← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7334

وسطية أهل السنة بين الفرق

محمد با كريم محمد با عبد الله

Полный текст (520 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فأما الظني من الخبر الصحيح فلال يعتد به الحكم الإسلامي في بناء العقيدة؛ لأنه إنما يفيد الظن، ولقد نهى القرآن -في مجال البحث في العقيدة- عن اتباع الظن"١. وهكذا نرى الأشاعرة في ماضيهم، وحاضرهم، يقفون من النقل والمسع موقفًا ليس لهم سلف فيه إلا المعتزلة. فقد جعلوا العقل أصلًا يرجع إليه، وجعلوا ما جاءت به الأنبياء تبعًا له؛ فما وافق عقولهم قبلوه، وما خالفها ردوه، أو تأولوه على مقتضى عقولهم. فهل هذا الموقف الذي اتخذه الأشاعرة من النقل بصفة عامة، ومن السنة بصفة خاصة، يؤهلهم لأن يكونوا هم أهل السنة؟ كيف وقد عد أهل العلم بالسنة من أهم ما يميز أهل السنة من أهل البدعة تقديم النقل والأثر والاحتكام إليهما؛ كما يقول أبو المظفر السمعاني: "وأعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو: مسألة العقل؛ فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الإتباع والمأثور تبعًا للمعقول. وأما أهل السنة قالوا: الأصل في الدين الإتباع، والعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول، لاستغنى الخلق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء"٢. وعدوا من أهم علامات أهل السنة أنهم عند التنازع يدعون إلى التحاكم إليها دون آراء الرجال وعقولها؛ بينما أهل البدع يدعون إلى التحاكم إلى آراء الرجال ومعقولاتها٣.

стр. 72

وهؤلاء -الأشاعرة- يقضي قانونهم الكلي الذي وضعوه، بالرجوع عند الاختلاف إلى العقل كما تقدم. فما جوزه قبل، وما اعتبره مستحيلًا وجب تأويله إن كان قطعي الثبوت، وإن كان ظنيًا اشتغل بتأويله على سبيل التبرع، أورد لعدم حجيته. وبذلك ردوا، وأولوا كثيرًا من نصوص الشرع، مما أفضى بهم إلى القول بقول الجهمية تارة، كما في مسألة الإيمان مثلًا، والقدر، ويقول المعتزلة تارة في نفي وتأويل بعض الصفات التي جاء بها السمع الصحيح. ولا نشتغل بذكر ذلك هنا؛ إذ سنبين موضعهم عند الكلام على وسطية أهل السنة بين طرفي الإفراط والتفريط، في كل باب إن شاء الله تعالى. وإنما اكتفى هنا بالإشارة إلى أن موافقتهم للمعتزلة في قضية العقل والنقل جرتهم غلى موافقتهم في كثير مما خالفوا فيه السلف من أهل السنة والحديث والأثر. وبعد هذا العرض لموقف الأشاعرة من قضية النقل، وما ترتب عليه من مخالفة السلف، وموافقة أهل البدع. يتبين لنا أن دعوى الأشاعرة أنهم أهل السنة دعوى عريضة لم يستطيعوا أن يدللوا عليها؛ فهم لم يلتزموا بها برروا به اعتبار أنفسهم أهل السنة والفرقة الناجية وهو زعمهم أنهم هم من بين فرق الأمة الذين على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه١. وأنهم يقبلون ما صح من سنته صلى الله عليه وسلم٢. فإنهم وإن قبلوا شيئًا من سنته ﷺ ، لم يقبلوه لكونه سنة يجب التسليم

стр. 73

لها؛ وإنما قبلوه لكون العقل دل على ما جاءت به السنة، بدليل أنه إذا كان النص وإن صح معارضًا للعقل -في نظرهم- لم يقبل، فإما أن يرد أو يؤول كما تقدم. ومن كان هذا حاله لا يكون من أهل السنة، وإن أصاب السنة كما جاء عن الإمام أحمد، إن صاحب الكلام لا يكون من أهل السنة وإن أصابها١. لأنه لم يستمد من السنة أو يتلقي منها ويسلم لها؛ فمن تلقى من السنة واستمد منها فهو من أهلها وإن أخطأ -أي: في فهمها، ومن تلقى من غيرها؛ فقد أخطأ وإن وافقها في النتيجة.

стр. 74

سادسًا: سلف الأشاعرة وموقف أهل السنة منهم سلف الأشاعرة: قبل أن أذكر مواقف أهل العلم من ادعاء الأشاعرة أنهم أهل السنة، أرى أن نتعرف على سلف الأشاعرة، وموقف علماء أهل السنة من السلف منهم. تشير المصادر التي بين أيدينا بما فيها كتب الأشاعرة أنهم -إلى أن سلفهم في مقالتهم هو عبد الله بن سعيد بن كلاب١، وأبو العباس القلانسي٢، والحارث المحاسبي٣.

стр. 75

يقول الشهرستاني "٤٧٩- ٥٤٨ هـ" -بعد أن بين أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون صفات الله من غير تفرقة بين الصفات الذاتية منها والصفات الفعلية: "حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي، وأبي العباس القلانسي، والحارث بن أسد المحاسبي. وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام، وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية، وبراهين أصوليه، وصنف بعضهم، ودرس بعض، حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه١ مناظرة في مسائل من مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما، وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة، فأيد مقالتهم بمناهج كلامية، وصار ذلك مذهبًا لأهل السنة والجماعة، وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية"٢. وكلام الشهرستاني يفيد صراحة؛ أن مذهب الأشعرية إنما تلتمس أصوله لدى جماعة من الصفاتية باشروا الكلام وأثبتوا الصفات من أمثال الكلابي، والقلانسي والمحاسبي٣. ويعتبر الأشاعرة ابن كلاب، إمام أهل السنة في عصره، ويعدونه شيخهم الأول فيقولون: "ذهب شيخنا الكلابي عبد الله بن سعيد إلى"٤. كما يذكرونه وكذا القلانسي في كتبهم مشيرين إلى أنهما من أصحابهم٥.

