمشارقة). ثم قام بالأمر بعد ابنه السيد محمد المهدي السنوسي. ومعه أخوه السيد محمد الشريف ينشر طريقة أبيه فتزايد عدد المريدين ودخل الناس في طريقته أفواجاً واتبعه ملك (وداي) وجميع أهل مملكته - وكانت الدولة العلية قد أرادت منه أن يحضر إلا الاستانة فأبى وترك الجغبوب وابتعد عنها ونزل بالكفرة على طريق وداي ومنزلته عند قومه لا تساميها منزلة أحد من الملوك والعظماء وكان قد دعاه أيضاً محمد أحمد المتمهدي السوداني ورغبه في الإسراع إليه ليعقد له على الخلافة بعد ولي العهد فأبى ذلك عليه. وكانت همته منصرفة إلى توطيد عرى الوفاق بين المريدين وتنشيطهم إلى التمسك بالدين

стр. 290

القويم فازدادوا به وثوقاً ولمنزلته تعظيماً حتى ظنوا أنه المهدي المنتظر وفي سنة ١٩٠٠ م تقدم الفرنسيون إلى البلاد التابعة له ففتحوا (برنو) وقتلوا سلطانهم رابح الزبير ثم استولوا على (باقرمي) ولما لم ينجح السنوسي في رد صدماتهم غمه ذلك كثيراً فضى نحبه سنة ١٩٠٢م فنقلت حثته إلى (قرو) إحدى أعمال (وداي). ثم خلقه ابن أخيه واسمه أحمد الشريف وهو رئيس السنوسين الآن. فأما عدد السنوسيين فإنه لا يعرفه أحد وذلك لكثرة عددهم وتفرقهم في البلاد الكثيرة المتباعدة والصحارى الشاسعة فهم منتشرون بكثرة في طرابلس وبرقة والجانب الشرقي من الصحراء الكبرى - ووداي جيمعها سنوسيون وكذلك يوجد عدد وافر في تونس والجزائر وبرنو ودارفور والجانب الغربي من الصحراء الكبرى وكذلك في مكة والمدينة وأكثر بقاع الحجاز (وسيأتي الكلام على تاريخ طرابلس في العدد السابع لضيق موضعه هنا).

стр. 291

العدد ٥ - بتاريخ: ١٧ - ٢ - ١٩١٢

стр. 292

تاريخ الإسلام (المقدمة الثانية) في الأديان تابع هذه كلمة مجملة تمهيدية للكلام على تاريخ الأديان التي كانت موجودة قبل الإسلام ولاسيما في جزيرة العرب وما جاورها وليس علينا في هذا المقام أن نفيض القول في الدين وفي مذاهب العلماء والفلاسفة وأرباب الأديان فيه مما هو خارج عن دائرة المؤرخ وإن لذلك لموضعاً قد نطرق هذا المبحث فيه إن شاء الله. الأديان التي كانت موجودة قبل الإسلام ليس من السهل على المؤرخ أن يستقصى الديانات كلها دقيقها وجليلها فإن ذلك مما يخطئه العد والإحصاء وإنما الذي تناله الاستطاعة هو معرفة الديانات المشهورة التي عرفها التاريخ ولها أتباع معروفون ولذلك سيكون كلامنا في هذه المقدمة على الصابئة والمجوسية والبوذية والبرهمية واليهودية والنصرانية وعبدة الأصنام (المشركين) وبيان ما كان من هذه الديانات في جزيرة العرب وكل ذلك باخصر ما يمكن من القول إن شاء الله. الصائبة من الديانات القديمة التي أكل الدهر عليها وشرب ديانة الصابئين أو المندائين الذين أرسل إليهم في القديم أخوهم إبراهيم الخليل وجرى بينهم وبينه ما هو معروف ومشهور. ومهد هذه الديانة هي بلاد بابل وآشور أو مهد الإنسان الأول كما يقولون ولذلك أرسل إليهم في القديم أخوهم إبراهيم الخليل وجرى بينهم وبينه ما هو معروف ومشهور. ومهد هذه الديانة هي بلاد بابل وآشور أو مهد الإنسان الأول كما يقولون ولذلك كانت البقية الباقية إلى الآن من أهل هذه الديانة محصورة في بعض البلدان الواقعة على ضفاف الفرات ودجلة قرب مصبهما. وقد اختلف العلماء في أصل هذه الكلمة (صابئة) فذهب علماؤنا إلى أن الصابئة مأخوذة من صبأ عن الشيء إذا مال عنه وانحرف والصابئون قد انحرفوا عن سنن الحق في نبوة الأنبياء إلى عبادة الكواكب أو عدلوا عن التقيد بجملة كل دين وتفصيله إلى محاسن الديانات ومارأوه منها حقاً وكانت قريش تسمي النبي ﷺ صابئاً والصحابة

стр. 293

الصبأة لأنهم مالوا علما ألفته قريش وعن وثنيتهم إلى الإسلام - هذا مجمل ما قاله علماء اللغة والمفسرون وهو قد يكون صحيحاً في تأويل ما ورد من هذه المادة في القرآن ومعناها كما يريده الكتاب الكريم وفي تبيين معنى هذه اللفظة في اللغة العربية الحيلة وما يريده العرب الفصاح منها أما إذا قصدنا إلى سر تسمية هذه الطائفة بهذا الاسم عند نفسها إن كانت تسمي نفسها كذلك أو إلى معنى هذه اللفظة في أصلها الوضعى فربما كان أقرب إلى المعقول أن يكون اشتقاقها على ما قاله بعض الباحثين في علم اللغات من صبأوت العبرية ومعناها جند السماء دلالة على أنهم يعبدون الكواكب والعربية أخت العبرية وإن كان لا يعرف أيتهما السابقة أو ما هي أمهما - وقد تطورت هذه الديانة تبعاً لتطور أصحابها في أحوالهم الاجتماعية على أطوار شتى وذلك أنها كانت في الأول مبنية على تقديس الكواكب والأجرام السماوية في حين أنها عنوان عظمة الله وجلال خالقها أي أن تقديسها لم يكن إلا تقديساً لله جل شأنه كما هو الشأن في أصل غريزة الدين كما أسلفنا ثم وقفت بعد ذلك عند عبادة الكواكب ولم تعدها إلى ما وراءها أي أن أهلها صاروا يرون الكواكب آلهة. وعبروا على ذلك حيناً من الدهر حتى إذا رأوا الكواكب تختفي بالنهار وفي بعض أوقات الليل رأى فريق منهم أن يجعلوا لها أصناماً وتماثيل على صورها وأشكالها فجعلوا أصناماً وتماثيل بعدد الكواكب المشهورة وسموها بأسمائها وفي هذا الطور أرسل إليهم إبراهيم الخليل الذي نشأ في أور الكلدانيين قبل ميلاد السيد المسيح حسبما جاء في التوراة بنحوٍ من ألفي عام وجرى بينهم وبينه ما هو مذكور في القرآن الكريم وقد بينه الشهرستاني صاحب الملل والنحل أحسن تبيين وقد سمي العرب والكتاب دين إبراهيم - الذي خالف به قومه الصابئة - الحنيف حتى صار اللفظتان (صابى وحنيف) من الألفاظ المتقابلة: وقد اضطربت كلمة اللغويين والمفسرين في معنى هذه الكلمة (حنيف) ونحن نورد هنا ما جاء في اللسان بخصوصها قال: وحنف عن الشيء وتحنف مال والحنيف المسلم الذي يتحنف أي يميل إلى الحق وقيل الذي يستقبل قبلة البيت على ملة إبراهيم وقيل هو المخلص وقيل من أسلم في أمر الله فلم يلتو في شيء فهو حنيف وقال أبو زيد الحنيف المستقيم. تعلم أن سيهديكم إلينا ... طريق لا يجوز بكم حنيف وقال أبو عبيدة في قوله : ﴿قل بل ملة إبراهيم حنيفاً﴾ قال من كان على دين

стр. 294

إبراهيم فهو حنيف عند العرب وقال الأخفش الحنيف المسلم وكان في الجاهلية يقال من اختتن وحج البيت حنيف لأن العرب لم تتمسك في الجاهلية بشيء من دين إبراهيم غير الختان وحج البيت فكل من اختتن وحج قيل له حنيف فلما جاء الإسلام تمادت الحنيفية فالحنيف المسلم. وقال الزجاح نصب (حنيفاً) في هذه الآية على الحال والمعنى بل نتبع ملة إبراهيم في حل حنيفيته ومعنى الحنيفية في اللغة الميل أي أن إبراهيم حنف إلى دين الله ودين الإسلام (والمراد بالإسلام هنا معناه الأصلي كما قدمنا في أول هذه الكلمة) وإنما أخذ الحنف من قولهم رجل أحنف ورجل حنفاء وهو الذي تميل قدماه كل واحدة إلى أختها بأصابعها وقال الجوهري الحنيف المسلم وقد سمي المستقيم بذلك كما سمي الغراب أعور وتحنف الرجل أي عمل عمل الحنيفية ويقال اختتن ويقال اعتزل الأصنام وتعبد قال جران العود: ولم رأينا الصبح بادرن ضوءه ... رسيم قطا البطحاء أوهن أقطف وأدركن أعجازاً من الليل بعدما ... أقام الصلاة العابد المتحنف إلى آخر ما جاء هناك مما لا يكاد يغاير ما أثبتناه هنا - وكل ما قاله اللغويون في ذلك على أن ظاهره الخلاف فإنه مجمع على أن الحنف الميل فإما ميل عن الشيء وهو أصل معناه وأما ميل إليه وقد تكلفوه من تسمية دين إبراهيم به أما الحنيفية فكالإسلام كلتاهما من الألفاظ التي انتقلت من وضعها الأصلي إلى معنى اصطلاحي لمكان المناسبة بينهما فدين إبراهيم حنيفاً لأنه مال عن دين الصابئة دين الأصنام وعبادة غير الله إلى دين يخلص إلى الله التوحيد والعبادة ويشتمل من أنواع العبادة وضروب الفطرة على الحج إلى بيت الله والاختتان وما إليهما فهذا مثار ما ترى من ذلك الغبار - قلنا إن الصابئة لما رأت الكواكب تختفي بالنهار وفي بعض أوقات الليل تخذت لها أصناماً وتماثيل على مثل الكواكب والنيرات فكان ذلك دليلاً على أنهم ما كانوا في الأصل ليعبدوا الأصنام لذاتها وإنما لتقربهم إلى الله أو إلى الكواكب وتقوم مقامهم - قال شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية في كتابة (إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان) الصابئة هم قوم إبراهيم ﵇ الذين ناظرهم في بطلان الشرك وكسر حجتهم بعلمه وآلهتهم بيده فطلبوا تحريقه وهو مذهب قديم في العالم وأهله طوائف شتى فمنهم عباد الشمس. زعموا أنها ملك من الملائكة

