← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

العودة إلى الحياة بعد عشرة آلاف سنة الحيوانات التي ينتظر العلم خلقها أخيراً أحد أبطال العلم في أوروبا في هذه الأيام الأخيرة وهو العلامة جوليان هيكسلي أن يعلن أنه قد يستطيع أن يعيد إلى الحياة مخلوقاً من العدم منذ عشرة آلاف سنة فضج عالم العلماء لهذا الخبر. وأخذت ندوات العلماء تبحث في هذا الأمر وتنقب وقد قال هيكسلي بعد ذلك في هذا لأمر بنفسه - قد اكتشفنا منذ أشهر إننا إذا وضعنا قليلاً من سائل الشيرويد على بيض ضفدع وهو في حالة الجمود قبل أن تتحرك فيه الحياة، مشى فإذا هو ضفدعة تامة التكوين. نامية ألأجزاء. وأننا إذا استخرجنا تلك العصارة من ذلك البيض منعناه الحياة فظل جامداً لا يحور حيواناً متحركاً. وقد استطاع هذا العالم أن يحدث كذلك طائفة من الضباب (جمع ضب) والجراذين (جمع جرزون). وقد ختم العلامة هيكسلي بحثه بقوله: - على أن العلم الذي اهتدينا إليه اليوم ليس شيئاً مذكوراً يخول لنا حق ارتقاب الشيء الكثير. وإنني الآن لا أستطيع أن أظن أن الشيوخ قد يمكن أن يعادوا إلى الشباب، وتسترد عهد الصبا. وغاية ما يستطيعه العلم الحديث اليوم أن يرد القوى إلى طائفة من وظائف الجسم. ونحن نعلم أن باستخدام طائفة معينة من الغدد قد يمكن تغيير أعضاء البدن وعملها. على أنني أرجو أن أوفق إلى خلق مخلوقات حية لم تكن في عالم الحياة من قبل. وقد تمكنت من استخراج حرباوات كثيرة وقد استمدها كثيرون من أصدقائي العلماء ليروا رأيهم في تركيبها وتكوينها: فهي لا تختلف عن الحرباوات الأخرى في شيء. على أنه لا ينبغي أن يظن الناس أنني أستطيع بذلك أني أدعي المقدرة على أني أستخرج من القردة أناسا يتكلمون وإنما نحن العلماء نستطيع أن نرقي العضويات في حدودها الواجبة. ونعمل على تنميتها إن أمكن. وقد أيد أبحاثه العلامة السير لانكستر المشهور في التاريخ الطبيعي فقال: إن هذه الاكتشافات ولا ريب ستفتح باباً لكثير من الممكنات المدهشة. وإن كان ينبغي لنا أن لا

стр. 3012

نغالي في التكهن عما يكون من ورائها. ويصح لنا القول بأن إحداث تلك الضفادع من الكائنات الجامدة إنما كان من جراء سرعة العمل على نموها بقوة الحرارة والغذاء.

стр. 3013

أخلاق العظماء من توقيعاتهم لا تزال توقيعات الناس في الرقوق والكتب والرسائل تكشف أسراراً غريبة عن خلقهم ونزعات أنفسهم ورأيهم في أقدارهم واعتدادهم بأنفسهم. وإذا أصبح معرفة هذا السر ميسوراً لكل إنسان فإنا ندع القارئ أن يتصور النتائج الخطيرة التي تنجم عن ذلك الاكتشاف لوذاع وعرفه الناس جميعاً. وقد تناول رجل من مشهوري علماء الفراسة في علاقة الخطوط بأخلاق الناس جملة من توقيعات عظماء هذا العصر وقاد ة السياسة وملوك الأرض. فأظهر ما يكمن من دلائل نفوسهم ومنازع عواطفهم وراء خطوطهم وفي أضعاف أمضاءآتهم. ونحن ننشر هنا نتائج أبحاثه عن طائفة من عظماء أوروبا وأمريكا. الملك جورج الخامس أكبر ما يأخذ النفس من إمضاء الملك جورج الخامس بساطتها المتناهية ومنها يتبين الإنسان أن الملك لا يرى في نفسه شيئاً كثيراً ولا هو بالمتكبر المعتد بنفسه وحروف إمضائه تدل على أنه رجل. . . دُغْري. والذيل المتطاول الذي يضعه تحت اسمه من ابتداء حرف الجيم يدل على رقة القلب وشدة العاطفة ومن أمضائه كذلك يتبين الإنسان حدة الخلق وسرعة الغضب وشدة الانفعال عند الغيظ. الرئيس ويلسون أما الرئيس الأمريكي فإنما يكتب خطاً واضحاً دقيقاً فيه علائم العناية. ومن إمضائه يرى الإنسان آثار الاحتراس وحب التدقيق المواظبة والنظام ومنه نعرف أن للأستاذ ويلسون خلق المدرس والسرعة التي ينهي بها الحروف الأخيرة من كلمة. . . ويلسون. . . تدل على حب الكتمان والالتجاء إلى الإخفاء والإبهام في الموضوعات الكبرى وتدل كذلك إمضاؤه على هدوء المزاج والصبر وإغراء الناس بالإعجاب به والإكبار من شأنه. لويد جورج من توقيع رئيس الوزارة الإنجليزية يرى الإنسان أسراراً غريبة لم تتفق لتوقيع أي رجل آخر. ولم يكن في جميع رؤساء الوزارة قبله وزير كتب بخط غريب مثل خطه، ومن هذا

стр. 3014

الإمضاء الغريب دليل على شخصيته المبتكرة الشاذة التي ليست على مثال متكلف مفتعل. فإن حرف الدال فيها يبعث على الظن بأن الرجل كبير الاعتداد بنفسه ومن الذيول العليا التي يربط بها رؤوس الحرف دليل على الطمع وحب العلاء والظهور. ومن تفكك بعض حروفه برهان على سرعة جريه إلى معرفته لنتائج الأمور ووثبته إلى معرفة العواقب بلا تمهل. ومن خطه يتجلى الرجل أشد الناس حباً للأفكار الخيالية والمشروعات الخيالية وإلى التحليق في سماء كل شيء خيالي. والرجل من خطه مفراح تغلب عليه سرعة التأثر وتغير المزاج وهو يتكلف النظام ويتطبع به لا يجده طبعاً. وهو قلق لا يهدأ في مكان. ولديه أثر من الشجاعة الأدبية. المارشال فوش توقيعه توقيع جميل واضح مقروء ثابت وحروفه المستديرة الجلية تدل على الصراحة المتناهية فليس ثمت خفاء أو دسيسة أو سر يجنح إليه ومن التعاريج العليا في إمضائه أثر للطبيعة الفرحة البهيجة التي تغلب على رجال الجند الكبار. والحروف التي يبدأ بها اسمه تدل على الرأي المتعالي الذي يراه في نفسه وعلى احترام الجنس اللطيف وجبه. . . الفيلد مارشال هيج ما أشد وجه الشبه بين إمضاء الجنديين، فوش وهيج. ولهما من خلقهما أشباه ونظائر. على أن إمضاء هيج أدل على حب الاحتراز والثقة بالنفس وصرامة العزيمة مع مزاج هادئ إذا استفز كأنه أشبه شيء بأسد - وهو رجل فخور تياه ذو خيلاء يعتد بنفسه وبالعنصر الذي منه انحدر. المستر اسكويث في إمضاء الرجل دليل على العزيمة العتيدة التي لا تستشعر يأساً. عزيمة رجل يناضل ويحارب بكل وسيلة للوصول إلى غرضه. وفي توقيعه إمارات الجرأة والبلاغة وحب الحق والكرم والتسامح، وهو كثير العواطف ولوع بإشباع لذاذات نفسه. وفيه للطمع دلائل. ولحب المجد والفخار. الملكة ماري

стр. 3015

إن خط الملكة ماري زوجة جورج الخامس يخالف خط بعلها جد المخالفة. وهو يدل على الحزم والتدبير وحب النظام والروح العملية، والخط الطويل العريض الذي تضعه تحت اسمها بأكمله يدل على إعجابها بأنها ملكة لا عن غرور بنفسها.

стр. 3016

لماذا تقف أجسامنا عن النمو عند غاية محدودة أشد ما نعجب له أن نرى الفريق الأكبر من الناس يأخذون في النماء ويسترسلون في الطول حتى إذا بلغوا حداً ما وقفوا عنده فلا طول ولا نماء. ولا ريب أن العالم رجالاً ونساء ما يفتأون ينمون ويفرعون بلا وقوف ولا تمهل. حتى لتراهم بعد سنين مردة يطولون أخواتهم جميعاً. على حين ترى في الناس أقزاماً صغاراً لا يفرعون ولا يزكون. ولكن السواد الأعظم من الناس ينمون إلى حد محدود. وإلى طول مناسب يبين في وسط الزحام ولا يصغر عن الأنظار في الجموع الحاشدة. وهؤلاء الذين نسميهم الفريق الذي ينمو بنظام. على أن محور هذا النماء في الطول والعرض والحجم غدة صغيرة في حجم العنبة لا تزن أكثر من عشر حبات واقعة في الجزء الأمامي من قاعدة الجمجمة - وقد دلت الأبحاث العلمية على أن الغدد تفرز سائلاً أسموه (الهرمون) أو المهيج، وهذا السائل يسري في الدم فيجعل فيها نشاطاً حاداً ينبعث في جميع أجزاء الجسم والأجهزة والأنسجة. وهناك عوامل كثيرة تعمل على هذا النماء بخلاف تلك الغدة ولا سيما الغذاء ووجود الخلايا الكثيرة في داخل البدن وازديادها وحدوث بعضها بواسطة بعض. على أن هذه القوى لا بد لها منة الغدة الهرمونية السابقة الذكر حتى تضبطها في الحدود الواجبة لنماء الجسم الإنساني. وما كان المردة الطوال من خلق الله يطولون ويفرعون إلا من كثرة إفراز هذا السائل. وقد اهتدى العلم إلى أن غدد الخنازير إذا أخذت وضعت في جسوم المصابين بقلة سائل الهرمون في أبدانهم أحدثت أثرها فيهم وعملت على نمائهم ولو كانوا أقزاماً. ويؤكد العلماء أن غدد القردة والفيلة تؤدي كذلك إلى هذه النتيجة بعينها - ولا ريب أن في الأفيال الضخمة العظيمة التي خبرنا عنها الصيادون أنها تسكن بجوار المستنقعات في مجاهل أفريقية ليست إلا صحية وجود سائل (الهرمون) في جماجمها بكمية كبرى حتى ليبلغ الحيوان الواحد من جرّاء كثرة هذا السائل الغدّي مائة قدم طولاً. وهناك في البدن غدد أخرى لا تزال تفعل فعلها. ومن تلك غدد داخل المخ تقع وراء الينين

стр. 3017

وفوقهما بقليل ولها أثر كبير في النماء وقد ذهب علماء التشريح وعلم طبائع الحيوان إلى أن تلك الغدة أثر قديم يدل على أن الإنسان كان قديماً ذا أعين ثلاث على أن الاكتشافات الحديثة عادت فدلت على أن لهذه الغدة أثراً كبيراً في نماء حجم الرأس. . . . . .

