← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الشراح والمفسرين لا على ما جاء في الكتاب فإن القرآن قد أقل جداً من إسناد الحسيات والماديات إلى الجنة والنار وكل ما فيه عن هذا الشأن إيماء وتلميح وإنما المفسرون والشراح هم الذين لم يتركوا لذة حسية ولا متعة شهوية حتى ألحقوها بالجنة ولا عذاباً بدنياً وألماً اجتماعياً حتى أسندوه إلى النار ثم لا تنسوا أن القرآن جعل أكبر ملاذ الجنة روحانياً إذ قال وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها آمنين فالسلام والأمن هما في نظر كل عاقل أقصى أماني المرء وأعظم الملاذ قاطبة والشيء الذي عبثا يلتمسه الإنسان في الحياة الدنيا وقال أيضاً ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين وأي رذيلة أخبث من الغل مصدر المحن والمصائب والنقم والآفات وأي شيء أهنأ من التآلف والتصافي؟ وأي دليل أشهر ببراءة الإسلام من الميل إلى الملاذ من شهر رمضان الذي تلجم فيه الشهوات وتزجر النفس عن غاياتها وتقدع عن مآربها وهذا هو منتهى العقل والحزم فإن مباشرة اللذات ليس بالمنكر وإنما المنكر هو أن تذل النفس لجبار الشهوات وتنقاد لحادي الأوطار والرغبات ولعل أمجد الخصال وأشرف المكارم هو أن يكون للمرء من نفسه على نفسه سلطان وإن يجعل من لذاته لا سلاسل وإغلالا تعيبه وتعتاص عليه إذا هم أن يصدعها بل حليا وزخاف متى شاء فلا أهون عليه من خلعها ولا أسهل من نزعها وكذلك أمر رمضان سواء كان مقصوداً من محمد معيناً أو كان وحي الغريزة وإلهاماً فطرياً فهو والله نعم الأمر. ويمكننا القول على كل حال بأن الجنة والنار هاتين هما رمز لحقيقة أبدية لم تصادف من حسن الذكر قط مثلما صادفت في القرآن وماذا ترون تلك الجنة وملاذها وهاته النار وعذابها وقيام الساعة التي يقول عنها يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ماذا ترون كل هذه إلا ظلاً تمثل في خيال ذلك النبي الشاعر للحقيقة الروحانية الكبرى رأس الحقائق أعني الواجب وجسامة أمره لقد كان هذا الرجل يرى الحياة أمراً جسيماً ويرى لكل عمل إنساني مهما حقر خطارة كبرى فما كان من سيءٍ فله من السوء نتيجة أبدية وما كان صالحاً فله من الصلاح ثمرة سرمدية وإن المرء قد يسمو بصالحاته إلى أعلى عليين ويهبط بموبقاته إلى أسفل سافلين

стр. 72

وإن على عمره القصير تقوم دعائم أبدية هائلة خفية كل ذلك كان يلتهب في روح ذلك الرجل القفري كأنما قد نقش ثمت بأحرف النار وكل ذلك قد حاول في أشد إخلاص وأحد جدان يخرجه للناس ويصوره لهم فأخرجه وصوره في صورة تلكم النار والجنة وأي ثوب لبسته هذه الحقيقة وأي قالب صبت فيه فلا تزال أولى الحقائق مقدسة في أي أسلوب وأي صورة. وعلى كل حال فهذا الدين ضرب من النصرانية وفيه للمبصرين أشرف معاني الروحانية وأعلاها فاعرفوا له قدره ولا تنجسوه حقه ولقد مضى عليه مئتان وألف عام وهو الدين القويم والصراط المستقيم لخمس العالم وما زال فوق ذلك ديناً يؤمن به أهله من حبات أفئدتهم ولا أحسب أن أمة من النصارى اعتصموا بدينهم اعتصام المسلمين بإسلامهم - إذ يوقنون به كل اليقين ويواجهون به الدهر والأبد وسينادي الحارس الليلة في شوارع القاهرة أحد المارة من السائر؟ فيجيبه السائر لا اله إلا الله وإن كلمة التوحيد والتكبير والتهليل لترن آناء الليل وأطراف النهار في أرواح تلك الملايين الكثيفة وإن الفقهاء ذوي الغيرة في الله والتفاني في حبه ليأتون شعوب الوثنية بالهند والصين والمالاي فيهدمون أضاليلهم ويشيدون مكانها قواعد الإسلام ونعم ما يفعلون. ولقد أخرج الله العرب بالإسلام من الظلمات إلى النور واحي به من العرب أمة هامدة وأرضاها مدة وهل كانت إلا فئة من جوالة الأعراب خاملة فقيرة تجوب الفلاة منذ بدء العالم لا يسمع لها صوت ولا تحس منها حركة فأرسل الله لهم نبياً بكلمة من لدنه ورسالة من قبله فإذا الخمول قد استحال شهرة والغموض نباهة والضعة رفعة والضعف قوة والشرارة حريقاً وسع نوره الأنحاء وعم ضوءه الأرجاء وعقد شعاعه الشمال بالجنوب والمشرق بالمغرب وما هو إلا قرن بعد هذا الحادث حتى أصبح لدولة العرب رجل في الهند ورجل في الأندلس وأشرقت دولة الإسلام حقباً عديدة ودهوراً مديدة بنور الفضل والنبل والمروءة والبأس والنجدة ورونق الحق والهدى على نصف المعمورة وكذاك الإيمان عظيم وهو مبعث الحياة ومنبع القوة وما زال للأمة رقي في درج الفضل وتعريج إلى ذري المجد ما دام مذهبها اليقين ومنهاجها الإيمان ألستم ترون في حالة أولئك الأعراب ومحمدهم وعصرهم كأنما قد وقعت من السماء شرارة على تلك الرمال التي كان لا يبصر بها فضل

стр. 73

ولا يرجى فيها خير فإذا هي بارود سريع الانفجار: وما هي برمل ميت: وإذا هي قد تأججت واشتعلت واتصلت نارها بين غرناطة ودلهي ولطالما قلت أن الرجل العظيم كالشهاب من السماء وسائر الناس في انتظاره كالحطب فما هو إلا أن يسقط حتى يتأججوا ويلتهبوا.

стр. 74

نوابغ العالم ابن حمديس - جولد سميث من بين أبواب البيان باب نوابغ العالم وتراجم عظماء الرجال من علماء وفلاسفة وأدباء وملوك وقواد - وقد رأينا أن نترجم في العدد الواحد: الذي يكون من نصيبه هذا الباب: اثنين من النوابغ نابغة عربياً ونابغة من غير العرب وهذان أعزكم الله نابغتان من نوابغ العالم الأول الشاعر الكبير أبو محمد عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمد يس الأزدي السرقوسي الصقلي (من صقلية) والثاني الكاتب الانكليزي الأكبر والشاعر الأشهر ألفر جولد سميث - ولقد يعلم قراء البيان أن طريقته في ترجمة النوابغ التطويل اللذ والإشباع غير الممل فلذلك سنفيض في ترجمة هذين النابغتين ونأتي على الغاية من كل ما يتعلق بهما ونبدأ بشاعرنا العربي الصقلي. ابن حمديس ترجمته إجمالاً - ترجمته بتفصيل - سرقوسة مسقط رأس الشاعر - صقلية في عصر ابن حمديس - وفوده إلى الأندلس - تشوقه صقلية - حب الوطن - المعتمد بن عباد - مدائح الشاعر في المعتمد - نكبة المعتمد - رثاء الشاعر له - سائر شعره في غيره - يحيى بن تميم بن المعز بن باديس وابنه أبو الحسن علي - المنصور بن الناصر بن علناس - شعر ابن حمديس - منزلته من الشعر ترجمته إجمالاً - ولد ابن حمديس حوالي سنة ٤٤٥ في سرقوسة إحدى مدائن صقلية (التي يسميها الإفرنج الآن سِسَلي والتي هي الآن إحدى الايات إيطاليا) ثم انتقل إلى الأندلس سنة ٤٧١ ومدح المعتمد بن عباد صاحب اشبيلية حتى إذا نكب المعتمد نكبته المعروفة وتوفى باغمات رحل شاعرنا إلى إفريقية وامتدح يحيى بن تميم بن المعز بن باديس وابنه أبا الحسن علياً والمنصور بن الناصر بن علناس بن حماد بن يوسف بلكين بن زيرى ثم قضي في جزيرة ميورقة وقيل في بجاية سنة ٥٢٧. ترجمته بتفصيل - ولما كان القارئ الكريم قد يتشوق معرفة الأماكن والبلدان التي ولد فيها الشاعر وتنقل فيها وامتدح أصحابها وماذا كانت أحوالها أيام المترجم به رأينا أن نلم بها إلمامة تجعل القارئ على بصيره تامة بشؤن هذا الشاعر العظيم

стр. 75

صقلية في عصر ابن حمديس أما سرقوسة التي ولد فيها الشاعر فهي فرضة بجرية شرقي جزيرة صقلية على ٣٠ ميلاً من قطانية إلى جنوبي الجنوب الشرقي و ٨١ ميلاً عن مسيني إلى الجنوب الغربي وتسمى الآن سيراكوسا (وسيمر بك كلام وافٍ عنها في الرسالة الأولى من كتاب حضارة العرب في الأندلس) وقد جاء ذكرها في شعر لابن قلاقس الاسكندري المتوفي سنة ٥٦٧ قال يصف سفينة سار بها إلى صقلية: ثم استقلت بي على علاتها ... مجنونة سبحت على مجنون هو جاء تقسم والرياح تقودها ... بالنون إما من طعام النون حتى إذا ما البحر أبدته الصبا ... ذا وجنة بالموج ذات غضون ألقت به النكباء راحة عائث ... قلبت ظهور مشاهد لبطون وتكلفت سرقوسة بأماننا ... في ملجأ للخائفين أمين وأما صقلية عموماً في عصر ابن حمد يس فقد جاء في الكامل لابن الأثير ما يأتي: كان الأمير على صقلية سنة ثمان وثمانين وثلثمائة أبا الفتوح يوسف ابن عبد الله بن محمد بن أبي الحسين ولاه عليها العزيز العلوي صاحب مصر وأفريقية فأصابه في هذه السنة فالج فتعطل جانبه الأيسر وضعف الجانب الأيمن فاستناب ابنه جعفراً فبقي كذلك ضابطاً للبلاد حسن السيرة في أهلها إلى سنة خمس وأربعمائة فخالف عليه أخوه علي وأعانه جمع من البربر والعبيد فأخرج إليه أخوه جعفر جنداً من المدينة (بلرم) فاقتتلوا سابع شعبان وقتل من البربر والعبيد خلق كثير وهرب من بقي منهم وأخذ علي أسيراً فقتله أخوه جعفر وعظم قتله على أبيه فكان بين خروجه وقتله ثمانية أيام وأمر جعفر حينئذ أن ينفي كل بربري بالجزيرة فنفوا إلى أفريقية وأمر بقتل العبيد فقتلوا عن آخرهم وجعل جنده كلهم من أهل صقلية فقل العسكر بالجزيرة وطمع أهل الجزيرة في الأمراء فلم يمض إلا يسير حتى ثار به أهل صقلية وأخرجوه وخلعوه وأرادوا قتله وذلك إنه ولي عليهم إنساناً صادرهم وأخذ الأعشار من غلاتهم واستخف بقوادهم وشيوخ البلد وقهر جعفراً واستطال عليهم فلم يشعر إلا وقد زحف إليه أهل البلد كبيرهم وصغيرهم فحصروه في قصره في المحرم سنة عشر وأربعمائة وأشرفوا على أخذه فخرج إليهم أبوه يوسف في محفة وكانوا له محبين فلطف

стр. 76

بهم ورفق فبكوا رحمة له من مرضه وذكروا له ما أحدث ابنه عليهم وطلبوا أن يستعمل ابنه أحمد المعروف بالأكحل ففعل ذلك وخاف يوسف على ابنه جعفر منهم فسيره في مركب إلى مصر وسار أبوه يوسف بعده ومعهما من الأموال ستمائة ألف دينار وسبعون ألفاً وكان ليوسف من الدواب ثلاثة آلاف حجرة (لعلها حجرا قال في اللسان الحجر بدون هاء الفرس الأنثى خاصة جعلوها كالمحرمة الرحم إلا على حصان كريم وإنما كانت بدون هاء لأنه اسم لا يشركها فيه المذكر) سوى البغال وغيرها ومات بمصر وليس له إلا دابة واحدة ولما ولى الأكحل أخذ أمره بالحزم والاجتهاد وجمع المقاتلة وبث سراياه في بلاد الكفرة وجنوب إيطاليا فكانوا يغنمون ويسبون وأطاعه جميع قلاع صقلية التي للمسلمين وكان للأكحل ابن اسمه جعفر كان يستنيبه إذا سافر فخالف سيرة أبيه ثم إن الأكحل جمع أهل صقلية وقال أحب أن أشليكم على الأفريقيين وأهجم بكم عليهم لطردهم (يقال شل الإبل يشلها فانشلت طردها ومن المجاز يشل الصبح الظلام) فقد شاركوكم في بلادكم والرأي أخراجهم فقالوا صاهرناهم وصرنا شيئاً واحداً فصرفهم ثم أرسل إلى الأفريقيين فقال لهم مثل ذلك فأجابوه إلى ما أراد فجمعهم حوله فكان يحمي أملاكهم ويأخذ الخراج من أملاك أهل صقلية فسار من أهل صقلية جماعة إلى المعز بن باديس وشكوا إليه ما حل بهم وقالوا نحب أن نكون في طاعتك وإلا سلمنا البلاد إلى الروم وذلك سنة سبع وعشرين وأربعمائة فسير معهم ولده عبد الله في عسكر فدخل المدينة (بلرم) وحصر الأكحل في الخالصة (أنظر الرسالة الأولى من حضارة العرب في الأندلس) ثم اختلف أهل صقلية وأراد بعضهم نصرة الأكحل فقتله الذين أحضروا عبد الله بن المعز ثم إن الصقليين رجع بعضهم على بعض وقالوا أدخلتم غيركم عليكم والله لا كانت عاقبة أمركم فيه إلى خير فعزموا على حرب عسكر المعز فاجتمعوا وزحفوا إليهم فاقتتلوا فانهزم عسكر المعز وقتل منهم ثمانمائة رجل ورجعوا في المراكب إلى أفريقية وولي أهل الجزيرة عليهم حسنا الصمصام أخا الأكحل فاضطربت أحوالهم واستولى الأراذل وانفرد كل أنسان ببلد وأخرجوا الصمصام (حسبهم الله) فانفرد القائد عبد الله بن منكوت بمأزر وطرابنش وغيرهما وانفرد القائد علي بن نعمة المعروف بابن الحواس بقصريانة وجرجنت وغيرهما وانفرد ابن الثمنة بمدينة سرقوسة وقطانية وتزوج باخت ابن الحواس ثم إنه جرى بينها

