Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
ولقد كانت أخلاقي وأحاديثي واحساساتي متناقضات متنادة سوداء مظلمة ولكن هل يعرف الإنسان دائماً قيمة نفسه؟ وهو هو دائم الوثوق بما يدور في خلده من الأفكار ولقد فشلت في كل شيء وخدعتني الصداقة وغرتني الدنيا والعزلة.
ولما كنت منبوذاً من المجتمع متروكاً من أمليا وأصبحت الوحدة لا تسر خاطري ولا تحث لي سلواً صرت أقول في نفسي لماذا أبقى على قيد الحياة؟ لقد كانت أمليا مٍجنى من عاديات الزمن الزمن وموثلي من ظلم الليالي والآن قد تركتني، ولما وقر في عزمي أن أطرح عن كاهلي أعياء الحياة عزمت على أن أصب كل همتي إلى ناحية هذه الفكرة النزقة ولم يكن هناك ما يبعث على الإسراع في إتيان هذا العمل ولم أضرب موعداً لساعة مبارحتي الحياة لأتملى من محاسن الوجود قبل الرحيل عنه ولأستجمع قواي كي أحس خروج الروح كما كان يفعل القدماء ورأيت من الضروري أن أعد التدابير اللازمة لما تمتلكه يدي من أمتعة فجبرت على أن أكتب لامليا كتاباً يحوي شكوى قصيرة من نسيانها لي وإهمالها لشأني وذكرت في تضاعيفه شيئاً قليلاً عن الحزن الذي قد أخذ بزمام قلبي وحسبت بذلك أنني قد واريت عنها ولكن أختي تعودت قراءة ما في سريرتي بدون عظيم مشقة وقد راعها التكتم الذي ينم عنه الخطاب وكثرة سؤالي عن أشياء لم أكن أهتم بها من قبل فلم ترد علي ولكن فدكت بنفسها وإذا أردتما أن تدركا مقدار فرحي برؤيتها فينبغي أن تعلما أنها كانت الشخص الوحيد الذي أنيط به حبي وأعقد به رجائي وإن كل شعور اختلج نفسي متصل بها فهي رفيقة طفولتي وأليفة أيامها الرائقة النضرة واستقبلت امليا بفرح شديد وكان قد مضى زمن لم أجد فيه من يفهمني ومن أفتح له مغاليق نفسي وأنشر له مطاويها وقد ألقت امليا نفسها بين ذراعي قائلة أيها الناكر للجميل أتريد الموت وأختك باقية في الدنيا؟ أتستريب في حبها لك؟ ولكن لا تعتذر عن نفسك فإني عرفت أميالك بحذافيرها كأني كنت حاضرة أملاك. أتظنني من اللواتي يرجح خداع الناس بأميالهن وأنا التي شاهدت نشأتك وميلاد عواطفك ولكن باعث كل هذا شقاء نفسك وتبرمك بالحياة وبعدك عن شرعة الإنصاف فتقسم لي الآن بكل محرجة من الأقسام وأنا أضمك إلى قلبي أن هذه آخر مرة تلقى فيها مقاليد نفسك إلى النزق والطيش وإنك لن تعود إلى التفكير في الانتحار.
وكانت وهي تنطق بهذه الكلمات تنظر إليّ نظرات ملؤها الحنو والشفقة وكانت تغطي
стр. 2907
جبهتي بالقبلات ولقد كانت كآلام الرؤوم بل كانت أكثر من ذلك وأسمى ففتح لها القلب أبوابه وأباحها ملكه وكنت في يدها كالطفل فأقسمت لها اليمين التي تريدها ولم يكن في إعتقادي أن البؤس سيجد إليّ سبيلاً بعد هذا ومضى على اجتماعنا الساحر البهيج أكثر من شهر ففي الصباح كنت أسمع صوت أختي فأشعر في نفسي برعدة فرح وهزة طرب وكانت الطبيعة قد حبتا مليا بصفات مقدسة فكان لروحها من الخفة البريئة والظرف ما لجسمها من البضاضة واللدونة وكان لإحساسها ما لا يجد من الوداعة والعذوبة واللين وكانت لها نفس حلوة لذيذة خيالية حالمة وكان الناس يقولون أن بين قلبها وفكرها وصوتها تناسباً تاماً وكان لها من صفات النساء الحياء والمحبة ومن صفات الحور الطهارة ورخامة الصوت وجاء الزمن الذي أكفر فيه عن هفواتي السابقة فقد سألت الله مرة في هذياني أن ينزل بي ملمة لتكون لي سبباً محسوساً يبعث على الألم ويدعو إلى الحزن وقد استجاب الله هذا الطلب الرهيب في ساعة من ساعات غضبه وبماذا أبوح لكما الآن يا أخوي؟ انظرا فهذه الدموع تسيل من جفني تباعاً.
ومن منذ أيام لم تكن في وسع أحد الوقوف على حقيقة ذلك السر الذي اكتتمته ولكن الآن قد قضي الأمر وإنه في كل وقت ينبغي أن تدفن هذه القصة في قبور النسيان فتذكرا أني قد قصصتها عليكم تحت ظلال سرحة في الصحراء - ثم تحمل عنا الشتاء وشاهدت أن امليا تفقد راحتها وتشكل صفوها وأنها أخذت في النحول ونال منها الوهن وبأت عيناها تغوران واصبحت مشيتها بطيئة وصوتها قلقاً مضطرباً وقد فاجأتها يوماً تبكي عند أقدام صليب من الصلبان وأصبحت الدنيا والوحدة ومرور الليل والنهار - أصبحت كل هذه المظاهر تخيفها وبرعبها وكان يرتسم على شفتها الألم والملل.
وكانت في بعض أوقات تقبل على العمل بدون كلال أو تعب وفي بعض الأوقات كان يجهدها المشي وكانت تبدأ العمل ثم تتركه وتفتح كتاباً للقراءة ولا تقرأ منه سطراً واحداً ثم تنهل من عينها بوادر الدموع فتطلب العزلة والعبادة وقد حاولت عبثاً الاهتداء إلى سرها ولما سألتها مرة وأنا أضمها بين ذراعي قالت لي بابتسامة حزينة أنها مثلي لا تدري سبباً لما بها ومر على ذلك ثلاثة أشهر وكانت حالتها تزداد سوءاً في كل يوم عن سابقه وظهر لي أن مكاتبان سرية كانت تصلها فتسبب لها البكاء وكانت تبدو عليها علامات الهدوء أو
стр. 2908
الانفعال تبعاً للخطابات التي كانت تتسلمها وفي صبيحة يوم لما تولي ميعاد تناولنا الإفطار صعدت إلى مخدعها وطقت الباب فلم يجبني أحد ففتحت الباب فلم أجد أحداً في المخدع ثم رأيت على المدخنة خطاباً باسمي ففضضته وقرأته وحفظته معي لأطرد عن نفسي الأيام المقبلة كل خاطره فرح وسانحة سرور وهذا نص الخطاب: - إلى رينيه
يعلم الله يا أخي أنه قد طالما وهبت لك حياتي لأطوي عنك فترة من فترات الألم ولكن لأقول نجم الحظ لم أوفق إلى طريق إسعادك ولم أهتد إلى سبيل الترفيه عنك وإني أرجّي أن يكون من ذلك العجز الواضح شفيع لديك وعذير إليك إذا أنا تلمست الخلاص منك وركنت إلى الفرار كمن قارفت ذنباً أو ارتكبت إثماً فليس لي يدان بدفع توسلاتك وقد حم الرحيل وأظل الفراق وقد جاء الوقت الذي ألبى فيه النداء المهيب الذي كان يتصبب في أذني من نواحي السماء مهيباً بي. لماذا تريثت إلى الآن؟ وأنت تعرف يا رينيه جنوح نفسي من عهد الحداثة إلى الحياة الدينية وقد كنت باقية في الحياة من أجلك فافسح لي فناء العذر فقد أدتني الأحزان لمفارقتك وإني في هذه الأيام يا أخي العزيز لأدرك من صميم نفسي وأشعر من أعماقها بضرورة هذه الملجئ التي أعهد فيك الأعراض عنها والأزوار عن جانبها وإن هناك من أفانين الشقاء وألوان المصائب ما يسوقنا إلى اعتزال الناس وإذا الناس وإذا لم يكن هناك تلك الأديار فإلى أي ركن كان يلجأ الهارب وفي أي ظل يحتمي وأكبر ظني أنك تلقي يا أخي العزيز الراحة المنشودة في تلك العزلة الدينية فليس في الأرض منزل يليق بكرامتك والناس أنذل وأقل قيمة وأقل قيمة من أن تعايشهم وهل تطن أن هناك شيئاً أكثر مجلبة للاحتقار أو مدعاة للأهوان من أدامة التفكير في ترك الحياة ورفضها وإذا كان إنسان له سجايا كسجاياك وطبائع كطبائعك يجد الموت سهل المساغ عذب المور فماذا تظن بحاجة أختك إلى الموت وتعلقها بالموثق فإني أعرف وفاءك وصدقك وقد أقسمت أنك ستعيش من أجلي ولكن يا عزيزي رينيه العزلة جانباً واخرج من أفيائها إلى مضاحي العمل وأبحث عن وظيفة لك وإني أعلم إنك تبتسم ابتسامة مرة معلقاً بأطرافها السخر من مجاري الأحوال في فرنسا وتزهد في الالتحاق بوظيفة ولكن لا تحتقر تجاريب آبائنا وحكمتهم في الحياة فقد كان نفعهم عمماً وخيرها شاملاً وكانت أقل من غيرها تعطيلاً لمصالح الناس وإضراراً بهم واتبع أسلوب الحياة الذي يعيشه أكثر الناس لتكون
стр. 2909
أقل شقوة واندر كسوف بينا ولقد تصيب في الزواج قرة لعينك وسلوانا فتقضي الأوقات مع زوجتك وأولادك وأي امرأة لا تستفرغ جهدها في إشعارك السرور وإدخال الابتهاج على ننفسك فإن روحك النارية المتوقدة وعبقريتك الجميلة المشرقة وسمتك وما عليه من شارة الجلال والأبهة وما يقرأ في ملامحك من معاني الإباء وعزة النفس والعطف والحنان كل هذه الصفات والشمائل تجعلك تستوثق من حبها لك ولا تستريب في قصر هواها عليك وانصباب أميالها نحوك لترد عنك كياد الأحزان وتبطل أسباب الآلام وستضمك بين ذراعيها ضمات تنم عن الحب الدخيل وتبوح بالهوى المستمكن الأصيل وتكون لك ينبوعاً عذباً من الصفاء ومورد إخلاص ازرق الجمات وسأرحل إلى دير. . . فإنه مبني على شاطئ البحر وموقعه يلائم روحي ففي الليل من وسط غرفتي أسمع خرير الأمواج التي تغسل حيطان الدير وأفكر في تلك الجولات التي كنا نجولها معاً في وسط الغابة يوم كنا نظن أننا نسمع صوت البحر من قمم أشجار الصنوبر المهتزة. فيا رفيق طفولتي العزيز قل سنلتقي بعد ذلك وأعقد بك الحاظاً شيقة لرؤيتك وقد كنت أكبر منك سناً بأعوام وقد هززتك في مرقدك وكثيراً ما كنا نرقد في مرقد واحد فهلا ضمنا قبراً واحد يوماً ما ولكن أني يكون ذلك وأنا سأرقد وحيدة تحت رخام المعبد حيث نستريح الراحة الأبدية هؤلاء الفتيات اللواتي لا يأبه بهن أحد ولست أدري إن كنت سنتمكن من قراءة هذه السطور التي قد بللتها الدموع ولقد كان فراقنا أمراً محتوماً ليس في قدرتنا أن نستدفعه وأنت تعرف حيرة الإنسان وأنت تعرف حيرة الإنسان من حوادث الحياة وتدري صغر قيمتها وإني أذكرك بصديقنا الصغير م الذي مات غريقاً في جزيرة فرنسا والذي لما تسلمت آخر خطاب منه بعد مرور أشهر على موته كان جسده رهين الحفائر وفي الوقت الذي بدأت فيه تلبس عليه ثياب الحداد كان الناس قد تناسوا الحزن عليه في الهند فما قيمة الإنسان الذي تغيب ذكراه هكذا عاجلاً في سباسب النسيان؟ فريق من أصدقائه لم يصلهم بعد نبأ موته بينما الفريق الآخر قد تعزوا فيا عزيزي رينيه بل يا أعز الأعزاء هل ستغيب ذكراي من نفسك وتقفر منازل حبي من قلبك بهذه السرعة؟ يا أخي نزعت نفسي منك في الحاضر لكيلا نفترق في الأبدية.
حاشية - أضيف إلى هذا الخطاب أني أهبك كل ما تمتلكه يدي من متاع الدنيا ولي أمل
стр. 2910
أنك لا ترد ذلك وأن تقبله دليلاً على حبي لك وانعطافي نحوك.