стр. 3018

محاورة بين فقيه متدين وفيلسوف ملحد للفيلسوف الألماني الأكبر آرثر شوبنهور (تابع ما نشر في العدد ٢ سنة ثامنة) الفقيه - إذا كنت بدلاً من تنبئك الزوال المسيحية فرحاً بذلك مسروراً تتأمل أعظم أفضالها وآلائها وآلاء وأفضال الديانة التي نبعت بعد عهد غير طويل من عين المنبع الذي فاض بالمسيحية - أعني الشرق - أقول ذا تأملت جليل منن هذين الدينين على العالم الأوروبي لكان ذلك أولى بك وأجدر. أجل لقد استفادت أوروبا من المسيحية معنى ما برح مجهولاً لديها - أعني هذه الحقيقة الجوهرية وهي أن الحياة الدنيا لا يمكن أن تكون في ذاتها غاية ونهاية ولكنها سبب نتيجته فيما يليه ووسيلة غايتها فيما وراءها. ولقد وجدنا اليونان والرومان حصروا غاية الحياة في ذاتها فحق لنا أن ندعوهم وثنية ضالة عمياء ثم كان من نتيجة عقيدتهم هذه ان أصبحت كل فضائلهم تنحصر فيما هو مفيد للمجتمع - أعني في النافع وقد قال ارسطاليسأن أحسن الفضائل أنفعها للغير ومن ثم رأينا الأقدمين يفضلون حب الأوطان على سائر الفضائل مع أنه صفة مشكوك في فضلها إذ كان مبنياً على ضيق النظر والمحاباة وفساد الحكم والزهو والافتخار الباطل والغرور والأنانية. وقد ذكر ارسطاليس الفضائل الإنسانية مرتبة حسب قيمها وأقدارها وها هي: العدالة والبسالة والاعتدال والأبهة والمروءة والسخاء والحفاوة والاقتصاد والعقل فما أبعد الفرق بين الفضائل وبين الفضائل المسيحية. بل أن أفلاطون ذاته وهو أشد الفلاسفة القدماء روحانية لا يرى فضيلة فوق العدالة - فهو وحده الذي يوصي بها ويحث عليها ويأمر الناس بحبها لذاتها بينما سائر الفلاسفة يذهبون إلى أن العيش الهنيء هو الغرض الأوحد للفضائل - وإلى أن الواسطة إلى نيل هذه الغاية هو التمسك بمكارم الأخلاق. فلما ظهرت المسيحية أنقذت العالم الأوروبي من استغراقها جهالة وخطأ في حياة فارغة فانية غير مأمونة. فالمسيحية لا تقتصر على تعلم العدالة ولكنها تعلم أيضاً حب الغير والرحمة والعفو وحب الأعداء والصبر والتواضع والزهد والإيمان والأمل. بل لقد ذهبت المسيحية وراء ذلك فدلت على أن الحياة الدنيا شر وضير وأن الإنسان في حاجة إلى النجاة والخلاص فحضت

стр. 3019

على احتقار الدنيا وعلى الورع والتقشف وعلى العفاف والتقوى وعلى إنكار الذات وعصيان النفس إذ كانت بالسوء أمارة وما يقتضي ذلك من الصد والإعراض عن الحياة الدنيا وزخرفها الباطل وزبرجها الكاذب وغرور لذاتها الفانية ثم دلت فوق ذلك كله على فضلى الفضائل وكبرى المحامد أعني مكرمة الارتياح إلى مكابدة الآلام واحتمال المصائب حتى جعلت الصليب (آلة العذاب) رمزاً على النصرانية. لا أنكر أن هذا المذهب في الحياة - وهو بلا جدال أصح المذاهب - قد ظهر قبل عهد المسيحية بالآف السنين في الأقطار الآسيوية على أشكال أخرى وبلا اتصال بالمسيحية كما لا يزال في تلك الأقطار حتى الساعة. ولكن أوروبا لم تتلقه إلا بفضل ظهور المسيحية في بلدانها. إذ من المعلوم أن سكان أوروبا وإن لم يكونوا سوى قبائل أسيوية نزحت في الأصل عن أوطانها بآسيا فلبثت أزماناً جوالة بالآفاق حتى انتهت أخيراً إلى القارة الأوروبية فخيمت بها واستوطنت بقاعها - غير أن هذه القبائل لم تلبث أثناء تجولاتها الطويلة أن نسيت ديانة أوطانها الأصلية فنسيت معها أيضاً المذهب الصحيح في الحياة الدنيا. ثم استحدثت في أوطانها الجديدة (أوروبا) أديانا أخرى أحط منزلة من الأولى وأخبث جوهراً وأقل تهذيباً - كعبادة أو دين (في اسكاندينيفيا) وما إليها من البقاع الشمالية الأوروبية) والأديان الدرودية واليونانية وهذه لا تحتوي من المذاهب والعقائد إلا ما هو حقير سطحي ضئيل بالقياس إلى الديانات الآسيوية القديمة أو إلى الدين المسيحي. وفي هذه الأثناء تولد في أمة اليونان ذوي خاص غريزي عن عنصر الجمال في الكون والخليقة وبصر ثاقب بمواطن الجمال وأسراره فكان من نتيجة ذلك أن خرافاتهم الدينية أخذت على السنة شعرائهم وعلى أنامل مصوريهم ونحاتيهم أشكالاً بديعة عجيبة. وصوراً أنيقة غريبة. لا يدانيها في الحسن مدان. ولا ترام غايتها من الإحسان والإتقان. ولكنا من جهة أخرى نرى أن المذهب الصحيح في الحياة الدنيا والغرض الأشرف الأسمى من الوجود والغاية القصوى كان مما قد غاب عن أذهان أولئك اليونان ودق عن إفهامهم. وكذلك شأن الرومان في هذا الصدد. فعاش أولئك وهؤلاء أعمارهم كأنهم أطفال كبار حتى ظهرت المسيحية فلفتت أنظارهم إلى الناحية الخطيرة من الحياة والجانب الجليل. الفيلسوف - أجل. وإذا أردنا أن نعرف ما كان من نتيجة ذلك فما علينا إلا المقارنة بين

стр. 3020

العصور القديمة وما تبعها من القرون الوسطى - أعني بين عهد بيريكليز اليوناني وبين القرن الرابع عشر بعد الميلاد. أجل والله إن أحدنا لا يكاد يصدق أن أهل هذين العصرين هم من جنس وأحد وطنية واحدة. فقد امتاز أقدم العصرين عصر قدماء اليونان بأرقى مدينة وأسماها وأرفعها وأسناها. واشدها تهذيباً وأحسنها ترتيباً مع النظامات المتقنة والقوانين المحكمة وجميع الفنون الجميلة والصناعات البديعة فضلاً عن الشعر والقصص والفلسفة في أكمل مظاهرها وأجمل مجاليها - تلك آيات روائع وملح بدائع قد مرت عليها آلاف السنين. وهي في بابها فذة نادرة فريدة مقطوعة الأشياء والنظائر لا يلحقها مقارب ولا مدان. ولا يشق غبارها في مضمار الرهان. فهي نتائج قرائح وأذهان لم تتوفر لغير أربابها من بني الإنسان. فكأنها صنعة لأنس أو أنس لجان. أولئك قوم أفاضوا على صفحة الحياة رونق الغضارة. وأسالوا على جبينها عزة البهجة والنضارة. ووثقوا عراها بأجمل أواصر الألفة والوداد: وشادوا صرحها على أوطد دعائم التضامن ولاتحاد (اقرأ كتاب مأدبة زينزفون). هذا عهد يونان القديمة. فانظر الآن إلى أوروبا في القرون الوسطى وخبرني ماذا تجد؟. . الكنيسة تأسر الأذهان. وتفل مضارب اللسان، وتحطم الأقلام وتطمس الأفهام وتحرق الأجسام. وقد أصبح الناس سوقة وملوكاً وشريفاً وصعلوكاً وعبيداً وأرباباً وأسوداً وكلاباً. فهنالك تجد القوة الغاشمة والشريعة الظالمة وعماية التعصب العاسفة وسطوة الاستبداد العاصفة. وما ينجم عن ذلك ويتلوه من ظلمة العقول والإفهام ودياجير الشكوك والأوهام وتضارب العقائد والملل واصطدام المذاهب والنحل. ونتائج هذا من محاكم التفتيش والتعذيب والحروب الدينية ووقائع الصليب ومصارع الخارجة والمارقة. ومقاتل أهل البدع من الزنادقة. فإذا تأملت النظام الاجتماعي في ذلك العصر المظلم لم تجد سوى نظام الفروسية وما أدراك ما هو؟. . مزيج من الحمق والوحشية يمتاز بفرط التكلف المرذول والتصنع الممقوت وفاحش الخرافات والترهات والخزعبلات ونهاية الغلو والإغراق في تقديس النساء. ولا يزال لهذا النظام البائد المفترض بقية بين ظهرانينا أي في أوروبا الحديثة تظهر في هذه العصور الحديثة في مظهر ما يسمونه الآن احترام المرأة وهو كما لا يخفى نظام فاسد سخيف قد عوقبنا على اتباعه بالعقاب الطبيعي المنتظر - أعني طغيان المرأة وعتوها وغطرستها - مما لا يزال يستثير علينا بحق هزء الشرقيين

