← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

محاورة بين فقيه متدين وفيلسوف ملحد للفيلسوف الألماني الأكبر آرثر شوينهور (تابع ما نشر في العدد الأول من هذه السنة) الفقيه - ولكنك لن تؤنس ذلك! هذا وأن الأديان ليست بخديعة ولكنها حقيقة وأهم الحقائق. ولكن فرط سموها هو الذي يبعدها عن منال أذهان العامة ووهج ضيلئها، هو الذي يعشى العين الاعتيادية فلا تراها ومن ثم كان وجوب خفائها تحت ستار الرمز والكتابة حتى أصبح الدين يعلم الناس ماليس بحقيقة في حد ذاته ولكنه حقيقة باعتبار ما يكمن وراءه من المعاني. فإذا نظرت إلى الدين من هذه الوجهة رأيته حقاً. الفيلسوف - قد يجوز لك لو كان يحكم للدين بأنه حق من الوجهة الكنائية ليس إلى ولكن أنصار الدين يدعون أنه حق بالمعنى الحقيقي للكلمة، وهنا موضع الغش والتدليس. ومن هذا الوجه يجب على ناصر الحق أن يقاوم الدين ويحاربه. الفقيه - ولكن هذا الخداع شرط أساسي لا بد منه وذلك أن الدين إذا صرح بأن عنصر الحق فيه مقصور على ما تتضمنه عقائده من المعنى الرمزي الكنائي لزالت عنه قوة نفوذه وسلطانه وزال بزوالها جميل أثره في مشاعر الناس وعواطفهم وحسب تهذيبه لطباعهم وأخلاقهم. فبدلاً من تناول الذين بهذا الانتقاد المر والاعتراض الشديد ينبغي أن تنظر إلى فوائده العملية الجليلة من حيث تهذيب النفوس وترقيق المشاعر وتسكين العواطف باعتباره هادياً إلى سبيل الرشاد. ودليلاً على طرق الصلاح والسداد، وملاذاً وملجأً وعمادً وعصمة للإنسانية المنكوبة المحروبة المتوجعة المتفجعة في الحياة والممات. ولا مشاحة في أنه يجب عليك أن تحاذر إيقاظ الريب والشكوك في صدور الجماهير بإثارة المجادلات النظرية فتسلبهم بذلك أحسن مصدر للعزاء والسلوان وأغزر منبع للأمن والسلام، والتوكل والاستسلام، مما هم في أمس الحاجة إليه - بل أحوج إليه منا نحن المتعلمين - لتخفيف وطأة النحس. وتهوين فدحة البؤس، وتنفيس غمة الكرب وتفريج أزمة الخطب. ولهذا السبب وحده لا يصح الطعن على الدين. الفيلسوف - إن حجتك هذه لواهنة واهية وبمثلها كان يمكن خذلان البطل لوثر ورده

стр. 2977

بالهزيمة حين شن حربه العوان على الكاثوليكية وصب غارته الشعواء على فعلتها القبيحة المنكرة أعني بيعها عفو الله وغفرانه بالذهب والفضة في سوق الكذبة والخديعة. أفلا ترى أن أوراق العفو وصكوك الغفران التي كان قسوس الكاثوليكية يزورونها على الله في ذلك الزمان كانت تمد العدد العديد من البشر بأمتن أسباب العزاء والسلوان وأحسن وسائل الأمن والسلام في سكرة الموت وغمرة الاحتضار حتى كان الرجل يفارق الدنيا قرير العين مثلوج الفؤاد مملوءاً ثقة واعتقاد بصحة ما يحمل في يده من تلك الأوراق المزورة وهو على سرير الموت مقتنعاً بأنه يحمل منها عدة ترخيصات وجوازات بدخول الجنان والتمتع بصفوة خيراتها ونخبة لذائذها. أي فائدة وثمرة في تقديم أسباب العزاء والسلام إذا كان لا يزال مشهوراً فوقها سيف الغش والخديعة؟ الحق يا سيدي - الحق وحده - هو القوي المتين الوفي الأمين. والحق أبلج والباطل لجلج. والحق هو العزاء المادي الوحيد الراسخ الأساس الصلب الدعائم الذي لا تزعزعه الحوادث والكوارث - هو الجوهر الفرد والمفرد العلم والحي الباقي. الفقيه - أجل ما أصح قولك هذا لو كنت تحمل الحق في جيبك وتضم عليه أصابعك تمن علينا وتنعم كلما سألناك منه حفنة أو قبضة ولكن ما لديك هو مذاهب فلسفية لا مادية. (أي عما وراء المادة) ليس فيها شيء محقق سوى وجع الرأس. والقنوط من الحقيقة واليأس. وقد كان أجدر بك أن تعلم أن على أطلال ما هدم ويشيده على أنقاض ما قوض. الفيلسوف - يسؤوني أن أراك متمسكاً بهذا القول، ألا تعلم أن تحرير المرء من أغلال أكذوبة ليس معناه أنك سلبته شيئاً بل أنك وهبته شيئاً. لأن عرفانك عن شيء أنه باطل إنما هو حقيقة من الحقائق. هذا وإنك لن تجد أكذوبة أية كانت إلا ولها شر وفيها أذى. وليس من أكذوبة إلا ستلحق الضرر باتباعها عاجلاً أو آجلاً. فعليك إذن أن تكف عن خديعة الناس وتقر أنك جاهل بما لا تعرف وتترك الحرية لكل امرئ يختار من المبادئ والعقائد ما يشاء وتشاء أمياله ونزعاته ويكون آراءه وأفكاره لنفسه. ولعل هذه الأفكار والآراء لن تكون في النهاية كما تتوهم أنت من السخافة ولرداءة إذ كان في طول احتكاكها واصطكاكها ما هو كفيل بتهذيبها وتنقيحها وتصفيتها من خبث الضلال وتنقيتها من شوائب الكذب والبهتان. وعلى كل حال فإن اختلاف المذاهب والآراء يقيم بين الناس التسامح والتساهل

стр. 2978

ويبث فيهم روح الملاينة والمهادنة. ولمن أوتي بعد من العلم والقدرة ما يمكنه من الاشتغال في الفلسفة أن يفعل ذلك وأن يعدو بها شأوا وراء ما قد وصلت إليه إذا استطاع ويسمو بها درجة فوق ما بلغت. الفقيه - حبذا ذلك أو أمكن! شعب كل أفراده فلاسفة يجتمعون في حومة الخصام تحت عجاجة المغالطة والتضليل والسفسطة يثور بعضهم على بعض ويثب بعضهم ببعض وقد يضرب بعضهم بعضاً. لذوي الجدال إذا غدوا لجدالهم ... حجج تضل عن الهدى وتجور وهن كآنية الزجاج تصادمت ... فهوت وكل كاسر مكسور الفيلسوف - إن القليل من اللطمات واللكمات يتبادله الجماعات من آن إلى آخر ليصلح من أحوالهم كما يصلح الطعام القليل من الملح والبهار. وبفرض أن هذا التلاكم شر فإنه على كل حال أهون من شر حكومة القسوس وما تتضمنه من اضطهاد الشيع من المارقين والخوارج ونهب الأهالي ونصب محاكم التفتيش وشن الحروب الصليبية وما إلى ذلك. كل هذه الآفات كانت نتيجة خرافات الدين ورموزه وكناياته وأساطيره المقررة المسجلة المسنونة المشروعة. ولذلك لا أزل أقول إنك لن تحصد الخير من الزور والباطل كما لن تجني العنب من الشوك. الفقيه - إلى م أكرر سمعك أن الدين ليس بزور وباطل وإنما الحق ذاته في ثوب من الرمز والكتابة. أما قولك أن لكل فرد أن يقرر لنفسه ما شاء من المذاهب الدينية فإني أعترض عليه بأن مثل هذا التخصيص جد مخالف ومناف لطبيعة البشر، فلو حدث لمحي النظام الاجتماعي بحذافيره. وقد قيل أن الإنسان حيوان لا مادي (مولع بالبحث فيما وراء المادة) أي أن له في الغيب وفيما وراء الطبيعة حاجات ومآرب. ومن ثم تراه لا يزال ينظر إلى الحياة من وجهتها اللامادية ومن هذه الوجهة وعلى هذا الاعتبار يحاول أن يفهم معاني كل شيء في الوجود وأسرار كل كائن. وعلى ذلك فبالرغم مما نراه من ضعف الثقة ومرض اليقين في كافة العقائد الدينية وكثرة ما يغشاها من الريب ويحوم حولها من الشكوك فقد نرى أن الأديان كلها متشابهة متماثلة في الجوهر الأساسي من أركان ناحيتها اللامادية وعناصر جانبها (الغيبي) حتى لترى أن

стр. 2979

الصداقة لمتينة والتحالف الدائم لا يكون لا بين الأمم المتحدين أراء في هذه النقطة ونتيجة هذا إنك ترى تشابه الأمم واختلافها أشد وأعظم في مسألة الدين منه في أمر الحكومة بل اللغة وعلى ذلك فإن نظام المجتمع أعني الحكومة لا يضمن ثبات أركانه ورسوخ أصوله إلا إذا قام على أساس مذهب (لا مادي) شائع معترف به من جميع الطبقات ولا مراء في أن مثل هذا المذهب اللامادي لا يكن أن يكون إلا مذهباً (لاماديا) مألوفاً - أعني ديناً من الأديان فحينئذٍ يصبح على تمام ملاءمة ومطابقة للحكومة ولكافة أساليب الحياة الوطنية ومناهجها ومظاهرها لجميع ما يقوم به عامة أفراد الشعب من الأعمال المقدسة في حياتهم الشخصية. ولقد كانت هذه هي الحال عند قدماء الهنود والفرس والمصريين واليهود واليونان والرومان ولا تزال هي الحال عند البراهمة والبوذية والمسلمين. أجل إن في بلاد الصين ثلاث عقائد دينية وأشيع هذه الثلاثة أعني البوذية أقلها نصيباً من رعاية الحكومة وعطفها وحمايتها ومع ذلك فإن الأمثال السائرة في بلاد الصين الكثيرة التردد على الألسن ذلك المثل القائل (إنما الثلاث العقائد هي في الحقيقة عقيدة واحدة) أو بعبارة أخرى إنها متحدة في الجوهر. وإمبراطور الصين يقر بالثلاث ويوافق عليها جميعاً. وهذه أوروبا هي حلقة دول نصرانية. والنصرانية هي أساس كل واحدة من فرائد هذه الحلقة وهي رابطة الكل والعروة الوثقى المؤلفة شمل الجميع ومن ثم ترى أن تركيا بالرغم من وقوعها داخل حدود القارة الأوروبية لا تدرج ولا تدمج في سلكها. وعلى هذا النحو ترى أن ملوك أوروبا ليسوا ملوكاً إلا بإذن الله رضاه وإن الباب ولي الله في أرضه ووكيله ومندوبه وعلى ذلك فلما كان عرشه باعتباره وكيل الذات الإلهية ومندوبها هو أسمى عرش في أوروبا رغم أن سائر عروش هذه القارة إنما هو عالة على عرشه وذيل له وحاشية أو هو فرع منه مستأجر من قداسته. وعلى هذا النحو ترى البطارقة والكرادلة والأساقفة ليس سلطانهم محصوراً في دائرة الدين بل يتناول أيضاً الشؤون الدنيوية والمسائل المادية. ألا ترى أن الأساقفة ورؤساء الأساقفة لا يزال لهم إلى الآن في بلاد الإنجليز مجالس يشغلونها وأصواتاً يرفعونها في مجلس الشيوخ. هذا وإن الملوك البروتستانتيين يصبحون بفضل بروتستانتيهم زعماء الدين في مملكهم ورؤساء الكنيسة. ولقد كان الذي يشغل هذه الوظيفة الدينية الكبرى في إنكلترا منذ أعوام قلائل فتاة لا تجاوز

