Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
بابان. فالأيمن منهما يفضي إلى مقصورة لا تدخلها الكونتيس أبداً. والأيسر يفي إلى دهليز في أقصاه سلم متعرج - هذا السلم يؤدي إلى غرفتي.
فبقي هرمان ينتفض كالنمر أثناء انتظاره الموعد المضروب ولما جاءت الساعة العاشرة كان واقفاً حيال قصر الكونتيس وكان الجو فظيعاً إذ كانت الريح تعصف هوجاء مجنونة والجليد يتساقط صفائح عراضاً. وضوء المصابيح متضائل والشوارع قفرة خاوية ولكن هرمان كان ملتفاً في عباءة كثيفة لا يحس ريحاً ولا جليداً.
وأخيراً ظهرت مركبة الكونتيس وأبصر هرمان خادمين سميني يحملان شخص الكونتيس المحدودب المقوس ملفوفاً في الفرو الأسود وخلفها ليزافيتا في ملاءة دافئة د زينت رأسها بباقة نضرة من الزهر ثم أغلق باب المركبة وانحدرت على الثلج اللين وأغلق باب القصر وأظلمت النوافذ.
وجعلهرمان يقبل في الطريق ويدبر ويحوم حول القصر المهجور ثم وقف تحت مصباح ونظر في ساعته فألفاها اثنتي عشرة إلا عشر دقائق. فبقي ثابتاً مكانه تحت المصباح ينظر في الساعة بفارغ الصبر انقضاء الدقائق الباقية.
فلما كانت الساعة الثانية عشرة بالضبط صعد هرمان سدة الباب ودخل الساحة المشرقة بالمصابيح الوهاجة فلم يجد للبواب أثراً فأسرع هرمان مصعداً في السلم وفتح باب الردهة فألفى بها خادماً نائماً في كرسييه إلى جنب مصباح فاجتازه هرمان بقدم خفيفة ثابتة.
وكانت غرفة الجلوس في ظلام إلا شعاعاً ضئيلاً كان يتسرب إليهما من مصباح الردهة.
بلغ هرمان مرقد الكونتيسة فألفى في إحدى زواياه مزاراً مملوءاً بدمى وتماثيل للقديسين والقديسات وأرائك عليها الوسائد والحشايا اللدنة الناعمة وهي منضودة في نظام محكم قد نصلت أصباغها لطول القدم ولاحت عليها معاني الوحشة والكآبة وكانت الجدران مغشاة بأثواب من حرير الصين. وعلى أحد جانبي الحجرة كان يتدلى صورتان رسمتهما في باريز المصورة الشهيرة ليبران. إحداهما صورة رجل بادن ضخم أشقر اللون يناهز الأربعين في حلة عسكرية خضراء ناضرة على صدره نجمة.
الثانية صورة امرأة صغيرة ذات أنف أشم يزين جبينها طرة مصفوفة ويحلى شعرها وردة حمراء. وفي أركانالحجرة وزواياها تماثيل رعاة من الصيني وساعات موائد من عمل
стр. 2872
الصانع المشهور ليفتروي وصناديق حلي ومراوح غير ذلك من اصناف اللعب والطرف والزخارف مما كان يألفه النساء في أواخر القرن السالف يوم جن الناس ولوعاً ببلونات (مونتجولفيير) ومغناطيسية مسمر فوقف هرمان خلف الحاجز فألفى لدى ظهره سريراً منالحديد وعلى يمينه الباب المفضي إلى المقصورة. وعلى يساره الباب المؤدي إلى الدهليز ففتح الثاني فأبصر السلم المتعرج المنتهي إلى حجرة الوصيفة المسكينة. . ولكنه كر راجعاً فدخل المقصورة المظلمة.
مر الوقت بطيئاً وكان السكون سائداً ودقت الساعة واحدة فرن صداها في أرجاء الحجرة ثم عادا السكون ولبث واقفاً مرتكزاً على رف الموقد الخامد. وكان رابط الجأش يدق قلبه دقات منتظمة مطردة دأب الرجل الذي يكون قد عزم على أمر هائل خطر ولكنه محتوم لا مرد عنه ولا مناص منه. ثم دقت الساعة نصفاً بعد الواحدة ثم اثنتين بعد منتصف الليل. فبلغ أذنيه من أقصى مسافة دقدقة الحوافر وجلجلة العجلات من مركبة الكونتيس العائدة وهنا اعترته هزة شديدة ورجفة عنيفة. وتقدمت المركبة ثم وقف فسمع صوت سلم المركبة وهو يدلى، وإذا بالخدام والوصائف وسائر أهل القصر كلهم في هرج ومرج. فكان الخدام يتسارعون ويتسابقون في كل مكان. وقد امتلأ فراغ القصر جلبة ولجباً وأشعلت الغرف وتألقت أنوارها. ودخل مرقد الكونتيس ثلاثة وصائف عجائز وعلى أثرهن الكونتيس ذاتها وقد نهكها التعب وأعياها النصب فتهالكت على كرسي من طراز فولتير.
وقد أشرفت على الهلاك وكأن إحدى قدميها في القصر والأخرى في القبر فهي أحق أن تسمى ميتة من أن تعد مع الأحياء فنظر هرمان خلال شق في الحاجز وإذا بليزافيتا تمر به كثب وإذا به يسمع وقع قدميها السريعتين أثناء صعودها السلم الحلزوني.
فأحس لحظة من الوقت بما يشبه وخز المضير ولذعة الندم ولكنه كان إحساساً طياراً كلمحة البرق ثم عاد قلبه إلى سيرته الأولى من التحجر.
أخذت الكونتيس تخلع ثيابها أمام مرآتها فنضت قبعتها المكللة بالأزهار ثم نزعت قنزعتها المذرور عليها المسحوق عن شعرها الأشيب المجزور وتساقطت حولها المداري ودبابيس العشر كالأمطار الغزيرة وسقطت حلتها الحريرية المزركشة الصفراء على قدميها الوارمتين.
стр. 2873
وكان هرمان يطلع على هذه الخفايا المنكرة والخبايا الممقوتة من أسرار (تواليت) الكونتيس.
وأخيراً بدت العجوز في (طرطور) النوم وجلبابه - فكانت في هذا الزي الذي هو أشبه بسنها وأليق بشخصها أقل قبحاً وأخف بشاعة منها في الحلة الفاخرة والحلي الباهرة.
كانت الكونتيس كسائر العجائز مصابة بالأرق. فلما نضت ثيابها جلست على النافذة على كرسي من طراز فولتير وصرفت الوصائف ثم أخرجت الشموع وتركت الحجرة وليس بها من وسائل الإضاءة إلا قنديل واحد كما كانت قبل فلبثت الكونتيس جالسة بمكانها مصفرة الوجه والبشرة كأنما غمست في كركم تحرك شفتيها المسترخيتين وتترجح يمنة ويسرة.
وكانت عيناها الثقيلتان الكليلتان البليدتان تنم عم عزوب العقل والتدله، ويخيل إلى الناظر أن حركة اهتزاز جثتها ليست حركة اختيارية منها ولكنها ناشئة عن فعل آلة كهربائية مخبوءة في جوفها.
ولكن وجهها الميت تنكر بغتة وتبدل هيئة مدهشة فوقفت حركة ارتعاش الشفتين وفاضت الحياة في العينين، ماذا جرى؟ إن أمام الكونتيس يقف رجل غريب مجهول.
وقال بصوت خفيض واضح: لا تخافي! سألتك بالله لا تخافي! ما كنت أنالك بأدنى مضرة ولا نويت لك قط شراً. إنما جئت لأسألك حاجة.
فنظرت العجوز في صمت كأنما لم تع ما قال. وظن هرمان أن بها صمماً فأدنى فاه من أذنها وأعاد ما قاله أولاً فاستمرت العجوز على سكوتها.
وقال هرمان: إن في يديك ترفيه عيشي وإسعاد حياتي ثم لا نفقة ولا مؤونة عليك في ذلك، وإني لأعرف أنك تستطيعين تسمية ثلاث ورقات من ورق اللعب. . .
وهنا سكت هرمان إذ بدا له أن الكونتيس بدأت تفهم كلامه، وكأنها تعالج نفسها على تهيئة جواب لكلامه.
فقالت بعد الجهد الطويل: لم يكن ذلك إلا أمزوحة ودعابة. وإني أؤكد لك أنها لم تكن سوى أمزوحة.
فأجا بهرمان مغضباً: لا مزاح في الأمر اذكري تشايلنسكي الذي فرجت كربته ونفست غمته وأعنته على استرداد خسائره.
стр. 2874
فاشتد قلق الكونتيس وحيرتها وبدا في أسارير وجهها آيات الغم والكرب ثم تماسكت واستعادت ثباتها ورزانتها.
وقال هرمان: ألا تستطيعين تسمية هذه الورقات الثلاث؟
فاستمرت العجوز في سكوتها وقال هرمان:
لمن تدخرين هذا السر؟ لأحفادك؟
إنهم ليسو بحاجة إذ هم أغنياء من دونه ثم هم لا يعرفون للمال قيمة فورقاتك لا فائدة فيها ولا ثمرة للمبدد المبذر لأن الرجل الذي لا يستطيع صيانة تراث أبيه يعجز عن صون ما عداه من مال طريف ومتاع مستحدث ومثل هذا لا يموت إلا فقيراً ولو كان رهن إشارته وطوع بنانه جن سليمان يأتونه ما يشاء ويبغي ولكني لست من تلك الفئة وذلك القبيل إذ كنت أعرف قيمة المال فأوراقك الثلاث لن تذهب على سدى ولن تطيح معي جباراً فدعك من هذا الكتمان وبوحي لي بأسمائها.
ثم سكت ولبث ينتظر رجع جوابها مرتجف الأوصال من سدة انفعاله وتمادت الكونتيس في سكوتها فخر هرمان راكعاً تحت قدميها.
وقال: إذا كان شعاع الحب قد أشرق قط على ساحة قلبك.
وإذا كنت تذكرين حلاوة ذلك الشعور وطربه ولذته. .
إذا كنت جربت شعور الأم نحو طفلها الرضيع وأطرب أذنيك نغمة وليدك وهو يضحك ويغرد - إذا كان قلبك قد عرف قط أي شعور إنساني ودب إليه أدنى إحساس آدمي - فإني أستحلفك بعواطف الزوجة والوالدة والعاشقة - أعني بك ما هو مقدس في الحياة أن لا تردي دعائي ولا ترفضي طلبي بوحي لي بسرك أي فائدة لك فيه.
ومن المحتمل أن يكون هذا السر متصلاً بإثم عظيم أو جرم جسيم - بمحالفة الأبالسة ومعاملة الشياطين مما يستوجب الحرمان الأبدي من رحمة الرحمن ويستجلب لعنة الله إلى يوم الدين.
وأنت عجوز هرمة قد أكل عليك الدهر وشرب وأيامك في هذه الحياة معدودة ولعلك هامة اليوم أو غد فتدبري حالك وانظري في عاقبتك ومآلك واطرحي على كاهلي هذا السر وما يتصل به من إثم وجريمة - فإن حامله عنك ومريحك من شره وأذاه. أفشي إلي سرك
стр. 2875
واذكري أن في يدك سعادة إنسان وشقاءه ونعيمه وبلاءه.
وإني أنا وأولاد ي وأحفادي من بعد سنثني عليك ما حييت ونستمطر ضريحك سحائب الرحمة والرضوان بعد مماتك ونصلي لروحك كما يصلى لأرواح الأبرار والقديسين. كل ذلك والكونتيس صامتة لا تنبس بكلمة.
فثار هرمان لقدميه.
وصاح وهو يحرق نابه على العجوز غيظاً وحقداً: تباً لك وسحقاً أيتها العجوز الشوهاء سأرغمك على الكلام إرغاماً، ثم سحب مسدساً من جيبه.
فعند رؤية المسدس بدت علائم القلق والاضطراب على وجه الكونتيس للمرة الثانية، فهزت رأسها ورفعت يديها كأنما تحاول اتقاء الطلق. .
ثم استلقت على ظهرها وبقيت مسلوبة الحركة.
فصاح هرمان وقبض على يدها: أجيبي ودعك من هذه السخافة الصبيانية إني أسألك لآخر مرة فأجيبي: أتسمين لي الورقات الثلاث.
فلم تحر الكونتيس جواباً. فتأمل هرمان وجهها فإذا هي ميتة.
الفصل الرابع
كانت ليزافيتا إيفانوفنا جالسة في غرفتها لم تنزع بعد حلة المرقص منغمسة في لجة من الأفكار والخواطر. وكانت لدى وصولها القصر صرفت خادمتها التي تقدمت نحوها متثاقلة مكرهة لتعينها على نضو ثيابها فأخبرتها أنها ليست بحاجة إليها وأنها ستنضو ثيابها بنفسها.
ثم صعدت إلى حجرة خفاقة الأحشاء وهي تتوقع أن تجد هرمان هنالك وتود من أعماق قلبها أن لا تجده فلما ولجت باب الغرفة علمت لأول وهلة أنه غير موجود فأثنت على الأقدار وحمدت حسن حظها الذي حال بين هرمان وبين المجيء في الموعد المضروب.
ثم جلست دون أن تنزع ثيابها وأخذت تعيد كرة الفكر على تلك الحوادث التي ساقتها في ذلك الوقت القصير إلى هذه النقطة الخطيرة وكيف ولم يكن قد مر ثلاثة أسابيع منذ لمحت الفتى الضابط لأول مرة من النافذة وهي مع ذلك قد أصبحت تراسله وتمكن هو من حملها على أن تضرب له موعد لقاء في جوف الظلام!
стр. 2876
ولم تكن تعرف اسمه إلا من توقيعه على بعض رسائله. ولم تكن جاذبيته الحديث قط ولا سمعت صوته ولا سمعت به إلا تلك الليلة. ولكن من العجيب أن تومسكي تلك الليلة أمل به ما ساءه وكدره من عشيقته البرنسيس بولين ن في المرقص وأراد أن يقتص منها فعمد إلى ليزافيتا فاختارها شريكة له في الرقص فطوى هزيعاً من الليل يركض بها في حلبة الراقصين وسط الملعب.