* * *
ولو أن صاعقة سقطت إذ ذاك عند قدمي لما أحدثت في نفسي الذي أحدثه وقع ذلك الخطاب فما كنه ذلك السر الذي سترته عني امليا؟ وما الذي بعثها فجأة على الإقامة في الدير؟ وهل جملت في عيني الحياة بما خلعته عليها من رونق ودادها الساحر لتتركني على عجل ولم جاءت إليّ وجعلتني أصدف عن خطتي ولقد بعثها إلى دافع الشفقة ولكن لما اعتراها التعب بغتة من تلك المهمة الشاقة نأت بجانبها عن بائس لا يعقد الآمال على غيرها ولا يفكر إلا فيها ومن غرائب الأمور أن الناس يعتقدون أنهم يحسنون صنعاً إلى من منعوه موارد الانتحار وبقد كنت أشكوها إلى نفسي قائلاً يا امليا يا ناكرة الجميل وجاحدة الفضل لو كنت أنت مثلي قد ضللت السبيل في صحراوات الأيام لما كنت أتحامى القرب منك وأتسلى عن بعادك ولما أعدت قراءة الخطاب تبينت فيه أثر الألم والحزن فأجدّ ذلك جروح قلبي المندملة ثم أومض لي بارق فكرة أنارت في ليل حيرتي وشكي وهي أن امليا قد تكون أحبت إنساناً وكتمت حبه ولم تجرأ على الإباحة بهواها وقد تراءى لي أن هذا الظن يوضح كل ما التبس حزنها وبواعث كآبتها والرسائل الغريبة التي كانت ترد إليها وذلك الحزن الذي يلوح من خلال خطابها فكتبت إليها فوراً متوسلاً إليها أن تكشف لي عن أسرها فأسرعت في الرد ولكن لم تطلعني على جلية أمرها وقالت لي أنها حصلت على إذن لتتدرج في صفوف المتقدمات للرهينة وأنها عن قريب ستقسم اليمين فاتقدت غضباً من إصرار امليا ومن غموض كتابها والتوائه علىى الفهم وعدم ثقتها بمودتي وبعد أن أعملت الفكر وأجلت النظر فيما أفعله حيال ذلك نويت الذهاب إلى ناحية (ب) حيث أبذل هناك ما في طوقي وكانت الديار التي نشأت فيها على الطريق ولما رأيت الغابات التي أمضيت فيها الأيام الزاهرة من حياتي لم أستطع حبس الدموع وإمساك أرسان الأشجان وكان يعز علي أن أمر عليها بلا وداع وأودعها بلا سلام وكان أخي الأكبر قد باع ميراثه ولكن المشتري الجديد لم يسكن في القصر وقد وصلت إليه من ممشى محفوف بالأشجار وكنت أمر بأطرافه المهجورة وكنت أمشي على مهل أنظر النوافذ المقفلة والمكسورة والشوك الذي ينمو عند جدران الحيطان والأوراق الجافة المنتشرة على اوصدة
стр. 2911
الأبواب والبهو الذي كان يجلس فيه والدي مع خدامه وحاشيته وقد كانت السلالم يعلوها الطحلب وكان زهر الحيطان الأصفر نامياً بين أحجارها القلقة المهتزو ثم فتح حارس لا أعرفه الأبواب بخشونة فترددت في الدخول فصاح بي الرجل أظنك ستصنع صنيع تلك الغريبة التي جاءت هنا من منذ أيام وعند دخولها أغم واضطررت إلى حملها للعربة وكان من الواضح أن أعرف تلك الغريبة التي جاءت مثلي تودع تلك الأماكن البكاء والعبرات ومواقف الذكر والحسرات ثم سترت عيني بالمنديل ودخلت تحت أسقف ديار قومي وطفت المخادع التي لم أكن أأسمع فيها سوى صدى أقدامي وكان بالقاعات ضوء كليل من الأشعة الضئيلة الداخلة من خلال النوافذ المقفلة وزرت القاعة التي ماتت فيها والدتي والقاعة التي كان يعتزل فيها أبي والقاعة التي كان فيها مرقدي والأخرى التي نشأت فيها الصداقة بيني وبين أختي امليا وكانت كل القاعات عريانة مجردة وكنت أرى هناك نسج العنكبوت ثم خرجت مسرعاً إرجاع لطرف إلى نواحيها فما أرق حواشي الأيام الماضيات إذ عقد الأخوان منتظم وشملهم ملتئم وإذ حلو المذاق وكأس المسرات مترع دهاق ولكنها قصيرة العمر سريعة المر كأنها خطف الوميض يعارض مبراق فإن نفس الله يفرقهم كالدخان فلا يعرف الابن أباه وينكر الوالد ولده وتنسى الأخت أخاها ويتشاغل الأخ عن أخيه وإن شجرة البلوط تضم حولها صغارها ولكن ليس هذا حال بني الإنسان ولما وصلت إلى ناحية (ب) توجهت إلى الدير وطلبت أختي وسمعت أنها لا تقابل أحداً فكتبت إليها فأجابتني أنه ليس في الحق أن ترسل أي فكرة في الدنيا بينما هي تكرس حياتها لله وإني إذا كنت صادقاً في حبي لها أتحاشى أن أقلقها بأحزاني ثم أتبعت ذلك بقولها ولكن إذا كان في عزمك الحضور يوم حفلة دخولي الرهبنة فإني أختار لك أن تمثل فصل الوالد وهذا ما يليق بكرامتك وما يجدر بصداقتك.
ولما قابلت بين هذا الإصرار الجاف وبين حماس صداقتي الشديد كاد يطير عقلي ويذهل لبي فكنت أحياناً أحاول العودة إلى منزلي ولكني آثرت البقاء لأبدد نظام الحفلة وقد كان يوسوس في نفسي الشيطان أن أنتحر في الكنيسة وإن أمزج زفراتي الأخيرة بالأنات المتصاعدة من أختي وقد أخبرتني ربة الدير أنهم قد أعدوا مقاعد في المحراب ودعتني لحضور الحفلة التي ستقام في الغد وعند انفجار عمود الفجر سمعت أول دقات جرس
стр. 2912
الكنيسة ولما دنت الساعة من الحادية عشر قصدت الدير ولا شيء يصدع حصاة القلب مثل رؤية منظر كهذا ومما يشب الحسرة ويستضرم الكمد أن نعيش بعد رؤيته وكانت الكنيسة خاصة بالناي ثم اهتديت إلى مقعدي في المحراب وقد جلست على ركبتي غير عالم بما أصنع وبما قام في خاطري ثم وقف الراهب أزاء المذبح وفتحت النافذة السرية وأقبلت امليا وقد تزينت بكل لماع من الحلي وفاخر من الثياب وسائر صنوف الأبهة الدنيوية ولقد كانت إذ ذاك غاية من الملاح والحسن وكان يبدو على محياها المشرق معان مقدسة تثير الدهشة والإعجاب ولما بهر ي ذلك الحزن الجليل الفخم الذي أقبل على نفسي من تلقاء القديسة وملا نفسي ذلك الجلال الديني غابت من نفسي كل نوايا الشر للقديسة وخارت قواي وشعرت أني في قبضة يد قوية ولم أجد في قلبي غير إعجاب عميق وخشوع وضرع وجلست امليا تحت مظلة وابتدأت الحفلة على أنوار المشاعل وفي وسط الأزهار والروائح العطرية وعند ما وهبت نفسها وكرست حياتها نزع الراهب عنه ملابس ولم يبق على نفسه سوي غلالة من كتان ثم صعد المنبر وألقى خطبة قصيرة مؤثرة أتى فيها بوصف سعادة العذراء التي وهبت حياتها للسيد ولما قال وهي مثل البخور الذي يتفانى في اللهب استولى على الحاضرين سكون تام وانتشرت الروائح الفردوسية وكانت للناس تشعر أن الملائكة قد هبطت الأرض وكأن أجنحتها ترفرف ول المذبح ولما أتم الراهب خطبته ولبس سائر ثيابه واستمرت الحفلة رأيت امليا وقد ركعت على ركبتها على آخر درج المذبح وكان يعاونها في ذلك اثنان من الراهبات الصغيرات وهنا طلبت لأقوم بالوظيفة الأبوية.
ولما سمعت امليا صدى خطواتي المضطربة في المعبد كانت على وشك الإغماء ووقفت إلى جانب الراهب لأقدم له المقص وفي هذه اللحظة شعرت بتجدد ثوراتي واشتعلت في تفسي نيران الغضب ولكن امليا استعادت قوتها ورمتني بنظرة حشوها التأنيب واللوم والحزن كسرت من حدتي واطفأت ما احتدم من غضبي واستفادت أختي من اضطرابي وتقدمت بكبرياء وصيد وكان شعرها الفاخر يتساقط على النيران المقدسة وارتدت برداء كثيف ونزعت الحلي ولكن ذلك لم يزر بجمالها وكان الملل المرتسم على جبهتها قد سترته تحت عصابة من التيلة كان على رأسها النقاب الغريب الذي يرمز للدير والعذراء ولم أرها
стр. 2913
يوماً من الايام أجمل منها في ذلك اليوم ولقد كانت عينها النادمة موجهة نحو الأرض ولكن روحها كانت تحلق في السماء ولم تكن امليا قد حلفت اليمين بعد ومن أجل أن تموت من نفسها كل رغبات الدنيا كان لا بد أن تمر من جوف قبر وقد رأيت أختي راقدة على الرخام وعليها غطاء وكانت أربعة مشاعل تزهر في الأركان الأربعة وكان القسيس وهو ملتف في برد أسود وفي يده كتاب قد بدأ الجناز ثم أكملته الراهبات فما أشد السرور الديني ولكن ما أروعه وما أهوله ولم أتمالك عن الركوع حيال هذا المنظر المحزن ثم سمعت بغتة من ناحية المقبرة أنيناً مضطرباً فانحنيت قليلاً وهنا اصطدمت في أذني تلك الكلمات الهائلة (التي كنت أنا المقصود بها) ليت الله يقدر لي أن لا أعود من تلك الرقدة إلى الحياة ويرسل كل رحمته على أخي الذي لم يشاركني في أميالي الأثيمة وهنا انبلج لناظري صبح ذلك السر وغبت عن صوابي وسقطت على الرداء وضممت أختي في ذراعي وقلت يا من وهبت حياتك للسيد المسيح دعيني أعانقك العناق الأخير وأنت في هاوية الموت التي ستبعدك عن أخيك.
وقد بددت هذه الكلمات وما أعقبها من سيل الدموع وانهمارهما نظام الحفلة فتوقف الراهب وأقفلت الراهبات النافذة وانصبت جموع الحاضرين إلى المذبح وحملت وأنا مفقود الرشد ولست أحمد صنيع هؤلاء الذين ردوا عليّ مشاعري وعلمت عند رجوع إحساسي أن الحفلة قد تمت وأن أختي أصيبت بحمى شديدة وأنها طلبت مني أن لا أراها فيا للهفة والشقوة! أخت تخشى محادثة أخيها وأخ لا يستطيع محادثة أخته ثم تركت المعبد كما نخرج من مكان تطهير الأرواح حيث اللهب المتطاير والنار المشتعلة يمحوان عنا الآثام ويؤهلاننا للدخول إلى النعيم المقيم والسرور المخلد ولقد نجد في نفوسنا قوة عند مقاومة النكبات التي تحل بنا وتنحت من جانبنا ولكنه يصعب علينا أن نحتمل تبعة شقاء غيرنا ولما أحطت علماً بأسباب شقاء أختي وضحت لي جملة حوادث كانت من قبل مبهمة مثل ذلك المزيج من الفرح والسرور الذي لاح على امليا عند ما كنت أودعها مسافراً لجوب الأقطار وذلك الحذر الذي كان من دأبها عند عودتي وذلك الضعف الذي كان يحجزها عن الذهاب للدير ولقد كان سبب المكاتبات التي تردها عزمها على اللحاق بالدير ورغبتها في ترك ما تمتلكه لي ولقد ذقت الآن إراقة الدموع على الهموم الخارجة عن دائرة الأوهام
стр. 2914
الغير المكسوة بأثواب الخيال ولما كانت أهواء نفسي طويلاً بدون وجهة تنحوها وغاية ترمي إليها انثالت كلها وأقبلت من كل مشعب إلى هذا الحزن الجديد ولقد صرت أشعر بضؤب من ضروب القناعة في بلوغ همومي الكمال وقد سرني أن أعلم أن الألم ليس من الميسور أرهاقه مثل السرور ولقد كنت أريد هجران الحياة قبل الساعة التي يريدها الله.
ولقد كان ذلك إثماً وقد أرسل الله امليا لتنقذني من حبائله ولتنزل بي العقاب وإن كل فكرة أثيمة أو كل عمل أثيم يسوق إلى النفس رسل الشقاء ولقد توسلت إلى امليا أن أرتضي الحياة وأن لا أأدبر عنها وكان ينبغي لي أن لا أزيد في شقائها. ولقد صرت الآن لا أرغب في الموت وهمومي حقيقة ملموسة ولقد صارت الهموم تملأ جو نفسي وقد كان قلبي بطبيعته وتركيبه كأنما قد صيغ من الضجر والملل ثم تمشي ببالي أن أهجر فرنسا وأرحل إلى أمريكا وفي هذا الوقت كانت هناك عمارة بحرية تتأهب للإبحار من ميناء (ب) إلى لويزيانا فاتفقت مع أحد رؤساء سفنها على الرحلة معه وأعلمت امليا بذلك العزم وأعددت لوازم الرحلة وكانت أختي قد قاربت الموت ولكن الله الذي قدر لها حياة في الدير أطول لم يدعها إلى جواره ولما عاودت الدخول إلى طريق الحياة ذلك الطريق الوعر الذي حفت به المخاطر وأطاف به الهلاك تقدمت ثبتة الجنان ساكنة الطير لملاقاة أحزان الحياة غير ناظرة سوي تباشير الانتصار وآيات الظفر ولقد كانت ترى في وفة الآلام وتكاثرها غاية الفخر ونهاية العظمة.