стр. 2980

الثامنة عشرة من العمر. ولما ثارت البروتستانتية ثورتها في وجه البابا مزقت شمل النظام الأوروبي وهدمت بنيانه وبددت سلسكه وحلت عراه ولا سيما أواصر الوحدة الألمانية الصادقة بإلغاء دينها المشترك. فقضى على هذه الوحدة وما زالت مقضياً عليها حتى أتاح الله من عوضنا منها - لا أقول خيراً - ولكن شراً - أعني بذلك ما قد أقامته السياسة على أنقاض الوحدة الدينية المتينة القوية الرصينة بعد انقراضها بأزمان من تلك الوحدة الحالية التي هي محض سياسية وبحث اصطناعية. وبعد كل ما سردته لا أخالك تشك في شدة الارتباط الكائن بين الوحدة الدينية في الشعوب وبين حسن النظام وصلاح غيره من الشؤون الدولية والأحوال الاجتماعية. فهذه الوحدة لا تزال في كل زمان ومكان عماد الشرائع والستور أي أنهما قاعدة النظام الاجتماعي الذي لا يكاد يقوم على أساسه ويعتدل في نصابه إلا أذا استمدت الحكومة قوة وتأييداً من جانب الدين واستمد الملك الحاكم فخامة وأبهة زجلالاً. الفيلسوف - حسن جميل الحق ما تقول، أجل إن الملوك ليعدون الله عفريتاً يخوفون به الأطفال الكبار الشيب ويدفعونهم باسمه الرهيب إلى فراشهم حينما تعوزهم وسائل الإرهاب والإفزاع. ومن ثم شدة اعتمادهم على الله. فأما وقد ألغيت خطة التعذيب والتنكيل ونصيبهم من الخوازيق والأوتاد وصارت في خبر كان فقد أصبحت تلك الخطة في سياسة الأمم وتدبير الشعوب باطلة ملغاة عديمة الأثر والمفعول. ولتعلم أن بعض الديانات هي أشبه شيء بالحباحب لا تضيء إلا في الظلام فالجهل العام شرط أساسي لصولة الأديان ونفوذها وهو النصر الوحيد الذي ليس إلا فيه يستقيم أمرها ويقوى شأنها. فإذا بزغت في أفق الحياة كواكب العلم على اختلاف أشكالها بين تاريخ وجيولوجيا وطبيعيات وفلك فبثت شعاعها وأفاضت نورها على أرجاء العالم وأنحائه وإذا ما استطاعت الفلسفة بعد طول الاحتجاب والاحتباس أن ترفع عبقريتها وآرائها ومعتقداتها فقد آن إذ ذاك أن تنهار أركان الأديان المبنية على الخوارق والمعجزات وتنقوض دعامها فتهلك وتبيد ووترك مكانها للفلسفة أحكامها. وقد لاح فجر العلم والعرفان وانصدع عموده في القارة الأوروبية في أخريات القرن الخامس عشر بقدوم الفلاسفة اليونان الحديثين ثم ما لبثت شمسه أن ارتفعت وأتلع ضحى ذلك العلم والعرفان ومتع نهاره أثناء القرنين السادس عشر والسابع عشر الخصيبين

стр. 2981

المنتجين. فانكشف بذلك دياجير العصور الوسطى وتبددت غيومها وأدجانها. وبقدر سطوع ذلك النور وانتشاره اضطرت الكنيسة والإيمان إلى الانزواء والاستتار والاختفاء تدريجاً على ممر الأيام. وترتب على ذلك تناقض الفلاسفة الانكليز والفرنسيين وتخاصمهم وتضاربهم. وما زال دأبهم ذلك حتى ظهر إمام الفلسفة وعميدها وقطبها ومحورها الحكيم الأشهر والمنطقي الأكبر عميويل كانت الألماني في عهد فريدريك الكبير فنزع من الدين والإيمان عماده وسنده الذي كان قد استمده سالفاً من الفلسفة. فكانت نتيجة ذلك ما نراه في القرن التاسع عشر من وهن المسيحية وتضعضعها وتجردها من راسخ الاعتقاد وصحيح الإيمان ودفاعها للمحافظة على كيانها. وكفاحها لصون موضعها ومكانه. والملوك المذعورون المروعون يحاولون أثناء ذلك إنهاضها وإنعاشها وإمساك رمقها واستبقاء عنصر الحياة فيها كالمنبهات الصناعية كما يحاول الطبيب استحياء المحتضر بالأودية والعقاقير، ولا يخفين عليك أن العلم والدين ما برحا أثناء هذه الحوادث التي قد يبيّنها لك ينزا أحدهما من الآخر منزلة إحدى كفتي الميزان من الأخرى إذا شالت واحدة فلا بد أن ترجح الثانية. وهذا الميزان حساس للغاية بحيث يمثل لك التأثيرات الدقيقة الوقتية، فمن أمثلة ذلك أن غارات السلب والنهب التي قام بها لصوص الفرنسيس تحت زعامة اللص الأكبر نابليون بونابرت في أوائل القرن التاسع عشر وما تكلفته شعوب أوروبا من المجهودات العظيمة لرد عاديات أولئك اللصوص وغوائلهم وطردهم من حمى أملاكهم وحريم أوطانهم - كل ذلك أدى إلى إهمال العلوم الطبيعية وبالتالي إلى تقصير عظيم في نشر نتائج هذه العلوم ونشر آثارها. وإذ ذاك بدأت الكنيسة ترفع رأسها ثانياً وبدأ الإيمان ينتعش انتعاشاً شعرياً ملاءمة لروح ذلك العصر ثم نرى من جهة أخرى أن في خلال الثلاثين عاماً التي أعقبت ذلك العهد تمالأ الرخاء والفراغ على تشييد صرح العلوم ونشر المعارف بمقدار خارق للعادة مما أدى إلى ما قد ذكرت آنفاً من تصدع صرح الدين وتفسخ أركانه وإيذائه بالتهدم والسقوط، ولعل التنبؤ بزوال الدين قاطبة من العالم الأوروبي سيتحقق عن قريب فينسل الدين من أوروبا كما تنسل الحاضن من الطفل الذي كبر ونما وبلغ أشده - ثم يسند بعد ذلك أمره إلى معلم ومهذب ليثقفه ويقومه. ولا جرم فإن مذاهب

стр. 2982

الإيمان والاعتقاد التي لا أساس لها سوى الثقة العمياء والوحي والخوارق والمعجزات لا تنفع ولا تصلح ولا تليق إلى بطفولة إنسانية. ولا خفاء أن النوع البشري لم يخرج بعد من طور الطفولة إذ كل الحقائق الطبيعية والتاريخية تقرر أن عمر الإنسانية لا يتجاوز الستة آلاف من السنين وهذا يعادل متوسط عمر الفرد مائة مرة. وحسبك بذلك دليلاً على طفولة النوع البشري. لها بقية

стр. 2983

البلشفية حقيقتها ومبادئها ونظاماتها (بقلم الكاتب الإنجليزي المنصف. و. ن. جود) ترجمة العالم الكاتب الأستاذ محمود طاهر ظهرت البلشفية في روسيا في أواخر الحرب الأوروبية الكبرى. وقام زعماؤها ينشرون مبادئهم ويبثون تعاليمهم بين مواطنيهم الذين ما برحوا يرزحون تحت نير حكم الفرد حتى تدهوروا إلى أوهد هوات الخمول وأسحق أغوار الاضمحلال، فهب الشعب الروسي من سباته العميق وقام ينشد حريته المسلوبة ويطلب حظه من الحياة الحقة. فنشأ من جراء ذلك تلكم الثورة الهائلة التي أدهشت العالم وأفزعته، وحدت ببعض السوء على أن يقرفوها يكل تهمة نكراء ويلبسوها بالأوهام والأباطيل. ولكن سدى ذهبت جميع مجهوداتهم إذ رأينا البلشفية تنمو وتذيع وتنتشر، والناس شعوباً وجماعات يلوذون بأكنافها أفواجاً حتى اضطرت الدول العظمى لأن تعترف بعجزها عن مناوأتها وترى ضرورة التفاهم معها والاتفاق وإياها، كما قام الكثيرون من فطاحل السياسة ورجالات الاجتماع، ممن روسيا في السنوات الأخيرة - ينتصرون للبلشفية ويؤدون إلى العالم أمرها زاروا أداء تنزه عن الغرض والهوى. وسننشر تباعاً سلسلة المقالات التي نشرتها جريدة المنشتر جارديان لمراسا الخاص و. ت. جود عن كل ما يتعلق بالبلشفية مبتدئين بما جاء تحت العنوان الآتي: أساس التربية الحديثة لما كنت قد قضيت أغلب حياتي في التعليم وأعماله على اختلاف أنواعها عنيت بالطبع عناية خاصة بأن أقف على نظامات الحكومة الروسية الحاضرة إزاء التعليم. إن روسيا كتلة من الأمية وقسطها من الجهالة أو فر من قسط أية بقعة أخرى من بقاع أوروبا. ولكن بقاء كيان الحكومات ورسوخ أقدامها يتوقف على طريقة علاج هذه المسألة. وإنا نعلم أن أهمية التعليم قد قدرت حق قدرها في الثورة الفرنسية الكبرى، لذا كنت أتوق إلى معرفة مقدار إدراك قادة تلكم الثورة الأخيرة لهذه النقطة التي تعد نتيجتها من الأهمية والخطورة بمكان عظيم. فانتهزت اقرب الفرص لمقابلة لونا كارسكي مدير لجنة التعليم كما أنى

стр. 2984

تحادثت غير مرة مع مساعدة الأستاذ بوكروفسكي ذلكم المؤرخ الكبير فعلمت علم اليقين أن البلشفيك على بينة تامة من جسامة مسألة التعليم الروسي وضرورتها لدعوتهم وأنظمتهم وحياتهم وعلمت أنهم طرحوها على بساط واسع من البحث والفحص بكيفية تدعو إلى الدهشة والاستغراب. وضالتهم في ذلك هي أن يمحو الجهالة من عقول الفلاحين، وأن ينشروا المدارس في جميع القرى والأرياف، وأن يعدوا الفصول ويضعوا البرامج الخاصة للتعليم الصناعي والفنى الترفيه حال العمال، وأن يؤسسوا جامعة أهلية تقوم بما تقصر عنه تلك المعاهد المتقدمة من تهذيب الفنون الجميلة كالتمثيل والغناء والتصوير. وجملة القول أنك إن رأيت النهضة قائمة في روسيا الآن فثم تياراً هائلاً من الرغبات يدفع القوم إلى إصلاح التعليم من وجوهه جمعاء، وأن هذه الحركة المباركة لو تعهدوها باعتناء وحنكة لأخرجت جني يانعاً طيباً لروسيا بل وللعالم قاطبة. ولقد ينال منك العجب إذا أنت علمت أن الفكرة السائدة هنالك أن جهل وطني واحد وهو خطر على الأمة، وأن من أول واجبات الحكومة أن تساعده حتى تزول جهالته. ولقد كنت عام ١٩١١ في موسكو أزور المدارس وأنتقد حال التعليم، فرأيت جماعة من المصلحين نشطوا لترفيه حال تلاميذ مدارس القرى بإمدادهم بكتب المطالعة القيمة السهلة المأخذ الأكيدة الفائدة. ومساعدتهم على تعليم الحساب والرياضة، كل ذلك على نفقة الجماعة لا يكلف الحكومة فتيلاً، غير أنهم ما عتموا أن اضطهدوا وصودرت تآليفهم وأصبحوا عرضة لكل مهانة واحتقار وهدفاً لجميع أنواع التشهير والقذف سراً وعلانية. ثم هبت فئة أخرى تريد إنشاء ناد ودار كتب يأتي إليهما معلموا مدارس القرى في أيام العطلة وأوقات الفراغ لتبادل الآراء وتصفح الأسفار واكتساب المعلومات ولكنها كانت في كفاح ونضال مع الحكومة التي لم تأل جهداً في عرقلتها. ولكن ما هي إلا الفترة بين سنة ١٩١١ و ١٩١٩ حتى جاءت البلشفية تحمل كل خير وفخار. سخاء الحكومة تبرع الناس بالأموال عن طيبة خاطر فجمعوا في مدى ستة أشهر مبالغ باهظة ومقادير جساماً. وأول خطوة عملية كانت في سبيل تعميم التعليم في القرى وكان الرائد فيها الفكر الناضج والرأي السديد. حتى ولقد مهدوا السبل ليشركوا الزراع أنفسهم في هذه الحركة