стр. 3021

وسخريتهم ويجعلنا - ونحن أهل ذلك - أضحوكة في نظرهم وهدفاً لسهام تنديدهم وتبكيتهم - وهي سخرية قد كان قدماء اليونان يشاركونهم فيها لو أنهم بقوا إلى هذه الساعة. أجل لقد وصل الأمر في العصور الوسطى المظلمة (التي تسمونها كذباً ذهبية) إلى أن الفرسان صاروا يعبدون المرأة عبادة ذات مراسم ومناسك مرتبة ومنظمة. ويأتون في سبيل عبادتها ما يسمونه آيات البطولة وقام الشعراء يتغنون في النسيب بالأشعار الغنائية وما شاكلها من السخافات على أن هذه الأناشيد والأغاني كانت مما امتازت به فرنسا بينما الألمان الأبلد طباعاً الأجمد شمائل كانوا أميل إلى إدمان الشرب وإدمامة السطو والنهب يملأون أجوافهم بالخمور ويفعمون من الأسلاب والغنائم الدور والقصور، دأبهم ذلك وديدنهم طول أعمارهم. ولم تخل سوامرهم وأنديتهم أيضاً من سخيف الأشعار الغزلية. والأناشيد الغنائية. وهذا كله ثمرة الهجرة والنصرانية. الفقيه - أجل إن هجرة أولئك الشعوب الآسيوية البربرية هي التي أرسلت هذا السيل الجارف من تلك الأمم الوحشية فأطفأت به سراج المدينة اليونانية الوهاج وطمست معالم هذه الحضارة الزهراء. وأعادت الصلاح فساداً ورواج الفنون والمعارف كسادا. ولكن خبرني بماذا عاد الأمر إلى صلاحه. وتمكن في نصابه بعد التقوض عماد نجاح الأمر وفلاحه؟ بالديانة المسيحية. لقد أصيبت مدينة أوروبا القديمة من هجرة الآسيويين بالداء. ثم ظفرت من ظهور المسيحية وانتشارها بالدواء. فالمسيحية هي التي كبحت جماح أولئك الشعوب الوحشية الهمجية وقمعت غلواءهم وردت عرامهم وراضتِ شمائلهم وألانت من غلظة أكبادهم وملست من خشونة جوانبهم. وغير خاف أن أول ما يجب في تأديب الهمجي وتهذيبه هو تعليمه كيف يسجد ويركع. ويبتها ويتضرع ويطبع ويخضع. إذ ليس إلا بعد ذلك يمكن تمدينه وتحضيره. وهذا ما قد حصل في ايرلندة على يدي القديس باتريك وفي ألمانيا على يدي وينفريد السكسوني أجل لم يكن شيء سوى هجرة الشعوب الآسيوية في قديم الزمان - تلك الهجرة التي حاول عبثاً أن يعيدها في عهد أحث الغزاة الجبابرة عطيل وكنجبز خان وتيمور لنك (ثم طوائف الغجر بشكل هزلي) - لم يكون شيء سوى هجرة تلك الشعوب ما اجتاح مدينة أوروبا القديمة وأبادها. ثم جاءت المسيحية فكانت القوة المقاومة لهذه الهمجية العاملة على استئصالها مثلما غدت فيما بعد ذلك أعني من خلال

стр. 3022

القرون الوسطى القوة المقاومة لهمجية جبابرة الظلم والطغيان أعني الأمراء والفرسان الآنفي الذكر. بيد أن قصوى غاية المسيحية وأهم أغراضها ليس هو توفير الملذات في هذه الحياة الدنيا وإنما هو ترشيح أهلها لاستجلاب النعيم في الآخرة. فالمسيحية ترمي إلى غاية وراء هذه الحياة القصيرة الفانية وتتجاوز ببصرها هذا الحلم الطائف إلى موطن السعادة الأبدية والنجاة السرمدية. فمذهبها من هذه الوجهة مذهب الفضيلة المحضة المطلقة - وهو مذهب لم تعهده أوروبا قبل المسيحية كما قد بينت لك عند المقارنة بين ديانة القدماء ونظامهم الأخلاقي وبين المسيحية ونظامها الأخلاقي. الفيلسوف - هذا صحيح من الوجهة النظرية فقط ولكن انظر إلى الأعمال والآثار، ألا ترى أن أوروبا القديمة كانت بلا شك أقل قسوة من القرون الوسطى وما ارتكب فيها من إزهاق النفوس بأنكل ضروب التعذيب وبالإحراق بالنيران الحامية. . . . هذا ولا ننسى ما كان عليه القوم القدماء من فضائل الصبر والاحتمال والجلد وشغفهم بالحق والدفاع عن حوزته وحب الأوطان والاستبسال في الذود عن حياضها وتحليهم بصنوف المكارم والمحامد حتى أصبح النظر في آدابهم وآرائهم وفي مذاهبهم وفي أعمالهم وآثارهم يعد من أفضل دراسة الأخلاق والآداب. ثم انظر هل كانت الحروب الدينية والمذابح والحروب الصليبية ومحاكم التفتيش وغيرها من الضيم والاهتضام والاضطهاد واستئصال سكان أمريكا الأصليين وإحلال رقيق الزنوج محلهم - فهذه كلها ثمار المسيحية ولا ترى في سيرة القدماء ما يشبه أدنى شيء من هذا أو يوازيه فأما الرقيق عند القدماء فما كانوا من الرق من شيء وإنما كان ذاك من حيث هذه الدلالة لفظاً بلا معنى واسما بلا مسمى إذ كان أولئك الأرقاء قوماً في رخاء عيشهم وفي سهولة وفي بلهنية وفي رغد قد نعموا بغبطة ألمن والطمأنينة جزاء إخلاصهم ووفائهم لسادتهم فالفرق بينهم وبين أشقياء رقيق الزنوج الذين هم وصمة في وجه الإنسانية ولوثة في عرضها كالفرق بين الفريقين في اللون أما ما يعاب على القدماء من استهانتهم بأمر اللواط وتسامحهم فيه مع أنه إثم ومنكر فهذا شيء يسير جداً في جانب ما عددت لك من فظائع المسيحية - على أن اللواط بعد ليس بالأمر النادر بين أهل العصر الحاضر كما يتوهم البعض.

стр. 3023

إذا قارنت بين العهدين من كل الوجوه غير تارك لا صغيرة ولا كبيرة أفلا تزال بعد ذلك تصر على أن بني البشر قد أصبحوا بفضل المسيحية أكرم طبعاً وأرقى خلقاً؟ لها بقية

стр. 3024

روح الإسلام (لأكبر نصير للإسلام اليوم السيد أمير علي) (الباب الثالث) إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصائبين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. * * * إن ما امتاز به الإسلام من سرعة الانتشار المدهش في أرجاء الأرض لمن أعجب ما رؤى في تاريخ الأديان، فأنا إذا تدبرنا أمر المسيحية وجدنا أنها لبثت حقباً بعد ظهورها وهي تكمن في المغامض والخفايا، وتختبئ في الأنفاق والزوايا. ولم يك إلا بعد ما تشربت في ذاتها مذاهب الوثنية وامتصتها واشتملت وبعد ما قام بأنهاضها ورفع شأنها ملك نصفه وثني ونصفه مسيحي - أقول لم يك إلا بعد هذا وذاك أن استطاعت المسيحية أن ترفع رأسها وتنال مركزها بين سائر أديان هذا العالم أما الإسلام فإنه لم يمضي على وفاة مؤسسه ثلاثون عاماً حتى كان قد أفضى إلى قلوب الملايين من سكان المعمورة وقبل مضي مائة عام كان صوت الأمين ابن الصحراء صلوات الله عليه قد دوى صداه في مشارق الأرض ومغاربها. وهذا وإن كتائب الفرس والروم وجحافل كسرى وقيصر الذين حاولوا أن يردوا طغيان هذا السيل الجارف ويصدوا طوفان تلك الديمقراطية الجديدة التي نِات في جزيرة العرب لقوا شر هزيمة على أيدي فيالق الأعراب وأعملت فيهم السنة والظبى حتى تمزقوا شذر مذر وطاحوا جباراً بيد أن ما أتيح للإسلام من هذا النجاح الباهر وما خص به من عجيب تأثيره في أذهان الرجال وعظم موقعه في نفوسهم قد كان باعثاً على مزعم فاسد وتهمة كاذبة ألا وهي أن الإسلام دين السيف قد قام بالسيف وزاج بالسيف، ونحن الآن باحثون في عوامل انتشار الإسلام وأسباب شيوعه لنرى هل لهذه التهمة أدنى نصيب من الصحة. * * * لما ورد النبي كانت قبيلتا الأوس والخزرج اللتان كانتا قد أقامتا منذ سنين عديدة في حرب عوان مستمرة طحون حُطَمة - وقد وضعنا السلاح عقب حلف كاذب وصلح مموه - إذ

стр. 3025

كانت شواهد الأحوال تدل على تجدد القتال بأفظع مما كان وأشنع وكان اليهود بعد غارة حبلة قد قبلوا حماية عرب المدينة ثم أخذوا يجددون ما درس من بأسهم وشوكتهم ويستجمعون ما انتشر من أمرهم، وشرعوا يهددون أقرانهم الوثنيين بانتقام المسيح الذين كانوا يزعمون أنه عما قريب سيظهر وأنهم يرتقبون مطلعه من آونة إلى أخرى، وكانت قبائل الأعراب المحيطة الذين كان لقريش عليهم السيطرة التامة قد تألبوا من صوب وجدب على عرب المدينة وتمالأوا عليهم. فما كاد محمد ينزل المدينة حتى بدت للعيان تلك الأخطار المهددة للديانة الجديدة الإسلام - وكان المهاجرون (أعني الصحابة المكبين) أولئك الذين استقبلوا الموت واستهدفوا للمنون من أجل سيدهم وما ابتعث من النور في صدورهم ثم كابدوا من بعد ذلك آلام النفي والاغتراب والحَرب والاستلاب - أولئك كانوا الفئة القليلة يكادون يعدون على الأصابع. هذا شأن المهاجرين، وما كان الأنصار أهل المدينة بأمثل ولا أجزل لقد كانوا لقد كانوا أكثر بلا شك من المهاجرين ولكنهم لم يكونوا بالجم الفقير والعديد المجمهر وكانوا فوق هذا منقسمين بعضهم على بعض تدب بينهم عقارب التحاسد وتسعى بينهم أفاعي التضاغن والتحاقد. وكان في المدينة حزب قوي تحت زعامة رجل. عظيم النفوذ يطمح إلى عرش المدينة وهذا الحزب كان للكفار مؤازر، أضف إلى ذلك أن اليهود وقد اتحدت كلمتهم جعلوا يكيدون لمحمد تارة بالسم وتارة بالدسائس ولكن ذلك القلب الجريء الذي لم يتزعزع حين هددته بالموت قريش بقي ثابتاً متماسكاًُ إذ أصبح يرى حوله شيعة مخلصين لا يجدون لهم ملاذً غيره ولا عصمة سواه. لذلك نرى محمداً في هذه الأزمة قد ظل يجمع بين تلك العناصر المتنافرة والقوات المتخاذلة المتناكرة التي التفت حوله مؤمنة به وبرسالته فألف منها هيئة موحدة متينة الروابط وثيقة العرى فأقام القضاة المحكمين بين هذا المجتمع بدلاً من السنة الانتقالية الثأرية التي كانت شائعة بين عرب القبائل وكانوا لا يعرفون غيرها. . وقضى عل العصبة القبائلية فمحا بذلك مذهب التفريق بين أوس وخزرج فأصبحنا قبيلة واحدة. وإضافة إلى ذلك اتبع خطة التسامح مع من كان في جمهوريته الجديدة من اليهود والنصارى فوسعهم في مدينته مسوياً بينهم وبين شيعته من اتباع دينه. ونثر بذور المودة والإخاء بين الفئات المختلفة من حملة الكتب السماوية جميعاً. فصرح أن الكل سواء في نظر الخالق إن الذين آمنوا والذين هادوا