стр. 76

فهؤلاء هم سلف الأشعرية، وقد كانوا من جملة السلف، ثم باشروا علم الكلام، فجرهم ذلك إلى مخالفة السلف في بعض ما يقولون وموافقة المعتزلة في بعض أصولهم، وأشهر ما خالفوا فيه السلف ووافقوا فيه المعتزلة مسألة قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين: فأهل السنة والجماعة: يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها. والجهمية من المعتزلة وغيرهم: تنكر هذا، وهذا. فأثبت ابن كلاب: قيام الصفات اللازمة به، ونفي أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي وأبو الحسن الأشعري١ وغيرهما"٢. فوافق السلف والأئمة من أهل السنة في إثبات الصفات، ووافق الجهمية في نفي قيام الأفعال الاختيارية وما يتعلق بمشيئته وقدرته؛ فكان في مسلكهم ميل إلى البدع ومخالفة للسنة ومقارفة للكلام مما جعل علماء السلف من أهل السنة يحذرون منهم. وقد كان الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة "١٦٤- ٢٤١ هـ" من أشدهم في ذلك؛ فقد هجر الحارث بن أسد المحاسبي لأجل ذلك. كما

стр. 77

يقول: أبو القاسم النصر أباذي١: "بلغني أن الحارث المحاسبي تكلم في شيء من الكلام فهجره أحمد بن حنبل فاختفى، فلما مات لم يصل عليه؛ إلا أربعة نفر"٢. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر من ابن كلاب وأتباعه"٣. وقال: "والإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة كانوا يحذرون من هذا الأصل الذي أحدثه ابن كلاب ويحذرون من أصحابه". وهذا هو سبب تحذير الإمام أحمد عن الحارث المحاسبي ونحوه من الكلابية٤. وقال الإمام أبو بكر ابن خزيمة "ت ٣١١ هـ" لما قال له أبو علي الثقفي٥: "ما الذي أنكرت أيها الأستاذ من مذاهبنا حتى نرجع عنه؟

стр. 78

قال: ميلكم إلى مذهب الكلابية؛ فقد كان أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبد الله بن سعيد بن كلاب، وعلى أصحابه مثل الحارث وغيره"١. وكان ابن خزيمة ﵀ شيخ الإسلام وإمام الأئمة في زمنه، شديدًا على الكلابية، منابذًا لهم. فإذا كان هذا موقف إمام أهل السنة أحمد بن حنبل من الكلابية الذين هم سلف الأشاعرة، مع موافقتهم لأهل السنة في أكثر أقوالهم كما يدل عليه قول أبي الحسن الأشعري: "فأما أصحاب عبد الله بن سعيد القطان؛ فإنهم يقولون بأكثر مما ذكرناه عن أهل السنة"٢. وكان ابن كلاب والمحاسبي يثبتون لله صفة العلو، والاستواء على العرش، كما يثبتون الصفات الخبرية كالوجه واليدين وغيرهما٣. فكيف بمتأخري الأشاعرة الذين يؤولون ذلك كله، ويوافقون المعتزلة والجهمية في كثير من أقوالهم، مخالفين بذلك أئمة السلف من أهل السنة بل مخالفين سلفهم ابن كلاب وأصحابه. فما هو موقف علماء أهل السنة منهم؟ وهل أقروهم على دعواهم أنهم أهل السنة؟ ذلك ما سنقف عليه في الصفحات التالية:

стр. 79

سابعا: موقف علماء أهل السنة من دعوى الأشاعرة أنهم أهل السنة القول الأول ... سابعًا: موقف علماء أهل السنة من دعوى الأشاعرة أنهم أهل السنة بتتبع كلام أهل العلم من علماء أهل السنة نجد أقوالهم في ذلك متفاوتة ما بين متشدد، دعاه لذلك ما وقف عليه من مخالفة القوم للسنة، وموافقتهم للجهمية والمعتزلة في بعض أقوالهم؛ فبدعهم وحذر منهم ولم ير استحقاقهم للقب "أهل السنة" الذي يدعونه. وبين متساهل يعدهم من أهل السنة، لما رأى من موافقتهم للسنة في بعض المسائل. وبين هؤلاء وهؤلاء حاول بعض من أهل العلم التدقيق في المسألة والقول فيها بشيء من التفصيل. وفرق بعض أهل العلم بين متقدميهم ومتأخريهم؛ فعد المتقدمين منهم أقرب إلى أهل الحديث والسنة، المتأخرين أقرب إلى الجهمية والمعتزلة. وإليك تفصيل أقوالهم مرتبة حسب التصنيف ألذي ألمحنا إليه: القول الأول: قول بعض أهل العلم: أن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة وإنما هم أهل كلام، عدادهم في أهل البدعة. وممن ذهب إلى ذلك: الإمام أبو نصر السجزي١ "ت ٤٤٤ هـ"؛ حيث يرى أنهم محدثة وليسوا أهل السنة؛ فيقول في فصل عقده لبيان السنة ما هي؟ وبم يصير المرء من أهلها؟ "فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله، فإن أتى بذلك علم صدقه، وقيل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف، علم أنه محدث زائغ، وأنه لا يستحق أن يصغي إليه أو ينظر في قوله، وخصومنا المتكلمون معلوم منهم أجمع اجتناب النقل والقول به بل تمحينهم لأهله ظاهر، ونفورهم عنهم بين، وكتبهم عارية عن إسناد بل يقولون: قال الأشعري، وقال ابن كلاب، وقال القلانسي، وقال الجبائي.

стр. 80

ومعلوم أن القائل بما ثبت من طريق النقل الصحيح عن الرسول ﷺ لا يسمى محدثًا؛ بل يسمى سنيًا متبعًا، وأن من قال في نفسه قولًا وزعم أنه مقتضي عقله، وأن الحديث المخالف لا ينبغي أن يلتفت إليه؛ لكونه من أخبار الآحاد، وهي لا توجب علمًا، وعقله موجب للعلم يستحق أن يسمى محدثًا مبتدعًا، مخالفًا، ومن كان له أدنى تحصيل أمكنه أن يفرق بيننا وبين مخالفينا يتأمل هذا الفصل في أول وهلة، ويعلم أن أهل السنة نحن دونهم، وأن المبتدعة خصومنا دوننا"١. بل يذهب ﵀ أبعد من ذلك فيرى أن ضررهم أكثر من ضرر المعتزلة؛ فيقول: "ثم بلي أهل السنة بعد هؤلاء -أي: المعتزلة- بقوم يدعون أنهم من أهل الاتباع، وضررهم أكثر من ضرر المعتزلة وغيرهم وهم أبو محمد بن كلاب وأبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري"٢. معللًا رأيه هذا بقوله: "فهؤلاء يردون على المعتزلة بعض أقاويلهم ويردون على أهل الأثر أكثر مما ردوه على المعتزلة"٣، وقوله: "لأن المعتزلة قد أظهرت مذهبها ولم تستقف٤ ولم تموه". بل قالت: إن الله بذاته في كل مكان وإنه غير مرئي، وأنه لا سمع له ولا بصر؛ فعرف أكثر المسلمين مذهبهم وتجنبوهم وعدوهم أعداء. والكلابية، والأشعرية قد أظهروا الرد على المعتزلة، والذب عن السنة وأهلها، وقالوا في

стр. 81

القرآن وسائر الصفات ما ذكرنا بعضه١"٢. وممن عدهم من أهل البدع محمد بن أحمد بن خويز منداد المصري المالكي٣؛ فقد روى عنه ابن عبد البر: أنه قال في كتاب الشهادات من كتابه "الخلاف"، في تأويل قول مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء٤ قال: "أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام؛ فكل متكلم فهو

стр. 82

من أهل الأهواء والبدع أشعريًا كان أو غير أشعري، ولا تقبل لها شهادة في الإسلام أبدًا، ويهجر ويؤدي على بدعته"١. ومن المتأخرين: الشيخ ابن سحمان٢، والشيخ عبد الله أبو بطين٣ كما سيأتي ذكر قولهما في ذلك في معرض ردهما على السفاريني في اعتباره الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة.