стр. 2985

العلمية كي لا يفوتهم نصيبهم فيها لهذا أصبحت المدارس (مدارس صناعية) تعلم فيها القراءة والكتابة والحساب ثم يدرب طلابها على كل ما يحتاج إليه معيشة القرى من الصنائع كالتجارة والحدادة والزراعة وأعداد الكتان والصوف والغزل والنسيج وما إلى ذلك. والمدارس الصناعية الحديثة تضيف إلى ذلك تعليم الفلاحة وزارعة الحدائق ومن هنا يمكنك أن تتصور مقدار حب الأهالي ومقدار إقبالهم على هذه المدارس التي تعود بهذا النفع العميم. وحسبنا دليلاً على ذلك مئات المدارس من هذا النمط التي أنشأها المزارعون أنفسهم في المدة الأخيرة. ويكفينا برهاناً على ضمان استمرارها في سبيل التقدم والنجاح تلك الهمة العالية التي يبذلونها في موسكو لتدريب معلمين أكفاء لهذه المدارس الصناعية. ففي ميدان (اكاتير نسكي) يوجد بناء عظيم تحيط به حديقة شاسعة واسعة تبلغ مساحتها أفدنة عديدة - كان قبلاً مدرسة داخلية لبنات الأغنياء وعليه القوم. أما الآن فهو يجمع بين جدرانه ٣٠٠ مدرس انتخبهم السوفيت من جميع أنحاء روسيا وأركانها وهو يعيشون في تلكم الدار إذ بها العد الكافي من غرف النوم وقاعات التدريس وورش الصناعة كما أن بها مثل ذلك لعدد كبير من صغار التلاميذ ذكوراً وإناثاُ يستخدمون لتدريب المدرسين وتمرينهم. أما إدارة هذا المعهد العظيم ففي يدي اثنين - امرأة ورجل - لهما كفاءة عظمى في التدريس، ومهارة فائقة في حسن الإدارة وحظ وافر من جميل الخلق وهمة لا تحد في إنجاز الأعمال وهناك تعطى النظريات أولاً ثم تطبق عملياً في (الورش). التعليم العملي فكانت نتيجة ذلك أن دبت في القوم روح سارة كادت أن تؤدى بنفسي إلا الحسد. وأنت يمكنك أن تعرف قيمة هذا المعهد وأهميته حينما تعلم أن كل من تخرج منه يرسل إلى بلدته لينشر فيها ما اكتسبه من علوم وصنائع. أما التلاميذ الصغار فإن سوادهم الأعظم من أبناء العمال وكلهم في أحسن صحة، وخير حال، وأقوم خلق، وإن مداركهم لتنمو بسرعة حتى إن منهم من يظهر ذكاء نادراً وحذقاً فوق المنتظر. وبهذه الطريقة الناجعة تسني لهم أن يربوا ملكات نشئتهم ومواهبهم الطبيعية ويستخدمونها في صالح روسيا ولولا ذلك لظلت خافية مختبئة إلى أن تذوي وتموت دون أن يستفاد منها شيء.

стр. 2986

أما عمال المدن والمصانع الكبرى فقد أعدت لهم الفصول ووضعت لهم البرامج لتعليم العلوم الصناعية والفنون المختلفة. ولما كانت الحاجة شديدة جداً إلى أمثال هؤلاء العمال قامت الحكومة فاتخذت لهم مدارس من الدور الكبيرة وردهات المطاعم ولا أندية. والعناية موجهة أيضاً إلى فني الموسيقى والتمثيل ولقد صادف المسرح من الشباب ميلاً عظيماً حتى أن عدد الملتحقين به في موسكو وبتروغراد أصبح هائلاً لدرجة مدهشة. وسن ابتداء العمل هي السادسة عشر، وإذ ذاك يكون العمل ست ساعات فقد بينا تقضى الساعتان الباقيتان من اليوم في الدرس والتعليم وذلك لمدة عامين ويؤمل فيما بعد أن ترفع سن ابتداء العمل إلى الثامنة عشر. أما في هذه الأيام فنظراً لحاجة الأمة وافتقارها الشديد إلى الأيدي العاملة صرح أن يكون سن العمل من الرابعة. على شريطة أن يشتغل ذلك العامل الصغير أربع ساعات فقط ثم يقضي الأربعة الأخريات في قاعة الدرس. وإني لأرى في هذا النظام النية الخالصة لخير النشء الروسي والاحتفاظ به أن يناله أقل ضير. وبينا كنت حاضراً مؤتمراً عقده المدرسون ليقرروا رأيهم إزاء مسألة التجنيد إذ أتى لينين - وكنت رأيته في ذلك الوقت للمرة الأولى - لا يخفره حرس ولا اتباع وأنشأ يتكلم نحو ساعة من الزمن عن واجبات كل روسي وأن كل امرئ يلزمه أن يعمل بمفرده على خدمة البلاد وإعلاء شأنها. وإن حضور لينين هذا المجتمع لهو دليل على مقدار اهتمام القوم بأمر التعليم. المسارح والفنون الجميلة أما المسارح فقد أصبحت حقاً عاماً للشعب. وألفت لجان من رجال الدين يساعدها أخريات من سوفيت موسكو ولمراقبتها والاهتمام بأمرها ما عدا مرقصهم الشهير ودار التمثيل في موسكو فقد تركا وشأنهما ولم يغيروا فيهما شيئاً عن ذي قبل. فهناك تمثل الروايات الدوام والفودفيل والأوبرا وتقام المراقص وكل شيء. . . . ولكن الجمهور المشاهد قد تغير!. . فالقوم اليوم يذهبون إلى التمثيل حباً لا كعادة قومية كما كانت الحال قبلاً. وفي كثير من الليالي يكون للعمال الفرصة الأولى والتفضيل الكلي في توزيع البطاقات (التذاكر) وذلك مع مراعاة حالتهم الاقتصادية. وتوفير أسباب الراحة والسرور لهم. . ويحي سوفيت موسكو حفلات سمر نسائية يحفظون أجورها جداً ليكون المشاهدون أكثر ما

стр. 2987

يمكن. ومما يدعو إلى الدهشة والاستغراب والإعجاب معاً أنهم يبذلون مجهوداً عظيماً في إنشاء سبع دور للتمثيل في الحدائق وفي بعض الأماكن الأخرى حيث تمثل في أيام الآحاد روايات خاصة يحضرها الأطفال فقد وذلك بلا مقابل. ولقد ذهبت إلى إحدى هذه الدور في حديقة الحيوانات وهنالك رأيت أحوال ألف طفل لا يتجاوزون الرابعة عشر وكلهم يتبعون باهتمام زائد تمثيل رواية اسمها عشة العم تم ثم إني تجولت فيما بينهم لأتبينهم وأرى حالهم فإذا بهم - والحق يقال - يضارعون أترابهم ونظائرهم في لندن. * * * ولتعلم أن روسيا غنية جداً من ناحية التحف وكنوز الفنون. ولقد كان قلبي منقبضاً حزيناً وراسي مفعماً بأخبار الممالك الغربية ومفترياتها عن البلشفيك وكنت موجساً خيفة مما عسى أن يكون قد حل بهذه النفائس. ولكن عيني كذبت تلك الأقاويل وأرجعت لي طمأنينتي. فإن كنوز الاسكندر ومحتويات المتاحف الآخر، ما زالت محفوظة مصونة معتنى بأمرها. وقد أرسلت جميعها على موسكو لتكون في مكان مكين وحرز حريز، ولقد كانوا يودون أن ينشؤوا لها متحفاً في موسكو ولكنهم عدلوا عن ذلك لأن النفائس حق من حقوق بتروغراد وليس من العدل والذوق أن يسلبوا مدينة حقها، ولذا كانت مصونة حتى ترد إلى صاحبتها في الحين المناسب. أما معرض صور تيرتيا كوفسكي في موسكو، فهو اليوم أغنى منه في أي وقت آخر، ولقد زرته فأليفته غاصاً بالمتفرجين - وأغلبهم من الجنود - ووجدت جماعة المرشدين يقومون بوظائفهم بمهارة فائقة، ولطف ليس وراءه زيادة لمستزيد، ولقد جمعت أنفس الصور ومجموعاتها من بيوت الأفراد كما أنه قد أعد متحف خاص لأعمال الزخرفة والبناء والأثاث، والكل معنى به عناية عظمى ومصرح للجميع بالتفرج عليه. وإني هنا أعترف بأن مبادئ البلشفيك ونظاماتهم أبعد ما يكون عن فكرة أماتة الفنون والقضاء عليها بل إنها ستكون سبباً في إنمائها وتهذيبها وإعلاء شأنها. وحسبي ما قاله لونا كارسكي وهو يتكلم عن المسارح والفنون الجميلة حيث قال لي: إن لدينا مواد صالحة لن ندعها تذوي وتموت ونحن سكوت راضون.

стр. 2988

كيف تربي طفلك إياك وعلى الآباء ألا يكونوا أشبه شيء بالشرطة، وأن لا ينظروا إلى الحياة نظر هؤلاء إليها فيأخذوا الناس بالوعيد وييضعوا لهم الذُر وألوان التهديد، فإن واجب الشرطي أن يراقب الناس ويكون بمرصد لمن يعتدي على القانون ويخالف السنة ويركب رأسه في هذه الحياة، ولكن واجبك أيها الوالد أن تزرع في فؤاد صبيك حب القانون ولا يتوفر لك ذلك إلا إذا جنيت نفسك استعمال آداب الشدة وعبارات النهي والزجر ما استطعت إلى ذلك سبيلا. وتوفرت على تصوير الخير أمام أعين أطفالك وبصيرتهم بجماله وأريتهم وجه صلاحه وسداد الرأي في اتباعه فذلك أنفع لهم وأحدى عليك من تحذيرهم الشر وإصرارك على تكريههم فيه وزرع البغضاء له في قلوبهم من طريق النهي والزجر والتأنيب. فدع قولك لصبيك. . . إنك لطفل خبيث شرير. . . . . واستعض عنه قولك في رفق. . . . إنك لست بالمحمود الخلق الآن. . . . . وبدلا من أن تصدر له وخامة العاقبة إذا هو حاد عن طريق الخير وشذ عن قانونك الذي وضعته له. يخلق بك أن تصور حسن العواقب إذا هو أطاع قانونك وعمل بإرادتك وصدع برأيك. فبدلاً من تقول له. . . . . إنك مخطئ. . . لا تقطف الأزاهر من أفنانها - لا تبك لأنك قذرً. . . . لا تصرخ. . . . . لا تحدث هذه الضوضاء!. . . . لا تهبط عن مقعدك!. . . لا تكن قاسياً معك أخيك!. . . . يحسن لك أن تقول له في رفق وهداوة ولين، لقد ارتكبت هفوة. . . . . . الله في الأزاهر المسكينة. خل عنك البكاء وكن فرحاً طروباً. اجتهد أن تكون أنظف هنداماً. . . تكلم بصوت رقيق خفيض. . . رفقاً رفقاً. . . . أرجوك أن تمكث في مكانك - ترفق بأخيك. . . . . وهلم. . . . . فإذا أنت فعلت ذلك لم تلبث أن بوناً شاسعاً بين الأدبين، وفرقاً عظيماً، فإن آداب النهي والزجر تبصر الطفل بكل ما هو شر وأثم، وتريه أنه الطفل الشرير الأثيم. أما آدب العرف والرفق فتدله على الجميل وتجلبه إلى الخير وتعوده التزامه والدأب عليه وسلوك مالكه. فعليك أن تأخذ إذن بالآداب الموجبة وتحاش الآداب السالبة، وليكن مقصدك الحض على