وبيعي الأملاك التي كانت باقية لي والتي سلمتها لأخي والتأهب الطويل للرحلة وهبوب رياح مضادة أطالت كل هذه الأسباب انتظارنا زمناً ليس بالقصير في المرسى وكنت في كل يوم اذهب لأتنسم أخبار امليا واستطلع حوادثها وكنت أعود أدراجي وقد ثارت بنفسي عوامل جديدة تبعث على الشفقة وتدعو إلى الاعجاب وكنت أطوف بلا انقطاع حول الدير القائم على شاطئ البحر وكنت ألمح في نافذة صغيرة ذات قضبان حديدية مطلة على الساحل المقفر راهبة عليها سيما التفكير وكنت أراها تسرح النظر في المحيط حيث الأمواج تهز السفن التي ستقلع إلى أقصى نواحي الأرض وفي ضوء القمر كنت أرى الراهبة نفسها في النافذة ذاتها يشغلها التأمل في المحيط وقد أضاءته أنوار القمر وكأنها كانت تتسمع إلى أرانين أمواج المحيط وهي تنكسر على الساحل المهجور في حزن
стр. 2915
واكتئاب ويخيل لي الآن أن صدى الجرس الذي كان يدعو الراهبات إلى الصلاة الليلية والدعاء لا يزال يظن في أذني ولما كان يدق في رفق وكانت الراهبات يتقدمن في سكون إلى المذبح كنت أسير سيراً حثيثاً إلى الدير وكنت أسمع من وراء حيطانه آخر أناشيدهن التي كانت تختلط تحت أقبية الدير بصوت الأمواج الواهي وقد ملأ نفسي السرور والابتهاج ولست أدري كيف أن تلك الحالات التي كان من حقها أن تنمى همومي وتكثر من أشجاني كانت على عكس ذلك تستدفع مرارة همي وتخضد شوكته ولقد كانت تنحدر من عيني الدموع على الصخر وفي الرياح ولكنها لم تكن دموع الغضب ولقد صار حزني الخارج بطبيعته وجوهره عن حد المألوف يحمل في ثناياه نوعاً من الشقاء وإن الإنسان ليسره كل شيء غير مألوف ولو كان في طيه نكبةمن النكبات وكنت آمل أن أختي سيقل حزنها وقد وصلني منها خطاب قبل سفري أكد في نفسي هذا الظن ولقد كانت امليا تشاركني في همومي وتحنو على في اللأواء وقد ذكرت لي أن الأيام انقضت همومها وقالت إنها لا تيأس من السعادة وقد هبت على قلبها نسمات الهدوء من وراء التي قمتها وقالت أن بساطة رفيقاتها وسمو مقاصدهن وانتظام أسلوب معيشتهن كان يرسل السرور والبهجة في نفسي ويبدد منها سحب الأكدار ولما كنت أسمع دوي الزوبعة وأرى طائر البحر من نافذتي يرنق بجناحيه ويغالب العواصف كنت أفكر في السعادة التي نالتها طائرة السماء من وراء العثور على ملأ يرد عنها هوج العواصف وإن ذلك الدير هو الجبل المقدس الذي نسمعه من قمته آخر أصوات الأرض وأول موسيقى السماوات وهنا يخدع الدين النفس عن الإحساس ويطهر حسراتنا وينقيها ويبدل اللهب المتهالك بلهب باق على الأيام ويمزج الدين سكونه وبراءته ببقايا ألعاب قلب يهوى الراحة وحياة قاربت النهاية.
ولست أعرف ما تضمره لي المقادير وما ستلده الليالي الحبالي وهل الرياح العواصف ستتبع طريقي ما عشت ثم صدر أمر إلى السفن بالإقلاع وكانت طائفة من سفن العمارة على أهبة السفر عند الغروب وكنت قد نوى أن أقضي الليلة الأخيرة في البر لأكتب خطاب الوداع لامليا وعند منتصف الليل لما كنت مشغولاً بذلك ولما كانت الأوراق مبللة بدموعي وكان عزيف الرياح مرتفعاً تسمعت في صوت العاصفة المرنان فميزت صوت المدافع مختلطاً بدقات جرس الكنيسة فلجأت للساحل وكنت منفرداً وكان الشاطئ قفراً
стр. 2916
موحشاً لا يسمع الإنسان فيه إلا ترانيم الأمواج فجست على صخرة وكانت على جانب مني تزخر أمواج البحر المؤتلفة وعلى الجانب الآخر حيطان الدير الشاهقة التي كانت كأنما تغيب عن نظري في السماء وكانت تنبعث أضواء من النافذة ذات القضبان فهل كنت أنت يا امليا الساجدة أمام الصليب متوسلة إلى الله أن يرأف بأخيك وإن صور الزوبعة الثائرة في البحر والسكون السائد في الدير والناس تنكسر على الصخور في النواحي المجاورة له ومنظر اللانهائية الواقعة على الجانب الآخر من ذلك الدير ونور المصابيح المضطرب من السفن والمنار في الدير الذي يرسل الأنوار في سكون وحياة الملاح الذي لا يدري ما تبطنه له الأيام المقبلة فوق ذلك الزاخر الهزج وحياة الراهبة في الدير التي تعرف كل مستقبلها لأن حياتها صور متشابهة ومن ناحية أخرى روح هوجاء ثائرة في غرق أشد هولاً من الغرق الذي يغشاه الملاح - كل هذه القصور لا تزال منقوشة في صفحة ذهني مائلة لعين ذاكرتي فيا سماء تلك الأرض الجديدة التي تشهد الآن دموعي السواجم ويا صدى الشواطئ الأمريكية الذي يردد الآن كلماتي لقد كان في اليوم التالي لتلك الليلة الرهيبة وأنا مضطجع في السفينة أن نظرت أرض وطني تختفي عن نظري إلى الأبد ونظرت النظرة الأخيرة إلى الأشجار المهتزة التي تنمو على شواطئ وطني وكانت بروج الكنائس تصغر في الأفق.
ولما أتم رينيه قصته أخرج من ثيابه ورقة ناولها للأب سويل ثم رمى نفسه بين ذراعي شكتاس وأومأ إلى الأب - ويل وهو يحاول إخماد زفراته أن يقرأ الخطاب من رئيسة دير (ب) ويشمل تفاصيل آخر ساعة من ساعات الأخت امليا التي ماتت شهيدة حماسها وكرمها في القيام على رفيقة لها كانت مصابة بمرض معد وقد كان الحزن عليها عاماً في الدير لأنها كان لها المحلة العليا في نفوس الجميع وكن يجللنها أجلالهن للقديسات وأضافت تلك الرئيسة قولها أنها في الثلاثين سنة التي قضتها في الدير لم تنظر راهبة لها سهولة أخلاقها وتوازنها ولم تر راهبة قابلت الموت ببشاشة ورحب صدر مثلها - فضم شاكتاس رينيه في ذراعه وقال له يا ولدي لقد كنت أود أن يكون الأب أوبري هنا فلقد كان من شيمه التي عرف بها أنه يجرد من قلبه هدوءاً يخمد عواصف العقل ولقد كان مثل القمر الاضحيان في الليالي الباكيات المتعلقات بالحب فإن تلك السحب المتراكمة التي تزجيها الرياح لا تعوق
стр. 2917
سير القمر وهو يتقدم في هدوء وصفاء في وسطها أما أنا فكل شيء يسبب لي اضطراباً ويحدث فيّ هزة ولكنه ستهوي أميالي ويقتاد أهوائي وإلى هنا كان الاب سويل صامتاً لا ينطق مرسلاً على معارفه سيما الجد وكان يحمل بين جانحيه قلباً حدباً رقيقاً ولكنه كان يلبس مظاهر التعبيس والانقباض وما أظهره شكتاس من الاحساس جعله يعدل عن صمته ويقول لرينيه إني لم أجد شيئاً يستحق الشفقة والمرحمة في قصتك وإني أرى منها شاباً مفعماً بالخيالات يؤلمه كل شيء ويترك ما عليه من الواجبات الإنسانية ليندفع في تيار أفكار لا طائل تحتها وإذا كان الإنسان ينظر إلى الحياة نظرة سوداء فليس في هذا دليل ناهض على أنه اسمي من الناس نفساً وأرجح منهم لباً وأنا لنكره الناس وتنقض الحياة عند مالعجز عن أن نمد نظرنا إلى أعماق النفس الإنسانية وإنك لو أرهفت البصر وحددت الطرف لوجدت أنك تشكو من أشياء لا وجود لها وإنه لمخجل ومزر بشأنك أن لا يكون في منال قدرتك ومناط همتك النظر إلى كارثة حياتك الوحيدة بدون أن يحمر وجهك منها خجلاً وإن الدين والفضيلة والطهارة كلها مجتمعة لم تروح عن نفسك الحزينة ولقد كفرت أختك عن ذنبها وإنك هنا في الغابات تذهب أوقاتك عبثاً وتهمل واجباتك وقد تظن أنك تتشبه بالقديسين الذين كانوا يقيمون في الصحراوات ولكن هؤلاء كانوا يقضون أوقاتهم هناك في أخماد جمرة الأهواء ومغالبة سورة الأميال بينما أنت تذهب أوقاتك في إيقاظ تلك الأهواء وتحريك هذه المنازع ومن علمك أيها الشاب المغرور أن الإنسان كثير بنفسه وغن الوحدة لتفسد من لا يعيش فيها مع الله وإنها تضاعف قوة الروح ومن ناحية أخرى لا توجد سبيلاً للانتفاع بتلك القوة وإن من تمنحه الطبيعة قوة ينبغي له أن يصرفها في إنهاض نظرائه والأخذ بيدهم وإذا ترك تلك القوة مهملة فإنه يعاقب عاجلاً أو آجلاً بالشقوة الأبدية.
وقد أفاق رنيه لما سمع هذا الكلام فرفع رأسه من صدر شكتاس وابتسم شكتاس تلك الابتسامة التي تتجلى على الشفة بدون أن يظهر أثرها في العين وكان لهذه الابتسامة معنى غامض سماوي ثم قال شكتاس لرنيه إنه يخاطبنا يا ولدي بلهجة شديدة وكلامه هذا يقوم المموج فينا وهو على صواب في كل ما يقول وإني أشايعه على أنه الاليق بك أن تزايل هذه الحياة الغير المألوفة والمفعمة بالأحزان وأنه ليس هناك سعادة إلا في الاندماج في الحياة العامة وإنه في ذات يوم شكا المسيسبي عند منبعه من أنه ليس له سوى مجرى
стр. 2918
هادئ نقي وطلب إلى السحب في الجبال الشاهقات ومياه السيول العارمة وأمطار العواصف الغزيرة أن توافيه بأمواهها فأصبح الماء يفيض على جانبيه حتى اتلف ساحله البديع الذي كان مكسوراً بالأزهار محفوفاً بالأشجار ولقد كان ذلك النهر يزهى بقوته ويزمجر ويهدر ولكنه لما رأى أنه أمسى محوطاً يصحراوات وأنه يتفق في الفقر الموحش وإن أمواجه دائمة التوثب والإغتلام صار يأسف على حالته السالفة حيث الطيور على سواحله مترنمات والأزهار زاهيات والأشجار متهدلات الظلال ترافقه في سيره الهادئ الرزين، ثم أمسك شكتاس عن الكلام وسمع في الغابة أصواتاً مقبلة من ناحية المسيسبي كانت تنبئ عن قرب هبوب العاصفة فرجع الثلاثة قاصدين أكواخهم وكان رنيه يمشي صامتاً بين الأب سويل الذي كان يدعو الله وبين شكتاس الذي كان يتلمس طريقه وقد قيل لي أنهما رداه إلى زوجته ولكنه لم يجد الراحة المنشودة.
وقد مات بعد ذلك بقليل هو والأب سويل وشكتاس في المعركة التي حدثت بين الفرنسيين وقبيلة الناتشيز ويرى المشاهد هناك صخرة كان يجلس رميه فوقها عند غروب الشمس. . .
تمت القصة
стр. 2919
محاورة
بين فقيه متدين وفيلسوف ملحد
للفيلسوف الألماني الأكبر آرثر شوبنهر
(تابع ما نشر في العدد ٧ و ٨ سنة سابعة)
الفيلسوف - وكذلك ترى القساوسة ينزلون منزلة بين الخداع والوعظ لأنهم لا يجرأون على تعليم الناس الحقيقة حتى لو كانوا يعرفونها - وإنهم لا يعرفونها وعلى كل حال يمكن أن يكون هنالك فلسفة حق ولكن لا يمكن أن يكون دين حق - أعني ديناً حقاً بمعنى الكلمة الحقيقي وليس بالمعنى المجازي الرمزي الذي وصفته آنفاً.
ولا بدع في أشرف الحقائق وأهمها وأقدسها وأسماها لا يمكن إظهارها للعامة إلا ممزوجة بالأكاذيب بل لا بدع في أن هذه الحقائق إنما تستفيد سلطانها وقوتها من هذه الأكاذيب إذ كانت الأكاذيب أبلغ أثراً وأروع وقعاً في نفوس العامة. أقول لا بدع في ذلك لأنها سنة الطبيعة التي ما برحت تبرز الخير بالشر مقروناً والشرف بالخسة والكرم باللؤوم والبر والفجور والوفاء بالغدر.
وهذه الحقيقة هي عنوان العالم الأخلاقي. على أنه لا يليق بنا أن نيأس من مجيء يوم يبلغ فيه الناس من العقل والعلم مبلغاً يمكنهم من إنتاج فلسفة حق ثم قبولها واعتقادها. والواقع إن الحقيقة المجردة هي من البساطة وقرب الفهم بحيث يمكن إيصالها لي أذهان العامة بلا أدنى مزاج من الأساطير والخرافة (طائفة أكاذيب) أعني بدون جعلها ديناً.