стр. 295

لها نفس وعقل وهي أصل نور القمر والكواكب وتكون الموجودات السفلية كلها عندهم منها وهي عندهم ملك الفلك فتستحق التعظيم والسجود والدعاء. . ومن شريعتهم في عبادتها أنهم اتخذوا لها صنماً بيده جوهر على لون النار وله بيت خاص قد بنوه باسمه وجعلوا له الوقوف الكثيرة من القرى والضياع وله سدنة وقوام وحجبة يأتون البيت ويصلون فيه لها ثلاث مرات في اليوم ويأتيه أصحاب العاهات فيصومون لذلك الصنم ويصلون ويدعونه ويستشفون به وهم إذا طلعت الشمس سجدوا كلهم لها وإذا غربت وإذا توسطت الفلك. . وطائفة أخرى اتخذت للقمر صنماً وزعموا أنه يستحق التعظيم والعبادة وإليه. تدبير هذا العالم السفلي ومن شريعة عبادته أنهم اتخذوا له صنماً على شكل عجل أو نحوه من ذوات الأربع وبيد الضم جوهرة يعبدونه ويسجدون له ويصومون له أياماً معلومة من كل شهر ثم يأتون إليه بالطعام والشراب والفرح والسرور فإذا فرغوا من الأكل أخذوا في الرقص والغناء وأصوات بين يديه. . ومنهم من يعبد أصناماً اتخذوها على صورة الكواكب وروحانيتها بزعمهم. وبنوا لها هياكل ومتعبدات لكل كوكب منها هيكل يخصه وعبادة تخصه - وكل هؤلاء مرجعهم إلى عبادة الأصنام فإنهم لا تستمر لهم طريقة إلا بشخص خاص على شكل خاص ينظرون إليه ويعكفون عليه. ومن ههنا اتخذ أصحاب الروحانيات والكواكب أصناماً زعموا أنها على صورتها فوضع الصنم إنما كان في الأصل على شكل معبود غائب فجعل الصنم على شكله وهيئته وصورته ليكون نائباً منابه وقائماً مقامه وإلا فمن المعلوم أن عاقلاً لا ينحت خشبه أو حجراً بيده ثم يعتقد أنه الهه ومعبوده انتهى كلام ابن قيم. وهذا الذي قاله ابن قيم منذ ستة قرون هو الذي أطال في شرحه كارليل في كتابه الأبطال وجملته أن عبادة الأصنام في الأصل كانت لأن الصنم يمثل الإله وإن الإله كائن وفيه بشكل ما وكذلك فكل عبادة أية كانت هي عبادة بالرموز أو بالأشياء المنظورة وسواء تمثل الإله للعين الخارجية في صورة منظورة أو للعين الداخلية أعني للذهول أو للخيال فإنما هو فرق عرضي لا جوهري إذ لا تزال تبقى هذه الحقيقة وهي أن هناك شيئاً ينظر - بالعين أو بالذهن - دليلاً على الأدلة أعنى وثنا. وليس يخلو أورع الناسكين وأولع المتصوفين من الممثلات الذهنية للأشياء المقربة وبها يعبد الله ولولاها ما وجد للعبادة سبيلاً -.

стр. 296

أخبار الخوارج للإستاذ الشيخ أحمد سليمان العبد أحد خريجي مدرسة الفضاء الشرعي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله أجمعين مقدمة إن ماجاء به هذا الدين من نبذ الحال التي كان عليها كثير من الأمم في ذلك العهد من تقديس شخص من أفرادها وتغاليها في الخضوع لمليكها ورفعها إياه إلى منزلة الأله الواحد القاهر وما نشره هذا الدين المحكم من المساواة بين الناس لأفضل لأحد على غيره في الحقوق العامة - لا يعظم شريف أمام هذا الدين فيميل معه في اغتصاب ضعيف ما له ويعينه على انتهاك عرض ذليل ضئيل. إن كل هذا قد بث في الأمة الإسلامية روح الصراحة في القول وجملها بثوب الشجاعة الأدبية - وجعل أفرادها يستعذبون الموت الزؤام. إذا حال بينهم وبين الجهر بخطل ما يرونه خطأ. سواء أخطأوا في الواقع أم أصابوا. وكأني بهذا المبدأ (مبدأ المساواة) وهو ناصر النفس وعضدها القوي الذي يزيل عنها الخور والخمول ويخرج بها إلى واد فسيح من الحياة الشريفة تجديه رقيها ورفعتها ويقذف بها في ميدان شاسع من الشجاعة الأدبية فيشيد الإنسان لنفسه ولأمته بذلك صرحاً من الشرف باذجاً يهرم الدهر وهو يتريع شباباً وتنفد الأيام وهو يتجدد ذكراً وثناء. ومن هنا يظهر السبب الذي دفع كثيراً من أفراد المسلمين في الصدر الأول من الإسلام إلى إظهار رأيهم في المواقف الحرجة والمآزق الضنكة. فلا غرو بعد هذا أن ينظر الإنسان في التاريخ الإسلامي فيرى العباس ابن مرداس السلمي يخاطب النبي ﷺ عقيب تفضيله رجالاً من المؤلفة قلوبهم من المسلمين بزيادة عطائهم من غنائم (حنين) فيقول في شعره. وكانت نهاباً تلافيتها ... بكرى على أطهر في الأجرع وإيقاظي القوم أن يرقدوا ... إذا هجع الناس لم أهجع

стр. 297

أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين عيينه والأقرع وقد كنت في الحرب ذا تدرأ ... فلم أعط شيئاً ولم أمنع إلا افائل أعطيتها ... عديد قوائمه الأربع وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع وما كنت دون امرئ منهمو ... ومن تضع اليوم لا يرفع فأعطاه رسول الله ﷺ حتى رضي بالعطاء. ولا عجب أن يغضب عمر بن الخطاب من أبي بكر ﵄ لأنه لم يجبه إلى القود من خالد بن الوليد لما قتل هذا مالك بن نويرة في حروب الردة - وأن يقوم عمر إلى خالد إبان دخوله المسجد وينزع اسهماً كانت حلية عمامة خالد ويحطمها بحضور أبي بكر الصديق وهو خليفة الرسول ﷺ وصاحبه في الغار وأول من آمن به من الرجال وإن كان قتل خالد مالكاً ناشئاً عن سوء تفاهم لاختلاف اللغات في جزيرة العرب كما تواتر هذا في أساطير المؤرخين ولا غرابة من أن عمر بن الخطاب (ض) مع شدته وارجافه قلوب العرب لم تمنع درته ذلك الأعرابي الذي جاء إليه عصر خلافته يستفتيه في أمر عرض له فلما أخبره بحكم الله صرح ذلك الأعرابي بما أخذه على أمير المؤمنين (ض) وكان من خبر هذه الواقعة أن رجلاً أعرابياً واسمه قبيصة بن هانئ أتى عمر بن الخطاب (ض) فقال أني أصبت ظبياً وأنا محرم فالتفت عمر إلى عبد الرحمن بن عوف وقال قل - فقال عبد الرحمن يهدى شاة - فقال عمر للأعرابي اهد شاة. فقال الأعرابي والله مادرى أمير المؤمنين ما فيها حتى استفتى غيره فخفقه عمر بالدرة وقال أتقتل في الحرم وتفحص الفتيا ان الله قال ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ فأنا عمر بن الخطاب وهذا عبد الرحمن بن عوف. وما حديث هذا المعنى في عهد عثمان بن عفان بالأمر المستور خبره أو المعفى أثره. هذا وإن نتائج هذا المبدأ (مبدأ المساواة) قد أينعت ثمارها وظهرت بأجلى صورها في عصر ذلك الرجل الورع التقى الطاهر القلب السليم الطوية الحسن النية النبيل الذكر الشريف النفس الصابر على البلاء المتجنب الكبرياء اعلم أهل دهره بكتاب ربه وسنة نبيه وصى النبي المصطفى وابن عمه سيدنا علي كرم الله وجهه.

стр. 298

فقد خرج عليه قوم كثير عددهم شديد بأسهم لأمر أخذوه عليه ورأوه غير مرضى لديهم ودافعوا عن رأيهم ذلك بالسيف والرمح واللسان أشد دفاع حتى أكلتهم الحروب وذهبت شوكتهم وفنى سوادهم ولم ينج منهم إلا من لا يرفع الناس به رأساً ولا يشغل أمرهم رأي أحد - وهؤلاء هم (الخوارج) الذين عزمنا على ذكر أخبارهم وحروبهم إن شاء الله. أخبار الخوارج كان من خبر هذه الطائفة أنهم لما رأوا ما فعله عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان في وقعة (صفين) من رفع المصاحف على أطرا الرماح وقتما أحسا بالهزيمة - حملو سيدنا علياً (ض) على ترك القتال فأبى ذلك عليهم وتردد كثيراً وأبان لهم أن هذه خدعة فلم يقبلوا ذلك منه فطاوعهم مكرهاً. ثم تخابر الجيشان في الأمر فعينا حكمين ليفصلا في شأن إمارة المؤمنين وهما عمرو بن العاص من قبل معاوية وأبو موسى الأشعري من جهة على وذلك في شهر صفر سنة ٣٧ فسكن الهرج على أن يكون حكم الحكمين في رمضان من تلك السنة ولما اجتمع الحكمان وختل عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري فخلع هذا عليا وأثبت عمرو صاحبه عاد سيدنا علي إلى مطاولة معاوية ومقاومته لخطأ الحكمين وتركهما مراعاة السنة والكتاب وما سجل عليهما في كتاب عقد الصلح. وعند ذلك قام هؤلاء القوم الذين أكرهوا علياً كرم الله وجهه أولاً على ترك القتال وقبول التحكيم - وثانياً - على تعيين أبي موسى حكماً واجتمعوا في دار زيد بن حصين الطائي وبايعوا عبد الله بن وهب الراسي ثم الازدي وذلك لعشر خلون من شوال سنة ٣٧هـ -. فلما بلغ أمرهم علياً كرم الله وجهه بعث إليهم ابن عباس (ض) مرات لمناظرتهم وكذلك توجه إليهم بنفسه. فمن مناظرة ابن عباس لهم أنه قال لهم ما الذي نقمتم على أمير المؤمنين - قالوا قد كان للمؤمنين أميراً فلما حكم في دين الله خرج من الإيمان فليتب بعد أقراره بالكفر نعد له فقال ابن عباس لا ينبغي لمؤمن لم يَثُب إيمانه شك أن يقر على نفسه بالكفر - قالوا إنه قد حكم قال ابن عباس إن الله قد أمر بالتحكيم في قتل صيد فقال : ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ فكيف في إمامة قد أشكلت على المسلمين - فقالوا أنه قد حكم عليه فلم يرض