стр. 3026

والنصارى والصائبين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. لقد صادف محمد أناسيا (أعني العرب) بدينون بأخبث ضروب الوثنية ويعيشون بالغارة والسلب والنهب ويرتاحون بسفك الدماء كأنهم فيهم غريزة وجبلة - فهذب طبائعهم - وطهر نفوسهم وعلمهم الصدق والعفاف والتقوى والحلم والأناة والصبر والعفو والغفران والرحمة والتحاب والمؤخاة، والتواد والمصافاة. فكان يقول لهم وإن تعفو وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم إنا المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها، وهكذا. وبينما كان محمد يؤدي هذا الواجب الأقدس - يهذب قومه ويغرس فيهم حامد الخصال ومكارم الخلال ويرفعهم من وهدة الخسة وينتاشهم من بؤرة الفساد ويستنقذهم من حمأة الرذيلة ويطهرهم من أدران الخبائث وأدناس الموبقات - أعداؤه - وقلوبهم تغلي مراجلها عليه حقد ونفور مشاعرها عليه بغضاً - يهاجمونه ويحملون عليه أشد الحملات وأنكرها. وكانوا قد أجمعوا قتله واستئصال. وقالوا إن هذا الخارج من ملة آبائه (يعنون محمدا) وهؤلاء المارقين من دين أسلافهم (يعنون أتباع محمد) قد لجأوا إلى المدينة (بلدة اقراننا ومنافسينا) يزرع بها بذور المروق والإفك والضلالة. فحق على جميع الشعوب العربية أن تتضافر وتتناصر على إبادة أولئك الحمقى المجانين الذين هجروا أوطانهم وعقارهم من أجل إله خفي مجهول لا يحس ولا يرى، وكذلك نرى أن محمد منذ دخل الإسلام بدينه أصبحت حياته مرتبطة بحياة قومه وحياة الأنصار الذين دعوهم إلى ديارهم ورحبوا به وأكرموا مثواه فأصبح هلاكه ليس بهلاك فرد ولكنه هلاك كل من التف حوله وانضم تحت لوائه. وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدم فإذا تأملت حالة النبي إذ ذاك يحدق به الأعداء والخونة وتحمل عليه قريش والعرب كلها تؤيدها وترفدها علمت أنه كان هو وعصبته هالكين لا محالة لولا وثوبهم وثبة الضياغم. والليوث الضراغم. وأسياف بأيديهم هي كما قال الشاعر: صفحتاه عقيقتان من البر_ق ... وفي مضربيه صاعقتان ولم يك إلا بعد أن دهمتهم قيالق الأعداء أن خاطب النبي رهطه بكلمة الوحي وقاتلوا الذين

стр. 3027

يقاتلوكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. وكذلك أصبح الدفاع في نظر المسلمين هو بمثابة المحافظة على أرواحهم. فليس أمامهم إلا خطتان: إما الاستسلام للقتل والذبح إما الدفاع عن أنفسهم. وقد آثروا الثانية فأفلحوا واستطاعوا بعد طول الجهاد أن يخضعوا أعداءهم. ثم كان من أمر اليهود بعد ذلك أن حقدهم الشديد على المسلمين ونكثهم العهود والمواثيق المرة بعد الأخرى ودوامهم على إثارة الفتن ودأبهم في السعي إلى إيقاع المسلمين في حبائل كيد الكفار - كل ذلك أدى إلى إنزال العقوبة بهم وسومهم أنكل العذاب. وكان ذلك من النبي ورهطه بمثابة دفاع الضعيف عن نفسه وعلى سبيل الإنذار والتحذير وليس من باب الانتقام والتفشي. * * * وليس لمعترض أن يقول أن محمداً كان من الواجب عليه أن يكون كبعض من ظهروا في هذا العالم من آن إلى آخر من أرباب المذهب ومؤسسي العقائد ممن آثروا أن يذعنوا لقوة الظروف والعوامل المعاكسة فيقنعوا بإرسال القول دون تنفيذه وبتشييد عوالم الخير والصلاح في مخيلاتهم حيث تظل ضرباً من الأحلام والمنى لا تخرج من حيز الوهم والتأميل إلى حيز التحقيق والعمل. ويرضون أن يؤول أمرهم إلى التضحية والاستشهاد وتختم حياتهم على المشنقة أو على المقصلة أو هلاكاً في النار. أو الأسار. فيكون كل ما صنعوه هو أن يخرج أحدهم من الدنيا بأحلام لم تحقق وميتة بالسيف أو بالنار تكسبه حلية الشهيد أو التضحية - نقول ليس لمعترض أن يعيب على محمد أنه لم يكن من أمثال هؤلاء ولم يرض لنفسه مثل هذه السيرة ولم يقتنع بمثل هذا العمل - إن صح أن نسميه عملاً - وليس لمعترض أن يقول أنه قد كان من الواجب على النبي أن يخرج إلى الدنيا ثم يخرج عنها دون أن ينفذ مهمته ويبلغ غايته. وما كان لعاقل أن يقول أن ظهور أمثال ما ذكرنا في هذه الدنيا يوجب على محمد أن يحذو حذوهم فيضحى نفسه وجميع شيعته وأتباعه تأييداً لما نسميه في عصرنا هذا فكرة. دعنا نقارن بين جهاد المسلمين في سبيل الدفاع عن أنفسهم وحفظ أراوحهم بما جاءته اليهود والنصارى بل بما جاءته أمة الفرس المهذبة الرقيقة من الحروب الفظيعة لنشر

стр. 3028

عقائدهم وأديانهم. فأما اليهود فقد كان الاعتداء والسطو والاستئصال والإبادة مما تحلله وتجض عليهم شريعتهم بل كان حقن الدماء واستبقاء العدو مما يستوجب لعنة الله في عقيدتهم. وأما أهل الصدر الأول من المسيحية فسرعان ما نسوا وأهملوا ما كان أوصى به المسيح من فضائل التواضع والخشوع والحلم والوداعة حينما اشتد بأسهم وقويت شوكتهم. فما كادت المسيحية تصير الدين الشائع لطائفة من الناس حتى استشعرت خلال الحيف والجور والاضطهاد. ولقد قارن كثير من المؤرخين بين عيسى ومحمد - فمن كان منهم مقتنعاً بألوهية عيسى ذهب إلى أن الوسائل الدنيوية التي استخدمها محمد لإصلاح أمته لم تكن إلا (وحياً شيطانيا) وأن انصراف عيسى عن هذه الوسائل (ولعل ذلك كان لعدم سنوح الفرصة ومساعدة الظروف) من أوضح الدلالة على ألوهية عيسى، وسندلي بالحجج والبراهين الدالة على سخف هذا الكلام وبطلانه وما فيه من البعد عن جادة الصواب والجنف عن محجة السداد وإنه كذب على التاريخ وافتراء، بل مناقض للطبيعة البشرية. لقد كان ثمت بون شاسع بين الظروف والأحوال التي عاش فيها محمد والتي عاش فيها المسيح. كان نفوذ عيسى أثناء مدة زعامته القصيرة مقصوراً على فئة قليلة من أتباعه كلهم من طبقة العوام الوضيعة. ولقد ذهب عيسى ضحية ما أثار من الحنق على نفسه بمطاعنه من أكاذيب الطبقة الدينية في عصره - ضحية بغضاء أمة عنيدة قاسية - وذلك قبل أن يصبح لأتباعه من كثرة العدد وقوة النفوذ ما يدعو إلى وضع القوانين العملية للسير عليها والاهتداء بها في مسالك الحياة - وقبل أن يؤسسوا نظاماً لنشر تعاليمهم الدينية أو الاتقاء سطوات أهل الدين الشائع يومذاك. وذلك أن أتباع عيسى لما كانوا قد انشعبوا من أمة عظيمة الشأن ذات قوانين ثابتة موطدة تقوم بتنفيذها حكومة قوية - فقد أعوزتهم لذلك الفرصة لتأسيس نظام، وكذلك الأستاذ الزعيم عيسى لم يجد ثمت داعياً لوضع القوانين العملية الأخلاقية. زلكن القوم أحسوا بهذه الحاجة حينما عظم شأنهم وكثر عددهم، ثم ظهر رجل عبقري متضلع من كنوز الحكمة الأفلاطونية الجديدة فألف هذه النابغة من الأصول والقوانين والآداب نظاماً محا ماامتازت به تعاليم المسيح من البساطة وسائر الخصائص التي انفردت بها تلك التعاليم.

стр. 3029

وقد ابتلى محمد - كالمسيح - منذ أول مرة بمناوأة قومه إياه ومكافحتهم له. وكان أتباعه بادىء ذي بدء كأتباع عيسى صغر شأن وقلة عدد. وكان محمد قد أشبه المسيح أيضاً من حيث أنه قد جاء قبله رجال قد طرحوا عنهم قيود الوثنية وأصغوا إلى نجوى الحقيقة المطلقة في أعماق صدورهم. وأشبه المسيح أيضاً من حيث أنه كان يحث على الحلم والوداعة والبر والمعروف والتألف والتآخي. ولكن محمد ظهر بين أمة منغمسة في العادات الوحشية والتقاليد الهمجية كانت ترى أن الحرب هو المقصد الوحيد في الحياة - أمة كانت بمعزل عن العوامل المادية الخسيسة الشائعة إذ ذاك بين أمتي اليونان والرومان ولكنها كانت كذلك بمعزل عن عوامل المدنية التي كانت فاشية بين تينك الأمتين. ففي أول الأمر أثارت تصريحات النبي احتقار الأعراب ثم هيجت بعد ذلك سورة غضبهم وانتقامهم. على أن أتباعه جعلوا مع ذلك يزدادون في العدد والعدد حتى جاءته دعوت الأنصار إلى المدينة فتوجت بالنجاح أعماله. ومنذ قبل هذه الدعوة بهذا الملاذ الكريم - منذ دعته الأنصار إلى أن يكون مشرعهم الأكبر وقاضيهم الأعظم وأستاذهم الروحاني أصبح حظه بحظهم مقروناً. ومستقبله بمستقبلهم مرهوناً. منذ تلك الساعة أصبح المسلمون مضطرين إلى إقامة الأرصاد على الوثنيين وأشياعهم وغدامة اليقظة والرقابة على حركاتهم وتدابيرهم وعلى أغراضهم ونواياهم. وكذلك نرى أن بلدة واحدة اضطرت إلى القيام في وجه الأعراب بأسرهم ونهضت لصد هجمات القبائل العديدة التي كانت تسكن جزيرة العرب - فهذه الظروف ألجأت حضنة الإسلام في الأحايين الكثيرة إلى اتخاذ أشد التدابير للمحافظة على كيانهم. ولا غرو فإنه إذا خابت وسائل الحث والإغراء لم يبق سوى طرق الإكراه والضغط. وهكذا يتضح لنا أن غريزة المحافظة على النفس التي أوحت إلى نبي النصرانية عيسى أن يشير إلى أتباعه باتخاذ آلات الدفاع عن أنفسهم هي التي ألهمت المسلمين في زمن محنتهم إلى شهر السلاح عندما ألح عليهم أعداؤهم ذووا البطش والصولة. وكذلك استطاع محمد بطرق اللين تارة وبالهمة الصارمة أخرى أن يؤلف أشتات الأمة العربية ويضم نافر تلك العناصر المتناكرة تحت لواء الدين السديد. وفي ظل كلمة التوحيد وإذ ذاك ساد السلام في أنحاء البلاد. ورفرفت أجنحة الأمن والطمأنينة على رؤوس العباد.