стр. 83

القول الثاني: قول من عدهم من أهل السنة، ومن هؤلاء: السفاريني "١١١٤- ١١١٨"؛ حيث قسم أهل السنة إلى ثلاث فرق فقال: "أهل السنة والجماعة ثلاث فرق": ١- الأثرية: وإمامهم أحمد بن حنبل. ٢- والأشعرية: وإمامهم أبو الحسن الأشعري١.

стр. 84

٣- والماتريدية: وإمامهم أبو منصور الماتريدي"١. ولم يسلم ذلك له فقد تعقبه في الحاشية بعض أهل العلم ولعله الشيخ ابن سحمان فقال: "هذا مصانعة من المصنف رحمه الله تعالى في إدخاله الأشعرية والماتريدية في أهل السنة والجماعة؛ فكيف يكون من أهل السنة والجماعة من لا يثبت علو الرب سبحانه فوق سماواته، واستواءه على عرشه ويقول: حروف القرآن مخلوقة، وإن الله لا يتكلم بحرف وصوت، ولا يثبت رؤية المؤمنين ربهم في الجنة بأبصارهم؛ فهم يقرون بالرؤية ويفسرونها بزيادة علم يخلقه الله في قلب الرائي. ويقول: الإيمان مجرد التصديق وغير ذلك من أقوالهم المعروفة المخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة"٢. كما علق على ذلك أيضًا الشيخ عبد الله بابطين "ت ١٢٨٢ هـ" بقوله: "تقسيم أهل السنة إلى ثلاث فرق فيه نظر؛ فالحق الذي لا ريب فيه أن أهل السنة فرقة واحدة، وهي الفرقة الناجية التي بينها النبي ﷺ حين سئل عنها بقوله: "هي الجماعة"، وفي رواية: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"، أو "من كان على ما أنا عليه وأصحابي". قال: وبهذا عرف أنهم المجتمعون على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ولا يكونون سوى فرقة واحدة. قال: والمؤلف نفسه يرحمه الله لما ذكر في المقدمة هذا الحديث، قال في النظم: وليس هذا النص جزمًا يعتبر ... في فرقة إلا على أهل الأثر يعني بذلك: الأثرية. وبهذا عرف أن أهل السنة والجماعة هم فرقة واحدة الأثرية والله أعلم٣. وممن ذهب مذهب السفاريني. الأستاذ: أحمد عصام الكاتب، فقال في

стр. 85

بيان أهل السنة من هم: "وبالجملة فهم: أهل الحديث، والأشاعرة، والماتريدية؛ لأنهم جميعًا التزموا أسس العقيدة وأصولها"١. ولا يخفى ما في هذا الكلام من تجوز وتساهل، فإن الخلاف بينهم ولا سيما بين أهل الحديث، وبين الأشعرية والماتريدية، هو في أسس العقيدة وأصولها، ومن أهم هذه الأسس مسألة النقل٢ التي تقدم الحديث عنها. ومن هؤلاء: الدكتور: أحمد محمود صبحي؛ حيث قال في كتابه "في علم الكلام": "ولكن ليس للأشعرية حق الادعاء أنها تعبر عن فرقة أهل السنة والجماعة؛ وإنما تجاذب هذه الفرقة فريقان: ١- مذهب السلف من أهل السنة منذ الإمام أحمد بن حنبل إلى أن بلغ به ابن تيمية ذروة التبلور والتماسك. ٢- مذهب الخلف من أهل السنة وتشارك الصفاتية والأشعرية فيه مذاهب أخرى أهما الماتريدية٣. فعد الأشعرية من أهل السنة، وإن كان لا يرى انفرادها بذلك.

стр. 86

القول الثالث: قول من يرى أنهم من أهل السنة فيما وافقوا فيه أهل السنة من أبواب الاعتقاد. وممن قال بذلك: الشيخ عبد العزيز بن باز -متع الله بحياته- حيث قال جوابًا على قول الصابوني: "أن التأويل لبعض الصفات لا يخرج المسلم عن جماعة أهل السنة". قال: "صحيح في الجملة فالمتأول لبعض الصفات كالأشاعرة لا يخرج بذلك عن جماعة المسلمين ولا عن جماعة أهل السنة في غير باب الصفات١؛ ولكنه لا يدخل في جماعة أهل السنة عند ذكر إثباتهم للصفات وإنكارهم للتأويل. فالأشاعرة وأشباههم لا يدخلون في أهل السنة في إثبات الصفات لكونهم قد خالفوهم في ذلك وسلكوا غير منهجهم؛ وذلك يقتضي الإنكار عليهم وبيان خطئهم في التأويل، وأن ذلك خلاف منهج الجماعة. كما أنه لا مانع أن يقال: إن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة في باب الأسماء والصفات، وإن كانوا منهم في الأبواب الأخرى٢، حتى يعلم الناظر في مذهبهم أنهم قد أخطئوا في تأويل بعض الصفات وخالفوا أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإسحان في هذه المسألة، تحقيقًا للحق وإنكارًا للباطل وإنزالًا لكل من أهل السنة والأشاعرة في منزلته التي هو عليها"٣. وممن ذهب إلى ذلك الدكتور: صالح الفوزان؛ حيث قال في تعقيبه على ماقلات الصابوني: "نعم هم -يعني: الأشاعرة -من أهل السنة والجماعة في بقية أبواب الإيمان والعقيدة التي لم يخالفوهم فيها، وليسوا منهم في باب الصفات وما خالفوا فيه، لاختلاف مذهب الفريقين في ذلك"٤.

стр. 87

القول الرابع: اعتبارهم من أهل الإثبات والتفريق بين أئمتهم المتقدمين ومتأخريهم. وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يرى: أنهم يعدون من أهل الإثبات؛ لكونهم يثبتون بعض الصفات، وأنهم أقرب إلى أهل السنة من باقي الطوائف، على أنه يفرق بين أئمتهم المتقدمين وبين متأخريهم فعد المتقدمين أقرب إلى السلف وأهل السنة، وجعل المتأخرين أقرب إلى الجهمية والمعتزلة، لعظم موافقتهم لهم في كثير من أقوالهم. يقول ﵀ في معرض كلامه عن درجات الجهمية: "وأما الدرجة الثالثة فهم: الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية؛ لكن فيهم نوع من التجهم كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة، لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية، أو غير الخبرية ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها، ومن هؤلاء من يقر بصفاته الخبرية الواردة في القرآن دون الحديث كما عليه كثير من أهل الكلام. ومنهم من يقر بالصفات الواردة في الأخبار أيضًا في الجملة لكن مع نفي وتعطيل لبعض ما ثبت بالنصوص وبالمعقول وذل كأبي محمد بن كلاب١، ومن أتبعه وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري٢ وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف، وهؤلاء إلى أهل السنة المحضة أقرب منهم إلى الجهمية والرافضة والخوارج، لكن انتسب إليهم طائفة هم إلى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة. فإن هؤلاء ينازعون المعتزلة نزاعًا عظيمًا فيما يثبتونه من الصفات، وأما المتأخرون فإنهم والوا المعتزلة وقاربوهم وقدموهم