стр. 299

فقال أن الحكومة كالإمامة ومتى فسق الإمام وجبت معصيته وكذلك الحكمان لما خالفا نبذت أقاويلهما - فقالوا له إذا كان على حق لم يشكك فيه وحكم مضطراً فما باله حين ظفر (في واقعة الجمل) لم يسب فقال ابن عباس (ض) أفكنتم سابين أمكم عائشة فوضعوا أصابعهم في آذانهم وقالوا أمسك عنا غرب لسانك يابن عباس فأنه طلقٌ زلقٌ غواص على موضع الحاجة. ومن مناظراتهم مع علي كرم الله وجهه أنه قال لهم ألا تعلمون أن هؤلاء القوم لم رفعوا المصاحف قلت لكم إن هذه مكيدة ووهن وأنهم لو قصدوا إلى حكم المصاحف لم يأتوني ثم سألوني التحكيم أفعلمتم أنه كان منكم أحد أكره لذلك مني قالوا اللهم نعم. قال فهل علمتم أنكم استكرهتموني على ذلك حتى أجبتكم إليه فاشترطت أن حكمهما نافذ ما حكما بحكم الله فإن خالفاه فأنا وأنتم من ذلك براء أو أنتم تعلمون أن حكم الله لا يعدوني قالوا اللهم نعم ثم قالوا الله نعم ثم قالوا قد حكمت في دين الله برأينا ونحن مقرون بأنا قد كفرنا ونحن تائبون فأقرر بمثل ما أقررنا وتب ننهض معك إلى الشام - فقال علي (ض) أما تعلمون أن الله جل ثناؤه قد أمر بالتحكيم في شقاق بين رجل وامرأة فقال ﵎ ﴿فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها﴾ وفي صيد أصيب في الحرم كأرنب يساوي ربع دينار فقال ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ فقالوا إن عمراً لما أبى عليك أن تقول في كتابك: هذا ما كتبه عبد الله على أمير المؤمنين: محوت اسمك من الخلافة فقلت عليُّ بن أبي طالب فقال لهم ﵁ لي برسول الله ﷺ اسوة حسنة حيث أبى عليه سهيل بن عمرو ان يكتب هذا كتاب كتبه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو فقال له لو أقررنا بأنك رسول الله ما خالفناك ولكن أقدمك لفضلك ثم قال اكتب محمد بن عبد الله فقال لي يا علي أمحُ رسول الله فقلت يا رسول الله لا تسخو نفسي بمحو اسمك من النبوة فقال ﵊ قفني عليه فمحاه بيده ﵇ ثم قال اكتب محمد بن عبد الله. ثم تبسم إلي فقال ياعلي أما أنك ستسام مثلها فتعطي - فرجع معه منهم ألفان. ثم ظهروا بعد ذلك بحروراء: بناحية الكوفة: ولذلك أطلق عليهم الحرورية وكانوا إذ ذاك في جيش عظيم وجمع كبير فتوجه إليهم علي كرم الله وجهه فقاتلهم قتالاً شديداً حتى أبادهم إلا تسعة رجال منهم فأنهم أفلتوا من الحرب.

стр. 300

فذهب اثنان منهم إلى عمان والتجأ اثنان آخران إلى كرمان وفر اثنان كذلك إلى سجستان وقصد اثنان آخران الجزيرة وذهب تاسعهم إلى (تل مورون) ياليمن وانبثوا بين ظهراني أصحاب تلك البلاد يرغبون الناس في مقالتهم ومذاهبهم حتى اتبعهم خلق كثير عددهم. هذا - ولم يمنعهم انقسامهم على أنفسهم ومحاربة بعضهم بعضاً لاختلاف بينهم في بعض الفروع - عن أن يشغلوا بال أمراء الإسلام من الدولة الأموية في الشام والدولة الزبيرية في الحجاز فقد أشعلوا نار الحرب الزبون مدة مديدة على الدولتين وأخافوا القواد والشجعان وهم في منازلهم واستولوا على كثير من البلاد العظيمة الإسلامية مثل كرمان - ومكران - وكازون - وفارس والمدائن - وأرجان ورام هرمز وسلا وسليرا وغير ذلك. وقد أحاطوا بالبصرة حتى ترحل أكثر أهلها منها وكان الباقون على الترحل - ولم يكسر شوكتهم ويفلل حدهم إلا الملهب بن أبي صفرة فأنه لما تولى قيادة جيش الأمويين هزم الخوارج إلى الفرات ثم إلى الأهواز ثم إلى فارس ثم إلى كرمان ولم يفلت منهم بعد أن لبث يحاربهم مدة تتجاوز العشرين عاماً إلا بعض قليل ذهب فريق منهم إلى المغرب الأقصى وأسس مذهب الاباضية هناك وهي إحدى فرق الخوارج - ولها ذنب دقيق إلى الآن لا يكاد يظهر. واختفى فريق آخر في الصوامع والجبال يتزهد ويعبد الله فمنهم من ظفر أمراء الأمويين به كعروة بن أدية فقتلوه ومنهم من مات حتف أنفه.

стр. 301

آثار تاريخية آثار مصرية - آثار فارسية - آثار يابانية - آثار عربية - آثار رومانية الحكمة المشرقية وهذا هو مجموع الآثار الأولى الثلاثة قال الفاضل محمد لطفي جمعة معرب هذا الكتاب ومهديه إلى البيان: الحكمة المشرقية هو كتاب ذو أجزاء ثلاثة الأول يشتمل حكم فتاحوتب وزير الملك ايسوسي احد ملوك الأسرة الخامسة كتبه يعلم ابنه الحكمة ويرشده وهو من الكتب النادرة التي بقيت من آثار الأدب المصري القديم الجزء الثاني يشتمل (جولستان) أو روضة الورد في الحكمة والزهد والأمثال لحكيم الفرس وشاعرها الأشهر مصلح الدين سعد الشيرازي من أهل القرن السادس للهجرة وشهرة هذا الكتاب تكفي في الدلالة على مايحتويه الجزء الثالث في تربية الاناث اليابان وضعه أحد مشهوريهم في القرون الوسطى وله مقدمتان الأولى في تاريخ نهضة اليابان الحديثة والثانية في موضوع الكتاب - وهذا هو الجزء الأول من كتاب الحكمة المشرقية وقد وضع له العرب الفاضل ثلاث مقدمات قال حفظه الله. المقدمة الأولى كانت حكم فتاحوتب لدي قدماء المصريين من الكتب المعتبرة حتى أنهم كانوا يعلمونها أولادهم في المكاتب والمدارس ويقرأونها في المنازل والمجالس لهذا عثر البحاثون في الآثار المصرية على نسخ عدة من هذا الكتاب النفيس ولا يخفى أن كثيراً من الكتب النافعة الممتعة وجدت حيث كانت معاهد العلم ولولا تعدد نسخها ما عثرنا ببعضها بعد مرور ستين قرناً من تاريخ تأليفها وانتشارها. وقد علمنا من ورق البابيروس (البردى) أن طلاب دار العلوم المصرية القديمة كانوا يكتبون في اليوم ثلاث صفحات من حكم فتاحوتب ليحسنوا خطوطهم ويهذبوا نفوسهم وليتخرجوا في فنون البلاغة والإنشاء لسلاسة أسلوب الحكم والنصائح المذكورة وتلك الكراسات التي كتبها شبان المصريين القدماء هي التي يصرف محبوا الآثار في هذا العهد أيامهم ويوقفون أعمارهم على البحث عنها والتنقيب عليها ونقلها من اللغة القديمة إلى اللغات الحديثة لينعم أبناء هذا العصر نظرهم في حكمة أبناء القرون الغابرة.

стр. 302

أما النسخة الأصلية التي فسرها العلامة باتسكومجن العالم الأثري الإنجليزي وهي معتمدنا في هذا التفسير العربي فقد عثر بها العلامة المؤرخ الفرنسي بريس دافن ومعها غيرها من الآثار الأديبة في شتاء عام ١٨٤٧ وذكر هذا المؤرخ أنه شراها من فلاح مصري كان يعمل في الحفر والتنقيب على مقربة من مقابر طيبة ويذهب البعض إلى القول بان تلك الآثار الأديبة الثمينة وجدت في أجداث ملوك حنتف وهم أفراد الأسرة الحادية عشر التي أقام امنمحعت الأول على إنقاضها دعائم دولته وانتزع الملك من آخر ملوكها وحصره في أسرته الثانية عشر. وقد اهدى العلامة بريس دافن هذه النسخة إلى دار الكتب الملكية بباريس حيث لا تزال معروضة لأنظار الزائرين وطول القرطاس التي كتبت فيها حكم فتاحوتب بالذراع البلدي ثمانية ونصف وعرضها ذراع وهذا قياس البابيروس المعروف لهذا رجح المؤرخون رأي القائلين بالعثور بتلك الأوراق في قبور الملوك. أما ورقة البابيروس المذكورة فمؤلفة من ثماني عشرة صفحة مكتوب بعضها بالمداد الأسود وبعضها بالأحمر. ويحسب رائيها لأول وهلة أنها حديثة لأن طول القدم لم يصبها بآفات التبديد والتشتيت حتى إذا تبينها وقلب صفحاتها ظهر له أنها لم تنج من آفات القدم التي اغتالت بعض الأوراق وتركت البعض الآخر أثراً بعد عين. ومما أبقاه لنا الدهر من أوراق ذلك العهد كتاب كامل وهو حكم فتاحوتب وآخر ناقص وهو نصائح كاجمني أما نسبة الكتاب الثاني إلى كاجمني فمن باب الحدس والتخمين لأن العث لم يبق على شيء يستدل منه على اسم واضع الكتاب ولأن المفسرين لم يعثروا فيه من أوله إلى آخره إلا على علم واحد وهو كاجمني فظنوه اسم واضع السفر. وأهمية هذا الكتاب هي في أنه أقدم ما كتبه البشر حسبما نص علماء الآثار أما تاريخ الكتاب الكامل الشامل لحكم فتاحوتب فمعروف ولا خلاف في أمره لأن مؤلفه ذكر عن نفسه أنه وضعه في عهد الملك ايسوسي وهو آخر ملوك الأسرة الخامسة فكأن فتاحوتب وضع كتابه في القرن السادس والثلاثين قبل المسيح أي منذ خمسة آلاف وخمسمائة سنة. والعجيب في أمر هذا الكتاب وغيره مما كتبه المصريون الأقدمون أنها لا تزال جديرة باعتبار القراء في كل زمان ومكان. وقيمة حكم فتاحوتب عظيمة لأنها تشمل الشريعة