وما زال طول المدة يهيجها ويستثيرها بالتلميح إلى ميلها للضباط المهندسين وأكد لها أنه أعرف منها بأخلاق هذه الفئة واتفق أن بعض الأمازيح والنكات الصادرة منه في هذا الصدد أصابت المرمى فأوجست الفتاة خيفة أن يكون سرها قد ظهر.
فسألته مبتسمة: من أنبأك بكل هذا؟
فأجاب تومسكي: من صديق امرئ تعرفينه حق المعرفة، من رجل عظيم الكفاءات والمواهب.
ومن هو هذا الرجل العظيم المواهب والكفاءات؟
اسمه هرمان.
فلم تجب ليزافيتا ولكن يديها وقدميها فقدت الإحساس والشعور.
واستمر تومسكي فقال:
إن هرمان هذا لذو شخصية نادرة غريبة لامتيازها بالولوع بركوب الأهوال والأخطار. وإن له سحنة كسحنة نابليون وروحاً كروح إبليس واعتقادي أن في عنقه ثلاث جرائم. . ما أشد اصفرار وجهك!.
أشعر بصداع. . ولكن خبرني ماذا قال لك هرمان هذا!.
قال لي هرمان أنه ساخط على خط صديقه وأنه لو كان في مكانه لسلك سلكاً آخر. . وإني لأحسب أن هرمان نفسه له فيك مآرب ومطامع أو على الأقل أراه يصغي أشد الإصغاء إلى كل ما يقوله عنك صديقه.
وأين أبصرني؟
لعله في الكنيسة أو في طابور. الله وحده يعلم. أو لعله في غرفتك وأنت نائمة. . إن هرمان هذا لا يبعد عليه. . .
стр. 2877
وهنا أقبل عليه ثلاث سيدات إحداهن البرنسيس بولين ذاتها فقطع تومسكي حديثه. ثم جرى بين الحبيبين عتاب انتهى بالصلح والوئام. ثم أوصلها إلى مجلسها من الحفلة وعاد هو إلى مجلسه. وقد انمحى من ذاكرته ليزافيتا وهرمان وكل ما يتعلق بهما. وأرادت ليزافيتا أن تستأنف مع تومسكي الحديث المبتور ولكن الرقص انتهى وآذن عقد الحفلة بانتثار ونهضت الكونتيس للخروج.
كانت لكمات تومسكي ليست أقل ولا أكثر من تافه الحديث الذي يتخلل حركات الرقص ولكنها رسبت في أعماق نفس الفتاة العاشقة. وكانت الصورة التي صور فيها تومسكي خلق هرمان وخلقه تنطبق على ما كانت الفتاة قد صورته بريشة الوهم والخيال على صحيفة ذهنها وقد أعانها ما قرأته من روايات ذلك العصر على أن تعير وجه معشوقها من المزايا والصفات ما هو جدير أن يروعها ويسحر لبها.
ففي تلك اللحظة كانت الفتاة جالسة في حجرتها وذراعاها الحاسرتان مضمومتان على صدرها وراسها الذي لا يزال مزداناً بالأزهار منكس على صدرها العاري وترئبها المصقولة فإنها لكذلك إذ فتح الباب ودخل هرمان فعرتها هزة.
وسألته بصوت خاف: أين كنت؟
فأجاب هرمان: في مرقد الكونتيس لقد غادرتها اللحظة أن الكونتيس قد ماتت.
يا الله! ماذا تقول؟
قال هرمان: وأخشى أن أكون أنا السبب في موتها.
فنظرت إليه ليزافيتا وإذا بكلمات تومسكي قد ثار لها صدى في روح الفتاة: إن في عنقه ثلاث جرائم!
وجلس هرمان لدى النافذة على كثب منها فقص عليها ما جرى.
وأصغت له الفتاة وفرائضها من الفزع ترتعد. وكذلك ظهر لها أن جميع تلك الرسائل الغرامية والرغبة الشديدة والحرص والطلاب والمطاردة لم تكن منبعثة عن عاطفة الحب!
ولكن المال هو جل بغيته ومرغوبه وما تصبو إليه نفسه ويحن إليه قلبه! وإنها لم تكن سوى آلة عمياء في يد لص، في يد قاتل سيدتها وولية نعمتها!
فذرفت دموع الندم حارة مرة. وجعل هرمان ينظر إليها صامتاً وقلبه ايضاً نهب الوساوس
стр. 2878
الأليمة.
ولكن دموع الفتاة المسكينة وفتنة جمالها التي زادها الحزن روعة وسحراً لم تكن لترقق من غلظة كبده مثقال ذرة وكذلك لم يشعر بأدنى وخزة ضمير على ما جنى من قتل العجوز. وإنما ساءه وأحزنه شيء واحد، ضياع ذلك السر الذي كان يرجو من ورائه ثروة هائلة.
وقالت أخير: إنك لوحش ضار. .
فأجاب هرمان: ما اردت قتلها ودليل ذلك أن مسدسي كان خالياً من الرصاص.
بقي الاثنين صامتين.
وبدأ الفجر ينبثق فأطفأت ليزافيتا شمعتها وضاءت الحجرة بضوء الفجر الضئيل الأصفر فأرقأت عبرتها وغيضت دمعتها ورفعت بصرها نحو هرمان وكان جالساً قرب النافذة مضموم الذراعين على صدره وعلى جبينه أشنع عبسات الغيظ والحنق. فكان في هذه الهيئة أشبه الناس طراً بصورة نابليون الأول وأحست الفتاة لهذا الشبه الغريب نوعاً من الدهشة.
ثم قالت أحيراً: كيف السبيل إلى إخراجك من القصر؟ لقد فكرت في إنزالك من السلم السري ولكن ذلك يقتضي المرور خلال حجرة الكونتيس وإني لأخاف أن أدخلها.
فقال: خبريني كيف أهتدي إلى السلم السري أذهب بمفردي.
فقامت ليزافيتا وتناولت من درجها مفتاحاً فأعطته لهرمان ووصفت له طريق الخروج. فضغط هرمان على يدها الباردة المسلوبة القوى ثم قبل رأسها المنكس وخرج من الغرفة.
فانحدر في السلم المتعرج ودخل حجرة الكونتيس مرة أخرى فأبصر العجوز الميتة جالسة مكانها كما لو كانت متحجرة وقد ارتسم على وجهها آيات السكينة التامة والطمأنينة المطلقة.
فوقف هرمان أمامها وأدمن إليها النظر في جد واهتمام كأنما يحاول إقناع نفسه بحقيقة الحادث الجلل.
وأخيراً دخل المقصورة والتمس الباب ثم أخذ يهبط في السلم المظلم وقلبه مفعم بإحساس غريب لا عهد له بمثله.
ثم قال في نفسه: يالله يا لسخرية القضاء! أكبر ظني أن في هذا السلم بعينه ومن هذه
стр. 2879
الحجرة بعينها وفي هذه الساعة بعينها كان يرى منذ ستين عاماً شاباً عاشقاً ينساب انسياب الأرقم في خفية وتستر بعد انصرافه من الخلوة بحبيبته يضم إلى صدره قبعته المثلثة الزوايا وهو الآن أعظُم بالية في قبره لم يبرح نهب الفناء والبلى الأعوام الطويلة ولكن قلب معشوقته الهرمة لم تقف نبضاته إلا الآن.
ووجد هرمان في أسفل السلم باباً ففتحه بمفتاح ثم سلك دهليزاً أفضى به إلى الشارع.
الفصل الخامس
بعد مضي ثلاثة أيام من الليلة المنحوسة توجه هرمان الساعة التاسعة صباحاً إلى دير حيث احتفل بجنازة الكونتيس العجوز. فبالرغم من تحجر شعوره وموت عواطفه لم يتمالك أن أحسن شيئاً من وخزات المضير إذ ناجته نفسه أنت قاتل العجوز. . وبالرغم من قلة إيمانه وضعف عقيدته فقد كان شديد التأثر بالخرافات والخزعبلات فقام في عقيدته أن الكونتيس الميتة قد تنحس حظه وتشقي جده وتؤثر في حياته أسوأ الأثر. فعزم على أن يشهد جنازتها ليستميح عفوها وغفرانها.
كانت الكنيسة غاصة بالخلق فبعد جهد جهيد استطاع هرمان أن يشق طريقه وسط الزحام وكان النعش موضوعاً على دكة فاخرة تحت سرادق من القطيفة. وفي جوفه الكونتيسة ممتدة مضمومة اليدين إلى صدرها على رأسها قبعة من مهلهل النسيج وعليها ثوب من الحرير الأبيض وحول الدكة أهل القصر وأعضاء الأسربة فالخدام في القفاطين السوداء وعلى أكتافهم شعار نسب الأسرة وفي أيديهم الشموع والأقارب والأولاد والأحفاد وأولاد الأحفاد كلهم في ملابس الحداد.
لم تذرف على نعش العجوز عبرة ولم ترسل عل رفاتها زفرة فالكل مثلوج الصدر يبس المدامع بارد الأنفاس ولو سالت الدموع لعدت ضرباً من التصنع الكاذب والنفاق الممقوت.
فلقد كانت الكونتيس قد بلغت من الهرم ما أصبح الموت بعده أمراً متوقعاً وشيئاً مألوفاً لا يحدث روعة ولا هشة. وكان أهلها قد أخرجوها منذ حين طويل من عداد الأحياء وشطبوا اسمها من قائمة أهل الدنيا.
ثم صعد المنبر خطيب مصقع ذائع الصيت فألقى خطبة الجنازة فوصف في أبين عبارة وأرقها وأسهلها انتقال الأبرار من عالم الفناء إلى عالم البقاء. ونعت عيشة الكونتيس البارة
стр. 2880
الصالحة بمنتهى الورع والتبتل.
فقال: طوبى لك أيتها التقية النقية. لقد نزل بك ملك الموت فالفاك في هجود وسجود وخشوع وركوع. تنتطرين وفدة عروس الظلام ورسول الحمام.
لقد فجعت منك الليالي نفوسها ... بصوامة الآصال محيية العتم
تمت الخطبة وسط السكوت التام، ثم تقدم الأهل والأقارب ليحيوا الجثة تحية الوداع وجاء من بعدهم زمرة الزائرين ليؤدوا شعائر الولاء الأخيرة لمن قضت السنين العديدة تشاطرهم باطل اللذات والملاهي.
وتقدم بعد هؤلاء خدام القصر وفي أخرياتهم عجوز من سن الميتة يدعمها فتاتان صغيرتان ولم تكن تستطيع الانحناء إلى الأرض فسكبت دمعة على رفات مولاتها ولثمت يدها الباردة.
وعزم هرمان على التقدم إلى النعش فدنا منه ثم ركع على الحجارة القارة وبقي كذلك بضع دقائق ثم نهض واقفاً وبه من اصفرار الوجه وشحوبه مثل ما بالميتة. ثم ارتقى سلم الدكة وحنا فوق الجثة. وإذ ذاك خيل إليه أن الميتة رشقته بنظرة تهكم وسخرية وغمزت إليه بإحدى مقلتيها. فانقبض متراجعاً وزلت قدمه فهوى إلى الأرض فأسرع غليه أناس فأنهضوه.
وفي عين اللحظة حملت ليزافيتا إيفانوفنا مغشياً عليها إلى باب الكنيسة وقد كان من هذا الحادث ما شوش سكينة المشهد الجليل وزعزع وقاره بضع دقائق فتهامس الجمع ومال أحد أمناء القصر على رجل إنكليزي واقف إلى جانبه فقال له في أذنه:
إن هذا الضابط هو ولد غير شرعي للكونتيس فأجابه الإنكليزي بجمود وبرودة أوه!
أحس هرمان طول ذلك اليوم بانفعال نفساني شديد فأوى إلى مطعم في ناحية منعزلة من المدينة ليتغذى وهنالك أكثر من شرب الخمرة على خلاف عادته ليسكن نافر جأشه واضطراب وجدانه ولكن الخمرة ضاعفت هياج نفسه وثورة خاطره. فلما عاد إلى غرفته فانطرح على إحدى أرائكها دون أن ينزع ثيابه فاستغرق في النوم.
فلما انتبه من رقدته كان الليل قد جن وضوء القمر مستفيضاً في أرجاء غرفته فنظر في ساعته فإذا هي ثلاث ونصف فجلس في فراشه وأخذ يتذكر جنازة الكونتيس.
стр. 2881
في هذه اللحظة أطل عليه من نافذته شخص ثم مضى في سبيله. فلم يكترث هرمان لهذا الحادث.
وبعد بضع دقائق سمع باب ردهته ينفتح فظن هرمان أن خادمه قد عاد سكران من بعض معاركه الليلية ولكن لم يلبث أن سمع خطوات غير مألوفة في أذنه. وكأن أحد يتمشى في خفين على أرض الردهة في لين وخفة.
ثم انفتح الباب ودخلت عليه امرأة في ثوب أبيض، فحسبها هرمان مربيته العجوز وتعجب ماذا أقدمها عليه في مثل هذه الساعة من الليل. ولكن المرأة ذات الثوب الأبيض دلفت نحوه بسرعة ثم مثلت أمامه - فإذا الكونتيس!
وقالت بصوت ثابت متين:
لقد جئتك على غير رغبة مني. ولكني أمرت أن أجيب سؤالك. ستربح إذا لعبت الثلاث الورقات الآتية على التوالي وهي ثلاثة سبعة فنط ولكن على الشرائط التالية:
أن لا نلعب أكثر من ورقة واحدة في طظف أربع وعشرين ياعة وأن لا تعيد الكرة ما حييت وإني أغفر لك جريمة قتلي بشرط أن تتزوج وصيفتي ليزافيتا إيفانوفنا.
ثم تولت عنه فهرولت نحو الباب وأملست. وسمع هرمان باب البيت يفتح ثم يغلق وأبصر للمرىة الثانية شخصاً يطل عليه من النافذة.