стр. 3030

لقد ظهر محمد في أمة كانت - كما لا تزال نراها - أشد الأمم نارية وأسرعهم بطشاً وفتكاً تنطوي صدورهم على مثل شمسهم المحرقة شهوات وأهواء - فلطف سورة أعدائهم. وسكن ثورة طغيانهم. ورد جماح عسفهم. وكف عرام عنفهم. وأشعر قلوبهم الرفق والحلم والتقوى وأورثهم فضائل الورع والزهد وإنكار الذات. وهجرة اللذات - مما لم يشهد التاريخ مثله. ولم يعهد العالم نظيره وشكله. لهذا الفصل بقيةٍ

стр. 3031

صور هزلية من أخلاق الناس للكاتب المبدع عباس حافظ عم زايد كان عم زايد. . . . رحمة الله عليه - خادماً أسود في دار قوم عشيرتنا. نسخة قديمة من كتاب البلاهة الطبيعية التي أول ما خرجت طبعتها من مطابع المكتبة السماوية، في الأحراش، وتفرقت نسخها في الأجم، تحت ظلال الدوح وفي أفياء السرحات الباسقات، يوم كانت الإنسانية لا تزال في عنفوانها لا تعرف إلا ألكل والشرب - فقد ولد عم زايد ونما وكبر وشاخ ومات، أبله لم يزد عقله في رجولته عن حلمه في طفولته. وكان ذلك منه مثالاً على الثبات والوفاء، فقد كان ﵀ وفيا في خدمته، ثابتاً على وفائه لسادته، فأبى ثباته إلا أن يظهر كذلك في بلاهته فظل عليها طول حياته. ولم يشأ وفاؤه إلا أن يبدو كذلك في سذاجته فمات عليها ﵀ عليها وعليه! وليس ألذ للسيد من أن يكوت الخادم أبله مغفلاً، حتى لا يأخذ سيده بالحقد أو بالمعارضة إذا كان عاقلاً، حتى ولا يكون في البيت عاقلان، فيصطدم عقيل السادة بعقيل العبيد، ولأن يجد الإنسان المتاعب من تحريك الخادم الأبله، خير له من أن يجد العنت كله من وراء الخادم العاقل. وندر ما تجد في الخدم العقلاء. أوفياء، ولكن أندر منه أن ترى في الخدم البله خونة، وليس في الخادم من لذة للسيد إلا إن كان في خلقه شيء من عنصر البلاهة فإن الدار ولا ريب تصبح به فرعاً منالتياترو وقاعة من قاعات السنيماتوغراف ولكنه سينماتوغراف قاصر على الأهل والمعارف فقط، ولا أنكر أن في اقتناء الخادم العاقل بعض الرحة والعون على شؤون البيت. ولكنه لا يزال بعد ثقيل الظل - لأنه يعرف الواجبات المطلوبة منه، ويضع لنفسه حدود خدمته فلا يريد أن يتطامن لأطفال البيت حتى يركبوا ظهره، ويتخذوه مطية مضحكة لهم. على حين يجد الصغار الروح كله والسرور من امتطاء ظهور الخدم البله، وفي رضى أولئك بذلك وتقليدهم للحيوانات والدواب. والسيد العاقل بل ربة البيت العاقلة تستطيع أن تتخذ من الخادم الأبله، خادمين اثنين، رجلاً وامرأة، فهو لا يأنف ولا يتعالى ولا يتململ إن دعي إلى الاشتراك في غسل الأواني،

стр. 3032

وتنظيف المقاذر وحمل الكناسة، ويجد في اللطمات تهوي على قفاه مزحاً دعابة، فلا يكون منه إذا ضرب إلا أن يرفع عينيه إلى السيد الضارب، وهو ضاحك السن شاكر لهذه الهزة اللذيذة التي نبهت أعصابه، فإذا أنت فعلت شيئاً من ذلك، أو طلبت بعضه من الخادم العاقل، فلا تجد أمامك إلا كلمة حسابي تنذرك بالمتاعب التي تجرها على نفسك بالوقوف مرة أخرى على أبواب المخدمين ودفع العرايين وقراءة الرخص وشهادة الشاهين. ولذلك آثرت أنا - الخدم البله على مزاحميهم العقلاء - الخدم العقلاء، ولهذا كان خادمنا - عم سرور حبيبنا إلي وكان عم زايد هو الذي جئت أصفه لكم ساداتي القراء. أعز الأصدقاء. * * * وأعجب ما في خلق عم زايد أن الناس يتوسلون بالشراب إلى فك قيود العقل. والتحلل من الرزانة والجد، ولكن عم زايد كان على نقيض العالم كله فلا تزيده البوظة إلا سكوناً ووجوماً، ولا يزداد بها إلا خرساً، وانكماشاً وكان الرجل قليل الأكل، كثير الشراب، ولا أذكر أنه طلب إلى ربة البيت الذي هو فيه يوماً طعاماً، بل لا يزال صابراُ فإن قدم إليه طعام طعم، وإن لم يطعم لم يتكلم ولو أنه نسي شهراً. أو أغفل طعامه زماناً، إذن لغاب عن ذاكرته أن هناك في الدنيا عملية كيماوية اسمها االأكل! بل لمضى على شرابه حتى يقع من شدة الجوع يلهث تعباً وإذ يلوح إليه الناس أمام بصره الزائغ بقطعة من الخبز فتعاود الذكرى أن العالم طعاماً وشراباً لا شراباً فقط. وكان عم زايد - أسكنه الله الجنة في مقاصير البله والمعتوقين - كثير المشي، فلو أنك أمرته بالتحرك وسرت في أثره فلم تقل له قف عن المسير، لظل يسير في الأرض حتى يصل إلى ساحل البحر فيظل ماشياً يخوض الماء حتى تأمره بالوقوف أو ليسيرن، أشبه شيء بقطار السكة الحديد الذي أغفل سائقه الالتفات إلى إشارة الخطر فجعل يطوي القنطرة حتى وقع في البحر بمن فيه، أو كالجندي الذي أمره نابليون بالانصراف عن حضراته فظل سائراً حتى وصل شاطئ النهر ومشي حتى وقع في البحر غريقاً، لأن قائده لم يقل له دور!. . أي لم يعطه الأمر بالوقوف، وهذا مثل الطاعة البلهاء العمياء التي تطلب إلى الجندي في الجيش.

стр. 3033

وكان عم زايد لا يعرف حتى ولا أصحاب المنزل الذي يخدم فيه وسادته الذي نشأ فيهم وقضى حياته في ظلهم إلا إذا كانوا داخل جدران المنزل. فإذا خرجوا إلى حاجة لهم أو مشوار من المشاوير فالتقى بهم في طريقه لم يعرفهم ولم ينظر إليهم ولم يلتفت أو يدر مكانهم منه إلا إذا استوقفه أحدهم فذكره بأسمه أو عرفه بصوته. فإذا أنت بعثت به إلى شراء شيء من السوق ثم خرجت في أثره تمشي في السوق لترى ماذا هو صانع وجئت حتى حاذيته فلا تتوقع أن ينظر إليك أو يتبينك وإن حك ذراعك بذراعه. وقد تقف بجانبه أمام البائع وتأخذ في جدل معه أو حوار فلا يدرك من أنت وما شأنك. ولم أر عم زيد في دموع ولم أشهده باكياً وقد يقف في جنازة سيد من ساداته مبتسماً بين النواجذ كما يقف يوم العرس لا يدري ماذا شغل الناس حوله. . . . أعلى ميت يبكون أم تلك عروس إلى عروس يزجون. على أنه كان متزوجاً ولكن لم يكن زواجه بلاهة منه كما هو من بلاهات العقلاء بل كان بلاهة من أسياده إذ رأوا جارية لهم تناهز السن التي كان هو يعض عليها، فزوجوهما على بركة الله ولم يجتمع الزوجان في شيء اجتماعهما في خصلة واحدة هو أنه كان أفطس الأنف وكانت هي بسلامتها فطساء. ولم يفترقا في شيء افتراقهما في شيء واحد: هو أنها كانت نصف عاقلة. وكان هو تام البلاهة. فجعلت تشده إلى العقل وجعل هو يجذبها إلى البلاهة. فلما لم تتغلب عليه ولما لم يتغلب عليها جعلت هي تضحك منه مع الضاحكين. وجعل هو الآخر يسخر منها ومن الناس أجمعين.