الفقيه - إنك لا تستطيع أن تتصور مبلغ غباوة العامة وضآلة أفهامهم.
الفيلسوف - إني أقول هذا الكلام على سبيل الأمل لا غير. على أني لا أستطيع إطراح هذا الأمل - أقول إذا عرضت الحقيقة على الناس في صورة أبسط وأقرب إلى الفهم لم تلبث أن تنزل الدين عن أريكة سلطانه التي ما زال يتبوؤها منذ أقدام الأزمان وإذ ذاك يكون الدين قد ادى رسالته وجرى شأوه. فلا بأس عليه أن يترك النوع الإنساني وشأنه ملقياً حبله على غاربه ولا جرم فلقد تولاه في طفولته حتى بلغ سن التكليف والرشد - وعلى الدين إذ ذاك أن ينسحب هو ذاته ويتوارى ويستتر في أمن وسلام وطمأنينة وله ألف حمد وشكر. وعلى كل حال فما دام الدين موجوداً فإن له وجهين - وجهاً من الحق وآخر
стр. 2920
من الزور والباطل فهو تارة سر متأمله وأخرى يسوءه. ولذلك يجب علينا أن نعد الدين أذى لازماً وشراً لا بد منه وإن ضرورته مبنية على سخافة عقول العامة وضعف أذهانهم حتى أصبحوا بعجزهم عن إدراك الحقيقة محتاجين إلى ما يقوم وينوب عنه.
الفقيه - إنكم معشر الفلاسفة لتتكلمون كما لو كانت الحقيقة رهن أدنى إشارتكم تدعونها فتجيب وعلى متناولكم تمدون أيديكم فتأخذون بزمامها وتقبضون على ناصيتها.
الفيلسوف - إذا كنا لا نملكها فذلك والله راجع إليكم معشر الفقهاء إذ جعلتم من الدين في جميع الأمكنة والأزمان سلاسل وأغلالاً شللتم بها حركة الفلسفة وحبستم سعيها. ولم يكفنا إن منعنا الناس من نشرها أو النطق بها حتى حلنا بينهم وبين التصدي لها التفكير فيها واستكشافها بوضعنا أذهان الأطفال في نعومة أظفارهم في أيدي القسوس يعبثون بها كما شاؤا ويملأونها من السخافات والخرافات بما أرادوا - ويحفرون في أدمغتهم المسالك التي تخصص لمجرى الأفكار الأساسية والآراء الجوهرية في أمهات المسائل حفراً عميقاً يبقى ثابتاً معيناً أبد الدهر. وإني ليزعجني أحياناً ما أراه في مؤلفات الفطاحل من أكبر مفكري القرن السادس عشر والسابع عشر من شدة تقيد عقولهم وفرط اعتقال أذهانهم بعقائد التوراة والإنجيل - وأظهر ما يكون أثر هذا الأسر والاستعباد الذهني في نظري عقب تلاوتي مؤلفات المفكرين من فلاسفة المشرق. فأقوام يهيئون مثل هذه التهيئة العقيمة خلقاء أن لا يدركوا للفلسفة الصادقة أدنى معنى!
الفقيه - وعلى فرض إمكان التوفق إلى هذه الفلسفة الصادقة فإن ذلك لا يقتضي إلغاء الديانة كما تتوهم إذ لا يمكن اشتراك الناس أجمع في مذهب فلسفي وأحد لاختلاف طبائع الأذهان وتعدد أساليب التعليم والتربية. ولا بد أن ينصرف السواد الأعظم من الناس إلى الاعمال الدينية البدنية الشاقة التي عليها المدار والمعول في سد حاجات النوع البشري ففضلاً عن أن هذا يحرم أغلبية الناس الوقت اللازم للتربية والتعليم والتفكير والتأمل ولكنه بسبب ما هنالك من التباين والتناقض بين القوى الجثمانية البحتة والقوى الذهنية المحضة قد تقرر أن الإفراط في المجهودات البدنية ببلد الذهن وبرده ثقيلاً كثيفاً وبالتالي عاجزاً عن أن يدرك من المعاني إلا الساذج البسيط والملموس المحس. وعلى هذا النحو تسعة أعشار العالم - إن الناس يحتاجون إلى مذهب عن العالم الغيبي أو فيما وراء الطبيعة أعني أصل
стр. 2921
العالم والوجود وحياة البشر لأن هذا من أمس حاجات النفس البشرية ومما تشرئب إليه الأرواح بفطرتها وتتطلع. ولكنه يحتاجون إلى أن يكون هذا المذهب الباحث في هذه المسائل مذهباً مألوفاً وهذا لا يتأتي إلا بشرائط ومزايا - أهمها الوضوح والجلاء على أنه يجب مع ذلك أن يكون في بعض المواقع مبهماً غامضاً بل ملغزاً معمي لا يهتك الذهن حجبه ولا ينفذ الوهم إلى لبابه. وإلى هذا يضاف نظام أخلاقي صحيح مرض.
وأهم من كل ذلك هذا المذهب الآنف الذكر يجب أن يتضمن ذخراً وافراً من وسائل العزاء والسلوان وأسباب الترويح والترفيه يقدمها للإنسان في المحنة والمصاب والألم وعند حضور الوفاة. فينتج من هذا أن الدين ليس حقاً إلا من الوجهة الرمزية لا بالمعنى الحقيقي. وينبغي فوق ذلك أن يستعد سلطانه إلى الأذهان وروعته في القلب مما له من الثقة المكتسبة من تواتر الأجيال الحائزة لمزية الإجماع والإطباق المؤيدة بالآيات المدونة والصحف المأثورة - وهذه الصفات والمزايا مما يتعذر جمعه وتأليفه وضم شتاته - بحيث أن المفكر المدقق والمتأمل المحقق البعيد الأناة والروية إذا تدبر الأمر لا تطاوعه نفسه على التصدي لهدم أي دين ما وتقويض أركانه ولكنه جدير أن يرى الدين أنفس ذخيرة وأحسن عدة للسواد الأعظم من بني البشر.
فعلى من أراد انتقاد الدين أن لا يزال يذكر طبائع الجماهير التي من أجلهم وضع ويصور لنفسه فرط انحطاطهم الذهني والأخلاقي. وليعلم بعد أن وراء أكثف حجاب من سخيف الخرافات ومستنكر الشعائر والمناسك تلمع وتتألق جذوة من الحق كامنة في تلك السخافات كمون العطر في عوده والمسك في مادته وإن هذا الأرج الذكي يتعلق ويعبق بكل ما قد لامسه واتصل به.
خذ مثلاً على ذلك الحكمة النابغة والعظة البالغة الواردة في الأسفار المقدسة الهندية القديمة المسماة اليوبناشاد - اتظر إلى هذه الحكمة النابغة والعظة البالغة ثم حوّل عنها بصرك إلى شعائر الوثنية الجنونية الشائعة اليوم في بلاد الهند وما تتضمنه من المواكب والأعياد ورحلات الحجيج أو إلى جنونيات الطوائف الهندية العصرية المسماة السانياساي في مراسمهم الدينية ومناسكهم التعبدية. ومع ذلك فليس في وسعنا إنكار ما يكمن تحت كل هذه الجنونيات والسخافات من معنى هو في الحقيقة مطابق للحكمة البالغة الآنفة الذكر بل هو
стр. 2922
صورة منها. فهذا المعنى الفلسفي يحتاج إلى إبرازه في تلك الأشكال المستنكرة لتقريبه من أفهام الجماهير الحشية البهيمية. وكذلك نرى في هذا المذهب المتناقض الطرفين قطبي الإنسانية: أعني حكمة الفرد (العبقري الواضح لتلك الأسفار الحكيمة المقدسة) وبهيمية الجماهير وكلا القطبين يلتقيان على كل حال في نقطة ائتلاف مشتركة بينهما في العالم الأخلاقي. ومن ذا الذي لا يذكر حكمة القائل إن الغوغاء والطغام يبدون لي كأنهم بشر على أني لم أر في صنوف الخلائق مثلهم حمقاً وخسة وغباء وقول الآخر يا أشباه الرجال ولا رجال وبيت القائل:
إني لأغمض عيني ثم أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحداً
إن العالم التحرير يعد الدين من قبيل العناصر الإصلاحية فيراه ضرورياً للجماعات كالملح للطعام ويمكنه أن يتخذ لنفسه سراً مذهباً فلسفياً واحداً لا يصلح لكل الناس. فكل فلسفة تجذب إليها - بناء على ناموس التآلف الطبيعي - فريقاً من الناس تكون ملائمة لأسلوب تعليمهم وكفاءتهم العقلية. وعلى ذلك فلا يزال ثمت مذهب فلسفي (غيبي - متعلق بما وراء الطبيعة) لمتعلمي العوام ومذهب أرقى للفئة القليلة المختارة. مثال ذلك أظن مذهب الفيلسوف كانت - ذلك المذهب الأشرف الأسمى قد تناوله العلماء فرايز وكروج وسالات بالإفساد والتنكير والحط والتسفيل تنزلاً به إلى مدارك العامة واحتياجاتهم. وهذا مصداق لقول جيتا (شاعر الألمان الأكبر وكاتبهم الأشهر) الواحد لا يكفي الجميع. فمحض الإيمان بالوحي والتنزيل ومحض الفلسفة هما طرفا نقيض وقطبا تباين واختلاف تنحصر بينهما عدة مذاهب هي بمثابة تعديلات وتحويرات مؤلفة من عناصر هذين القطبين وجزئيات ذينك الطرفين بما يلائم مآرب ومشارب لطبقات المنوعة والفرق المختلفة. وهذه نتيجة لزومية مترتبة على ما أحدثته الطبيعة ونظامات التربية بين ضروب الناس وصنوف البشر.
الفيلسوف - إن رأيك هذا يذكرني ما قد ذكرته قبل من أسرار القدماء وإنهم كانوا يرمون إلى معالجة الشر المترتب على فروق الكفاءات العقلية وأساليب التعليم وكانت خطتهم في ذلك إنهم ينتخبون من بين الجماهير أناساً قلائل فيكشفون لهم قناع الخفاء عن جانب من الحقيقة فيبصرون طرفاً منها بعد أن كانوا في ظلام دامس وعمى مطلق عن جميعها. ثم
стр. 2923
هذه الفئة القليلة يختارون فئة أقل وإلى هؤلاء يحسرون اللئام عن جزء آخر من الحقيقة ثم ينحون هذا النحو حتى يصلوا إلى النخبة المتقاة والصفوة المختارة. وهي أساسها المعرفة الصحيحة والخبرة الدقيقة باختلاف الكفاءة الذهنية في طبقات البشر.
الفقيه - إن ما تتخذه الآن من أساليب التربية الثلاثة أعني الابتدائي والثانوي والعالي هي إلى حد ما صورة مما كان يتبعه القدماء من طريق تعليم الناس أشرار العلوم.
الفيلسوف - هذا على التقريب فقط وهو صحيح من هذه الوجهة وهي أن العلوم الراقية كانت تكتب باللاتينية التي كان لا يفهمها إلا الصفوة المختارة من العلماء. فإما وقد ألغي هذا النظام فقد تدنست تلك الأسرار المقدسة بإبرازها من حجاب اللاتينية وابتذالها بعرضها على أبصار الغوغاء المدنسة.
الفقيه - كيفما يكن ذلك فلا تنس أن الواجب عليك عند انتقاد الدين أن تتأمله من الوجهة العملية أكثر مما تتدبره من الوجهة النظرية. فغير خاف أن الفلسفة الغيبية (ما وراء المادة) قد تكون عدوة الدين ولكن الفلسفة الأخلاقية لن تزال صديقة له وخليلة. ويحتمل أن يكون أكذب ما في الدين هو جانبه المتعلق بالغيب وما وراء المادة. ولكن لا مشاحة في أن جانبه الخاص بالأخلاقيات حق صراح. وهذا ظاهر من الأديان المختلفة إذا تباينت وتناقضت من حيث ناحيتها الغيبية (الخاصة بما وراء المادة) فإنها لتتفق في ناحيتها الأخلاقية.
الفيلسوف - وهذا يؤيد القاعدة المنطقية وهي أن المقدمات الباطلة قد تؤدي إلى نتيجة صحيحة.
الفقيه - تمسك إذن بنتيجتك التي وصلت إليها ولا يفوتنك أبداً أن للدين جانبين فهو إذا كان باطلاً ومحالاً من الجانب النظري أعني من الجانب الذهني فإنه من الجانب الأخلاقي الوسيلة الوحيدة لهداية وإرشاد وتعليم وتهدئة هذه الحيوانات المتعقلة الذين قرابتهم إلى القردة لا ننفي أن لهم نسبة قريبة ورحماً ماسة بالذئاب والنمرة والدين في الوقت ذاته فيه قضاء حاجتهم وشفاء غليلهم من حيث تفسير أسرار الكائنات والغاز الحياة والموت والفناء والخلود والروح والمادة والآجلة والعاجلة تفسيرا يلائم كثافة أذهانهم وانحطاط مداركهم. والظاهر لي أنه يعوزك الفطنة التامة إلى الفرق الهائل الذي هو كفرق ما بين السماء والأرض والهوة السحيقة بين الرجل العالم المستنير المدرب على التفكير والتدبر وبين
стр. 2924
سخافة عقول البهائم الإنسانية وكثافة أذهانهم وقصر مداركهم وبلادة مشاعرهم وغلظة أفهامهم وانحصار أفكارهم في سبيل واحدة ترمي إلى إحراز الغذاء خوف الفناء - سبيل يلزمونها طول اعمارهم لزوم الإنسان لظله لا يريدون بها بديلاً ولا يبغون عنها حولاً ولا تستطيع قوة أن تصرفهم عنها إلى غيرها - ولا بدع فإن ما تقتضيه أشغالهم من حصر مجهوداتهم في كد القوة العضلية يضئل ويهزل القوة العصبية التي هي مصدر الذكاء والفطنة. فأمثال هؤلاء يجب أن يعطوا عماداً ودعامة يعتصمون بها ويرتكنون عليها أثناء مسيرهم على زحلوقة الحياة الزلقة وسبيلها الشائكة - أعني ينبغي أن يقدم إليهم القصص الخرافي الشائق والأساطير الخرافية المستملحة البديعة معروضاً فيها ما يهمهم ويعنيهم من مسائل الحياة والموت والروح والمادة وأسرار الكون والغاز الطبيعة في قالب الصور والحكايات إذ كان والقلب الوحيد الذي تستطيع إدراكه أذهانهم البليدة وإفهامهم البطيئة وإذ كان من المستحيل أن تسمو بعقولهم الراكدة إلى فهم التفاسير الدقيقة والفروق اللطيفة الغامضة فأنت إذا نظرت إلى الدين هذه النظرة وتذكرت أن أغراضه وغاياته عملية من الوجه الأهم نظرية من الوجهة الضأل كنت جديراً أن تراها خليقه بأجزل المدح والثناء وأجل الاحترام والتبجيل.