стр. 88

على أهل السنة والإثبات وخالفوا أوليهم"١. وقال في "شرح الأصفهانية": "وأن الأشعرية أقرب إلى السلف والأئمة وأهل الحديث. وقال: عن متأخري الأشاعرة: فإن كثيرًا من متأخري أصحاب الأشاعري خرجوا عن قوله إلى قول المعتزلة أو الجهمية أو الفلاسفة"٢. والذي أراه أنه لا بد من التفصيل التالي في اعتبار الأشاعرة من أهل السنة أو إخراجهم عنهم، ولا يطلق عليهم أنهم أهل السنة أو من أهل السنة بإطلاق؛ لأنهم ليسوا على السنة المحضة في كثير من أمور السنة في الاعتقاد، ولا يطلق أنهم ليسوا من أهل السنة؛ لأنهم يدخلون في مسمى أهل السنة بالاعتبارات الآتية: ١- هم من أهل السنة: بالمعنى العام لمصطلح أهل السنة، والذي يدخل فيه جميع المنتسبين إلى الإسلام عدا الرافضة. كما تقدم لنا في مبحث تعريف أهل السنة. ٢- وهم من أهل السنة: في أمور العبادات والعمليات؛ لأن السنة تشمل أمور الاعتقاد والعبادة والأعمال. كما تقدم نقل قول شيخ الإسلام ابن تيمية وفيه: "ولفظ السنة في كلام السلف يتناول السنة في العبادات، وفي الاعتقادات"٣.

стр. 89

والأشاعرة في أمور العبادات ليس لهم من الأقوال ما يخرجهم عن أهل السنة في الجملة١. فبهذه الاعتبارات يعد: الأشاعرة من أِهل السنة. ولكن لما كان اسم "أهل السنة" إذ أطلق فهم منه أمور العبادات والاعتقادات جميعًا؛ بل هو بأمور الاعتقاد أخص، كما قال شيخ الإسلام في معنى "أهل السنة": "وقد يراد به: أهل الحديث والسنة والمحضة، فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله، تعالى، ويقول القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، ويثبت القدر وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل الحديث والسنة"٢. ورأينا الأشاعرة ليسوا على السنة المحضة في كل أبواب الاعتقاد، ومسائله التي ذكر الإمام أحمد طرفًا منها وبين أن من خالف فيها لا يعد من أهل السنة كما سيأتي فهل نقول: هم من أهل السنة؛ لأنهم وافقوا السنة في بعض أبواب ومسائل العقيدة، أم نسحب عنهم هذا الاسم لمخالفتهم للسنة في بعض المسائل والأبواب؟ هذا مناط الخلاف في كونهم من أهل السنة أوليسوا من أهلها. فمن تغاضى عن المسائل التي خالفوا فيها أهل السنة، قال هم من أهل السنة؛ لأنهم من أهل السنة قال هم من أهل السنة؛ لأنهم من أهل السنة في أبواب العبادات ولم يخرجوا عن اعتقاد أهل أهل السنة في كل أبواب الاعتقاد. وعلى هذا يخرج عد السفاريني وغيره إياهم من أهل السنة.

стр. 90

ومن رأى أنه لا يستحق اسم "أهل السنة" إلا من وافق السنة في أمور العبادات والاعتقادات، ومن خالف مذاهب أهل السنة وسلف الأمة في شيء من ذلك ولا سيما في أبواب الاعتقاد؛ فإنه لا يستحق اسم "أهل السنة". قال: ليس الأشاعرة من أهل السنة، وعلى هذا يخرج قول من قال: ليسوا من أهل السنة كالإمام السجزي والشيخ بابطين وغيرهما. وربما وجد ما يؤيد هذا الاتجاه في كلام أئمة السلف؛ حيث عدد كثير منهم مسائل الاعتقاد التي يكون المرء إذا استكملها من أهل السنة، وإن أخل بشيء منها؛ فليس هو من أهل السنة، وذلك مثل: قول الإمام أحمد: "هذه مذاهب أهل العلم، وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروتها المعروفين بها، المقتدي بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت من علماء الحجاز، والشام وغيرهما عليها؛ فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أو طعن فيها، أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة زايل عن منهج السنة وسبيل الحق؛ فكان قولهم: إن الإيمان قول وعمل ونية وتمسك بالسنة، والإيمان يزيد وينقص"١، ثم ذكر جملة اعتقاد أهل السنة. وقول علي بن المديني: "السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها، أو يؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره ثم تصديق الأحاديث والإيمان بها. إلى آخر الاعتقاد"٢. وقول عبد الله بن المبارك: "أصل اثنين وسبعين هوى: أربعة أهواء فمن هذه الأربعة الأهواء تشعبت الاثنان وسبعون هوى القدرية، والمرجئة والشيعة والخوارج.

стр. 91

فمن قدم أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا على أصحاب رسول الله ﷺ ولم يتكلم في الباقين إلا بخير ودعا لهم؛ فقد خرج من التشيع أوله وآخره. ومن قال: الإيمان قول وعمل يزيد يونقص فقد خرج من الأرجاء أوله وآخره. ومن قال الصلاة خلف كل بر وفاجر، والجهاد مع كل خليفة، ولم ير الخروج على السلطان بالسيف ودعا لهم بالصلاح؛ فقد خرج من قول الخوارج أوله وآخره. ومن قال: المقادير كلها من الله خيرها وشرها يضل من يشاء ويهدي من يشاء؛ فقد خرج من قول القدرية أوله وآخره، وهو صاحب سنة"١. وقول: عبيد الله بن بطة العكبري: "ونحن ذاكرون شرح السنة ووصفها، وما هي في نفسها، وما الذي إذا تمسك به العبد ودان الله به سمى بها واستحق الدخول في جملة أهلها، وما إن خالفه أو شيئًا منه دخل في جملة من عبناه وذكرناه وحذر منه من أهل البدع والزيع؛ فما أجمع على شرحنا له أهل الإسلام وسائر الأمة منذ بعث الله نبيه ﷺ وقتنا هذا، ثم ذكر الإيمان والات والقدر وغيرها من أمور الاعتقاد"٢. فكلام هؤلاء الأئمة المعتبرين المقتدى بهم صريح في أن أحدًا لا يرقي ولا يتأهل لحمل لقب "صاحب سنة" أو أنه "من أهل السنة"؛ إلا إذا تحققت فيه خصال السنة التي أجمعوا عليها. أما من رأى من أهل العلم أن من خالف السنة في باب من أبواب الاعتقاد