стр. 3034

انقباض النفس للشاعر النفساني الروحاني كلوردج نقلها إلى العربية الكاتب الشاعر عبد الرحمن أفندي صدقي حزن من غير ما ألم، أجوف موحش معتم. حزن مكظوم نعسان هادئ لا يجد له مخرجاً أو مفرّجاً في كلمة أو زفرة أو غيره - بلى سيدتي في هذه الحال من الكمد والخمود استغوتني أغاريد طائر صداح إلى الاسترسال في التأملات فكنت طوال هذا المساء المتأرج الساجي أرمق الأفق الغربي وصبغته الوارسة وقد رنقت شمس الأصيل ونفضت ... على الأفق الغربي ورسا مذ عذها وما زالت أرمق - ولكن بأيما عين غافلة وألحاظ جوفاء - وسوارى المزن فوقي شفيفة متفتقة قد تنصلت عن ظاهر سريانها وخيلت أنه لهاتيك الكواكب والدراري اللآئي يمرقن خلفها أو ما بينها. آونة متلالئات وأخرى معتمات ولكن على الحالين مستبينات للعيان. وذياك الهلاك مستقر كأنما قد ترعرع ونما في بحيرة له ولازوردية لا تعرف دراريا ولا مزنا. أرى كل هذه المشاهد حسانة فاخرة أرى ولكن لا أشعركم هي أنيقة حلواء. (٣) حال سالف ابتهاجي إلى كآبة وانقباض. وإني لهذه المشاهد أن ترفع الوقر المزهق عن صدري فعبثاً أحاول الترفيه ولو رمقت إلى الأبد هذه الأضواء الوارسة التي تتلكأ في المغرب إذ لا أمل أن أستمد من المظاهر الخارجية حرارة وحياة ينابيهعما باطنية. (٤) بلى يا سيدتي إنما نسترد ما أعرناه وإن حياتنا وحدها تحيا الطبيعة وحياتنا وحدها تسربلها إما في رياط عرس أو لفائف كفن فإذا شئنا أن نعاين شيئاً أسمى قيمة مما تخوله هذه الدنيا الميتة الباردة لهذا الملأ التعس اللازب القلق الخامد الحب فعلى النفس وحدها أن ينبجس عنها ضوء بهاء، رباب ضحيان أغر يشمل الأرض - وعلى النفس وحدها أن تنخمضعن صوت حلو جهوري من نتاجها وهو من كل الأنغام الحياة والعنصر. (٥) آه أيتها النقية القلب لا أظن بك حاجة أن تستفسري مني وتتساءلي ما تكون هذه الموسيقى

стр. 3035

الفعالة النفسية، ما تكون وأين توجد، وهذا الضوء، هذا البهاء، هذا الرباب الضحيان الأغر، هذه القوة الجميلة المجملة - الابتهاج يا سيدتي الفاضلة، الابتهاج الذي لم يسوغه أبداً إلا الاتقياء وحدهم وفي أتقى ساعة لهم، وهو الحياة وعصير الحياة، رباب وشؤبوب في آن. الابتهاج يا سيدتي هو الروح والقوة تهبنا إياه الطبيعة صداق زفافها علينا. هو أرض جديدة وسماء جديدة لم يحلم بها الفاسق ولا الأصعر الصليف - الابتهاج هو الصوت الحلو، الابتهاج الابتهاج هو الرباب الضحيان - وإنا لنبتهج في داخل أنفسنا ومن تلقاء أنفسنا، ومنها يتدفق كل مايفتن بعدها السمع منا والبصر فكل الأنغام أصداء لذياك الصوت وكل الألوان سطوع وانتشار لذياك الضوء. (٦) ولقد جازت بي - على الرغم من خشونة السنن - حقيبة من الدهر كان فيها ابتهاجي هذا يداعب كل ملمة وضيق، ولم تكن الرزايا كلها إلا بمثابة مادة يصوغ لي منها الخيال أحلام سعادة، لأنة الأمل إذ ذاك كان يزكو حولي كالكرم المؤتشبة أفنانه، وكانت الثمار والأوراق التي تخص غيري كأنما تختصني. وأما الآن فالنكبات تقوس إلى الرغام كاهلي ولو أنها اقتصرت على استلاب تهللي ومرحي ما حفلت بها ولا اكترثت لها لكنها - وأبؤس نفسي - في كل زيارة تعطل ما أودعته في الطبيعة منذ ميلادي من روح الخيال الفاطر فلا اعني اليوم بما يجب أن يخامر إحساسي ويستولي على مشاعري بل الاستسلام والصبر كل مقدروي ولقد رأيت أن أنصرف إلى أبحاث الفلسفة الجافة العويصة عسى استل من فطرتي كل الرجل الفطري، وكانت هذه خطتي التي أترسم وحيلتي التي إليها أركن فإذا بالذي يناسب الجزء يعدي الكل حتى لصار الآن ديدن نفسي. (٧) إليك عني يا أفاعي الهواجس التي تلتف حول عقلي، يا رؤيا الحقيقة المعتمة. بي أتحول عنك منصتاً إلى الريح التي طال في الخارج هذيانها دون أن تسترعي إليها انتباهي. فيالها من صرخة نزع هائلة نبهني بها مزهرها وكأنما مدفيها التعذيب. ولكن، أيتها الريح الهاذية الهاذرة ألا ترين أن الجلمد العاري والغدير في قنة الطود والشجرة المسفوعة وحرج الصنوبر السحوق الذي لم يبلغ إليه تسلق حطاب، والدار المنعزلة اتخذتها الساحرات مثوى

стр. 3036

من قديم: كل هاتيك ألا ترينها كانت معازف أصلح لك أنت أيتها العازفة المعتوهة التي اسمعها في هذا الشهر، شهر الشآبيب المنهلة والخمائل والأزاهر الموصوصة - أسمعها تحتفل بعيد الشيطان منشدة أسوأ من نشيد الشتاء، خلال النوار والبراعم والأوراق المرتجفة. أنت أيتها الممثلة المبرزة في كل أصوات المأساة. أنت أيتها الشاعرة القديرة المتحمسة إلى حد الجنون! عما تحدثين تحدثين عن هرب الجيش المهزوم بما فيه من تأوهات المدعوسين والمثخنين بالجراح - في آن واحد يتأوهون من مضض الكلوم ومن كلب البرد. ولكن انصت - هذه فترة سكون عميق! وكل هذه الجلبة التي كانت كأنها لملأ هارب بما فيه من تأوهات وارتعاد مقضقض - كل هذا انقضى فإنها تقص الآن أسطورة أخرى بأصوات أقل عمقاً وأخفت جرساً، والأسطورة أقل رعباً من سابقتها مشوبة من بهجة التصوير بما يطأ من من هو لها، كالتي صورها الشاعر (اتواي) نفسه من أنشودته الرقيقة فهي أسطورة طفلة صغيرة في مجهل منعزل لا يبعد عن السكن ولكنها ضلت طريقها فآونة تئن في خفوت من لأسى المر والفرق الأخرى ترفع عقيرتها بالصياح في أمل أن تسمع أمها. (٨) انتصف الليل ولكن قل أن مر في خاطري خاطر اليوم. وأني لأسأل الله لخلّي أن ينر احياؤها نظائر هذه السهرات. فلتطرقها أيها الكرى المدمث المترفق ولترف عليها بأجنحة شفاء وعافية. ولتكن هذه العاصفة على حد المثل القائل تمخض الجبل فولد فأرة، ولتتدل الدراري كلها مؤتلفة على سكنها، مستقرة شاخصة كأنها تسهر على حراسة الأرض النائمة. ولتنتبه خلّتي وقلبها الممراح الطروب وتصوراتها الزاهية المبرقشة وعيونها الطافطة بالبشر، وليسبح الابتهاج بروحها إلى فراديسه العليا، وليدوزن الابتهاج صوتها طبق أنغامه الحلوة ونبراته المستعذبة ولنحي لأجلها كل الأشياء قاطبة من قطب إلى قطب إذ حياتهن مجال تدويم لروحها الحية. إيه أيتها الروح الناصعة الطويلة التي ترشدها السماء وتهدى خطواتها الفانية المعبودة. يا أروع خلة اصطفيت أسأل الله أن تغتبطي وتطربي دواماً وإلى أبد الآبدين.

стр. 3037

تفاريق أشهر مخترعي العالم غوتنبرج: مكتشف الطباعة بالأحرف جميس واط: مستعمل قوة البخار بل: مخترع التليفون أديسن: مخترع الفوتوغراف وكثير من المخترعات الكهربائية ديزل: مخترع (المكنة) الهائلة المعروفة باسمه. ألمانيا والتجارة عجيب ما يأتينا من تلكم الأخبار المتضاربة عن ألمانيا. فبينما نحن نسمع عن إفلاسها وفاقتها وتدهور حالها الاقتصادية وما إلى ذلك مما أدهش عقولنا وجعلنا نظن أن ألمانيا قد دالت دولتها وأصبحت في خبر كان. أقول بينا نحن نسمع ذلك إذ توافينا أنباء أخرى على النقيض من هذا. فقد أرسلت إحدى المجلات الإنجليزية رسولاً من قبلها ليستطلع طلع هذه البلاد الغريبة ويقف على جلبة أمرها. فعاد هذا الرسول. وأخذ يدبج المقالات الضافية ويصرح فيها بأن الحال في ألمانيا ليست من الظلمة والارتباك والتدهور في شيء بل على العكس نرى أن القوم هنالك هانئون في خير حال وعيشتهم راضية مرضية، وكلها أمل في المستقبل. ولقد أعرب في مقال له بالعنوان السابق، عن عظيم دهشته من وفرة المال في ألمانيا وضخامة رؤوس الأموال واستعداد القوم لشراء المواد الخام بأي ثمن كان. وسرد لذلك أمثالاً كثيرة منها أنه جلس مرة مع تاجر من التجار المتوسطي الحال يجاذبه أطراف الحديث فأراه هذا أنه مستعد لشراء أربعمائة طن من النحاس لاستخدامها في بعض الأغراض الكهربائية وأنه مستعد أن يعقد أي شروط لذلك وأن يدفع الثمن المطلوب في أي وقت. . . . ثم سمع أيضاً بأن شركة قد تألفت لصنع (الكاوتشوك) من بعض المواد الكيمية ورأس مالها بلغ ٠٠٠، ٠٠٠، ٥ من الجنيهات جمعت كلها من (برلين) فقط. ولقد صرح له بول فون مندسون رئيس الغرفة التجارية في برلين بقوله: إن انخفاض سعر المارك في الوقت الحاضر ليس من الأهمية بمكان. لأنه لا شك سيرتفع حينما نبتدئ في