стр. 2989

الخير لإزالة الشر بتنبيه الطفل إليه. العناية بالبدن من الناس طائفة يرون أنه إذا اعتنى الإنسان بصحة الطفل فلا مشاحة في أنه سيروح بطبيعة الحال فرحاً ذكياً نشيطاً متقدماً في النماء، مون الناس آخرون يذهبون إلى أن الصحة لا أهمية لها البتة في ترقية عقول الأطفال وتهذيبهم وإعدادهم للأغراض السامية التي يتطلع الآباء إليها في الحياة، ونحن نتخذ مكاناً وسطاً بين الرأيين ولا نغالي في المذهب مغالاة الرأيين بل نقول أنه إذا أهملت تربية الذهن والأخلاق فلا شك في أن الصحة لا تلبث أن تفسد وتهن يوماً وإنه إذا غفل أمر الصحة فمن الصعب أو المستحيل أن يصل المربي إلى تحقيق شيء من المقاصد الأخلاقية التي يريدها لطفله ولا أمل في تنمية مدارك الطفل أو تهذيب خلقه. فحذار أن تستهين بأمر صحة الأطفال فإنك إن فعلت سقطت عنك وظائف المربي المهذب فأما العناية بثياب الأطفال الداخلية اللاصقة بأبدانهم والعمل على تنظيفهم أبداً فأمر معلوم لا يريد بسطاً ولا شرحاً ولكن ينبغي أن تحشد العناية التامة بوجه خاص لكل ما يمس الأطعمة ويختص بنظافتها وجودتها وصلاحيتها. ومما هو بسبيل ذلك أن يعتني الآباء بأمر اللبان وغيرها من الأطعمة ويهتموا باختيار أجودها وأصلحها وأصحها، ويغلى اللبن أو كل ما هو أشبه به من الأطعمة أو وضعه فوق النار قبل تقديمه للأطفال بل لطالما رأينا الآباء العقلاء بعيدي النظر لا يفتأون يغلون اللبن أو الماء قبل إعطائهم لأصبيتهم - ثم لا ننس وجوب تغيير الأطعمة والأوان الأطعمة وألوان الأكل وتنويعها من حين إلى حين كما تقتضيه فصول العام وتستوجبه اختلافات الطقس والهواء. ويجب أن يقدم إليهم في كل يوم لون من الفاكهة أو نوع من الحلوى. وينبغي أن تكون المآكل في منتهى البساطة دون أن ينقصها التنويع والتغيير ثم ينبغي للأطفال الدفء في الشتاء والاشتمال بالثياب الباعثة عليه والتخفف منها في الصيف والارتداء بالثياب المناسبة له الصالحة لجوه ولاغناء عن تغيير ثياب النوم عند تغيير كل فصل أو مرحلة من العام، ولا بد من أن يكونوا في وقاء من تقلبات الطقس أو من التيارات الهوائية عند النوم وهبات

стр. 2990

الرياح في الشتاء وأيام البرد ثم لا ينبغي إذا كفلت للأطفال مستلزمات الرياضة في الهواء الطلق والنسيم العليل أن يحمل على الأطفال بالتعب ويطلب منهم الإجهاد والاستمرار حتى يدركهم اللغوب بل يجب أن تحترم رغبتهم في الراحة وينزل عن طلبهم عند الجهد والكلال. فإذا رأيت الطفل قلقاً باكياً أو نحو ذلك، فانتظر وتحر السبب لعل الباعث هواء الحجرة أو خلوها منه أو درجة الهضم عند الطفل أو فساد معدته. فإذا ألمّ به ما يلم بالأطفال من الدعكات الانحرافات فعليك استشارة الطبيب للتو والساعة وإنفاذ وصاياه ووصفاته مراعياً الدقة التامة والحذر الشديد، وينبغي لك العناية بأسنان الطفل من الحين إلى الحين والنظر إليها وتقفقد شئونها وحالاتها ثم فحص عينيه وجميع أطراف بدنه وأطراف جثمانه فإذا تيسر لك الوقوع على طبيب تستطيع أن تسترشد به في أمر تربية طفلك فلا تن عن الاسترشاد به والركون إلى نصائحه. وإذا أمكنك الحضور إلى محاضرات التربية والجلوس إلى مذكرات التمريض ودروس الإسعافات الوقتية وما إليها من الدروس التي تلقى على الجماهير لتدريبهم على مستلزمات الصحة فافعل ولا تتأخر وادخر لك إذا استطعت كتاباً أو دليلاً من الكتب الطبية التي وضعت لإرشاد الآباء خاصة. وبد فإنه لا يتسع المقام هنا للاستطراد في ذكر وجوه عديدة من شرائط العناية بالصحة ولا استيعاب هذا الباب برمته. ولكن إذا كنت قد أدركت روح هذه التعاليم التي بسطناها لك فقد سهل عليك أن تجد لنفسك ما يلزم للطفل من العناية البدنية وما يجب وما يصلح. واعلم أننا نريد في جميع أجزاء هذا الكتاب الذي توفرنا فيه على حشد مبادئ التربية الحديثة أن نفهم الناس أن الوالد الذي يهمل أمر الصحة أو يغفل أمر الخلق إنما يهمل بذلك الصحة والخلق معاً. الأدوار الأربعة للحياة الآن وقد بسطنا لك المبادئ الأولية في التربية فنحن مستطردون إلى الطرائق الواجبة لها. ومن هنا يصح لنا أن نقسم التربية إلى أربعة أدوار - فالدور الأول - من وقت الميلاد إلى سن الثانية ومنتصف الثالثة. - والدور الثاني - في هذه السن الأخيرة إلى السابعة - والدور الثالث - من السابعة إلى الربيع الواحد والعشرين أو حواليه والدور الأخير من ثمت إلى السنين التالية.

стр. 2991

ففي الدور الأول - إذ يكون الطفل عاجزاً عن الإدراك - لا سبيل عليه لا من ناحية تكوين العادات المحمودة. وأما الدور الثاني إذ يكون قد أصاب قسطاً من الإدراك يكفل له فهم أوامرك. فلا سلطان لك عليه إلا من ناحية الطاعة. وفي الدور الثالث حيث يكون الصبي قد تهذبت قواه العقلية وعرف ضبط نفسه ليكن رائدك الحث ومقصدك الأول الحض والترغيب وإن كانت الإرادة الشخصية هي الباعث الأكبر على الصلاح في هذا الدور الثالث. والذي قصدنا إليه من وضع هذا الكتاب لا يتعدى بسط المبادئ الرشيدة الواجبة للأدوار الثلاثة الأولى وأما الدور الأخير فلا سلطان لنا عليه.

стр. 2992

باب الزراعة زراعة القطن الفلاحة المصرية عبارة عن معارف وقواعد توصل إليها الفلاحون بمشاهداتهم واختباراتهم المتوالية والمتداولة بينهم خلفاً على سلف وحتى الآن لم يدون منها إلا قليل من كثير وإذاً فلا مندوحة لطلابها من الرجوع إلى عرف أهلها وهو يختلف باختلاف بيآت الأرض ومراتبها ووسائل فلاحتها وإذا كانت معرفة هذا العرف الزراعي صعبة لما تقتضيه من المثابرة في البحث والاستقصاء وقوة الإدراك في تخليصه مما يغشاه أحياناً من الإبهام والأوهام فإن تطبيق قواعده في استغلال الأرض وتكييفها حسبما تستدعيه الظروف أصعب لما يقتضيه من حسن التمييز ودقة الملاحظة وقوة الفطنة في إرجاع المسببات في أسبابها الحقيقية وذلك لا يتم إلا بالمرانة والتدريب الطويلين وبعد فإني سأتي فيما يلي على مشاهدات لبعض مهرة الزراع في تحريهم إجراء تلك القواعد مجرى العمل الصحيح. في زراع القطن الرجيع كل نبات يفرز بجذوره مادة يفيده إفرازها ولكنها إذا ظلت في التربة وتلاه زرع من صنفه أضرت بهذا الزرع التالي وهذا من دواعي رداءة القطن الرجيع (القطن بعد القطن) ولملافاة ذلك يجب تطهير التربة من تلك المادة السامة حتى يقل أو ينعدم تأثيرها، ويتم هذا التطهير بغسل الأرض وترويحها وإحرارها، وللوصول إلى ذلك يزال أثر الزراعة السابقة من الأرض فيقلع حطب القطن قلعاً وتدمس الأرض قبل الحرث مرة وقبل الزرع مرة أخرى سواء كانت أثناء الحرث أو بعد التخطيط وتهويتها وتشميسها سيما أثناء الحرث مدة كافية وبعد زراعتها تظل بدون محاياة إلى أن يقوى نبتها ويخف لأن تبكير محاياة القطن الرجيع تسبب تسقيطه وبدون استيفاء الإجراءات الآنفة الذكر يضعف نمو النبات للغاية. شاهدت هذا العام غيطاً من غيطان القطن يراد زراعته رجعياً وكانت إزالة الحطب منه تقطيعاً لا تقليعاً (وهذا من دواعي الرادءة لأن أثر الجذر السابق يعاكس نمو الجذر اللاحق ولذلك اضطررنا لجمعها من الأرض بكلفة كان يمكن اقتصادها لو روعي ذلك من قبل) ثم دمست الأرض واستجعل فلاحها فحرثها وهي طرية نوعاً ما وذلك يستدعي ضعف نباتها أول نشأته سيما إذا لم تسمد سماداً كافياً وبعد أن تم حرث الأرض وتخطيطها ومسحها

стр. 2993

جرى البحث في هل الأوفق دمسها قبل الزراعة أو زراعتها بدون دمس. في حالة إذا ما دمست الأرض خشي زراعها من تأخير الزراعة عن أول الوقت البدري وهو من المتشبثين بالزراعة البدرية كل التشبث - وخشي أيضاً من أن الدمس بعد أن حرثت طرية يزيد في تبريدها وهذا هو الأهم. وفي حالة عدم الدمس - يخشى من تأثير الإفرازات السامة من أثر القطن السابق فضلاً عن أن الأرض الغير مدموسة أي المزروعة على الناشف تشقق عاجلاً وذلك من دواعي طلبها المحاياة واللازم في الأرض الرجيع تأخير محاياتها إلى ما بعد الخف وإلا يحصل تسقيط النبات كما سبقت الإشارة. وقيل في علاج ذلك أنه مع الزراعة على الناشف فلاجل عدم طلبها المحاياة إلا بعد مدة كافية - يمكن احد أمرين. ١ - إما إعادة نزول المياه ثانياً عقب الزراعة ببضعة أيام وقبل ظهور النبات وبذلك يمتنع التشقيق وتطول مدة احتمال الأرض بعد ذلك لمنع الري ولكن خشي مع ذلك أمرين أ - إن مولاة الري تزيد برودة الأرض كما سبق الإشارة ب - إن بعض أجزاء هذه الأرض محشة أي بها حشائش بكثرة يخشى من تكاثرها على نبات القطن فتخنقه. ٢ - أما التكبير بعزقها أول عزقة (نكش) نكشاً خفيفاً لسد الشقوق وحفظ ثرى التربة ثم إعادة العزق بعد مدة أخرى. قد يفيد ذلك في تأخير حاجة الأرض للمحاياة ولكن يبقى أثر المادة السامة مضعفاً للنبات ولذلك ترجح دمس الأرض وإن تأخرت الزراعة من أول الوقت البدري إلى أول الوقت المتوسط فلا بأس فإن ذلك خير من اختصار إجراءات الفلاحة فإن إعطاء الأرض حقها من الخدمة أولى بالاعتبار. ترجح الدمس ولكن صادف ذلك حبس المياه لخلل طرأ على إحدى برايخ الري وكا تصليحه منوطاً بمصلحة الري وخيف من طول مدة الحبس فرؤي حينئذٍ أنه إذا ترائ أن ذلك سيؤخر الزراعة كثيراً فيفضل عدم الدمس وقيل أن ترك الأرض (من منع المياه بهذا الحبس) عرضة لتأثيرات الجو مفيد في تطهيرها وإذن يترجح بعد ذلك الزراعة بدون دمس.