стр. 92

ووافقها في باب آخر فهو من أهل السنة فيما وافق فيه السنة، وليس منهم فيما خالفهم فيه؛ وذلك من باب أن المرء يمدح بقدر ما فيه من موافقة السنة، ويذم بقدر ما فيه من مخالفتها، وأن إخراج قوم من مسمى "أهل السنة"؛ لأنهم خالفوا السنة في باب دون باب، فيه مجانية للعدل والإنصاف، من رأى هذا الرأي قال مثلًا: الأشاعرة من أهل السنة في أبواب الإيمان والعقيدة التي لم يخالفوهم فيها، وليسوا منهم في باب الصفات وما خالفوا فيه. والذي أميل إليه: أن لا يقال: "الأشاعرة من أهل السنة" إلا بقيد، فيقال: هم من أهل السنة في كذا، في الأبواب التي لم يخالفوا فيها مذهب أهل السنة. لأننا إذا أطلقنا القول بأنهم من "أهل السنة" التبس الأمر وظن من لا دراية له بحالهم أنهم على مذهب أهل السنة والسلف في كل خصال السنة، والواقع أنهم ليسوا كذلك؛ بل في أقوالهم ما يخالف السنة في كثير من أبواب الاعتقاد؛ فليسوا على السنة المحضة في كل اعتقاداتهم. وإذا أطلقنا القول بأنهم ليسوا من أهل السنة، كان ذلك حكمًا بأنهم خالفوا السنة في كل أبواب الاعتقاد، والأمر ليس كذلك فقد وافقوا أهل السنة في أبواب الصحابة والإمامة وبعض السمعيات. فالعدل والإنصاف يقتضي أن يحكم على كل بما يستحق على ضوء ما رضي لنفسه من قول واختط من نهج. والله تعالى أعلم.

стр. 93

المبحث الرابع: في أسماء أهل السنة وألقابهم عندهم وعند خصومهم أولا: الأسماء التي عرفت بها أهل السنة وهي مرضية عندهم محببة إليهم ١- أهل الجماعة ... المبحث الرابع: في أسماء أهل السنة وألقابهم عندهم وعند خصومهم هناك أسماء وألقاب أخرى تطلق على أهل السنة؛ منها ما هو حق مرضي عندهم عرفوا به، كما عرفوا باسم أهل السنة، ومنها ألقاب نبذهم بها خصومهم من أهل البدع والأهواء، وهم منها براء، والقصد من ذكرها هنا أن يعرف القارئ أن أهل السنة هم المقصودون، إن ورد لقب من هذه الألقاب في كتاب من كتب الفرق والمقالات؛ لأن خصومهم لا يذكرونهم باسم: "أهل السنة" أو غيره من الأسماء المرضية عند أهل السنة إلا نادرًا؛ وإنما يذكرونهم بهذه الألقاب التي نبزوهم بها، تنفيرًا من إتباعهم. فكان لا بد أن نورد الأسماء والألقاب التي أطلقت على أهل السنة سواء من قبلهم، أو من قبل خصومهم من الفرق والطوائف التي تخالفهم في المنهج والاعتقاد، مع بيان وجه التسمية بكل، وبيان ما يلحقهم من الأسماء والألقاب وما لا يلحقهم. أولًا: الأسماء التي عرف بها أهل السنة وهي مرضية عندهم محببة إليهم ١- أهل الجماعة: وهذا الاسم من الأسماء المشهورة التي عرف بها "أهل السنة"، وهو يطلق مقرونًا بـ "السنة" فيقال: "أهل السنة والجماعة"، وقد يرد منفردًا فيقال:

стр. 94

"أهل الجماعة"١، وهو قليل، والغالب اقترانه بالسنة. وأهل السنة هم أهل الجماعة؛ "فإن السنة مقرونة بالجماعة، كما أن البدعة مقرونة بالفرقة فيقال: أهل السنة والجماعة، كما يقال: أهل البدعة والفرقة"٢. وهو مأخوذ من قوله ﷺ في بيان الفرقة الناجية في حديث الافتراق: "وهي الجماعة"؛ فعن أنس بن مالك؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار؛ إلا واحدة وهي الجماعة" ٣. وقد جاءت النصوص من الكتاب والسنة بالأمر بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة؛ وذلك كقوله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٤، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٥. ومن السنة قوله ﷺ لحذيفة بن اليمان ﵁: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" ٦، وقوله ﷺ : "من خرج من الطاعة

стр. 95

وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية"١ والأحاديث في ذلك كثيرة. وقد اختلف أهل العلم في المراد بالجماعة التي ورد الأمر بلزومها على أقوال نذكرها باختصار٢: الأول: أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام، يدل له رواية "كلها في النار إلا السواد الأعظم"٣. الثاني: أنها جماعة العلماء المجتهدين؛ لأن الله جعلهم حجة على الخلق والناس تبع لهم في أمر الدين. وهذا قول غير واحد من الأئمة، منهم الإمام البخاري حيث قاله في "صحيحه": "باب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وما أمر النبي ﷺ بلزوم الجماعة، وهم أهل العلم"٤. وقال الإمام الترمذي: "وتفسير الجماعة عند أهل العلم هم: أهل الفقه والعلم والحديث"، وروي عن ابن المبارك٥ أنه: قيل له: "من الجماعة؟ فقال: أبو بكر وعمر، قيل له: قد مات أبو بكر وعمر، قال: فلان وفلان، قيل له: قد مات فلان وفلان، قال: أبو حمزة السكري٦ جماعة٧".

стр. 96

الثالث: أن الجماعة هي: الصحابة على الخصوص؛ فإنهم الذين أقاموا عماد الدين وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلًا. يدل لهذا القول رواية: "ما أنا عليه وأصحابي"١. الرابعِ: أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام، إذا أجمعوا على أمر؛ فواجب على غيرهم من أهل الملل إتباعهم. قال الإمام الشاطبي عقب هذا القول: "وكأن هذا القول يرجع إلى الثاني أو يرجع إلى القول الأول وهو الأظهر"٢. الخامس: أن الجماعة جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير؛ فأمر النبي ﷺ بلزومه ونهى عن فراق الأمة فيما اجتمعوا عليه من تقدميه عليهم، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة. وهو اختيار الإمام الطبري. السادس: أن المراد بالجماعة: موافقة الحقو لزومه. كما قال عبد الله بن مسعود ﵁ "الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك"٣، وفي رواية: "إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك"٤. قال أبو شامة: "وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق وإتباعه وإن كان المتمسك بالحق قليلًا والمخالف كثيرًا؛ لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي ﷺ وأصحابه ﵃ ولا نظر إلى