الفيلسوف - أجل. التبجيل الذي أساسه المبدأ القائل بأن الغاية تبرر الواسطة. إني على كل حال لا أوافق على جعل هذا المبدأ الأساس الذي عليه يبني حل هذه المشكلة وفك تلك المعضلة. أنا لا أعارض في أن الدين أحسن واسطة لكبح جماح ذوات الاثنين من بهائم الإنسانية البلداء الأذهان الخبثاء النفوس ذوي الحران والعناد والإصرار. غير أن أخا الحق يرقص الزور والبهتان وينبذ الغش والخداع مهما قيل أنه واسطة إلى الخير. وإن من أعجب الأمور أن تروج الفضيلة بوسائل الخدع والأكاذيب. أما أنا فقد أعطت بيعتي وعهدي وذمتي لسلطان الحق المبين ودخلت في شيعته وتحت لوائه ولن يراني الله ما حييت خافراً للذمة ناكثاً للعهد. وعزمي ونيتي أن أقاتل شيعة الباطل وأنصار الأخاديع والأكاذيب ذوداً عن حمى وذباً عن حريمه غير مكترث لما عساه يصيبني في تلك السبيل من الأخطار والأهوال والمتالف والمهالك. فإذا آنست من جانب الدين دلائل العداء ونوايا الاعتداء -.
стр. 2925
لها بقية
стр. 2926
الأمل والمستقبل
مازيني في طليعة قواد الوطنية ومن اعز الأصدقاء الإنسانية في القرن التاسع عشر وإن اسمي مزايا العظيم أن يعيش للنوع لا لنفسه وإن العظيم يقبل إلى السكون وهو عالم إنه ليس له مطلق السيادة على نفسه فإن صوت ضميره يذكره دائماً أن يعيش لإسعاد من حوله وهو بطبعه من أجنح الناس وأميلهم إلى قول أوجست كونت عش للناس وهو مدفوع بجبلته وغريزته إلى ذلك وإذا تلوم عليه فإن ما يصيبه من الندم أشد مما عسى أن يلاقيه من الألم ولذا قال رينان العظيم أبعد الناس عن الحرية وإن الإنسانية لتعجز عن قضاء ديونها للعظماء وإنه لولاهم لكانت أكثر النفوس صحراوات مجدبة ومغارات مظلمة. وينبغي أن يكون حبنا للبطل وإعجابنا به قريبين من حد العبادة وذلك لأن البطل صورة من صور اللانهائية وإن الروعة التي تداخل النفس عند النظر إلى الأبطال نشبه الإحساس الذي تستشعره النفس عند مشاهدة غابة فسيحة الأرجاء باسقة الأشجار أو رؤية بحر عجّاج متلاطم الأمواج إلى أمثال هذه المشاهد التي تحرك في أعماق نفوسنا الشعور الديني لما فيها مرائي اللانهائية وصورها ونرى في مازيني مثلاً أعلى في إنكار الذات قال عنه كارليل (مازيني رجل فضيلة وعبقرية وأحد هؤلاء الرجال النوادر الذين يجدر بنا أن نسميهم الأرواح الشهيدة) وقد كان مازيني من رواد الكمال وعشاقه وكانت في أخلاق القديسين وطهارتهم وصفات الأبطال وأعمالهم.
وقد نشأ مازيني فوجد أوطانه مفككة الأوصال مصدوعة القوى فساءه أن يرى إيطاليا المشرقة الجميلة مهد الحضارة الرومانية وأرض بروتس ودانتي وقد استعبدها النمساويون القساة الغلاظ القلوب وعز عليه أن يسوم النمساويون أبناء وطنه سلالة الرومان الأمجاد الخسف والعبودية ويحجبوا عنهم ضوء الحرية المقدس ونور العلم والعرفان وآلم نفسه كل ذلك فامتشق سيف الجهاد وكان يطارد شرور الحياة بقوة الأمل. وقد كان ثابتاً في جهاده فلا يستهويه النجاح ولا يكسر من عزيمته الفشل.
وقد كان في مازيني بشر سكان الجنوب وتفاؤلهم ولكن السنوات الطويلة الموقرة بالحزن التي قضاها في سويسرة وتحت سماء لندن الغائمة المربدة بعيداً عن سماء إيطاليا الطلقة الصافية قللت من بشره وغبطت من بشاشته فكان لا يزايله اكتئاب صامت شجى كالغيمة الرقيقة الشفافة التي تعلو صفحة القمر الباهر. وكان هذا الحزن يزيد نفسه ملائكية ويبث
стр. 2927
في تضاعيف كلامه رنة مؤثرة تجذب نحوه القلوب وكان يزيده إنكاراً لذاته وتجرداً عن شخصيته.
وقد كانت مع أصدقائه خضر الربى موطأة الأكناف وكانت أحاديثه جذابة حلوة المساق إلا إذا عاج به الحديث على المسائل السياسية فقد كان يتحول من الهدوء والسكون إلى الثورة والانفعال ويحور صوته المؤثر الرخيم الحواشي زأر أسد أو عزيف عاصفة وكان عسر الخليقة شديد القسوة مع رفاقه السياسيين. وكان كثير الثقة بنفسه والتثبت من آرائه كأنه كان يشعر أنها ضرب من ضروب الوحي والإلهام فهي مسلمة من الخطأ ولذل كان لا يسمح لأحد من حزبه أن يتخطى حدود أفكاره أو يخرج عن دائرتها وتغلب هذه الصفات على رؤساء الأحزاب السياسية العظماء، ونحن نعرف أمثالها في سعد زغلول باشا رئيس وفدنا المحبوب، وتتشابه أخلاق العظماء على الرغم من اختلاف البيئة وتفاوت الزمن.
وقد كتب المقالة التي انتخبنا منها النبذة الآتية وهو في المنفى ليستحث عزيمة حزبه ويدعوهم إلى النهوض والثورة.
إن دماء الأبطال المراقة وعبرات الأمهات المسفوحة ستسقيان قبور الشهداء وتبتلان ثراهم ونحن أوفر من أعدائنا شجاعة وأقداماً وأميل منهم إلى التضحية وتكريس حياتنا وأعرف منهم وأبصر بحوائج العصر ولوازمه وروحه وطبيعته ولقد شردنا عن أوطاننا فحملنا إلى مطارح الفي ضميراً نقياً ونية ثابتاً وإن مصير أعدائنا مرتكز على نجاح مساعينا فإن تولت بهم الليالي وهي متدبرة وإلا متنا كراماً أحراراً وإننا نسير تحت العاصفة والسحب المتلبدة الكثيفة في السماء ولكن هناك وراء تلك السحب الشمس الخالدة إنهم ليحجبونها عن عيوننا زمناً ولكنهم لا يستطيعون إذهابها من الأفق وإن العالم يتقدم إلى الأمام بخطوات رزينة ثابتة ومحال أن تعترض تقدمه قصاصات أوراق الساسة الدنسة ودسائسهم الوضيعة وإن الإسراع في الحركة هو سر الانتصارات الكبيرة.
وينبغي لنا أن لا نقصر نظرنا على أنفسنا فإن داخل النفس أنفاس القبر الباردة والشك يسير بين المقابر والأطلال تتبعه الأنانية وإن الشعوب ستتبوأ في المستقبل مقاعد الملك لا الملوك ولا الإشراف وإني أقول قولة حق أن الأمة التي قد تأصل حب الحرية في قلوب أفرادها رسب الميل إلى التضحية في قرارة نفوسهم واستظهروا أسباب الثورات ونتائجها
стр. 2928
- مثل هؤلاء لا يعجزهم أن يكسروا قيودهم ويصدوا عنهم الأغلال ويردوا عن أوطانهم رعيل الممالك المتواطئة على سلب حقوقهم ويستذلوا الجموع المحتشدة لسحق حريتهم وليس في الأرض قوة تردهم عن الغابة التي صمدوا إليها والمطلب الذي قصدوا إليه وبقد كانت النيران التي أضرمت في أبدان القوم مدعاة إلى عبادة الحرية وقد حملوا ما يعي عن حمله المناكب وبقوا من الآلام ما لا يملكون التعبير عنه لأنه تجاوز الحد وفات الغاية وستكون ثورتهم لذلك يحسر دونها الوصف ويخون نعتها البيان ولقد كانت أحزانهم مباركة وقد علموا من كل دمعة مترقرقة حقيقة مشرقة وكان كل سنة تتسلخ بضحاياها تزيدهم إيماناً بالتضحية وأملاً في الخلاص والحرية ولقد تجرعوا الكأس مترعة ولم يتركوا بها صبابة فلم يبق لهم إلا كسر تلك الكأس.
يقول لنا فريق من خصومنا إنكم تسخرون بأنفسكم وتزينون لها المحال وإن اليقين قد غاب من النفوس وقد صدأت القلوب وقد ران عليها الخمول ولقد طال عهد القوم بالقيود حتى فترت عزائمهم ونكلت هممهم ونسوا المشي والحركة وأنكم تحاولون أن تثيروا حفيظة جماعة من الأرقاء المستضعفين الأذلاء المنبوذين فكيف تجمعون شتاتهم وتؤلفون شملهم لملاقاة الصعاب ودفعها ورد البلايا ودرئها وقد طالما أهبتم بهم إلى الكفاح والمجالدة في طلب الحرية وبغية الانتقام فتصاموا عن النداء أو رفعوا رؤوسهم المشوشة برهة ثم عادوا إلى سباتهم وبقد شاهدوا جنائز الشهداء تمر أمامهم ولم يكن يخالط عقولهم أو ينصب في آذانهم إنهم يشيعون منها إلى القبر حقوقاً فرطوا في التماسها وأخلوا في طلبها وإن نفوسهم إلى المال منجذبة إلى الماديات وإن الخوف ليقع في قلوبهم من كل جرس ولقد خمدت في نفوسهم نيران الحماس وليس من الميسور معاودة إشعالها وبدون مناصرتهم لا يتم لكم أمر ولا يعتدل بكم حال وليس في طاقتكم أن تبلغوا شأو الانتصار ولكن في مكنتكم أن تلقوا عليهم دروساً في التضحية إذا اعتقدتم أن الدماء المسفوكة لا تنشب أن ينهض على آثارها جبل من الساخطين المنتقمين الثائرين المتمردين ينادون بالثارات ويصبون الويلات ولكن لا تجشموا على المكروه من لم تكن له نفس وثابة كنفوسكم أو همة قعساء كهمتكم أو مال كبار كآمالكم. . . . .
إن اليقين يتطلب غرضاً شاملاً يعانق الحياة ويضم بين حاشيته كل مظاهرها ويحول كل
стр. 2929
مجاريها إلى مصب واحد تنساب فيه القوات المختلفة ويستلزم عزيمة صارمة وهمة ماضية واعتقاداً راسخاً بأن ذلك الغرض ليس بالممتنع وليس من المستحيل إدراكه ويستصحب ذلك الاعتقاد بقوة سامية مرهونة الجانب مشرقة على هذا الكون ومطلة على هؤلاء المجاهدين في سبيل الوصول إلى ذلك الغرض.
إن الأفكار الكبيرة تخلق الأمم الكبيرة فلتكن حياتنا وقفاُ على فكرة كبيرة وفي ذمة غاية سامية وأفسحوا أفق أفكار الشعب ووسعوا نطاق معرفته وحرروا الضمائر من رق المادية الجاثمة على النفوس واجعلوا قبالتهم رسالة كبيرة وإن المصالح المادية عند ما يمسها الضرر تنجاب ظلمتها عن الفتن والقلاقل لكن المبادئ الكبيرة هي التي تتفجر عن الثورات الهائلة وإن اليقين ينفخ في الشعر روحاً قوية فيترجم لنا الشعر عن تلك الآمال المتراميات الجوابة في نفوسنا ويسربلها في أضوائه فيزيدها جمالاً في النفوس وإشراقاً وبهجة وإتلافاً وسيرتل الشر على مسامعنا أنغام التضحية ويسمعنا أناشيد الأحرار المقهورين ويترنم بذكر تلك الدموع التي تمحو الآثام ويصف لنا تلك الأحزان الجليلة التي تنفي النفس ويليح لنا بصور عظمة الماضي الملتفة حول مهد الزمن الحاضر وسيرقرق الشعر أنداء العرب المطوية على الأشجان وسيعلم الشعر الناشئين المترعرعين والذين لا تزال تندي على جوانبهم ظلال الشباب شريف التضحية وعظمة الثبات وفخامة الصمت وكيف لا يستكينون للشدائد إذا حفتهم منفردين الوحشة المخيفة وكيف يتقدمون برباطة جأشن فلا يتغشاهم الخوف وعن يمينهم السهام الصوارد وعن شمالهم البارقات الرواعد وكيف لا تخالج نفوسهم الشكوى والملل في السنوات الطويلة من الكمد والبرجاء والجروح الدامية الغيبة ويلقنهم اليقين بالمستقبل فلا تتراخى عزائمهم عن السعي ولا تكل هممهم عن العمل وإن كان الموت قد يستلب حياتهم قبل إقبال ذلك الزمن البسام المستنير الذي يعملون من أجله ويذيبون أنفسهم على جوانب الدهر في طلبه.