стр. 77

وبين زوجها كلام أغلظ كل منهما لصاحبه وهو سكران (ما شاء الله) فأمر ابن الثمنة بفصدها في عضديها وتركها لتموت فسمع ولده إبراهيم فحضر وأحضر الأطباء وعالجها إلى أن عادت قوتها ولما أصبح أبوه ندم واعتذر إليها بالسكر فأظهرت قوبل عذره ثم أنها طلبت منه بعد مدة أن تزور أخاها فإذن لها وسير معها التحف والهدايا فلما وصلت ذكرت لأخيها ما فعل بها فحلف أنه لا يعيدها إليه فأرسل ابن الثمنة يطلبها فلم يردها إليه فجمع ابن الثمنة عسكره وكان قد استولى على أكثر الجزيرة وخطب له بالمدينة (بلرم قصبة صقلية) وسار وحصر ابن الحواس بقصريانة فخرج إليه فقاتله فانهزم ابن الثمنة وتبعه إلى قرب مدينة قطانية وعاد عنه بعد أن قتل من أصحابه فأكثر فلما رأى ابن الثمنة أن عساكره قد تمزقت سولت له نفسه الانتصار بالإفرنج لما يريده الله تعالى فسار إلى مدينة مالطة (جزيرة مالطة) وهي بيد الإفرنج قد ملكوها لما خرج بردويل الفرنجي (بغدوين الرابع ملك بلاد فلاندر) سنة اثنتين وسبعين وثلثمائة واستونها الفرنج إلى الآن وكان ملكها حينئذ رجار (روجر النورمندي) فوصل إليهم ابن الثمنة وقال أنا أملككم الجزيرة (حسبه الله) فقالوا إن فيها جنداً كثيراً ولا طاقة لنا بهم فقال أنهم مختلفون وأكثرهم يسمع قولي ولا يخالفون أمري فساروا معه في رجب سنة أربع وأربعين وأربعمائة فلم يلقوا من يدافعهم فاستولوا على ما مروا به في طريقهم وقصد بهم إلى قصريانة فحصروها فخرج إليهم ابن الحواس فقاتلهم فهزمه الفرنج فرجع إلى الحصن فرحلوا عنه وساروا في الجزيرة واستولوا على مواضع كثيرة وفارقها كثير من أهلها من العلماء والصالحين وسار جماعة من أهل صقلية إلى المعز بن باديس وذكروا له ما الناس فيه بالجزيرة من الخلف وغلبة الفرنج على كثير منها فعمر أسطولاً كبيراً وشحنه بالرجال والعدد وكان الزمان شتاء فساروا إلى قوصرة جزيرة صغيرة بالبحر المتوسط تابعة لإيطاليا تبعد عن شواطئ أفريقية بنحو ستين كيلو متراً تسمى الآن عند الإفرنج وقديماً ومنه أسمها عند العرب فهاج عليهم البحر فغرق أكثرهم ولم ينج إلا القليل وكان ذهاب هذا الأسطول مما أضعف المعز وقوى عليه العرب حتى أخذوا البلاد منه فملك حينئذ الفرنج أكثر البلاد على مهل وتؤدة لا يمنعهم أحد واشتغل صاحب أفريقية بما دهمه من العرب ومات المعز سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة وولى أبنه تميماً فبعث أيضاً أسطولاً وعسكراً إلى الجزيرة وقدم عليه ولديه أيوب وعلياً

стр. 78

فوصلوا إلى صقلية فنزل أيوب والعسكر المدينة ونزل عليٌّ جرجنت ثم انتقل أيوب إلى جرجنت وأقام فيها فأحبه أهلها فحسده ابن الحواس فكتب إليهم ليخرجوه فلم يفعلوا فسار إليه في عسكره وقاتله فشد أهل جرجنت من أيوب وقاتلوا معه فبينما ابن الحواس يقاتل أتاه سهم غرب فقتله فملك العسكر عليهم أيوب ثم وقع بعد ذلك بين أهل المدينة وبين عبيد تميم فتنة أدت إلى القتال ثم زاد الشر بينهم فاجتمع أيوب وعليٌّ أخوه ورجعا في الأسطول إلى أفريقية سنة أحدى وستين وصحبهم جماعة من أعيان صقلية والأسطولية ولم يبق للفرنج ممانع فاستولوا على الجزيرة ولم يثبت بين أيديهم غير قصريانة وجرجنت فحصرهما الفرنج وضيقوا على المسلمين بهما فضاق الأمر على أهلها حتى أكاوا الميتة ولم يبق عندهم ما يأكلونه فأما أهل جرجنت فسلموها إلى الفرنج وبقيت قصريانة بعدها ثلاث سنين فلما اشتد الأمر عليهم أذعنوا إلى التسليم فتسلمها الفرنج سنة أربع وثمانين وأربعمائة وملك رجار جميع الجزيرة وأسكنها الروم والفرنج مع المسلمين ولم يترك لأحد من أهلها حماماً ولا دكاناً ولا طاحونا ومات رجار بعد ذلك قبل التسعين والأربعمائة وملك بعده ولده رجار فسلك طريق ملوك المسلمين من الجنائب والحجاب والسلاحية والجاندارية وغير ذلك وخالف عادة الفرنج فإنهم لا يعرفون شيئاً منه وجعل له ديوان المظالم ترفع إليه شكوى المظلومين فينصفهم ولو من ولده وأكرم المسلمين وقربهم ومنه عنهم الفرنج فأحبوه انتهى (وهذا روجر النور مندى هو الذي ألف له الشريف الإدريسي كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق أو في أخبار الآفاق) وإذ علمت هذا تعلم أن ابن حمد يس إنما رحل من صقلية بعد أن تملك معظمها رجار النورمندي وكان وقت اغترابه عن بلده في سن الحداثة فإنه كان حوالي الخامسة والعشرين فلا جرم بعد ذلك إنا نسمع من الشاعر الشاب هذه الأبيات المبكية من قصيدة يتشوق بها صقلية: ذكرت صقلية والهوى ... يجدد للنفس تذكارها فإن كنت أخرجت من جنة ... فإني أحدث أخبارها ولولا ملوحة ماء البكاء ... حسبت دموعي أنهارها نعم فالاستهتار بالوطن والحنين إليه أمر فطري وخلق كريم ينم عن كرم أصل ولطف في

стр. 79

الطبيعة ولله أبو الحسن علي بن الرومي حين يقول في هذا المعنى ولي وطن آليت أن لا أبيعه ... وأن لا أرى غيري له الدهر مالكا فقد ألفته النفس حتى كأنه ... لها جسد لولاه غودرت هالكا وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهموا ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا وحين يقول أيضاً: وإذا تمثل في الضمير وجدته ... وعليه أفنان الشباب تميد وقد قالوا أن الأم بيت قالته العرب قول القائل: لا يمنعنك خفض العيش في دعة ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان تلقى بكل بلاد أنت ساكنها ... أهلاً بأهل وجيرانا بجيران وربما يقصد صاحب هذين البيتين إلى الحث على الاغتراب في سبيل المجد والرفعة أو الاسترزاق والنجعة وهذا معنى آخر قد قال فيه شعراؤنا كثيراً ومن أحسن ما قيل فيه قول أبي تمام: وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد ولما وفد ابن حمد يس إلى الأندلس قصد المعتمد بن عباد واختص به وقصر مدائحه عليه وهذا المعتمد بن عباد له حديث طريف لشاعرنا فيه شأن فلا جرم إنا ذاكرون لقراء البيان طرفاً من ذلك (للكلام بقية).

стр. 80

أوليفار جولد سميث الشاعر البريطاني الكبير والكاتب الشهير ولد لعشر خلون من شهر نوفمبر سنة ١٧٢٨ في قرية بالاس بمقاطعة لونجفور أكثر البلاد الايرلندية وحشة وأقلها انيسا. وكان أبو شارل جولد سميث قسيس القرية وكان فقيراً. وكان يتمنى إلى أسرة حظها من كرم النفوس وسلامة القلوب أوفر من سهمها في الحزم والتدبير. أصلها من جنوبي انكلترا ومذ هاجرت إلى ايرلندة لم يتخذ أبناؤها سوى القسوسية حرفة فكانت فيهم ميراثا يتلقاه ولد عن والد. وكان قد ولد القسيس قبل ظهور ولده أوليفار صاحب هذه السيرة ثلاث بنات وغلاماً أسمه هنري وجاء بعده ثلاث بنين - موريس وشارل وجون وقبض الله إليه طرفي هذه الحلقة (ابنته الكبرى والأصغر جون) وهما في عهد الطفولة فشب أوليفار في ذرية عددها ستة ثلاث منها أسن منه واثنان أصغر. ولما بلغ الغلام السابعة انتقل أبوه بالأسرة إلى قرية ليسوى بمقاطعة كلكني فنزلوا منها مكاناً آنق وأبهج حيث أخذ الوالد يعول ولده ويقوم عليهم بمال زهيد كان يحصل له من زراعة قليلة. وكان ذلك الوالد: كغلامه الطائر الصيت: شاذ الأحوال جم الشفقة بمن أحاط به شديد التقوى مضطرب الأحوال كثير الخلط في الأمور ولكن جميع ما أوجده الله في تلك الأسرة من غرابة طبع وشذوذ حال واختلاط أمر قد تجمع في صاحب هذه السيرة الغلام أوليفار. فأما من جهة الدرس والتحصيل فقد كان منذ أوله بليداً مكسالا بإقرار السيدة اليصابات ديلاب من أقارب الأسرة: وكانت قد تكلفت تعليمه الهجاء: ثم بإقرار توماس بيرن أحد معلمي المدرسة الابتدائية بقرية ليسوى. وكان ذلك المعلم قد صحب القائد الإنكليزي الكبير مارلبرا في حرب الولاية الاسبانية وشهد معه عدة مواقع وأبلى في غير موطن ثم عاد إلى حرفته من التعليم فكان لديه ذخر عتيد من قصص ونوادر يلقيها عليك عن مشاهد تلك الحرب غير حكايات جمعها من دواوين القدماء وأخبارهم وآثارهم وغير شيء من ملكة النظم كان يستعمله في الترجمة عن شعر فرجيل (الشاعر الروماني) واحسب أن من هذا العلم استفاد جولد سميث أول علمه بالشعر والكتابة. ولكن الغلام كان سيء الحظ فما كاد يعرف منزلة أستاذه في الأدب وما كاد الأستاذ

стр. 81

يستشف ما كان يكمن من معاني الذكاء واللوذعية تحت ظاهر الغلام من الجفاء والبلادة حتى ضرب الدهر بينهما فأصيب أوليفار وهو لم يتجاوز التاسعة من عمره بالجدري فأقصي عن المدرسة ولما أبل من علته أرسل إلى مدرسة بقرية الفين على مسافة ثلاثين ميلاً من ليسوى وكان الجُدرى قد ترك بوجهه من قبيح الأثر ماصيره ضحكة الناظرين. ومكث بهذه المدرسة عامين كان يعيش أثناءهما مع عم له مقيم بتلك القرية ولكنه ما لبث أن أعيد في عام ١٧٣٩ إلى مدرسة في قرية أثلون على خمسة أميال من دار أبيه بقرية ليسوى فمكث عامين هناك ثم أربعة أعوام بمدرسة ثانوية بقرية أدجورثتون على سبعة عشر ميلاً من قرية الأسرة ولما ترك هذه المدرسة كان قد أتم التعليم الثانوي والعام السابع عشر من عمره. وفي ذلك الوقت كان قد ركب الأسرة دين فادح وذلك أن زوج إحدى بناته من فتي شريف غني ولم يرد أن يتهمه الناس بأنه فعل ذلك طمعاً في ثروة الرجل فاقترض أربعمائة جنيهاً جعلها مهراً لابنته فأصاب الأسرة من جراء ذلك فاقة ماسة وعسر مقيم. ولم يعد في قدرة الوالد أن يرسل ابنه إلى الجامعة بعد ذلك إلا على أنه فقير معدم يلبس ثوباً خشناً ويؤدي عمل خادم مقابل التعليم والمأوى، فأنف جولد سمث من حال كهذه واستنكف وآثر أن يحترف حرفة ولكنه ما لبث أن رضي بدخول الجامعة على الصورة المتقدمة بإغراء قريب له كان يبجله وستصوب رأيه. ذلك هو العم كونتريني وكان جد هذا الرجل من أهلي فينيس من أعمال إيطاليا قد هاجر إلى ايرلندة قسيس قرية اوران قريب قرية ليسوى. وكان هذا الرجل الفاضل زوجاً لأحدى عمات جولد سميث. وكان أشد الناس محبة للفتى ومبرة به وأعرفهم لكامن فضله ومستسر ذكائه. ولما لم يكن له بعد وفاة زوجته إلا ابنة واحدة خص الفتى من وداده بما كان جاعله لولده لو كان رزقه الله ذاك. فأقسم على جولد سميث إلا ما ذهب إلى الجامعة على اية صورة قائلاً عن نفسه أنه أقام بالجامعة حين أقام بهيئة خادم. فهل كان عليه في ذلك من بأس؟ اللهم لا. ودخل جولد سميث جامعة دابلين عاصمة ايرلندة بعد ان أجاز امتحاناً مع سبعة طلاب كان آخرهم في جدول القبول. ومع أن الكاتب الكبير والخطيب البعيد الذكر أدموند بيرك كان وجولد سميث طالبين بالجامعة في وقد واحد إلا أنه لخمول أوليفار وخفائه تحت ظلال