стр. 97

كثرة أهل الباطل بعدهم"١. وكل هذه المعاني متقاربة، واختلافها اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وأهل السنة هم أهل الجماعة على أي معنى من هذه المعاني؛ فأما على المعنى الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس فلا إشكال، فأهل السنة يرون إتباع الأئمة من أهل العلم والدين ولا يخرجون عن إجماعهم كما أن قدوتهم أصحاب رسول الله ﷺ ، يهتدون بهديهم ويلزمون آثارهم، وهم أيضًا أعظم الطوائف حرصًا على جماعة المسلمين، وطاعة إمام المسلمين القائم بالعلم والدين ولا يرون الخروج عليه، ما لم يروا كفرًا بواحًا لديهم من الله فيه برهان. وقيل ذلك وبعده فهم ينظرون إلى الحق والصواب يتلمسونه فيلزمونه ويتمسكون به، وإن كان أكثر الناس على خلافه. وأما على القول الأول، وهو أن المراد بالجماعة "السواد الأعظم من المسلمين"؛ فأهل السنة أيضًا هم أهل الجماعة بهذا المعنى؛ وذلك أن المراد بالسواد الأعظم: السواد الأعظم من العلماء المعتبر اجتهادهم، وإن انضم إليهم العوام فبحكم التبع؛ لأنهم غير عارفين بالشريعة، ولا بد من رجوعهم في دينهم إلى العلماء، فإن العامة لو تمالئوا على مخالفة العلماء فيما حدوا لهم لكانوا هم الغالب والسواد الأعظم في ظاهر الأمر لقلة العلماء وكثرة الجهال؛ فلا يقولن أحد إن اتباع جماعة العوام هو المطلوب، وإن العلماء هم المفارقون للجماعة، والمذمومون في الحديث، بل الأمر بالعكس، وأن العلماء هم السواد الأعظم وإن قلوا، والعوام هم المفارقون للجماعة وإن خالفوا٢. سئل الإمام إسحاق بن راهويه٣ من السواد الأعظم؟ فقال: "محمد بن

стр. 98

أسلم١ ومن تبعه، وقال: لو سألت الجهال من السواد الأعظم؟ قالوا: جماعة الناس ولا يعلمون أن الجماعة عالم متمسك بأثر النبي ﷺ وطريقه؛ فمن كان معه وتبعه فهو الجماعة ومن خالفه فيه ترك الجماعة"٢. وقال الإمام ابن القيم معقبًا على قول الإمام إسحاق بن راهويه هذا: "وصدق الله، فإن العصر إذا كان فيه عارف بالسنة داع إليها فهو الحجة، وهو الإجماع، وهو السواد الأعظم وهو سبيل المؤمنين التي من فارقها واتبع سواها ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا"٣.

стр. 99

٢- السلفية أو السلفيون: نسبة إلى السلف. السلف في اللغة: جمع سالف على وزن حارس وحرس، وخادن وخدم، والسالف: المتقدم والسلف الجماعة المتقدمون١. ومنه قوله : ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِين﴾ ٢. قال البغوي في تفسيرها: "والسلف: من تقدم من الآباء، فجعلناهم متقدمين؛ ليتعظ بهم الآخرون"٣.

стр. 100

وقال ابن الأثير: "سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته؛ ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح"١. والسلف في الاصطلاح: اختلف في تحديد مفهوم السلف زمنيًا على عدة أقوال: الأول: أنهم الصحابة فقط: وهو قول عدد من شراح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني٢. الثاني: أنهم الصحابة والتابعون: وإليه ذهب أبو حامد الغزالي في قوله: "اعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف أعني مذهب الصحابة والتابعين"٣. الثالث: أنهم الصحابة والتابعون وتابعوا التابعين: أي القرون الثلاثة التي أثبت لها النبي ﷺ الخيرية بقوله في حديث عمران بن حصين ﵄: "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة"٤. وفي حديث عبد الله بن مسعود ﵁: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته" ٥.

стр. 101

وإليه ذهب كثير من أهل العلم، كالإمام الشوكاني١، والسفاريني٢، وعليه يدل صنيع شيخ الإسلام ابن تيمية في نحو قوله: "سلف الأمة وخيار قرونها"٣، وربما أدخل من بعد تابعي التابعين، كالإمام أحمد "١٦٤- ٢٤١ هـ" في مفهوم السلف فيقول: "وكذلك قال ابن الماجشون، وأحمد بن حنبل وغيرهما من السلف"٤. ويحدد ابن رجب "ت ٧٩٥ هـ" السلف المقتدى بهم إلى عصر الإمام أحمد وأقرانه فيقول: "وفي زماننا يتعين كتابة كلام السلف المقتدي بهم إلى زمن الشافعي "ت ٢٠٤ هـ"، وأحمد "ت ٢٤١"، وإسحاق "ت ٢٣٨ هـ" وأبي عبيد "ت ٢٢٤ هـ"، وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم، فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة"٥. ولعل سلفه في ذلك الإمام الآجري "ت ٣٦٠ هـ"؛ فقد رأيته عند ذكره الأئمة الذي يقتدي بهم، وقف على الإمام أحمد وأقرانه، فقال: "علامة من أراد الله به خيرًا: سلوك هذا الطريق: كتاب الله ، وسنن رسول الله ﷺ ، وسنن أصحابه ﵃ ومن تبعهم بإحسان رحمة الله عليهم، وما كان عليه أئمة المسلمين في كل بلد إلى آخر ما كان عن العلماء مثل: الأوزاعي "ت ١٥٧ هـ"، وسفيان الثوري "ت ١٦١ هـ"، ومالك بن أنس "ت ١٧٩ هـ" والشافعي، وأحمد بن حنبل، والقاسم بن سلام، ومن كان على طريقتهم، ومجانبة كل مذهب لا يذهب إليه هؤلاء العلماء"٦.

стр. 102

وممن مال إلى تحديد السلف بالقرون الثلاثة الدكتور محمد الجليند؛ حيث قال: "وحسمًا للموقف أرى أن لا نتخطى القرون الثلاثة الأولى للهجرة، وندعي أن هناك آراء سلفية مهما بلغ بنا حسن الظن بالمتقدمين، خاصة وأن تراثنا الإسلامي قد تعرض لهزات عنيفة ابتداء القرن الثالث الهجري وعبثت به الأهواء"١. وتابعه على هذا الرأي الدكتور محمود خفاجي قائلًا: "فإنني أرى أن من يحدد السلف بالصحابة والتابعين، وتابعي التابعين هو الأميل للصواب، لموافقته الأثر٢ من ناحية، ولما نجده من الاتفاق بين من يذكرون السلف بطريق الاسم من عد تابعي التابعين من السلف من ناحية أخرى٣"٤. الرابع: أن السلف هم من كانوا قبل الخمسمائة: وهذا قول البيجوري؛ فإنه قال: السلف: وهم من كانوا قبل الخمسمائة، وقيل: القرون الثلاثة والتابعون وأتباع التابعين"٥. قال الدكتور محمود خفاجي معقبًا على ذلك: "وإذا تساءلنا عن السبب لماذا انسحب مفهوم لفظ السلف ليشمل من عاش في أو قبل القرن الخامس الهجري دون غيره؟ ذلك ما لم أجد له إجابة عند هؤلاء الذين حددوا السلف بهذا الحد"٦. ولعل سبب ذهاب البيجوري إلى ذلك، هو رغبته إدخال أئمة الأشاعرة