لقد أتى على الدولة الرومانية حين من الدهر كانت فيه الأزمان ملفوفة في أردية الظلماء وكانت السماء خاوية مقفرة وكانت الإنسانية تسير ضاربة في تيه الضلال وبيداء الحيرة وقد خيمت فوقها الوحشة الرهيبة وأحاطت بها المخاوف المرعبة وكانت تقف وقفة الحائر اللهف في دهش وذهول وقد اختفت إذ ذاك أمم بأجمعها من وجه الأرض وأدرجت في
стр. 2930
أكفان الفناء وتطلعت أمم أخرى غيرها رافعات الرقاب كأنها تشرئب لرؤية مصارع الأمم الزائلة وقد عم آفاق البسيطة وطار لعناً السماء صوت أجش أجوف كصوت الفناء والانحلال وقد علت الخليقة رجفة فاهتزت السموات وزلزلت الأرض وكان الإنسان إذ ذاك مكفهر الطلعة جهم المحيا يثير منظره المخاوف ويبعث على القلق ولقد كان واقفاً بين أبديتين لا يعرفهما فقد كان يجهل الماضي وصوره المطوية ولا يدري المستقبل وما تضمره له بطون الغيوب وكانت القلوب إذ ذاك فارغة من الإيمان مقوية من اليقين وكانت الجوانح قد أظلت من أنوار التقية بالله والاعتقاد بالجماعة وكان الاجتماع قد تخلخلت أركانه وامتزجت أموره وكانت هناك سلطة حاكمة واهنة متعثرة في حمأة الخطيئة ووهدة الشهوات وكان هناك مجلس أعيان يعيد في الذاكرة رسم العظمة الخالية وكان يهب الأموال ويقيم التماثيل للظلمة المستبدين وكانت هناك عصابة من الرؤساء قد اشتد بينهم حب المنافسة والمباهاة وفريق من الجواسيس ولمة من السفسطائيين والأذلاء الخاضعين وكانت المبادئ الكبيرة قد سدت عليها المطالع وأخذت المسالك وكان الناس ايأبهون لغير الماديات وكانت الوطنية الصادقة قد طار طيرها من أوكان القلوب وكان صوت بروتس مقبلاً من ناحية القبور يقول للعالم أيتها الفضيلة ما أنت إلا كلمة وكان هناك طائفة من ذوي النفوس النبيلة الصالحة والضمائر العفة النازهة وقد تماسكوا عن الدنيا إبقاء على نقاوة عقولهم وصفاء أرواحهم من العيوب الفاشية من إطراح وطنية ومن إقلاع عن فضيلة ولم كانت الأرواح قد تضاءلت استبدت الحواس بالناس فحامت نفوسهم على الشهوات وكانت هممهم لا تترامى إلى أبعد من طلب المعاش ونهمة الدنيا وكانت الفلسفة قد تحيف جانبها الشك وأصبحت أبيقورية ثم فنيت في زوابع من الرياح الكلامية وكان الشعر قد تحول إلى أهاجي ومقذعات ولقد كان الإنسان وهو يجتاز هذه المرحلة من الحياة يقف الفينة بعد الفينة قلق الخاطر غير مستقر النفس كالريشة في العاصف الماثر وكان يقف وقد توحشت ألحاظه ووجب قلبه من هول الوحدة التي تحيطه وكانت أصوات الخوف تدوي في جوف الليل الموحش على قوارع الطرق وكان بعض الأفراد وقد أثاره الخوف ينهد إلى تماثيل الآلهة العريانة الباردة التي كانت تعيد في الأيام السالفة وينظمها بالقبلات كأنما قد مسه عارض من الجنون وكانوا ينفخون في غير مكدم ويمون من اليقين الديني بناء غير مرموم وكانوا
стр. 2931
يعودون وقلوبهم طافحة باليأس وكلمات الكفر جارية على ألسنتهم - هكذا كانت تلك الأزمان كأزماننا هذه ولكن لم يكن ذلك آخر عهد الدنيا ونهاية الحياة ولكن كان آخر صفحة من صفحات التقدم والرقي وكانت تطوي لتنشر صفحة أخرى ويقبل عصر جديد قد لاحت بشائره وأقبلت بوادره ولقد كان العالم إذ ذاك يتهيأ لاستقبال السيد المسيح الروح الملأى بالحب والتقديس ولقد حنا أضلاعه على ذلك العالم ونفث فيه يقيناً هو الحب والتضحية.
أيها المجاهدون لغرض سام وشريف تدرعوا بدرع اليقين واشعروا قلوبكم عز الحق الذي أيها الداعون إلى الحق الذي لا تغَره الدنيا اليوم المجالدون في الحرب المقدسة لئن دعاكم العالم اليوم بالثار سن المتمردين فغدا هذه الدنيا الغير الوافقة بكم ولا الحافلة بأموركم غداً تدين لكم منه الرقاب المتطاولة وتخشع العيون الطامحة وتتطامن أمامكم المفارق وتنكس الأعناق وإن الشهداء هم الأولياء عندنا والقديسون والأبطال هم قساوستنا وقوادنا الروحيون وإن الأعمال الكبيرة هي توسلاتنا وصلاتنا التي نصل بها إلى عليبن ولقد حث بروما في ذات يوم من أيام القرن السادس عشر أن جماعة ديوان التفتيش انتظم سمط أعضائها ليعقدوا أمراً ينكر دوران الأرض وكانوا يزعمون أنهم يعلمون خفيات كل مكتم وأسرار كل مجهول وأنهم ستمدون واسع سلطتهم ويستقون غزير علمهم من الله وكان واقفاً أمامهم سجين يرسف في ثقيل القيود ينتظر يصبر ما تصطفق عليه آراؤهم في أمره وكانت أنوار العبقرية تضيء معالم وجهه وكان هذا الأسير قد سبق عصره وجاء قبل أوانه وكان قد استل من صدر الزمن سراً من أسرار الكون الخفية الجليلة وذلكم السجين هو جليليو - هز ذلك الشيخ رأسه الوقورة الصلعاء وقد أخذت نيران الثورة تدور في نواحي نفسه التي قد تملأت من الغضب من هذه النفوس المغلقة والإحساسات الراكدة التي تروم إرغامه على إنكار حق اجتلى نوره وانبلج لعينه صبحه ولكن الآلام التي ألمت به وما قاساه من عنت الأسر قد نقضت مرته وألانت شكيمته ولما كان يخشى ضير وعيدهم ويود لو يستدفع إذا هم كاد يلين لهم ويغلب على أمره حيالهم فرفع يديه ليقسم اليمين ولما كان يحرك يديه رفع عينيه الكليلتين للسماء التي ظالما أجال في طرفه الليالي الطويلة ليطالع في صفحتها سطراً من قوانين الكون ونواميسه فلمح أشعة الشمس التي كان لا يخالطه الريب في ثباتها وسط العوالم المتحركة فتمشى في قلبه الندم وصاح من أعماق نفسه، لكنها تدور وقد كرت على
стр. 2932
ذلك ثلاثة أجيال نهل فيها الزمان وعل من تلك المجالس فغابت آثارها ولكن الأرض لا تزال تدور وأصبح دورانها أمراً لا مساغ للشك فيه ولا نزال كلمات جليليو ترفرف فوق هام الأجيال.
فارفعي أيتها الإنسانية عينيك إلى السماء وإقرائي هناك قصة أنها تدور فلنصدع دجنة الحوادث بأنوار اليقين ولننسف بقوة العمل ما في طريقنا من الموانع والعقبات وأن المستقبل لنا.
стр. 2933
جامعة الدين
وجامعة الوطن
إن نزعة مقدسة لأنها رسالة إلى السماء إلى أهل الأرض. ولكن نزعة الوطن أقدس منها لأنها جاذبية الأرض لأهلها. ومغناطيسية التراب لمن خلقوا منه ودرجوا فوق أديمه. والنزعة الأولى إحساس داخلي عميق صادر من مكان خفي. وعوامل غامضة. ولكن النزعة الأخرى ليست إلا حاسة واضحة، ونتاج بواعث جلية ظاهرة. وتاريخ الدنيا ليس إلا تاريخ النزاع المستمر بن العاطفتين، وسجل الحرب الطاحنة بين الحاستين، وليست المدنية التي نزهى اليوم بها والحضارة الحديثة التي نشيد بذكرها، إلا وليدة الأولى، وربيبة الأخرى، على أنه كثيراً ما بنيت الثانية. وكثيراً ما هدمت الأولى. وكل دين في العالم لم ينهض إلا على أنهار من الدماء. ولم يذع إلا بعد ذبح عظيم، ونفوس تلاشت في سبيله، وأرواح ذهبت في طريقه، وقد كان الدين لا يزال في الجماعات الدينية التي لا تزال تعيش بروح القرون الماضية، يدخل في كل قطعة نم الحياة ويتغلغل أثره في كل ظاهرة نم ظواهر العيش، وكان الدين في الحياة الإنسانية الأولى السلطان الأكبر الذي يحكم الناس ويمتلك رقابهم. وينفذ أحكامه في نفوسهم وأفئدتهم. وهو الذي أثار تلك الحروب المخيفة التي ما أن تزال عنواناً على تاريخ الماضي المظلم. وآية باقية على مبادئ القرون الوسطى. إذ كان الناس يأبون إلا أن يقتتلوا ويدس الأخ أخاه في الثرى، ويبقر الجار بطن جاره على حاسة الدين التي ليست إلا العلاقة الخفية القائمة بين الفرد والكون العظيم الذي حوله. ولا شأن لها بعلاقة الفرد بالفرد والجمع بالجمع. وما كان ذلك إلا لأن الدين وإن عظم إذ ذاك سلطانه على الأرواح. كانت تغلب عليه الروح المادية. وكان أكبر مظاهرة الأنانية. إذ كان الناس يرون يومذاك في أوثانهم آلهة محسوسة فعالة نافذة السلطان. وإن حياتهم لا تسير إلا إذا جرها الدين جراً. وساقها الإيمان بالعقيدة سوقاً، وإن نشبهم لا يزيد إذا لم يجاهدوا للعقيدة التي يدينون بها. وإن شاءهم وأنعامهم لا تسمن ولا تربو إلا إذا حاربوا من أجلها. وكانوا يرون من الأنفة وقوة الجانب والعزة الكبرى أن يكرهوا الدنيا على أن تدين بدينهم. وإن لا يسمحوا بالحياة في جوارهم لما ليسوا على نحلتهم.
وبجانب تلك الحاسة العظيمة الجبارة. كانت تعيش نزعة الدفاع عن الأرض التي يعيش
стр. 2934
الجماعات الإنسانية فيها متضائلة بجانب أختها حاسة الدين، مستسلمة لأحكامها، نازلة على أمرها ونهيها، إذ كان الناس يرون يمذاك أن الأرض فسيحة فحيث القي الفرد خيامه، وضرب مضاربه، وسرح ماشيته. فله أن يميها وطناً، وينسبها له داراً، فإذا سئمها وانتقل به عنها مطلب من مطالب الحياة أو وثبة من وثبات الدين، فما هم بضائره أن يتحمل إلى مكان آخر يختاره وينزل حيث تحط به ركابه، فإذا هو عند وطن جديد، وإذا هو ناشئ في قوم آخرين، ولهذا كثير ما اقتتلت عشائر كانت تعيش في إقليم واحد، وتتجاور في صعيد مفرد، وحمل القوم على إخوانهم الذبن يشاركونهم في ملكية الأرض التي هم عليها جميعاً، وراء الخلاف الديني، ونزاع العقيدة للعقيدة، فلم يكن من ذلك إلا أن أغار عليهم من هم أقوى منهم جانباً، وكان من خلافهم أن ديثوا بالصغار وحقت عليهم المهانة وذلة الأسار.
على أنه كان الدين في العصور الماضية قد تغلب على الروح الوطنية. فما كان ذلك إلا لأن العقل الإنساني كان لا يزال ضيق الدائرة، محصور المضطرب لا يستطيع أن يتحمل التسامح الفكري، وحرية المبدأ، لأنه كان يخشى أن يكون في تقلبه ذلك الشر كله على مبادئه. وكان يشفق من أن يهدم عقيدته أو يضعف من شوكتها، أو يفقدها مكانتها إذا أجاز بجانبها عقيدة عقل غيره وارتضى أن تعيش مذاهب الناس بجانب مذهبه. وخاف أن يفقد كل شيء إذا هو فعل ذلك ثم تبين له سخف بجانب عقائد جاره ومنافسه.