стр. 82

الفقر والمسكنة لم يكد يلفت إليه نظر بيرك الذي كان إذ ذاك من نباهة الصوت وسمو المكانة بعكس ما كان عليه صاحب هذه السيرة من غموض الأمر ودقة الشأن فكان بوقوفه على أبواب الجامعة واندماجه في كل مشاجرة تحدث وبقتله الوقت بين الكأس والغناء أشهر لدى طلاب الجامعة منه بالبراعة في مواقف الدرس ومواطن التحصيل. وزاد الخطب شدة وفاة أبيه فانقطع عنه ما كان أجراه عليه من الرزق على قلته. وتبدد شمل الأسرة فرحلت أمه إلى قرية باليماهون وذهب أخوه الأكبر هنري إلى قرية بالا سمو قتولى بها القسوسية بمرتب سنوي قدره أربعون جنيهاً خلاف ما كان ينتظر من رزق يجريه عليه تعليم الأطفال فأصبح جولد سميث وليس أمامه من يؤمل ويرجو سوى العم كونتريني ولكن ماذا عسى أن تبقى إمدادات ذلك الرجل الكريم على تبذير جولد سميث الإبقاء نضحات الماء على الغربال. وكذلك عادت عيشة الفتى سلسلة محن وخطوب وفي شهر مايو من عام ١٧٤٧ وذلك بعد شهرين من وفاة أبيه ثار نفر من الطلبة ضد الشرط وحاولوا أن يكسروا السجن وكان بين الثوار أوليفار جولد سميث فعوقب بالتوبيخ العلني والتهديد بالرفت وفي الشهر التالي تقدم للامتحان فسقط ولكنه أعطى جائزة مقدارها جنيه ونصف في العام ثم ما لبث أن أضاعها بإهماله وجعل لا يمر عليه أسبوع إلا احتال لبضعة قروش أما برهن بعض كتبه أو بأية حيلة أخرى ولكن الله أنعم عليه بنعمة الأمل والأمل رفيق مؤنس إن لم يبلغك فقد ألهاك ومن جملة كراسته كراسة لا تزال محفوظة للآن عليها كتابات تشهد بما كان لجولد سمث إذ ذاك من قوة الأمل وأنه سيكون يوماً ما غنياً موثوقاً به لدى المصارف المالية: خالص: أوليفار جولد سمث - أعد بالدفع: أوليفار جولد سميث وكان مما احتال به لكسب الدراهم نظمه أغاني يبيع كل واحدة منها لكتبي بعينه بمبلغ خمس وعشرين قرشاً ثم تطبع وتباع للمغنين بدابلن فقد كان في ربع الجنيه ثمن كل قصيدة لذة ولكن ألذ من ذلك وأمتع أن تخرج موهناً من الليل فتقف مستنداً إلى بعض العمدان تحت مصباحه وتسمع قصيدة من شعرك يهتف بها ويترنم ثم تدخل يدك في جيبك فتجد به جزأ من ثمنها وقد بقى لك بعد ما أنفقه أليس في هذه اللذة ما يرجع بمضض الفقر وغضاضة الامتهان والخدمة وقسوة عشرة أساتذة كلهم كالمستر ويلدار أستاذ الجامعة بينما كان جولد سميث يرى ذلك إذ أصابته من ويلدار نكبة راح معها يرى أن الأستاذ وحده آفة لا ترجع بها لذة مهما عظمت

стр. 83

وذلك أن جولد سميث أصاب مرة شيئاً من الدراهم فأولم في حجرته لخلان له وخلات واستحث الكؤس حادي المزمار ووزنت حركات الرقص بميزان الأوتار وإن القوم لكذلك إذ دخل الأستاذ عليهم مغضباً ولم يكتف بتوجيه أفحش السباب إلى أوليفار حتى انحط عليه فأخذ بتلابيبه أخذة الموت بالكظم فهاجر جولد سميث الجامعة من غده وباع في الطريق كتبه وبعض ثيابه ومكث في العاصمة (دابلن) ينفق الساعات بين الحان والمرقص حتى لم يبق معه إلا شلن فنهض يضرب إلى ناحية كورك (ثغر بحري في أقصى جنوب ايرلندة) يريد أن يرحل منها إلى أميركا وتقوت بالشلن ثلاثة أيام وبعد ذلك جعل يسيح في البلاد والله أعلم كيف كان يعيش وانى يأتيه رزقه وما عندنا بذلك علم إلا ما جعل يتحدث به هنو بعد من أنه ما ذاق طعمه ألذ من حفنة حمص أتته بها جارية صغيرة في جولته هذه قب استيقاظه من هجمة تم بها صوم أربع وعشرين ساعة ثم ثاب إليه رشده ورأى أن يذهب إلى دار أخيه وبعد أن تقابلا وأقاما معاً برهة من الزمن رجعا إلى الجامعة وعقد الصلح مع الأستاذ وأعيد أوليفار إلى مركزه من الجامعة ولكن الأمر رجع إلى ما كان وعليه تتابعت الإنذارات والمغارم من قبل الجامعة على الفتى حتى بلغ مدى الدراسة وأعطي الإجازة النهائية وكان آخر الناجحين والعجب العجاب أنه مع اسوداد صحيفته بمالا يحصى من السوءات والأثام استطاع أن ينال الإجازة. وبعد ترك الجامعة أمضى عامين عالة على أكتاف أقاربه وكان معظم مقامه بدار أمه وكان بجوارها حان فكان يباشر السرور والطرب به كل ليلة بين تغني الأغاني وقص الحكايات والنوادر على نخبة من أبناء الريف كانوا يلتفون به وتارة كنت تراه ضيفاً لأخته وزوجها في ليسوى يقضي الوقت بين اصطياد السمك والوحش والجلوس مع الفلاحين. وطوراً يذهب إلى دار أخيه القسيس بقرية بالاسمور فيعاون أخاه شيئاً في تعليم تلاميذه ولعل اضطراب أمر جولد سميث وركوبه ذلك العيش المثرد كان نكبة على أهله وكانوا يرجون أنه متى نال الإجازة التفع ببرد القسوسية. ولكن خاب هذا الرجاء وكان في خيبته ماسر جولد سميث فأضمر الفرح وزعم نفر أن سبب الخيبة هو ما كان بلغ الأسقف (لقب لأحد رؤساء الكنيسة) عن سوء سيرة الفتي وقال قوم إنما غضب الأسقف عندما دخل عليه جولد سميث فرأى عليه كمين أحمرين في لون الجلنار وفي هذا من الغلو في الزينة وترك الزهد

стр. 84

والتورع ما فيه. واقترح عليه العم كونتريني حرفة التدريس في الأسرات وما لبث أن أوجد له وظيفة معلم في أسرة بإحدى القرى. فاطمأن به العيش في هذا البيت عاماً كاملاً ولعله عرض له الملل أو شجر بينه وبين الأسرة خصام فخرج على جواد عتيق وفي جيبه ثلاثون جنيهاً وعمد نحو ثغر كورك يريد الرحلة إلى أميركا مرة أخرى. ومضت ستة أسابيع بعد ذلك لم يسمع في خلالها خبر جولد سميث وإن والدته لجالسة في دارها ذات يوم اذا بالفتي قد طلع عليها فجأة على حصان بادي العظام مهزول وهو صفر الكف نظيف الجيب فقص على أمه قصة عجباً وذلك أنه ذهب إلى كوك فاشترى تذكرة السفر وبعث بصندوقه إلى السفينة ثم غدا على أثر الصندوق وإذا بالسفينة قد رحلت فاضطر إلى بيع الجواد الكريم واشتراء ذلك الحصان المهزول والعودة إلى دار أمه بحال من الفقر أشرفت به الشحذ والتسول إلى أن قال والآن يا أماه يدهشني أن لا يكون في سلامة عودتي بعد استمرار الخطب ونطاول البلاء ما يقر عينك ويشرح صدرك ولا غرو أن تكون الأم قد فتر حبها لولدها مذ تلك اللحظة وودت لو يريحها الله منه بأية طريقة وكذلك كان تبرم أخيه به وملله. فلم يبق له إلا العم كونتريني فإنه أبى ألا حدبا عليه وتحنيا. فاقترح على الفتي أن يذهب إلى لندن لدرس القانون فقبل جولد سميث وأعطى خمسين جنيهاً نفقة الرحلة والمقام ريثما يأتيه مبلغ آخر ثم مضى في رحلته ولكنه لم يتجاوز مدينة دابلن. حيث وقع في خلطاء السوء فخسر كل ما لديه بين الشراب والميسر إلى غير ذلك وعاد إلى أهله يحمل على رأسه ثقل كل موبقة وفي عنقه طوق كل مخزية ومأثم. وسومح بعد ذلك كله تجوفي عن جميع ذنوبه ثم أرسل بشيء من المال إلى أدنبرج (قاعدة اسكوتلاندة) ليدرس الطب: وبهذه الرحلة استراح من جولد سميث أهله - استراحوا منه طول الدهر! وكان عمره إذ ذاك أربعاً وعشرين - وعاش بعدها عشرين أخرى. ولكنه لم يعد قط إلى بلاده ولا أبصر طول عمره وجه وطنه المرموق ولا وجوه أهله وخلانه إلا مرة واحدة إذ مر به وهو في غرفة حقيرة بلندن أخوه الأصغر شارل أثناء رحلته إلى جزيرة خاميكا (من جزر الهند الغربية) فأمضى معه يوماً وذلك بعد هذه المدة بخمس سنين: وما برح جولد سميث حتى لقى الله يحن إلى أوطانه حنين الإبل وقد أخلى لذكرى الشباب وعهد الصبا موضعاً في حشاه وزاوية في قلبه جعلها كالضريح المقدس دفن فيه شبح الماضي وصداه وكأني به

стр. 85

يتمثل: بلد خلعت به عذار شبيبتي ... ولبست ثوب اللهو وهو جديد فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد نعم لقد كان يذكر أمه وأخوته وعمه حتى تدمع عيناه وطالما أمل أن يعود إليهم ويقرعينه بمنظر ليسوى وظلالها الخضر: أحب بلاد الله طراً لمهجتي ... وأول أرض مس جلدي ترابها وقبل أن يمكنه الله من تحقيق رجائه ماتت أمه وعمه كونتريني وأخوه هنري فأصبح لا فائدة له في العودة. ومكث جولد سميث يتلقى علوم الطب في جامعة أدنبرج عاماً ونصفاً كان يستعين أثناءها على النفقة بالتدريس ونظم الأغاني وربما طلب المعونة من العم كونتريني. وكان آخر مطالبه إلى ذلك الرجل الكريم في شتاء ١٧٥٣ فأرسل اليه عشرين جنيهاً زوده بها للرحلة التي كان أزمعها إلى باريز ليتم الدراسة الطبية. وإذ كان مقصده باريز نزل بطبيعة الأمر أولاً بمدينة ليدن من أعمال هولاندة وقد قارن بين هولاندة وبين واسكوتلاندة في رسالة له فقال: البلدان على طرفي نقيض فأينما طرحت البصر في اسكوتلاندة عرضت هضاب واشمخرت أطواد. وتسرح طرفك من هولاندة في سهل منفسح الرقعة منبسط الأديم وفي الأولى قد تبصر الأميرة في الخز والديباج تبرز من بيت قذر حقير وفي الثانية يتلقاك الرجل القذر من القصر المنمق وبعد أن أقام ببلدة ليدن عشرة أشهر تركها ومبضى يضرب في آفاق أوربا ترفعه نجاد وتحفظه وهاد: أخا سفر جواب أرض تقاذفت ... به فلوات فهو أشعث أغبر وكان قبل وصوله بلدة ليدن مات بها البارون هولبرج الكاتب الدنماركي الكبير وكانت الناس تتحدث بسيرته الغريبة وما كابد من الأهوال والمشاق وكان من أهالي نرويج تركها غلاماً بعد أن قاسى في بلاده آلام الفقر إلى عاصمة الدنيمارك مدينة كوبنهاجن وما زال يكافح الدهر حتى بلغ من زمنه مشتهاه قال جولد سميث وكان ذلك الكاتب صارم العزيمة ينجرد في الأمر فلا يقف أو يبلغ الغاية منهوماً بالعلم لم يكفه دون السياحة في جميع البقاع شيء فتكلف أن يطوف على القدم جميع الأمطار الأوربية بلا مال وولا رفقة ولا وصية

стр. 86

ولا شفاعة إلا شفاعة صوته الرخيم وطرف من صنعة الغناء فجعل النهار للسير والليل للغناء يلتمس به المبيت في مساكن الفلاحين ثم يأخذ في سرد البلاد التي زارها ذلك الكاتب الكبير وكيف أنه عاد أخيراً إلى عاصمة الدنيمارك وأصبح كاتبها المحبوب. ونال من أميرها اللقب والثورة فختم الله بالشهرة واليسر عيشة كان مبدأها الخمول والعسر وأراد جولد سميت أن يسلك هذا الطريق لتكون عيشته صورة لعيشة ذلك الكاتب فترك ليدن في فبراير سنة ١٧٥٥ وتمكن لا ندري بأية وسيلة من زيارة مدائن لوفين وانتورب وبروكسيل وماستركت وغيرها من بلاد الفلمنك على التوالي ثم ولج بلاد فرنسا واعتمد على مزماره في قطع المسافة إلى باريز فجعله آلة لبلوغ الرزق والمأوى بين جماعات الفلاحين الذين أروه من البر والإكرام ما رفع عنه حجاب الحشمة وأرسل نفسه على سجيتها فكان ينعم بينهم بأنس الأهل والوطن ولما وصل باريز أقام بها بضعة أشهر حضر أثناءها دروساً في الكيمياء وتشرف برؤية الفيلسوف فولتير وسماعه منه مقالاً بليغاً في مناظرة كانت لذلك الفيلسوف مع رجال تنقصوا الإنكليز وكتابتهم وشعرهم فانبرى لهم بعد طول سكوت بلسان عضب وحجة غراء بطلت أمامها أقوال المناظرين ودحضت براهينهم ورحل جولد سميث عن باريز إلى سويسرا ماراً بجنيفاً وبازل وبرن وكان يستطرد عن طريق سفره فيطوف في أنحاء الجبال والأودية موغلاً في أعماقها كل ذلك على قدميه ثم عبر جبال الألب منحدراً إلى سهول إيطاليا وزار بلاد فلورنس وفرونا ومانتوا وميلان وفينيس (البندقية) وبادو وقد ذكر جولد سميث أنه لم يجن من مزماره كبير فائدة في إيطاليا وذلك أنه لم يكد يوجد بين أهلها إلا من هو أحذق منه بالزمر فالتمس الرزق من باب آخر وهو باب المناظرة الفلسفية في معاهد العلم والدين وكانت تعقب المناظرة بالأكل ويكافأ الغالب ببضعة دراهم (وبعد) فطريقة ارتزاق جولد سميث أثناء هذه الرحلة المدهشة سر غامض وربما كان يقترض ممن كان يصادف أثناء سياحته من أصدقائه الايرلنديين وربما كان يكتسب أحياناً بالمقامرة وأحسب أنه تعلق مرة أو مرتين بأحد من عرف من السائحين أثناء رحلته وأخيراً عاد جولد سميث إلى انكلترا مخترقاً فرنسا على قدميه يحتلب الرزق من ثقوب مزماره حتى بلغ لندن لخمس عشر بقين من شهر فبراير لا يملك فتيلاً ولا قطيراً (للكلام بقية)