فبقي هرمان كالمغشي عليه ساعة من الزمن ما به سبيل إلى الإفاقة من تلك الغمرة وأخيراً قام فدخل الحجرة المجاورة فأبصر خادماً طريحاً على الأرض يغط في نومه فأيقظه بعد جهد. فألفاه نشواناً كدأبه فاستفسره عما جرى فلم يستطع أن يمده من المعلومات والبيانات بأدنى شيء وألفى هرمان باب البيت مغلقاً. فانكفأ هرمان إلى حجرته فأشعل شمعة ودون كل تفاصيل رؤياه.
الفصل السادس
لا يمكن اجتماع فكرتين في حيز واحد من العالم الذهني إلا إذا أمكن اجتماع جسمين في حيز واحد من العالم المادي وبناء على هذه النظرية أصبحت فكرة ثلاثة، سبعة، فنط تدور في رأس الفتى وتطفو في دماغه وترسب وتتردد على شفتيه وتتكرر.
فإذا أبصر فتاة قال في نفسه: ما أنحف قوام هذه الفتاة وما أشبهها بمنظر (الثلاثة القلبية)
стр. 2882
وإذا سأله أحد الناس كم الساعة؟ أجاب: سبعة إلا ثلاثة. وكلما أبصر رجلاً سميناً أذكره بالفنط. وكذلك أصبحت فكرة ثلاثة، سبعة، فنط شغله الشاغل في اليقظة وحلمه في الكرى.
وكان منظرها يتشكل لعين خياله الملتهب في شكل وصورة. فكانت الثلاثة تبدو كأنها الزهر الناضر الجميل وكانت السبعة تتراءى كأنها أبواب القصور القديمة الغوطية الطراز. والأفناط تلوح كأنها العناكب الجسيمة الهائلة.
وكانت نفسه متعلقة من الدنيا بأمنية واحدة، وهي اجتناؤه أعظم الثمرات من ذلك السر الخطير الذي اشتراه بأغلى الأثمان ففكر في الذهاب إلى باريز لالتماس الثراء في أحد مقامرها الجمة.
ولكن عرض له من محاسن الصدف ما أغناه عن تجشم ذلك السفر البعيد!
وقبل أن يهيء الجواب على ذلك تدبر الفتاة أكرة الباب فتفتحه ثم تخرج.
وكان في موسكو جمعية مؤلفة من أغنياء المقامرين يرأسها شيكالنسكي المشهور الذي قضى عمره على مائدة الميسر وجمع الملايين يأخذ أرباحه أوراقاً مالية ويدفع خسائره ذهباً منقوداً وكان لطول تجربته وفرط حنكته قد أحرز ثقة زملائه كما أن داره المفتوحة وطاهيه الحاذق وحسن آدابه ورقة شمائله أنالته إجلال الجمهور واحترامه.
هذا الرجل الشهير قدم إلى سانت بطرسبرج فتهافت عليه شباب المدينة وفتيتها واستبدلوا مائدة القمار بمحافل الرقص وآثروا لذاذات الميسر على حلاوات المغازلة والمداعبة. ففي ذات ليلة سار ناروموف بالفتى هرمان إلى دار شيكالنسكي.
فمرا خلال حلقة من الغرف الزاهية الزاهرة الغاصة بالخدم وكانت الدار مزدحمة فمن بين قواد ومستشارين يلعبون (الوست) وفتية وشبان يتكئون على الأرائك يرشفون المرطبان أو يلهو بالمتابغ.
وكان رب الدار جالساً على مائدة مستطيلة في غرفة الاستقبال حولها نحو عشرين من اللاعبين. وكان يناهز الستين نبيل الطلعة له سمت وأبهة وعليه جلال وهيبة وقد جلله الشيب بالوقار. وقد اشرب وجهه حمرة وأشرقت له نظرة تنطق عن دماثة الطبع ولين العريكة وكانت لا تزال تبرق بعينه ابتسامة البشر والطلاقة فقدم ناروموف إليه هرمان وعرف أحدهما بالآخر.
стр. 2883
فصافح شيكالنسكي هرمان وسأله أن يرفع الكلفة فلا يبقى واقفاً ثم استمر في اللعب.
واستمر اللعب برهة وكان على المائدة نيف وثلاثون ورقة. وكان شيكالنسكي بعد كل رمية يعطي اللاعبين مهلة يرتبون فيها أوراقهم ويدون خسائرهم ثم يصغي إلى مطالبهم في أحسن أدب وأحسن من ذلك أدبه وتلطفه في معالجته إقامة المعوج ونشر المطوي من أطراف الأوراق التي كان بعض اللاعبين يطوي أطرافها من غير عمد ولا سوء نية. وأخير تم الدور وشرع شيكالنسكي يفنط الورق استعداداً لدور آخر.
قال هرمان: أتسمح لي أن آخذ ورقة؟ ومد يده من وراء رجل ضخم كان يشترك في اللعب.
فابتسم شيكالنسكي وانحنى في صمت دلالة على الرضا. فهنأ ناروموف هرمان على نقضه ذلك المبدأ الذي التزمه طول عمره أعني اجتناب اللعب وتمنى له الفوز والظفر.
قال هرمان: أريد الاشتراك، وكتب أرقاماً بالطباشير على ظهر ورقته.
فقال صاحب البنك (هوشيكالنسكي) وحدد بصره: على أي مبلغ يا سيدي؟ معذرة إن في بصري شيء من القصر.
فأجاب هرمان: على سبعة وأربعين ألف روبيل.
فعند سماع هذه الكلمات التفت كل من بالغرفة بغتة واتجهت الأبصار كافة نحو هرمان.
وقال ناروموف في نفسه: لقد خولط الفتى في عقله!.
وقال شيكالنسكي بابتسامته المعهودة: إن هذا مبلغ باهظ لم يحدث قط أن أحداً من لاعبي هذه المائدة جازف بأكثر من مائتين وخمسة وسبعين روبيل على دفعة واحدة.
فأجاب هرمان: لا بأس بما تقول. ولكن خبرني أتقبل ورقتي أم ترفض؟
فانحنى شيكالنسكي قبولاً.
وقال: كلا ما أقوله هو أني مع مزيد ثقتي بكلام أصدقائي لا أستطيع أن ألعب إلا على المال الحاضر المنقود. أما من جهتي فإني أعلم أن كلمتك كافية ولكني محافظة على نظام اللعب وتسهيلاً للحساب أطلب إليك أن تضع المبلغ فوق ورقتك.
فاستخرج هرمان من جيبه بنكنوتاً فأسلمها إلى شيكالنسكي فنظر فيها الرجل نظرة خفيفة عجلى ثم وضعها على ورقة هرمان.
стр. 2884
ثم شرع يلقي الورق. فبدا على اليمين ورقة تسمى وعلى اليسار ورقة ثلاثة.
فقال هرمان وأبدى ورقته: لقد كسبت! فتهامس الحضور عجباً ودهشة وعبس شيكالنسكي ولكن الابتسامة الدائمة لم تلبث أن عادت إلى وجهه.
ثم قال لهرمان: أتريد أن أنقدك المبلغ الآن.
فأجاب هرمان: إذا شئت.
فاستخرج شيكالنسكي من جيبه عدداً من أوراق البنكنوت فدفعه إليه على الفور فتناولها هرمان وترك المائدة. فبقي ناروموف ذاهلاً دهشاً وشرب هرمان زجاجة من عصير الليمون وانطلق إلى منزله.
وفي مساء اليوم التالي سار هرمان إلى دار شيكالنسكي فوجده يوزع الورق فأفسح المقامرون لهرمان مجلساً بينهم وحياه رب الدار بانحنائة المستبشر بقدومه.
فاشترك هرمان في الدور التالي فتناول ورقة ووضع فوقها رأس ماله أعني السبعة والأربعين ألف الروبيل مشفوعاً بما ربحه الليلة السالفة.
وشرع شيكالنسكي يلقي الورق فبدا على اليمين ولد وعلى اليسار سبعة.
فأظهر هرمان سبعته.
فضج القوم أجمعون وعلا هتافاهم وبدا القلق على شيكالنسكي بلا شك ولكنه عد المبلغ وهو أربعة وتسعون ألف روبيل فناوله هرمان فوضعه هرمان في جيبه بأربط جأش وأوقر حال وغادر المكان في الحال.
وفي الليلة التالية عاد هرمان إلى مائدة الميسر وكن الكل في انتظاره وكان الجنرالات والمستشارون قد انصرفوا عن لعبتهم الوست ليشاهدوا هذا المقامر الهائل. وقام الفتيان الضباط عن متكآتهم وأرائكهم لعين هذا السبب حتى الخدام أنفسهم تزاحموا في المكان حتى غص بهم. وأحدق الكل بهرمان إحداق السوار بالمعصم يتدافعون حوله ويتهالكون وكف اللاعبون غيره عن اللعب ليروا ماذا تكون العاقبة والمآل.
ووقف هرمان على المائدة وتأهب للعب وحده ضد شيكالنسكي الذي كان على شدة اصفرار وجهه لا يزال يبتسم. وتناول هرمان ورقة غطاها بكومة من البنكنوت. فلا والله ما كان ذلك بلعب وإنما حرب وقتال. وجلاد ونضال.
стр. 2885
غلط القوم لست تلعب بالأورا ... ق ولكن بأنفس اللعباء
وأرى أن رقعة الأدم الأح ... مر أرضا عللتها بدماء
وكأن الذي تدير على القو ... م حروباً دوائر الأرحاء
وأخذ شيكالنسكي يطرح الورق ويداه ترتجفان فبدت على اليمين (ملكة) وعلى اليسار (فنط)
فصاح هرمان: لقد فاز الفنط وأظهر ورقته
فأجابه شيكالنسكي بأدب واحترام: لقد خسرت ملكتك.
فانتفض هرمان مذعوراً ونظر في ورقته فإذا هي الملكة فلم يكد يصدق عينيه أو يفهم كيف غلط مثل هذه الغلطة.
وفي هذه اللحظة خيل إليه وهو ينظر في ورقته أن الصورة المنقوشة عليها أعني الملكة كانت ترمقه بابتسامة الهزء والسخرية والتهكم وإنها لتغمز ليه بعينها، ثم أدهشه عظم الشبه بينها وبين.؟. . .
فصاح وقد تملكه أشنع الرعب والفزع:
الكونتيس العجوز!
وطفق شيكالنسكي يجمع أرباحه. ولبث هرمان فاقد الحركة برهة من الزمن ولما غادر المكان علت فيه جلبة القوم ولجبهم.
وقال اللاعبون: إنها لأشنع خسارة.
واستأنف شيكالنسكي تفنيط الورق وجدد القوم المقامرة.
جن هرمان وهو الآن سجين مستشفى المجاذيب بغرفة رقم ١٧ وهو لا يعي قولاً ولا يحير جواباً ولكنه لا يبرح يوسوس باستمرار وبسرعة مدهشة: ثلاثة، سبعة، فنط، ثلاثة سبعة، ملكة، ثلاثة سبعة، فنط، ثلاثة، سبعة، ملكة. . . . . .
وتزوجت ليزافيتا إيفانوفنا بفتى جميل - ابن رجل م وكلاء الكونتيس المرحومة - حسن الحال ناعم العيش.
ورقي تومسكي إلى رتبة كابتن وزوج من البرنسيس بولين.
(تمت)
стр. 2886
العدد ٥١ - بتاريخ: ١ - ١ - ١٩٢٠
стр. 2887
قصة رنيه
للكاتب الفرنسي الخالد شاتوبريان
نقلها إلى العربية الكاتب عي أدهم أفندي وأثر بها البيان ومهد لها بهذه الكلمات الآتية قال:
كلمة عامة - حياة كل إنسان كنغمة يرن صداها ثم يغيب في صمت الأزل العميق حيث لا يقدر لها رجوع طوال الأيام وأبد الليالي، وتتفاوت تلك النغمات، فمنها النغمة الضاحكة المستبشرة، ومنها النغمة الموجعة الحزينة ومنه النغمة الثائرة المتمردة الساخطة المتبرمة، وكذلك كانت حياة ذلك العبقري التعس الحظ شاتوبريان، فقد عاش منشقاً على عصره خارجاً على أوضاعه وسننه، وكانت حياته عقداً منتظما من الألم، وسلسلة متصلة من الضجر والملل، وكان يحس طول حياته أن العدم كان أولى به من الوجود وكان يرى أن حب الحياة - تلك الغزيرة التي تسوقنا إلى الاستمساك بالحياة وتدفعنا إلى الرغبة فيها في أشد الأوقات محنتنا وتغطى على مساوئ العيش وعيوبه - كان يراها عارضاً من الجنون، وكان يدعو الله أن يشفيه منه، وقد كان شاتوبريان مطبوعاً على الشاعرية وكانت المواهب الأدبية متأثلة في نفسه، وإن شعراء العالم العظماء يسيرون إلى نواحي الخلود في صفين، فريق ترى حياته ممثلة مصورة في تواليفه وفريق يعكسون صورة العالم في كتاباتهم كما تتراءى الصور في صفحة البحيرة الهادئة الصافية، والنوع الأول يستثير الحب والعطف ويرجح فيه الجانب الأخلاقي على الجانب الفني، والنوع الثاني يبعث على الإعجاب والإكبار وللجانب الفني فيه القسط الأوفر، وقد كان شاتوبريان من شعراء النوع الأول ولذا ترى شخصيته جلية واضحة في كل ما يكتبه، وكل ما يقوله يدور حول محور هذه الشخصية.
مولده ونشأته ووراثته - ولد في سنة (١٧٦٨م) وهي واقعة على المحيط في مقاطعة بريطانيا في الشمال الغربي من فرنسا، والرياح التي تهب في تلك المقاطعة تملأ النفس بالرهبة والحزن الغامض الخفي الذي ينتقل بالروح إلى نواح مجهولة قاضية ويلبس الجو هناك لبسة الحزين فترى السماء ملتفة في سود السحائب ولأمواج المحيط هناك أرانين شجية كأنما في طيها سر من الأسرار الأبدية وقد قضى شاتوبريان أيام طفولته في تلك النواحي، وللمشاهد التي يراها الإنسان في طفولته تأثير لا يزول على حياته فإن ظلالها
стр. 2888
لتنبسط وتخيم على أكناف العمر وكلما أقصانا عنها تيار الزمن كان خيالها أكثر لجاجة بالذهن وتشبثاً بالخاطر.