стр. 2994

ولو كان أمكن دمس الأرض حال ورود المياه عقي الجفاف مباشرة وكانت لأرض مع ذلك لم تحرث ندية نداوة ظاهرة لما كان حصل هناك تردد في دمسها البتة. ومن العوامل التي ينظر إليها في ترجيح الدمس أن البذرة المعدة لزراعة هذه الأرض منتقاة من أجود عينة يعز الحصول على مثلها فيما إذا حصل تسقيط التبات وأريد الترقيع زيادة عن المعتاد. وتقرر مع الدمس أنه لا تزرع الأرض غلا بعد أن تنشف وتستحصف جيداً والنايدة الزرع تكون تكون أشفافاً أي خفيفة جداً وأنه إذا اقتضى الحال تساعد التربة بالتسميد تكبيشاً أثر الخف مباشرة وكانت أرض هذا الغيط كحلاء. متوسطة الخصب إلا أن المادة العضوية (السماد البلدي) فيها قليلة عما يجب وكان ذلك من دواعي زيادة الحذر من برودة الأرض بسبب حرثها طرية وإعادة دمسها مع ذلك. وفي غيط آخر زرع رجعياً أجريت الإجراءات الآتية في خدمته: أزيل حطب القطن السابق تقليعاً ثم حرثت الأرض ولوطت ثم حرثت أول حرثة ودمست ثم سمدت وحرثت ثانية وخططت فجاء محصولها جيداً لم يقل عن القطن المبكر إلا نحو ٢٠ في المائة وقد كانت الأرض سواء متوسطة الخصب ليست غنية بالمواد العضوية غناء تاماً. وفي الغيطين الآنفي الذكر لم تزرع الأرض برسيم تحريش وهذا (أي عدم زراعة البرسيم التحريش في الأرض المراد زرعها قطناً رجعياً) هو المختار في الأرض الجنوبية وما يصاقبها اما في البراري حيث الأرض غير نقية من الملوحة وغير قوية الخصب فإنه يكون الأوفق في كثير من الأحوال زراعتها برسيم تحريش ثم حرثها بدرياً ودمسها في الخطوط - والري الذي تستدعيه زراعة البرسيم والدمس بعد ذلك كافيان في تطهيرها ولا خفاء إن مثل هذه الأرض لا تحتاج للتشميس مدة طويلة خلافاً للأرض الجنوبية فإنه كلما طالت مدة تشميسها كان ذلك أحسن لها. أحمد الألفي

стр. 2995

متفرقات أسعد البلدان في كندا بلد اسمه (مِدِسن هات) هو بلا شك أسعد بلاد العالم، وذلك لأن في جوف الأرض تحت هذا البلد خزاناً هائلاً ومعيناً لا ينضب من غاز الاستصباح وهو ليس بزيت البترول كما قد يتوهم البعض، بل هو الغاز (يشبه الهواء) الذي تضاء به الشوارع وكثير من الحوانيت عندنا. فتجد القوم هنالك ينيرون منازلهم منه ويستعملونه في تشغيل آلات المصانع التي سرعان ما أنشأوها بعد اكتشاف ذلك الكنز العظيم. ومصابيح الشوارع لا تطفأ قد في مدرسن هات هذه. لأن أولياء الأمر هناك يرون أن من العبث وخرق الرأي والإسراف أن يدفعوا أجوراً خاصة لإشعال وإطفاء المصابيح مع أنها لا تكلفهم شيئاً. وليس هناك من يخطر على باله أن يستعمل الفحم، فالكل يستعملون الغاز في الإضاءة والطهي وجميع ما يلزم لهم. وإذا ما زار هذا البلد زائر عظيم ذو حيثية. أكرموه بما لا يمكن أن يحظى به في أي بقعة أخرى من بقاع الأرض وذلك بأن يأمر أولياء الأمر بأن يكشف بئر من الآبار - وما أكثرها - ثم يشعلونها، فيرتقع لهيبها إلا ارتفاع شاهق ويسطع ضوؤها في اميال عديدة. فيا لها من نعمة قد خصَّ الله بها أولئك القوم!! * * * كثيراً ما يبحث المرء عن سعادته كما يبحث عن نظارته. حين تكون معلقة على أنفه. جوستاف دروز الرجل الذي لا يرضيه القليل لا يرضيه شيء.

стр. 2996

العدد ٥٣ - بتاريخ: ١ - ٣ - ١٩٢٠

стр. 2997

اعترافات الفرددي موسيه الفصل الخامس في اليوم التالي ذهبت إلى غابة بولونيا قبل الغذاء. وكان الجو مغيماً. فلما بلغت بوابة مايوت أرخيت عنان جوادي ملقياً حبله على غارية يذهب أين يشاء وأرخيت كذلك عنان فكري أستعيد في ذاكرتي ما قاله لي ديزينيه. فبين أنا كذلك إذ سمعت صوتاً ينادي باسمي فالتفت ورائي فابصرت في عربة مكشوفة إحدى صويحبات حبيبتي. فاستوقفتني وأومأت إلي بيدها إيماءة الصديق الودود ودعتني للتوجه معها في عربتها لمنازعتها الغداء إذا شئت. وكانت هذه المرأة (واسمها مدام ليفازير) صغيرة الجرم بضة مكتزة شقراء وكان بي أبداً نفرة عنها وتبرم بها لا أدري لماذا لم يكن بيني وبينها ما يدعو إلى ذاك، وكانت علاقتي بها ما برحت ودية. ولكنها حينما دعتني لم أجد بداً من قبول دعوتها، لعلمي أن حديثي معها سيدور على حبيبتي. لذلك ضغطت على يدها أثناء المصافحة وشكرت لها حسن صنيعها بي. فناطت حراسة جوادي إلى واحد من خدمها وأجلستني بالعربة إلى جانبها وانطلت بنا العربة عائدة إلى باريز. وهنا أصابتنا السماء برذاذ فأغلقنا العربة وسددنا نوافذها ولبثنا صامتين برهة فنظرت إليها نظر الحزين الكمد وكنت أرى فيها صديقة حبيبتي الغادرة وحميمتها وكاتمة أسرارها. وقد كانت في أيام تصافينا وتآلفنا في عهد الوصال الطيب الحلو تجلس معنا في خلوتنا فاستثقل حضرتها وأتمنى انصرافها وأعد عليها مقامها بيننا في الدقيقة والثانية! ولعل هذا كان سبب تبرمي بها واستيائي منها. وكنت أعلم أنها كانت تشفع لي عند حبيبتي وتدافع عني وتصون غيبتي فكنت خليقاً أن أغفر لها دخولها بيننا لحسن نتيتها وإرادتها الخير لي. ولكني كنت أجدها بالرغم من محاسن صنائعها عندي قبيحة مملولة وبغيضة ممجوجة. كذلك كان رأيي فيها أيام الوصال الهنية. أما الآن فقد بدت لي مليحة حسناء فو أسفاً! فجعلت أتأمل يديها وثيابها. وجعلت كل حركة وإشارة منها تخلص إلي أعماق قلبي وما ذاك إلا لأن عهد الماضي كان في هذه الأعماق حياً جديداً يعيش ويجيش كما كان أبان

стр. 2998

حدوثه وفطنت المرأة إلى حقيقة أمري وكنه حالي واطلعت على خبايا ضميري وقرأت صفحة الماضي في مطاوي سريرتي فعرفت ما كان يلقح جوانحي وينضج كبدي من تلك الذكريات الأليمة والهواجس القديمة. وعلى هذه الحال انقضت العودة - أنظر إليها وتبتسم إلي. فلما بلغنا باريز قبضت على يدي وقال (واها. وها) فأجبتها والعبرة تختفي (خبريها إذا شئت) ثم فاضت دموعي. ولما فرغنا من الغداء وجلسنا إلى النار قالتأوقد نفذ السهم وقضى الأمر؟ أو ليس لما فات من رجعة؟ أم لارد لذلك القضاء ولا دافع. أفلا سبيل ولا حيلة؟ فأجبتها واحزناً وواأسفاً! يا سيدتي اعلم أن الحزن لا شك قاتلي. وإن أمري لينحصر في هذه الكلمة وهي: لا أستطيع أن أحبها وليس في وسعي أن أحب سواها ولا طاقة لي أن أبقى بلا حب. فهزت رأسها عند سماع كلمتي هذه وتبينت في وجهها أثر الرحمة والرثاء ولبثت برهة طويلة تفكر وترجع كرة الذهن في ماضي حياتها كالتي تبحث عن صدى في أعماق قلبها. وقد أسدلت من أهدابها حجاباً على عينيها واستغرقت في لجة من الذكرى. ثم مدت إلي يدها فدنوت منها وقالت وأنا أيضاً قد جربت كل ذلك ثم خنقتها العبرة فسكتت. لعاطفة الحب لدات وأتراب فمن أجمل لداتها وأملح أترابها عاطفة الرحمة. أمسكت بيد مدام ليفازير وكدت أضمها بين ذراعي وأخذت تسرد على مسمعي كل ما استطاعت أن تذكره من محاسن حبيبتي شفاعة لها عندي. وجعلت تقول في سبيل الاعتذار عنها بمقدار ما تقول في سبيل الرثاء لي والترحم علي فاشتد حزني وشجني. فماذا أقول؟ هذا وأن مدام ليفازير شرعت تتكلم عن نفسها. فما قالت لي في هذا الصدد أنه كان لها عشيق فهجرها. وأنها ضجت من أجله ضحايا عظيمة فخاطرت بثروتها وشرفها معاً واستجلبت وعيد زوجها وتهديده وكانت قصتها ممزوجة بدموعها فأنستني أحزانها أحزاني. وأذهلتني بأشجانها عن أشجاني. وقالت لي إن تزويجها من زوجها هذا كان على خلاف رغبتها وبعد جهاد طويل وكفاح عنيف. على أنها إن أصبحت اليوم حزينة فما ذاك إلا لأنها أصبحت لا تجد من يحبها ويهواها. وآنست منها أنها كانت تنقم من نفسها عجزها عن استبقاء ذلك الحبيب واحتجاز قلبه لديها حتى أوجدت له سبيلاً إلى تركها والتخلي عنها وتعزو الذنب في ذلك إلى نفسها بتنكبها سبيل الحفاظ

стр. 2999

وعدو لها عن سنة الوفاء بالعهد. وبعد تهدئة روعها شيئاً قلت لها (كلا يا سيدتي ما أظن التقائي بك اليوم كان عن طريق الصدفة. ولكنه كان مدبراً بحكم العناية الإلهية التي لا تزال تجمع بين المحزونين المنكوبين - أهداف النحس وأغراض البؤس وتضم بين الأكف المرفوعة إلى الله! فلا تندمي على ما كان من دعوتك إياي وحديثك لي وليس على أمريء يصغي إلى حديثك من بأس ولا عار عليه إن جرت على شكواك دموعه. وضاقت الزفرات المتصاعدة ضلوعه. فاعلمي أن السر الذي أفضيت به إلي إنما هو دمعة تحدرت من جفونك فسقطت على فؤادي وستبقى أبداً هنالك واسمحي لي يا سيدتي بزيارتك كرة أخرى لأشاطرك همومك وأقاسمك أحزانك. وبلغ من شدة عطفي عليها ورثائي لها أن خرجت من سجيتي وشيمتي وعانقتها بلا تبصر ولا روية. ولم يجل بخاطري أن ذلك يسوؤها والواقع أنها لم تكترث له قط ولا رأته إلا أمراً اعتيادياً محضاً. وكان السكوت قد ضرب أطنابه في المنزل الذي كانت تقطن فيه مدام ليفازير وقد فرش فناؤه بالقش لمرض كان أصاب أحد سكانه حتى لا يحدث مرور المركبات والبهائم ضوضاء فتزعج ذلك المريض وتهيج أعصابه. وكنت ملتصقاً بها أضم عليها ذراعي وقد أسلمت قلبي إلى أمتع العواطف النفسانية - أعني عاطفة الحزن المشترك واللوعة الموزعة. وتماد بنا الحديث بلهجة أخوان الصفاء وأخدان الإخاء. فتشاكينا آلامنا وأوجاعنا وأحسست بين ملتقى هذا الحزنين المتلاطمين كأنما هب على قلبي نسيم لين من ملكوت الرحمة يأسو جراحي وينفي أتراحي وكأنما قد هتف بي صوت رخيم من عالم الخلد كموسيقى السموات ونغمة الملائكة قد تألف من أنات النفس الإنسانية وحنات الروح البشرية يسكن لوعتي ويطفئ حرقتي. ولكني في أثناء هذا العناق والبكاء لم أكن أبصر من جسم هذه المرأة سوى وجهها. فلما نهضت من جانبها وذهبت عني خطوات ظهر لي أنها تعمدت في أثناء انحنائي عليها وتحدبي فوقها أن ترفع رجلها على صفة الموقد رفعاً أدى إلى إسقاط أزارها حتى انكشفت ساقها وتعرت. وأعجب من هذا أنها بالرغم مما شاهدت علي من أثر الارتباك والخجل والحيرة عندما