ولكن العقل الإنساني الذي صير على سلطان الدين ومشى على حكمه قروناً عدة وأجيالاً، ما زال يوسع من جوانبه أن خفية أو جهاراً يفتح نوافذه المطلة على حدود الشك والتفكير المطلق الحر خلسة واستتاراً، لكي تدخل إليه نسائم الرياح النقية المتطهرة فتمسح عنه بعض أقداره حتى استطاع آخر أمره أن يعلن على رأس العالم كله أن العقل الإنساني لا حدود له ولا تخوم وأن من أكبر الجرائم أن يوحد العقل في العالم بأسرد فتعيش الدنيا كله بعقل واحد. وأنه ينبغي لهذا أن تحترم كل عقيدة. لأن في احترامها احتراماً للعقل الذي صدرت عنه. وكان في ذلك أول بواكر التسامح الفكري. وظهور حرية الأديان في العالم وإذا استتب بالتسامح في الدنيا المقام بدأت روح الدفاع عن الأرض تنمو وتزحزح روح الدفاع عن السماء. حتى جعل الناس في المدينة الحديثة يؤثرون وطنهم على الدنيا بأجمعها. وعلى الأرض والسماء معاً، وانكمشت الروح الدينية فأضحت في مكانتها الواجبة لها. وهي
стр. 2935
أن تكون العلاقة الشخصية القائمة يبن الفرج وخالقه دون أن تمس العلاقة بين الفرد وجاره. وأصبحت الأمم تقف صفاً صفاً، أمام أي خطر يحدق بأرضها غير حافلة جموعها باختلاف أحزابها في عقائدهم وتنوع مذاهبهم. وأصبح الدفاع عن الأرض ديناً للإنسانية عاماً. ومشى الدين الروحاني بجانب ذلك الدين العام المقدس ورضيه وتقبله وانبرى زعماء الأديان ورجالاتها في مواطن الخطر المحدق بأوطانهم ينضون عنهم أثواب القساوسة. وينزعون معاطف الكهنوت. ويثبون إلى محاربة أعداء بلادهم في لباس الجند. وشملة الحرب. ونحن لا نستطيع أن نحصي عدد رجال الكنيسة الذين تطوعوا في هذه الحرب الطاحنة من كل أمة من الأمم التي تناجزت فيها وأسهمت في وطيسها. على حين كانت المسيحية هي الدين الذي يؤمن به الجميع:
وإذا كان هذا هكذا. فلا عجب أن ترى مصر التي كن يظن العالم أن أقباطها ومسلميها يوم النضال عنها وفي موقف الذود عن ذمارها سيظلون أقباطاً ومسلمين ويخذل عنصر عنصراً قد انضووا تحت لواء دين واحد، هو دين الحياة والإنسانية كلها. وهو الوطن فإذا هم جميعاً صفوف منظمة تسير إلى غاية واحدة هي نشدان الحيرة أو الفناء.
الخرطوم
ع. ح
стр. 2936
باب الزراعة
زراعة القطن
حقائق ودقائق عنها
منذ سنوات كنت أبحث في غيطان القطن عن تأثير الحشرات فلفت نظري غيطان متلاصان أعرف نم قبل تماثلهما في الأحوال الزراعية ولكني وجدت أن أحدهما أزكى من الآخر زكاء بيناً.
كان ذانك الغيطان متماثلين في نوع التربة والزراعة السابقة للقطن وكان زارعاهما متساويين في العناية بهما وكانا مزروعين من صنف واحد من أصناف القطن ولكن نبات أحدهما عفى من نبات الآخر وأكثر منه وأبكر فروعاً وأزهاراً بحثت فلم أجد في وسائل تهيز الأرض وخدمة الزرع فيهما ما يعلل به هذا التفاوت الكبير بين زرعيهما واستزدت من المشاهدات في غيرهما مع المقابلة يبن بعض الغيطان وبعضها الآخر فوجدت أيضاً أنه بنما تكون الزراعة الكبيرة أنمى من غيط يجاوره ويماثله تكون الزراعة الوخرية ذات البقعة يرجع إليها في التعليل عادة بين جمهور الزراع ليست وحدها هي الفعالة في تخصيب الزرع وأنه لا بد أن يكون هناك عوامل أخرى ولذلك أخذت أستكشف باستمرار وأراقب بعين ساهرة كل ما يمكن تبينه من وسائل فلاحة القطن وكيفياتها المختلفة وملابساتها المتنوعة حتى وقفت بعد طول الملاحظة والاختبار والبحث والاستبصار إلى حقائق ودقائق جديرة بلفت نظر الزراع إليها أذكر منها الآن ما يلي:
(١) أن لصفة البذرة في ذاتها (بصرف النظر عن نوعها) تأثيراً قوياً قلما يلتفت الكافة إلى دراسة نتائجه وتقديرها حق قدرها بالدقة والعناية اللازميتن وأن عامة الزراع مهملون في اختيار البذور فلا يكادون يفرقون بين الطيب والدون أو الطيب والأطيب حاسبين أنه ما دامت البذرة تنبت فنماء نباتها وزكاؤه بعد تابع لخصبة التربة فحسب وهذا خطأ فإنه كلما كانت البذرة أزكى أصلاً وأرسخ صفات أي أصيلة ونقية (بالمعنى النباتي) كان نبتها أقوى وأمنع - أي ذا مناعة والمناعة هي القدرة على مقاومة الأدواء.
ومما يحسن التنبيه إليه لمناسبة ذكر البذرة تصحيحاً لبعض المزاعم الشائعة في القرن الزراعي خطأ ما يأتي:
стр. 2937
(ا) زعم التقاوى تكون أحسن لجهة ما إذا جلبت لها من جهة أخرى فإن هذا على ما يلوح لي بل أكاد أتأكده من الأوهام فهؤلاء زراع الخضروات المصرية كانوا ولا يزالون ينتخبون تقاويها نم ذات زراعتهم ويتداولون زراعتها وانتخابها دواليك منذ سنين عديدة ولا تزال مع ذلك حافظة لجودتها وخصائصها مع المزيد فيهما حيث يكون الانتخاب أدق والعناية بالفلاحة أتم ولعل سبب هذا الوهم أن البذرة المجلوبة تكون عادة مجلوبة من مزارع مشهورة بحسن عناية زراعها. فتكون لذلك جيدة وإذاً بالفضل لحسن التخير والانتقاء لا للجهة فإذا أحسن إنسان انتقاء بذرته نم غلة أرضه كان ذلك وافياً بالغرض.
(ب) إن البذرة المتخيرة إذا زرعت في غيط غير معتنى به وانحط نسلها فيه لذلك نسلها هذا تعود بذرته وتسترجع جودتها. الأولى إذا زرعت في غيط معتنى به كما يجب ولذلك قد تكون صفة البذرة الظاهرة أحياناً ليست دليلاً تام الدلالة عليها بدون الرجوع إلى استكناه أصلها.
(٢) إن لدرجة جفاف الأرض تأثيراً فإذا كانت الأرض حلوة ولم تجف تماماً للدرجة التي يحسن معها الحرث فإن نبتها ينشأ ضعيفاً وإذا كانت الأرض بها شيء نم الملوحة وحرثت وهي جافة جفافاً تاماً فإن نبتها ينشأ ضعيفاً أيضاً وفي الأرض الحلوة كلما كانت مدة التشميس أطول كان إخصابها للزرع أزكى وبالعكس الأرض الغير حلوة فإنها إذا شمست كثيراً تفوخر.
(٣) إن لأوقات الري سيما مدة التزهير تأثيراً شديداً سريعاً فأحسن ما يكون الرى حينئذ في الأوقات اللينة صباحاً ومساءً وليلاً أما الري في أوقات الحرارة سيما إذا كان الزرع عطشاناً عطشاً بينا فإنه يكون مفاجأة مضرة به للغاية.
وبعد فإني أذكر فيما يلي بعض الحقائق التي لا يد نم التدقيق في مراعاتها لتحسين غلة القطن نوعاً ومقداراً.
(أولاً) تدمس الأرض (تروى) قبل الحرث إذا كانت بائرة أو بعد التخطيط (قبل وضع البذرة) فإنه يلطف خصوبة الأرض الفائقة الخصوبة حتى لا يهيج قطنها ويغسل ملوحة الأرض فلا تعيق نمو نباتها ويزيل خشونة الأرض إذا كانت فلا تعاكس خروج نبتها (وإذا كانت الأرض نقية من الملوحة ومتوسطة الخصب ومحروثة جيداً فإنه لا يلزم دمسها إلا
стр. 2938
إذا كانت ستزرع قطناً رجيعاً) وإذا وجد أن الدمس سينشأ عنه تأخير زرع الأرض عن إبانه أي عن وقته المناسب فيمكن الاكتفاء بجعل رية الزرع إشباعاً.
(ثانياً) أن تكون سعة التخطيط متوسطة توسطاً يميل إلى تسعة مثلاً إذا قدرنا لأرض جعل التخطيط كل ٩ أو ١٠ خطوط في القصبتين فيرجع ال٩ أو ١١ و١٢ فيرجع ال١١ وأن تكون المسافة يبن الزرع أي بين النقرة والنقرة أو الجورة والجورة متوسطة أيضاً ولكن بميل إلى التضييق فإذا قدرنا لأرض أن تكون المسافة ٣٥ أو ٣٠ سنتيماً رجحنا المسافة الأقل والسبب في ذلك أنه مع جعل التخطيط أقرب إلى السعة - إلى حد محدود طبعاً - تصير المساطب أعلى فتجد فيها جذور النبات عمقاً أكثر (مما تجده في المساطب ذات التخطيط الضيق) مخدوماً خدمة حسنة فينشط نموها وبالتالي نمو الشجيرات وتفريعها وتزهيرها.
ثالثاً: تنقع البذرة في المساء مسافة الليلة التي ستكون الزراعة في صباحها وأحسن أن يكون الماء بقدر ما يغمر البذرة فقط بدون أن يطف عليها.
رابعاً: أن تؤخر رية المحاياة ما أمكن للزرع احتمال ذلك بحيث لا يروى إلا إذا ظهرت عليه أمارات الظمأ الشديد.
خامساً: أن يبكر بخف القطن ما أمكن التكبير.
سادساً: أن يروى القطن رياً إشباعاً متقارباً ما أمكن ذلك في الوقت ما بين نزول النقطة ومجيء الفيضان أو من أواسط يونيو إلى أوائل أغسطس.
سابعا: أن يبادر بجني القطن كلما وجد به ثلث محصول أي يجني ثلاث مرات
الألفى
آلات زراعية جديدة
بقية محاضرة الأستاذ عبد الله أفندي عبد المجيد
التي نشر قسم منها في العدد ٧ و٨ سنة سابعة
البذارة
تبذر بسرعة هائلة. وباقتصاد هائل. هـ آلة تضع فيها القمح أو البرسيم ويجرها حصان أو بغل فتسير وتدفن في الأرض البذور على أبعاد متساوية وعلى خطوط هندسية متباعدة
стр. 2939
تباعداً متساوياً فلا تبذير ولا إسراف مهندس حكيم يخط لك حديقة غناء.
لقد نشرت نقابة سنتماي الزراعية سنة ١٩١٦ في الجرائد المصرية نتيجة أبحاثي وطريقتي في بذر القمح. وبرهنت أنه لا يجب أن يوضع في الفدان أكثر من ثلاث كيلات حتى يجد النبات هواء يتخلله ومسكناً صحياً فتكبر السنبلة وتكون أقل عرضة للأمراض الفطرية الخ وأخيراً يعطي محصولاً أكبر. وقد جربت وزارة الزراعة هذه الطريقة ورأت أنها خير طريقة من الوجهة الزراعية والاقتصادية.
البذارة أيها السادة آلة رخيصة يجب أن تكون عند كل مزارع وكل نقابة أنها توفر في سنة واحدة ضعف ثمنها وتوفر الوقت والعمل والعمال.
وللسباخ بذارة مخصوصة تنثر على الأرض بميزان عادل.
* * *
العزاقة
آلة سهلة يحركها حصان فتسير بين خطوط القطن أو الذرة وتعمل في الساعة الواحدة مالا يعمله العامل في يوم. فانظروا الاقتصاد الهائل.
الوابورات البخارية التي تدار بالغاز كلكم يعرفها أو كلكم تملكون منها في دوائركم قد عرفتم نفعها الجم فلا أود أن أكلمكم عنها.
آلة ضم القمح
عربة يركبها الفلاح يجرها حصان وكلما سارت تساقط القمح بكل لطف وحزمته وتركته مجهزاً للدراس.
آلة الدراس
آلة تدرس القمح والشعير وخلافة فيتساقط الحب خيالياً من كل الوساخات وهي تكفي المالك تعب المواشي وهلاكها في الحر وتقتصد في الوقت. ومنها الرخيصة التي تسير بالمواشي ومنها ما يدار بالآلات.
الغرابيل الميكانيكية
من ذا الذي يسير حقل من القمح ولا يرى اختلاف العينات؟ تزرع قمحاً بلدياً فتراه خليطاً من الهندي والبلدي. تزرع برسيماً فتراه مزيجاً من نباتات متعددة ولم ذلك أيها السادة؟ لأننا
стр. 2940
لا نعتني بتنقية البذور.
إن هناك قانوناً طبيعياً يتصرف في الإنسان والحيوان والنبات. ذلك القانون هو أن الضعيف لا يوجد إلا ضعيفاً. الشيخ الهرم ل يوجد نسلاً قوياً كالشاب. كذلك الحبة الضعيفة لا توجد نباتاً قوياً.
لذلك وجب علي أيها السادة أن أنبهكم بكل قواي أن من الواجب ليكون عندك محاصيل جيدة أن تنتخب البذور القوية.