وسكان بريطانيا من أصل سلتي ففيهم طبائع السلتيين وأمزجتهم مثل الحزن الصامت الذي اشتهر عن الشعب السلتي والحياء والانقباض عن الناس لأنهم يعرفون بساطة نفوسهم وبعدهم أساليب المكر فيتحامون جانب الأجنبي عنهم لئلا يقف على سر تلك السذاجة فينتفع منها، والحياء من دلائل العواطف العميقة والوجدان الحي والإحساس القوي المندفع، وقد يصمهم من يجهل أمرهم بالجفوة وخشونة الجانب ولكن من يستشف قراره قلوبهم يرى وراء تماسكهم طبعاً سمحاً وماء صافياً وفؤاداً يجيش بالعواطف الرحمة والحب، ومن عاداتهم إكبار قبور آبائهم وإجلال ذكر أجدادهم واحترام المرأة وتوقيرها، وقد ورث شاتوبريان منهم هذه الطبائع كما ورث من أبيه العبوس والتقطيب ومن والدته التقوى والتدين وقد ولد في أسرة كريمة المناسب شريفة المحتد فورث أيضاً تقاليد تلك الأسرة.
روح العصر الذي عاش فيه - كانت أوروبا في الأيام التي أظلت حياة شاتوبريان تعاني عصور انتقال من أشد عصورها اضطراباً، وعصور الانتقال عرضة إسهام التطور الفجائي لأن سير الانتقال قد يسرع فتحدث التوراة وقد عاش النصف الثاني من القرن الثامن عشر وكان عصر الحاد وشك ومتناقضات إذ رفع فيه الإنسان من وجهة إلى مستوى الآلهة ومن ناحية أخرى رفع عنه آخر نقاب يستر عن النواظر وحشيته وحيوانيته وقد حدثت فيه الثورة الفرنسية تلك الأساة الكبرى وعاش النصف الأول من القرن التاسع عشر وقد كانت أوائل ذلك القرن الجليل الشأن المفعم بالحوادث أيام اضطراب وفوضى وكانت أعلام الملل تخفق في كل ناحية من أوروبا ولم يظهر شراح لفلسفة التشاؤم مثلما ظهر في ذلك الوقت، ومعرفة أسباب ذلك توقفت على درس العوامل المختلفة التي أثرت على ذلك القرن وأري أن هناك صلة شديدة بين تلك الآمال التي كانت مستسرة في النفوس قبل الثورة وبين تراميها إلى أبعد مطارح حسن الظن بإمكان تسويد مبادئ المساواة والإخاء والحرية ثم نكوصها على الأعقاب ويأس العالم من تحقيقها بعد ذلك وإنك لتقرأ في دواوين شعراء هذا العصر ما يملأ النفس ظلمة قنوط ويلهب الفؤاد حزناً وأسى في عصور الانتقال يخافون المستقبل فلا يعلقون عليه أملاً ويكون كرههم للمستقبل بقدر حبهم للماضي والعلة
стр. 2889
في ذلك أنهم يميلون إلى تفهم الماضي وفحصه ليقيسوا عليه المستقبل فيتقدموا نحوه بقلب مشبع وجأش رابط.
ومن هنا تطرق إلى شاتوبريان الميل إلى التاريخ فقد كان دائم المسير في صحراوات الأزمنة الخالية متجولاً بخياله في أطلال الأمم القديمة البالية كأنه يرى سكناً للنفس في أطلالها الدوارس وآثارها العوابس وأحوال الأمم في عصور الانتقال لا تبعث على حسن الظن بالحياة ونكتفي بهذه الإلمامة في وصفها.
أخلاقه وأطواره - كانت أخلاقه نارية مستعرة هائجة مثل أمواج البحر المغتلمة منظرها يبث الروعة في النفس ويتغشى القلب حيالها مسايل الإعجاب والرهبة ولكنها كميا البحر مرة المذاق لا تجد النفوس سبيلاً إلى إساغتها وكانت نقمته تترامى إلى كل غاية وتريد أن تبلغ شأو كل مطلب ولما كان لا يجد في الوجود شيئاً يعقد به حبه كان يرجع إلى نفسه فيقصر حبه عليها وتظهر هذه الصفات في الكاتب إذا اصطدم بروح عصره فقد كان عصره عصر الحاد وسخرية بالأديان وكان هو متديناً وكانت الديموقراطية تتمشى مبادئها وهو أرستقراطي متحامل على الديموقراطية ويرى فردريك أميل في شاتوبريان نفساً معذبة وحياة بائسة شقية ولكنها مشرقة بأنوار الفخار متألق في أضاء العظمة وإنك لتلمح من كلماته عظمة الحزن وجلاله وروعة الأسى وفخامته.
وقد كان قوى الروح محتدم العواطف جم الاحساسات حافل شعاب الفكر بكل سري من الخواطر عبقري من الأفكار وكان خياله متوثباً جوالاً يمر بين الزمن الماضي والحاضر عن كمال يتغنى به وعظمة يشيد بذكرها ولم يكن خياله على اتساعه من تلك الخيالات التي تؤثر على النفس بما تعرضه على الذهن من تهاويل وصور الفكر المجرد كما ترى ذلك في أصاغر الشعراء ومقعدي الكتاب بل كان أساسها الشعور المتدفق الجائش في حنايا أضلعه والفائر في مطاوى نفسه ولقد كان شديد الشعور بنفسه وبعظمتها إلى حد الطفولة، والغرور الذي كان متمسكناً من نفسه يذكرنا بغرور البحتري وهو غرور مقبول حين الموقع في النفس.
وقد كان شاتوبريان يزدري أدباء عصره ويدعوهم بالأقزام الذين يلوثون بالأدب ويدنسون أديمه النقي وصفحته الطاهرة وكان ينتقد من تقدمه من الأدباء بكلمات قارصة ومن أقواله
стр. 2890
عن برناردين بيير فيه ضيق الفكر وإسفاف الروح وكان ينتقض بيرون ويتهمه بالسطو على أفكاره وإهمال ذكره وكان يرى أن الناس لا تستطيع فهمه لأنهم أقل وأضأل من ذلك، وجميل كل هذا الغرور من شاتوبريان لصدوره من نواحي العبقرية.
تأثيرات الرحلات في نفسه - طاف شاتوبريان أوروبا وزار الأراضي المقدسة وشواطئ أفريقا وسافر إلى أمريكا فترى من ذلك أنه كان جوابة أقطار وقد زاده ذلك بسطة في الخيال وفسحة في الفكر ومقدرة على الوصف.
مزاجه ونفسيته - أقوي العناصر التي تكون شخصية شاتوبريان عنصران وهما عنصر التشاؤم وعنصر التدين وقد يستغرب الإنسان جمع هذا الرجل لهذين العاملين فإن نور الدين كأن من واجبه أن يبدد دهمة التشاؤم وإن تهب من ناحيته على النفس نسمات القناعة والرضى والاغتباط بالكون وحكمته ولكن بعض أنواع التشاؤم يستصحب الروح الدينية وقد طالما استبهمت حقيقة تلك العلاقة على أفهام النقاد وانطوى سرها عن علمهم وقد سهل اكتناه سرها الفيلسوف الألماني إدوارد فون هارتمان في قوله إن الأصل في الدين هو أن الروح الإنسانية كثيراً ما تلتقي بالشر وتصادفها الخطيئة وينشأ من ذلك أنها تحاول أبداً بحث ذلك الشر الذي يعترض سبيلها وتدبر تلك الخطيئة التي تعتاق سيرها لتعرف مكامنها فتأمن صولتهما.
وإن من يسائل نفسه عن كيفية تصرفها حيال الشر ومسلكها أمام الخطيئة وكيف يلائم بين الشر وبين ضميره القلق من الشر ويوفق الخطيئة وبين روحه النافرة منها - أقول من يسائل نفسه عن هذين أحسبه سائراً على طريق الدين الواصل ومسلكه اللاحب وإن التأثيرات الموجعة التي تتواتر على النفس من ناحية الشر وتترادف عليها من صوب الخطيئة إذا لم ترجع كفتها في الميزان تمام الرجحان انطفأ الحماس الديني المشبوب وخمدت جمرته وكلما اشتد الشك - ذلك الشك الذي يسير على مدرجة التفكير في الشر ويتبع آثار آلام الخطيئة وتم له الانتصار والغلبة على جانب الاقتناع بالدنيا والابتسام إليها وكلما كان التشاؤم له الشعب الأوسع من النفس والجانب الأكبر فيها، وكلما امتد رواق سلكته على سائر منازع النفس وأميالها راح الدين وهو على أساس ثابت الدعائم موطد العمد، وإذا غاب عن النفس ذلك التوجه إلى التشاؤم امتنع على الدين أن يسير على سجيته
стр. 2891
ويجري على طبعه.
وليس هذا بكاف في تفهم مزاج الرجل فقد كان يتنازع نفسه عوامل أخرى وإن نفس العظيم عالم تتصادم فيه العوامل المختلفة وتتصارع ولقد قال ماكس نورداو إن الإغراق في حب الإنسانية والمغالاة في كرهها ينشاآن من سبب واحد وعوارض عقلية متحدة والمزاج السوداوي كذلك قد يسوق إلى النسك التام واستصغار أمور الحياة واحتقار ملذاتها مثل المعري وفردريك أميل وقد يسوق إلى الأبيقورية أو الخيامية وهي أن يبادر الإنسان إلى الشهوات مخلوع العنان ويفرط في الحسية وفي مثل هذه الحالة النفسية تكون فكرة العدم العدم والفناء التام مائلى للذهن إلى جانب فكرة المسارعة إلى التمتع باللذات وشرب كؤوس المسرات قاطبة وهذا ما يشاهد في رباعيات وفي كتابات شاتوبريان وما يغلب على أكثر العصور السوداوية عصور التشاؤم والممل مثل عصر شاتوبريان ومثل عصر أبي العلاء المعري.
مكانه في الأدب - كان شاتوبريان طاتباً ضليعاً ومن أكبر الفرنسيين بسطة في الأدب وهو في ربيئة كتاب العالم وأكبر قواد النهضة الروانتية المعروفة في الأدب الفرنسي والتي كان من فرسانها بعد أن مهد لهم السبيل شاتوبريان بما بثه من الروح الجديد هيجو ولإمارتين وغيرهما ومن أهم مزاياه الافتتان في وصف مناظر الطبيعة والتغني بجمالها وهو كاتب يهز النفس قال عنه جوبير إن كانت كتابات برنارد دي سنت بيير مثل صوء القمر فإن كتابات شاتوبريان مثل ضوء الشمس.
آراء النقاد فيه وفي القصة - يعرف أكثر النقاد قيمة شاتوبريان ويكاد يقع إجماعهم على أن قصة رينيه هي أبدع كتاباته ونجتزئ هنا بآراء ثلاثة من أكبر نقاد الدنيا.
رأى هنري فردريك أميل - إن شاتوبريان بدون أن يعرف أو يقصد أخرج للناس واضحة عن نفسه في رينيه لأن رينيه هو شاتوبريان وهذه الصورة الصغيرة هي من كل الوجوه سفر خالد كامل وقد لا تشعر الأجيال القادمة يحب لرينيه ولكنه سيبقى خالداً كأبي الهول يفسره كل عصره تفسيراً خاصاُ - وكذلك كل شيء جليل.
رأي سنت بيف - بين الصور والتماثيل المختلفة التي حاول شاتوبريان أن يبرزها ويعرضها على أنظارنا قد وفق في إخراج صورة واحدة خيالية لنفسه ترى فيها محاسنه
стр. 2892
متصلة بعيوبه إتصالاً خالداً وهذه الصورة هي قصة رينيه.
رأي ماثيو أرنولد - كان أرنولد يلوم الإنكليز على عدم تقديرهم لشاتوبريان وإهماله قصة رينيه وكان يؤثرها على منفرد وقابيل وهما كما يعلم القارئ أشهر ما سطرته براعة الشاعر بيرون وكان يرى في شاتوبريان روحاً قوية مسوقة بالفطرة إلى دراك الجلا والجمال.
وبعد قراءة ما تقدم والمقابلة بينه وبين ما في القصة يتضح لنا أنها نوع من الاعترافات النفسية وأخت رينيه المدعوة أمليا هي أخت لشاتوبريان كانت تدعي لوسيل.