стр. 3000

أبصرت ساقها عارية - لم تحرك ساكناً ولم تحاول ستر عورتها فتنحيت جانباً وزويت نظري عن هذا المنظر الأليم ريثما تستر نفسها ولكنها لم تفعل فعدت إلى صفة الموقد فارتفعت عليها وجعلت أنظر إلى تلك العورة نظرة المشمئز المتأفف وأخيراً وقعت عيني على عينها فأدركت من ألحاظها أنها قد عرفت كل ما وقع وجرى وأنها أتته عامدة قاصدة. فدهشت وبهت وأصابني كالصاعقة، إذ علمت أن كل ما أتته المرأة من بثها الشكوى إلي واستدارز رأفتي ورحمتي لم يكن إلا تصنعاً أرادت به غشي وخديعتي وقصدت به إلى استدراجي واستهوائي وإيقاعي في حبائل كيدها. فلما تجلت لي الحقيقة غراء واضحة تناولت قبعتي دون أن أنبس بكلمة واحدة وإذ ذاك أصلحت هي هيئتها وسترت ساقها، وخرجت من الغرفة بأسرع ما في طاقتي. ولما بلغت منزلي ألفيت وسط حجرتي صندوقاً كبيراً من الخشب. وذلك أن إحدى خالاتي توفيت وأورثتني شيئاً زهيداً من متاعها. وكان بين محتويات هذا الصندوق بضعة كتب تربة. فعولت على قراءة جانب من هذه الكتب إذ كنت في فراغ من الوقت وقد نال مني الضجر وكان معظم تلك الأسفار قصصاً مما ألف في عهد الملك لويز الخامس عشر. وكانت خالتي لما أوتيت من الورع والتقى ترفعت عن قراءة تلك القصص إذ كانت تلاوة أمثالها ضرباً من الفجور والمنكر. وليعلم القارئ أن من دأبي وديدني أني أطيل التأمل في كل ما يقع لي من الحوادث مما دق وحقر ثم أعزو حدوثها إلى سبب قوي وحكمة بليغة من الأقدار التي أعتقد أنها تسير في كل ما تخصني به من الأحداث على نظام وتدبير - لذلك تراني إذا جلست أتذكر ما مر بي من الحوادث ضممت بعضها إلى بعض في نساق منضود كأنها فرائد العقد النظيم - يربطها سلك واحد من المناسبة والملاءمة قد أبرمته يد العناية والتدبير الإلهي. ليعجب القارئ ما شاء فما عجبه بما نعي أن أقول أن ورود هذه الكتب وقع مني في تلك الظروف التي وصفتها أجل موقع وأعظمه. فأسرعت فيها التهاما لمشمولاتها أسراع النار في اليراع وانتهبتها انتهاباً وأنا أثناء ذلك بحال جمعت بين لوعة الكمد ولذعة اليأس. وقلت لهذه الكتب مناجياً ألا فحياك الله وأبقاك على مدى الأزمان فإنما أنت على هدى وسواك على ضلال. فمن ثناياك يفيض نور اليقين. وبين سطورك يشرق البرهان المبين. وفي كل

стр. 3001

لفظ فيك لسان صادق. وكل حرف من حروفك مقول بالحق ناطق. وأنت وحدك تعرفين أسرار الحياة وسرائر الإنسان. وأنت وحدك تجرؤين أن تصرحي بأنه لا حقيقة في الوجود إلا الدعارة والمنكر والنفاق والبهتان. فكوني أصدقائي وشيعتي ورفاقي وانفثي سمومك الكاوية على ما بقلبي من الجراح، وعلميني أن أتلقى عنك الصدق المبين والحق الصراح. ثم التفت إلى مكتبتي وما قد احتوته من دواوين الشعر والمباحث الفلسفية فخاطبتها قائلاً: وأنت يا عصبة المجانين والمتهوسين والمتعلقين بأذيال الخزعبلات والترهات والخرافة، السادرين في الغواية. والغرور والعماية. الغرقى في الأحلام. والأوهام. والأباطيل. والأضاليل - أيتها الفئة المفتونة التي لا تجني من أوراقها سوى الغصص والكروب. والمحن والخطوب. والرزايا والبلايا. لئن كنت تعرفين الحقيقة ولكنك تغريننا وتخدعيننا فلأنت الأفاكة والمزورة والغشاشة والدجالة. ولئن كنت تعتقدين بصحة ما تنطقين به من الهذر والهذيان فلأنت السخيفة الحمقاء. والغريرة البلهاء. ففي كلتا الحالتين لا تخلين من الكذب والبهتان، تعبثين بألباب الرجال وبأحلامهم تلعبين وتتخذين من الشيب والشباب أطفالاً بهم تهزئين ومن سذاجتهم تضحكين، تجمعينهم حولك كما تجمع العجوز أطفال البيت حولها في ليلة الشتاء فتدهشهم بعجيب الأقاصيص وتروعهم براويات العفاريت والجان. ثم تسرهم بحيث عصا موسى وخاتم سليمان. تالله لأحرقنك جميعاً! وفي أثناء هذه المناجاة أسعفتني الشؤون بديمة من الدمع مدرار وأدركت أن حزني العميق هو كل ما أدركت من حقائق هذا الوجود فصحت في هذيان هذه النوبة الأليمة مخاطباً الكتب خبريني أيتها الملائكة أو الشياطين. خبريني أيتها الكهنة العرافة والزجرة العيافة. المشيرة بالخير أو بالشر، المتفائلة بالسعد أو المتشائمة بالنحس - خبريني كيف أسير وماذ أصنع وأي منهج أسلك؟ كوني حكماً بيني وبينها قاضياً!. ثم إني تناولت من بين تلكم الأسفار كتاب التوراة وفتحته عفواً وأنا أقول: أجيبيني يا كلمة الله أبدي لي طرفاً من رأيك. ثم نظرت في الكتاب حيث فتحته فإذا فيه: لقد تأملت في أعماق نفسي فعرفت هذه الحقيقة وهي أن الله وحده عليم بذات الصدور ليس غيره يعلم شأن الصالح التقي والأريب اللبيب وما يصنعان وما كسبت أيديهما. وليس امرؤ ما يستطيع أن يستدل بكل ما لديه من شواهد الأحوال على ما تكنه صدور الغير من حب

стр. 3002

وبغض. إن الدهر ليسوي في معاملاته بين شتى أصناف البشر - بين الصالح والطالح والبر والفاجر. والوفي والغادر. والكريم واللئيم والبريء والأثيم. إن من أسوأ البلايا. وشر الرزايا. أن نرى الدهر يصيب الناس طرا بسيئته ومحنته عل حد سواء. هذا وأن السيئة والآفة والشر عريقة في الإنسان متأصلة في نفسه. فالناس قلوبهم مفعمة بالجنون ما عاشوا وهم إذا ماتوا لحقوا بسكان القبور. فلما تلوت في التوراة هذه الآيات استولى علي العجب والدهشة ولبثت حائراً مبهوتاً. ولم أك أحسب أن التوراة يكون فيه مثل هذا المعنى فصحت قائلاً مخاطباً الكتاب المقدس: وأنت أيضاً قد خامرتك الريب يا كتاب الأمل ويا سفر الرجاء!. ماذا يظن الفلكيون حينما يحسبون مدار الكوكب ومجرى الرجوم ومواقيتها؟ ماذا يظن الطبيعيون حينما يرونك بالمجهر آلاف الحيوانات الدقيقة في قطرة من الماء؟ أيظن هؤلاء أنهم قد اخترعوا ما قد يرون وأن إسطرلابهم ومجهرهم هما اللذان يسنان قوانين الطبيعة ويضعان نواميس الوجود؟ وماذا كان ظن أول المشرعين حينما جعل يبحث عن الحجر الأساسي في البناء الاجتماعي فعارضه معارض فهاج غضبه فضرب الموائد النحاسية بكفه فأحس عند ذلك بقوة قانون الجزاء والمكافأة في أجزاء كيانه وأحس بصوت هذا القانون يصيح في أعماق نفسه؟ أفظن ذلك المشرع أنه هو الذي ابتدع العدل وأحدثه؟ وهل ذلك الذي كان أول سارق لثمرة غرس جاره ظن أنه هو أول من اخترع الإثم وابتدع العار؟ وهل كان صاحب ذلك الغرس حينما غفر لهذا السارق وبدلاً من ضربه إياه ترفق به وتعطف عليه وقال له: لا بأس عليك ولا حرج هنيئاً لك ما أخذت بارك الله لك فيه هلم إلي أزدك وأضاعف لك العطية وكذلك جزاه على الإساءة إحسانا. وأولاه على الإيذاء والإضرار براً وحناناً - هل ظن إذ ذاك أنه هو اخترع الحلم والعفو والمروءة. وإنه ابتدع المكرمة والفضيلة؟ رحماك اللهم يا إله الأرض والسماء! هاك امرأة تلهج بذكر الحب والصبابة ثم تغرو تندر وتنكث العهد وتنقض الميثاق، وهاك رجلاً يلهج بذكر الصداقة والإخاء ثم ينصح لي أن أبتغي أسباب العزاء والسلوان في الفسق والدعارة والسكر والعربدة وهناك امرأة تبكي لي رثاء ورحمة ثم تحاول أن تعزيني عن مصائبي بفتنة ساقها

стр. 3003

الملساء. وهاك توراة تلهج بذكر الله ثم تجيبني بألفاظ الشك والتهمة وسوء الظن. وهنا أسرعت إلى نافذتي المفتوحة فنظرت منها في أعماق السموات ثم صحت قائلاً: أحقاً أيتها السموات أنت خالية فارغة؟ أجيبي أجيبي! هلا قبل موتي أريتني أن هذا الوجود شيئاً خلاف الأوهام والأحلام؟. كان السكون العميق يغشي أنحاء ذلك الميدان الفسيح. وبينا أنا شاخص البصر في أعماق الجو ممدود الذراعين طرق أذني صوت حمامة ترجع الهتاف والهديل. فاتبعتها عيني وإنها لتحلق في السماء حتى إذا غابت عن بصري في زرفة السموات مرت من تحت نافذتي صبية تغني. لم أحبب أن أذعن واستكين. ولكني رأيت أنه قبل استعراض الجانب المشرق في الحياة - هذا واقد ظهر لي لآن مظلماً مربداً كريهاً - يجب علي أن أجرب كل شيء وأحاول كل أمر. لذلك بقيت مدة طويلة ضحية للأحزان والآلام فريسة لمزعجات الرؤى والأحلام. ولعل الشباب قد كان السبب الأكبر في عدم استفاقتي وامتناع صلاحي وتعذر شفائي فأينما كنت وكيفما كنت لم يكن يشغل بالي شيء سوى النساء فكلما وقعت عيني على امرأة عرتني هزة ورعشة. وكم مرة اتنبهت من رقدتي أثناء الليل أتصبب عرقاً فوضعت فمي على جدار الغرفة وأنا أشعر أني أكاد أختنق! لقد قضيت ريعان شبابي وريق صباي في الحب الطاهر والهوى العذري فأصبحت كل معاني اللذة عندي مقرونة بذلك الحب منحصرة فيه ولكني علمت أن مثل هذا الحب لم يكن إلا ضرباً من المحال وشيئاً لا يكون في هذه الحياة. فأصبحت مصيبتي وبلائي أني كنت أبداً أفكر في النساء وأبداً أقرن بخيالاتهن في مصورتي معاني الدعارة والفسق والفجور والحب الكاذب وغدر النساء وخياناتهن وكيدهن. وكان اتصالي بأي امرأة هو في مذهبي حبها الحب الطاهر. فأصبحت الآن لا أفكر إلا في النساء ولا أعتقد بوجود الحب الطاهر. فأورثني هذا الشعور ثورة نفسانية وهياجاً ونوعاً من الخبل والجنون. فجعلت أحياناً أقترح على نفسي أن أفعل كما يفعل الرهبان - أعني أن أفصد نفسي لأخمد ثوران الحواس. وأحياناً أفكر في الخروج إلى الشارع أو إلى الريف أو إلى أي مكان آخر فأرتمي تحت قدمي أول امرأة أصادفها وأعطيها عهد الله أن أمحضها الحب الصريح أبد الدهر وأكون لها