стр. 103

في مفهوم السلف؛ إذ لا يمكن إدخالهم في مفهوم السلف -زمنيًا؛ إلا على رأيه هذا، إذ كلهم كانوا بعد القرون الثلاثة، باستثناء الإمام الأشعري الذي توفي سنة ٣٢٤ هـ. والله تعالى أعلم. والذي أصبح على مذهب الإمام أحمد١ بعد رجوعه عن الاعتزال وقول ابن كلاب. والمنتسبون إليه ينتسبون إلى مذهب تركه. هل التحديد الزمني كاف لتحديد مفهوم "السلف"؟ إذا قلنا بأن المراد بالسلف زمنيًا هم أهل القرون الثلاثة المفضلة، استئناسًا بالأحديث الواردة في تعيين القرون المفضلة، ولأنا نرى من يذكر السلف بالاسم لا يخرج عن إطار القرن الثالث كما تقدم في كلام الدكتور خفاجي. فهل نعتبر كل من عاش في هذه القرون سلفًا يقتدي به؟ لا شك أن الإجابة على هذا التساؤل هي النفي؛ وذلك لما نعلمه جميعًا من وجود الكثير من أئمة أهل البدع والأهواء في تلك الحقبة. ففيها خرجت الخوارج في عهد الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب ﵁؛ حيث اعترضوا على التحكيم سنة ٣٧ هـ فكان بداية خروجهم. وفيها ظهر التشيع والرفض على يد ابن سبأ اليهودي الذي ادعى الإسلام وزعم محبة آل البيت. وفيها نبتت فتنة القدرية على يد معبد الجهني "ت ٨٠ هـ". وفيها أيضًا ظهرت بدعة الإرجاء وكان من زعماء المرجئة الأوائل غيلان

стр. 104

الدمشقي "ت ١٠٥ هـ". وفيها نجم قرن التجهم، والاعتزال؛ فعاش في هذا الوقت: الجعد بن درهم "ت ١٢٤هـ" أستاذ الجهم بن صفوان "١٢٨ هـ" زعماء الجهمية الأوائل منكري الصفات كما عاش فيه واصل بن عطاء مؤسس فرقة المعتزلة الأول "ت ١٣١ هـ". وبهذا يتضح أن القرون الثلاثة عاش فيها سلف صالح يقتدي به، كما عاش فيها أصحاب أهواء ورواد ابتداع أدخلوا على الإسلام والمسلمين أمورًا ليست من الدين، وفتحوا عليهم أبواب شر عظيم، ما زالت الأمة تعاني من آثاره إلى اليوم. إذن: "ليس السبق الزمني كافيًا في تعيين السلف؛ بل لا بد أن يضاف إلى هذا السبق الزمني موافقة الرأي للكتاب والسنة نصًا وروحًا، فمن خالف رأيه الكتاب والسنة، فليس بسلفي وإن عاش بين ظهراني الصحابة والتابعين"١. ولهذا كان الإمام السفاريني موفقًا أيما توفيق في تعريفه لمذهب السلف؛ حيث احترز فقيد "السلف" الذي يقتدى به بأن يكون ممن شهد له بالإمامة، ولم يرم ببدعة، فقال: "المراد بمذهب السلف ما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وأعيان التابعين لهم بإحسان، وأتباعهم، وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة، وعرف عظم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفًا عن سلف، دون من رمي ببدعة، أو شهر بلقب غير مرض، مثل: الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، والجبرية، والجهمية، والمعتزلة، والكرامية، ونحو هؤلاء"٢. أي أن من قرف بشيء من هذه الأهواء والبدع فلا يعد من السلف الصالح

стр. 105

المقتدى به، وإن عاش في عصرهم وبين ظهرانيهم. إذ ليس كل سلف يقتدي به؛ وإنما تكون القدوة والأسوة بأولئك السلف الأخيار الذين مضى وصفهم، وذكر فضلهم، من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأئمة التابعين، وتابعيهم من أهل القرون المفضلة المشهود لهم بالخيرية على لسان الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم١، الذين عرف عنهم التمسك بالسنة، والإمامة فيها، واجتناب البدعة، والحذر والتحذير منها. وقد أمرنا الله بإتباع سبيل أصحاب رسول الله ﷺ واقتفاء آثارهم وسلوك منهجهم، فقال : ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ ٢. قال الإمام ابن القيم في بيان وجه الاستدلال بالآية: "وكل من الصحابة منيب إلى الله فيجب اتباع سبيله، وأقواله وأعتقاداته من أكبر سبيله"٣. وأخبرنا ﵎ عن رضاه عمن اتبعهم بإحسان، وما أعده لهم من الثواب العظيم فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٤. وقال الرسول ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ٥.

стр. 106

وقال ﷺ في وصف الفرقة الناجية -وقد قيل له: من هي يا رسول الله؟ : "ما أنا عليه وأصحابي" ١. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "من كان مستنًا فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد ﷺ ، كانوا خير هذه الأمة، وأبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم، وطرائقهم، فهم كانوا على الهدي المستقيم"٢. وقال الإمام أحمد بن حنبل: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم وترك البدع"٣. وما زال أئمة السنة وعلماء الأمة جيلًا بعد جيل يدعون إلى إتباع السلف الصالح والاقتداء بهم وسلوك طريقهم، ومن ذلك قول الإمام الأوزاعي "ت ١٥٧ هـ": "عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول"٤، وقوله أيضًا: "أصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا: وكف عما كفوا عنه، وأسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك"٥. وما برح أهل السنة يستدلون على دينهم، وعقائدهم، بما جاء في كتاب الله ، وبما صح من سنة رسول الله ﷺ ؛ فإن لم يجدوا فبما ثبت وأثر

стр. 107

عن السلف الصالحين، من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين المعروف عنهم الإمامة في السنة والتقدم فيها، فيسلكون طريقهم ويقولون فيها بقولهم. فانظر مثلًا إلى الإمام أبي القاسم اللالكائي وهو يوضح منهجه في الاستدلال على مسائل الاعتقاد في كتابه "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" قائلًا: "ثم استدل على صحة مذاهب أهل السنة بما ورد في كتاب الله تعالى فيها، وبما روي عن رسول الله ﷺ ؛ فإن وجدت فيهما جميعًا ذكرتهما، وإن وجدت في إحداهما دون الآخر ذكرته، وإن لم ِأجد فيهما إلا عن الصحابة الذين أمر الله ورسوله أن يقتدى بهم ويهتدى بهم ويهتدى بأقوالهم، ويستضاء بأنوارهم لمشاهدتهم الوحي والتنزيل، ومعرفتهم معاني التأويل احتججت بها؛ فإن لم يكن فيها أثر عن صحابي فعن التابعين لهم بإحسان الذين في قولهم الشفا والهدى"١. وإلى قول الإمام ابن كثير وهو يجنح إلى إتباع السلف والقول بقولهم: "وأما قول تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٢ فللناس في هذا مقالات كثيرة جدًا، ليس هذا موضع بسطها؛ وإنما يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح، مالك "٩٣- ١٧٩ هـ"، والأوزاعي، والثوريي "٩٧- ١٦١ هـ"، والليث بن سعد "ت ١٧٥ هـ" والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق"٣. وقول الإمام ابن أبي العز شارح "الطحاوية": "وقد أحببت أن أشرحها سالكًا طريق السلف في عبراتهم، وانسج على منوالهم متطفلًا عليهم لعلي أنظم في سلكهم وأدخل في عدادهم"٤.