* * *
قصة رينيه
منقولة عن شاتوبريان
لما اطمأنت الأسفار بالرحالة الفرنسي رينيه في قبيلة الناتشيز لم يجد معدى عن الزواج بهندية جرياً على عادة تلك القبيلة ومساوقة لتقاليدها ولكن لم نستحكم بينهما أواصر الزواج لأنه كان يهفو به إلى أحشاء الغابات نزاع إلى الحزن قد علق بنياط قليه ونصرف بأعنة نفسه وكان يطوي هناك غلائل الأيام منفرداً يغالبه الأسى ويساوره، وتروحه الأفكار وتباكره، وكان يشبه المستوحشين بين المستوحشين، ولم يكن يخالط أحداً حاشى شكتاس الذي أقامه رينيه مقام الوالد والأب سويل الراهب في حصن روزالي، وكان لهذين الشيخين في نفسه المكانة السامقة والمنزلة الشماء، وقد اقتعد الأول غارب تلك المكانة بسلاسة أخلاقه وسهولتها، والآخر على خلافه إذ رقى ذروة تلك المنزلة بصلابة طباعه وحزونتها، ومن وقت صيد كلب الماء الذي سرد فيه الشيخ البصير شكتاس حوادث حياته على مسامع رنيه لم يرتض زنيه الكشف عن حوادثه وإبراز أخباره، وقد كان شكتاس والأب سويل بل لا ينفكان يستشيران علم دفينته ليصلا إلى مكتوم سره وكنون أمره، وليتعرفا أية ملمة قد حدث بأوروبي من أسرة كريمة المنبت وضاحة الحسب على أن يُنضى جلباب الشباب في صحراء لويزيانة، وكان رينيه يعتذر عن رده طلبهما بقوله أن تاريخ حياته ليس فيه ما يستلهي الخاطر ويستوقف الناظر، وإنه محدود بأفكار قد استفاضت أمواجها في نفسه، وإحساسات قد ثارت عواصفها في قلبه، وأما الحادثة الحافزة له على الرحلة لأمريكا فكان
стр. 2893
يرى أن الأجمل به أن يلفها في أكفان النسيان ويكسوها من ظلمة الأبد، وقد استنت أعوام على هذه الوتيرة لم يستطع الشيخان في أثنائها أن يعلما مخزون دخيلته، ومكنون طويته. ثم وصله خطاب من أوروبا ضاعف أحزانه وأزكى قدة همومه، ولما تمادى به الأسى وكادت رواسي نفسه تميد من الألم فزع إلى صديقيه الشيخين وقد زادهما ذلك رغبة في استجاء غامض سره واستفتاح مغاليق نفسه، وقد أظهرا من حصافة العقل وركانة الحلم م لم يجد بعده ندحة عن إرضائهما، فضرب لهما موعداً لأليقص عليهما حوادث حياته التي لم يتمرس بتجاريبها ولم يزاول من أمورهما شيئاً، ولكن ليفضى إليهما بإحساساته الروحية وأسرارها، ففي اليوم الحادي والعشرين من ذلك الشهر الذي يسميه الهنود شهر بدر الأزهار صمد رنيه إلى كوخ شاكتاس واعار ذراعه للشيخ البصير وسدك به إلى سرحة فرعاء على ضفاف المسيسبي وكانت جوانب الليل قد تصدعت عن أنوا الفجر المتبلج، ولم يتريث الأب سويل عن الحضور في الميعاد المضروب، وعلى كتب في السهل كانت تتراءى للناظر قرية الناتشيز بأشجار توتها وأكواخها التي كانت تشابه خلايا النحل، وكانت المستعمرة الفرنسية وحصن روزالي قائمين في الناحية اليمنى، وكانت الخيام والمنازل التي لم يكتمل بناؤها والحصون التي لم يتم تشييدها والمزارع وقد انتشر فيها الزنوج البيض والهنود - أقول كانت كل هذه المشاهد في تلك البقعة تمثل للرائي البون الشاسع بين عادات المتدينين وعادات الهمج العاطلين من المدنية في أوضح الصور وابهر المجالي، ومن ناحية الشرق وشط تلك المناظر الرائقة كانت الشمس مقبلة تتهادى من وراء قنن جبال الأبالنسية المتكسرة، وقد كانت تلك القنن ترتسم على صفحة السماء المذهبة بأضواء الشمس في صورة حروف مصبوغة بلون لازوردي، ومن ناحية المغرب كانت أمواج المسيسيبي تطرد وقد رفرف عليها صمت فخم ضاربة أعطاف الهضبة في حلال لا يدركه التصور ولا يناله الوهم، فطار ذلك المنظر الأنيق بفؤاد الفتى وأخذ بلب الراهب فأنشأ يمتدحانه وقد احتواهما الأسف للشيخ البصير شاكتاس إذ ليس في وسعه أن يسرح الطرف في هذه المشاهد البديعة، ويتملى من تلك المحاسن الزاهرة، ثم أن الأب سويل وشكتاس اقتعدا العشب وأخذ رنيه مجلسه بينهما، وبعد سكون لم يطل أمده أخذ ينثر الكلام الآتي على مسامع الشيخين وهم جلوس تحت ظلال تلك السرحة المنهدلة فقال:
стр. 2894
لا أستطيع في مستهل قصتي أن أكافح الحياء إذا ماجت بي أمواجه، فإن صفاء قلبيكما وسكون الطبيعة السائد حولي يغريان بي الخجل، وكم ستأخذكما الرحمة لي فإن ما استصب علي من الأمور وأحاط بي من القلق يكشفان لكم عن نفسي التعسة وجدي العاثر.
ومثلكما من قد تلون به الزمن، وتصفح الليالي، وعرف هموم الحياة قاطبة، فماذا تظنان بفتى في روق الشباب مجرداً من القوة، منسرحاً من إيراد الفضيلة، يرى نفسه في نفسه الجحيم الذي قد سجر أضالعه وأضرم أنفاسه، ولا يشكو إلا من آلام قد استدرجها إلى نفسه، وهيأ لها المتغلغل إلى سويداء قلبه، ولكن لا تفرطا في عذله، ولا تجاوزا في لومه الحسد، فكفاه من مرارة الألم ولوعة الحزن ما أرمض جوانحه، وألهب جوارحه.
لقد فجعت في والدتي ععند قدومي الحياة، وسحبت منها سحباً، وكان لي أخ قد خصه والدي بناصر الدعوات، وصالح البركات، لأنه أصاب فيه الولد البكر، وأما أنا فقد دفعت من ساعة مولدي إلى يد المربيات ولذا لم أذق نعيم الأبوة، ولم أنهل من حياضها العذبة الصافية، وكنت ناري المزاج غير متزن الأخلاق، تارة ضرب النفس طلق المحيا مرتفع الصوت دائب الحركة، وطوراً تدب نحوي ظلال الأسى السود فآوي إلى الصمت والإنطواء، وكنت أجمع حولي الغلمان لذاتي، ثم أنسل من غمارهم، وأعتلي هامة رابية لأعلق نظري بالسحاب السائر يطوى مراحل الفضاء، وليتسلسل في مسمعي دويّ سقوط الأمطار على أوراق الأشجار، وكنت إذا أظل الخريف أرتاد قصر أبي وهو يتوسط غابة في إقليم نائي مكان ويشرف على بحيرة، ولما كان يعتاق جناني الهيبة أزاء والدي صرت اسكن إلى أختي امليا وأصبح القرب منها مسلاة نفسي، ومتنفس خاطري وقد أربت عقدة الحب بيني وبينها مشاكلة أميالها لأميالي، وكان عمرها ينيف على عمري بسنوات قلائل، وكنا شغوفين بتسلق التلال وبالسياحة في نواحي البحيرة وكنا نجوس خلال الغابات ونتدرج في مسارحها تحت أوراقها الأشجار المتساقطة، وإن الأنس من الأشياء لا أنس تلك الأيام حيث رياض العيش خضر نواعم، ووجود المسرات وسيمات بواسم، وإن ذكرياتها لتملأ نفسي بهجة وسروراً، فلا فقدت يا أحلام الطفولة رونقك، ولا ألوت الأيام ببهجتك، ويا ذكر البلاد التي عقت بها تمائمي، ونضوت فيها الحداثة، لا تناول البلى بشاشتك، ولا عاث الزمان في زهرتك، وفي بعض الأحايين كنا نسير وقد ضرب السكون فوقنا أروقته
стр. 2895
مسلفين الآذان لهمس الخريف واصوات الأوراق الجافة متلذذة التي كنا نطؤها بالأقدام في حزن، وأحياناً في تلك الملاهي البريئة كنا نتبع طير السنونو في البراري وقوس الغمام على القمم الماطرة، وكنا يروقنا أن نترنم بالأشعار التي كانت مشاهد الطبيعة تهتاجها في نفوسنا وقد نبتت في ثرى نفسي بذور الشاعرية، وليس هناك شيء أحفل بالشاعرية وما تتطلبه من من نضارة العواطف وغضارتها وصفاء النفس وابيضاضها من قلب لم يتبلج عليه أكثر من سبعة عشر ربيعاً، ولا غرو فإن فجر الحياة مثل فجر النهار، فياض بالطهر، ومفعم بالصفاء، مزدحم بالتصورات الجميلة غاص بالموسيقية والنغم. وكنت أسمع في أيام الآحاد والأعياد في الغابة الفسيحة الأرجاء، وبين أشجارها الفينانة، صوت جرس الكنيسة، وكان الهواء يستحمل إليّ دقاته من إقليم متراخية بعيدة الشقة، وكان ذلك الجرس يدعو المزارعين إلى انتحاء المعابد للصلاة، وكنت أستند على جذع شجرة من شجرات تلك الغابة صاغياً إلى رنات ذلك الجرس المتدفقة النقية، وكانت كل دقة من دقاته تحمل إلى روحي الصافية البريئة طهارة الحياة الريفية، فكنت كأنما أتنسم من تلك الدقات رياً شذاها، وكأن كل نبرة من نيرانه كانت تروي له عن سكون الخلاء وصمته، وتحدثني عن جمال الأديان وإشراقها ورونقها وبهائها، وتعيد في نفسي ذكر طفولتي الحزينة وأيامها المورقة الأيك والوريقة الضلال، وكيف لا يتزلزل قلب الإنسان مهما كان قاتم الأرجاء مظلم النواحي عندما تصلفح الآذان دقات جرس الكنيسة مقبلة من ناحية أوطانه البعيدة مآلف طفولته ومنازل قومه - ذلك الجرس الذي اهتز طرباً يوم ميلاده والذي أطار أنباء قدومه الحياة، والذي نقرأ فيه تاريخ أول نبضة من نبضات القلب، والذي نشر في شتى النواحي ومطرف الجهات سرور الأب الصالح التقي وآلام الأم ثم أفراحها التي لا يمكن لكاتب تصويرها، وإن صوت الجرس من ناحية الوطن يفيض على إحساساتنا من عواطف الدين والعائلة والوطن، ويذكرنا بالمهد واللحد، ويعيد لنا صور الماضي والحاضر.
ولطالما كنت أنا وامليا نصعد في صعود من تلك الأفكار الوقورة الرفيعة، قد رسب في قراره نفسينا ميل إلى الحزن قد نكون ورثناه من والدتنا أو أن يكون هبة من الله قد اختصنا بها، وفي تلك الأيام استكف والدي داء أعجله إلى القبر، وقد فاضت روحه وهو في ذراعي، ورأيت صورة الموت على شفة ذلك الوالد المتفضل الذي منحني الحياة،
стр. 2896
ووهبني الوجود، وكان لهذا المنظر في نفسي عليا التأثير ولا يزال ذكره إلى الآن يتجدد في قلبي ويتردد في خاطري، وهذه أول مرة تجلى فيها لناظري واضحاً جلياً خلود الروح، فقد كان لا يجول في بالي إذ ذاك أن هذه الجثة الهامدة الميتة هي التي أوحت إلي الفكر، وشعرت أنها تتصل بمنبع آخر وقد استولى على مشاعري حزن مقدش شماوي كان أقرب ما يكون إلى السرور، واتسق لي الأمل أني سألتقي بروح أبي، وإن زهرة حياته ستعود بعد التصوح إلى النضارة.
وقد ظهر لي منظر آخر زادني إعتقاداً بتلك الفكرة السامية وذلك أني رأيت ملامح وجه أبي وقد غشاها الجلال، واكتست بهاء وروعة، فلم لا يكون ذلك السر المبهم دليلاً ناهضاً على خلود النفس؟ ولك لا يكون الموت الذي وسع علمه كل شيء قد مسم تلك الجبهة بأسرار الحياة الأخرى؟ ولم لا يكون في القبر رؤيا فخمة للأبدية.
وكانت امليا وقد آدها حمل تلك الأحزان قد لاذت بحمى برج حيث كان ينسجم في آذانها تحت قبواه المبنية على الطراز القوطي أناشيد القساوسة في الجنازة ودقات الجرس المحزن، وقد شيت والدي إلى مثواه الأخير وموئله من ظلم الحياة، ورأيته وقد أهيل عليه التراب ووطئنه إذ ذاك أقدام الأبدية والنسيان، ودبت ظلال المساء غير مكترثة على قبره، ولولا تعلق ابنه وابنته بذكره لكان وكأن شخصه لم يلح على مسرح الأيام، وكأن اسمه على صحيفة الدهر، واضطررنا أن نبرح منزل والدنا لأنه صار من ميراث أخي، فعدت أنا وامليا وساكناً جماعة من ذوي قربانا، ولما حمتني الأقدار الدخول في مسالك الحياة الخادعة، أعملت فيها الفكر الواحدة بعد الأخرى قبل أن أخاطر بنفسي في اعتسافها وأقذف بمهجتي في إثارة غبار طرفها، وكانت امليا تزين لي الحياة الدينية، وتفيض في ذكر محاسنها وفي السعادة التي تتقاطر على النفس من صوبها، وكانت تقول لي وهي تنظر إليّ نظرات يتخللها الحزن وينبعث منها الأسى أنك أنت السبب الوحيد الذي يصلني بالدنيا، ولما امتلأت شعاب النفس بالاحساسات الدينية من فيض أحاديث امليا كنت كل يوم أزور صومعة قريبة من محل إقامتنا، وقد امتلكني مرة ميل شديد إلى أن أمضي حياتي هناك، ولله ما أسعد هؤلاء الذين قضوا حياتهم في سكون وعزلة، والأوروبيون دائماً في انفعال مستمر، ولذا تنزع نفوسهم إلى الراحة والسكون، وإنه كلما توالت القلب الثورات وترادفت
стр. 2897
الاضطرابات، استمال النفس للسكون، واستروحها الهدوء. وتقام هذه الأديرة في بلادي المفتوحة الأبواب للبائسين، المباحة الحمي للمستضعفين محتجبة في الأودية التي تحمل إلى القلب شعور هؤلاء التعساء المحزونين الغامضين، وكأنها تهجس في النفس وتوسوس في الخاطر بأملهم في الخلاص، وفي بعض الأماكن تشاد تلك المناسك على الربوات والرامات، فتظهر هناك الروح الدينية سامية الطرف تلعاء الجيد كأنها أزهار الجبل مرتفعة نحو السماء لتتسنم رياها العبق، وشذاها الفواح، وكنت أنظر الاقتران الجليل بين المياه والغابات من ذلك الدير القديم العهد الذي عقدت العزيمة على الإقامة به مجهول المحل مغمور الذكر نائياً عن تقلبات الخطوط وتصاربف الزمن.
ولقد كنت أطوف منفرداً نواحي ذلك الدير المنعزل، ولما كان القمر يريق أضواءه المفضضة على أعمدة الأروقة ويرسم ظلالها على الحيطان المقابلة كنت أتريث في السير متأملاً ذلك الصليب الذي يسم أراضي الموت، وكنت أرى الأعشاب الطويلة التي كانت تنمو بين أحجار القبور.