стр. 87

شذرات الجبل والبحر لقد سكنت الجبل والشاطئ فلا والله لست قائلاً أيهما أحسن بيد أن ما كان فيه منزلك فذلك خير لك ثم اعرف بينهما هذا الفرق وهو أنك قد تروض الجبل وتذلله فتقتعد من ذروته مهاداً ليناً وتفترش من غاربه مجلساً وطيئاً فأما البحر فذاك الأبي الجامح العنان لا يمكنك من ظهره ولا يخولك من جانبه والجبل تستطيع أن تتخذ به كوخاً أو تعرف به صاحب كوخ وقد تبصر به مع المساء مصباحاً فتعرف أن هناك أناساً قد تضيفهم فيحسنوا قراك وقد تبصر بسفحه أشجاراً وأعشاباً وبقلاً وريحاناً تجري من تحتها مياه وأنهار إن شئت كان لك في جنابها سعة مرتع وتحت ظلالها حسن مستمتع ومن أغاريدها حلاوة مسمع فأما البحر فليس وراءه إلا الخديعة والخب يلحس قدمك ويلقاك من ترجيع الخرير بمثل مواء الهر حتى إذا وجد الفرصة لم يدع أن يحطم عظامك فيلتهمك ويزيل عن فكيه محمر الزبد فكأنما لم يكن شيء والجبل يرزق الحائر الضال ماء وفاكهة والبحر يسخرمن ظمأ ركابه ويسلمهم إلى الموت وللجبل جرم هائل الجسامة ولكنه مأمون المضطرب سليم المنقلب والبحر يملس من قطع أديمه حتى لا ترى مفاصلها ولكن لمعانها لمعان بطن الافعوان والجبل ينقص من سلسلة النسل الإنساني ويقصر من حبل ذريته ولكن البحر يغرق الإنسان والزمن ماله بأحد هذين من صلة ولكنه أخو الأبد وخريره الدائم إنما هو نشيد يرجعه احتفالاً بالأبد آخر الدهر وأنا بعد لا أكره أن يكون لي كوخ على شاطئ البحر ويسرني أن أشرف من نافذتي على العباب الزاخر كما يسرني أن أقف ناظراً إلى سبع في قفصه ويلذني أن أبصر البحر يمط صلبه الملتمع ويطوي من جانبيه ويبسط ثم لا ينشب أن يهيج ويحنق فيرغي ويزبد ويثب على شاطئه وثبة السبع على قضبان قفصه ويروح مجنون العباب يضج ويصرخ بما لا خوف على منه وأين الذي سرح في الطرف فلم يجد في سعة انفساحه وجلال مرآه مشغلة عن حقائر الحياة وضغائر شؤونها حتى ينسى في عظمة منظره من الحاكم والرئيس ومن أي شعب هو (الناظر إلى الماء) وأي لسان يتكلم وبأي مصابيح السماء مناط حظه وجده ومدار نحسه أو سعده أين الذي يعلم ذلك ثم لا يقبل برهة على جانب البحر فيصغى إلى دقات موجه على ساحله تتابع على ميزان الطبيعة منذ

стр. 88

أوجد الله الإنسانية ولا تزال كذلك حتى تنقطع دقات قلبها ويصبح الإنسان صدفة على شاطئه. الكذب للحكيم جونسون من غريب أمر هذه الرذيلة أنها من الخسة والمقت بحيث يترفع عنها الأشرار والفجار من كل صنف وطائفة فقلما تجد في السوءات والمعايب التي تصم الإنسانية إلا ما وجد فيه صاحبه اتباعاً له وأعواناً فهاتك أعراض العذارى قد يجد الحساد من الرجال والنصائر من النساء والسكير يحيط به نفر من المعربدين يعجبون به ويحتفلون بسبقه المبين للذين لم يبلغوا شأوه في مضمار الشراب ويفتخرون بأنهم خدام دولته. وعشاق بأسه ونجدته ويحدثون عن ضعفاء المناظرين الذين ساقهم غرور المساجلة والطمع - في اللحاق إلى قبورهم. بل إن اللص وقاطع الطريق لا يخلوان من الشيعة والأنصار يستحسنون جرأتهما وإقدامهما وما يدبران من أبواب الفكر والشر ويفتقان من حيل السلب والنهب فأما الكذوب فذلك الذي وقف بملتقى سبل الذم والهجاء واجتمعت عليه الخلائق طرا بالبغض والازدراء. وتحاماه الأقرباء. وتناذره البعداء. فليس له من نصرة الحميم والولي. ما يقوم لخذلان الغريب والأجنبي ولا من حمد الخدن والنظير ما يوازن إزراء الشعب والجمهور. وماله من عصبة يأوى إليها ويرجع ولا شيعة يعتز بها ويمتنع. ولا نفر يرون شره خيراً. وخزفه دراً. وتربه تبراً وعقوقه براً. وإنما يسلم إلي عداوة العالم أجمع. وينصب غرضاً لكل نابل. وصيدا لكل حابل وضريبة لكل سائف ورامح. ومشما لكل غاد ورائح وقد قال أحد الحكماء أن الشياطين لا يكذب بعضها بعضاً. والصدق لازم لكل فئة ولو كانت من سكان جهنم وقد كان المظنون في مثل هذه النقيصة أن يكون انصراف الناس عنها بقدر بغضهم لها أو على الأقل أن لا يكون يبعث عليها إلا باعث قوى وإن رذيلة لها من سهولة الانكشاف والجلاء وشدة العقوبة والجزاء مثلما للكذب لا يكون الحاصل عليها إلا بعيد الوقوع نادراً ومع هذا فالأمر على خلاف ذلك حتى أصبح من يخالط الناس لا يقيه أشد الاحتراس والحذر أن ينخدع في كل حين لأكاذيب أناس ما كان يتوهم قط أن يكون منهم أدنى ميل

стр. 89

إلى التذرع بالكذب لنفع أنفسهم أو إضرار الغير ثم يكذبون في الموضوعات ليس في طبيعتها ما يبعث على الكذب وفي الأحاديث الفاترة لا تتحرك رياحها بما فيه حركة للطبائع والاريحيات وهزة للنفوس والشهوات من مطمع أو مطمح. أو مفرح أو مترح: أو مطرب أو مغضب. أو مرهب أو مرغب. أو بالاختصار تراهم يكذبون حيث لا تجد من الأسباب ما يستحق أن تخطر له السمعة مهما حقرت في عين ربها وتنتهك من أجلها حرمة المروءة مهما هانت وإلى رذيلة حب الذات رجع معظم الأكاذيب التي تصادف آذانا صاغية. وقلوباً واعية. وذلك لأن كذبة التاجر أو كذبة الحسود تكون دائماً ظاهرة العلة. حتى لقلما تسوغ على المكذوب أو تروج عنده. وكيف والتهمة أبداً منتبهة. والنفس يقظة عند كل مالها به علاقة أو فيه مصلحة ومهما أثبته التاجر أو الحسود. بوحي الطمع الحرام أو إملاء الفؤاد الدغل كان خليقاً أن ينفيه المكذوب عن ساحته ويمحوه من صحيفته بأسباب أقوى ودواع أشد. ولكن المحب لذاته المفتون بنفسه تراه يفرح بأن يدعي لنفسه حقائر صفات وتافهات مما لا علاقة له بأحوال مجالسيه. ولا دخل له في أمور شؤون معاشريه. حتى إن أكاذيبه لا تهيج خوف إنسان ولا تغرى أحداً باستقرائها لاكتشاف أمرها. ولو حاول محاول أن يتتبع بالتهمة أكاذيب حب الذات يشغل صاحبه ما كان وأين كان. ولا جرم فمن أخطأ في الواقع والحقيقة مناه كان حرياً أن يلتمسها في الزور والباطل. قال أحد الحكماء لا أحد إلا ويرغب أن يراه الناس فوق غيره ولو لم يكن إلا في امتيازه برؤية مالم يروا وهذه الميزة لخلوها من المجد وبراءتها من الفضل قد كان يجب ألا يكون إليها مطمح طامح ولا دعوى مدع ولكنها على حقارتها وخستها أبى عشاق الذات إلا أن يجعلوها منبع حكايات كاذبة لا تحد ولا تحصى نصيها من تصديق السامعين بمقدار حذاقة الكاذب أو ثقة السامع فكم بين الكذابين الثرثارين من يعد لك في أصحابه كل مخاطر فتاك ملء حياته أهوال ومهارب من مضايق يرى الموت فيها عياناً وتراءت له الحياة ماردا وشيطاناً وكل كاهن ساحر حشو أيامه غرائب وآيات وعجائب ومعجزات قد تلببت لخدمته الطبيعة لا تفتأ تصور له من المدهشات مالا يراه غيره وما ذاك إلا التحدث بأحاديث الكذب ومقالات الأفك والزور. السعادة

стр. 90

من قصيدة للشاعر الروماني مارشال أما وقد سألتني يا صاح أن أنسق لك من فرائد السعادة نظاماً وأؤلف لك من أجزاء النعيم صورة فهاك سؤلك قد هيأته لك جهد المستطيع ولست أدعي له الكمال ولكني أقول أنه إن لم يستوف جميع أسباب الهناء فقد حوى أعيانها أو شذ عنه بعض فروع السعادة فقد أحرز أصولها وأركانها فاعلم علمت الخير أنك إن بغيت السعادة فاتخذ ضيعة وسطاً لا الكبيرة ولا الصغيرة تكفيك ولا تؤدك ولتكن ميراثاً لك عن أبوين صالحين وإلا أنفقت الطيب الكثير من عمرك في اقتنائها ولتكن من كرم التربة وبركة الثمرة بحيث تدعوك إلى استثمار نتاجها وابتغاء المزيد بخيرها وحاصلاتها وإذا أشتيت فارفع النار تكفكف بها من حدة البرد واضرب بها الشتاء في اخدعيه ضربة تدعه منقاداً ذلولاً واجعل لهيب مطبخك بها الشتاء في اخدعيه ضربة تدعه منقاداً ذلولا واجعل لهيب مطبخك كلسان الشمعة صافياً نقياً ونزه عن الحرام الخبيث أطرافك وساحتك ولا تجعل من قضايا الخصوم جاذبات لك من سكينة الريف إلى ضوضاء المدينة وقلل ما استطعت من دواعي الشغل هنالك وأنزل عقلك منزلة بين القلق المبرح والنوم المميت وابغ الصحة من الرياضة البدنية فهي وحدها الكفيلة بذاك وسو بين نصيبك من الحذر ونصيبك من حسن النية أعني لا تسيء الظن بالناس واحذرهم ولا تستكثرن من الصحاب ولا تأخذ منهم إلا من وفقت بينك وبينه طبيعة وحال واجعل زينة خوانك وحليته ارتفاع الكلفة واستفاضة الأنس والفكاهة لا وفرة الطعام والتأنق في صناعته وإذا جاءك النهار بهم فامسحه عن حشاك بكف الهجوع في الليل ولا تستعن على الهم بالكاس فإنها بئس المعين واستصحب الراحة حليفة الظلام إلى فراسك ولا تركض الكأس في سبل الغواية وترسل لها من شعاع الزجاج عنانا وتجعل لها صنوف الغناء حداة. وصية التاجر للبديع الهمذاني من إحدى مقاماته على لسان أبي فتحه يوصى ولده يا بني إني وإن وثقت بمتانة عقلك وطهارة أصلك فإني شفيق والشفيق سيء الظن ولست آمن عليك النفس وسلطانها والشهوة وشيطانها فاستعن عليها نهارك بالصوم وليلك بالنوم إنه لبوس ظهارته الجوع وبطانته الهجوع وما لبسها أسد إلا لانت سورته وكما أخشى

стр. 91

عليك ذاك فلا آمن عليك لصين أحدهما الكرم واسم الآخر القرم فإياك وإياهما أن الكرم أسرع في المال من السوس وإن القرم أشأم من البسوس ودعني من قولهم إن الله كريم أنها خدعة الصبي عن اللبن بلى أن الله لكريم ولكن كرم الله يزيدنا ولا ينقصه وينفعنا ولا يضره ومن كانت هذه حاله فلتكرم خصاله فأما كرم لا يزيدك حتى ينقصني ولا يريشك حتى يبريني فخذلان لا أقول عبقري ولكن بقري إنما التجارة تنبط الماء من الحجارة وبين الأكلة والأكلة ريح البحر بيد أن لا خطر والصين غير أن لا سفر أفتتركه وهو معرض ثم تطلبه وهو معوز أنه المال عافاك الله فلا تنفقن إلا من الربح وعليك بالخبز بالملح ولك في الخل والبصل رخصة مالم تذمهما ولم تجمع بينهما واللحم وما أراك تأكله والحلو طعام من لا يبالي على أي جنبيه يقع والوجبات عيش الصالحين والأكل على الجوع واقية الفوت وعلى الشبع داعية الموت ثم كن مع الناس كلاعب الشطرنج خذ كل ما معهم واحفظ كل مامعك يا بني قد أسمعت وأبلغت فإن قبلت فالله حسبك وإن أبيت فالله حسيبك. فضل التجارة وذم عمل السلطان الوظائف (من فصل للجاحظ) وهذا الكلام (ذم التجارة) لا يزال ينجم من حشوية اتباع السلطان فأما عليتهم ومصاصهم وذوو البصائر والتمييز منهم ومن فوقته الفطنة وأرهفه التأديب وأرهقه طول الفكر وجرى فيه الحياء وأحكمته التجاريب فعرف العواقب وأحكم التفصيل فإنهم يعترفون بفضيلة التجار ويتمنون حالهم ويحكمون لهم بسلامة الدين وطيب الطعمة ويعلمون أنهم أودع الناس بدنا وأهناهم عيشاً وآمنهم سرباً لأنهم في أفنيتهم كالملوك على أسرتهم يرغب إليهم أهل الحاجات وينزع إليهم ملتمسوا البياعات لا تلحقهم الذلة في مكاسبهم ولا يستعبدهم الضرع لمعاملاتهم وليس هكذا من لابس السلطان بنفسه وقاربه بخدمته فإن أولئك لباسهم الذلة وشعارهم الملق وقلوبهم ممن هم لهم خول مملوءة قد لبسها الرعب وألفها الذل وصحبها ترقب الاحتياج فهم مع هذا في تكدير وتنغيص خوفاً من سطوة الرئيس وتنكيل الصاحب وتغيير الدول واعتراض حلول المحن فإن هي حلت بهم وكثيراً ما تحل فناهيك بهم مرحومين يرق لهم الأعداء فضلا من الأولياء فكيف لا يميز بين بين من هذا ثمرة اختياره.