стр. 3038

تصدير بضائعنا. أما الآن فكل مجهودنا موجه إلى شراء المواد الخام بأي ثمن وبأية طريقة، وعندنا لذلك المال الكافي. وسنناقش تجارة العالم كله. ومع ذلك سنربح ربحاً عظيماً. ولقد أشيع مثلاً خبر اعتصاب المعدنيين في ألمانيا، وصارت الحكومة نفسها تصدر لذلك النشرات المطولة وتذيعها في العالم كله، مع أن الغرض من ذلك إنما هو حمل مؤتمر الصلح على إنقاص كمية الفحم المطلوبة من ألمانيا لفرنسا من ٠٠٠، ٠٠٠، ٤٠ طناً إلى ٠٠٠، ٠٠٠، ٢١ فقط. ثم قال المراسل أيضاً. ولقد كنت في برلين في الوقت الذي حدث فيه اعتصاب عمال السكك الحديدية في انجلترة. فكنت أرى الألمان على اختلاف طبقاتهم يقابلون أخبار اشتداد الأزمة في انجلترة بالضحكات والنكات. ضيق الأرزاق في بلاد المغرب أكلة في المطعم بصورة يذكر القراء ما كتبنا قبل هذا عن رؤوس صلعاء للإيجار وما كان من ضيق المرتزق اليوم في بلاد المغرب من أثر الحرب، حتى أصبح أشد الناس حياء لا يستحي أن يبحث رزقه من أتفه السبل، ولو عرض نفسه بذلك لسخرية الناس، واستدف لضحكات القوم وقد قرأنا عن أمثلة أعجب من ذلك، وهو أنه يوجد في الحي اللاتيني بباريس عدة مطاعم صغيرة قد غطت جدرانها صور مختلفات ألوانها ورسوم بالزيت أو الدهن أو المداد، وكل صورة منها تمثل رجلاً جائعاً لا درهم يملك، ولا رغيف يأكل، وقد صور هذه الصور كثيرون من أهل الفنون الفقراء الذين عز عليهم القوت. فاتفق أصحاب تلك المطاعم على أن كل صورة بأكلة في المطعم من غير مقابل وليس على المصور المسكين كلما عضه الجوع، وعز عليه الطعام إلا أن يمشي إلى ذلك المطعم فيضيف إلى مجموعة تلك الصور الجائعة أقرب صورة إلى حالته، ومن هنا كانت هذه المطاعم متاحف كبرى لصور الجوع. وأغرب من هذا كله أن نسمع بجندي في انجلترة من الذين سرحتهم الحكومة بعد انتهاء الحرب يعرف ٦ لغات مختلفة ثم لم يجد في جميع سبل الرزق ما يستطيع به أن يسد أرماقه، إلا أن يجمع أعقاب السجائر.

стр. 3039

هذه طائفة من ويلات تلك الحرب المدهشة، وهي ولا ريب معرة للإنسانية لا يمحوها شيء من صفحات التاريخ.

стр. 3040

مطبوعات جديدة كتاب مختصر تاريخ أوروبا في العصور الوسطى أهدى إلينا صديقنا الكاتب المؤرخ الفاضل الأستاذ حسين أفندي لبيب المدرس بمدرسة القضاء الشرعي وصاحب كتاب تاريخ الأتراك العثمانيين وتاريخ الأندلس والجغرافية التجارية - كتاباً له وضعه أخيراً في تاريخ أوروبا في العصور الوسطى بسط فيه القول على الحروب الصليبية والفروسية والنظام الإقطاعي ونشوء دول أوروبا الخ الخ والكتاب يوجد في جميع مكاتب القاهرة وثمنه ١٥ غرش. التربية والتعليم مجلة شهرية تعني عناية خاصة بكل المباحث التي تبحث في شؤون التربية والتعليم لمديرها حضرة الأستاذ الفاضل عز الدين أفندي علم الدين وتظهر في دمشق عاصمة الدولة السورية فنرحب بهذه المجلة المفيدة وننصح القائمين بالتربية والتعليم خاصة بأن يقتنوها. البيان مجلة شهرية علمية أدبية تاريخية اجتماعية سياسية لمنشئيها حضرات الأفاضل عبد الرزاق أفندي وعبد الله أفندي وعثمان أفندي وصاحب امتيازها حضرة الفاضل عبد القوي افندي وتكتب باللغتين العربية والهندية وتظهر في لكنؤ - الهند. وهي الآن في سنتها التاسعة عشر اشتراكها اثنا عشر شلنا.

стр. 3041

أحداث الشهر سار يباري النجم في جده ... وعاد كالسيف إلى غمده ذاك سيد الشعراء وشاعر العربية الأوحد - أحمد شوقي بك - فقد رفهت الأقدار عن الناطقين بالضاد عامة والمصريين خاصة بأن أدال الله لنا من غربته جميل اوبته - وما كاد ينطلق بلبلنا الغرد من معتقله حتى شدانا بهذه الأبيات. أنادي الرسم لو ملك الجوابا ... واجزيه بدمعي لو أثابا وقلّ لحقه العبرات تجري ... وإن كانت سواد القلب ذابا سبقن مقبلات الترب عني ... وأدين التحية والخطابا نثرت الدمع في الدمن البوالي ... كنظمي في كواعبها الشبابا وقفت بها كما شاءت وشاؤوا ... وقوفاً علم الصب الذهابا لها حق وللأحباب حق ... رشفت وصالهم فيها حبابا ومن شكر المناجم محسنات ... إذا التبر انجلى شكر الترابا وبين جوانحي واف ألوف ... إذا لمح الديار ومضى وثابا رأى ميل الزمان بها فكانت ... على الأيام صحبته عتابا * * * وداعاً أرض أندلس وهذا ... ثنائي إن رضيت به ثوابا وما أثنيت إلا بعد علم ... وكم من جاهل أثنى فعابا تخذتك موئلاً فحللت أندي ... ذراً من وائل وأعز غابا مغرّب آدم من دار عدن ... قضاها في حماك لي اغترابا شكرت الفلك يوم حويت رحلي ... فيا لمفارق شكر الغرابا فأنت أرحتني من كل أنف ... كانف الميت في النزع انتصابا ومنظر كل خوان يراني ... بوجه كالبغي رمى النقابا وليس يعامر بنيان قوم ... إذا أخلاقهم كانت خرابا * * * أحق كنت للزهراء ساحاً ... وكنت لساكن (الزاهي) رحابا ولم تك (صور) أبهى منك ورداً ... ولم تك بابل أشهى شرابا

стр. 3042

وإن المجد في الدنيا رحيق ... إذا طال الزمان عليه طابا أولئك أمة ضربوا المعالي ... بمشرقها ومغربها قبابا جرى كدراً لهم صفو الليالي ... وغاية كل صفو أن يشابا مشيبة القرون أديل منها ... ألم تر قرنها في الجو شابا معلقة تنظر صولجاناً ... يخر عن السماء بها لعابا تعد بها على الأمم الليالي ... وما تدري السنين ولا الحسابا * * * أيا وطني لقيتك بعد بأس ... كأني قد لقيت بك الشباب وكل مسافر سيؤوب يوماً ... إذا رزق السلامة والإيابا ولو أني دعيت لكنت ديني ... عليه أقابل الحتم المجابا أدير إليك قبل البيت وجهي ... إذا فهت الشهادة والمتابا وقد سبقت ركائبي القوافي ... مقلدة أزمتها طرابا تجوب الدهر نحوك والفيافي ... وتقتحم الليالي لا العبابا وتهديك الثناء الحر تاجاً=على تاجيك مؤتلقاً عجابا * * * هدانا ضوء ثغرك من ثلاث ... كما تهدي (المنورة) الركابا وقد غشى المنار البحر نوراً ... كنار (الطور) جللت الشعابا وقيل الثغر فاتأدت فأرست ... فكانت من ثراك الطهر قابا فصفحاً للزمان لصبح يوم ... به أضحى الزمان إلي تابا وحيا الله فتيانا سماحاً ... كسو عطفي من فخر ثيابا ملائكة إذا حفوك يوماً ... أحبك كل من تلقى وهابا وإن حملتك أيديهم بحوراً ... على أكفهم السحابا تلقوني بكل أغر زاه ... كأن على أسرته شهابا ترى الإيمان مؤتلقاً عليه ... ونور العلم والكرم اللبابا وتلمح من وضاءة صفحتيه ... محيا مصر رائعة كعابا

стр. 3043

وما أدبي لما أسدوه أهل ... ولكن أحب الشيء حابي شباب النيل إن لكم لصوتاً ... ملبي حين يرفع مستجابا فهزوا (العرش) بالدعوات حتى ... يخفف عن (كنانته) العذابا أمن حرب البسوس إلى غلاء ... يكاد يعيدها سبعاً صعابا وهل في القوم يوسف يتقيها ... ويحسن حسبة ويرى صوابا عبادك رب قد جاعوا بمصر ... أنيلا سقت فيهم أم سرابا حنانك واهد للحسنى تجارا ... بها ملكوا المرافق والرقابا ورقق للفقير بها قلوباً ... محجرة وأكباداً صلابا أمن أكل اليتيم له عقاب ... ومن أكل الفقير فلا عقابا أصيب من التجار بكل ضار ... أشد من الزمان عليه نابا يكاد إذا غذاه أو كساه ... ينازعه الحشاشة والإهابا وتسمع رحمة من ناد ... ولست تحس للبر انتدابا أكل في كتاب الله إلا ... زكاة المال ليست فيه بابا إذا ما الطاعمون شكوا وضجوا ... فدعهم واسمع الغربى السغابا فما يبكون من ثكل ولكن ... كما تصف المعددة المصابا ولم أر مثل سوق الخير كسبا ... ولا كتجارة السوء اكتسابا ولا كأولئك البؤساء شاء ... إذا جوعتها انتشرت ذئابا ولولا البر لم يبعث رسول ... ولم يحمل على قوم كتابا شهداؤنا الاثنا عشر علمونا الصبر نطفئ ما استعر ... إنما الأجر لمفجوع صبر صدمة في الغرب أمسى وقعها ... في ربوع الشرق مشؤوم الأثر زلزلت في أرض مصر أنفساً ... لم يزلزلها قرار المؤتمر ما اصطدم النجم بالنجم على ... ساكن الأرض بأدهى وأمر قطف الموت بواكير النهى ... فجنى أجمل طاقات الزهر وعدا الموت على أقمارنا ... فتهاووا قمراً بعد قمر

стр. 3044

في سبيل النيل والعلم وفى ... ذمة الله قضى الاثنا عشر أي بدور الشرق مذا نابكم ... في مسار الغرب من صرف الغير نبأ قطع أوصال المنى ... وأصم السمع منا والبصر كم بمصر زفرة من حزها ... كنس الأعفر والطير وكر كم أب أسوان دام قلبه ... مستطير اللب مفقور الظهر ساهم الوجه لما حل به ... سادر النظرة من وقع الخبر كم بها والدة وآلهة ... عضها الثكل بنار فعقر ذات نوح تحت أذيال الدجى ... علم الاشجان سكان الشجر تسأل الأطيار عن مؤنسها ... كلما صفق طير واصطخر تسأل الأنجم عن واحدها ... كلما غور نجم أو ظهر تهب العمر لمن ينبئها ... أنه أفلت من كف القدر ويح مصر كل يوم حادث ... وبلاء مالها منه مفر هان ما تلقاه إلا خطبها ... في تراث من بنيها مدخر * * * أمة الطليان خففت الأسى ... بصنيع من أياديك الغرر جمعت كفاك عقد زاهيا ... من بنينا فوق واديك انتثر ومشى في موكب الدفن لهم ... من بنيكم كل مسماح أغر وسعى كل امرئ مفضل ... بادي الأحزان مخفوض النظر وبكت أفلاذكم أفلاذنا ... بدموع روضت تلك الحفر وصنعتم صنع الله لكم ... فوق ما يصنعه الخل الابر فقد بكينا لكم من رحمة ... يوم (مسينا) فأرخصنا الدرر فحفظتم وشكرتم صنعنا ... وبنو الرومان أولى من شكر أي شباب النيل لا تقعد بكم ... عن حظير المجد أخطار السفر إن من يعشق أسباب العلى ... يطرح الأحجام عنه والحذر فاطلبوا العلم ولو جشمكم ... فوق ما تحمل أطواق البشر