وما هي الطريقة؟
الغرابيل الميكانيكية. تضع القمح بكل ما فيه من وساخة؟ فيحرك رجل بسيط؟؟؟؟ فيتساقط خمسة أنواع من القمح أو البرسيم. كل عينة لوحدها. درجة أولى وثانية. وثالثة. والزلط والتراب لوحده. والزميل والحبوب الدخيلة لوحدها وبذلك يخرج عندك النوع الجيد لبذار أرضك ولبيعه بذوراً للغير بثمن عالٍ جداً. ويكون قمحك خالياً من كل أنواع الحبوب الدخيلة كالزميل وخلافه.
إننا في حاجة شديدة أيها السادة لهذه الغرابيل. وإني أود أن أجاهد بكل قواي لأقنعكم أنه من الواجب أن يكون عندكم نم الغد غرابيل منها. اقتنوها وجربوها تروا أني أخلص لكم النصح.
طالما كنت أتمنى أن أجد الفرصة السانحة فأقول بملء صوتي:
إلى الغرابيل الميكانيكية. إلى الآلات الزراعية الحديثة. لا تبخلوا على أرضكم لتجود عليكم. اخدموها تخدمكم. حافظوا على خصوبتها تحافظ على ثروتكم.
إن هذه الآلات أيها السادة لا تكلف كثيراً ولا تطلب مالاً جماً وهي ثروة باقية. أن نم هذه الآلات ما يمكن للمزارع الذي يملك عشرة فدنة أن يقتنيه. منها لبسيط الرخيص. ومنها صغير الحجم. ومنها كبير. منها ما يقدر عليه كل جيب وفي الختام أيها السادة نشكركم على تشريفكم وتشجيعكم. ولنا الأمل الأعظم أن تكونوا أكبر معضدين لنا.
وإنا ننتهز الفرصة لنبوح لكم جهاراً أننا لا نبغي من عملنا هذا حطام الحياة إنما هو واجب نؤديه فلتؤدوه معنا ولتساعدونا عليه والسلام.
стр. 2941
متفرقات
أبطال بريطانيا العظمى يموتون جوعاً
يوجد في بريطانيا ثلثمائة شخص من أبطال هذه الحرب الكبرى لا يجدون مورداً للارتزاق. وقد أصبحوا من الهلاك على رقاب قوسين أو أدنى.
ومن بين هؤلاء الثلثمائة ألف بطل ستون ألف ضابط يبحثون في بلادهم عن وظائف أية كانت - كما أن مننهم رجلاً عد من الأبطال مراراً ضاقت الآن سبل العيش في وجهه فلم يجد وسيلة سوى أن يجوب الطرقات (يضرب على مزمار) ليلفت الأنظار إليه. وآخر كان في المدفعية وجرح مرتين وحاز نيشان لشجاعته وأقدامه تجده إلا أن يعيش بالاستجداء بأن يبيع ظهور النتائج الملونة وعلب الشوكولاته الفارغة. وإذا علم القارئ أن (ملازماً) و (يوزباشياً) أصبحا يجوبان الشوارع وهم يبيعان سندويش ويعلنان للملأ جلية أمرهما، أمكنه أن يصور لنفسه مقدار البؤس والفاقة والشقاء الذي أصحبت الأبطال تقاسيه في بلادهم بريطانيا العظمى. . .
العيون والأمراض
ما رأيكم يا معشر الأطباء؟
يقولون أنه كما يقيس الحرارة الترمومتر، وحالة الجو بوساطة البارومتر كذلك يمكننا أن نعرف ما إذا كان الإنسان صحيحاً أو مريضاً من عينيه. وهذه الطريقة تسمى القزحية وقد قال عنها الدكتور أندرسون الدانيماركي أنها هي الطريقة الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها في استكشاف مكان المرض.
وأول من كشف هذه الطريقة هو رجل هنغاري. فقد حدث وهو في صغره أنه أمسك بومة قد كسرت ساقها، فلاحظ أن نقطة سوداء قد ظهرت على الحلقة الملونة التي تحيط بإنسان العين - وهي التي تسمى القزحية - وبعد مضي سنين عدة لاحظ نفس النقطة على القزحية رجل قد كسرت ساقه كذلك. . . فأدت به هذه الملاحظة إلى بحث الموضوع بشكل دقيق، فاتضح له أن كل مرض من الأمراض يحدث نقطة في مكان خاص من القزحية. . حتى إذا ما عولج المرض وزال اختفت هذه النقطة، وبقدر الشفاء كون الاختفاء حتى ليمكن الطبيب أن يعرق متى يتم شفاء المريض.
стр. 2942
* * *
قطارات تسير بالهواء
هل سيأتي يوم سيتغني فيه العالم عن البخار والفحم وقوة الماء والكهرباء في تسيير القطارات؟
أجل ربما كان ذلك، إذا نجح ذلك الشاب الإيطالي في إتمام إختراعه. فبواسطة هذا الاختراع الذي قد سجل في جميع أنحاء العالم سيصبح من الممكن تسيير القطارات بقوة الهواء المضغوط. والسبيل إلى ذلك - وإن كان لا يزال سراً من أسرار المخترع - ينحصر في استنباط طريقة جديدة لضغط الهواء بكمية هائلة في مركز من المراكز، ثم يوزع كوقود في أنابيب متينة صلبة بطول الخط الحديدي على المحطات المختلفة حتى تملأ منها خزانات القطارات عند الحاجة.
وإذا تمت هذه الطريقة فإنها ستكون أقل نفقة بكثير من أية طريقة استعملت للآن حتى الكهرباء لأنها لا تحتاج إلى إنشاء مركز الضغط ووضع الأنابيب فبارك الله في أولئك الرجال العاملين الذين يكدون أذهانهم في استنباط الطرق التي تعود بالخير العميم على العالم بأسره.
* * *
يقول العقلاء
- رب فتاة ثرية، كانت زوجة زرية
- من تردد في النجاح، أكد له الخيبة
- علم المرء بجهله، شطر كبير من العلم
- تجربة واحدة خير من ألف نصيحة
* *
أغني ممالك الأرض بالنسبة لسكانها هي لكسمبرج بألمانيا ثروة الفرد الواحد في المتوسط في أهم الممالك:
لكمبرج ٤٨٠ج - الولايات المتحدة ٤٢٠ج - بريطانيا ٣٩٠ج فرنسا ٣٠٠ج
* *
стр. 2943
ماتت امرأة في (برستد فوجدت جدران منزلها مغطاة بطوابع بوستة قديمة، فيا لها من نزعة غريبة.
* * *
الحرير من خيوط العناكب
يقولون أنه أصبح من الممكن أن يحصل الإنسان على خيط حريري يبلغ ميلين من نسيج العنكبوت المعتاد مرة أو مرتين في الأسبوع وذلك بواسطة آلة حديثة أنشئت لذلك الغرض خاصة. وقد نجحت مدغشقر نجاحاً باهراً في عمل خيوط حريرية من نسيج العنكبوت حتى لقد أصبحت تصنع منه جوارب وقفازات (جونتيات).
وينقسم جسم العنكبوت إلى قسمين أحدهما صغير، وفيه الرأس والصدر، والثاني كبير فوفيه المعدة والبطن، والفم فكان قويان ونابان حادان. وإلى جانبيه يدان حساستان بهما يقبض العنكبوت على فريسته. أما مخالب أرجله فهي أشبه شيء بأسنان المشط ولذا تمكن من أن يسير في بيته ف أي تجاه دون أن يسقط فيه.
وللعنكبوت ثمانية أعين موضوعة حول رأسه بحيث يرى من جميع الاتجاهات في وقت واحد. . . . أما آلة النسيج في هذا الحيوان فهي آخر بطنه. . . . ترى لها نوعاً من الأصابع القصيرة المدببة الأطراف، تخرج منها المادة السائلة بإرادة العنكبوت. وهذه المادة السائلة تجمد وتقوي بمجرد ملامسة الهواء.
* * *
ألوان المدن
لاحظ الطيارون وهم يحلقون في أجواء المدتن المختلفة أن لكل منها لوناً خاصاً تترآى لهم فيه. . فمثلاً نيويورك تظهر: حمراء - وواشنجطن: خضراء - وشيكاجو وسان فرانسيسكو: أبيض سنجابي - وسنت لويس: أبيض ناصع - وبستن: رمادي كالسحاب الذي يتلبد في سمائها أحياناً. أما لندن: فتظهر لون أزرق أغبر ليس رائقاً ما عدا حدائقها الواسعة فتظهر بلون أخضر مائل إلى السواد - وبرمنجهام وغيرها من البلدان الصناعية مثل شيفيلد فلونها بني قائم - وعلى العموم ترى ألوان المدن التي على الشاطئ ليست قائمة كالتي داخل المملكة.
стр. 2944
* * *
أيهما تفضل
أيهما تفضل، أعلاوة قدرها عشرون جنيهاً كل سنة، أم علاوة فدرها خمسة جنيهات كل ستة أشهر؟
بديهي أنه إذا ألقي هذا السؤال على جماعة الموظفين، فإن ٩٩ في المائة منهم لا يترددون في اختيار العلاوة الأولى - ولكن هذا الواحد من المائة هو لا شك أحست تقديراً وأكثر فوزاً وإليك البرهان:
لنفرض أن هذا الموظف سيبتدئ بمرتب قدره ١٠٠ جنيه في السنة، ولنحسب إيراده في مدة سنتين ففي الستة أشهر الأولى ٥٠ جنيهاً وفي الثانية ٥٥ جنيهاً وفي الثالثة ٦٠ والرابعة ٦٥
وعلى ذلك يكون المجموع ٢٣٠ جنيهاً
أما إذا قبل ٢٠ جنيهاً كل سنة، فإنه يأخذ ١٠٠ جنيهاً في السنة الأولى و١٢٠ في السنة الثانية، فيكون المجموع ٢٣٠ جنيهاً فقط. . . .
* * *
عجائب المخلوقات
يوجد رجل يدعى (لويس) له قلب يدق دقات موسيقية رنانة يمكن سماعها من جميع أركان غرفة واسعة. ولويس هذا هو رجل بولاندي نفي منذ سنوات في سيبريا لجريمة ارتكبها ثم حاول الفرار فأصيب بجرح واسع من جراء ذلك. والظاهر أن الحربة لما اخترقت صدره مست قلبه بكيفية خاصة استحال بعدها آلة موسيقية لا تزال للآن موضع دهشة رجال الطب واستغرابهم.
وأعجب من هذا ما سمعناه عن رجل في نيويورك يتلاعب بالجاذبية بكيفية لم يكن للعقل أن يقلبها أو يصدق خبرها لولا إقرار كثير من علماء ورياضي أوروبا وأمريكا بوجوده.
كنا نعلم أن وزن أي شيء من الأشياء ثابت لا يتغير لأنه يتعلق بجاذبية الأرض للمادة التي يتكون منها الجسم. . ولكنا نسمع أن هذا الرجل الغريب يمكنه وهو فوق الميزان أتن يجعل وزنه يتزايد كيفما شاء، فيكون ٢٠٠ و٤٠٠ و٦٠٠ وفي بعض الأحيان ٨٠٠ رطل
стр. 2945
مع أنه رجل نحيل لا يزيد عن ١٢٠ رطلاً وكذلك في استطاعته أن ينقص وزنه حتى لتخاله من حمله أنه طفل لا يتجاوز العاشرة من عمره.
وهذا الرجل نفسه لا يقدر أن يشرح السر في هذه الميزة العجيبة. وكل ما يعرفه هو أنها تزداد فيه قوة يوماً عن يوم وهو يقول لابد من أحداث تعديل في قانون الجاذبية حتى يتفق مع حالته.
* * *
معلومات صغيرة
يبلغ عدد الذين يتناولون (معاش الحرب) ٢، ٦٢١، ٣١٣ نسمة
يوجد أكثر من ٥٠٠ مدرسة للموسيقى في ألمانيا
لا يبلغ سن المائة إلا واحد من كل عشرة آلاف نسمة
نالت المرأة في غرب استراليا حق الانتخاب نمذ خمسين سنة تقريباً
في ١٩١٣ - ١٩١٤ كانت نفقة الجيش البريطاني (٢٨، ٢٢٠، ٠٠٠) جنيهاً وفي ١٩١٩ كان نفقته (٢٦٨، ٥٣٤، ٠٠٠) جنيه
تستطيع (١، ٠٠٠، ٠٠٠) مكروبة أن تقف على سن الدبوس
يبلغ عدد اليهود في أنحاء العالم ١٥، ٤٣٠، ٠٠٠ نسمة
العائلة الحاكمة في اليابان هي أقدم العائلات في العالم. فإن الحاكم الحالي هناك يقول أن به يكون قد حكم اليابان ١٢٢ حاكماً من أسرة واحدة لم تنقطع وقد وليت الحكم عام ٧٠٠ قبل الميلاد.
رؤوس صلعاء للإيجار
لقد أصبحنا في زمن لا ينتهي فيه العجب! حتى لقد أصبح الناس الآن يعالجون أبواباً والارتزاق هي النهاية والغرابة. فمن ذلك ما قرأناه عن شاب متعلم حسن البزة طيب المنبت طال عليه أمد البطالة واشتد به البؤس وضيق ذات اليد، حتى لقد اضطر أخيراً أن يقبل ما عرضته عليه شركة من أشهر شركات المسارح بباريس. . وهو أن يحلق رأسه كلها (بالموسى) ثم يكتب على جلدها اسم المسرح وعنوان الرواية وميعاد التمثيل ثم يجلس هكذا في قهوة غاصة بالقوم على سيبل الإعلان. . . فاللهم فرج هذا الكرب وارفع هذا
следующие страницы →