стр. 303

الأدبية في قالب نصائح تهذيبية يلقيها على ولده وخليفته وزير خبير بشؤون حياة مصر الاجتماعية. فلعل أبناء اليوم يستفيدون من نصح ذلك الحكيم وإرشاده كما استفاد أجدادنا الأوائل وقد نكون إلى هذا النصح منهم أحوج وهو بنا أجدر وأخلق. المقدمة الثانية في كتاب حكم فتاحوتب أقل ما يقال في وصف هذا الكتاب المستطاب أن واضعه لم يترك بحثاً اجتماعياً إلا وطرق بابه ولم يدع موضوعاً أخلاقياً إلا وخاض عبابه فبينا تراه يذكر آداب الجدل والبحث ويصف كل مجادل ويشرح ما ينبغي في حقه كالإذعان لذي الحجة أو الرد عليه بالتي هي أحسن أو الاعراض عنه بلطف حسبما يقتضيه خلقه وتدعو إليه حاله إذا هو ينصح لابنه أن يغضي لأيدي الأمراء والحكام وأن يسترشد العلماء والمرشدين ليهتدي بهديهم ويتعظ بخبرتهم وتجاربهم. ولم يكن نصح فتاحوتب قاصراً على تلك المسائل التهذيبية بل تناول أهم المسائل الاجتماعية فشرح مايليق بالرجل نحو المرأة وما يجب في حق الوالد على الولد وأفاض في وصف معاملة الخدم وأمر بالإحسان إليهم والعطف عليهم وذكر حقوق الاجراء والعمال على أرباب المال والأعمال. وإذا حاولنا أن نلخص حكم فتاحوتب في كلمة واحدة تكون شعاراً لمبدئه في الأخلاق فلا نختار لذلك أفضل من قوله كن محبا للخير والناس تكن سعيداً في الدنيا والآخرة ولكنا نأخذ على الحكيم المصري أنه لم يكن يرمي إلى نشر المبدأ الذائع لدى علماء الأخلاق وقادة الأفكار من أهل المدينة الحديثة وهو حب الخير لذاته وإنما كان يذكر على الدوام أن الطاعة والخضوع وفعل الخير والتأدب في الحديث والاعتدال في العيش والاحسان إلى الفقراء تؤدي جميعها بالمرء إلى السعادة. وبعبارة أخرى يقول فتاحوتب للإنسان إنك إذا أطلعت أباءك في صغرك وولي أمرك في كبرك وأحسنت السياسة في رئاستك وغمرت بكرمك خدمك وحشمك ومن يلوذ بك واعترفت بذنوبك وتبت عنها إلى الله فإنك تنال رضى الملوك وتبلغ أسمي الدرجات وتكون لدى الله من المقربين. ويرى القارئ أن الرادع الذي استعان به فتاحوتب لصد البشر عن فعلا الشر هو رادع مادي محض أو هو من قبيل أعمل تؤجر وهذا الرادع المادي من وضع حكماء الشرق

стр. 304

الأقدمين. وكان هؤلاء الحكماء يفضلونه على الرادع الأدبي وهو محاسبة النفس وتأنيب الضمير لا لأنه أفضل منه بل لأن قيادة العامة بواسطته أسهل فهو من هذه الوجهة وحدها أولى وأنفع وعلى هذا المبدأ جاءت الديانات كلها فلا سبيل للاعتراض عليه إلا بالاعتراض عليها. وقد يأخذ بعض الناقدين على الحكيم فتاحوتب أغفاله ذكر أمور شتى كالرفق بالحيوان فإنه لم يذكر في قانونه كلمة في هذا الشأن مع أن التاريخ لا يحفظ ذكر أمة كانت أرفق بالحيوان من الأدمة المصرية التي وصل بها حبها للأنعام وإشفاقها عليها أنها حرمت ذبحها أو قتلها وجعلت منها آلهة اتخذتها للعبادة وانتحلت لذلك أسباباً وأعذاراً شتى. وقد عثر النقابون في قبر فتاحوتب واضع هذا الكتاب على سطور منقوشة مؤداها أنه كان يستدعي في كل صباح قرداً وثلاثة كلاب يطعمها بيده ويمسحها إشفاقاً منه عليها ويؤخذ هذا الخبر وغيره من الأخبار دليلاً داحضاً على أن الحكيم لم يغفل ذكر بعض الأخلاق الفاضلة والعادات المستحبة إلا لأنها كانت مشاعة لدى أمته. ومن المسائل الجديرة بالنظر ذكر المؤلف لإله واحد غير متعدد (مع العلم بتعدد آلهة المصريين) ووصفه ذلك الإله الفرد بأنه يعاقب المذنب ويثيب المحسن ويعطي السائل وينظم الكون ويحب مخلوقاته ويرقب أعمالهم حسنها وسيئها ويكلأهم بعين لا تأخذها سنة ولا نوم ويرى القارئ أن هذه الصفات اسمي ما يوصف به الخالق ولو كان الواصف من أساتذة اللاهوت في النصرانية أو علماء الكلام في الإسلام. فهل كان فتاحوتب موحداً كإبائه الكهنة وكان يريد بتوحيد الله في كتابه التصريح والاعتراف بالوحدانية من طرف خفي ولسنا نخوض عباب هذا البحث لأنه يدخل في باب الحكم على الغائب بالغيب وهذا الحكم لا يصدق إلا مصادفة وليس للمصادفات مجال في ميدان الحقائق إنما نجيب على هذا السؤال بما يظهر لنا ويجوز موافقته للحقيقة مع خروجه عن حد الفرض المستحيل فنقول ربما رغب الحكيم أن يكون لحكمه تأثير نافع في انتشار كتابه في سائر المدن والأقاليم فرمز لله بأنه الفرد القادر على كل شيء ذلك لأن أهل كل مدينة مصرية قديمة كان لها إله خاص لهم كآمون بطيبة وفتاح بمنف وغيرها من الأرباب فلو أنه ذكر واحداً من تلك الآلهة المتعددة لكان نصيب كتابه من التأثير قاصراً على أهل بلد دون غيره

стр. 305

لذا ذكر المؤلف لفظ الجلالة مطلقاً غير مقيد بزمان أو مكان أو اسم معروف فكان أبناء كل بلد يقرأون الحكم ويقفون على ذكر الله المطلق فيحسبون أن المقصود هو ربهم وقد انطلت تلك الحيلة الدقيقة على قدماء المصريين فكانوا إذا رأوا ذكر الله الغفور المحسن المعطي توجه كل بقلبه ولبه إلى معبوده وربه وها نحن نكتفي بجواب الأثري المصري الوحيد أحمد كمال بك في محاضرة ألقاها بنادي المدارس العليا في خريف ١٩٠٧ عن التوحيد عند قدماء المصريين قال: قال تعالى ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد﴾ هذه هي صيغة التوحيد عند المسلمين وهي موافقة تقريباً للصيغة التي كان يدين بها المصريون قبل عصر الملوك ويدلنا على ذلك رسوم هيروغليفية وجدت في أوراق البردي القديمة - وهنا ترجم الخطيب صورة لهذه الصيغة رسمها على لوحة الطباشير بما يأتي: الله وحده لا ثاني له يودع الأرواح في الاشباح. أنت الخالق تخلق ولا تُخلق خالق السموات والأرض وأخذ الخطيب يبين للحاضرين دلالة الرسوم الهيروغليفية على معانيها فذكر أن الله كان يرمز له بصورة رجل مهيب جالس على كرسي وأن لا النافية يرمز لها بذراعين ممدودين على خط مستقيم وإن الأرواح يرمز لها بثلاثة من الطير وبهذه المناسبة ذكر الحديث المشهور (أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر) وتكلم على ما يعتقده عامة اليوم من (تقمص أرواح الموتى للذباب الاخضر) وإن العابد يرمز له برجل رافع يديه تعبداً والأرض بقوس تحته حصى. وقال إن الافرنج كانوا يعتقدون إلى ماقبل عشر سنين أن قدماء المصريين وثنيون ولكن زال هذا الاعتقاد باكتشاف هذه الصيغة التي يعززها عدم وجود أصنام في مقابر ذلك العهد القديم. من أين التوحيد لقدماء المصريين على هذه الصورة؟ أتاهم التوحيد من نوح ﵇ فقد كان موحداً بدليل قوله تعالى ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً﴾ والخطاب للمسلمين الذين قدمنا عقيدتهم في التوحيد وهنا يتجه اعتراض مؤداه أن الشرك كان شائعاً عند قدماء المصريين بدليل قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇ ﴿أءرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾ ومعلوم أن يوسف كان سجيناً عند

стр. 306

فرعون مصر. ونجيب على هذا بأن عقيدة الشرك لم تدخل مصر إلا مع العرب الذي دخلوا مصر في العهد القديم أي قبل عصر الأسرات ولذلك كان المصريون يطلقون على بلاد العرب اسم بلاد الوثنية - ثم ذكر الخطيب أن الوثنية سليلة بلاد العرب بدليل أن محمداً ﷺ وجد بالكعبة ٣٦٥ صنماً فهشمها ثم أكد الخطيب أنه جمع أسماءها العربية فوجد أسماء تشابهها في اللغة الهيروغليفية مما يدل على نقلها من العربية وضرب مثلاً بضم اسمه بوانه الذي حرفه الفرنج فجعلوه فينكس لأن الباء تنطق في الهيروغلفية كالفاء وقد ذكر العرب هذا الصنم باسم فقنس وقال أصحاب الأساطير أنه طائر يأتي من جزيرة العرب ويقف على معبد عين شمس ثم يرفرف بجناحيه فيتقد ناراً تلتهمه ثم يخلق منها ثانية وما نقله العرب هذا حديث خرافة كالخرافات اليونانية. ومن هذه الأصنام العربية اللات والعزى ومنات وإن لها ذكراً في اللغة الهيروغليفية مع بعض التحريف ثم سئل الخطيب كيف تغلب الشرك على التوحيد فقال أن ذلك راجع إلى قوة المتغلب وسئل عن صيغة التوجد التي أوردها آنفاً فقال أنها موجودة في أوراق البردى القديمة ثم استطرد إلى تعريف البردى فقال أنه نبات يزرع في الوجه القبلي وتخرج منه غلة تشبه القمح كان المصريون يقتاتون منها وذكر أنهم كانوا يأخذون أوراقه ويلصقونها بعضها ببعض بالصمغ وقد وجد الخطيب منها قطعاً يبلغ طول بعضها ثلاثة أمتار. أما اللوتس (البشنين) فإنه يزرع في الوجه البحري وهو ينتج ثمرة مثل الشعير كانوا يقتاتون بها أيضاً ويختلف عن البردي في أن أوراقه مسننة لا مستديرة وقد سطر المصريون على هذه الأوراق علومهم من طب وهندسة وحساب ورؤى فيها تمرينات على هذه العلوم ومسائل وأشكال هندسية. ثم قال حضرة الخطيب أن هذين النبتين يرمز بهما لمن حكم الوجهين البحري والقبلي فإذا رأينا كرسياً مرسوماً عليه صورة البردي واللوتس عرفنا أن الملك الجالس عليه كان يحكم الوجهين البحري والقبلي لأن من يملك الغذاء يملك الرقاب المقدمة الثالثة تاريخ الأسرة الخامسة المصرية التي دونت في عهدها حكم فتاحوتب