стр. 92

وغاية تحصيله. وبين من قد نال الوفاء عنه والدعة وسلم من البوائق مع كثرة الأثر أو قضاء اللذات من غير منة لاحد ولا منة يعتدي بها ومن هو من نعم المفضلين خلى وبين من قد استرقه المعروف واستعبده الطمع ولزمه ثقل الصنيعة وطوق عنقه الامتنان واسترهن بتحمل الشكر * وقد علم المسلمون أن خيرة الله من خلقه. وصفيه من عبادة والمؤتمن على وحيه من أهل بيت التجارة وهي معولهم وعليها معتمدهم وهي صناعة سلهم. وسيرة خلفهم. ولقد بلغتك بسالتهم. ووصفت لك جلادتهم. ونعتت لك أحلامهم. وتقدر لك سخاؤهم وضيافتهم وبذلهم ومواساتهم. وبالتجارة كانوا يعرفون ولذلك قالت كاهنة اليمن لله در الديار لقريش التجار وليس قولهم قرشي كقولهم هاشمي وزهري وتيمي لأنه لم يكن لهم أب يسمى قريشاً فينتسبون إليه ولكنه اسم اشتق لهم من التجارة والتقريش فهو أفخم أسمائهم. وأشرف أنسابهم. وهو الإسم الذي نوه الله تعالى به في كتابه وخصهم به في محكم وحيه وتنزيله فجعله قرآناً عربياً يتلى في المساجد ويكتب في المصاحف ويجهر به في الفرائض ولهم سوق عكاظ وفيهم يقول أبو ذؤيب: إذا ضربوا القباب على عكاظ ... وقام البيع واجتمع الألوف وقد عبر النبي ﷺ وآله برهة من دهره تاجراً وشخص فيه مسافراً وباع واشترى حاضراً والله أعلم حيث يجعل رسالته ولم يقسم الله مذهباً رضياً ولا خلقاً زكياً ولا عملاً مرضياً إلا وحظه منه أوفر الحظوظ وقسمه فيه أجزل الأقسام ولشهرة أمره في البيع والشراء قال المشركون ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فأوحى الله إليه وما أرسلنا قبلك من المرسلين - إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق فأخبر أن الأنبياء قبله كانت لهم صناعات وتجارات. والذي دعا صاحبك إلى ذم التجارة توهمه بقلة تحصيله أنها تنقص من العلم والأدب وتقتطع دونهما وتمنع منهما فأي صنف من العلم لم تبلغ التجار فيه غاية أو يأخذوا منه بنصيب أو يكونوا رؤساء أهله وعليهم هل كان في التابعين اعلم من سعيد بن المسيب أو أنبل وقد كان تاجراً يبيع ويشتري وهو الذي يقول ما قضى رسول الله ﷺ وآله ولا عمر ولا عثمان ولا علي رضوان الله عليهم قضاء إلا وقد علمته وكان أعبر الناس للرؤيا وأعلمهم بأنساب قريش وهو من كان يفتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه

стр. 93

وسلم وآله وهم متوافرون وله بعد علم بأخبار الجاهلية والإسلام مع خشوعه وشدة اجتهاده وعبادته وأمره بالمعروف وجلالته في أعين الخلفاء. ذم الغيرة للشاعر مسكين الدارمي من شعراء الدولة الأموية إلا أيها الغائر المستشيط ... علام تغار إذا لم تغر فما حير عرس إذا خفتها ... وما خير بيت إذا لم يزر تغار على الناس أن ينظروا ... وهل يفتن الصالحات النظر فإني سأخلي لها بيتها ... فتحفظ لي نفسها أو تذر إذا الله لم يعطه ودها ... فلن يعطي الود سوط ممر ومن ذا يراعى له عرسه ... إذا ضمه والمطي السفر وقال أيضاً في ذلك: وإني امرؤ لا آلف البيت قاعداً ... إلى جنب عرسي لا أفرطها شبراً ولا مقسم لا أبرح الدهر بيتها ... لا جعله قبل الممات لها قبراً إذا هي لم تحصن أمام قبابها ... فليس بمنجيها بنائي لها قصراً ولا حاملي ظني ولا قيل قائل ... على حائط حتى أحيط بها خبراً فهبني امرأ راعيت ما دمت شاهدا ... فكيف إذا ما سرت من بيتها شهراً وقال: ما أحسن الغيرة في حينها ... وأقبح الغيرة في غير حين من لم يزل متهماً عرسه ... مناصباً فيها لوهم الظنون يوشك أن يغريها بالذي ... يخاف أو ينصبها للعيون حسبك من تحصينها ضمها ... منك إلى خلق كريم ودين لا تظهرن منك على عورة ... فيتبع المقرون حبل القرين صفة بركة عليها أشجار من ذهب وفضة ترمي فروعها المياه في قصر المنصور بين علناس من قصيدة لابن حمديس الصقلي المترجم في هذا العدد من البيان

стр. 94

وضراغم سكنت عرين رياسة ... تركت خرير الماء فيه زئيراً فكأنما غشي النضار جسومها ... وأذاب في أفواهها البلورا أسد كأن سكونها متحرك ... في النفس لو وجدت هناك مثيرا وتذكرت فتكاتها فكأنما ... أقعت على إدبارها لتثورا وتخالها والشمس تجلو لونها ... ناراً وألسنها اللواحس نورا فكأنما سلت سيوف جداول ... ذابت بلا نار فعدن غديرا وكأنما نسج النسيم لمائه ... درعاً فقدر سردها تقديرا وبديعة الثمرات تعبر نحوها ... عيناي بحر عجائب مسجورا شجرية ذهبية نزعت إلى ... سحر يؤثر في النهى تأثيرا قد سرجت أغصانها فكأنما ... قبضت بهن من الفضاء طيورا وكأنما تأبى لوقع طيرها ... أن تستقل بنهضها وتطيرا من كل أقعة ترى منقارها ... ماء كسلسال اللجين نميرا خرس تعد من الفصاح فإن شدت ... جعلت تغرد بالمياه صفيرا وكأنما في كل غصن فضة ... لانت فأرسل خيطها مجرورا وتريك في الصهريج موقع قطرها ... فوق الزبرجد لؤلؤاً منثورا ضحكت محاسنه إليك كأنما ... جعلت لها زهر النجوم ثغورا ومصفح الأبواب تبراً نظروا ... بالنقش فوق شكوله تنظيرا تبدو مسامير النضار كما علمت ... تلك النهود من الجنان صدورا وإذا نظرت إلى غرائب سقفه ... أبصرت روضاً في السماء نضيرا وعجبت من خطاف عسجده التي ... حامت لتبني في ذراه وكورا وضعت به صناعها أقلامها ... فأرتك كل طريدة تصويرا وكأنما للشمس فيه ليقة ... مشقوا بها التزويق والتشجيرا وكأنما اللازورد فيه مخرم ... بالخط في ورق السماء سطورا وكأنما وشوا عليه ملاءة ... تركوا مكان وشاحها مقصورا صفة الليل

стр. 95

قال أعرابي: خرجت في ليلة حندس قد ألقت على الأرض أكارعها فمحت صور الأبدان فما كنا نتعارف إلا بالآذان. وقال آخر: سريت ليلة حين انحدرت أيدي النحوم وشالت أرجلها فما زلت أصدع الليل حتى انصدع الفجر. صفاء الخمر ولطافة الكأس قال المصحفي الوزير: صفراء تطرق في الزجاج فإن سرت ... في الجسم دبت مثل صل لاذع خفيت على شرابها فكأنما ... يجدون رياً من إناء فارغ وقال غيره في هذا المعنى: وزنا الكأس فارغة وملأى ... فكان الكأس بينهما سواء أثر الخمر قال بعض شعراء الفرس ما تعريبه: مازلنا نشربها حتى بحنا بأسرارنا وكأننا بها أشفقت أن نبوح بسرها فعقدت ألسنتنا

стр. 96

المقالات والرسائل معرفة أخلاق الناس للكاتب الانكليزي الكبير وليم هازلت ما أقل ما نعرف من هذا الأمر مع كثرة الفرص وطول الدربة فكلما زاد فيه المرء علماً قل فهماً وزاد حيرة. وإني لأذكر في حديث جرى بين جماعة منذ سنين أن أحدهم ذكر رجلاً تزوج امرأة بعد أن عاشرها ثلاث عشرة سنة فقال له آخر لعله استطاع في هذه المدة الطويلة أن يعرف أخلاقها. فأجابه الأول كلا فلعلها تظهر له في صبيحة العرس بصورة هي عكس ما أبصرها عليه أثناء السنين الثلاث عشرة. فسرني ذلك الجواب جداً وأخذني العجب لما ذكرت شدة صعوبة ذلك الأمر وأنه من المحال على المرء أن يقول لنفسه يوماً ما لقد انكشفت لي مغيبات صدر فلان. وقد خضت بنظراتي النافذات بين جوانح هذا الإنسان. وهناك ثلاثة طرق للوصول إلى معرفة الأخلاق - من لوائح الوجه ثم من الحديث ثم من الفعال. والأولى أصدق الثلاث على ما يظهر للناس من ضعفها وبعدها من الحقيقة. وهي التي يجب أن يعتمد عليها مع إنكار الناس إياها وبراءتهم منها. فأما حديث الرجل وكلماته فطالما تكون دعاوي كاذبة لا معول عليها وأما أفعاله فربما كانت متكلفة غير حقيقية. ولكن لوائح الوجه هي ما لا طاقة للمرء بتكييفه كما يحب ويشتهي ولقد قال رجل من مشاهير الأدباء ما وهب الله المرء لسانه إلا ليستر به نواياه وأفكاره. وإنك إن تنظر إلى صورة كرومويل رأيته قد زر فمه كأنه يخشى عثرات اللسان إذا هو أرسله. وقد نصح إلينا اللورد شستر فلد في رسائله أنا إذا شئنا أن نعرف كوامن وجدان من نحادثه فلننظر إلى وجهه فإنه أشد سلطاناً على لسانه منه على أعضاء وجهه. وربما نافق الرجل طول عمره وتصنع حتى أصبحت حياته خدعة للناس ولنفسه. ومع ذلك فلو أتيح له مصور بارع فصوره لأثبت على الرقعة أخلاقه الحقيقية لإبصار الخلف والذرية وأبرزه بظهر اللوح عارياً من ثياب نفاقه واضحة للعيان حقيقته ما وضحت الشمس في رابعة النهار. وقد كانت آراء الناس في الأمير شارل الخامس شتى لعله من اختلاف الأهواء والأغراض ثم من تناقض أعماله وتباين أحواله ولكن من ألقى نظرة في صورة ذلك الأمير كما أبدعتها ريشة