ولقد كانت تلك القبور قبور الذين عاشوا بمعزل عن الدنيا وعبروا بمدرجة الزمن من سكون الحياة إلى سكون الموت تملأ قلبي بضروب كره الحياة وصنوف احتقار العيش، ثم نكبت عن تلك الخطة ولست أدري إن كان باعث ذلك هو القلق المستمكن من نفسي أو سابق انحرافي عن حياة الأديرة، ثم قامت في نفسي فكرة السياحة والتطواف فودعت أختي وقد ضمتني بين ذراعيها ضمة تبينت فيها أثر السرور وظل الفرح كأنها كانت جذلة النفس لفراقي، وقد بعثني صنيعها هذا على إرسال الفكر في المحبة البشرية وتناقضها العجيب، ولما كنت الآن في عفرة الشباب محشوّ الجوانح من حماس وقوة امتطيت ثبج بحر الحياة المصطفق الآذي، والمتناووح الرياح، وما كنت أدري ثغوره ومراسيه، ولا أخطاره ودواهيه، فيممت أطلال الأمم التي سحبت عليها الذيول أرواح الزمن، وعصفت بها أعاصير الفناء، ورأيت بقايا رومه وآثار اليونان بلاد القوة والمجد التالد، والذكر المشرفات الخوالد، حيث القصور مدفونة في كثبان الرغام وحيث أضرحه الملوك قد أجنتها الأشواك، فهناك تتجلى قوة الطبيعة أزاء ضعف الإنسان، زهناك يرى المشاهد فصيلة من فصائل النبات نخنرق أحجار تلك القبور الصلبة وتنفذ منها، بينما قد أعيا رفات هؤلاء الموتى
стр. 2898
الجبابرة الأشداء رفع تلك الأحجار والخلاص منها.
وفي بعض الأوقات يرتفع عمود عال ويخرق سماوة الجو في وسط الصحراء لا أنيس بها كما تنهض فكرة كبيرة من وقت لآخر في نفس قد نالت منها حادثات الليالي وهدمت صروحها صروف الزمن، وكنت أقضى اليوم مفكراً في تلك الآثار وبين لجج من التأملات وكنت أرى الشمس - تلك الشمس التي أبصرت بناء تلك المدن - جانحة للغروب تحفها الروعة والجلال لقد كانت تغرب الآن عن تلك المدن وقدر قمها الدهر في طراز العفاء وكنت أرى القمر يرتفع في صفحة السماء الصافية وكانت أشعته توضح لي مواقع القبور الشاحبة بين القارورتين المكسورتين وكان القمر ينير بسناه المفضض أحلامي وكنت ألمح شبح تلك العصور الغوابر إلى جانبي هائماً في بيداء التفكير ثم أمسكت عن الحفر في تلك التتوابي التي لم أكن أهز منها سوى رفات مجرمين ثم أردت أن أوازن بين الفضائل التي اكتسبتها من الأمم الحية وهل هي أكثر عدداً وأحمد أثراً من الفضائل التي تعلمتها من الأمم البائدة، وحاولت أن أقابل بين الأحزان التي تسربت إلى نفس من الحاضر وتلك التي خلصت إلي من الماضي فلما كنت يوماً أجوب نواحي مدينة من عظيمات المدن ومررت خلف قصر في فناء منعزل مهجور شاهدت تمثالاً يشير بأصبعه إلى مكان شهير بضحية من ضحايا التاريخ ووقد ملك صمت ذلك المكان عليّ مشاعري وغيض من جلادتي ولم أكن أسمع هناك غير أعوال الرياح وأنينها حول رخامه الذي كانت تخفق فوقه أعلام الحزن وكان هناك فريق من الصناع عند أقدام التمثال يستريحون في أكنانه ثم يعودون إلى تحت الأحجار وصقلها وكان يبدو عليهم لوائح عدم الاكتراث فسألهم ما شأن هذا فلحظت على أحدهم أنه يشق عليه أن بحدثني قصته وعلى آخر أنه يجهل النكبة التي ترجع أيام التمثال إلى عهدها.
وقد أصبت من تلك الحادثة المقياس الصادق لحوادث الحياة وتقلباتها للإنسان وقيمته وضآلة له قدرة وصغر شأنه إذ كيف كان مصير هؤلاء الرجال حين رن صدى ذكرهم في الكون فقد ضرب الدهر من ضربانه وكر كرته فإذا وجه الأرض قد جدد وبدل، وكنت أنقب في رحلتي عن رجال الفنون وعن الرجال ذوي الأرواح السماوية الذين غنوا الأناشيد للآلهة على مزاهرهم الجوفاء الرنانة وعن السعادة التي تهدلت ظلالها على هؤلاء القوم
стр. 2899
الذين كانوا يجلون الشرائع ويفخمون شأن الأديان ويوقرون المقابر وقد صدرت هذه الأناشيد من شعب شعاره التقوى وفيها أثر تلك الموهبة التي تمنحها السماء للأرض ولقد كانت حياتهم زاهية مستنيرة بأضواء الإيمان السامي وقد تغنوا بأسماء الآلهة أفواد ملائكية وكانوا أعرق الناس في السذاجة وكانت أحاديثهم صافية كأحاديث الخالدين أو أحاديث صغار الأطفال وكانت لهم أفكار غريبة في الموت وكانوا يموتون وهم يجهلون الموت كما يموت المولود، وفوق جبال كاليدونيا غنى لي آخر مغن رن صدى صوته في تلك الصحراء أناشيد صاغها أحد الأبطال في تهوين آلام الشيخوخة وقد كنا جالسين على أربع مغشاة بالطحلب وكان هناك جدول تتسلسل مياهه عند أقدامنا وكانت الظباء ترعى على قيد منا بين بقايا حصن قديم وقد نشرت الديانة المسيحية أعلام السلام في تلك الأماكن التي كان بها للحرب والكفاح مستراد ومذهب - أما إيطاليا القديمة البسامة الثغر فقد برزت لي مبتكرات الفن وبدائعه وكنت أجوس خلال هذه القصور الفخمة التي نذرها الفن للدين ونفسي حشوها الرهبة والخوف المقدس فكم رأيت من العمد والأقبية وما اشجى هذه الأصوات التي كنت أتسمعها من تلك القباب ولقد كانت تحاكي صوت الأمواج في المحيط أو أنين الرياح في الغابات والأجم أو صوت الله في معبده ولقد كانت هذه القصور الشاهقات القوائم وتلك العمائر المستشرقات المعالم كأنها مصورة من مخيلة شاعر مهذب الخيال حافل الذهن ولكن ما الذي وعيته من الدروس بعد ذلك التعب والنصب وطيي الفيافي واختراق السهوب وركوب متن البحار؟ لم أجد ما أنيط به ثقتي عند القدماء ولم أر شيئاً عليه طابع الجمال وميسم الحسن عند المحدثين، فالماضي والحاضر تمثالان ناقصان الأول كسرته الأجيال السالفة والثاني لم يتسلم الكمال بعد من يد المستقبل وقد يشملكما العجب وأنتما من قطان الصحراء وروادها لأني في كل هذه السياجات لم أتكلم عن أثر من آثار الطبيعة. في يوم من الايام رقيت ذروة جبل أطنه حيث البركان المتنمر الثائر في وسط الجزيرة وقد شاهدت هناك مشرق الشمس في موكب الأضواء في الأفق المنبسط الممتد وكنت أرى صقلية صغيرة متضائلة كأنها بركة تحت أقدامي وكانت امواج البحر تتابع على مسافة وقد كانت الأنهار تتراءى لي كأنها خطوط على المصور الجغرافي. هذا ما كانت تلمحه عيني من جانب وأما في الجانب الآخر فكانت تطالعني فوهة جبل أطنه
стр. 2900
الناري وكنت أرى أحشاءه الملتهبة من بين ذلك البخار الأسود المرتفع من صدره، وإن شاباً ممتلئاً بالعواطف يجلس على فوهة بركان منهمل الدموع نادباً حظ الإنسانية التي لا يكاد يرى آثارها من مجلسه هذا لجدير أن تسعه رحمتكما ويشمله حنانكما ولكن مهما اختلفت ظنونكما برنيه فإن هذا الوصف يظهر لكما صورة أخلاقه ومن ثم كان صوب ناظري ما عشت كون عظيم القدر غير المحسوس وهاوية سحيقة مفتوحة إلى جانبي. . وبعد نطق هذه الكلمات استولى على رنبه سكون وتاه في أودية التأملات والتفكير فنظر إليه الأب سويل نظرة استغراب أما الشيخ البصير شكتاس لما لم يسمع كلام زنيه فأخذ يفكر في أسباب ذلك الصمت ثم لمحت عينا زنيه فريقاً من الهنود مارين من السهل وقد شملهم السرور ورفت على وجوههم لمحات الابتهاج والصفاء فاكتسى وجهه هيئة الحنو والرفق في أسرع من نغبة الطائر وانسكبت من عينيه الدموع دراكاً وهتف قائلاً أيها المستوحشون السعداء لم لا يتاح لي هدوء مثل المتاح لكم ولقد طوفت في الآفاق وجنيت من تجوالي ثمرة قليلة وأنتم تستظلون في هدوء تحت أشجار البلوط وتتركون الدهر وحبله على غاربه لا توكلون به فكراً وتدعون المقادير تجري في أعنتها غير حاسبين لها حساباً ولا تفكرون في غير حوائجكم ومرافق حياتكم وتصلون لي غاية الحكمة من طريق أقرب وأوضح من الطريق الذي نسلكه إليها مثل الأطفال بين اللعب والنوم وإذا أرهقكم يوماً ذلك الحزن الذي ينشأ وفرة السعادة وفيض النعيم فسرعان ما تصدع أرواحكم عنها قيوده وعيونكم موجهة نحو السماء تبحث هناك في رفق وهوادة عن ذلك الكائن المستور الذي يرسل عليكم رحمته ويحوطكم بعنايته. وهنا ضعف رينيه وأمسك عن الكلام وأسند رأسه إلى صدره فمد شكتاس يده في الظلام ولما قبض على ذراع ولده رنيه قال له بصوت تترقرق فيه مياه الإخلاص ويسمع من نبراته صدى الحب: يا ولدي - يا ولدي العزيز فاستفاق رينيه من غشيته عند ما ولجت في أذنه تلك الكلمات وسأل أباه الصفح عنه ثم قال شكتاس إن نبضات قلب مثل قلبك لا تكون متساوية متناسبة ولكن نهنه من غرب طباعك التي ساقت إليك الكثير من صنوف الأكدار وضروب الآلام وإذا كان نصيبك من شقاء الحياة وعثور الجد أوفى وأوفر من نصيب غيرك فلا يهولنك ذلك ولا يرعك فإن الروح الكبيرة الواسعة تحي من ألوان الحموم وأفانين الآلام ما لا تتيع له الروح الصغيرة فاستمر
стр. 2901
الآن في سرد قصتك وقد طفت بنا قسماً من أوروبا فحدثنا الآن عن وطنك وأنت تعلم أني قد زرت فرنسا وإن شوابك المودة تصلني بها وإني لصديان النفس إلى نهلة من أخبار ذلك السلطان ذي الأبهة والجلال لويز الرابع عشر الذي قد تصرم عصره وانطوى زمانه وقد زرت مقصورته الفاخرة وإني لا أنظر الآن سوى بعين الذاكرة وإن الشيخ الفاني المتهدم وما يحوطه م الذكريات ليشبه شجرة هرمة من شجرات السنديان في غاباتنا فإن هذه الشجرة تعجز عن أن تتزين بأوراقها فهي تستر في بعض الأوقات صلعها بالنباتات الغريبة التي تترعرع حولها وتتشبث بهاوقد هدأ هذا الكلام ثائرة رنيه فعاد إلى سرد حوادث حياته قال:
إني لآسف إذ ليس في وسعي أن أذكر الزمن من الأفيح والعهد الزاهر وإني لم أنظر سوى تصرمه في أبان طفولتي وقد كان عهده زال وزمانه مضى لما عدت إلى وطني ولم يحدث في أية أمة بغتة تحول أكثر ابتعاثاً للغرابة وإثارة للدهشة من ذلك التحول الذي حدث بفرنسا فقد أسفت من سماء العبقرية إلى الحضيض الأوهد من ضؤولة الروح وحقارتها وانحطت من توفير الأديان وإجلالها إلى عدم التقوى والطغيان وتدلت من الأدب والحشمة إلى الفجور والفسق وقد كان من العبث أن أصيب فيها هدوءاً لخواطري القلقة وسكوناً لرغبات نفسي الحرار ولم أكن قد استوعبت بعد دروس الحياة ولم يكن بي على رغم ذلك سرور الغفلة وراحة الجهل وكان يتبين لي من سلوك أختي الغريب وتصرفها المبهم معي إنها يلذ لها أن ازداد تبرماً بالحياة وعزوفاً عن العيش وكانت قد رحلت عن باريز بأيام قلائل قبل عودتي فكتبت إليها أخبرها أن في نيتي أن ألحق بها ولكنها أبطأت في الرد لترجعني عن ذلك العزم بدعوى جهلها بالمكان الذي قد تقصده لإنجاز ما ترومه من الأعمال فكم توارد عليّ إذ ذاك من الخواطر الحزينة في الصداقة التي يزيدها القرب فتوراً وانحلالاً ويعفى البعد على معالمها ولقد كنت إذ ذاك غريباً في وطني وأردت أن أغامر في طلب دنيا تلفظني ولا تأبه بي وروحي التي لم يسترقها الهوى كانت تسعى وراء ما يقتاد أهواءها ويستنزل حبها ولكني تبدي لي أني أهب من الحب وانعطف أكثر مما يمنح لي ورأيت الناس لا يتطلبون مني منطلقاً مهذباً سامياً ولا شعوراً رائعاً عميقاً وكنت أحاول أن أصغر من شأن وأقتل من قيمتها أجعلها في مستوى الجماعة.