стр. 307

كانت منفيس وما والاها من المدن مقر ملك الأسرة الخامسة المصرية التي بدأت دولتها في وادي النيل سنة ٢٧٥٠ ق. م أي منذ ستة وأربعين قرناً وكان ملوك تلك الأسرة إذا ورت أحدهم الملك وتربع في دست سلفه أضاف إلى اسمه لقب ري وقد حقق المؤرخون أن الكهنة هم الذين نصحوا الملوك تلك الأسرة بإسناد هذا اللقب إلى أسمائهم لأن فيه رمزاً دينياً يجعل دار الملك مرتبطة أبداً بالسلالة المقدسة ومعنى ذلك تسليم الملوك أمورهم جلها أو كلها لرجال الدين وإشراكهم في النفوذ والسلطان ودليل المؤرخين على ذلك أن الكهنة حاولوا إقناع أفراد الأسرة الرابعة وكلهم من الجبابرة العتاة بناة الأهرام الكبرى ومؤسسوا الآثار الخالدة أن يشفعوا هذا اللقب الديني (ري) بأسمائهم فلم يرض ملوك تلك الأسرة ولم يفلح الكهنة في سعيهم. ومما يؤكد ويؤيد حجة المؤرخين في قولهم بخضوع الأسرة الخامسة لرجال الدين واستسلامهم لهم أن الكهنة فرضوا على كل ملك من ملوكها أن يبني على مقربة من قصره معبداً فخيماً يسميه هيكل الشمس المقدس وكانت هذه الهياكل تمتاز عن غيرها بأنها مربعة الشكل وفي كل واحد منها غرف رحيبة وفي مؤخر المعبد مرتفع من البناء عليه مسلة منقوشة باذخة يرمز بها إلى إله الشمس رافعاً رأسه إلى السماء. وكانت غرف المعبد المذكورة آنفاً مزدانة بالصور والنقوش التي تمثل منابع النيل وما حولها من البحيرات والجبال وفي بعضها صورٌ تمثل الصحراء الواسعة الأكناف والبحر المحيط المترامي الأطراف وبعضها يمثل أهل مصر في مزارعهم ومتاجرهم ومصانعهم. وكان في كل معبد مكان خاص بالملك يصور فيه حوادث عهده الحربية والسلمية ويظهر ان الكهنة الذين أشاروا على ملوك الأسرة الخامسة بتشييد تلك المعابد أمروهم بالعناية بها ووقف ريع الضياع والحقول عليها وتعهدها من حين إلى حين بالهدايا والتحف وكانت تلك الهياكل في الواقع كأديرة النصاري وتكايا المسلمين يقتسم خيراتها من الكهنة من تقدم في السن أو لحقته الأدواء والعاهات العائقة عن القيام بشعائر الدين وقد انضم بعض شبان الكهنة إلى مشايخهم حيث كانوا يعملون على ترقية الأخلاق بنشر الفضائل وحث الناس عليها ويذكر المؤرخون إن ذلك العهد كان بدء نهضة علمية أدبية ففي أيام الملك ايسوسي آخر ملوك الأسرة الخامسة نشأ حكماء فضلاء وكتاب مجيدون أشهرهم واضع هذا السفر الجليل الوزير فتاحوتب (الفتاح العليم) وهو وزير مصر ومحافظ المدينة وقاضي القضاة ووارث

стр. 308

كهنة فتاح. وكانت تلك النهضة الأدبية معززة بنهضة سياسية أخرى لأن ملوك تلك الأسرة تنازلوا عما كان عليه أسلافهم من البطش والتفرد بالسلطة المطلقة وأذنوا لاكابر وزرائهم باقتسام نفوذهم والاشتراك معهم في تدبير شؤون الملك وقد وصل الأمر بالوزراء إلى أنهم انتحلوا لأنفسهم لقباً ثابتاً هو لقب فتاحوتب فكان فرعون في الإمارة وفتاحوتب في الوزارة ثم أن الوزير الأكبر كان يترك منصبه لابنه يرثه بعده كما كان الملوك يورثون الملك بعضهم بعضاً فكأن البلاد كانت في الواقع محكومة باسرتين متضامنتين متكافلتين ومنشأ هاتين الاسرتين من الكهنة ورجال الدين الذين تغلبوا على أذناب الأسرة الرابعة فغلبوهم على أمرهم وانتزعوا الملك من أيديهم ثم اقتسموه بينهم فكان الملك نصيب كهنة مدينة الشمس هليوبوليس والوزارة نصيب كهنة فتاح وهم لا ريب أضعف من كهنة مدينة الشمس نفوذاً وأقل شأناً وشأواً. وهذه الحقيقة التاريخية تعلل تساهل ملوك الأسرة الخامسة مع رجال الدين واستسلامهم لهم تعليلاً حسناً لأنه لولا ذلك اللين وتلك المحاسنة مااستطاع فريق من رجال الدين أن يستقل بالملك مادام الكل يطمع فيه والشعب المصري المسكين يمرح في نعيم الجهل بعد أن حجب هؤلاء الخونة المستبدون من رجال الدين وغيرهم عنه نور العلم وضياء المعرفة وخلوه يرسف في قيود الذل ويعمه في ليل من الغفلة ولولا ذكر بعض حسنات الكهنة في كتاب بعض المؤرخين وثقتنا بهم وسعة اطلاعهم لارتبنا في وصفهم كهنة الأسرة الخامسة بالصلاح وقولهم عنهم أنهم كانوا في معابدهم يعملون على ترقية الأخلاق بنشر الفضائل وحث الناس عليها. بيد أن القوة المهولة الساهرة على حياة الشعوب التي لا تأخذها سنة ولا تغفل عما يفعل الظالمون انتقمت للضعفاء من الأقوياء وانتصرت من الباطل للحق فحدث ما كان في الواقع نتيجة منطقية لتلك المقدمات وهو أن عمال الحكومة كبارهم وصغارهم رأوا كيف انتزع الكهنة الملك من أيدي أصحابه وتعلموا على أيديهم طرق الاغتيال فسنوا لأنفسهم سنة جديدة وهي أن يورثوا أولادهم مناصبهم من بعدهم فكان كل عامل يخلفه ولده ليكون خير خلف لخير سلف. . وبعبارة أخرى كانت الحكومة المصرية في ذلك العهد وراثية (بيروقراطية) وفي هذا النظام من منازعة الحكام والعمال للملوك نفوذهم مالا يخفى لأن كل حاكم أو عامل في الحكومة يرى لنفسه حقاً وراثياً فيها فلا يستطيع الملك أن ينال من

стр. 309

السلطة مالا يود عماله ولما كان أغلب صغار الحكام من طبقات الأمة المتوسطة سرت روح الحرية شيئاً فشيئاً حتى بلغت الفئات النازلة. ثم أن الملوك أنفسهم كانوا يقرون بفضل فئة من أشراف المصريين عضدتهم وشدت أزرهم ورفعتهم إلى عرش الملك فكانوا يملقون هؤلاء النبلاء ويسبغون عليهم ذيول العز ويغمرونهم في كل آن بوافر النعم وجزيل الإحسان حتى إن أول ملك من ملوك الأسرة الخامسة استعمل على مصر السفلى حاكماً كان قبل نبيلاً وقد أوشك هذا العامل أن يستقل بولايته لولا ضعف حزبه وأنصاره على أن كل الذنوب السياسية تغتفر في سبيل ما أرغم ملوك الأسرة الخامسة على نشره من العدل في ربوع مصر فشعر الشعب الذليل بنعمة الحرية بعد أن ذاق صنوف المذلة والهوان على أيدي جبابرة الأسرة الرابعة أمثال خوفو وخفرع ومنقرع القساة القلوب الغلاظ الأكباد العتاة الظالمين الذين سجلوا على نفوسهم ذنوباً لا يمحوها كر الدهور ولا ينسخها مر العصور بل ما دامت الأهرام الكبرى تناطح السماء وتقاوم طوارئ الحدثان وتهزأ بتعاقب القرون على القرون والأزمان على الأزمان وتشهد بأن كل صخر من صخورها هو دمع متحجر من دموع الشعب الذليل المهان الذي سيق رغم إرادته والشمس المحرقة ترشقه بسهامها والصحراء الحامية تدمى أديم أقدامه بجمر أديمها والسوط المثلث مصوب إلى ظهره والسيف المرهف مكان الغلالة من نحره سيق هذا الشعب المظلوم على تلك الصورة المفزعة تنفيذاً لرغائب عتل زنيم ومعتد أثيم أصابه مس من الجن فظن أن نفسه الخبيثة لا يليق بها إلا ذلك الهرم الجسيم أو أراد أن يخلد ذكره على صحيفة مصر فسفك دماء أبنائها ليكتب بها سطراً في الصحراء لابد أن يمحوه الزمان وما زوال ذكر الظالمين وآثارهم على الظالمين بعزيز! لست أدري لماذا ألوم ذلك الظالم الجهول خوفو اوكيوبس الذي تعددت أسماءه تعدد أسماء ابليس اللعين واللوم خليق بالمؤرخين الذي ذكروه وذكروا أمثاله من الظالمين أشباه نابوليون الصغير ونيرون أكثر مما ذكروا صولون وسقراط وأرسطو وأفلاطون وكان الجدير بهم أن يمحوا أسماءهم من كتبهم لئلا ينالوا بهذا الذكر ما كانوا يروجونه من الصيت العتيد والشأو البعيد. نقول ومدح الأسرة الخامسة في عرض الكلام على عتاة الأسرة الرابعة عدل انظر إلى