стр. 97

المصور الكبير تيتان عرف لأول وهلة من حقيقة أخلاق شارل الخامس ما تفرقت فيه ظنون من جالسوه وحادثوه وجهاً لوجه وفماً لفم. ولخير لي من أن يرثيني الشاعر بعد وفاتي بالكلام المنمق ويكتب سيرتي المؤرخ أن أخلف صورة لي من ريشة مصور صناع. فإن وجه هذه الصورة لينطق للناس بما جال في خاطري وحك في وجداني فأما ما جرى به لساني وفعلته يداي فهذا ما لا قيمة له بجانب الفكر والإحساس وصورة الشاعر دون أدل عندي على فضله من جميع ما نظمه. ولو أن صورة يولوس قيصر أشبهت صورة الدوق أوف ولنجتون لما رفعته في عيني أماديح المؤرخين والشراح. وقد قال صديقي فوسيت أنه لو سمع العالم الكبير اسحق نيوتن يلثغ في نطقه لما حفل به ولا رآه ذلك العظيم النابغة. وعلى كل حال فلست حاملاً نفسي على أن تشهد بالعظمة والبطولة لمن حمل وجهه صورة الحمق. وبدت في أساريره آية الغباء والخرق. وقد أكون في ذلك مخطئاً ولكني لا أبالي. وبوادر الوجه (أعني أول ما تحدثه في نفسك هيئة الرجل وسحنته) هي في الغالب أصدق الشواهد. فإن سيما الوجه هي نتيجة السنين المتوالية وقد طبعتها على صحيفته أيدي الحوادث والصروف بل يد الطبيعة والفطرة فيتعذر على المرء أن يمحوها من وجهه. وقد يرى أحدنا الرجل لأول مرة فيشعر له بكراهة لا يعلم لها سبباً ثم تبدو من الرجل أفعاله جميلة وأحوال حسنة فتنسي في أثنائها تلك الكراهية حتى تكشف ظواهر الرجل عن باطنه فإذا هو قبيح خبيث وحينئذ نعلم أن الكراهة التي وجدناها له أول ما رأيناه كانت بحق وكان أهلها وجديرا بها. ومن الناس مننحس لهم كراهة وإن كنا قد عاشرناهم طويلاً ثم لا نذكر لهم عيباً. فنقول عن هؤلاء أن وجوههم أعداء لهم. وهذا خطأ لو دقتنا النظر. وما كان الوجه قط ليكون عدواً لصاحبه وإلا كان ذلك تناقضاً في مذهب الطبيعة. والطبيعة فوق كل هفوة وخطيئة. وإنما هناك سبب حقيقي لشعورنا نحو هؤلاء بنوع من الكراهة وهو إما جفاء في طباعهم أو أثرة (أنانية) أو قلة إخلاص لا نراها في فعلة أو كلمة معينة من أفعالهم أو أقوالهم ولكنا نراها في الرجل كله وفي شخصه أجمع. ومحاولة الرجل إخفاء هذه النقيصة بكل ما يمكنه هو أحد الأسباب التي تمنعنا أن نراها في شيء معين من أفعاله أو أقواله. وهذه نعمة من الله أن جعل لنا على أخلاق الناس فراسة تنظر بظهر الغيب إلى خبيات الصدور فتراها قبل أن تفشيها أعمال الرجل وأقواله وقد كنت أرى في بعض

стр. 98

المنتديات رجلاً دمث الطباع لين الجانب حسن المنظر ولكن لعينيه معني منكراً تخاله ينظر إليك من خلال أهدابه ثم يفر منك بلحاظه فلا تكاد تراه. وقد كان هذا الرجل غشاشا ولصاً فأما من فاق أهل الرياء جميعاً وحمل لواء النفاق والخداع فتلك فتاة صغيرة حسناء حيية خجول منكسة الرأس في غالب الأحيان خاشعة البصر لها رقة كأنها السحر. وإنما كان يحدوني إلى اتهام أخلاقها أني كنت أرى في عينها نظرة ساجية شاخصة كأنما غشيت حدقتها طبقة من لماء أو الزجاج ثم كانت تقبل بهذه النظرة على الفضاء كأنها قد عزمت على أن لا تناقش عينها عينك ولا تتفاهم ألحاظها وألحاظك وكأني كنت أرى تحت سطحيهما (سطي عينيها) اللامعين الراكدين ما يكمن لي من الصخور والأوعاث. ولا أرانا في تمام أنس وراحة مع ذوي العاهات وذلك لأنهم إذ كانوا ساخطين على أنفسهم فهم بالسخط على الجلساء أخلق وأولى. وبأن يأخذوا من الخلطاء والعشراء ثأرهم عند الطبيعة أجدر وأملى. ومعرفة الأخلاق أمر شاق ومطلب عويص يحار فيه ويصدر عنه بالعجز والجهل. وجهلنا به ليس بقاصر على الأمم الأجنبية والطبقات التي هي فوقنا أو دوننا على الأصدقاء والأهل والأقارب بل أنا لنجهل من أنفسنا مثلما نجهل من الغير. وضلالنا في شأن الغير بسبب بعدنا من الموضوع كضلالنا في شأن أنفسنا بسبب شدة القرب منه. فترى أهل الطبقة العليا والوسطي في معظم الأحيان على جهل تام بأخلاق من هم دونهم من الخدم وسكان القرى. وإني لأرسلها قاعدة عامة في هذا الموضوع أن جميع غير المتعلمين أهل نفاق ورياء. ولا هم لهم في الدنيا إلا الغش والخداع. لأنهم يرون أن بينهم وبين الطبقات العالية شبه عداوة وحرب ويرون أن الحرب خدعة وللخدم ملكات إبداعية وقوى اختراعية لا بد أن تصيب أهدافاً وأغراضاً والخال تقتضي أن تكون هذه الأهداف والأغراض هي أغراض أسيادهم ومن يشابهونهم ويشاكلونهم ويجرون مجراهم من الدرجة والحال والمنزلة. نعم إن مواد ذكائهم وأجزاء فطنتهم وبديهتهم لا تطرد بها مجاري القصص ولا تستقل بها مسايل الشعر والرواية وإن قرائحهم لا نغمس في غمرات الكتب ولا تشتمل عليها غيابات الأسفار ولكنها تبقى يقظة تتوقد منتصبة كأنها شوك القنفد أما تري تيار حديثهم يتقاذق بزبد الفكاهة ويتدافع بحباب المجون والمزح ويرمي بكل درة

стр. 99

عذراء من جيد القول ولؤلؤة بكر من بارع الكلم. وما يزال أسيادهم يرفعون أنفسهم فوق هاماتهم وما يزالون هم يغضون من أقدار أسيادهم ويحطون من مقاماتهم لكي يلتقوا وإياهم في صعيد واحد ويجمع الفريقين طرفاً سواء. ويفعلون ذلك بتأليفهم من سقطات العائلة ومعايبها وعوارتها رواية يومية يمثلها بعضهم أمام بعض زائدين فيها من مخترعات قرائحهم وبنات أفكارهم ماشاؤا ثم يقلبون أخلاق أسيادهم وسيداتهم ظهرا لبطن ويبرزون مخبات ضمائرهم ومهما يصطنع لهم السيد من حسنة تكن أغرى لهم به وأهيج لهم عليه. وما كنت لتغلبهم بسلاح الحسنة ولا لتستبيهم بمصايد العرف والجميل. وما من حيلة لك تدفع بها احتقارهم إيالك واستخفافهم بك. وإنما يكون المعروف أبعث لهم على النقص من قيمته وعلى تسويد عرضك. وإنهم ليشعرون بأنهم فئة قد انحطت درجتها ظلماً وعدواناً وهضمت حقوقها بغياً وجوراً ثم لا يفهمون لماذا يذهب الأسياد بجميع النعم والمزايا ويبؤون هم بالذلة والحاجة والضعة من كل جانب. ثم لا تستطيع قط أن تصلح ما بينك وبينهم وترضيهم عنك وعن منزلتهم منك. ولو حاولت لاتهموك بأنك تخدعهم. فهم لا يتحلون قط عن إساءة الظن بك. فمن المحال أن ترجو لديهم الشكر وحسن النية وإرادة الخير لك. وكيف وما بينك وبينهم رابطة إخاء وعقد مساواة. فلا ثقة لهم بك ولا استئناس إليك ولا سكون لك. هم يرون أنك تنال منهم بتسلطك عليهم فينالوا منك بخديعتهم إياك وبالحيلة والكذب والمرواغة حتى يستردوا منك مسلوب حقوقهم ثم لا يمنعهم عن طرق الغش والنفاق مانع وما تألفت إلا من ذلك حياتهم. وأين منهم الصدق وهم لا يعرفونه. وإنما حب الصدق شأن من جعل الصدق ديدنه ومبدأه ممن انقطع لفن من الفنون أو لعلم من العلوم حيث يكد الذهن وينصب فيعتاد أن يتمسك بدقة الحساب ويفخر بصحة النتائج. ولا يمكن أن يتولد للنفس حب للصدق خال من الغرض حتى يكون المرء قد طال مزاولته للصدق وتأمله إياه في الأمور العقلية والمسائل البعيدة. والجاهل المنحط لم يزاول من الأمور والمسائل إلا ما اتصل بمنفعته. واختلط بمصلحته فكل أفكاره محلية شخصية ولذلك كانت خسيسة وضيعة. وكل ما سنح بخاطره جرى به لسانه لا ينظر حسناً كان أم قبيحاً. ويحول مجرى كل حادثة في طريق فائدته ولا يبالي أي أكذوبة يصوغون وأي باطل يزخرفون ما دام يلائم غاياتهم ثم لاذمة لهم ولا ورع ولا تقى ولا حياء من العار ولا خجل

стр. 100

من الفضيحة ولا يقنعون بالبرهان ولا يذعنون للحق وإذا ناقشتهم بالحجة ضحكوا منك سخرية واستهزاء وليس لك عليهم من سبيل إلا أن تأتيهم من جهة مصلحتهم عندك كأن تطردهم من خدمتك فإذا تظاهروا لك بشيء من الندم ورجوك الصفح فإنما هو رياء منهم يضمرون وراءه شراً كبيراً. وهكذا يظل ذوو اللب والفضل والمروءة ولا حيلة لهم على أولئك المتوحشين اللابسي أزياء المدنية. وكيف وإنك لا تدري ماذا يهجس لك بخاطرهم ولا مبدأ هنالك ولا علامة تدل على ذلك. وليس بينك وبينهمز أدنى اتفاق في رأي أو فكرة. بل كل تناقض وتباين في الإحساس والنظر والمصلحة. وأنت تبني أعمالك على مبادئ ثابتة في الأخلاق. وعلى غاياتهم وأغراضهم لا على غيرها يبنون أعمالهم طرا. فإذا عناهم أمر أخلاقهم والتفتوا إلى تهذيب آدابهم كان باعثهم الوحيد على ذلك هو طلب المنفعة والفائدة لا حباً في الكمالات ورعياً لحرمة الأدب والواجب. فهم أبداً يكدون القرائح في أمرين - تصحيح السمعة وامراض الضمائر. وجملة القول أنك لن تصل معهم إلى حال من التفاهم والتوافق حتى لكانهم في ذلك صنف غريب من الحيوان وليسوا أبناء أبيك آدم. فإن وثقت بهم كذبوك. أو ائتمنتهم خانوك. ثم لا يغرنك منهم ملق وخضوع وطاعة وخشوع. فلقد تتفضل على خادم أحد المطاعم بمحادثتك إياه وعطفك عليه ثم لا تكاد تعطيه كتفيك حتى تسمعه ينبذك باللقب الخبيث. وإذا أهديت ابنة المرأة التي أنت نازل عندها هدية كان جزاؤك منها أنها تغالطك في الحساب وتشتط عليك في الأثمان. حتى لكان الذي بينك وبين أولئك اللؤماء حرب عنيفة وقتال. والحقيقة أن الإنسان مفطور على كراهة أن يكون عليه لأحد عليه رئاسة أو سلطة فهو أبداً يدأب في أن يزيل عن نفسه آثار فضل الغير ويحط عن عاتقه أعباء سلطتهم ويمحو ما بينه وبين من فوقه من آيات التفاوت الظاهر والفرق المشاهد وإذا ساقت الظروف بعض هؤلاء السفلة إلى الاحتكاك بالعلية لم يعدموا وسيلة إلى إيجاد نوع ما من المساواة بينهم وبين - سادتهم - وبئست المساواة! ولقد جاء في الحكمة أنه لا بطل يكون بطلاً في عين خادمه. لأنه لا يفهم البطولة إلا من كان به شيء من البطولة فهو إذن يفهمها ويجلها ويكبر ربها بما أنه أعلى منه واشرف وأعظم. ولكن الخادم الخسيس الذي لم يوفق إلى إدراك معني العظمة لا يعرف ما هي العظمة ولا يظن أن الله قد خلق إنساناً خيراً منه وأشرف.

стр. 101

ولقد كانت السيدة الأديبة العالمة المسز سيدونز تلقى محاضرة لنخبة من عيون المتأدبين وخلاصة المهذبين في شعر شاكسبير وكان المحفل بكلامها معجباً. ولبديع آياتها مرتاحاً طرباً. وهي تنثر الدر بين الهتاف والتصفيق وإذا بأحد الخدام في الحجرة الخارجة يصيح مستهزئاً عجباً يا إخواني! أما ترون ما نحدث العجوز بين القوم من الصياح والضجة! عجباً من العجائز عجباً! وكذلك ما أقل الشبه بين بعض طبقات المجتمع وبعضها وما أبعد الأمل في التوفيق بين شتى العادات والأخلاق وأي هوة سحيقة بين جهل أولئك ومعارف هؤلاء. ومما يعرض في هذا المبحث آراء الرجال في النساء وآراء النساء في الرجال فأقول إذا بنينا الحكم في هذا الموضوع على أمر اختيار الرجل زوجته والمرأة زوجها كان لنا أن نحكم على الفريقين بفساد الذوق وخطل الرأي وسوء الحكم وقد جاء في المثل أن الحب أعمى. وما هو إلا استبداد الهوى بالرأي وذهاب الخيال بالعقل. ولا شك في أن أحب الرجال إلى النساء هم الذين لا ينزلون من نفوس إخوانهم الرجل منزلة سامية ولا فازوا من احترام الذكور بالقسط الراجح. ويظهر لي أن النساء لا يثقن في أمر الحب بأرائهن وأذواقهن بل ينظرن إلى رأي الرجل في نفسه فيتخذنه رأياً لهن ولذلك كان أكثر الفائزين بحبهن هم ذووا الغرور والادعاء والوقاحة. ولا يخطب ود النساء ولا يستجلب رضاهن واستحسانهن بتلك المعالي التي يتنافس فيها الرجال كالفصاحة مثلا والنبوغ والعلم والعبقرية والشرف والنزاهة. ولا أنكر أنه يستمال جانب المرأة بقوة الذكاء والجرأة وما كان حسن الشباب ورونق الجمال وحدهما بكافيين لاستجلاب محباتهن والطريق إلى قلوبهن عسير الاهتداء إليه وأعسر منه ركوبه. على أنه لا بد أن يكون هناك حل لتلك العقدة ومفتاح لذلك القفل وسبب لهذا الأمر إذ كنا نرى أن الكروهين من النساء أشباه كأنهم صنف واحد. وكذلك نرى المحبوبين إليهن. أو ليس أكبر الأسباب التي تدنى منهن وتحبب إليهن وتستجلب ودادهن وشغفهن هو شدة إقبال الرجل عليهن وعنايته بهن وإيثاره إياهن على كل ما عداهن من الأمور والأشياء؟ فالحظى عندهن المقرب هو تبيعهن الخاضع وزيرهن الطيع المنقاد. الذي إذا تحدثن فكله آذان أو سكتن فكله أعين. أو غبن فكله خيال وذكرى وأين هذا من رجل مثلي يسمع حديث المتناظرين وهو ران إلى الكاعب الحسناء