стр. 3045

نحن في عهد جهاد قائم ... بين موت وحياة لم تقر حافظ إبراهيم

стр. 3046

العدد ٥٤ - بتاريخ: ١ - ٤ - ١٩٢٠

стр. 3047

حضارة العرب في الأندلس الرسالة الثانية من المرية إلى قرطبة تابع ما نشر في العددين ٧و ٨ من السنة السابعة الأسطول الأندلسي وروح العظمة التي ترفرف عليه أسلفنا لك في الرسالة الأولى من هذه الرسائل شيئاً من القول قد يكون مغنياً في معنى الأسطول وأثره الصالح في ادلولة التي تعنى به، وإن الدولة الفاطمية في أفريقية، والدولة الأموية في الأندلس لهذا السبب بعينه ولأن بلادهما واقعة على سيف البحر الرومي البحر الأبيض المتوسط وبحر الظلمات المحيط الاطلانطي قد بذتا سائر الدول في العناية بالأساطيل حتى قبضنا بها على أعنة البحار، واستوتا على ما فيه من جزائر وأقطار، وآضنا بذلك وآضت رعاياهما سادة البر والبحر، بل ذل الزمان لهم ولانت أعطاف الدهر، وهذا هو الذي أرهج بين هاتين الدولتين بالفساد. وأرسل بينهما عقارب ألحقاد، وأثار بينهما نقع الحرب والجهاد، حتى لا تكاد الحروب بين الدولتين ينطفئ لهيبها، فتراهما للتافه من ألأسباب يجردان الجيوش بعضهما على بعض، وتتلاقى أساطيلهما مصرجة بالشر، ولعلك لم تنسى بعدُ حادثة هذا المركب الأندلسي الذي قمنا فيه من الاسكندرية، وأنه تحرش وهو ذاهب إلى المشرق بمركب للمعز لدين الله الفاطمي وأخذ ما فيه من بريد وبضائع، فما كان من المعز إلا أن أرسل أسطولاً كبيراً إلى؟؟؟؟ لأسطول الأندلسي في المرية - كما أُخبرنا بذلك ونحن في هذا البلد - فعاث فيه عيثاً والحق به وبالمرية ما أرضاه ونقع غلته وأطفاً لهيبه، فلم يسع أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر إلا الانتقام من المعز، فأمر بتجريد الأسطول وحشد المقاتلة والذهاب إلى أفريقية، فذهب إليها تحت أمرة حاجبه الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد أسطول كبير يقل عدداً عظيماً من رجالات الحرب، فعاج أولاً على مدينة وهران وجمع من فرسان الأندلس المحتلين بلاد المغرب نحواً من خمسة وعشرين ألف فارس ثم هجم بالرجلان والفرسان على أفريقية ودارت بينه وبين رجال المعز رحى الحرب فهزم الأندلسيون قبائل صنهاجة وكتامة، وكان يتلف منها السواد

стр. 3048

الأعظم من جيش الأفارقة - واقتفوا آثارهم حتى بلغوا ضواحي تونس - وهي غنية بتجاربها الواسعة يسكنها كثير من تجار اليهود الأغنياء فحصروها براً وبحراً وألحوا في الحصر، فلما رأى أهلها أن الخطر محدق بهم عرضوا أن يسلموهم المدينة وقدموا مبلغاً كبيراً من المال إلى الحاجب ابن شهيد، وقدموا إليه كذلك أنسجة من كل نوع وطرفاً من الحلي وذهباً وحجارة كريمة وملابس من الصوف والحرير وأسلحة وخيلاً وعدداً عظيماً من الأرقاء، ثم غنم عدا ذلك سفن الميناء وأثقالها وضمها إلى سفنه وكر راجعاً إلى الأندلس. * * * ومن سننهم التي مضوا عليها وجرات عادتهم بها أن يحتفلوا بالأسطول عند رجوعه ظافراً من حرب، فتقوم الأساطيل بألعاب وحركات بمرأى من عظماء الدولة ومسمع، كأنها في حرب مع الأعداء فاتفق في اليوم الذي وصلنا فيه إلى المرية أن آب الأسطول الأندلسي رافعاً أعلام النصر في هذه الواقعة، فأمر أمير البحر عبد الرحمن بن رماحس بأن تقوم الأساطيل بألعابها، فما كان منا إلا أن بادرنا إلى إمتاع أنفسنا بمشاهدة هذه الألاعيب صحبة الأمير، فذهبنا إلى الميناء - ميناء المرية - فوجدنا ثمت في انتظارنا مركب كبيراً كأنه رضَوى أو ثبير، أو الأمل الكبير، فدعينا إلى النزول فيه، ثم أخد لأمير ابن رماحس في أن يرينا ما في هذا المركب من بروج وقلاع ومناظر وتوابيت ومن منجنيقات ومكاحل بارود ونفط - ومن نوتية ومن مقاتلة وأسلحة وهلم مما قضينا منه عجباً - وهذا المركب نوع من الأنواع التي يتألف من منها الأسطول يسمى الشواني الواحد منه شونة وبعد ذلك أخذ هذا المركب يسير بنا الهوينا في اختيال، مترجحاً ذات اليمين وذات الشمال كأنه عروس يرفرف عليها روج الجمال والإجلال، وبعد أن سار في البحر شيئاً وقف بنا حيث نشاهد حركات الاسطول وألاعيبه. وكان الشاطئ. ساعتئذٍ قد غُص بالنظارة من كل صنف من أصناف الناس، والزوارق قد انتثرت على متن البحر من جميع النواحي، وفيها لا يعلم عديدهم إلا الله من الاندلسيين والاندلسيات، كي يشاهدوا حركات الأسطول - فكان لذلك منظر تحسر دونه الظنون، وتتراجع دون إدراكه الأوهام - منظر يهز رواؤه الفكر، ويُشيع الروعة في الصدر، وينتقل من هذا العالم إلى عالم آخر كأنه الخلود.

стр. 3049

مجال أسود وملهى سفين ... فياطيب لهو ويامنظر وياحسن دنيا وياعز كلك ... يسوسهما السائس الأكبر ثم بصرنا بعد ذلك الأساطيل على اختلاف ضروبها، وقد أخذت بصورة شيطانية في ألاعيبها، فإذا رأيت ثَم رأيت، كنائن، غير أنها تمرق مروق السهام، ورواكد هي مدائن، بيد أنها تمر مر السحاب غير الجهام، وأطياراً إلا لها جوارح، لا تصبد إلا الأرواح وأفراساً في سرعة البرق اللامح، سوى أنها ذات دُسُر وألواح. معيدة السقائف ذات دسر ... مضبَّرة جوانبها رَدَاح * * * تتخاذل الألحاظ في إداركها ... ويحار فيها الناظر المتأمل فكأنها في اللطف فهم ثاقب ... وكأنها في الحسن حظ مقبل * * * فيا للجواري المنشئآت وحسنها=طوائر بين الماء والجو موماً إذا نشرت في الجو أجنحة لها ... رأيت به روضاً ونوراً مكمما * * * ذات هدب من المجاذيف حاك ... هدب باك لدمعه أسغاد حمم فوقها من البيض نار ... كل من أسلت عليه رماد * * * ملأة الكماةُ ظهورها وبطونها ... فأتت كما يأتي السحاب المغدق عجباً لها ما خلت قبل عيانها ... أن يحمل الأسد الضواري زورق * * * رأرت زئير الأسد وهي صوامت=وزحفن زحف مواكب في زورق * * * ترمي ببروج إن ظهرت ... لعدو محرقة بطنا وبنفط أبيض تحسبه ... ماء وبه تذكى السكنا * * *

стр. 3050

وما زالت الأساطيل تلعب كأنها في سوح القتال، من لدن ذَرَّ قرن الشمس إلى أن جاء وقت الزوال. * * * وهنا يجمل بنا أن نقول لك القول على أنواع السفن التي يتألف منها الأسطول الأندلسي وعُددها وآلاتها - فمن تلك الأساطيل نوع ما يقال له الشواني جمع الشونة أو الشيني كما بك آنفاً - وهي أجفان حربية كبيرة تقام فيها الأبراج والقلاع للدفاع والهجوم - وأبراجها ذات طبقات مربعة - فالطبقة العليا منها تقف منها الجنود المسلحة بالقِسيَّ والسهام - وفي الطبقة السفلى الملاحون الذين يجذفون بنحو من مائة مجذاف، ويتراوح ما تحمله الشونة من الشونة من المقاتلة - ما بين المائة والخمسين وبين المائتين - وتجهز الشواني وقت الحرب بالسلاح والنفطية والازودة بله الجنود البحرية، ومن أنواع الأسطول نوع يعرف بالبوارج جمع البارجة وهو أكبر من الشواني - ومثله نوع يقال له المسطحات - ومن هذه الأساطيل نوع يقال له الحرافات جمع الحرافة وهي مراكب حربية كبيرة قُرابَة الشواني بيد أن هذه تماز عن تلك بالمنجنيقات وتلك هذه عن بالقلاع، فتراهم يحملون في الحراقة مكاحل البارود والعرادات والمنجنيقات يرمي بها النفط المشتعل على الأعداء - وهم يعملون الحراقة في صورة الأسد وفي صورة الفيل وفي صورة العقاب وفي صورة الحية وفي صورة الفرس كتلك الحراقات التي كانت للأمين بن الرشيد والتي يقول فيها الحسن بن هانئ: سخر الله للأمين مطايا ... لم تسخر لصاحب المحراب فإذا ما ركابه سرن برا ... سار في الماء راكباً ليث غاب أسداً باسطاً ذراعيه يعدو ... أهزت الشدق كالح الأنياب لا يعانيه باللجام ولا السو - ط ... ولا غمز رجله في الركاب عجب الناس إذ رأوه على صو - رة ليث يمر مر السحاب إلى أن قال يصف هذه المطايا: تستبق الطير في السماء إذا ما ... استعجلوها بجيئة وذهاب ذات سور ومنسر وجناحين ... تشق العباب بعد العباب
следующие страницы →