стр. 108

وقال الإمام الذهبي في مقدمة كتابه القيم "العلو للعلي الغفار" بعد أن ذكر عددًا من آيات الاستواء والعلو: "فإن أحببت يا عبد الله الإنصاف؛ فقف مع نصوص القرآن والسنن، ثم انظر ما قاله الصحابة والتابعون وأئمة التفسير في هذه الآيات، وما حكوه من مذاهب السلف، فإما أن تنطق بعلم، وإما تسكت بحلم"١. ضرورة بيان مذهب السلف ومواقفهم من أهل البدع: كان الناس على عهد رسول الله ﷺ وصدر القرن الأول على قول واحد وصراط مستقيم إلى أن أطلت الفتن، وبزغت قرون أهل البدع والخلاف؛ فخرجت الخوارج، وتشيعت الشيعة، وتجهمت الجهمية، واعتزلت المعتزلة، واستطار شرر المتكلمين في الأمصار يثير الشبهات. وكان هؤلاء وأولئك يرون أنهم على حق وأنهم الفرق الناجية، ويستدلون على أقوالهم ومذاهبهم بنصوص من الكتاب والسنة ينزلونها على آرائهم، ويصرفونها عما دلت عليه ظواهرها، كما ألمحنا إلى ذلك فيما سبق، ويدعون انهم متبعون للكتاب والسنة، وربما التبس الأمر على عامة الناس، لما يظهره هؤلاء من الاستدلال بنصوص الشرع على مذاهبهم وأقوالهم. فلما كان الأمر كذلك احتاج أهل السنة إلى بيان وإظهار مذهب السلف الصالح الذين لا يشك أحد في أنهم أهل السنة وأئمتها المعروفون بها، وبيان ما ذهبوا إليه في فهم هذه النصوص وما فسروها به؛ لأنهم أدق فهمًا، وأصفى ذهنًا، وأصدق تسننًا وتدينًا وأعمق علمًا، وأقل تكلفًا، وأقرب إلى مشكاة النبوة، وشعاع الوحي، ما زال نورهما في قلوبهم مضيئًا يهيديهم إلى القول الحق، والطريق المستقيم، ليقف الناس على أقوالهم ومذاهبهم فيتبين لهم مدى مخالفة أقوال ومذاهب تلك الفرق لأقوال السلف الصالح ومباينتها لها.

стр. 109

ولذا نرى كثيرًا من أئمة الإسلام؛ إذ ذكر أمرًا من أمور الاعتقاد يحرص على بيان قول السلف والأئمة المقتدى بهم المتفق على إمامتهم في السنة، ليعلم أن مخالفهم سار على غير هديهم؛ فإما أن يكونوا على الهدى والصواب والسنةن أو يكون مخالفهم هو المصيب، ولا شك أنهم بالحق والصواب أولى؛ لما عرفنا من فضلهم وعلمهم وحرصهم على السنة والتمسك بها. وذلك كقول الإمام أحمد بن حنبل في مقدمة رسالة "السنة" له: "هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروتها، المعروفين بها المقتدي بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت من علماء الحجاز والشام وغيرهما عليها؛ فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة زايل عن منهج السنة وسبيل الحق"، ثم ذكر قولهم في مسائل الاعتقاد١. وكذلك قول الإمامين أبي حاتم "ت ٢٧٧ هـ"، وأبي زرعة "ت ٢٦٤ هـ" الرازيين: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا، وعراقًا وشامًا، ويمنًا؛ فكان من مذهبهم الإيمان قول وعمل يزيد وينقص"٢. وقول الإمام الأوزاعي: "كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله فوق عرشه ونؤمن بما وردت بها لسنة من صفاته"٣. وهكذا كان أهل العلم من الأئمة يحرصون على أن يبينوا ما ذكروه وما قالوه في مسائل الاعتقاد هو قول من سبقهم من أئمة السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم ليعلم أن ما خالف ذلك فليس هو من قولهم ولا من هديهم، وأنه من أقوال أهل البدع والخلاف.

стр. 110

وأهل البدع وإن كانوا يدعون اتباع الكتاب والسنة ويستدلون بالكثير من نصوصهما على ما يذهبون إليه على نحو ما ذكرنا، ويزعمون أنهم أهل الحق وربما تسمى بعضهم بأهل السنة؛ إلا أنهم لم يدعوا يومًا أنهم على مذهب السلف أو من أتباعهم أو قائلون بقولهم. بل يصرحون بمخالفتهم ومباينتهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "بل والطوائف المشهورة بالبدعة، كالخوارج والروافض، لا يدعون أنهم على مذهب السلف؛ بل هؤلاء يكفرون جمهور السلف، فالرافضة تطعن في أبي بكر وعمر وعامة السابقين والأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإسحان، وسائر أئمة الإسلام، بل ويكفرونهم فكيف يزعمون أنهم على مذهب السلف، ولكن ينتحلون مذهب أهل البيت كذبًا وافتراء؟ " وكذلك الخوارج قد كفروا عثمان وعليًا، وجمهور المسلمين من الصحابة والتابعين فكيف يزعمون أنهم على مذهب السلف؟ والمعتزلة أيضًا تفسق من الصحابة والتابعين طوائف، وتطعن في كثير منهم وفيما رووه من الأحاديث التي تخالف آراءهم وأهواءهم. وليس انتحال مذهب السلف من شعائرهم. -إلى أن قال: فالمقصود هنا أن المشهورين من الطوائف بين أهل السنة والجماعة بالبدعة، ليسوا منتحلين للسلف فعلم أن شعار أهل البدع هو ترك انتحال إتباع السلف. وأما متكلمة أهل الإثبات من الكلابية والكرامية والأشعرية، مع الفقهاء والصوفية وأهل الحديث فهؤلاء في الجملة لا يطعنون في السلف؛ بل قد يوافقونهم في أكثر جمل مقالاتهم، لكن كل ما كان بالحديث من هؤلاء أعلم، كان بمذهب السلف أعلم وله اتبع؛ وإنما يوجد تعظيم السلف عند كل طائفة بقدر استنانها وقلة ابتداعها. أما أن يكون انتحال السلف من شعائر أهل البدع، فهذا باطل قطعًا، فإن
следующие страницы →