стр. 102

فتلفت المناظرة طرفه عنها وتلوى عنقه فلا غرو إن كنت في سوق الجدال والمحاججة اربح صفقة وأنفق سلعة مني في سوق الحسان والغواني. والعلوم العالية والملكات الكبيرة لا تفهمها الغواني فهي لهن من قبيل الألغاز والمعميات وما استرسالك في الشيء لا يفهمه جليسك؟ أليس هو الحق بعينه؟ والأديب المحض الذي لم ير الدنيا إلا من خلال السطور في الصحف ضائع عند الفتيات على كل حال فهو إن تكلم لهن في العلميات كلمهن فيما لا يفهمن وإن طرق من الموضوعات ما يفهمن طرق مالا يفهم. فهو خاسر الصفقتين. خائب الكرتين. وقد جاء في إحدى القصص عن عاشقين أنه بينهما كان الفتي يكد اللسان أمام الفتاة في شرح صورة لشهير من المصورين كانت الفتاة تجرب على أديم الأرض بقدمها حركة من حركات الرقص. ولقد نعي على الشعراء أنهم لا يحسنون اختيار الغواني. ورأيي أن الأمر ليس باختيار. وإنما اضطرار. ولو أجاد الشعراء الانتخاب لأرونا الملائكة لا الفتيات. ولا بصرناهم مع الحور العين لا الغادات. ولكن الشاعر الذي امتلأ خياله بخواطر الحب والجمال وفاض لا يكاد يبصر من إحدى الفتيات دلائل الود والعطف حتي يفيض عليها من كنز خاطره ملاحة موهومة ويصب عليها من مغاصة وهمه لآلئ حسن سرابي. من مصاغة خياله حلي جمال خلبي. وماذا يضر الشاعر الذي هذا شأنه أنه يعشق باطلاً ويلذ خدعة كاذبة ما دام يلذ ويعشق ومادام طرفه من البرق الخلب في بهجة ومتاع. وصدره في ثلج من المنظر الباطل الخداع؟ وثمت غلطة أريد أن أنبه إليها الناس. وهي أن الأدباء والمصورين ومن يشاكلهم من أهل الفنون السامية ربما يتسرب إلى ظنونهم إن رفض الغانيات إياهم يرجع إلى نقص في ثروتهم أو جاههم وإنهم قد يبلغون آمالهم عند نساء الطبقات الأدنى حيث ينظر إلى أدبهم ويحفل بطيب خلالهم وقوة ملكاتهم. وهذا منتهى الضلال وغاية الخطأ لأن رفض الغانيات إياهم راجع إلى عدم رضاهن عن أشخاصهم لا ثرواتهم ومنازلهم - راجع إلى سخطهن على غريب أفكارهم وشواذ أحوالهم. والمرأة العالية قد تفطن بعض الشيء إلى مراميهم وفحوى كلامهم. وتهتدي بعض الاهتداء إلى فهم أخلاقهم وطباعهم فأما نساء الطبقات المنحطة فلن يكن من أحوالهم إلا على عمياء. وفي ظلمة طخياء. وإذا استقبل المرأة

стр. 103

المهذبة غرائب أقواله وأحواله بابتسامة السخرية فلن تستقبلها المرأة الجاهلة إلا بالقهقهة العالية. وليس ببعيد أن تقذفه بالماء استهزاء واحتقاراً ثم تنادي أختها لترى تلك الأعجوبة والنادرة. وتحيل عليك حبيبها يسألك ماذا تعني بأقوالك تلك. وتهيج ليك القرية بأجمعها. حتى يصبح أمرك بينهم وكأنه رواية مضحكة وفكاهة تمثيلية ونادرة عجيبة يفنون في الضحك منها الليالي والأيام والعام فالعام فأولى بك أيها الفيلسوف والأديب والشاعر أن تصد عن الخادمات وبنات الطبقة المنخفضة إلى السيدات والعقائل وذوات البيوتات والاحساب فإن هؤلاء من محاسن الظن بأنفسهن ما قد ينطق عليه بعض أوصافك البديعة. وإن علوهن عن سائر النساء كعلو أفكارك عن سائر الأفكار! فأما الطبقة المنحطة والعيشة السافلة والخبث والجهل والمكر والخداع والخيانة فليس بينك وبينها شبه ولا تجمعك وإياها جامعة. ويا من يحسب أنه قد يبلغ إلا وطار ويدرك المنى من أهل هذه الطبقات بعقله وحكمته. وظرفه ورقته حذار من نزولك ذلك المعترك وأسلم بنفسك من وبال ذلك المرعى! ولا أحسب أن الحب لأول وهلة هو كما يزعم الناس نوع من الخرق والطيش لأن من عادة الإنسان أنه يصور لنفسه (قبل أن يعشق) - صورة الفتاة التي يود أن تكون محبوبته - يصورها في وهمه بيضاء أم سمراء. مكتنزة أم هيفاء. لعوباً أم خفرة. حتى إذا صادفتنا غادة قد اجتمعت لها تلك الصفات التي قد شغلبت أذهاننا وملأت مخيلاتنا أعطيناها الحب لأول وهلة واسكناها سويداء القلب للتو واللحظة. وكيف وإنها لضالتنا المنشودة وفيها تحققت تلك الآمال التي لم تك قبل رؤيتها إلا أضاليل أوهام. واضغاث أحلام. وإنها وإن لم تبد لنا إلا الآن فإن صورتها ما برحت نصب عين الذهن في كل لحظة وآن. وحشو ضمير الفؤاد وفراغ النفس في كل موضع ومكان. في اليقظة والمنام. والرحلة والمقام. ألا أيتها الغانية التي تامت فؤادي بأول نظرة وسحرت لبي لا تحسبي أن سلطانك على نفسي قد أزرى به أنه أتى فجاءة وجاء بغتاً. لأني وجدت في شخصك الحسن الجميل كل ما قد تمنيت من محاسن النساء وملائح المرأة! انفيليس لوليم هازلت لا تكاد المرأة الوضيعة النسب تنسى أصلها أو تحسب الناس ينسونه ولا ضير عليها من

стр. 104

لؤم الأعراق إذا حملت كرم الأخلاق ولا يشينها خبث المغرس إذا زانها طيب النفس ومن هذا القبيل منية الروح وريحانة القلب انفيليس وأما ويمين الله - حلفاً مؤكداً - لئن زينت بحضرتك السنية يوماً ما غرفتي وطيبت بوجودك العطر حجرتي وأضأت بغرتك المنيرة ظلمتي وآنست بنغمك الرخيم وحدتي وبجرسك الحلو وحشتي وبخصب حسنك وثمار جمالك وثروة بدائعك وملاحاتك جدبي وعدمي وفاقتي مثلما أنضرت بستان أملى وأكدت عريي أمنيتي لاروحن أسعد الناس طراً وأكثرهم نعمة وخيراً ولأصبحن بك داري كعبة ومنهل ومراد وذخر وكنز وروضة وفلك وليرين الناس فيك ماقرؤا من أقصى منتهي الشرف النسائي في تصوير شاكسبير وأبصروا في مبتدعات رافاييل وليطمح الطامحون بأبصارهم نحو الأميرات والشريفات فأنا الذي لا يتلع جيده إلا إلى بنات الرعاة والمتلببات وذوات الضراعة والتواضع وذرني من المسبلات الذيول الناعمات البنان الصادفات الاجياد المصعرات الخدود ولو ثنيت الأنامل على يراع شاعر كبير أو جعلت راحتي صهوة لريشة مصور شهير فجريت شوطاً في مضمار الوصف ونعت أولئك الفقيرات المتواضعات بما هن أهله لأنسيت رومير حب جوليت وأذهلت دون جوان عن جولياه! ثم لا أحب العالمات من النساء ولا أعبأ بمثقال ذرة بمن تعرف ما معنى التأليف والمؤلفين لأنه لا قيمة عندي بمعارفها الأدبية وإنما هي في نظري كمن يهدي القطر إلى البحر والثمر إلى هجر ولا أحب أن تقول لي الغانية أن كتاب كذا وكذا من وضعي وتأليفي لأنه شيء أنا به أعلم الناس ليس يزيد فتيلاً في قوتي وثقتي ببراعتي كلا أنا لا أريدها تفضي إلى فؤادي من هذا الطريق وإنما أود أن تقرأ صحيفة قلبي وما سطرت ثمت أقلام الهوى وتنظر إلى شغاف مهجتي وتبصر ما خرقت هنالك سهام الجوى إنما أريدها أن تحبني لذاتي من غير ما علة ولا سبب لأني أحب ذاتي من غير ما علة ولا سبب وكما أني أعشقها عاطلة من حليها عارية من حليها فكذلك أريد أن تعشقني عاطلاً من حلى الأدب عارياً من حلل الفصاحة والفلسفة! إنما حجتي على تقاضها العطف علي والميل إلي. هو عطفي عليها وميلي إليها. وإن صورتها أبداً نصب عيني. وبين جنبي. وإنه يخيل إلي أن الورد شبيه خدها والأقحوان نظير ثغرها ينبتان تحت قدميها. وإن عذب النعم يفيض من عذبات الأفنان عليها. فإن غابت فكل بقعة قفر. وكل منزل قبر.

стр. 105

كذاك أرى الأشياء إما حقيقة ... بدت لي وإما حلم مستيقظ حلم بذلك أشعر ولكن هل بحت به لها؟ كلا. وهل لو بحت به استطاعت أن تفهمه وتدركه؟ كلا. إنما أطلب العنقاء. وأخاطب الهواء وأصيح بالصحراء. وأعكف على دمية خرساء. وما كان نظر المرء إلى الجمال بجاعله جميلاً ولا ضناه في الحب بمستجلب عليه حب من يهوى. ولقد طالما جنحت إلى تعظيم قوة الحب وسلطانه وحسبت أنه ليس من شأن تلك القوة اللذيذة إلا الجمع بين الجميل والجميل والظريف والظريف. والمغرم والمغرم والمشغوف والمشغوف. وإنه لا يمتع بمناعمه. ويفوز بغنائمه إلا من يحمل في حشاه وجدانه وفي وجهه عنوانه. عشقاً مضمراً. وحسناً ظاهراً. ووجداً مستوراً. وجمالاً مشهوراً. وإذ كنت لست بالقسيم الوسيم وقفت أنظر إلى مواقف الحب ومواطن الغرام من بعد ويحجم بي أني لست من رجاله وأنه لم يك لمن أوتى قبح صورتي أن يدخل في زمرة القوم الحسان وما كان للغراب أن يندمج في سلك الطواويس. ولا للحنظل أن يرى نابتاً بين ريحان الفراديس وإني لا أريد أن أشوه بوجودي ذلك النادي البهي. والمحفل الوضي. أقول كان ذلك ظني زمنا ما. حتى علمت أني في ضلال وأن بعض الظن إثم. ثم دنوت من مواطن العشق والعشاق فإذا فيهم المقعد والزمن والضرير والمجذوم والأجذم والأبرص والدميم والمشوه والهرم والموهون وقانص اللذات وطالب الدنيا والمبذر الشحيح. والجبان والنذل والدجال واللص والأحمق والغر والغبي والجاهل وكل وغد لئيم أبعد الناس من ذوي الإحسان والحسن وجمال المنظر والمخبر. فلما وجدت كل هؤلاء ينزلون ساحة الحب ومر بخاطري أنه قد يجوز لي أن أحل ذلك الجناب. وألج ذياك الباب. مختفياً به في غمار تلك الجموع المزدحمة والوفودة المحتشدة ثم صممت فمضيت وما بلغت الباب حتى رفضت ورددت. حينئذ علمت أن رفضي وإرجاعي ليس لأني دون القوم بل لأني فوقهم. ولا أنكر أني أسفت (وإن كان أسفي هذا جديراً أن يعد عاراً وسوأة) لحرماني ورفضي عند ما رأيت أن أسفل النوع وأخس الناس الغوغاء والبغاث والحثالة والنفاية كانوا يقدمون علي ويلجون باب ساحة الحب دوني. عند ذلك خيل إلى أني جنس وحدي وإني عالم بذاتي مخالف لهذا العالم السافل. وصرت أفخر بالذي لقيت من الاهانة وأحس اللذة في الألم. وأذوق الشهد في العلقم. وعلمت أن لي مجالاً آخر. وإن حظي ومغنمي في غير تلك