стр. 310

ماحاول ملوك تلك الأسرة تشييده من الأهرام مجاراة للسلف الصالح في الجيزة وأبي صير وصقارة فقد جاءت كلها ككهوف القرون الأولى فلا جلال لها ولاسيما للوقار عليها وقد تهدم معظمها وعن قريب لا يبقى منها إلا ذكرها في كتب الأخبار وهذا الضعف في البناء لا يؤخذ دليلاً لى تقهقر فن العمارة في مصر في عهد تلك الأسرة إنما يؤخذ دليلاً على انتشار روح الحرية الشخصية لحد محدود وبرهاناً على ضعف نفوذ الملك بحيث صار عاجزاً عن سوق الشعب لتشييد جبال الظلم والاستبداد كما تساق الأنعام للذبح وقد ذكر المؤرخ الكبير العلامة جمس هنري بريستد الذي نعتمد على مؤلفاته في معظم ما نكتب أن مصر تقدمت في عهد الأسرة الخامسة تقدما مادياً وأديباً وأن الصنائع والفنون ارتقت ارتقاء باهراً كما أن الآداب نهضت نهضة شماء فألفت الكتب وصنفت الرسائل ودونت المقالات الطويلة والأبحاث العلمية الشائعة وذكر هذا المؤلف في صحيفة ١٠٧ من كتاب تاريخ مصر القديم (طبع نيويوك) إن النهضة الأدبية وإن كانت في عهد الدولة الخامسة في إبان نشأتها فقد أنجبت كتاباً وحكماً هيهات أن يسمح الزمان بمثلهم في بدء أية نهضة في أية أمة ومن هؤلاء الحكماء بوضع الحكمة في قالب الامثال والمواعظ ولم ينقطع أحدهم للتحرير والتحبير إلا بعد أن حنكته الليالي والأيام ودربته الحوادث والتجارب وقد شاعت مؤلفاتهم وتداولتها الناس كافة وأقبلوا على حكم فتاحوتب خاصة ولا بدع إذا نالت تلك الحكم في الزمن الحاضر ما نالته في الغابر فهي من أقدم ماكتب الكاتبون وأفضل ما حبره الحكماء الخبيرون أهما قاله العلامة بريستد وقد ذكر بعد ذلك أن أسلوب التصنيف كان في ذلك العهد واحداً وإن الألفاظ التي استعملت في الكتب قليلة محصورة واستدل بذلك على ضعف اللغة الهروغليفية في عهد الأسرة الخامسة ولكن غيره يرون غير رأيه ويقولون إن جال الشعب من العلم ومكانته من المعرفة كانتا تستلزمان البساطة في التعبير والسهولة في الإنشاء والعناية بانتقاء الألفاظ التي تقرب من ذهن عامة الناس وهذا خير من التقعر وذكر مالم يصل إليه علم المتوسطين. حكم فتاحوتب هذه حكم الوزير فتاحوتب وزير مصر وحاكم المدينة وقاضي القضاة في عهد الملك ايسوسي ملك الملوك وأمير الأمراء وصاحب مصر السفلى.

стр. 311

قال الوزير فتاحوتب وزير مصر وحاكم المدينة وقاضى القضاة للملك ايسوسي اعلم يا مولاي أن سراج حياتي أوشك أن ينطفئ فأخذ الفناء يدب في جسدي دبيب الشيب في الرأس وتمكن الضعف من بدني تمكن القنوط من النفس فعادت نضرتي ذبولاً وغضاضتي محولاً وجسامتي نحولاً وقل الخير والنفع وذهب البصر والسمع وعقد اللسان بعد أن ختم على الجنان فلا قول نافع ولا برهان قاطع ولا ذهن يعي ولا بيان شافع يعيد ما مضى من عهد الفتي الالمعي. فاسمح يا مولاي لخادمك وعبد رحمتك وصنيع نعمتك أن يخلى منصبه لولده من بعده ومرني أن أعلمه ما علمتنيه حنكة الشيوخ فقد قيل أنهم مهبط الوحي ومسقط الحكمة عفا الله عنك وارشد بك شعبك وهداه بهديك. فأجاب الأمير النبيل والملك الجليل ايسوسي صاحب مصر السفلي أذنت لك أن تعلم ابنك الحكمة فلعله يجيء فذاً بين الأولاد موفقاً إلى سبل الرشاد فيكون قدوة لأمثاله يسيرون على نهجه ويختطون خطته ويختارون حكمته فيهتدون في تقويم اعوجاجهم بهداه ويسترشدون في إصلاح ما فسد من شؤونهم بصلاحه وتقاه. فكتب فتاحوتب وزير مصر وحاكم المدينة وقاضي القضاة لولده يعلمه الحكمة وأدب النفس: - (متلو) آثار رومانية ست عشرة رسالة حكيمة من رسائل الفيلسوف سنيكا إلى صديقه لوسليوس الرسالة الأولى (في المحافظة على الوقت) فرّغ نفسك أيها الصديق لنفسك وحافظ على وقتك الذي قد يضيعه عليك الناس سدى أو يسلبونك إياه سلباً أو يفر ويفلت منك أنت هباء فاحرص عليه وضن به وتعلم صونه وحسن تصريفه وثق بأن أوقات حياتنا إما أن تؤخذ منا أخذاً أو تنتهب انتهاباً وإما أنا نحن

стр. 312

الذين نضيعها على أنفسنا عبثاً ونجعلها تُنقص من أعمارنا بدداً وشرّها هذا الذي يضيعه علينا منها إهمالنا ولعمري أنك لو أنعمت النظر لرأيت أن شطراً من حياتنا يذهب في تافه ما نعمل في الحياة والشطر الآخر وهو أعظمها قد يضيع علينا في لاشيء وأنا على الحالين غير عاملين إلا فيما يجب علينا ألاَّ نعمل وإلا فخبرني أين هو ذلك الذي يحافظ على وقته ويقدره قدره ويعرف قيمة اليوم الذي تطلع عليه فيه شمسه ويدرك أنه في كل ساعة تمر عليه يقترب من الموت وفي كل لحظة تكر يدنو منه الأجل، لا جَرَم أنا واهمون في اعتقادنا أن الموت أمامنا على حين أنا قاطعون منه مراحل كثيرة خلفنا فكل ما مضى من أعمارنا إنما هو منه أو من حقوقه المستردة، فاعمل أيها الصديق بما ضمنته كتابك الأخير إلىّ أن تجمع ساعات يومك وتستحضرها وما دمت محافظاً على الحاضر من وقتك مراعياً حسن التصرف فيه فلا تبال بالمستقبل منه وما ضبط امرؤ حاضر وقته وأحسن التصرف فيه إلا جرت حياته لعمرك أحسن مجرى إن كل ما بقي بعد الوقت ليس لنا بل هو أجنبي عنا أي لا حكم لنا عليه إلا هذا الوقت فقد وهب لنا قياده فهو الشيء الوحيد الذي منحتنا العناية حق التصرف فيه لأنفسنا بأنفسنا ولما كان لعمري من الفرار والفلت من بين أيدينا بمكان عظيم فقد يسلبنا إياه أول قادم ويشغلنا عنه أقل شاغل ومما مُنِيَتْ به الناس من ضروب الحمق أن تشغلهم الصغائر والسفاسف الممكن تداركها وتلافي أمرها على ظن أنها من العظائم الواجب العناية بها أما الوقت فلا يحفلون به ولا يظنونه من النعم الواجب شكرها والاحتفاظ بها على حين أنه من أكبر النعم المطوق بها أجيادهم ولا يوفونها مع ذلك حقها ولا يقدرونها قدرها، ولعلك سائلى وما تصنع أنت يا من تعلمنا الحكمة فأجيبك بالصريح أعلم أني مثل رجل الفقير المقتصد في معيشته لا يفوتني محاسبة نفسي على ما أنفق من عمري بالدقة على أني لا أفتخر بأنه قد لا يفوتني ضياع شيء منه هباء ولكني أعرف ما يضيع علىّ وكيف ضاع ولم ضاع وبذلك يمكني على نضوب عودي أدراك حالي وفقه شأني وما حالي وأيم الحق إلا كحال المكدود عن جده لا عن كده وهذا قد يرثى له الناس ويرقون له ولكن لا يمد له يد المعونة إنسان أما أنت فأني أختار لك على كل حال أن تقتصد في أمرك وتبادر إلى انتهاز الفرص من ثمين وقتك واعلم أن الأقدمين منا قد ضربوا مثلاً جليلاً للشيخوخة هو خير تمثيل في الواقع لحالها فقالوا: إذا بلغ ما في الإناء

стр. 313

نهايته فلا اقتصاد ثَمَّ ولا ادخار لأنه لم يبق فيه غير الثفل وهو قليل في الكمية رديء في الكيفية. الرسالة الثانية (في الأسفار والمطالعات) تنبئني رسائلك ويدلني ما يأتيني من أخبارك على ما أومل فيك من لخير فأن الأسفار والانتقالات لا تقلق لعمري راحة نفوسنا وإنما كل تلك الحركات لا تزعج إلا خواطر أصحاب العقول المريضة وأول علامة على سلامة النفس وصحتها معرفة المرء كيف يسكن بنفسه إلى نفسه. ولكني أحذرك مطالعة كل تلك الطائفة من الكتب الكثيرة والأسفار المختلفة التي قد تفضي إلى تشويش الذهن واضطراب الفكر فيجب عليك ألا تتعلق إلا بمطالعة المختار من أسفار كبار المؤلفين التي تغذي روحك مادتها إذا أنت أحببت أن تستفيد شيئاً يرتسم في عقلك وينتقش في نفسك واعلم أن كثرة الانتقال من مكان إلى مكان كلا انتقال من مكان وإذا قضي المرء أيامه في التنقل والأسفار فهو إنما يستكثر من المضيفين لا من الأصدقاء كذلك حال أولئك الذين لا يداومون على مطالعة مؤلف واحد بالدقة والإمعان وإنما من ديدنهم أن يمروا بأبصارهم على كل ما يقع لهم من الكتب مراً سريعاً كأنهم يركضون ركضاً والأغذية إذا خرجت من المعدة بسرعة على أثر تناولها لا تفيد الجسم ولا يكتسب منها البدن وكذلك في باب العلاج ليس أضر على البدن من كثرة تغيير الأدوية والعقاقير، وكثرة وضع الضمادات على الجراح قَلَّ أن تفيدها والإكثار من نقل غراس الأشجار من مكان إلى مكان يوجب ضعفها ويقل نماءها وبالجملة لا شيء تفيده العجلة في هذه السبيل، أجل إن مطالعة الكتب الكثيرة قد تسلى العقل وترطب الذهن ولكن لما كان ليس في قدرة الإنسان إلا مطالعة ما تصل إليه طاقته من الكتب فيجب عليك في هذه الحال أن تنتقي كتبك وأن لا تحرز يداك من الأسفار إلا ما تروق مطالعته والاستفادة منه ولعلك تقول لي إنما أرغب أن أطالع هذا الكتاب وأروض فكري في ذلك السفر فأقول لك أن شوق النفس إلى تناول الألوان الكثيرة ما هو إلا دليل على ضعف معدة صاحبها لأن كثرة الألوان لا تغذي بل هي قد تضر أكثر مما تنفع وصفوة القول أنه يجب عليك أن تثابر على مطالعة كبار المؤلفين المعتبرين وإن رأيت أن تنتقل منهم إلى سواهم بين حين