стр. 3004

على الدوام العبد الخاضع المطيع. والله وحده شهيد إني لم آل جهداً ولم أدخر وسعاً في سبيل الاستفاقة من هذه الغمرة الكاربة والاستسفاء من هذا الداء الأليم. ففي أول الأمر وقد قام بعقيدتي أن مجتمع الرجال هو بيئة الفسق وبؤرة الفساد ومواطن الغدر والخيانة وإن الرجال كلهم فجرة خونة فشأنهم شأن حبيبتي - اعتزمت اعتزالهم جميعاً والركون إلى الوحدة والانفراد ثم عاودت الاشتغال بالدرس والقراءة فأقبلت على كتب التاريخ ودواوين الشعر القديم ومباحث علم التشريح. وكان في الدور الرابع من الدار رجل ألماني عالم تحرير قد اعتزل الناس وآثر الوحدة. فما زالت به حتى وعدني أن يعلمني لغته. ثم أخذ في إنجاز وعده بجد ولكن ساءه مني عزوب عقلي وشرود ذهني. وكم من مرة جعل ينظر إلي حائراً دهشاً ضاماً يديه فوق كتابه وأنا غارق في غمار أحلامي لا أعي ما يقول بل لا أسمعه ولا أراه ولا أبصر فرط أسفه علي ورثائه لحالي! وأخيراً قلت له جعلت فداك أيها السيد الكريم. إلا أنه لا مراء في الحق. لا شك أن فائدة من محاولتك تعليمي ولا ثمرة. على انك وايم الله أكرم من رأيت وأفضل الناس طرا، عبثاً تحاول إصلاحي وإنه وأبيك لأمر تعجز عنه قوى السموات والأرض. فدعني وشأني وما قد كتب لي وجرى علي. وإني وإياك لعلى حد قول القائل: جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف نجد أن هما شفيالي فقالا شفاك الله والله مالنا ... بما حملت منك الضلوع يدان لا أدري أفهم الرجل مني الرجل هذا الكلام الملغز وهذه الرموز والإشارات ولكنه ضغط على يدي دون أن يفوه بكلمة - وبذلك أغلق باب الألمسانية إلى الأبد. ثم رأيت أن العزلة بدلاً من إصلاح حالي قد زادتها فساداً فعدلت عن هذا المذهب. فمضيت إلى الريف وانهمكت في الصيد وأخذت في شتى ضروب من الألعاب الرياضية فكنت إذا قضيت النهار الطويل بالعدو والركض والضرب والطعن والكد والكدح ثم انقلبت إلى الدار بعد الغروب متعباً منهوكاً يتفضخ العرق من جبيني وتفوح مني رائحة البارود والاصطبل لا أكاد أتماسك ولا أقوى على حمل بدني فتهافت على فراشي وأغمضت أجفاني التمس النوم وأستدرج شبحه الشارد امتنع مني ولج في نفوره ومثل أمامي طيف تلك الحبيبة فصحت قائلاً أناجي ذلك الشبح المائل: أيها الخيال أيها الخيال. ألا تزال تطاردني

стр. 3005

وتقفوني؟ حسبك الله أما تسأم؟ أما تمل ألا تعفيني ليلة؟ ألا تعفيني ساعة؟ فخبرني بالله أي فائدة جنيت من هذه المجهودات والمحاولات؟ إلا أن العزلة لم تصنع أكثر من انها أرجعتني إلى الطبيعة وألقت بي في أحضانها. والطبيعة أرجعتني إلى الحب وأقلت بي في أحضانه. فعندما دخلت المشرحة بذلك المستشفى (في شارع الأوبزفانس) فألفيتني محوطاً بالخبث أمسح يدي الملطخة بالدماء في أطراف منديلي أصفر الوجه بين الموتى وأكاد أختنق بروائح البلى المعفنة المنتنة أصابني من ذلك أعظم الكرب وضاق صدري فزويت وجهي عن هذه المشاهد الأليمة والتفت خلفي فإذا المروج الخضراء والحدائق الزهراء. والخمائل الغناء وجمال شمس المغيب في جلال سكينة الغروب فناجيت نفسي قائلاً: كلا! كلا. لن يكون في معاهد العلم عزائي! فما بي والله غير جمرة الشباب وجزوة الصبا من داء. وداء الشباب لا علاج له ولا دواء. فدعني أحيا حيث لجة الحياة زاخرة وريح الحياة ثائرة. وإن كان الموت فدعني أمت في الضياء وتحت سرادق السماء. ثم تركت ذلك المعهد على جواد عتيق فطويت بساط الثرى حتى انتهيت إلى روض عشيب مزهر في واد عازب مهجور. فيا ويلتا لكان هذه الأودية والرياض كانت كلها تصيح إلي قائلة: ماذا تبغي وماذا تريد؟ نحن في نضرة وأزهار. وفي بهجة واخضرار. نحن نلبس لون الأمل. فعدت أدراجي إلى المدينة فأضللت نفسي في طرقاتها الغامضة. وجعلت أنظر إلى الأنوار المشرقة من نوافذ أعشاش الأسرات الخفية المجهولة وأرمق السابلة والمركبات السائرة. يالله أي وحدة وعزلة في هذا الجموع المحتشدة والفئات المزدحمة! وأي دخان كثيف السواد. كثوب الحداد. فوق المنازل. وأي أحزان وأشجان في هذه السبل الملتوية والطرق المتعطفة - حيث لا تبصر إلا عاملاً مجهوداً. وناصباً مكدوداً. وإلا ازدحاماً. وتدافعاً واصطداما. إن هي (أعني المدينة) إلا بالوعة تلتقي فيها الأجسام لا الأرواح وتجتمع فيها الأبدان فأما النفوس فشاردة الأذهان نادرة نافرة. وما أن تبصر العين فيها إلا فجاراً عاهرين يمدون الأيدي للسابلة! فإن كان للمدينة لسان لكانت نصيحتها لبني الإنسان

стр. 3006

والمذهب الذي تشير عليهم باتباعه هو: عليكم بالفسق والفجور والدعارة فإنها منفاة الهموم ومسلات المحزون والمغموم! هذه هي موعظة المدن لبني الإنسان وهذا هو إنجيلها ووحيها المنقوش على جدرانها بتراب الفحم وعلى أرضها بالأوحال وعلى وجوه أهلها بالدماء. وكنت إذا شهدت محافل الرقص في فاخرات القصور فأبصرت الغانيات في الحلل والخمر والزرق والبيض يتوثبن بأقدام خفاف لطاف حاسرات الأذرع والصدور. منشورات الذوائب والشعور. كأنهن الملائكة قد ثملت بخمرة النور في فلك النغم والجمال - قلت في نفسي يا لكن الله أيتها الحسان؟ لأنتن والله بستان أي بستان! فأي رياحين أنتن اليوم مشمة وقطاف! ولكن خيرنني ماذا تقلن للعابث بكن إذ ينتزع آخر ورقة من ورقاتكن. أفلا تقلن له ترفق بنا وتحنن وابق فينا على البقية الباقية! لا بأس عليكن. هذه سنة الوجود - وهذا ختام حياتكن الفرحة المرحة وهذه غاية ضحكاتكن وابتساماتكن إلا فاعرفن أنه فوق أعماق هذه الهاوية السحيقة الهائلة ينتشر نسيجكن الحريري المهلهل المكلل بالأزهار والرياحين ويرفرف! وعلى شفا جرف هذه الهاوية تتوثب أقدامكن الخفاف وتتنزي!. لقد قال لي مرة صاحبي ديزينيه لماذا تنظر إلى هذه الحياة النظرة الجدية؟ ما هكذا ينظر إلى الحياة غيرك. تقول إن الزجاجات من الخمر تخلو وتفرغ ألا فاعلمن انك واجد بدلاً منها في الكهوف، وإن الكهوف جمة على السواحل ألا فاصنع لي شبكة وزخرفها بخلابة القول وسحر البيان واجعل فيها طعمة من نحلة مجاجة بالعسل وألقها لي في نهر السلوان فصد لي بها مليحة حسناء ذات شماص وملاص يكون فيها عوض مما فاتني من وصل الحسان وفيها عزاء وسلوى. فإن أفلتت مني وأملست فإن الشبكة باقية. تقول لي الحب الحب، لا تزال تلهج بذكره. هلا دريت يا مفتون أن الحب اسم بلا مسمى ولفظ بلا معنى وخيال كاذب ووهم باطل! فكبر ظني أنك ستقتل نفسك حسرة في أطلابه ثم لن تنال شيئاً. هلا علمت أن الشباب دائب في انقضاء والصبا إلى الزوال. مهما امتد به الأمد وطال. فلو حزمت ورشدت لعمدت إلى ملكة البور تغال استبيتها بدلاً من إضاعة الوقت في دراسة التشريح والطب. فهذه وأمثالها كانت نصائحه إلي وكنت إذا أنفضت تلك الحفلات والمراقص مضيت إلى داري.

стр. 3007

المرأة والرجل وأيهما أحظى في الحياة من صاحبه ذلك بحث طريف. وسؤال دقيق. لا يزال يجري على ألسنة الرجال وتمتضغه أفواه كثير من النساء. ولا يزال كل إنسان أرجلاً كان أم امرأة يضع قبالة عينه أن يظفر بالسعادة. وينعم بأحسن نصيب في الحياة دون غيره. على أن الجنسين اللذين تتكون منهما الإنسانية لا يزالان في نزاع على هذا السؤال. كل يريد أن يخص نفسه بشرف أنه الأقل حظاً. الأشقى نصيباً من الآخر. وقد عرض هذا السؤال على طائفة من الكتاب والكاتبات الذائعي الذكر فجاءت الأجوبة من نواحيهم جد متباينة وهي غاية في التعارض والتباين وقد آثرنا أن ننشر تلك الفتاوى لقراء البيان. سئل الروائي الطائر الصيت مسيو دينيه بوليسف العضو في المجمع الأدبي بباريس. وصاحب طائفة من الروايات الخالدة - فقال أتسألونني أي الفريقين أحسن نصيباً في الحياة الإنسانية وأنتم تعلمون أن هذا السؤال قد أصبح محلولاً في هذه الحرب. وإن هذه المجزرة التي أطاحت بالعالم كله أبدت الجواب الصراح عليه. أليس الرجل هو الذي خلق الحرب. والحرب أبداً في الدنيا من عمله وصنع يده. وستكون الحرب أبداً حقاً من حقوقه. فأي عبء عمركم الله ثقيل مثل هذا اضطلعت به المرأة. وأي خطب أشبه بهذا احتملته النساء. لعلكم تقولون أن في الأمومة ومتاعبها الكفاية للمرأة. على أني لا أرى في الأمومة أن اكتنفتها المتاعب من جميع وجوهها ما يؤلم المرأة ويخيفها ويثقل كاهلها. فهي تخرج الطفل إلى الدنيا. ولعل في ذلك شيئاً من الألم. ولكن حبها إياه هو الغاية وفيه العزاء والسلوى. ومهما كان الوالد يحب أطفاله وولدانه فهل كان حبه ليقارن بحب أمهم إياهم. فإذا تقرر ذلك أفليس الحب في الحياة هو السعادة كلها ثم أنتم تعلمون أن حب المرأة أشد من حب الرجل، وفي كثير من الأحايين أسمى منه عنصراً. وأصفى منه باطناً وظاهراً. والخطأ الذي يشترك فيه الناس قاطبة هو ذهابهم إلى أن الرجل أكثر تنعماً بالحب من المرأة إذ كان أكثر منها حرية، وأطلق سراحاً وأوسع حدوداً. إذ يجب أن لا ننسى أن الرجل أكثر خلق الله سوء استعمال لهذا الحب. وكم من رجل بدد حبه وعبث به. وبعثره وذراه مع الريح. أفهل

стр. 3008

ترون الذي يحب ويبقى على الحب وإن كان ذلك من الألم ما فيه. أسوأ حظاً من الذي يحب فيعبث بالحب: وجملة القول أن المرأة من الوجهتين معاً الحب وراحة البال أحسن حظاً من الرجل. قد تقولون أن المرأة لا تستطيع أن تحرز المجد وتدرك الشأو البعيد، وإنه إذا كان الناس يستميتون في طلاب المجد واعتلاء متن الغاية القصية من رفعة الشأن أفلا ترى هذا المجد نعمة كبرى انفرد بها الرجل دون المرأة. وأنا لا أنكر أن للرجل فرصاً سوانح أكثر من المرأة في سبيل إحراز المجد. ولكن أليس المجد الذي نكتسبه نعود فتخلعه على النساء. أليس الرجل يكدح لنيل الفخار. فإذا ظفر به ألقى منه على امرأة من نساء الدنيا. وكذلك كان النساء يتنعمن بالعلاء والشهرة على حساب الرجال. وجملة قولي أن رأيي هو أن المرأة خير نصيباً من الرجل في حياتنا هذه. * * * فتوى مدام سيمون اكبر ممثلة أديبة في باريس وصاحبة الدور الأكبر في رواية النسر الصغير التي وضعها الروائي أدمون روستان أول ما عرض السؤال عليها صاحت قائلة: وهل هذا يحتاج إلى سؤال. وهل هناك شك في أن الرجل هو الظافر دون المرأة بأحسن نصيب من الحياة! إني أقول ذلك بلاد أدنى تردد أو حيرة. حسب الرجل حريته. أليست القهوة أكبر نعمة للرجل، فهو إذا ضاق صدره في المنزل وتألم من صراخ الأطفال واجتوى جو الحجرات. انفلت إلى القهوة فنعم فيها بحريته. والرجل ينعم بالاستقلال لأنه يستطيع أن يفعل ما يشاء ويختار. فهل ثمت يرجح بهذه السعادة ويفضل تلك النعمة. من هذا تعلم أن المرأة يجب أن تكتسب شيئاً فشيئاً كثيراً من الحرية والاستقلال لأجل سعادة البيت وصلاح الأسرة، وإني لأرى أن المنازعات العاطفية القائمة اليوم بين الرجال والنساء ليست إلا منازعات اقتصادية فإذا اشتغلت المرأة وكدحت لاكتساب الرزق وظفرت بحريتها، تغيرت صفة حب الرجل لها. ففي سبيل تحسين نصيب