стр. 2902
وكان الناس في كل مكان ينظرون إليّ نظرتهم إلى رجل مفعم النفس بتهاويل الخيال وتصاوير البطولة وقد كنت خجلاً من الدور الذي أحاول تمثيله ولما كان كل يوم يزداد نفوري من القوم ومن مشاغل حياتهم رأيت الإقامة في ضاحية من الضواحي حيث أمضي تحت غياطل النسيان وخمول الذكر وقد أصبت في الأيام الاولى من تلك الحياة سروراً وراحة ولما كنت مجهول المحل مغمور الذكر صرت أدخل أحياناً في غمار الناس وأندس في جموعهم تلك الصحراوات الواسعة الجرداء وكنت كثير الجلوس في كنيسة قل ورادها وكنت هناك أذهب الساعات في التأمل والتفكير وكنت أرى النساء الفقيرات يعفرن وجوههن في طلب المغفرة وحسن المآب وكنت أرى المذنبين راكعين للندم ولقد كان ينصرفون عن ذلك المكان بوجوه باشة رائقة وإن ذلك الصياح الأصم الذي كنت أسمعه من الخارج كان يشبه صوت أمواج العواطف المغتلمة وزوابع الدنيا الثائرات التي كانت تفني عند أقدام تمثال السيد ولقد كان الله هو الشهيد على سيل تلك الدموع التي أسلمتها المحاجر هناك وكم ألقيت نفسي عند قدميه في ضرع وخشوع متوسلاً إليه أن يرفع عني أعباء الحياة أو يغير مني الإنسان القديم ومن الذي لم يشعر بحاجته إلى تجديد نفسه وإن يعيد ريعان الشباب من أمواله الغدير ويقوي روحه من ينبوع الحياة؟ ومن لم يجد نفسه موقراً بأثقال من نفسه تعجزه عن الاضطلاع بعظيمات الأمور والنهوض بجلائل الأعمال من نبل وشرف وعدل وقسطة؟
ولما كان المساء يقبل ساحباً أذياله في الأفق كنت وأنا عائد في طريقي إلى مكان عزلتي أقف على قنطرة في الطريق لا شاهد غروب الشمس وقد كانت الشمس تتراءى للناظر وهي تضيء من بين الأبخرة الكثيفة المتصاعدة من المدينة كأنها تنساب في سيال من الذهب وكأنها تتحرك مثل (البندول) في ساعة الزمن وكنت أصل منزلي وقد أفرغ الظلام أبراده على أعطاف الارض وكنت أسير في طرق كثيرة التعاريج والمنحنيات منعزلة ولما كنت أرى الأنوار اللامعة من منازل الناس كان ينتقل بي الفكر إلى داخل تلك المنازل وما انطوت عليه من مناظر الشقاء أو مرائي السعادة وكانت تمر بي خاطرة ممضة مؤلمة وهي أن تحت سقوف تلك المنازل ليس لي صديق يخفق قلبه بحبي ويهتز للقائي وكنت وأنا أسامر هذه الأفكار اسمع دقات جرس الكنيسة وكان يرن صداها وينتشر في جميع النواحي
стр. 2903
فواأسفا على الإنسان ووارحمتا به فإن كل ساعة تمر تفتح قبراً بين القبور الإنسانية وتستذيب فؤاد الصابر الجلد وتستنزل دموع الأبي الأصيد ثم سئمت تلك الحياة التي ابتسمت لي زهرتها في الأيام الولى ومللت من ترديد أفكاري وأخذت أفتش في زوايا القلب وأحفر في قبور نفسي عما أبتغيه فلم أهتد إلى شيء ولكن خيل لي أن الغابات تؤنس من وحشتي وتجلى من حزني وقد استبدلت بي فكرة إذهاب حياتي في منفى ريفي ولم يكن قد مضى من حياتي سوى سنوا قلائل كنت أشعر أني قد عشت فيها الأجيال المتطاولة وقد حبذت تلك الفكرة وأقبلت عليها بالحماس الذي كنت أفيضه على كل ما يسنح ببالي ويهجس بخاطري وأسرعت في الانتقال لا تواري عن العالم في كوخ وقد كنت متهماً عند الناس بتقلب في الأميال وذبذبة في الأهواء وقد طالما أسحوا وأهضبوا في حديث عجزي عن البقاء على وتيرة واحدة وأسلوب متشابه وقالوا أني رهينة لكل عصاف من الأماني فريسة لكل جامح من الأهواء وإني شديد الرغبة في سرعة النفوذ إلى أعماق المسرات كأنما يضجرني بقاؤها واسترارها وكنت منسوباً إلى أني أتخطى حدود رغباتي وأجاوز دائرتها وإني من المسترسلين في البحث وراء كمال مجهول تحدوني على طلبه فطرتي وماذا على من العاب إذا كنت أرى في كل ما يحوطني حدود لرغباتي العريضة وأماني نفسي الواسعة البعيدة وقد صرت أشعر في تلك الأيام برغبة في توالي إحساسات الحياة وتكرارها وبقائها على طراز واحد وعندما كان يعتادني في بعض هذه الأوقات وهم البحث عن السعادة كنت أنقر على مكامنها وأفتش على مواطنها فيما ألفته وتعودته وقد كانت تتغشاني غشية ازاء سكون الطبيعة الخرساء تنقلني إلى حالة يعجزني وصفها ولقد كنت بعيداً عن الأهل وحيد من الخلان ولم تكن أشعة الحب قد أشاعت في نفسي أضواءها وصرت أشعر بثقل حمل الحياة وكنت أحياناً يصيبني الخجل فجأة وأظن أن أنهاراً من الأمواه الحارة تتدفق في نفسي وكنت في بعض الأوقات أرسل صيحات وصرخات على غير إرادة مني وكنت أبيت بليلة الملسوع تطرفني الأحلام المخيفة وتتأوبني الخيالات الرهيبة وكان يعتادني الأرق فأغتال الليل مسهد الجفن مشرد الفكر وكنت في افتقار إلى ما أملأ به هاوية حياتي فكنت أهبط الوادي وأفرغ ذروة الجبل ناشداً في كل منهلة طالباً في كل مكان تلك الصورة الخيالية لحبي المقبل وكنت أقبلها في الرياح وكنت كأنني أسمع صوتها الندي في خرير
стр. 2904
مياه النهر ولقد كانت تتراءى لي صورتها في كل ما تأخذه العين وفي النجوم الزاهرات في صفحة السماء الجائدات بباهر اللألاء في كل وجوه الحياة ومناحي العيش وهذه الحالة مترجحة بين الهدوء والسكون لم تكن خيالية من أسباب السرور فقد كنت أخفف من غلواء أشجاني بتناول غصن من أغصان صفصافة كانت ترمي ظلالها على ضفاف جدول وكنت أعرى الغصن من أوراقه وكنت أرسل خاطرة وراء كل ورقة يجري بها تيار الجدول ولن يكن هم الملك الذي يخشى ضياع تاجه وانحلال ملكه بثورة تضطرم نيرانها ويتوقد جاحمها بغتة بأكثر من همى عندما كان يصادم الورقة وهي محمولة على التيار ما عسى أن يقطعها فما أضعف الإنسان وما أشد طفولة القلب الإنساني الذي تتبدل الأحوال وهو باق على حداثته لا تعلوه كبرة ولا يمسه هرم وانظر إلى أي طور من أطوار الطفولة قد يرجع بنا العقل وأنا كثيراً ما نعقد آمالنا بأشياء لا قيمة لها مثل أوراق تلك الصفصافة وإني ليعجزني التعبير عن تلك الطوائف المختلفة من الإحساسات التي كانت تتكاثر عليّ وتتغاير إليّ وإن أصداء نوازع النفس وأميالها في فضاء القلب موحش قفر مثل حشرجة الرياح وخرير الأمواه في سكون الصحراء وصمتها وإن تلك النوازع لتثور في أنفسنا ولكنا لا نملك التعبير عنها وقد أقبل الخريف وأنا بين هزاهز الحيرة ومعتلجات الشك واستقبلت شهر العواصف مفعم الخاطر ملآن النفس وكنت أغبط الراعي الذي كنت أراه يدفئ يديه في النار الكليلة التي أشغلها في الغابة وكنت أستمع إلى غنائه الفياض بالشجى والذي يقرع من النفس أوتار الحزن فيحرك ساكن الشجن ويوقظ راقد الألم وكان يذكرني غناؤه أن جميع الألحان الطبيعية مترعة بالحزن حتى تلك التي توقع عليها أنغام المسرات وأناشيد السعد وما القلب سوى آلة موسيقية غير تامة - مزهرٌ تنقصه أوتار السرور فترغم على أن نوقع نغمات السرور على تلك الاوتار الخاصة بالأنين والحسرات.
وفي النهار كنت أهيم على وجهي في الأراضي الجرداء التي تفضي إلى الغابات وقد كانت أشياء قلائل تستغرق تأملاني وتستأسر بأحلامي فمن ورقة جافة تذروها الرياح أمامي ومن كوخ يتصاعد منه الغبار إلى أعالي الأشجار الصلعاء ومن طحلب متعلق بأشجار البلوط الذي كان يهتز ويرتعش عند هبوب رياح الشمال ومن صخرة نائية منفردة ونهى مهجور تسمع فيه حفيف البردي الذابل وكانت قبة جرس الكنيسة القائمة في النواحي البعيدة
стр. 2905
تسترعي نظري وكنت أتبع نظري الطيور السابحة في الفضاء وكنت أصور لنفسي تلك الشواطئ المجهولة وأجواء تلك النواحي القاصية التي تؤمها الطيور وكنت أتمنى أن أكون محمولاً على أجنحتها وكان قد رسب في أعماق نفسي سر غريزي يكاد يصدع أركانها ويرجف جوانبها وكنت أشعر أني كمسافر له كل يوم جيئة وذهاب ورحلة ومآب ولكن صوتاً منحدراً من السماء كان يصب في مسمعي إن وقت سفرك لم يحن بعد فترقب هبوب رياح الفناء وعند ما تهب حوّل بصرك صوب تلك الأراضي التي يشتاق قلبك إليها وتنزو نفسك حنيناً إليها فهبي أيتها الرياح التي ستحمل رنيه إلى حياة جديدة.
ولقد كنت أقول ذلك وأنا سائر سيراً حثيثاً وعلى وجهي آيات الحماس والتوقد وكانتالرياح تعصف بشعري وتلاعبه ولم أكن أشعر بالمطر المتساقط ولا بالجليد وكنت أسير شارد اللب مُتّله العقل وكأنما شيطان قلبي قد امتد رواق سلطته على سائري وفي الليل كانت رياح الشمال تهب فتهتز الكوخ والمطر يتساقط غزيراً على جوانبه وكنت إذا اقتربت من النافذة أبصر البدر يشق السحب المتراكمة وينساب بين الغمائم السوداء كأنه زورق أبيض اللون يغالب الأمواج وكنت أشعر أن الحياة تزداد في أعماق نفسي وإني أصبحت من القوة بحيث أستطيع خلق أكوان ولم يكن إلى جانبي أحد أسر إليه تجاريبي فيا رب لو كنت وهبت لي زوجة طبق إرادتي أو فعلت معي ما فعلته مع ابي البشر آدم ومنحتني حواء من أضلاعي لكنت أسجد قبالة صاحبة ذلك الجمال السماوي وكنت أضمها إلى في ذراعي متوسلاً إلى الله أن يهبها الأيام الباقية من حياتي ولكنني كنت مستفرداً واحداً في الأرض واستحوذ على جسمي إذ ذاك فتور وعاودني الملل القديم الذي عرفته من عهد طفولتي مشدود القوى مستحصد المريرة وامتنع القلب عن أن يمد الفكر بعناصره الكريمة وكنت أتقرا وجودي بذلك الملل العميق في نفسي وكنت أناهض في نفسي هذا الداء ولكن بدون رغبة متينة في إخماد جمرته وقل شوكته.
ولما لم أجد ما يأسو جروح قلبي الكوالم التي يكن لها من جسمي مكان خاص بل كانت في كل ناحية منه عقدت العزيمة على الانتحار وأني الآن أسال الأب سويل أن يسامح بائساً غاب عنه صوابه ولقد كنت جافل النفس بالدين ولكنني كنت أسألك في التفكير مسالك الملاحدة والكفرة وكان قلبي يهوي الله ولكن عقلي كان ينكره.
стр. 2906
ولقد كانت أخلاقي وأحاديثي واحساساتي متناقضات متنادة سوداء مظلمة ولكن هل يعرف الإنسان دائماً قيمة نفسه؟ وهو هو دائم الوثوق بما يدور في خلده من الأفكار ولقد فشلت في كل شيء وخدعتني الصداقة وغرتني الدنيا والعزلة.