стр. 314

وآخر فلا تفوتنك العودة إلى ربوعهم وأن تجمع وتستخلص من مطالعاتك كل يوم قوات جديدة وعلاجات مفيدة تطبب بها علل نفسك وأدواء مخاوفها من مثل الفقر والموت ونحو ذلك من الأرزاء والمصائب وأن تجعل لنفسك من مطالعتك اليومية مندوحة للفكر بها يستعين على هضم ما اكتسب منها في يومه وهي الطريقة التي أجرى عليها أنا فأني أطالع كثيراً ولكني أبقي لنفسي مندوحة ومستروحاً لذلك وهاك أتاوتي من الحكمة في هذا اليوم وهي مستمدة من أبيقور الذي ألجأ إلى ساحته عادة لمثل هذا الغرض لا عن عجز وتقصير وإنما للتوضيح والتنوير قال السرور بالفقر من الأحوال الشريفة ولعمري إذا كان ثَمَّ سرور ورضا في النفس فليس ثمّ فقر لأنه ليس بفقير ذلك الذي يقنع بقليله بل هو غني وإنما الفقير من تكثر أطماعه وتزداد رغائبه ولا غرو فإنه لا عبرة بأن تكون خزائن الإنسان طافحة بالنضار وحواصله مشحونة بالأقوات والأرزاق وأنه يملك العدد العديد من قطعان الأنعام وأن له من الموارد ما يعد بالجزيل إذا هو طمع وشره وتمني المزيد وهل من يستقل ما في يديه طمعاً فيما يتمنى ويؤمل الحصول عليه إلا فقير ما هو قياس الغني أليس هو لعمري الضروري أولاً ثم ما يكفي ثانياً؟ الرسالة الثالثة (في اختيار الأصدقاء) كتبت تخبرني أن الذي يحمل إليَّ رسائلك صديق لك وتحذرني منه في نفس هذا الكتاب وألاَّ أحدثه بكل ما يتعلق بك زاعماً أنه ثرثار يحدث بكل ما سمع فكتابك لعمري تضمن الضدين وجمع بين النقيضين وكأنك تقول لي أن هذا الشخص صديق لك وليس بصديق لك وكأن هذه الكلمة كلمة الصديق ما جاءت على أسلةِ قلمك إلا توفية للرسم وصورة لما اصطلح عليه في سعادة الناس كما اعتدنا مثلاً أن نسمي طلبة العلم أهل الفضل وأن ندعو من نقابله لأول مرة ونجهل اسمه بالسيد والمولي ولكن لندع هذه القشور اللفظية جانباً وننظر في اللباب والجوهر: فاعلم أن اعتقاد المرء في بعض الناس أنه صديقه ثم هو لا يراه موضع ثقته كما يرى نفسه ما هو إلا تطوح غريب وشطط عجيب في إدراك معنى الصداقة وحقيقتها، فصديقك يجب أن يكون موضع سرك في كل دخائلك ولكن بعد أن تكون قد اختبرته وسبرت أحواله إذ الثقة ينبغي أن تتبع الصداقة والحذر والاحتياط يجب أن

стр. 315

يسبقاها أما ما يباين ذلك فليس إلا خلطاً وخبطاً في الواجبات المفروضة وخروجاً عما قاله تيوفراسطس الحكيم من أن إيصال حبال الصداقة قبل المعرفة ما هو إلا قطع بها بعد التعارف. فتروّ طويلاً ودقق في اختيار الصديق وإذا أنت ظفرت بصديق صادق فافتح له قلبك واجعله موضع ثقتك كما تثق بنفسك بل أشير عليك بأن تكون محبتكما خالية من التكلف جامعة إلا لما فيه مطمع لطعن الأعداء فيما تتبادلان من الأفكار والآراء وأن تجعله موضع سرك إلا ما جرت العادة بجعله سراً بين المرء ونفسه، فينبغي أن تبثه أحزانك وأشجانك وتطارحه أفكارك واعتقد فيه الإخلاص لك تجده مخلصاً إذ كم من مرة في الواقع علم الإنسانُ الغش والخيانة من اعتقاد الناس فيه أنه غشاش خائن لأن عدم الثقة قد يولد الخيانة، وما معنى الصداقة إذا كنتُ أكتم صديقي سراً أبوح به للناس؟ ولمَ لا أعتقد أنني وصديقي إذا اجتمعنا إنسان واحد؟ على أن في الناس من قد يبوح لأول قادم بما لا يجوز إلا للصديق وحده معرفته والاطلاع عليه ويصدع آذان الناس بأسراره التي لا تحتملها نفسه، ومنهم من هم على العكس من ذلك يخشون إفشاء أسرارهم حتى إلى أخلص أصدقاءهم وأعز أحباءهم وعلى أنفسهم لو أمكنهم ذلك كتمانها في أعماق قلوبهم فتجنب أنت هذين الطرفين في شؤونك وأسرارك لأن الثقة بكل إنسان وعدم الثقة بإنسان رذيلتان متشابهتان وفي الأولى منهما من سلامة النية بمقدار ما في الثانية من فرط الاحتياط، ومما يجب أن يلام المرء عليه أيضاً ملازمة الحركة أو مداومة الراحة فالحالة الأولى وهي مما يعجب به الجمهور من الناس تدل على قلق النفس وشرتها والثانية وهي كراهة الحركة واختيار الراحة أن هي إلا طريق الضعف والسقم واسمع لهذه الحكمة التي قرأتها اليوم في مؤلف بومنيوس حيث قال: إن من الأعين أعيناً لا تبصر جيداً إلا في ظلمة الليل ولكنها تعشو في ضوء النهار فينبغي أن نجمع بين الحالين ونؤلف بين الطرفين فنتبع العمل الراحة والراحة العمل وسائر الطبيعة تجبك بأن بارئها أوجد فيها الليل والنهار فجعل النهار معاشاً والليل سباتاً. (متلو) آثار عربية من ملك إلى ملك رسالة هارون الرشيد إلى قسطنطين ملك الروم - يَقِفُه (يوقفه) فيها على الإسلام ويبين له

стр. 316

بالدليل الناصع صدق المصطفى ﵇. بويع الخليفة العباسي هارون الرشيد يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة للهجرة ومات يوم السبت لأربع ليال خلون من جمادي الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة فكانت ولايته ثلاثاً وعشرين سنة وستة أشهر وولى الخلافة وهو ابن إحدى وعشرين سنة ومات وهو ابن أربع وأربعين سنة وأربعة شهور - وكان على مملكة الرومان الشرقية في خلافة الرشيد قسطنطين السادس من سنة ٧٨٠ - ٧٩٢م ثم نيسوفورس المعروف عند العرب باسم - نيقوفور - من سنة ٧٩٢ - ٨١١م وقد عثرنا على هذه الرسالة في كتاب اختيار المنظوم والمنثور الموجود في المكتبة الخديوية معنونة بهذا العنوان الآتي - ومن الرسائل المختارة رسالة أبي الربيع محمد بن الليث إلى قسطنطين ملك الروم - ثم افتتح الرسالة بما يأتي - من عبد الله هارون أمير المؤمنين إلى قسطنطين عظيم الروم الخ الخ فبحثنا في كتب التاريخ التي تحت أعيننا عن هذه الرسالة وعمن كتبها ومن كتبت عنه ومن كتبت إليه فلم نر ذكراً لشيء من ذلك وغاية ما يمكن معرفته هو أن هذه الرسالة أرسلها هارون الرشيد إلى قسطنطين السادس والذي كتبها عن الرشيد هو أبو الربيع محمد بن الليث - أما الرسالة فأثر من أحسن الآثار وأسلوبها أسلوب الطبقة الأولى من كتاب العربية الجاحظ وابن المقفع وعبد الحميد الكاتب وابن العميد وأضرابهم ولذلك آثرنا نشرها في البيان وهذه هي: من عبد الله هارون أمير المؤمنين إلى قسطنطين عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى فأني أحمد الله الذي لا شريك معه ولا ولد له ولا إله غيره الذي تعالى عن شبه المحدودين بعظمته واحتجب دون المخلوقين بعزته فليست الأبصار بمدركة له ولا الأوهام بواقعة عليه انفراداً عن الأشياء أن يشبهها وتعالياً أن يشبهه شيء منها وهو الواحد القهار الذي ارتفع عن مبالغ كذا صفات القائلين ومذاهب لغات العالمين وفكر الملائكة المقربين فليس كمثله شيء وله كل شيء وهو على كل شيء قدير. أما بعد فإن الله جل ثناؤه وتباركت أسماؤه قال لنبيه صلى الله عليه فيما أنزل من آيات الوحي إليه: أُذعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين: فرأى أمير المؤمنين من أحسن