стр. 3009

المرأة ينبغي لهن أن يطلبن من العمل والإسهام في الأشغال المطلوبة من الرجال اليوم وحدهم استقلالهن وتحريرهن، ولعل معترضاً يقول إن ذلك قد يراد منه المساواة بين الجنسين. ولكن المرأة في حبها لا بد أن تكون دائماً تابعة للرجل طائعة نازلة على أوامره خاضعة لسلطانه، وكيف بعد هذا يمكن أن تقارن المرأة بالرجل في هذه الحياة. ونحن قد رأينا ما فعل الرجل في هذه الحرب الكبرى مما لا تستطيع المرأة أن تفعل شيئاً منه. إذن لا ريب في أن الرجال هم الذين يتمتعون في الحياة بنصيب أكبر، ولكم ندمت وتمنيت لو أنني كنت رجلاً. وإذا كانت المرأة تجد في الحب اكبر لذاذتها، فإن للرجل كذلك ألف لذة ولذة. * * * فتوى مدام الفونس دوديه زوجة الكاتب الخالد الفونس دوديه ماأصعب هذا السؤال وما أعصاه على الحل والشرح: إذ لكل من الرجل والمرأة واجب خاص مختلف عن واجب صاحبه. وإذا كان لكل أثر في تخفيف أعباء رفيقه، وتسهيل احتمال خطوبه، فإن الرجل هو الذي يؤسس العائلة، والمرأة هي التي تدير شؤونها وتعمل على الاقتصاد في أمورها وبذلك تزيد في ما يكسب الرجل بجهد يده وتنميه وتصلح منه فإذا هو أكثر بركة، والمرأة هي التي تضع الطفل والرجل هو الذي يكفل له الغذاء والتربية والحماية، والمرأة هي الحارسة داخل أسرتها وهي التي تخلع من جمالها على الدار جمالاً. وتجعل من البيت نظاماً وكمالاً، والرجل يتألق خارج البيت ويشرق ذكاء وهمة وطموحاً، وكدحاً وسعياً، ولعلكم تسألون إذا كان الأمر كذلك. فليس أحد خيراً نصيباً من صاحبه. فأقول إن الفريق الذي يقع له أحسن النصيبين هو أشدهم تقديراً لواجباته، واحتراماً لما يطلب منه أداؤه وهو الذي يستطيع أن يعلو بالأسرة ويسقط، وهو الذي بيده صلاح البيت وفساده، وأنتم تعلمون أن كل ذلك مشترك بين الرجل والمرأة، ليس لأحد منهما سلطان أكثر من رفيقه وعدم المساواة بين الرجل والمرأة إنما مصدره الضعف وإغفال الواجب والجهل. * * * فتوى الكاتب المشهور نانجسر

стр. 3010

أنتم تعلمون أن الجواب يتوقف على الناحية التي ينظر منها المسؤوا إلى السؤال وما حوى - وأنا أقول أن امرأة غفلا بلهاء أسعد حالاً من الرجل، فإن المرأة الحمقاء إنما تضيع وقتها في ارتداء ملابسها وإظهار محاسنها والبروز في أجمل بزاتها، والتهادي في مجامع الشاي وحفلات الرقص، لا حزن تحزن، ولا شيء يؤلم نفسها، وهي كذلك وهي تعيش وكلاً على الرجل، وقفاً على ما يكسبه، أما المرأة الذكية فإنها تحسد الرجل على استقلاله. وتنفس عليه حريته، وتغبطه على قوته، وتود لو أن يتاح لها ما ينعم به من سهولة التعليم وحرية التهذيب - وتود لو تيسر لها أن تعيش كما يعيش - وتضطلع بخطوب كخطوبه، وتؤدي أعمالاً شاقة كأعماله. وأن تقوم بأفعال جسام، وشؤون عالية، ولهذا تتألم لأنها لا تستطيع حولا، وتحزن أن ليس لها بكل ذلك يدان وكذلك ترى الرجل أسعد حالاً من هذه المرأة.

стр. 3011

العودة إلى الحياة بعد عشرة آلاف سنة الحيوانات التي ينتظر العلم خلقها أخيراً أحد أبطال العلم في أوروبا في هذه الأيام الأخيرة وهو العلامة جوليان هيكسلي أن يعلن أنه قد يستطيع أن يعيد إلى الحياة مخلوقاً من العدم منذ عشرة آلاف سنة فضج عالم العلماء لهذا الخبر. وأخذت ندوات العلماء تبحث في هذا الأمر وتنقب وقد قال هيكسلي بعد ذلك في هذا لأمر بنفسه - قد اكتشفنا منذ أشهر إننا إذا وضعنا قليلاً من سائل الشيرويد على بيض ضفدع وهو في حالة الجمود قبل أن تتحرك فيه الحياة، مشى فإذا هو ضفدعة تامة التكوين. نامية ألأجزاء. وأننا إذا استخرجنا تلك العصارة من ذلك البيض منعناه الحياة فظل جامداً لا يحور حيواناً متحركاً. وقد استطاع هذا العالم أن يحدث كذلك طائفة من الضباب (جمع ضب) والجراذين (جمع جرزون). وقد ختم العلامة هيكسلي بحثه بقوله: - على أن العلم الذي اهتدينا إليه اليوم ليس شيئاً مذكوراً يخول لنا حق ارتقاب الشيء الكثير. وإنني الآن لا أستطيع أن أظن أن الشيوخ قد يمكن أن يعادوا إلى الشباب، وتسترد عهد الصبا. وغاية ما يستطيعه العلم الحديث اليوم أن يرد القوى إلى طائفة من وظائف الجسم. ونحن نعلم أن باستخدام طائفة معينة من الغدد قد يمكن تغيير أعضاء البدن وعملها. على أنني أرجو أن أوفق إلى خلق مخلوقات حية لم تكن في عالم الحياة من قبل. وقد تمكنت من استخراج حرباوات كثيرة وقد استمدها كثيرون من أصدقائي العلماء ليروا رأيهم في تركيبها وتكوينها: فهي لا تختلف عن الحرباوات الأخرى في شيء. على أنه لا ينبغي أن يظن الناس أنني أستطيع بذلك أني أدعي المقدرة على أني أستخرج من القردة أناسا يتكلمون وإنما نحن العلماء نستطيع أن نرقي العضويات في حدودها الواجبة. ونعمل على تنميتها إن أمكن. وقد أيد أبحاثه العلامة السير لانكستر المشهور في التاريخ الطبيعي فقال: إن هذه الاكتشافات ولا ريب ستفتح باباً لكثير من الممكنات المدهشة. وإن كان ينبغي لنا أن لا

стр. 3012

نغالي في التكهن عما يكون من ورائها. ويصح لنا القول بأن إحداث تلك الضفادع من الكائنات الجامدة إنما كان من جراء سرعة العمل على نموها بقوة الحرارة والغذاء.

стр. 3013

أخلاق العظماء من توقيعاتهم لا تزال توقيعات الناس في الرقوق والكتب والرسائل تكشف أسراراً غريبة عن خلقهم ونزعات أنفسهم ورأيهم في أقدارهم واعتدادهم بأنفسهم. وإذا أصبح معرفة هذا السر ميسوراً لكل إنسان فإنا ندع القارئ أن يتصور النتائج الخطيرة التي تنجم عن ذلك الاكتشاف لوذاع وعرفه الناس جميعاً. وقد تناول رجل من مشهوري علماء الفراسة في علاقة الخطوط بأخلاق الناس جملة من توقيعات عظماء هذا العصر وقاد ة السياسة وملوك الأرض. فأظهر ما يكمن من دلائل نفوسهم ومنازع عواطفهم وراء خطوطهم وفي أضعاف أمضاءآتهم. ونحن ننشر هنا نتائج أبحاثه عن طائفة من عظماء أوروبا وأمريكا. الملك جورج الخامس أكبر ما يأخذ النفس من إمضاء الملك جورج الخامس بساطتها المتناهية ومنها يتبين الإنسان أن الملك لا يرى في نفسه شيئاً كثيراً ولا هو بالمتكبر المعتد بنفسه وحروف إمضائه تدل على أنه رجل. . . دُغْري. والذيل المتطاول الذي يضعه تحت اسمه من ابتداء حرف الجيم يدل على رقة القلب وشدة العاطفة ومن أمضائه كذلك يتبين الإنسان حدة الخلق وسرعة الغضب وشدة الانفعال عند الغيظ. الرئيس ويلسون أما الرئيس الأمريكي فإنما يكتب خطاً واضحاً دقيقاً فيه علائم العناية. ومن إمضائه يرى الإنسان آثار الاحتراس وحب التدقيق المواظبة والنظام ومنه نعرف أن للأستاذ ويلسون خلق المدرس والسرعة التي ينهي بها الحروف الأخيرة من كلمة. . . ويلسون. . . تدل على حب الكتمان والالتجاء إلى الإخفاء والإبهام في الموضوعات الكبرى وتدل كذلك إمضاؤه على هدوء المزاج والصبر وإغراء الناس بالإعجاب به والإكبار من شأنه. لويد جورج من توقيع رئيس الوزارة الإنجليزية يرى الإنسان أسراراً غريبة لم تتفق لتوقيع أي رجل آخر. ولم يكن في جميع رؤساء الوزارة قبله وزير كتب بخط غريب مثل خطه، ومن هذا

стр. 3014

الإمضاء الغريب دليل على شخصيته المبتكرة الشاذة التي ليست على مثال متكلف مفتعل. فإن حرف الدال فيها يبعث على الظن بأن الرجل كبير الاعتداد بنفسه ومن الذيول العليا التي يربط بها رؤوس الحرف دليل على الطمع وحب العلاء والظهور. ومن تفكك بعض حروفه برهان على سرعة جريه إلى معرفته لنتائج الأمور ووثبته إلى معرفة العواقب بلا تمهل. ومن خطه يتجلى الرجل أشد الناس حباً للأفكار الخيالية والمشروعات الخيالية وإلى التحليق في سماء كل شيء خيالي. والرجل من خطه مفراح تغلب عليه سرعة التأثر وتغير المزاج وهو يتكلف النظام ويتطبع به لا يجده طبعاً. وهو قلق لا يهدأ في مكان. ولديه أثر من الشجاعة الأدبية. المارشال فوش توقيعه توقيع جميل واضح مقروء ثابت وحروفه المستديرة الجلية تدل على الصراحة المتناهية فليس ثمت خفاء أو دسيسة أو سر يجنح إليه ومن التعاريج العليا في إمضائه أثر للطبيعة الفرحة البهيجة التي تغلب على رجال الجند الكبار. والحروف التي يبدأ بها اسمه تدل على الرأي المتعالي الذي يراه في نفسه وعلى احترام الجنس اللطيف وجبه. . . الفيلد مارشال هيج ما أشد وجه الشبه بين إمضاء الجنديين، فوش وهيج. ولهما من خلقهما أشباه ونظائر. على أن إمضاء هيج أدل على حب الاحتراز والثقة بالنفس وصرامة العزيمة مع مزاج هادئ إذا استفز كأنه أشبه شيء بأسد - وهو رجل فخور تياه ذو خيلاء يعتد بنفسه وبالعنصر الذي منه انحدر. المستر اسكويث في إمضاء الرجل دليل على العزيمة العتيدة التي لا تستشعر يأساً. عزيمة رجل يناضل ويحارب بكل وسيلة للوصول إلى غرضه. وفي توقيعه إمارات الجرأة والبلاغة وحب الحق والكرم والتسامح، وهو كثير العواطف ولوع بإشباع لذاذات نفسه. وفيه للطمع دلائل. ولحب المجد والفخار. الملكة ماري

стр. 3015

إن خط الملكة ماري زوجة جورج الخامس يخالف خط بعلها جد المخالفة. وهو يدل على الحزم والتدبير وحب النظام والروح العملية، والخط الطويل العريض الذي تضعه تحت اسمها بأكمله يدل على إعجابها بأنها ملكة لا عن غرور بنفسها.
следующие страницы →