ولما كنت منبوذاً من المجتمع متروكاً من أمليا وأصبحت الوحدة لا تسر خاطري ولا تحث لي سلواً صرت أقول في نفسي لماذا أبقى على قيد الحياة؟ لقد كانت أمليا مٍجنى من عاديات الزمن الزمن وموثلي من ظلم الليالي والآن قد تركتني، ولما وقر في عزمي أن أطرح عن كاهلي أعياء الحياة عزمت على أن أصب كل همتي إلى ناحية هذه الفكرة النزقة ولم يكن هناك ما يبعث على الإسراع في إتيان هذا العمل ولم أضرب موعداً لساعة مبارحتي الحياة لأتملى من محاسن الوجود قبل الرحيل عنه ولأستجمع قواي كي أحس خروج الروح كما كان يفعل القدماء ورأيت من الضروري أن أعد التدابير اللازمة لما تمتلكه يدي من أمتعة فجبرت على أن أكتب لامليا كتاباً يحوي شكوى قصيرة من نسيانها لي وإهمالها لشأني وذكرت في تضاعيفه شيئاً قليلاً عن الحزن الذي قد أخذ بزمام قلبي وحسبت بذلك أنني قد واريت عنها ولكن أختي تعودت قراءة ما في سريرتي بدون عظيم مشقة وقد راعها التكتم الذي ينم عنه الخطاب وكثرة سؤالي عن أشياء لم أكن أهتم بها من قبل فلم ترد علي ولكن فدكت بنفسها وإذا أردتما أن تدركا مقدار فرحي برؤيتها فينبغي أن تعلما أنها كانت الشخص الوحيد الذي أنيط به حبي وأعقد به رجائي وإن كل شعور اختلج نفسي متصل بها فهي رفيقة طفولتي وأليفة أيامها الرائقة النضرة واستقبلت امليا بفرح شديد وكان قد مضى زمن لم أجد فيه من يفهمني ومن أفتح له مغاليق نفسي وأنشر له مطاويها وقد ألقت امليا نفسها بين ذراعي قائلة أيها الناكر للجميل أتريد الموت وأختك باقية في الدنيا؟ أتستريب في حبها لك؟ ولكن لا تعتذر عن نفسك فإني عرفت أميالك بحذافيرها كأني كنت حاضرة أملاك. أتظنني من اللواتي يرجح خداع الناس بأميالهن وأنا التي شاهدت نشأتك وميلاد عواطفك ولكن باعث كل هذا شقاء نفسك وتبرمك بالحياة وبعدك عن شرعة الإنصاف فتقسم لي الآن بكل محرجة من الأقسام وأنا أضمك إلى قلبي أن هذه آخر مرة تلقى فيها مقاليد نفسك إلى النزق والطيش وإنك لن تعود إلى التفكير في الانتحار.
وكانت وهي تنطق بهذه الكلمات تنظر إليّ نظرات ملؤها الحنو والشفقة وكانت تغطي
стр. 2907
جبهتي بالقبلات ولقد كانت كآلام الرؤوم بل كانت أكثر من ذلك وأسمى ففتح لها القلب أبوابه وأباحها ملكه وكنت في يدها كالطفل فأقسمت لها اليمين التي تريدها ولم يكن في إعتقادي أن البؤس سيجد إليّ سبيلاً بعد هذا ومضى على اجتماعنا الساحر البهيج أكثر من شهر ففي الصباح كنت أسمع صوت أختي فأشعر في نفسي برعدة فرح وهزة طرب وكانت الطبيعة قد حبتا مليا بصفات مقدسة فكان لروحها من الخفة البريئة والظرف ما لجسمها من البضاضة واللدونة وكان لإحساسها ما لا يجد من الوداعة والعذوبة واللين وكانت لها نفس حلوة لذيذة خيالية حالمة وكان الناس يقولون أن بين قلبها وفكرها وصوتها تناسباً تاماً وكان لها من صفات النساء الحياء والمحبة ومن صفات الحور الطهارة ورخامة الصوت وجاء الزمن الذي أكفر فيه عن هفواتي السابقة فقد سألت الله مرة في هذياني أن ينزل بي ملمة لتكون لي سبباً محسوساً يبعث على الألم ويدعو إلى الحزن وقد استجاب الله هذا الطلب الرهيب في ساعة من ساعات غضبه وبماذا أبوح لكما الآن يا أخوي؟ انظرا فهذه الدموع تسيل من جفني تباعاً.
ومن منذ أيام لم تكن في وسع أحد الوقوف على حقيقة ذلك السر الذي اكتتمته ولكن الآن قد قضي الأمر وإنه في كل وقت ينبغي أن تدفن هذه القصة في قبور النسيان فتذكرا أني قد قصصتها عليكم تحت ظلال سرحة في الصحراء - ثم تحمل عنا الشتاء وشاهدت أن امليا تفقد راحتها وتشكل صفوها وأنها أخذت في النحول ونال منها الوهن وبأت عيناها تغوران واصبحت مشيتها بطيئة وصوتها قلقاً مضطرباً وقد فاجأتها يوماً تبكي عند أقدام صليب من الصلبان وأصبحت الدنيا والوحدة ومرور الليل والنهار - أصبحت كل هذه المظاهر تخيفها وبرعبها وكان يرتسم على شفتها الألم والملل.
وكانت في بعض أوقات تقبل على العمل بدون كلال أو تعب وفي بعض الأوقات كان يجهدها المشي وكانت تبدأ العمل ثم تتركه وتفتح كتاباً للقراءة ولا تقرأ منه سطراً واحداً ثم تنهل من عينها بوادر الدموع فتطلب العزلة والعبادة وقد حاولت عبثاً الاهتداء إلى سرها ولما سألتها مرة وأنا أضمها بين ذراعي قالت لي بابتسامة حزينة أنها مثلي لا تدري سبباً لما بها ومر على ذلك ثلاثة أشهر وكانت حالتها تزداد سوءاً في كل يوم عن سابقه وظهر لي أن مكاتبان سرية كانت تصلها فتسبب لها البكاء وكانت تبدو عليها علامات الهدوء أو
стр. 2908
الانفعال تبعاً للخطابات التي كانت تتسلمها وفي صبيحة يوم لما تولي ميعاد تناولنا الإفطار صعدت إلى مخدعها وطقت الباب فلم يجبني أحد ففتحت الباب فلم أجد أحداً في المخدع ثم رأيت على المدخنة خطاباً باسمي ففضضته وقرأته وحفظته معي لأطرد عن نفسي الأيام المقبلة كل خاطره فرح وسانحة سرور وهذا نص الخطاب: - إلى رينيه
يعلم الله يا أخي أنه قد طالما وهبت لك حياتي لأطوي عنك فترة من فترات الألم ولكن لأقول نجم الحظ لم أوفق إلى طريق إسعادك ولم أهتد إلى سبيل الترفيه عنك وإني أرجّي أن يكون من ذلك العجز الواضح شفيع لديك وعذير إليك إذا أنا تلمست الخلاص منك وركنت إلى الفرار كمن قارفت ذنباً أو ارتكبت إثماً فليس لي يدان بدفع توسلاتك وقد حم الرحيل وأظل الفراق وقد جاء الوقت الذي ألبى فيه النداء المهيب الذي كان يتصبب في أذني من نواحي السماء مهيباً بي. لماذا تريثت إلى الآن؟ وأنت تعرف يا رينيه جنوح نفسي من عهد الحداثة إلى الحياة الدينية وقد كنت باقية في الحياة من أجلك فافسح لي فناء العذر فقد أدتني الأحزان لمفارقتك وإني في هذه الأيام يا أخي العزيز لأدرك من صميم نفسي وأشعر من أعماقها بضرورة هذه الملجئ التي أعهد فيك الأعراض عنها والأزوار عن جانبها وإن هناك من أفانين الشقاء وألوان المصائب ما يسوقنا إلى اعتزال الناس وإذا الناس وإذا لم يكن هناك تلك الأديار فإلى أي ركن كان يلجأ الهارب وفي أي ظل يحتمي وأكبر ظني أنك تلقي يا أخي العزيز الراحة المنشودة في تلك العزلة الدينية فليس في الأرض منزل يليق بكرامتك والناس أنذل وأقل قيمة وأقل قيمة من أن تعايشهم وهل تطن أن هناك شيئاً أكثر مجلبة للاحتقار أو مدعاة للأهوان من أدامة التفكير في ترك الحياة ورفضها وإذا كان إنسان له سجايا كسجاياك وطبائع كطبائعك يجد الموت سهل المساغ عذب المور فماذا تظن بحاجة أختك إلى الموت وتعلقها بالموثق فإني أعرف وفاءك وصدقك وقد أقسمت أنك ستعيش من أجلي ولكن يا عزيزي رينيه العزلة جانباً واخرج من أفيائها إلى مضاحي العمل وأبحث عن وظيفة لك وإني أعلم إنك تبتسم ابتسامة مرة معلقاً بأطرافها السخر من مجاري الأحوال في فرنسا وتزهد في الالتحاق بوظيفة ولكن لا تحتقر تجاريب آبائنا وحكمتهم في الحياة فقد كان نفعهم عمماً وخيرها شاملاً وكانت أقل من غيرها تعطيلاً لمصالح الناس وإضراراً بهم واتبع أسلوب الحياة الذي يعيشه أكثر الناس لتكون
стр. 2909
أقل شقوة واندر كسوف بينا ولقد تصيب في الزواج قرة لعينك وسلوانا فتقضي الأوقات مع زوجتك وأولادك وأي امرأة لا تستفرغ جهدها في إشعارك السرور وإدخال الابتهاج على ننفسك فإن روحك النارية المتوقدة وعبقريتك الجميلة المشرقة وسمتك وما عليه من شارة الجلال والأبهة وما يقرأ في ملامحك من معاني الإباء وعزة النفس والعطف والحنان كل هذه الصفات والشمائل تجعلك تستوثق من حبها لك ولا تستريب في قصر هواها عليك وانصباب أميالها نحوك لترد عنك كياد الأحزان وتبطل أسباب الآلام وستضمك بين ذراعيها ضمات تنم عن الحب الدخيل وتبوح بالهوى المستمكن الأصيل وتكون لك ينبوعاً عذباً من الصفاء ومورد إخلاص ازرق الجمات وسأرحل إلى دير. . . فإنه مبني على شاطئ البحر وموقعه يلائم روحي ففي الليل من وسط غرفتي أسمع خرير الأمواج التي تغسل حيطان الدير وأفكر في تلك الجولات التي كنا نجولها معاً في وسط الغابة يوم كنا نظن أننا نسمع صوت البحر من قمم أشجار الصنوبر المهتزة. فيا رفيق طفولتي العزيز قل سنلتقي بعد ذلك وأعقد بك الحاظاً شيقة لرؤيتك وقد كنت أكبر منك سناً بأعوام وقد هززتك في مرقدك وكثيراً ما كنا نرقد في مرقد واحد فهلا ضمنا قبراً واحد يوماً ما ولكن أني يكون ذلك وأنا سأرقد وحيدة تحت رخام المعبد حيث نستريح الراحة الأبدية هؤلاء الفتيات اللواتي لا يأبه بهن أحد ولست أدري إن كنت سنتمكن من قراءة هذه السطور التي قد بللتها الدموع ولقد كان فراقنا أمراً محتوماً ليس في قدرتنا أن نستدفعه وأنت تعرف حيرة الإنسان وأنت تعرف حيرة الإنسان من حوادث الحياة وتدري صغر قيمتها وإني أذكرك بصديقنا الصغير م الذي مات غريقاً في جزيرة فرنسا والذي لما تسلمت آخر خطاب منه بعد مرور أشهر على موته كان جسده رهين الحفائر وفي الوقت الذي بدأت فيه تلبس عليه ثياب الحداد كان الناس قد تناسوا الحزن عليه في الهند فما قيمة الإنسان الذي تغيب ذكراه هكذا عاجلاً في سباسب النسيان؟ فريق من أصدقائه لم يصلهم بعد نبأ موته بينما الفريق الآخر قد تعزوا فيا عزيزي رينيه بل يا أعز الأعزاء هل ستغيب ذكراي من نفسك وتقفر منازل حبي من قلبك بهذه السرعة؟ يا أخي نزعت نفسي منك في الحاضر لكيلا نفترق في الأبدية.
حاشية - أضيف إلى هذا الخطاب أني أهبك كل ما تمتلكه يدي من متاع الدنيا ولي أمل
стр. 2910
أنك لا ترد ذلك وأن تقبله دليلاً على حبي لك وانعطافي نحوك.
* * *
ولو أن صاعقة سقطت إذ ذاك عند قدمي لما أحدثت في نفسي الذي أحدثه وقع ذلك الخطاب فما كنه ذلك السر الذي سترته عني امليا؟ وما الذي بعثها فجأة على الإقامة في الدير؟ وهل جملت في عيني الحياة بما خلعته عليها من رونق ودادها الساحر لتتركني على عجل ولم جاءت إليّ وجعلتني أصدف عن خطتي ولقد بعثها إلى دافع الشفقة ولكن لما اعتراها التعب بغتة من تلك المهمة الشاقة نأت بجانبها عن بائس لا يعقد الآمال على غيرها ولا يفكر إلا فيها ومن غرائب الأمور أن الناس يعتقدون أنهم يحسنون صنعاً إلى من منعوه موارد الانتحار وبقد كنت أشكوها إلى نفسي قائلاً يا امليا يا ناكرة الجميل وجاحدة الفضل لو كنت أنت مثلي قد ضللت السبيل في صحراوات الأيام لما كنت أتحامى القرب منك وأتسلى عن بعادك ولما أعدت قراءة الخطاب تبينت فيه أثر الألم والحزن فأجدّ ذلك جروح قلبي المندملة ثم أومض لي بارق فكرة أنارت في ليل حيرتي وشكي وهي أن امليا قد تكون أحبت إنساناً وكتمت حبه ولم تجرأ على الإباحة بهواها وقد تراءى لي أن هذا الظن يوضح كل ما التبس حزنها وبواعث كآبتها والرسائل الغريبة التي كانت ترد إليها وذلك الحزن الذي يلوح من خلال خطابها فكتبت إليها فوراً متوسلاً إليها أن تكشف لي عن أسرها فأسرعت في الرد ولكن لم تطلعني على جلية أمرها وقالت لي أنها حصلت على إذن لتتدرج في صفوف المتقدمات للرهينة وأنها عن قريب ستقسم اليمين فاتقدت غضباً من إصرار امليا ومن غموض كتابها والتوائه علىى الفهم وعدم ثقتها بمودتي وبعد أن أعملت الفكر وأجلت النظر فيما أفعله حيال ذلك نويت الذهاب إلى ناحية (ب) حيث أبذل هناك ما في طوقي وكانت الديار التي نشأت فيها على الطريق ولما رأيت الغابات التي أمضيت فيها الأيام الزاهرة من حياتي لم أستطع حبس الدموع وإمساك أرسان الأشجان وكان يعز علي أن أمر عليها بلا وداع وأودعها بلا سلام وكان أخي الأكبر قد باع ميراثه ولكن المشتري الجديد لم يسكن في القصر وقد وصلت إليه من ممشى محفوف بالأشجار وكنت أمر بأطرافه المهجورة وكنت أمشي على مهل أنظر النوافذ المقفلة والمكسورة والشوك الذي ينمو عند جدران الحيطان والأوراق الجافة المنتشرة على اوصدة
следующие страницы →