стр. 317

قوله وأفضل فعله أن يكون إلى سبيل ربه داعياً وبرسوله صلى الله عليه متأسياً ولقوله: ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال أنني من المسلمين: موافقاً وكنت من كتب الله المُنزلة وآياته المفسرة وخَلقه الكثير بحيث رجا أمير المؤمنين استماعك لموعظته وانتفاعك بمجادلته انتفاءً بشّرٍ كثير وخلق عظيم قد بُؤتَ بأوزارهم مع وزرك واحتملت من آثامهم إلى إثمك فأحب أن يدعوك ومن رجا أن ينتفع بدعوته معك إلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلاّ الله ولا نُشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن توليتم عن ذلك رغبة عنه أو تركتموه زهادة فيه فأشهدوا بأنا مسلمون واستمعوا ما أمير المؤمنين واصفٌ لكم ومحتجٌّ به إن شاء الله عليكم بقلوب شاهدة وآذان واعية ثم اتبعوا أحسن ما تسمعون ولا قوة إلا بالله فإن الله يقول فيما أنزل من كتابه واقتصَّ على عباده: وبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب. إن الله تبارك اسمه وتعالى جده وصف فيما أنزل من آياته وشرح من بيناته الأمم الماضية والقرون الخالية والملل المتفرقة الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى لا برهان لهم بها ولا حجة لهم فيها فقال يا أهل الكتاب: لا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون: قالت العرب الذين يعبدون الملائكة وأهلُ الكتاب الذين يقولون ثالث ثلاثة بايتما آية يا محمد تزعم أن الله إله واحد فأنزل الله في ذلك آية تشهد لها العقول وتؤمن بها القلوب وتعرفها الألباب فلا تستطيع لها ردّاً ولا تُطيق لها جحداً ذَكر فيها اتصال خلقه واتفاق صنعه ليوقن الجاهلون من العرب والضالون من أهل الكتاب أن إله السماء والأرض وما بينهما من الهواء والخلق واحد لا شريك له خالق لا شيء معه فقال: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس: فتفكر في تفسير هذه الآية من كلام الرب وما أوضح فيها من بيان الخلق فإنه ما من مفكر ينظر فيما ذكر الله فيها مما بين السماء والأرض إلا رأى من اتصال بعض ذلك ببعض مثل ما رأى في تدبير نفسه وعرف من اتصال خلقه فيما بين ذوائب شؤون رأسه إلى أطراف أنامل قدمه وفي ذلك أوضح آية

стр. 318

وأبين دلالة على أن الذي خلقه وصنعه إله واحد لا إله معه ولا من شيء ابتدعه ولا على مثال صنعه. قد ترون بعيونكم وتعلمون بعقولكم أن الله خلق للأنام الأرض وجعلها موصولة بالخلق فليست إلا لهم ولا يديمها إلا معهم وجعل ذلك الخلق متصلاً بالنبت لا يقوم إلا به ولا يصلح إلا عليه وجعل ذلك النبت الذي جعله متاعاً ومعاشاً لأنعامكم متصلاً بالماء الذي ينزل من السماء بقدر معلوم لمعاش مقسوم فليس ينجم النبت إلا به ولا يحيا إلا عنه وجعل السحاب الذي يبسطه كيف يشاء متصلاً بالريح المسخرة في جو السماء تثيره من حيث لا تعلمون وتسوقه وأنتم تنظرون كما قال : وهو الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور: ووصل الرياح التي يصرفها في جو السماء بما يؤثر في خلق الهواء من الأزمنة التي لا تثبت الهواجر إلا بثباتها ولا يزول عنه برد إلا بزوالها كذا ولولا ذلك لظل راكداً بالحر المميت أو ماثلاً بالبرد القاتل ووصل الأزمنة التي جعلها متصرفة متلونة بمسير الشمس والقمر الدائبين لكم المختلفين بالليل والنهار عليكم وجعل مسيرهما الذي لا تعرفون عدد السنين إلا به ولا مواقع الحساب إلا من قِبَله متصلاً بدوران الفلك الذي فيه يسبحان وبه يأفلان ووصل مسير الفلك بالسماء للناظرين سواء كذا فهذا خلق الله ما فيه تباين ولا تزايل ولا تفاوت كما قال ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ولو كان لله شريك فيه أو معه ظهير عليه يمسك منه ما يرسل ويرسل منه ما يمسك أو يؤخر شيئاً من ذلك عن وقت زمانه ويعجله قبل مجيء ابَّانه - لتفاوت الخلق ولتباين الصنع ولفسدت السموات والأرض ولذهب كل إله بما خلق كما قال وكذب المبطلين: بل أتيناهم بالحق وأنهم لكاذبون ما اتخذ الله من ولد وما كان معه إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون: والعجب كيف يصف مخلوق ربه أو يجعل معه إلهاً غيره وهو يرى فيما ذكر الله من هذه الأشياء صنعة ظاهرة وحكمة بالغة وتأليفاً متفقاً وتدبيراً متصلاً من السماء والأرض لا يقوم بعضه إلا ببعض متجل بين يديه ماثل نُصب عينيه يناديه إلى صانعه ويدله على خالقه ويشهد له على وحدانيته ويهديه إلى ربوبيته فتعالى الله عما يشركون أيشركون مالا يخلق شيئاً وهم يخلقون حقاً ما كرر هؤلاء الجاهلون بربهم الضالون عن

стр. 319

أنفسهم في خلق الله النظر ولا رجعوا كما قال الله الفكر ولو اعملوا فكرهم واجتهدوا نظرهم فيما تسمع آذانهم وترى أبصارهم من حوادث حالات الخلق وعجائب طبقات الصنع لوجدوا في أقرب ما يرون بأعينهم من التأليف لتركيب خلقهم والأثر في التدبير لصنعهم ما يدلهم على توحيد ربهم ويقف بهم على انفراده بخلقهم فإنهم يرونه في أنفسهم بأعينهم ويجدونه بقلوبهم مخلوقة أي أنفسهم صنعة بعد صنعة ومحولة طبقة عن طبقة ومنقولة حالاً إلى حال سلالة من طين ثم نطفة من ماء مهين ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً كساه الله لحماً ونفخ فيه روحاً فإذا هو خلق آخر فتبارك الله أحسن الخالقين الذي خلق في قرار مكين من ماء قليل ضعيف ذليل خلقاً صوره بتخطيط وقدره بتركيب وألفه بأجزاء متفقة وأعضاء متصلة من قدم إلى ساق إلى فخذ إلى ما فوق ذلك من مفاصل ما يعلن وعجائب ما يبطن ليعلم الجاهلون ويوقن الجاحدون أن الذي جعل ذلك وخلقه ودبره وقدره وهيأ ظاهره وباطنه إله واحد لا شريك معه فلا يذهبن ذكر هذا صفحاً عنكم ولا تسقط حكمته جهلاً به عليكم وفكروا في آيات الرسل وبينات النذر فإن في ذلك فكراً للمبصرين وبصراً للمعتبرين وذكرى للعابدين والحمد لله رب العالمين. وأمير المؤمنين واصف لكم ومقتص من ذلك إن شاء الله عليكم ما فيه شهادات واضحات وعلامات بينات ومبتدئ بذكر آيات نبينا محمد صلى الله عليه فيما أنزل الله منها في الوحي إليه فإنه ما أحد يقرع بآيات النبوءة قلبه ويخصم بينات الهدى عقله إلا قادته حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه لا يجد إلى إنكار ما جاء به من الحق سبيلاً فأردت أن تكونوا على علم ومعرفة ويقين وثقة من أمر محمد صلى الله عليه وحقه وما أنزل إليه من ربه فأحضر كتاب أمير المؤمنين فهمك وألق إلى ما هو واصف إن شاء الله سمعك. إن الله اصطفى الإسلام لنفسه واختار له رسلاً من خلقه وابتعث كل رسول بلسان قومه ليبين لهم ما يتقون ويعلمهم ما يجهلون من توحيد الرب وشرائع الحق لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً فلم تزل رسل الله قائمة بأمره متوالية على حقه في مواضي الدهور وخوالي القرون وطبقات الزمان يصدق آخرهم بنبوّة أولهم ويصدق أولهم قول آخرهم ومفاتح دعوتهم واحدة لا تختلف ومجامع ملتهم ملتئمة لا تفترق حتى تناهت الولاية والوراثة التي سيدنا عيسى ﵇ عليها (كذا ولعلها فقام

стр. 320

عليها) وبشر بها إلى النبي الأمي الذي انتخبه الله لوحيه واختاره لعلمه فلم يزل ينقله بالآباء الأخاير والأمهات الطواهر أمة فأمة وقرناً فقرناً حتى استخرجه الله في خير أوان وأفضل زمان من أثبت محاتد ارومات البرية أصلاً وأعلاً ذوائب نبعات العرب فرعاً وأطيب منابت أعياص قريش مغرساً وأرفع ذري مجد بني هاشم سمكاً محمد ﷺ خيرها عند الله وخلقه نفساً على حين أوحشت الأرض من أهل الإسلام والأيمان وامتلأت الآفاق من عبدة الأصنام والأوثان واشتعلت البدع في الين وأطبقت الظلم على الناس أجمعين وصار الحق رسماً عافياً وخلقاً بالياً ميتاً وسط أموات ما أن يحسون الهدى صوتاً يسمعونه ولا للدين أثراً يتبعونه فلم يزل ﷺ قائماً بأمر الله الذي أنزل إليه يدعوهم إلى توحيد الرب ويحذرهم عقوبات الشرك ويجادلهم بنور البرهان وآيات القرآن وعلامات الإسلام صابراً على الأذى محتملاً للمكروه قد أعلمه الله أنه مظهر دينه ومعز تمكينه وعاصمه ومستخلفه في الأرض فليس يثنيه ريب ولا يلويه هيب ولا يعييه أذى حتى إذا قهرت البينات ألبابهم وبهرت الآيات أبصارهم وخصم نور الحق حجتهم فلم تمتنع القلوب من المعرفة بدون صدقه ولم تجد العقول سبيلاً إلى دفع حقه وهم على ذلك مكذبون بأفواههم وجاحدون بأقوالهم كما قال الله العليم بما يسرون الخبير بما يعلنون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون بغياً وعداوة وحسداً ولجاجة افترض الله عليهم قتالهم وأمره أن يجرد السيف لهم وهم في عصابة يسيرة وعدة قليلة مستضعفين مستذلين يخافون أن يتخطفهم العرب وتداعى عليهم الأمم تستلحمهم الحروب فآواهم في كنفه وأيدهم بنصره وأنذرهم بمقدمة من الرعب ومسعلة كذا من الحق وجنود الملائكة حتى هزم كثيراً من المشركين بقلتهم وغلب قوة الجنود بضعفهم انجازاً لوعده وتصديقاً لقوله: إن جندنا لهم الغالبون: فأحسن النظر وقلب الفكر في حالات النبي صلى الله عليه من الوحي قائماً لله لتجدن لمذاهب فكرك وتصاريف نظرك مضطرباً واسعاً ومعتمداً نافعاً وشعوباً جمة كلها خير يدعوك إلى نفسه وبيان ينكشف لك عن محضه - وأخبر أمير المؤمنين ما كنت قائلاً لو لم تكن البعثة للنبي صلى الله عليه بلغتك ولم تكن الأنباء بأموره تقررت قِبَلك ثم قامت الحجة بالاجتماع عندك وقالت الجماعة المختلفة لك أنه نجم بين ظهراني مثل هذه الضلالات المستأصلة والجماعات المستأسدة
следующие страницы →