стр. 106

السبيل! ومصداق ذلك أن خير ما كتبت. وأجود ما ألفت. والشيء الذي أنا جدير أن أفخر به وأتيه هو مقالتي في موضوع قواعد الأعمال الإنسانية وهو كتاب ما قرأته قط امرأة ولن تستطيع فهمه امرأة أبداً. ولماذا يسوءني أن أروح صفر اليد من النساء وليس عندي مصايدهن. وما لي أزرع الشوك وأنتظر العشب وأبذر القتاد وأرجو التفاح. لقد محت الفلسفة من ذهني الحب وأباد الفكر الهوى. وجبهتي المكفهرة هذه المقبلة على الحكمة والحق إنما هي الصخرة الصماء قد تحطمت عليها سفينة الغرام في ملتطم أمواج الفكر وطامي عباب الرأي والذكرى ومع ذلك فإني لآسف على حرماني ملاذ الهوى ومطايب تلكم المواقف! وتذهب نفسي حسرات وأنفاسي زفرات. فدهري مأتم وعمري مناحة وقلبي فريسة وجفني لطول التهطال غمامة. وقلمي لترجيع البكاء حمامة ونهاري من اسوداد الحداد دجى وليلي من اضطرام اللوعة ضحى. وكذلك قضيت أربعين من عمري أتلهف على نعيم العشق ولا أعطاه. وأشتاق طيب وصال ولا أملاه. وأتمنى وجه حبيب ولا أراه. حتى من به الله بعد الأربعين. ولكن مالي أشكو هذه الأربعين وأتهمها بالخلو من نعمة الجمال والحب إذا كان هذا الوجه الحسن الجميل المشرق المنير يعكس أضواءه على ظلمة تلك الأربعين حتي يرى وجه ماضي وهو من الفرح الجديد والحزن القديم مبتسم في دموعه. ثغور ابتسام في ثغور مدامع ... شبيهان لا يمتاز ذو السبق منهما إني في ذكرى انفليس في لذة لا توصف. وطرب لا يكيف وكأنما يخفق حوالي نور أرجواني. وضياء وردي وكأنما يهب في الحجرة صبا الغرام ونسيم الحب. وكأنما إذا نظرت إلى صورة الحبيبة تلك التي رسمتها بيدي توامضت على الرقعة أشعة ذهبية كعهدي بها يوم كنت أنقشها. وكأنما ينبت في ثرى نفسي أزهار الأمل والسرور كعهدي بها أول ما نبتت. فاذكر العصور الأول وتكر الاويقات السالفة راجعة. وتزدحم على داري السنين الخالية وتقرع الباب وتدخل. وكأني بمتحف اللوفر ثانياً. وكأن شمس أوسترلتز لم تغرب وكأنها لا تزال تشرق في قلبي وكأن فتى المجد وابن الفخار لم يمت وكيف وإنه ليحيى بين جنبي وسويداء مهجتي وكأني في شرخ الشباب وميعة الصبا وكأن الروض قد عاود زخرفه وأخذت الأرض زخاريها وعاد في السماء قزح وكأني أبصر بالعين أذيال

стр. 107

أثواب السنين الماضية وأكاد ألمس باليد حواشي أبراد الأزمن الخالية ولم يذهب سدى ولا مضى عبثاً كل ما أحسه قلبي وأجراه خاطري وقد أقف الآن على قبر الحرية فأنظم في ذكري الغرام نشيداً وأنضد في تجديد عهد الهوى قصيداً ويا أيتها الغانية إن كان ما أبديته لي من شواهد الحب خداعاً فأخدعيني به ما حييت ومنيني ما عشت أضاليل الأماني. علليني بموعد ... وامطلي ما حييت به دعيني أعش في ظل وصلك السجسج وأكتحل بسنا جبينك الوضاح وبروق ثغرك اللماح اقتليني باللثمات وأحييني بالبسمات واسحريني بالنظرات ولكن لا يزل هواك عابثاً بقلبي لاعباً بلبي هازئاً بحالي ساخراً من آمالي فالخديعة في الحب خير من الفطنة في النهى. سياحة النزهة من أمتع لذائذ الدنيا أن يسيح المرء للنزهة ولكني لا أجد تمام تلك اللذة إلا إذا سحت منفرداً ولا أنكر أني قد أنعم بمجالس الإخوان بين جدران البيوت فأما خارجها فحسبي بالطبيعة جليساً ورفيقاً فإن وحدتي بين أعطاف الطبيعة اجتماع وأنا بانفرادي هنالك أبعد ما أكون من الانفراد ثم لا أفهم معنى الجمع بين المشي والكلام وإني متى صرت بين الرياض والأرياف أحببت أن أنسى خواطري وأفكاري وهواجس وهمومي وأنزع شخصيتي وأخرج من إنسانيتي وأصير وسط النبات نباتاً أنا لا أريد أن أكون بين الشجر والبقول ذاك النقاد المعروف بأتناول الكرنب والكراث بذلك النقد الذي أتناول به الشعراء والكتاب وأجيل ملكة البحث والفحص بين البقر والشاء كما أجيلها في ذلك الفصل وذياك الباب وإنما خرجت من المدينة لأنسى المدينة. وما فيها من الزينة والشينة وقد أعرف من الناس من إذا ذهبوا للاصطياف بالأرياف والسواحل نقلوا معهم المدينة بجميع محتوياتها وأحوالها إلى تلك المصايف ولكني من يؤثر الوحدة متى ذهب إلى أماكن الوحدة ويحب العزلة إذا أوى إلى العزلة ولا التمس في الخلوة صديقاً أبث له ما أجد من لذة الخلوة. ورأيي أن روح السياحة هي الحرية التامة في الفكر والشعور والحركة والعمل حسب مشيئة الإنسان من حيث لا يحذر رقيباً ولا يخاف حسيبا وإنما نلجأ إلى السياحة من منغصات المجتمع وعوائقه وعقباته ولكي نفر من الناس ولكي أجد فسحة لفكري ومجالاً لخاطري ومتنفساً لأحساسي. حيث ينطلق من عنان التأمل ما كان قبل محبوساً ويرتاش من

стр. 108

جناح الوهم ما كان في المجتمع مقصوصاً إلا ذرنى برهة من أحاديث الخلان وأقاصيص الإخوان وأعطني سماء زرقاء وأرضاً خضراء وفجاً عريضاً وروضاً أريضاً وثلاث ساعات قبل الغداء ثم دعني وخاطري يسبح في آفاق التأمل ما شاء فلا أخالني إلا مطلقاً عنان المرح بين هاتيك الأودية والمروج أعدو وأثب كالطفل الصغير وأغرد من الطرب كالعصفور وأصعد على سلم الوهم إلى السحابة الوطفاء فأتعلق بأهدابها ثم ألقي من ثمت بنفسي في أعماق الزمن الماضي كما ينغمس الهندي الأحمر في هبوة اللجة الطموح فتقذف به إلى وطنه العزيز وتهديه إلى مسقط رأسه وعند ذلك تثير يد الذكرى دفائن الماضي وتخرج من بحاره غرقى الحادثات الخالية وكسور الآمال التي تحطمت سالفاً في زوابع الشسقاء على صخور النحس في جو قد خبت مصابيح هداه وغارت نجوم سعوده فتخرج تلك الحوادث الغرقى وكسور هاتيك الآمال واللذات والأماني من تحت أمواج الغابر وتبدو لعيني اللهيفة رافلة في أقشب حلل الجدة وأبهى رونق البهجة نعم وتستريح أذني من لجب الجدال وضجة المناظرة ويعوضها الله من سكوت المجالس تتخلله كواذب الفصاحة ومتصنعات الحكمة سكوتاً عميقاً محضاً هو في مذهبي عين الحكمة والفصاحة وليس أحد أميل مني إلى التورية والكناية وسائر صنوف البديع وإلى المحاججة والمحاورة والنقد والتحليل ولكني قد أسأمها أحياناً واللذة تحب وتسأم ولقد أقول مع القائل دعوني هينهة أسترخ! إنكم في شان وأن في شان فإن عبتم ما أنا فيه وقلتم باطل وغى وخمود القريحة ورقدة الذهن قلت لكم هكذا تحسبون وإنكم لفي ضلال وما كنت قط أحبى شعوراً مني الساعة وأيقظ وجداناً وأشد توقداً وأذكى ذكاء أوليست هذه الوردة لذيذة المجتلى من غير شرح ولا مناقشة؟ أولم يشرب إحساسي جمال هذه الزهرة من غير مساعدة برهان ولا معونة نظرية؟ إن قلبي ليطفر نحو هذه الريحانة وإن تلك الريحانة لتطفر نحو قلبي! فإن تسلني سبب ذلك فبينته لك سخرت منه وضحكت مني (وإنما السبب هو أنها تذكرني بحادث لذة مضى ربما احتقرته أنت ولكنه كان عندي مكان الروح قيمة ومقدارا) أفليس إذن من العقل أن أكتم السر في حشاي فأصونه عن مهانة سخرك منه واستهزائك؟ وأجعله لنفسي ذكرى لذيذة أقطع بها الساعات والمسافات ومن ثم لا أكون للمساير ذلك الرفيق المؤنس والصاحب الممتع فأولى بي أن أترك لنفسي فأسير منفرداً وقد يقول قائل لم لا

стр. 109

تجمع بين مسايرة الغير ومحادثة نفسك - بين مرافقة الصديق ومناجاة الخاطر والذكرى فلذلك القائل أقول إن هذا من سوء الأدب وانتهاك حرمة العشرة وإنه لمن الرياء وضرب من الخديعة وإنما يجب على المرء أن يترك نفسه إما لمشيئة الرفقاء مطلقاً وإما لمشيئة نفسه وقد سرني من المستر كوبيت إنكاره من الفرنسيين الجمع بين الغداء وشرب الراح في الوقت بعينه وكذلك أنا لا أقدر على الجمع بين الكلام والتأمل - بين المحاورة الحثيثة والتفكير العميق ولا أقول مع الكاتب ستيرن إن لم يكن في استصحاب الرفيق إلا أني أذكر له كيف يطول الظل على انحدار الشمس لكفي بذلك علة. لي على استصحابه. هذا قول بديع من ستيرن ولكني لا أوافق على الفكرة. لأن التحدث في شأن مناظر الطبيعة يضعف من روعة تأثير تلك المناظر في الشعور ويفسد من حسن وقعها في النفس. فإذا اكفتيت من الاسهاب في شرح جمال تلك المناظر بالاختصار ومن العبارة بالإشارة جاء قولك مقتضباً أبتر جافاً مبهماً. وإن شرحت وأفضت جولت لذة المنظر تعباً. وعفوه نصباً. وكتاب الطبيعة أن تنظر في سطوره يغرك بأن تفسر للرفيق آياته. وتشرح للمساير عباراته. ومن ثم إيثاري الانفراد في النزهة حتى لا أحمل على تنغيص لذة السكينة بالكلام وتكدير منهل الفكر باعتلاج دلاء المحاورة والمناقشة. وإنما للجمع والادخار تلك الساعة. وغيرها للتفسير والرأي والمناظرة. وإنما أريد أثناء النزهة أن أرى خواطري تطفو وترسب في ذهني كأنها نتف زغب الطائر تهفو على حاشية النسيم ولا أريد أن تنشب فيها أشواك الجدال والمباحثة. وإني لا آبي على أي امرئ أن أطوي معه عشرين فرسخاً بالمناظرة ولكني أعلم أنه لا لذة في ذلك. فإني إن ذكرت للرفيق أن ذلك الحقل طيب الرائحة جازان يكون مزكوماً أو معدوم حاسة الشم. أو أومأت إلى شيء قصى لم يبعد أن يكون قصير النظر فيستعين بمرقبه ثم قد تحس في الهواء لذة خفية أو تبصر في لون إحدى السحب بهجة غير معهودة تملأ وجدانك ثم يعيبك أن تصفها أو تبين سببها. فيصبح ليس بينك وبين الرفيق ائتلاف إحساس واتحاد خاطر. متلاصقين جثماناً متباعدين وجداناً وتحاول أن توجد تلك الألفة الاحساسية فيعييك فتساء وتختم بالسخط نزهتك. ولو أن في يدي مفاتيح خزائن اللفظ الأنيق وقد تفجرت على لساني ينابيع البلاغة والبيان لحاولت أن أوقظ تلك الخواطر التي ترقد على مذهب رداء الشفق

стр. 110

ومعصفر ملاءة الغروب. ولكن خيالي الضعيف متى واجه عروس الطبيعة أغضى هيبة وأطرق حيرة وطوى إبراده كبعض الزهر ساعة الأصيل وكذلك أعجز كل العجز عن صفة تلك المشاهد وأنا حيالها وبين أيديها. فأما بعد ذلك بزمن - بعد الادكار والاستحضار والروية - فذاك شيء آخر. وعلى كل حال فالصمت والسكينة للنزهة والطبيعة. وبديع الوصف وغريب التصوير للغرفة والمحفل. ولذلك كان صديقي الكاتب الممتع شارلس لام أسوأ رفيق في النزهة لأنه أحسن جليس في الغرفة ولا أنكر أن هناك موضوعاً واحداً يرتاح المرء إلى طروقه أثناء السياحة - وهو الكلام في شأن طعام العشاء وماذا نتناول من الألوان في المطعم الذي نحن قاصدوه بأقرب قرية. فإن هذه المحادثة لتستعير لذة وتستفيد حلاوة من الهواء الفضفاض من حيث أنه يشحذ الشهوة ويسن أنياب الجوع. وكل فرسخ يطوي بهذا الحديث يحسن طعم الطعام المنتظر ويطيب مذاق الألوان المتوهمة ثم ما أمتع أن يطرق الإنسان لدى مسقط ظلال الليل بلدة قديمة ذات أسوار وحصون أو يأتي قرية متاطمنة الذرى تتعثر أشعة أضوائها فيما يلفها من ملاحف الظلماء فيلقى بها عصار التسيار ويتبوأ دمثاً ليناً وثيراً. هذه يا سيدي نعم جليلة ولذات يجب أن لا تكدر بالشريك الذي لا يذوقها حق مذاقها ولا يلذها تمام اللذة. ولذلك أرى أن أصونها عن المزريات المجحفات وأن أخص بها نفسي وأتنزه فيها عن الشريك والمنازع. وأن أشرب كأسها الروية فأشتف صبابتها وبعد ذلك إن من الله بالفراغ والقدرة وصفتها باللسان ثم بلسان الدواة وما ألذ أن نتناقش بعد شرب الشاي - ذاك الشراب الذي يسر ولا يسكر - وبعد أن نترك أوعية العقول مجالاً ومرتقى لدخانه وضبابه - أن نأخذ في حديث ماذا نأكل للعشاء - بيضاً وشواء أم أرنباً دفيناً في البصل والأرز أم ماذا؟ وقد أذكر أن سانكو صمم في مثل هذه الحالة على كوارع وهو طلب ألجأته إليه الضرورة وليس بمنتهى الحطة. ثم ما ألذ أن تسمع في خلال نجواك. واثناء ذكراك. صليل المراجل والمغارف وآلات المطبخ وهرولة الخدام ولك ما يصحب ذلك من الحركة وأصوات الاستعداد والخدمة (لنصب الخوان للسيد الضيف) هذا والله العيش وتلك الرفاهية والخفض! وأنها لساعات من حقها أن تصان في هيكل الصمت وتقدس في محراب الخيال وتدخر في وعاء الذكرى
следующие страницы →